×
☰ فهرست و مشخصات
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

سورة آل عمران ص : 23

الجزء الثالث‏

سورة آل عمران‏

23
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 1 الى 6] ص : 25

سورة آل عمران‏ «1»

في كتاب ثواب الأعمال‏ «2»: بإسناده إلى أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال‏: من قرأ البقرة و آل عمران جاء «3» يوم القيامة يضلّانه‏ «4» على رأسه مثل الغمامتين، أو مثل الغيابتين.

[مدنيّة و آيها مائتان.] «5» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الم‏ (1): قد مرّ بعض إشاراته في أوّل سورة البقرة.

و في كتاب معاني الأخبار «6»: بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثّوريّ، عن الصادق- عليه السّلام-، في حديث طويل يقول فيه- عليه السّلام-: و أمّا «الم» في أوّل آل عمران فمعناه أنا اللّه المجيد.

و في تفسير العيّاشيّ‏ «7» خيثمة الجعفيّ، عن أبي لبيد «8» المخزوميّ قال: قال أبو جعفر- عليه السّلام-: يا أبا لبيد انّه يملك من ولد عبّاس‏ «9» اثنا عشر «10»، يقتل بعد الثّامن منهم أربعة،

______________________________
(1) يوجد في أبعد «سورة آل عمران»: مدنية و آيتها مائتان.

(2) ثواب الأعمال/ 130، ح 1.

(3) المصدر: جاءتا.

(4) المصدر: تضلانه.

(5) ليس في أ.

(6) معاني الأخبار/ 22 ضمن ح 1. و في أ: ثواب الأعمال.

(7) تفسير العياشي 2/ 3.

(8) النسخ: «خيثمة الجعفري حدثني أبو لبيد» و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(9) المصدر: ولد العباس.

(10) النسخ: «اثنى عشرة.» و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

 

25
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 1 الى 6] ص : 25

يصيب‏ «1» أحدهم الذّبحة فتذبحه، هم فئة «2» قصيرة أعمارهم قليلة مدّتهم خبيثة سيرتهم [منهم‏] «3» الفويسق الملقّب بالهادي، و النّاطق و الغاوي، يا أبا لبيد إنّ في حروف القرآن المقطّعة لعلما جمّا، إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أنزل‏ الم ذلِكَ الْكِتابُ‏ فقام محمّد- صلّى اللّه عليه و آله- حتّى ظهر نوره و ثبتت كلمته و ولد «4» يوم ولد و قد مضى من الألف السّابع مائة سنة و ثلاث سنين، ثمّ قال: و تبيانه في كتاب اللّه في الحروف المقطّعة، إذا عدّدتها من غير تكرار، و ليس من حروف مقطّعة حرف تنقضي أيّام إلّا و قائم من بني هاشم عند انقضائه، ثمّ قال: الألف واحد، و اللّام ثلاثون، و الميم أربعون، و الصّاد تسعون، فذلك مائة و إحدى و ستّون، ثمّ كان بدء «5» خروج الحسين بن عليّ- عليه السّلام- الم اللّه، فلمّا بلغت مدّته قام قائم ولد العبّاس عبد «المص» و يقوم قائمنا عند انقضائها «بالر» فافهم ذلك و عه و اكتمه.

و إنّما فتح الميم في المشهورة، و كان حقّها أن يوقف عليها، لإلقاء حركة الهمزة عليها ليدلّ على أنّها في حكم الثّابت، لأنّها أسقطت للتّخفيف لا للدّرج، فإنّ الميم في حكم الوقف، كقولهم: واحد اثنان، لا لالتقاء السّاكنين، فإنّه غير محذور في باب الوقف، و لذلك لم يحرّك في لام.

و قرئ بكسرها، على توهّم التّحريك لالتقاء السّاكنين. و قرأ أبو بكر بسكونها، و الابتداء بما بعدها على الأصل‏ «6».

اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ‏ (2): «7»: قد مرّ تفسيره فلا حاجة إلى تكريره.

نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ‏، أي: القرآن منجما، بِالْحَقِ‏: بالعدل، أو بالصّدق في أخباره، أو بالحجج المحقّقة أنّه من عند اللّه. و هو في موضع الحال عن المفعول.

مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ‏: من الكتب.

______________________________
(1) المصدر: فتصيب.

(2) النسخ: «فتنة». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(3) يوجد في المصدر.

(4) النسخ: «ولده». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(5) هكذا في أ. و في الأصل و رو المصدر: بدو.

(6) ر. أنوار التنزيل 1/ 148.

(7) البقرة 255.

26
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 1 الى 6] ص : 25

وَ أَنْزَلَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ‏ (3) «1» جملة على موسى و عيسى.

في أصول الكافي‏ «2»: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و محمّد بن القاسم، عن محمّد بن سليمان، عن داود، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال‏: [سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ‏، و إنّما أنزل في عشرين سنة بين أوّله و آخره.

فقال أبو عبد اللّه- عليه السّلام-:] «3» نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور، ثمّ نزل‏ «4» في طول عشرين سنة، ثمّ قال: قال النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله:

نزلت‏ «5» صحف إبراهيم في أوّل ليلة من شهر رمضان، و أنزلت التّوراة لستّ مضين من شهر رمضان، و أنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت‏ «6» من شهر رمضان، و أنزل الزّبور لثمان عشرة خلون من شهر رمضان، [و أنزل القرآن في ثلاث و عشرين من شهر رمضان.

و في الكافي‏ «7»: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال‏: أنزلت‏ «8» التّوراة في ستّ مضت من شهر رمضان، و نزل‏ «9» الإنجيل في اثنا عشر «10» ليلة من شهر رمضان، و أنزل‏ «11» الزّبور في ليلة ثمانية عشرة مضت من شهر رمضان‏] «12» و أنزل‏ «13» القرآن في ليلة القدر.

قيل‏ «14»: التّوراة مشتقّة من الورى، الّذي هو إخراج النار من الزناد، سمّي بها لإخراج نور العلم منه. و الإنجيل من النّجل، بمعنى: الولد، سمّي به لأنّه يتولّد منه النّجاة.

و وزنهما تفعلة و إفعيل، و هو تعسّف لأنّهما اسمان أعجميّان، يؤيّد ذلك أنّه قرئ الإنجيل بفتح الهمزة، و هو ليس من أبنية العرب.

______________________________
(1) آل عمران، 3.

(2) الكافي 2/ 628، ح 6.

(3) ما بين المعقوفتين يوجد في المصدر.

(4) النسخ: «نزلت». و ما في المتن موافق المصدر.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: نزل.

(6) ليس في ر.

(7) نفس المصدر 4/ 157، ح 5.

(8) المصدر: نزلت.

(9) هكذا في النسخ و المصدر. و الظاهر: أنزل.

(10) هكذا في النسخ و المصدر. و الظاهر: اثنتي عشرة.

(11) المصدر: نزل.

(12) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(13) المصدر: نزل.

(14) أنوار التنزيل 1/ 148.

27
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 1 الى 6] ص : 25

مِنْ قَبْلُ‏: تنزيل القرآن.

هُدىً لِلنَّاسِ‏، أي: لكلّ من أنزل عليه‏ وَ أَنْزَلَ الْفُرْقانَ‏:

قيل‏ «1»: يريد به جنس الكتب الإلهيّة، فإنّها فارقة بين الحقّ و الباطل، ذكر ذلك بعد [ذكر] «2» الكتب الثّلاثة ليعمّ ما عداها [كأنّه قال: و أنزل سائر ما يفرّق به بين الحقّ و الباطل، أو الزّبور] «3» أو القرآن. و كرّر ذكره بما هو نعت له مدحا و تعظيما و إظهارا لفضله، من حيث أنّه يشركهما في كونه وحيا منزّلا، و يتميّز بأنّه معجز، يفرّق به بين المحقّ و المبطل أو المعجزات.

و يحتمل أن يكون المراد به محكمات القرآن، أفردها لزيادة شرفها و نفعها.

و في أصول الكافي‏ «4»: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن سنان أو غيره، عمّن ذكره قال‏: سألت أبا عبد اللّه- عليه السّلام- عن القرآن و الفرقان أ هما شيئان أو شي‏ء واحد.

فقال- عليه السّلام-: القرآن جملة الكتاب، و الفرقان المحكم الواجب العمل به.

[و في تفسير العيّاشيّ‏ «5»: عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال‏: سألته‏ «6» عن قول اللّه: الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَ أَنْزَلَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ أَنْزَلَ الْفُرْقانَ‏.

قال: هو كلّ أمر محكم، و الكتاب هو جملة القرآن الّذي يصدّق فيه من كان‏ «7» قبله [من‏] «8» الأنبياء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ «9»: حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- و روى مثل ما في تفسير العيّاشيّ.

و في كتاب علل الشّرائع‏ «10»: بإسناده إلى أبي عبد اللّه [بن يزيد قال: حدّثني يزيد] «11»

______________________________
(1) نفس المصدر 1/ 148.

2 و 3- يوجد في المصدر.

(4) الكافي 2/ 630، ح 11.

(5) تفسير العياشي 1/ 162، ح 1.

(6) «قال سألته» ليس في المصدر.

(7) المصدر: «كتاب» بدل «كان».

(8) يوجد في المصدر.

(9) تفسير القمي 1/ 96.

(10) علل الشرائع/ 470، صدر ح 33.

(11) يوجد في المصدر.

 

28
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 1 الى 6] ص : 25

ابن سلام‏ أنّه سأل رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- فقال له: لم سمّي الفرقان فرقانا؟

[قال:] «1» لأنّه متفرّق الآيات و السّور أنزلت في غير الألواح، و غيره من الصّحف‏ «2» و التّوراة و الإنجيل و الزّبور أنزلت‏ «3» كلّها جملة في الألواح و الورق.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

و في الصّحيفة السّجّاديّة في دعائه- عليه السّلام- عند ختم القرآن‏ «4»: و فرقانا فرقت به بين حلالك و حرامك، و قرآنا أعربت به عن شرائع أحكامك.

] «5» إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ‏: من كتب منزلة كانت أو غيرها، لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ: بسبب كفرهم. و لا شك أنّ أمير المؤمنين من أعظم آيات اللّه، و الكافرين به و المنكرين لحقّه لهم عذاب شديد.

وَ اللَّهُ عَزِيزٌ: غالب، لا يمنع من التّعذيب، ذُو انْتِقامٍ‏ (4):

تنكيره للتّعظيم، أي: انتقام لا يقدر مثله أحد و لا يعرف كنهه أحد. و النّقمة، عقوبة المجرم. و الفعل منه، نقم- بالفتح و الكسر- و هو وعيد جي‏ء به بعد تقرير التّوحيد، و إنزال الكتب و الآيات لمن أعرض عنها.

إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى‏ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ: كلّيّا كان أو جزئيّا، إيمانا أو كفرا، فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ (5):

خصّصهما، إذ الحسّ لا يتجاوزهما، و قدّم الأرض ترقّيا من الأدنى إلى الأعلى، و لأنّ المقصود ما اقترف فيها.

هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ‏:

و هو ردّ على ما ذهب إليه بعض الحكماء من وجود القوّة المصوّرة.

و قرئ: تصوّركم، أي: صوّركم لنفسه و عبادته‏ «6».

كَيْفَ يَشاءُ: من الصّور المختلفة، مشابها لصورة أبيه أولا.

______________________________
(1) من المصدر.

(2) الأصل: «غير الصحف» بدل «غيره من الصحف». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(3) المصدر: نزلت.

(4) الصحيفة السجادية/ 211، الدعاء 42.

(5) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(6) أنوار التنزيل 1/ 149.

29
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 1 الى 6] ص : 25

و في كتاب علل الشّرائع‏ «1»: بإسناده إلى جعفر بن بشير، عن رجل، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال‏: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- إذا أراد أن يخلق خلقا جمع كلّ صورة بينه و بين أبيه إلى آدم، ثمّ خلقه على صورة أحدهم، فلا يقولنّ أحد: هذا لا يشبهني و لا يشبه شيئا من آبائي.

و في الكافي‏ «2»: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن نوح بن شعيب رفعه، عن عبد اللّه بن سنان، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال‏: اتى رجل من الأنصار رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- فقال: هذه ابنة عمّي و امرأتي، لا أعلم منها «3» إلّا خيرا، و قد أتتني بولد شديد السّواد، منتشر المنخرين، جعد، قطط، أفطس الأنف، لا أعرف شبهه في أخوالي و لا في أجدادي.

فقال- صلّى اللّه عليه و آله- لامرأته: ما تقولين؟

قالت: لا و الّذي بعثك بالحقّ نبيّا ما أقعدت مقعده منّي‏ «4» منذ ملكني أحدا غيره.

قال: فنكس رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- [برأسه‏] «5» مليّا، ثمّ رفع بصره إلى السّماء، ثمّ أقبل على الرجل فقال: يا هذا، إنّه ليس من أحد إلّا بينه و بين آدم تسعة و تسعون‏ «6» عرقا كلّها تضرب في النّسب، فإذا وقعت النّطفة في الرّحم اضطربت تلك العروق تسأل الشّبه‏ «7» لها، فهذا من تلك العروق الّتي لم يدركها أجدادك و لا أجداد أجدادك، خذ إليك ابنك.

فقالت المرأة: فرجت عنّي يا رسول اللّه.

محمّد بن يحيى و غيره‏ «8»، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن إسماعيل بن عمرو، عن شعيب العقرقوفي، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال‏: إنّ للرحم أربعة «9» سبل، في أيّ سبيل سلك فيه الماء كان منه الولد واحد و اثنان و ثلاثة و أربعة، «10»

______________________________
(1) علل الشرائع/ 103، ح 1.

(2) الكافي 5/ 561، ح 23.

(3) ليس في المصدر.

(4) أ: مقعدته أعنى.

(5) يوجد في المصدر.

(6) النسخ: تسعة و تسعين. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(7) المصدر: تسأل اللّه الشبهة.

(8) الكافي 6/ 17، ح 2.

(9) النسخ: أربع. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(10) النسخ: ثلث أربع. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

 

30
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): آية 7] ص : 31

و لا يكون إلى سبيل أكثر من واحد.

عليّ بن محمّد رفعه‏ «1»، عن محمّد بن حمران، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال‏: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق للرّحم أربعة أوعية، فما كان في الأوّل فللأب، و ما كان في الثّاني فللأم، و ما كان في الثّالث‏ «2» فللعمومة، و ما كان في الرّابع‏ «3» فللخئولة. و ذلك التّصوير بعد مكث النّطفة في الرّحم أربعين يوما.

يدلّ عليه‏

ما رواه في كتاب علل الشّرائع‏ «4»: بإسناده إلى محمّد بن عبد اللّه بن زرارة، عن عليّ بن عبد اللّه، عن أبيه، عن جدّه، عن أمير المؤمنين- عليه السّلام- قال‏:

تعتلج النطفتان في الرّحم فأيّتهما كانت أكثر جاءت تشبهها، فإن كانت نطفة المرأة أكثر جاءت يشبه‏ «5» أخواله، و ان كانت نطفة الرّجل أكثر جاءت يشبه‏ «6» أعمامه.

و قال: تحول النّطفة في الرّحم أربعين يوما، فمن أراد أن يدعو اللّه- عزّ و جلّ- ففي تلك الأربعين قبل أن يخلق‏ «7»، ثمّ يبعث اللّه- عزّ و جلّ- ملك الأرحام، فيأخذها فيصعد بها إلى اللّه- عزّ و جلّ- فيقف منه ما شاء «8» اللّه، فيقول: يا إلهي أ ذكر أم أنثى؟ فيوحي اللّه- عزّ و جلّ- ما يشاء.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

لا إِلهَ إِلَّا هُوَ: إذ لا يعلم و لا يفعل جملة ما يعلمه، و لا يقدر أن يفعل مثل ما يفعله غيره.

الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ (6): إشارة إلى كمال قدرته، و تناهي حكمته.

قال البيضاويّ‏ «9»: قيل: هذا حجاج‏ «10» على من زعم أنّ عيسى كان ربّا، فإنّ وفد نجران لمّا حاجّوا فيه رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- نزلت السّورة من أوّلها إلى نيف و ثمانين آية، تقريرا لما احتجّ به عليهم و أجاب عن شبههم.

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ‏: أُحكمت عبارتها، بأن‏

______________________________
(1) نفس المصدر 6/ 17، ح 2.

(2) النسخ: للثالث. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(3) النسخ: للرابع. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(4) علل الشرائع/ 95، ح 4.

5 و 6- المصدر: تشبه.

(7) المصدر: تخلق.

(8) المصدر: «حيث يشاء» بدل «ما شاء».

(9) أنوار التنزيل 1/ 149.

(10) النسخ: احتجاج. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

31
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): آية 7] ص : 31

حفظت من الإجمال و الاشتباه.

هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ‏: أصله، يردّ إليها غيرها. و القياس أمّهات، فأفرد على تأويل واحدة، أو على أنّ الكلّ بمنزلة آية واحدة.

وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ‏: محتملات، لا يتضح مقصودها لإجمال أو مخالفة ظاهر.

و العلّة في ذلك‏

ما رواه في كتاب الاحتجاج‏ «1»: عن أمير المؤمنين- عليه السّلام- في حديث طويل و فيه يقول‏: ثمّ إنّ اللّه- جلّ ذكره- لسبقة «2» رحمته و رأفته بخلقه، و علمه بما يحدثه المبدّلون من تغيير كلامه، قسّم كلامه ثلاثة أقسام: فجعل قسما منه يعرفه‏ «3» العالم و الجاهل، و قسما لا يعرفه إلّا من صفا ذهنه و لطف حسّه و صحّ تميّزه ممّن شرح اللّه صدره للإسلام، و قسما لا يعرفه إلّا اللّه و أنبياؤه‏ «4» و الرّاسخون في العلم. و إنّما فعل ذلك، لئلّا يدّعي أهل الباطل من المستولين على ميراث رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- من علم الكتاب ما لم يجعله‏ «5» اللّه‏ «6» لهم، و ليقودهم الاضطرار إلى الائتمار لمن‏ «7» و لاه أمرهم، فاستكبروا عن طاعته تعزّزا «8» و افتراء على اللّه، و اغترارا بكثرة من ظاهرهم و عاونهم و عاند «9» اللّه- جل اسمه- و رسوله- صلّى اللّه عليه و آله-.

و اعلم أنّ قسمين ممّا ذكر في الخبر داخل في المحكم المذكور في الآية. و أمّا قوله:

كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ‏، فمعناه: أنّها حفظت من فساد المعنى، و ركاكة اللّفظ. و قوله:

كِتاباً مُتَشابِهاً. فمعناه: يشبه بعضه بعضا في صحّة المعنى، و جزالة اللّفظ. «و أخر» جمع أخرى، و لم ينصرف لأنّه وصف معدول من «الآخر» و لا يلزم معرفته، لأنّ معناه أنّ القياس أن يعرّف، و لم يعرّف لأنّه‏ «10» معرّف في المعنى‏ «11» أو من آخر من بهذا المعنى‏ «12».

في أصول الكافي‏ «13»: الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن محمّد بن أورمة، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- في قوله‏

______________________________
(1) الاحتجاج 1/ 376.

(2) المصدر: لسعة.

(3) أ: معرفة.

(4) المصدر: أمناؤه.

(5) المصدر: يجعل.

(6) ليس في أ.

(7) النسخ: بمن و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(8) النسخ: تفررا. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(9) الأصل: عاندا. و ما أثبتناه في المتن موافق أ.

(10) الأصل: لا أنّه. و ما أثبتناه في المتن موافق ر.

11 و 12- أ: الحق.

(13) الكافي 1/ 414، ح 14.

 

32
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): آية 7] ص : 31

تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ‏، قال: أمير المؤمنين- عليه السّلام- و الائمّة- عليهم السّلام- وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ‏، قال: فلان و فلان.

و للحديث تتمّة، أخذت منه موضع الحاجة.

فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ‏: ميل عن الحقّ و عدول.

فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ‏: بظاهره، أو بتأويل غير منقول عن النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- و الأئمّة- عليهم السّلام- أو فلان و فلان.

ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ طلب أن يفتنوا أنفسهم و الناس عن دينهم.

و في مجمع البيان‏ «1»: قيل: المراد بالفتنة هنا الكفر، و هو المرويّ عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام-.

وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ‏: طلب أن يأوّلوه‏ «2» على ما يشتهونه.

قيل‏ «3»: يحتمل أن يكون الدّاعي إلى الاتّباع مجموع الطّلبتين، أو كل‏ «4» واحدة منهما على التّعاقب، و الأوّل يناسب المعاند و الثّاني يلائم الجاهل.

[و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ «5»: حدّثنا محمّد بن أحمد بن ثابت قال: حدّثنا الحسن بن محمّد بن سماعة «6»، عن وهيب بن حفص‏ «7»،] «8» عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال: سمعته يقول‏: إنّ القرآن زاجر و آمر يأمر بالجنّة «9» و يزجر عن النّار.

و فيه محكم و متشابه. فأمّا المحكم فيؤمن به و يعمل به. و أمّا المتشابه فيؤمن به و لا يعمل به و هو قول اللّه: فَأَمَّا الَّذِينَ‏- و قرأ الى- كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا، و قال‏ «10»: آل محمّد الرّاسخون في العلم.

وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ‏، أي: الّذي يجب أن يحمل عليه.

______________________________
(1) مجمع البيان 1/ 410.

(2) الأصل: يألوه. و ما أثبتناه في المتن موافق أ.

(3) أنوار التنزيل 1/ 149.

(4) ر: لكل. (ظ)

(5) تفسير القمي 2/ 451.

(6) الأصل: الحسن بن أحمد بن سماعة. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(7) الأصل: وهب بن حفص. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(8) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(9) أ: بالخير.

(10) ليس في المصدر.

33
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): آية 7] ص : 31

إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ‏، أي: الّذين ثبتوا و تمكّنوا فيه.

و في تتّمة الحديث السّابق‏، أنّ الرّاسخين في العلم أمير المؤمنين و الأئمّة- عليهم السّلام‏ «1»-.

و في كتاب معاني الأخبار «2»: بإسناده إلى محمّد بن قيس قال: سمعت أبا جعفر- عليه السّلام- يحدّث‏: أنّ حييّا و أبا ياسر أبني أخطب و نفرا من يهود اهل نجران أتوا رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- فقالوا «3» له: أليس فيما تذكر فيما أنزل اللّه عليك الم؟

قال: بلى.

قالوا: أتاك بها جبرئيل من عند اللّه؟

قال: نعم.

قالوا: لقد بعثت أنبياء قبلك و ما نعلم نبيّا منهم أخبر ما «4» مدّة ملكه و ما أجل أمّته غيرك.

قال: فأقبل حييّ بن أخطب‏ «5» على أصحابه فقال لهم: الألف واحد، و اللّام ثلاثون، و الميم أربعون، فهذه إحدى و سبعون سنة، فعجب ممّن يدخل في دين مدّة ملكه و أجل أمّته إحدى و سبعون سنة.

قال: ثمّ أقبل على رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- فقال له: يا محمّد هل مع هذا غيره؟

قال: نعم.

قال: فهاته‏ «6».

قال: المص.

قال: هذه أثقل و أطول، الألف واحد، و اللّام ثلاثون‏ «7»، و الميم أربعون، و الصّاد تسعون، فهذه مائة و واحد و ستّون سنة «8».

______________________________
(1) لا يوجد هكذا تتمة في الحديث السابق، كما أنّ الحديث السابق قد نقل هنا بتمامه و لم تبق له تتّمة لم تنقل.

(2) معاني الأخبار/ 23- 24، ح 3.

(3) كذا في المصدر و في النسخ: فقال.

(4) المصدر: أخبرنا.

(5) أ: حيّ بن أخطب.

(6) المصدر: هاته.

(7) يوجد في أبعد هذه العبارة: «و الراء مائتان.» و وجودها خطأ أو زائدة.

(8) النسخ: «فهذه مائة و واحد و أربعون». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

 

34
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): آية 7] ص : 31

ثمّ قال لرسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-: فهل مع هذا غيره؟

قال: نعم.

قال: هاته.

قال: الر.

قال: هذه أثقل و أطول، الألف واحد، و اللّام ثلاثون‏ «1»، و الرّاء مائتان.

[ثمّ قال لرسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-:] «2» فهل مع هذا غيره؟

قال: نعم.

قال: هاته.

قال: المر.

قال: هذه أثقل و أطول، الألف واحد، و اللام ثلاثون و الميم أربعون و الرّاء مائتان.

ثمّ قال له: هل مع هذا غيره؟

قال: نعم.

قال: قد التبس علينا أمرك فما ندري ما أعطيت. ثمّ قاموا عنه، ثمّ قال أبو ياسر لحييّ‏ «3» أخيه: ما يدريك، لعل محمّدا قد جمع له هذا كلّه و أكثر منه.

قال: فذكر أبو جعفر- عليه السّلام- أنّ هذه الآيات أنزلت فيهم: منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب و أخر متشابهات.

قال: و هي تجري في وجه آخر [على‏] «4» غير تأويل حييّ و أبي ياسر و أصحابهما.

أقول: و هذا الوجه هو ما مرّ، من أنّ المراد بالمحكمات و المتشابهات الأئمّة و أعداؤهم، و بعضهم وقفوا على اللّه و فسّروا المتشابه بما استأثره بعلمه.

يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ‏: استئناف موضح. لحال الرّاسخين، أو حال منهم، أو خبر إن جعلته مبتدأ.

كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا، أي: كلّ من المحكم و المتشابه من عنده، و على كون المراد بالمتشابه فلان و فلان كونه من عنده، بمعنى: خلقه له و عدم جبره على الاهتداء، كما هو

______________________________
(1) يوجد في أبعد هذه العبارة: «و الميم أربعون و الصاد تسعون هذه». و هي زائدة.

(2) يوجد في المصدر.

(3) أ: لحيّ. المصدر: للحيي.

(4) يوجد في المصدر.

35
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): آية 7] ص : 31

طريقة الابتلاء و التّكليف.

وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ‏ (7): مدح للرّاسخين، أو لمن يتذكّر أنّ العالم بالمتشابه لا يكون غير الرّاسخين، الّذين هم الأئمّة- عليهم السّلام-.

[و في شرح الآيات الباهرة «1»] «2» روى محمّد بن يعقوب‏ «3»، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن أيّوب‏ «4» بن الحرّ [و عمران بن عليّ، عن أبي بصير] «5» عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال‏: نحن الرّاسخون في العلم، و نحن نعلم تأويله.

و يؤيّده‏

ما رواه أيضا، عن عليّ بن محمّد «6»، عن عبد اللّه بن عليّ، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن بريد بن معاوية، عن أحدهما- عليهما السّلام- في قول اللّه عزّ و جلّ: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ.

قال: فرسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- أفضل الرّاسخين في العلم، قد علّمه اللّه- عزّ و جلّ- علم جميع ما أنزل [اللّه‏] «7» عليه من التّنزيل و التّأويل، و ما كان [اللّه‏] «8» لينزل عليه شيئا لم يعلّمه تأويله، و أوصياؤه من بعده يعلمونه كلّه [و كيف لا يعلمونه؟! و منهم مبدأ العلم، و إليهم منتهاه، و هم معدنه و قراره و مأواه.

] «9» و بيان ذلك‏

ما رواه الشّيخ محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم‏ «10»، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن عبد اللّه بن سليمان، عن حمران بن أعين [عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام-] «11» قال‏: إنّ جبرئيل- عليه السّلام- أتى رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- برمّانتين، فأكل رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- إحداهما و كسر الأخرى بنصفين،

______________________________
(1) تأويل الآيات الباهرة/ 35- 37.

(2) ليس في أ.

(3) الكافي 1/ 213، ح 1.

(4) أ: أبو أيوب.

(5) ليس في النسخ.

(6) نفس المصدر و الموضع، ح 2.

7 و 8- يوجد في الكافي.

(9) يوجد في الكافي بدل ما بين المعقوفتين: و الذين لا يعلمون تأويله إذا قال العالم فيهم بعلم فأجابهم اللّه بقوله: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا و القرآن خاصّ و عامّ و محكم و متشابه و ناسخ و منسوخ.

فالراسخون في العلم يعلمونه.

(10) الكافي 1/ 263، ح 1.

(11) يوجد في الكافي.

 

36
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): آية 7] ص : 31

فأكل نصفا و أطعم عليّا نصفا.

ثمّ قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-: يا أخي هل تدري ما هاتان الرّمّانتان؟

قال: لا.

قال: أمّا الأولى فالنّبوّة ليس لك فيها نصيب، و أمّا الأخرى فالعلم أنت شريكي فيه.

فقلت: أصلحك اللّه كيف يكون‏ «1» شريكه فيه؟

قال: لم يعلّم اللّه محمّدا- صلّى اللّه عليه و آله- [علما] «2» إلّا و أمره أن يعلّمه عليّا- عليه السّلام-.

و يؤيّده‏

ما رواه أيضا، عن محمّد بن يحيى‏ «3»، عن محمّد بن الحسن، عن محمّد بن عبد الحميد، عن منصور بن يونس، عن ابن أذينة، عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر- عليه السّلام- يقول‏: نزل جبرئيل- عليه السّلام- على محمّد- صلّى اللّه عليه و آله- برمّانتين من الجنّة، فلقيه عليّ- عليه السّلام- فقال له: ما هاتان الرّمّانتان الّتي في يدك؟

فقال: أمّا هذه فالنّبوّة ليس لك فيها نصيب، و أمّا هذه فالعلم. ثمّ فلقها رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- نصفين‏ «4» فأعطاه نصفها و أخذ رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- نصفها، ثمّ قال: أنت شريكي فيه و أنا شريكك فيه.

قال: فلم يعلّم رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- حرفا ممّا علّمه اللّه- عزّ و جلّ- إلّا و قد علّمه عليّا، ثمّ انتهى العلم إلينا، ثمّ وضع يده على صدره.

و أوضح من هذا بيانا

ما رواه أيضا، عن أحمد بن محمّد «5»، عن عبد اللّه [بن‏] «6» الحجّال، عن أحمد بن عمر الحلبيّ‏ «7»، عن أبي بصير قال‏: دخلت على أبي عبد اللّه- عليه السّلام- فقلت: جعلت فداك إنّي أسألك عن مسألة، فههنا «8» أحد يسمع كلامي؟

______________________________
(1) الكافي: كان يكون.

(2) يوجد في الكافي.

(3) نفس المصدر و الموضع، ح 3.

(4) الكافي: بنصفين.

(5) نفس المصدر 1/ 238- 239، ح 1.

(6) يوجد في الكافي.

(7) كذا في الكافي. و في النسخ و شرح الآيات: أحمد بن محمد الحلبي‏

(8) الكافي: هاهنا.

 

37
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): آية 7] ص : 31

قال: فرفع أبو عبد اللّه- عليه السّلام- سترا بينه و بين بيت آخر فاطّلع فيه. ثمّ قال: يا أبا محمّد سل عمّا بدا لك.

قال: قلت: جعلت فداك إنّ شيعتك يتحدّثون أنّ رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- علّم عليّا بابا، يفتح [له‏] «1» منه ألف باب.

قال: فقال: يا أبا محمّد، علّم رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- عليّا- عليه السّلام- ألف باب، يفتح [اللّه‏] «2» كلّ باب ألف باب.

قال: قلت: هذا- و اللّه- العلم.

قال: فنكت‏ «3» ساعة في الأرض، ثمّ قال: إنّه لعلم و ما هو بذاك.

قال: ثمّ قال: يا أبا محمّد انّ عندنا الجامعة و ما يدريهم ما الجامعة.

قال: قلت: جعلت فداك و ما الجامعة؟

قال: صحيفة طولها سبعون ذراعا بذراع رسول اللّه، و «4» إملائه من مل‏ء «5» فيه، و خطّ عليّ بيمينه، فيها كلّ حلال و حرام، و كلّ شي‏ء يحتاج إليه النّاس حتّى الأرش في الخدش، و ضرب بيده إليّ فقال لي: أ تأذن‏ «6» لي يا أبا محمّد.

قال: قلت: جعلت فداك إنّما أنا لك، فاصنع ما شئت.

قال: فغمزني بيده، قال: حتّى أرش هذا- كأنّه مغضب-.

قال: قلت: هذا- و اللّه- العلم.

قال: إنّه لعلم و ليس‏ «7» بذاك. ثمّ سكت ساعة. ثمّ قال: إنّ‏ «8» عندنا الجفر.

و ما يدريهم ما الجفر.

[قال:] «9» قلت: و ما الجفر؟

قال: وعاء من أدم، فيه علم النّبيّين و الوصيّين و علم العلماء «10» الّذين مضوا من بني‏

______________________________
(1) يوجد في الكافي.

(2) يوجد في شرح الآيات. و في الكافي: «من» بدل «اللّه».

(3) أو شرح الآيات: فسكت.

(4) النسخ: من.

(5) الكافي: فلق.

(6) الكافي: تأذن.

(7) هكذا في أو الكافي. و في الأصل ور: فليس.

(8) ليس في الأصل ور.

(9) يوجد في الكافي.

(10) النسخ: علماء

 

38
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): آية 7] ص : 31

إسرائيل.

قال: قلت: إنّ هذا هو العلم.

قال: إنّه لعلم‏ «1» و ليس بذاك. ثمّ سكت ساعة، ثمّ قال: و إنّ عندنا لمصحف فاطمة- عليها السّلام-. و ما يدريهم ما مصحف فاطمة.

قال: قلت: و ما مصحف فاطمة؟

قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا- ثلاث مرّات- و اللّه ما فيه من قرآنكم حرف واحد.

قال: قلت: هذا- و اللّه- هو العلم.

قال: إنّه العلم‏ «2» و ليس بذاك. ثمّ سكت ساعة. ثمّ قال: و إنّ عندنا علم ما كان و علم ما هو كائن إلى أن تقوم السّاعة.

قال: قلت: جعلت فداك هذا- و اللّه- هو العلم.

قال: إنّه لعلم و ليس بذاك.

قال: قلت: جعلت فداك فأيّ شي‏ء العلم؟

قال: ما يحدث باللّيل و النّهار، و الأمر بعد الأمر، و الشي‏ء بعد الشي‏ء إلى يوم القيامة.

و ممّا ورد في غزارة علمهم- صلوات اللّه عليهم-

ما رواه أيضا- رحمه اللّه- قال‏ «3»: روى عدّة من أصحابنا [عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن يونس بن يعقوب، عن الحارث بن مغيرة و عدّة من أصحابنا] «4» منهم: عبد الأعلى [و أبو عبيدة] «5» و عبد اللّه بن بشير الخثعميّ‏ «6»، أنّهم سمعوا أبا عبد اللّه- عليه السّلام- يقول‏: إنّي لأعلم ما في السّموات و ما في الأرض، و أعلم ما في الجنّة، و أعلم ما في النّار، و أعلم ما كان و ما يكون، ثمّ سكت هنيئة فرأى أنّ ذلك كبر على من سمعه منه. فقال: علمت ذلك من كتاب اللّه- عزّ و جلّ- [إنّه- عزّ و جلّ-] «7» يقول: فيه‏ «8» فيه تبيان كلّ شي‏ء.

______________________________
1 و 2- النسخ: العلم. و ما أثبتناه في المتن موافق «الكافي».

(3) الكافي 1/ 261، ح 2.

(4) ما بين المعقوفتين ليس في ر.

(5) يوجد في الكافي.

(6) الكافي: «عبد اللّه بن بشر الخثعمي». و الظاهر هي خطأ. ر. تنقيح المقال 2/ 170. و ما أثبتناه في المتن موافق الأصل.

(7) يوجد في المصدر.

(8) النحل/ 89. و فيها: تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ. و هنا إمّا نقل بالمعنى، او كان في قراءتهم- عليهم السّلام- كما تذكّر بهذين في هامش المصدر.

39
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): آية 7] ص : 31

و ممّا ورد في غزارة علمهم- صلوات اللّه عليهم-

ما رواه أيضا، عن أحمد بن محمّد و محمّد بن يحيى، «1» عن محمّد بن الحسين، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن سيف التّمّار قال‏: كنّا مع أبي عبد اللّه- عليه السّلام- و «2» جماعة من الشّيعة في الحجر، فقال: علينا عين، فالتفتنا يمنة و يسرة فلم نر أحدا.

فقلنا ليس علينا عين.

فقال: و ربّ الكعبة و ربّ البيّنة- ثلاث مرّات- لو كنت بين موسى و الخضر لأخبرتهما أنّي أعلم منهما، و لأنبأتهما بما ليس في أيديهما، لأنّ موسى و الخضر- عليهما السّلام- أعطيا علم ما كان و لم يعطيا علم ما يكون و ما هو كائن حتّى تقوم السّاعة، و قد ورثناه من رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- وراثة.

و يؤيّد هذا و يطابقه،

ما رواه أصحابنا من رواة الحديث، من كتاب الأربعين، رواية أسعد الأربلىّ‏ «3»، عن عمّار بن خالد، عن إسحاق الأزرق‏ «4»، عن عبد الملك بن‏

______________________________
(1) الكافي 1/ 260- 261، ح 1.

(2) «واو» ليس في الكافي.

(3) هو أسعد بن إبراهيم بن الحسن بن علي الأربلي وله كتاب الأربعين في الفضائل و المناقب يرويها عن مشايخه من العامّة في مجلس واحد سنة 610، ألّفه في بغداد. توجد من الأربعين هذا نسخ في المكتبة المركزية لجامعة طهران، رقم 1/ 2130، 2/ 2140. و أمّا ما ذكره في فهرس هذه المكتبة أنّه يوجد من الأربعين هذا في مجموعة رقم 3/ 2117 و هم. بل هو أربعين حافظ أبو نعيم الاصبهاني الّذي نقله ابو الحسن على بن عيسى الاربلي في كتابه كشف الغمة في معرفة الائمة، عند ذكر صاحب الأمر- صلوات اللّه عليه-. فراجع.

و الحديث الذي نقل في المتن، الحديث الثاني من هذا الأربعين. و أورده العلامة المجلسي- رحمه اللّه- في البحار 13/ 312- 313، ح 52، نقلا عن رياض الجنان بعين السند المذكور في «الأربعين». و لكن بين البحار و نسخ الأربعين و تفسير تأويل الآيات (مصدر المتن) إختلاف كثير في الألفاظ و العبارات. و قال- رحمه اللّه- في نفس المصدر و الموضع، بعد نقل الحديث: «كنز: ذكر بعض أصحابنا من رواة الحديث في كتاب الأربعين رواية أسعد الاربليّ عن عمّار بن خالد مثله.» و «كنز» المذكور في البحار رمز لكنز جامع الفوائد و تأويل الآيات الظاهرة معا (على ما قيل في «رموز الكتاب».) و أيضا أورده العلامة- رحمه اللّه- في نفس المصدر 40/ 186، ح 71، نقلا عن البرسيّ في مشارق الأنوار، بسند آخر مع تفاوت في المتن.

و في تصحيح الرواية اختصرنا بالنسخ التفسير، إلّا في موارد ما.

(4) الأصل: الأورق. أ: الأورق. و ما أثبتناه في المتن موافق ر، المصدر، الأربعين و البحار (13/ 312)

 

40
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): آية 7] ص : 31

سليمان قال‏: وجد في ذخيرة حواري عيسى رقّ، فيه مكتوب بالقلم السّريانيّ، منقول من التّوراة، و ذلك لمّا تشاجر موسى و الخضر- عليهما السّلام-. في قصّة السّفينة و الجدار و الغلام، و رجع موسى إلى قومه، فسأله أخوه هارون عمّا استعمله من الخضر و شاهده من عجائب البحر.

فقال موسى- عليه السّلام-: بينا أنا و الخضر على شاطي البحر، إذ سقط بين أيدينا طائر، فأخذ في منقاره قطرة من ماء البحر و رمى بها نحو المشرق، و أخذ منه ثانية و رمى بها نحو المغرب، ثمّ أخذ ثالثة و رمى بها نحو السّماء، ثمّ أخذ رابعة و رمى بها نحو الأرض، ثمّ أخذ خامسة و ألقاها في البحر، فبهتنا «1» أنا و الخضر من ذلك، و سألته عنه.

فقال: لا أعلم. فبينا نحن كذلك و إذا بصيّاد يصيد في البحر، فنظر إلينا.

فقال: ما لي أراكما في فكرة من أمر الطّائر؟

فقلنا له: هو ذاك.

فقال: أنا رجل صيّاد و قد علمت إشارته، و أنتما نبيّان لا تعلمان! فقلنا: لا نعلم إلّا ما علّمنا اللّه- عزّ و جلّ-.

فقال: هذا طائر في البحر يسمّى مسلما، لأنّه إذا صاح يقول في صياحه: مسلم مسلم، فإشارته برمي الماء من منقاره نحو المشرق و المغرب و السّماء و الأرض و البحر يقول: إنّه يأتي في آخر الزّمان نبيّ، يكون علم أهل المشرق و المغرب و أهل السّماء و الأرض عند علمه، مثل هذه القطرة الملقاة في البحر، و يرث علمه ابن عمّه و وصيّه. فعند ذلك سكن ما كنّا فيه من المشاجرة، و استقلّ كلّ واحد منّا علمه بعد أن كنّا معجبين بأنفسنا، ثمّ غاب عنّا، فعلمنا أنّه ملك، بعثه اللّه إلينا ليعرّفنا نقصنا، حيث ادّعينا الكمال.

و ممّا ذكر في معنى فضلهم- عليهم صلوات اللّه-

ما ذكر الشّيخ أبو جعفر

______________________________
(1) النسخ و المصدر: فبهتّ. و ما أثبتناه في المتن موافق البحار و النسختين 2130 و 2140 من الأربعين.

 

41
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): آية 7] ص : 31

الطّوسيّ- رحمه اللّه- في كتابه مصباح الأنوار، بإسناده إلى رجاله قال: و روي عن جعفر بن محمّد الصّادق، عن أبيه، عن جدّه- عليهم السّلام- قال: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-: أنا ميزان العلم، و عليّ كفّتاه، و الحسن و الحسين حباله، و فاطمة علاقته، و الأئمّة من بعدهم يزنون المحبّين و المبغضين.

و في كتاب الاحتجاج‏ «1»: روي عن أمير المؤمنين، في حديث طويل يقول فيه‏: و قد جعل اللّه للعلم أهلا، و فرض على العباد طاعتهم بقوله: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ‏.

و في نهج البلاغة «2»: قال- عليه السّلام-: أين الّذين زعموا أنّهم الرّاسخون في العلم دوننا كذبا و بغيا علينا، أن رفعنا اللّه و وضعهم، و أعطانا و حرمهم، و أدخلنا و أخرجهم.

[و في روضة الكافي‏ «3»: ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبيدة قال‏:

سألت أبا جعفر- عليه السّلام- عن قول اللّه- عزّ ذكره‏ «4»-: الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ.

قال: فقال: يا أبا عبيدة، إنّ لهذا تأويلا، لا يعلمه إلّا اللّه و الرّاسخون في العلم من آل محمّد- صلّى اللّه عليه و آله-.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ «5»: حدّثني أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال‏: سألته عن قول اللّه: الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ‏.

قال: يا أبا عبيدة، إنّ لهذا تأويلا، لا يعلمه إلّا اللّه و الرّاسخون في العلم من الأئمّة- عليهم السّلام-.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

حدّثنا محمّد بن أحمد بن ثابت‏ «6» قال: حدّثنا الحسن بن محمّد بن سماعة، عن‏

______________________________
(1) الاحتجاج 1/ 369.

(2) نهج البلاغة/ 201، ضمن خطبة 144.

(3) الكافي 8/ 269، صدر حديث 397.

(4) الروم/ 1- 3.

(5) تفسير القمي 2/ 152.

(6) نفس المصدر 2/ 451.

 

42
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): آية 7] ص : 31

وهيب بن حفص‏ «1»، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال: سمعته يقول: إنّ القرآن زاجر و آمر، يأمر بالجنّة و يزجر عن النّار، و فيه محكم و متشابه، فأمّا المحكم فيؤمن به و يعمل به، و أمّا المتشابه فيؤمن به و لا يعمل به، و هو قول اللّه: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا و آل محمّد- عليهم السّلام- الرّاسخون في العلم.

حدّثني أبي‏ «2»، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن بريد بن معاوية «3»، عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال‏: إنّ رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- أفضل الرّاسخين في العلم، قد علم جميع ما أنزل اللّه عليه من التّنزيل و التّأويل، و ما كان اللّه لينزل عليه شيئا لم يعلّمه تأويله‏ «4»، و أوصياؤه من بعده يعلمونه‏ «5» كلّه قال: قلت: جعلت فداك إنّ أبا الخطّاب كان يقول فيكم قولا عظيما.

قال: و ما كان يقول؟

قلت: قال: إنّكم تعلمون علم الحلال و الحرام و القرآن.

[قال: علم الحلال و الحرام و القرآن‏] «6» يسير «7» في جنب العلم الّذي يحدث في اللّيل و النّهار «8».

و في أصول الكافي‏ «9»: عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن داود بن فرقد، عمّن حدّثه، عن ابن شبرمة قال: ما ذكرت حديثا سمعته من جعفر بن محمّد

______________________________
(1) الأصل ور: وهب بن حفص. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(2) نفس المصدر 1/ 96- 97.

(3) المصدر: يزيد بن معاوية. و ما أثبتناه في المتن موافق الأصل ور.

(4) الأصل ور: التأويل. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(5) الأصل ور: يعلمون. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(6) يوجد في المصدر.

(7) الأصل ور: لسير. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(8) الأصل ور: «بالليل» بدل «في الليل النهار».

(9) الكافي 1/ 43، ح 9.

 

43
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): آية 7] ص : 31

- عليه السّلام- إلّا كان يتصدّع قلبي.

قال: حدّثني أبي، عن جدّي، عن رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- [- قال ابن شبرمة: و أقسم باللّه ما كذب أبوه على جدّه و لا جدّه على رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-] «1» قال: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-: من عمل بالمقاييس فقد هلك و أهلك، و من أفتى للنّاس‏ «2» بغير علم- و هو لا يعلم النّاسخ من المنسوخ و المحكم من المتشابه- فقد هلك و أهلك.

بعض أصحابنا «3» رفعه، عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر- عليه السّلام-: يا هشام، إنّ اللّه ذكر أولي الألباب بأحسن الذّكر، و حلاهم بأحسن الحلية، و قال‏ «4»: [وَ] «5» الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ.

أحمد بن محمّد «6»، عن محمّد بن أبي عمير، عن سيف بن عميرة، عن أبي الصّباح الكنانيّ قال: قال أبو عبد اللّه- عليه السّلام-: نحن الرّاسخون في العلم.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

عدّة من أصحابنا «7»، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النضّر بن سويد، عن أيّوب بن الحرّ و عمران بن عليّ، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال‏: نحن الرّاسخون في العلم، و نحن نعلم تأويله.

عليّ بن محمّد «8»، عن عبد اللّه بن عليّ، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن بريد بن معاوية، عن أحدهما- عليهما السّلام- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ. فرسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- أفضل الرّاسخين في العلم، و قد علّمه اللّه- عزّ و جلّ- جميع ما أنزل عليه من التّنزيل و التّأويل، و ما كان اللّه لينزل عليه شيئا لم يعلّمه تأويله، و أوصياؤه من بعده يعلمونه كلّه، و الّذين لا يعلمون تأويله إذا قال العالم فيهم بعلم فأجابهم اللّه بقوله:

______________________________
(1) يوجد في المصدر.

(2) المصدر: الناس. (ظ.)

(3) نفس المصدر 1/ 15، ضمن ح 11.

(4) المصدر: فقال و قال.

(5) يوجد في المصدر.

(6) نفس المصدر 1/ 186، ضمن ح 6.

(7) نفس المصدر 1/ 213، ح 1.

(8) نفس المصدر و الموضع، ح 2.

 

44
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): آية 7] ص : 31

يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا. و القرآن خاصّ و عامّ و محكم و متشابه و ناسخ و منسوخ، فالرّاسخون في العلم يعلمونه.

الحسين بن محمّد «1»، عن معلّى بن محمّد [عن محمّد] «2» بن أورمة، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- [قال‏:] «3» الرّاسخون في العلم أمير المؤمنين و الأئمّة من بعده- عليهم السّلام-.

] «4»

و بإسناده‏ «5» إلى أبي جعفر الباقر- عليه السّلام- في حديث طويل يقول فيه- عليه السّلام-: فإن قالوا: من الرّاسخون في العلم؟ فقل: من لا يختلف في علمه، فإن قالوا: فمن هو ذاك؟ فقل: كان رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- صاحب ذلك، فهل بلّغ أولا؟ فإن قالوا: قد بلّغ، فقل: هل مات- صلّى اللّه عليه و آله- و الخليفة من بعده يعلم علما ليس فيه اختلاف؟ فإن قالوا: لا، فقل: إنّ خليفة رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- مؤيّد، و لا يستخلف رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- إلّا «6» من يحكم‏ «7» بحكمه و إلّا من يكون مثله إلّا النّبوّة، و إن كان‏ «8» رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- لم يستخلف في علمه أحدا فقد ضيّع من في أصلاب الرّجال ممّن يكون بعده.

و في كتاب كمال الدّين‏ «9» و تمام النّعمة: بإسناده إلى سليم بن قيس الهلاليّ قال:

سمعت عليّا- عليه السّلام- يقول‏: ما نزلت على رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- آية من القرآن إلّا أقرأنيها، و املاها عليّ، و أكتبها «10» بخطّي، و علّمني تأويلها و تفسيرها و ناسخها و منسوخها و محكمها و متشابهها، و دعا اللّه- عزّ و جلّ‏ «11»- أن يعلّمني فهمها و حفظها. فما نسيت آية من كتاب اللّه و لا علما أملاه [عليّ‏] «12» فكتبته. و ما ترك‏ «13» شيئا علّمه اللّه- عزّ و جلّ- من حلال و لا حرام و لا أمر و لا نهي و ما كان و ما يكون من طاعته او

______________________________
(1) نفس المصدر و الموضع، ح 3.

2 و 3- يوجد في المصدر.

(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(5) نفس المصدر/ 1/ 245، ضمن ح 1. و في أ: و في أصول الكافي و بإسناده.

(6) ليس في أور.

(7) ر: لم يحكم.

(8) أ: لن كان.

(9) كمال الدين و تمام النعمة/ 284- 285، ح 37.

(10) المصدر: كتبتها.

(11) المصدر: و دعا- عزّ و جلّ- لي.

(12) يوجد في المصدر.

(13) النسخ: و ما ترك اللّه. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

 

45
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 8 الى 18] ص : 46

معصيته‏ «1» إلّا علّمنيه و حفظته، فلم أنس منه حرفا واحدا.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

و اعلم أنّ التّفسير بالرّأي للمتشابه‏ «2» حرام، و من فسّره برأيه كافر، يدلّ عليه‏

ما رواه في كتاب كمال الدّين و تمام النعمة، «3» بإسناده إلى عبد الرّحمن بن سمرة، عن النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- في حديث طويل يقول فيه- عليه السّلام-: من‏ «4» فسّر القرآن برأيه فقد افترى على اللّه الكذب.

و ما رواه في كتاب التّوحيد «5»، بإسناده إلى الرّيّان بن الصّلت‏ «6»، عن عليّ بن موسى الرّضا- عليه السّلام- عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ- عليه السّلام- قال: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-: قال اللّه- جلّ جلاله-: ما آمن بى من فسّر برأيه كلامي.

و لا خفاء أنّ المراد تفسير المتشابه، و تأويل المحكم بالرّأي، بغير ما يدلّ عليه ظاهره، و بذلك يظهر عدم إيمان اكثر المفسّرين، ممّن يفسّرون القرآن برأيهم و يأوّلونه على مذاقهم، ممّن نقلنا بعض تأويلاتهم في أوائل التّفسير تقدمة لهذا التّصريح، فإنه لا ربة «7»، لأحد في أنّهم لا يردّون المتشابهات إلى الرّاسخين الّذين هم الأئمّة- عليهم السّلام- و يفسّرون الرّاسخين أيضا برأيهم، و لا يعنون منه النّبيّ و الأئمّة- عليهم السّلام-. فتبصّر.

رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا: من مقالة الرّاسخين.

و قيل‏ «8»: استئناف، و المعنى: لا تزغ قلوبنا عن نهج الحقّ، و هو من الرّاسخين خضوع في مقام العبوديّة.

و قيل: لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا.

بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا إلى الحقّ و «بعد» نصب على الظّرف و «إذ» في محلّ الجرّ

______________________________
(1) أ: من طاعة أو معصية.

(2) ر: فالمتشابه.

(3) نفس المصدر/ 257، ضمن ح 1.

(4) أو المصدر: و من.

(5) التوحيد/ 68، صدر ح 23.

(6) أ: الريّان بن أبي الصلت.

(7) أ: «فأديته» بدل فانّه لا ربة.

(8) أنوار التنزيل 1/ 150.

46
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 8 الى 18] ص : 46

بإضافته إليه.

و قيل‏ «1»: إنّه بمعنى: إن.

وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً: تزلّفنا إليك و نفوز بها عندك، أو توفيقا للثّبات على الحقّ، أو مغفرة للذّنوب أو الأعمّ.

إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ‏ (8): لكلّ سؤل.

في تفسير العيّاشيّ‏ «2»: عن سماعة بن مهران قال: قال أبو عبد اللّه- عليه السّلام-:

أكثروا من أن تقولوا: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا، و لا تأمنوا الزّيغ.

و في تهذيب الأحكام‏ «3»: في الدّعاء بعد صلاة الغدير المسند إلى الصّادق- عليه السّلام-: ربّنا إنّك أمرتنا بطاعة ولاة أمرك، و أمرتنا أن نكون مع الصّادقين فقلت: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏، و قلت: اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‏، فسمعنا و أطعنا، ربّنا فثبّت أقدامنا و توفّنا مسلمين مصدّقين لأوليائك، و لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ.

و في هذا الخبر دلالة على أنّ المراد بالدّعاء بعدم الإزاغة، عدم الإزاغة عن الولاية.

رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ‏: لحساب يوم، أو جزائه.

لا رَيْبَ فِيهِ‏ في وقوعه، و وقوع ما أخبر بوقوعه فيه.

إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (9): فإنّ الإلهيّة تنافيه، و للإشعار به و تعظيم الموعود به لوّن الخطاب.

قال البيضاويّ‏ «4»: و استدلّ به الوعيديّة، و أجيب بأنّ وعيد الفسّاق مشروط بعدم العفو لدلائل منفصلة، كما هو مشروط بعدم التّوبة وفاقا.

و يردّ على هذا الجواب أنّ العفو بالتّوبة موعود بخلاف العفو بدونه، و اشتراط وعيد الفسّاق بعدم العفو لا معنى له، إذ لا يسمّى أضربك إن لم أعف وعيدا، كما يسمّى أعطيك إن جئتني وعدا، فتأمّل يظهر الفرق.

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا:

الظّاهر أنّه عامّ في الكفرة.

______________________________
(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير العيّاشي 1/ 164، ح 9.

(3) تهذيب الأحكام 3/ 147، ضمن ح 317.

(4) أنوار التنزيل 1/ 150.

47
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 8 الى 18] ص : 46

و قيل‏ «1»: المراد و فد نجران، أو اليهود، أو مشركو العرب.

لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً، أي: من رحمته، أو طاعته على معنى البدليّة، أو من عذابه.

وَ أُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10): حطبها.

و قرئ بالضّمّ، بمعنى: أهل وقودها.

كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ‏: متّصل بما قبله، أي: لن تغني عنهم أموالهم كما لم تغن عن أولئك، أو توقّد بهم كما توقّد بأولئك، أو استئناف مرفوع المحلّ، و تقديره: إنّ دأب هؤلاء كدأبهم في الكفر و العذاب. و هو مصدر دأب في العمل، كدح فيه. فنقل إلى معنى الشّأن.

وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏: عطف على آل فرعون، أو استئناف.

كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ‏: حال بتقدير «قد» أو استئناف بتفسير حالهم على التّقدير الأوّل، و خبر على التّقدير الثّاني.

وَ اللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ‏ (11): تهويل للمؤاخذة، و زيادة تخويف‏ «2» للكفرة. و في الآية دلالة على أنّ الكفّار طريقتهم واحدة في الكفر و العذاب‏ «3» و الخلود فيه، سواء فيه الّذين كفروا بعد النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- و الّذين كفروا قبله.

و يظهر منه أنّ المنكرين للولاية «4» المحكوم عليهم بكفرهم دأبهم كدأب آل فرعون في ذلك، لا يجوز إطلاق اسم الإسلام بالمعنى المقصود منه عليهم كما لا يجوز إطلاقه على آل فرعون، و إن جاز إطلاقه عليهم بمعنى آخر كما جاز إطلاقه على فرعون أيضا، بمعنى: أنّه أسلم لإبليس، أو أسلم لهواه، أو غير ذلك.

قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَ تُحْشَرُونَ إِلى‏ جَهَنَّمَ‏:

في مجمع البيان‏ «5»: روى محمّد بن إسحاق بن يسار، عن رجاله قال: لمّا أصاب رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- قريشا ببدر و قدم المدينة، جمع اليهود في سوق بني‏ «6» قينقاع، فقال: يا معشر اليهود احذروا من اللّه مثل ما نزل بقريش يوم بدر، و أسلموا قبل أن ينزل‏

______________________________
(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) أ: تخفيف.

(3) ر: العقاب.

(4) «المنكرين للولاية» ليس في أ.

(5) مجمع البيان 1/ 413.

(6) في المصدر ليس «بني»

 

48
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 8 الى 18] ص : 46

بكم ما أنزل اللّه بهم، فقد عرفتم‏ «1» أنّي نبيّ مرسل، تجدون ذلك في كتابكم.

فقالوا: يا محمّد، لا يغرّنّك أنّك لقيت قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، أما «2» و اللّه لو قاتلتنا «3» لعرفت إنّا نحن النّاس. فأنزل اللّه هذه الآية.

و روي أيضا عن عكرمة و سعيد بن جبير «4» عن ابن عبّاس، و رواه أصحابنا أيضا.

و قال البيضاويّ‏ «5»، أي: قل لمشركي مكّة: ستغلبون، يعني: يوم بدر.

و قرأ حمزة و الكسائيّ بالياء فيهما، على أن الأمر للنّبيّ‏ «6» [صلّى اللّه عليه و آله‏] بأن يحكي لهم ما أخبره به من وعيدهم بلفظه‏ «7».

وَ بِئْسَ الْمِهادُ (12): تمام ما يقال لهم، أو استئناف، و تقديره، بئس المهاد جهنم، أو ما مهّدوه لأنفسهم.

قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ:

قيل‏ «8»: الخطاب لقريش [أو اليهود] «9» و قيل: للمؤمنين.

فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا: يوم بدر.

في مجمع البيان‏ «10»: ان الآية نزلت في قصّة بدر، و كان المسلمون ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا على عدّة أصحاب طالوت الّذين جاوزوا معه النّهر، سبعة و سبعون رجلا من المهاجرين و مائتان و ستّة و ثلاثون من الأنصار. و اختلف في عدد المشركين،

فروي عن عليّ و ابن مسعود: أنّهم كانوا ألفا.

فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏: و هم المؤمنون، وَ أُخْرى‏ كافِرَةٌ: و هم مشركو قريش.

يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ‏، أي: يرى المشركون المؤمنين مثليهم، أو يرى المؤمنون المشركين مثلي المؤمنين. و كانوا ثلاثة أمثال لهم، ليثبتوا لهم و يتيقّنوا بالنّصر الّذي وعدهم في قوله:

______________________________
(1) المصدر: «نزل بهم و قد عرفتم» بدل «أنزل اللّه بهم فقد عرفتم».

(2) المصدر: إنا.

(3) المصدر: قاتلناك.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) أنوار التنزيل 1/ 150.

(6) «للنبي» ليس في المصدر.

(7) نفس المصدر: 1/ 151.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) يوجد في المصدر.

(10) مجمع البيان 1/ 415.

49
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 8 الى 18] ص : 46

إن يكن منكم مائة يغلبوا مأتين.

و «1» يؤيّده قراءة نافع و يعقوب بالتاء، و قرئ بهما بالبناء للمفعول، أي: يريهم اللّه، أو يريكهم ذلك بقدرته. و «فئة» بالجرّ على البدل من فئتين، و النّصب على الاختصاص، أو الحال من فاعل «التقتا.» رَأْيَ الْعَيْنِ‏: رؤية ظاهرة معاينة.

وَ اللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ: كما أيّد أهل بدر.

إِنَّ فِي ذلِكَ‏: أي: في التّقليل و التّكثير، أو غلبة القليل، أو وقوع الأمر على ما أخبر به الرّسول- صلّى اللّه عليه و آله-.

لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (13): لعظة لذوي البصائر.

و قيل‏ «2»: لمن أبصرهم.

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ‏، أي: المشهّيات. سمّاها شهوات مبالغة، و إيماء إلى أنّهم انهمكوا في محبّتها حتّى أحبّوا شهوتها، كقوله تعالى‏ «3»: أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ.

و ذهب الأشعريّ إلى أنّ المزيّن هو اللّه تعالى لأنّه الخالق للأفعال و الدّواعي كلّها عندهم، و يقولون: زينة ابتلاء، أو لأنّه يكون وسيلة إلى السّعادة الأخرويّة إذا كان على وجه يرتضيه اللّه، أو لأنّه من أسباب التّعيّش و بقاء النّوع.

و المعتزلة إلى أنّه الشّيطان، و الجبّائيّ فرّق بين المباح و المحرّم، و هو الصّواب.

مِنَ النِّساءِ:

و في الكافي‏ «4»: عدّة من أصحابنا، عن احمد بن محمّد «5» عن أبي عبد اللّه البرقيّ، عن الحسن بن أبي قتادة، عن رجل، عن جميل بن درّاج قال: قال أبو عبد اللّه- عليه السّلام-:

ما تلّذذ «6» النّاس في الدّنيا و الآخرة بلذّة أكثر لهم من لذّة النّساء، و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-:

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ‏- إلى آخر الآية- ثمّ قال: و إنّ أهل الجنّة ما يتلذّون بشي‏ء من الجنّة أشهى عندهم من النّكاح، لا طعام و لا شراب.

______________________________
(1) أنوار التنزيل 1/ 151.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) ص/ 32.

(4) الكافي 5/ 321، ح 10.

(5) «محمد عن» ليس في المصدر.

(6) النسخ: يتلذذ. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

50
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 8 الى 18] ص : 46

وَ الْبَنِينَ وَ الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ:

قناطير، جمع قنطار.

و في مجمع البيان‏ «1»: اختلف في مقدار القنطار «2» [...] قيل: هو مل‏ء مسك ثور ذهبا [...] و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- عليهما السّلام- (انتهى.)

و اختلف في أنّه فعلال، أو فنعال. و المقنطرة مأخوذة منه للتّأكيد، كقولهم: بدرة مبدّرة.

مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ: صفة للقناطير، و يحتمل التّعلّق بالمقنطرة على تضمين معنى المملوءة.

و في كتاب الخصال‏ «3»: عن محمّد بن يحيى العطّار- رفع الحديث- قال‏ الذّهب و الفضّة حجران ممسوخان‏ «4»، فمن أحبّهما كان معهما.

وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ، أي: المعلّمة، من السّومة و هي العلامة. أو المرعيّة، من أسام الدّابّة و سوّمها. أو المطهّمة التّامّة الخلق، من السّوم في البيع، لأنّها تسأم كثيرا. أو من السّومة كأنّها علم في الحسن.

وَ الْأَنْعامِ‏: الإبل و البقر و الغنم.

وَ الْحَرْثِ‏:

في أصول الكافي‏ «5»: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن نوح بن شعيب، عن عبد اللّه الدّهقان، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال:

قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-: إنّ أوّل ما عصي اللّه به ستّ: حبّ الدّنيا، و حبّ الرّئاسة، و حبّ الطّعام، و حبّ النّوم، و حبّ الرّاحة، و حبّ النّساء.

و في كتاب الخصال‏ «6»: عن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين- عليه السّلام-: الفتن ثلاث: حبّ النّساء و هو سيف الشّيطان، و شرب الخمر و هو فخّ‏

______________________________
(1) مجمع البيان 1/ 417.

(2) المصدر: «مقداره» بدل «مقدار القنطار».

(3) الخصال/ 43، ح 38. و فيه: حدّثنا أبي- رضي اللّه عنه- قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران، يرفع الحديث قال: ...

(4) ر: مسوخان.

(5) الكافي 2/ 289، ح 3.

(6) الخصال/ 113، ح 91 و للحديث تتمة.

 

51
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 8 الى 18] ص : 46

الشّيطان، و حبّ الدّينار و الدّرهم و هو سهم الشّيطان. فمن‏ «1» أحبّ النّساء لم ينتفع بعيشه‏ «2».

و من أحبّ الأشربة حرّمت عليه الجنّة. و من أحبّ الدّينار و الدّرهم فهو عبد الدّنيا.

ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا: إشارة إلى ما ذكر، أي، هو متمتّع في هذه الحياة الدنيا الّتى مدّتها قليلة.

وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ‏ (14): أي: المرجع، و هو تحريض‏ «3» على استبدال ما عنده من اللّذّات الحقيقيّة الأبديّة بالشّهوات النّاقصة الفانية.

قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ‏: تقرير لما عنده.

لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها: استئناف لبيان ما هو عنده.

و قيل‏ «4»: يجوز أن يتعلّق اللّام. «بخير» و رفع‏ «5» «جنّات» بتقدير «6»: هو جنّات.

و يؤيّده قراءة من جرّها، بدلا من خير.

وَ أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ: ممّا يستقذر من النّساء.

و في تفسير العيّاشيّ‏ «7»: عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ، قال: لا يحضن و لا يحدثن.

[و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ «8»: قوله: وَ أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ، قال: في الجنّة لا يحضن و لا يحدثن.

] «9».

وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ‏: و هو أكبر.

و قرأ عاصم- في رواية أبي بكر- في جميع القرآن بضمّ الرّاء، ما خلا الحرف الثّاني في المائدة، و هو قوله: رضوانه سبل السّلام، و هما لغتان‏ «10».

وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (15): فيثيب المحسن، و يعاقب المسي‏ء، و يعلم استعداد المتّقين لما أعدّلهم.

______________________________
(1) النسخ: و من. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(2) النسخ: بعيشته. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(3) النسخ: تحريص. (ر. أنوار التنزيل 1/ 151)

(4) أنوار التنزيل 1/ 152.

(5) المصدر: يرتفع.

(6) المصدر: «على» بدل «بتقدير».

(7) تفسير العياشي 1/ 164، ح 11.

(8) تفسير القمي 1/ 98.

(9) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(10) أنوار التنزيل 1/ 152.

52
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 8 الى 18] ص : 46

الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ قِنا عَذابَ النَّارِ (16): صفة للمتّقين، أو للعباد، أو مدح منصوب أو مرفوع، و يحتمل الاستئناف. رتّب المغفرة و الوقاية من النّار على الإيمان بالفاء، إشعارا بأنّه يستلزمهما و هو كذلك، لأنّ المراد به الإيمان باللّه و رسوله و جميع ما جاء به الرسول، الّذي [أعظمه الولاية.] «1» الصَّابِرِينَ‏: في البأساء و الضّرّاء.

وَ الصَّادِقِينَ‏: في الأقوال و الأعمال.

وَ الْقانِتِينَ‏: الخاشعين.

وَ الْمُنْفِقِينَ‏: أموالهم في سبيل اللّه.

وَ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (17)، أي: المصلّين وقت السّحر.

في مجمع البيان‏ «2»: رواه الرّضا- عليه السّلام- عن أبيه عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام-.

و روى عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- أنّ من استغفر [اللّه‏] «3» سبعين مرّة في‏ «4» وقت السّحر فهو من أهل هذه الآية.

و في كتاب الخصال‏ «5»: عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- أنّه قال‏: من قال في وتره إذا أوتر: أستغفر اللّه [ربّي‏] «6» و أتوب إليه، سبعين مرّة و هو قائم مواظب على ذلك حتّى تمضي‏ «7» له سنة، كتبه اللّه‏ «8» من المستغفرين بالأسحار، و وجبت له المغفرة من اللّه تعالى.

و روى في من لا يحضره الفقيه‏ «9»: عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- مثله‏.

و في تفسير العيّاشيّ‏ «10»: عن مفضّل بن عمر قال: قلت لأبي عبد اللّه- عليه السّلام-: جعلت فداك تفوتني. صلاة الليل فأصلّي صلاة الفجر، فلي أن أصلّي بعد صلاة الفجر ما فاتني من الصّلاة «11» و أنا في صلاة قبل طلوع الشّمس؟

______________________________
(1) ليس في أ.

(2) مجمع البيان 1/ 419.

(3) يوجد في المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: من.

(5) الخصال/ 581، ح 3.

(6) يوجد في ر.

(7) المصدر: يمضي.

(8) المصدر: كتبه اللّه عنده.

(9) من لا يحضره الفقيه 1/ 309.

(10) تفسير العياشي 1/ 165، ح 17.

(11) النسخ: صلاة. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

 

53
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 8 الى 18] ص : 46

فقال: نعم، و لكن لا تعلم به أهلك فتتّخذه‏ «1» سنّة، فيبطل قول اللّه- عزّ و جلّ-:

وَ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ.

قال البيضاويّ‏ «2» حصر لمقامات‏ «3» السّالك على أحسن ترتيب، فإنّ معاملته مع اللّه تعالى إما توسل و إمّا طلب.

و التّوسّل إمّا بالنّفس، و هو منعها عن الرّذائل و حبسها على الفضائل، و الصّبر يشملهما. و إمّا بالبدن، و هو إمّا قوليّ و هو الصّدق، و إمّا فعليّ و هو القنوت الّذي هو ملازمة الطّاعة، و إمّا بالمال و هو الإنفاق في سبيل الخير.

و أمّا الطّلب و هو الاستغفار «4»، لأنّ المغفرة أعظم المطالب بل الجامع لها. و توسيط الواو بينها للّدلالة على استقلال كلّ واحدة منها و كمالهم فيها، أو لتغاير الموصوفين بها.

شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، أي: بيّن وحدانيّته بنصب الدّلائل الدّالّة عليها، أو شهد به لنفسه.

وَ الْمَلائِكَةُ: بالإقرار، أو شهدوا كما شهد.

وَ أُولُوا الْعِلْمِ‏: و هم الأئمّة «5»- عليهم السّلام- بالاحتجاج عليه، أو شهدوا كما شهد، و على المعنى الأوّل في «شهد» استعارة تبعيّة، حيث شبّه ذلك في البيان و الكشف بشهادة الشّاهد.

قائِماً بِالْقِسْطِ: مقيما للعدل في حكمه و قضائه، و انتصابه على الحال من «اللّه» و إنّما جاز إفراده بها و لم يجز جاء زيد و عمرو راكبا لعدم اللّبس، أو من «هو» و العامل فيها معنى الجملة، أي: تفرّد قائما أو أحقّه، لأنّها حال مؤكّدة أو على المدح. أو الصّفة للمنفيّ، و فيه ضعف للفصل، و هو داخل في المشهود به إذا جعلته صفة أو حالا عن الضّمير.

و قرئ: القائم بالقسط، على البدل من «هو» أو الخبر المحذوف‏ «6».

و في تفسير العيّاشيّ‏ «7»: عن جابر قال: سألت أبا جعفر- عليه السّلام- عن هذه الآية: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.

______________________________
(1) النسخ: فيتخذه. المصدر: فتتخذونه.

(2) أنوار التنزيل 1/ 152.

(3) النسخ: مقامات. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(4) المصدر: «فبالاستغفار» بدل «فهو الاستغفار».

(5) أ: علماء.

(6) أنوار التنزيل 1/ 152.

(7) تفسير العياشي 1/ 165، ح 18.

 

54
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 8 الى 18] ص : 46

قال أبو جعفر- عليه السّلام-: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، فإنّ اللّه- تبارك و تعالى- يشهد بها لنفسه و هو كما قال، فأمّا قوله: وَ الْمَلائِكَةُ، فإنّه أكرم الملائكة بالتّسليم له بهم و صدّقوا و شهدوا كما شهد لنفسه، و أمّا قوله: وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ، فإنّ أولي العلم الأنبياء و الأوصياء و هم قيام بالقسط، و القسط هو العدل في الظاهر، و العدل في الباطن أمير المؤمنين- عليه السّلام-.

فعلى هذه الرّواية «قائما» حال عن أولي العلم، و إفراده على تأويل كلّ واحد و الإشعار بأنّ كلّ واحد منهم قائم به، لئلّا يتوهمّ أنّ القسط قائم بمجموعهم من حيث هو مجموع،

و في ذلك التّفسير «1» عن مرزبان القميّ قال: سألت أبا الحسن- عليه السّلام- عن قول اللّه- تعالى- شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ. قال:

هو الإمام.

و في بصائر الدّرجات‏ «2»: عن عبد اللّه بن جعفر، عن محمّد بن عيسى، عن الحسن‏ «3» ابن عليّ الوشّاء، عن أبي الحسن- عليه السّلام- قال‏: قلت: وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ.

قال: الإمام.

لا إِلهَ إِلَّا هُوَ: كرّره للتّأكيد و مزيد الاعتناء، فيبنى عليه قوله:

الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ (18): فيعلم أنّه الموصوف بهما، و قدّم العزيز لتقدّم العلم بالقدرة على العلم بحكمته، و رفعهما على البدل من الضّمير أو الصّفة لفاعل «شهد».

و قد ذكر في أوّل الفاتحة ما روي في فضل هذه الآية، عن النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله-.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة «4»، بإسناده إلى محمّد بن عثمان العمريّ- قدّس سرّه- قال‏: لمّا ولد الخلف المهديّ- صلوات اللّه عليه- سطع نور من فوق رأسه‏

______________________________
(1) نفس المصدر 1/ 166، ح 19.

(2) لم نجده في البصائر. و لكن في نور الثقلين 1/ 323، ح 69 مثله تماما. و في البرهان 1/ 273، أورده بنفس السند في ذيل ح 1 نقلا عن البصائر. و الحديث منقول في البرهان موجود في البصائر/ 63، ح 28. إلّا أنّ الذيل المذكور في البرهان غير مذكور في البصائر و يوجد بدلا منه ذيل لمطلب آخر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: الحسين.

(4) كمال الدين و تمام النعمة/ 433، ح 13.

 

55
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 19 الى 30] ص : 56

إلى عنان‏ «1» السّماء، ثمّ سقط لوجهه ساجدا لربّه- تعالى ذكره- ثمّ رفع رأسه و هو يقول:

شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ- الى آخر الآية-.

و في أصول الكافي‏ «2»: عليّ بن محمّد، عن محمّد بن عبد اللّه بن إسحاق العلويّ، عن محمّد بن زيد الزّراميّ، عن محمّد بن سليمان الدّيلميّ، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن‏ «3» أبي عبد اللّه- عليه السّلام- في حديث طويل يذكر فيه- عليه السّلام- مواليد الأئمّة- صلوات اللّه عليهم- و فيه يقول- عليه السّلام-: و إذا وقع من بطن أمّه وقع واضعا يديه على الأرض رافعا رأسه إلى السّماء، فأمّا وضعه يديه على الأرض فإنّه يقبض كلّ علم اللّه‏ «4» أنزله من السّماء إلى الأرض، و أمّا رفعه‏ «5» رأسه إلى السّماء فإنّ مناديا ينادي من بطنان العرش من قبل ربّ العزّة من الأفق الأعلى باسمه و اسم أبيه يقول: يا فلان بن فلان أثبت تثبت، فلعظيم ما خلقتك‏ «6» أنت صفوتي من خلقي، و موضع سرّي و عيبة علمي، و أميني على وحيي و خليفتي في أرضي، لك و لمن تولّاك أوجبت رحمتي و منحت جناني و أحللت جواري، ثمّ و عزّتي و جلالي لأصلينّ من عاداك أشدّ عذابي و إن وسّعت عليه في دنياي من سعة رزقي، فإذا انقضى الصّوت- صوت المنادي- أجابه و هو واضعا يديه رافعا رأسه إلى السّماء يقول: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.

[قال:] «7» فإذا قال ذلك أعطاه اللّه العلم الأوّل و العلم الآخر، و استحقّ الرّوح زيادة «8» في ليلة القدر.

إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ‏: جملة مستأنفة مؤكّدة للأولى، أي: لا دين مرضيّ عند اللّه إلّا الإسلام، و هو التّوحيد و التّورّع بالشّرع الّذي جاء به محمّد- صلّى اللّه عليه و آله- [الّذي لا يتمّ إلّا بالولاية.] «9» يدلّ على ذلك‏

ما رواه الشّيخ الطّوسيّ- رحمه اللّه- في أماليه‏ «10» قال: حدّثنا «11»

______________________________
(1) المصدر: أعنان.

(2) الكافي 1/ 385- 386، ضمن ح 1.

(3) المصدر: «قال حججنا مع» بدل «عن».

(4) المصدر: للّه.

(5) أ: رفع.

(6) النسخ: خلقت. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(7) يوجد في المصدر.

(8) المصدر: «زيارة الروح» بدل «الروح زيادة».

(9) ليس في أ.

(10) أمالي الطوسي 1/ 208.

(11) المصدر: أخبرنا.

 

56
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 19 الى 30] ص : 56

أبو عبد اللّه محمّد بن [محمّد بن‏] «1» النّعمان- رحمه اللّه- قال: حدّثنا الشّيخ‏ «2» أحمد بن محمّد بن الحسن [بن الوليد قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا محمّد بن الحسن‏] «3» الصّفّار- رحمه اللّه- عن أحمد بن أبي عبد اللّه البرقيّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن المفضّل بن عمر، عن الصّادق [جعفر بن محمد] «4»- عليه السّلام- قال: قال أمير المؤمنين- عليه السّلام-: أعطيت تسعا لم يعطها أحد قبلي سوى رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-: لقد فتحت لي السّبل‏ «5»، و علمت المنايا و البلايا، و الأنساب، و فصل الخطاب، و لقد نظرت إلى‏ «6» الملكوت بإذن ربّي، فما غاب عنّي ما كان قبلي و لا ما يأتي بعدي، و إنّ‏ «7» بولايتي أكمل اللّه لهذه الأمّة دينهم و أتمّ عليهم النّعم و رضى لهم الإسلام‏ «8»، إذ يقول يوم الولاية لمحمّد- صلّى اللّه عليه و آله-: يا محمّد أخبرهم أنّي أكملت لهم اليوم دينهم و أتممت عليهم النّعم و رضيت إسلامهم، كلّ ذلك منّ من‏ «9» اللّه عليّ‏ «10»: فللّه الحمد.

و لا فرق بينه و بين الإيمان في المتعلّق، و إنّما الفرق بأنّه يقال له: الإيمان بعد رسوخه و دخوله في القلب، و قبل ذلك يسمى إسلاما، يدلّ على ذلك‏

ما رواه في أصول الكافي‏ «11»: عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه عمن ذكره، عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- في حديث طويل يقول فيه- عليه السّلام-: إنّ الإسلام قبل الإيمان و عليه يتوارثون و يتناكحون، و الإيمان عليه يثابون.

و ما رواه، عن عدّة من أصحابنا «12»، عن سهل بن زياد و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن ابن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال: سمعته يقول: الإسلام لا يشرك الإيمان. و الإيمان يشرك الإسلام.

و هما في القول و الفعل يجتمعان، كما صارت الكعبة في المسجد و المسجد ليس في الكعبة.

______________________________
(1) يوجد في المصدر.

(2) المصدر: «أخبرنا أبو الحسن» بدل «حدثنا الشيخ».

(3) يوجد في المصدر.

(4) يوجد في المصدر.

(5) النسخ: السّد. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(6) المصدر: في.

(7) النسخ: فانّ. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(8) المصدر: إسلامهم.

(9) ليس في المصدر.

(10) المصدر: به عليّ. و لا داعي لوجود «به» بعد اختيار «منّ من».

(11) الكافي 1/ 173، ضمن ح 4.

(12) نفس المصدر 2/ 26، ضمن ح 5.

 

57
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 19 الى 30] ص : 56

و كذلك الإيمان يشرك الإسلام و الإسلام لا يشرك الإيمان. و قد قال اللّه- عزّ و جلّ- «1»:

قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ.

فقول اللّه- عزّ و جلّ- اصدق القول.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

و في الآية دلالة على ذلك، حيث أفادت أن ليس دينا مرضيّا عند اللّه سوى الإسلام، و لو كان الإسلام أعمّ، بمعنى، أنّ الإسلام كان عبارة عن الإقرار بالتّوحيد و النّبوّة، و الإيمان عبارة عنهما. و عن الإقرار بالولاية، لكان الإقراران بدون الولاية دينا مرضيّا عنده، و ليس كذلك بالاتّفاق منّا. لا يقال: الآية دلّت على أنّ الدّين المرضيّ ممّا يصدق عليه الإسلام و لم يدلّ على أنّ كلّ إسلام دين مرضيّ، فلعلّه ذلك باعتبار بعض أفراده.

و أيضا يكفي في كونه مرضيّا كونه ممّا يحقن به الدّم، و ترتّب بعض الأحكام عليه، و لا يلزم كونه ممّا يثاب عليه و يصير سبب نجاة في الآخرة، لأنّا نقول في الجواب عن الأوّل:

إنّ تعريف جزئي الجملة يفيد انحصار كلّ منهما في صاحبه كما حقّق في موضعه، فيفيد أنّ الإسلام لا يكون دينا غير مرضيّ أصلا «2». و عن الثّاني أنّ المتبادر الصّريح من كونه مرضيّا عند اللّه كونه ممّا يثيب عليه في الآخرة، و أمّا كونه مرضيّا بالمعنى الّذي ذكرته فيما لا ينقاد له الذّهن أصلا، فلا يحمل عليه بوجه.

و قرأ الكسائي بالفتح، على أنه بدل «أنّه». و قرئ «إنّه» بالكسر، و «أنّ» بالفتح، على وقوع الفعل على الثّاني و اعتراض ما بينهما، و إجراء «شهد» مجرى «قال» تارة و «علم» أخرى، لتضمّنه معناهما «3».

وَ مَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ‏: في دين الإسلام، فقال قوم: حقّ، و قال قوم:

مخصوص بالعرب، و نفاه آخرون مطلقا.

و في التّوحيد: فثلّث النّصارى. و قالت اليهود: عزير ابن اللّه. و الّذين أوتوا الكتاب، أصحاب الكتب المتقدّمة. و قيل‏ «4»: اليهود و النّصارى.

و قيل‏ «5»: هم قوم موسى اختلفوا بعده. و قيل: هم النّصارى اختلفوا في أمر عيسى.

______________________________
(1) الحجرات/ 14.

(2) أ: «أو أصلا أو» بدل «أصلا و».

(3) أنوار التنزيل 1/ 153.

4 و 5- نفس المصدر و الموضع.

58
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 19 الى 30] ص : 56

إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ‏، أي: من بعد ما جاءتهم‏ «1» الآيات الموجبة للعلم.

وَ مَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ‏ (19): وعيد لمن كفر منهم. و في الآية دلالة على كفر من تمكّن من العلم‏ «2» بدين الحقّ و أنكر و إن لم يحصل له العلم باعتبار تهاونه.

فَإِنْ حَاجُّوكَ‏، في الدّين بعد إقامة الحجج، و جادلوك عنادا، فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ‏: أخلصت له نفسي، لا أشرك فيها أحدا. و عبّر بالوجه عن النّفس، لأنّه أشرف الأعضاء الظّاهرة، و مظهر القوى‏ «3» المدركة.

وَ مَنِ اتَّبَعَنِ‏: عطف على الضّمير المرفوع للفصل‏ «4»، أو مفعول معه‏ «5».

وَ قُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ الْأُمِّيِّينَ‏: الّذين لا كتاب لهم، كمشركي العرب، أَ أَسْلَمْتُمْ‏، كما أسلمت بعد إقامة الحجّة، أم أنتم باقون على كفركم؟ و فيه تعيير لهم بالبلادة و المعاندة.

فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا: فقد انتفعوا بالهداية.

وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ‏: فلم يضرّوك، إذ ما عليك إلّا التّبليغ، و قد بلّغت.

وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (20): وعد للنّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- و للمؤمنين، و وعيد للمتولّين.

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ‏ (21): هم أهل الكتاب الّذين في عصره قتل أوّلوهم الأنبياء و متابعيهم و رضوا به و قصدوا قتل النّبيّ و المؤمنين و لكن اللّه‏ «6» عصمهم.

و نقل‏ «7»: أنّ بني إسرائيل قتلوا ثلاثة و أربعين نبيّا من أوّل النّهار في ساعة واحدة،

______________________________
(1) النسخ: جاءهم.

(2) ليس في ر.

(3) ر: القول.

(4) ر: للفعل.

(5) ليس في أ.

(6) ليس في أ.

(7) مجمع البيان 1/ 423، نقلا عن النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- مخاطبا لابي عبيدة.

 

59
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 19 الى 30] ص : 56

فقام مائة و اثنا عشر رجلا من عبّاد بني إسرائيل فأمروا من قتلتهم بالمعروف و نهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعا من آخر النّهار [في ذلك اليوم. و هو الذي ذكره اللّه تعالى‏] «1».

و قرأ حمزة «يقاتلون الّذين» فبشّرهم خبر المبتدأ، و دخول الفاء لتضمّن المبتدأ معنى الشّرط. و يمنع سيبويه دخول الفاء في خبر إنّ، كليت و لعلّ، و لذلك قيل: الخبر «2».

أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ، كقولك: زيد فافهم رجل صالح، و بينه و بينهما فرق فإنّها لا تغيّر معنى الجملة بخلافهما، و قد دخلت الفاء في خبر إنّ في قوله: إنّ الموت الّذي تفرّون منه فإنّه ملاقيكم.

وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ‏ (22): في الدّنيا يدفع عنهم الخزي و اللّعن، و في الآخرة يدفع عنهم العذاب. و في إيراد الجمع إشعار بأنّ خزيهم و عذابهم عظيم، على تقدير وجود النّاصرين لا يمكن لواحد منهم دفعه.

و في كتاب الخصال‏ «3»: عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-: لن يعمل ابن آدم عملا أعظم عند اللّه- تبارك و تعالى- من رجل قتل نبيّا، أو إماما، أو هدم الكعبة الّتي جعلها اللّه تعالى قبلة لعباده، أو أفرغ ماءه في امرأة حراما.

و فيه‏ «4» فيما علّم أمير المؤمنين- عليه السّلام- أصحابه‏: احذروا السّفلة، فان السّفلة من لا يخاف اللّه، ففيهم‏ «5» قتلة الأنبياء، و هم‏ «6» أعداؤنا.

و في أصول الكافي‏ «7»: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن يونس بن ظبيان قال: سمعت أبا عبد اللّه- عليه السّلام- يقول:

قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: ويل للّذين يجتلبون‏ «8» الدّنيا بالدّين [و] «9» ويل للّذين يقتلون الّذين يأمرون بالقسط من الناس، و ويل للّذين يسير المؤمن فيهم بالتّقيّة. أبي يغترّون أم عليّ يجترءون؟ فبي حلفت لأتيحن لهم فتنة تترك‏

______________________________
(1) من المصدر.

(2) ر. أنوار التنزيل 1/ 153.

(3) الخصال/ 120، ح 109.

(4) نفس المصدر/ 635، ضمن حديث الأربعمائة.

5 و 6- المصدر: فيهم.

(7) الكافي 2/ 299، ح 1.

(8) المصدر: «يختلون». و يمكن أن يكون: «يحتلبون». و كلاهما صحيح و صواب أيضا.

(9) من المصدر.

 

60
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 19 الى 30] ص : 56

الحليم منهم حيرانا «1».

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً، أي: حظّا وافرا. و التّنكير للتّعظيم.

مِنَ الْكِتابِ‏، أي: التّوراة، أو جنس الكتب السّماويّة. و من للتّبعيض، أو التّبيين‏ «2».

يُدْعَوْنَ إِلى‏ كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ‏، أي: يدعوهم محمّد- صلّى اللّه عليه و آله- إلى القرآن ليحكم بينهم، أو التّوراة لما

نقل‏ «3»: انّه- عليه الصّلاة و السّلام- دخل مدارسهم فقال له نعيم بن عمرو و الحارث بن زيد: على أيّ دين أنت؟

فقال: على دين إبراهيم.

فقال له نعيم‏ «4»: إنّ إبراهيم كان يهوديّا.

فقال: هلمّوا إلى التّوراة ليحكم‏ «5» بيننا و بينكم، فأبيا.

[فنزلت‏] «6».

و قيل: نزلت في الرّجم. و قد اختلفوا فيه.

و قرئ ليحكم على البناء للمفعول، فيكون الاختلاف فيما بينهم‏ «7».

ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ‏: استبعاد لتولّيهم، مع علمهم بأنّ الرّجوع إليه واجب.

وَ هُمْ مُعْرِضُونَ‏ (23): حال من فريق لتخصيصه بالصّفة، أي: و هم قوم عادتهم الإعراض عن الحقّ، و هو نهاية التّقريع‏ «8».

ذلِكَ‏، أي: الإعراض.

بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ‏: بسبب تسهيلهم امر العذاب، وَ غَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ‏ (24): من قولهم السّابق، أو أنّ آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، أو أنّه تعالى وعد يعقوب أن لا يعذّب أولاده إلّا تحلّة القسم. و تكرير الكذب و الافتراء، يصيّره في صورة الصّدق، عند قائله و مفتريه.

فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ‏: تكذيب لقولهم: لن تمسّنا النّار إلَّا أيّاما، و لغرورهم بما كانوا يفترون.

______________________________
(1) المصدر: حيران.

(2) أ: للتبيين.

(3) أنوار التنزيل 1/ 154.

(4) المصدر: «فقالا له» بدل «فقال له نعيم».

(5) المصدر: فانّها.

(6) من المصدر.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) أ: التفريع.

61
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 19 الى 30] ص : 56

وَ وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ‏: جزاء ما كسبت.

قال البيضاويّ‏ «1»: و فيه دليل على أنّ العبادة لا تحبط، و أنّ المؤمن لا يخلّد في النّار، لأنّ توفية إيمانه و عمله لا يكون‏ «2» في النّار و لا قبل دخولها، فإذن هي بعد الخلاص [منها.] «3» و يردّ عليه في الأوّل، أنّه على تقدير الإحباط، يصدق على النّفس المحسنة الّتي أحبطت حسنتها «4» بالسّيِّئة الّتي صدرت عنها أنّها وفيت ما كسبت، بمعنى أنّها لحسنتها لم تعاقب بالسّيّئة الّتي صدرت عنها. و في الثّاني، أنّه يمكن توفية «5» إيمانه و عمله في النّار، بأن يخفّف عذابه عن قدر ما ينبغي لسيئته، لإيمانه و عمله.

و التّحقيق أنّ المؤمن، يعني، الموالي للأئمّة- عليهم السّلام- لا يدخل النّار، و غيره يدخل و لا يخرج. و مناط الإيمان ما جعله اللّه و رسوله إيمانا، لا ما جعله كلّ حزب إيمانا و عدّه عملا صالحا، فكم ممّن يعدّ نفسه مؤمنا و هو مؤمن بنفسه و هواه، و كم ممّن يعد نفسه مواليا فهو ممّن يوالي الشّيطان.

وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‏ (25):

الضّمير لكلّ نفس على المعنى، لأنّه في معنى كلّ إنسان.

قُلِ اللَّهُمَ‏:

الميم عوض عن حرف النّداء، و لذلك لا يجتمعان، و قد وقع في الشّعر ضرورة، و هو من خصائص هذا الاسم كدخولها عليه مع لام التّعريف، و قطع همزته و تاء القسم.

و قيل‏ «6»: أصله «يا اللّه آمنّا بخير»، مخفّف بحذف حرف النّداء و متعلّقات الفعل و همزته.

مالِكَ الْمُلْكِ‏: على الحقيقة، و هو صفة للّه. و عند سيبويه، نداء ثان، فإنّ الميم عنده تمنع الوصفيّة.

تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ، أي: تعطي منه‏ «7» ما تشاء من تشاء، و تستردّ. فالملك الأوّل عامّ، و الأخيران بعضان منه.

______________________________
(1) أنوار التنزيل 1/ 154.

(2) المصدر: لا تكون.

(3) من المصدر.

(4) أ، ر: حسنته.

(5) أ: توفيته.

(6) أنوار التنزيل 1/ 154.

(7) أ: منها.

62
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 19 الى 30] ص : 56

و قيل‏ «1»: المراد بالملك، النّبوّة. و نزعها، نقلها من قوم إلى قوم.

و في روضة الكافي‏ «2»: بإسناده إلى عبد الأعلى- مولى آل سام- عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال‏: قلت له: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ، أليس قد أتى اللّه- عزّ و جلّ- بني أميّة الملك؟

قال: ليس حيث تذهب‏ «3»، إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أتانا الملك و أخذته بنو أميّة، بمنزلة الرّجل يكون له الثّوب فيأخذه الآخر، فليس هو الذي أخذه.

فالمراد بإيتاء الملك بناء على هذا الخبر جعل الملك لأحد و جعله جائز التّصرّف فيه، لا التسلّط «4» على الملك كما يتوهّم بعض الأوهام و ذهب إليه و هو «5» مولى آل سام‏ «6»، و هو الآن لمن جعل اللّه الملك له و جعله قائما فيه.

وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ: في الدّنيا، أو في الآخرة، أو فيهما، بالنّصر و الإدبار، و التّوفيق و الخذلان.

بِيَدِكَ الْخَيْرُ، أي: ما هو فعلك خير، و الشّرّ ممّا يرجع إلينا، مع كون الشّرّ مقدورا لك أيضا.

إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (26): خيرا كان أو شرّا، لكنّ ما يصدر عن يدك و قدرتك هو الخير، هذا. و قال البيضاويّ‏ «7»: ذكر الخير وحده لأنّه المقضى‏ «8» بالذّات، و الشّرّ مقضي‏ «9» بالعرض، إذ لا يوجد شرّ جزئيّ ما لم يتضمّن خيرا كليّا. أو لمراعاة الأدب في الخطاب. أو لأنّ الكلام وقع فيه، إذ

روي‏: أنّه- عليه الصّلاة و السّلام- لمّا خطّ الخندق، و قطع لكلّ عشرة أربعين ذراعا، و أخذوا يحفرون، فظهر فيه صخرة عظيمة لم يعمل فيها «10» المعاول، فوجّهوا سلمان إلى رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- يخبره، فجاء- عليه السّلام- فأخذ المعول منه، فضربها ضربة صدّعتها، و برق منها برق‏ «11» أضاء ما بين‏

______________________________
(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) الكافي 8/ 266، ح 389.

(3) المصدر: تذهب إليه.

(4) أ: التسليط.

(5) الأصل ور: هم. و ما أثبتناه في المتن موافق أ.

(6) ر: آل سالم.

(7) أنوار التنزيل 1/ 154- 155.

(8) أ: المقتضي.

(9) أ: مقتضي.

(10) النسخ: فيه. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(11) أ: برقا.

 

63
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 19 الى 30] ص : 56

لابتيها لكأنّ [بها] «1» مصباحا في جوف بيت مظلم‏ «2»، فكبّر و كبّر معه المسلمون و قال:

أضاءت لي [منها قصور الحيرة كأنّها أنياب الكلاب. ثمّ ضرب الثّانية فقال: أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الرّوم. ثمّ ضرب الثّالثة فقال: أضاءت لي‏] «3» [منها] «4» قصور صنعاء، و أخبرني جبرئيل أنّ أمّتي ظاهرة على كلّها فأبشروا.

فقال المنافقون: ألا تتعجّبون يمنّيكم و يعدكم الباطل، و يخبركم أنّه يبصر من يثرب قصور الحيرة [و مدائن كسرى‏] «5» و أنّها تفتح‏ «6» لكم، و أنتم [إنّما] «7» تحفرون الخندق من الفرق.

فنزلت، و نبّه على أنّ الشّرّ أيضا بيده بقوله: [إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ.

انتهى كلامه، و هذا بناء على زعمه الكاسد ممّا ذهب إليه الأشعريّة، من أنّ الخير و الشّرّ كليهما من أفعال اللّه- تعالى-.] «8» تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا، بل ما يصدر عنه تعالى ممّا ظاهره الشّرّ من التّعذيب و الخزي و الإماتة و التّحريض و غير ذلك، فهو خير في الواقع و حسن بالنّظر إلى مصالحه و حكمه، كيف و الشّرّ قبيح يقبح صدروه عنه تعالى.

تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ تُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ‏، أي: تزيد في النّهار و تنقص من اللّيل و بالعكس، أو تعقّب أحدهما الآخر. و الولوج، الدّخول في مضيق.

و في كتاب الإهليلجة «9»: قال الصّادق- عليه السّلام، بعد أن ذكر اللّيل و النّهار- يلج أحدهما في الأخر [حتّى‏] «10» ينتهي كلّ واحد منهما إلى غاية معروفة محدودة «11» في الطّول و العرض‏ «12»، على مرتبة و مجرى واحد.

وَ تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ تُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ‏: تنشئ الحيوانات من موادّها و تميتها، أو تخرج الحيوان من النّطفة منه، أو تخرج المؤمن من الكافر و الكافر من المؤمن.

______________________________
(1) من المصدر.

(2) النسخ: «ليلة» بدل «بيت مظلم».

(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(4) من المصدر.

(5) من المصدر.

(6) أ: يفتح.

(7) من المصدر.

(8) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(9) بحار الأنوار 3/ 165.

(10) من المصدر.

(11) المصدر: «محدودة معروفة» بدل «معروفة محدودة»

(12) المصدر: القصر.

64
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 19 الى 30] ص : 56

و في كتاب معاني الأخبار «1»: و سئل الحسن بن عليّ بن محمّد- عليهم السّلام- عن الموت ما هو؟

فقال: هو التّصديق بما لا يكون.

حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الصّادق- عليه السّلام- قال‏: إنّ المؤمن إذا مات لم يكن ميّتا، فإنّ الميّت هو الكافر، إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول‏ «2»: يخرج الحيّ من الميّت و يخرج الميّت من الحيّ، [يعني المؤمن من الكافر و الكافر من المؤمن.

و في مجمع البيان‏ «3»: تخرج الحّي من الميّت و تخرج الميّت من الحيّ‏] «4» قيل: إنّ معناه يخرج‏ «5» المؤمن من الكافر و الكافر من المؤمن. و روي ذلك عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- عليهما السّلام-.

و قرأ ابو عمرو و ابن عامر و أبو بكر «الميت» بالتّخفيف‏ «6».

وَ تَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ‏ (27):

في مهج الدّعوات‏ «7»: عن أسماء بنت زيد قالت: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-: اسم اللّه الأعظم الّذي إذا دعي به فأجاب: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ‏- إلى- بِغَيْرِ حِسابٍ‏.

و قد مرّ في أوّل الفاتحة ما يدلّ على فضل هذه الآية أيضا.

لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ: نهي عن موالاتهم و الاستعانة بهم.

مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ‏: في موضع الصّفة لأولياء، أو الحال إن جوزت عن النّكرة، و المعنى: أنّهم لا يتّخذوهم أولياء بدل المؤمنين، فيكون إشارة إلى أنّ المؤمنين أحقّاء بالموالاة، و في موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفرة، فإنّ اللّه وليّ الذين آمنوا.

وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ‏: أي اتّخاذ الكافرين أولياء.

فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْ‏ءٍ: من الولاية، لأنّه ترك موالاة المؤمنين الّذين وليّهم اللّه و والى عدوّ اللّه.

______________________________
(1) معاني الأخبار/ 290- 291، ح 10.

(2) الروم/ 18.

(3) مجمع البيان 1/ 428.

(4) ليس في أ.

(5) المصدر: تخرج.

(6) أنوار التنزيل 1/ 155.

(7) مهج الدعوات/ 317.

65
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 19 الى 30] ص : 56

إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً، أي: لا يجوز موالاتهم في شي‏ء من الأحوال إلّا في حالة أن تتّقوا منهم، أي: تخافوا من جهتهم.

و تقاة، مصدر. إمّا بمعنى ما يجب اتقاؤه فيكون مفعولا به، أو بمعناه فيكون مفعولا مطلقا. و الفعل معدّى بمن، لأنّه في معنى تحذروا و تخافوا. و قرأ يعقوب: تقيّة.

و في كتاب الاحتجاج‏ «1» للطّبرسيّ- رحمه اللّه- عن أمير المؤمنين- عليه السّلام- في حديث طويل يقول فيه- عليه السّلام- لبعض اليونانيّين: و آمرك أن تستعمل التّقيّة «2» في دينك، فإنّ اللّه يقول: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْ‏ءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً [...] و إيّاك ثمّ إيّاك أن تتعرّض للهلاك‏ «3»، و ان تترك التّقيّة الّتي أمرتك بها، فإنّك شائط بدمك و دم‏ «4» إخوانك، معرّض لنعمك و لنعمهم للزّوال‏ «5»، مذلّ لك و لهم‏ «6» في أيدي أعداء اللّه‏ «7» و قد أمرك‏ «8» بإعزازهم.

و في تفسير العيّاشيّ‏ «9»: عن الحسين بن زيد بن عليّ، عن جعفر بن محمّد [عن أبيه عليهما السّلام‏] «10» قال: كان رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- يقول‏: لا إيمان لمن لا تقيّة له، و يقول: فإنّ‏ «11» اللّه يقول‏ «12»: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً.

و في أصول الكافي‏ «13»: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أدينة، عن إسماعيل الجعفيّ و معمّر بن يحيى بن سام‏ «14» و محمّد بن مسلم و زرارة قالوا: سمعنا أبا جعفر- عليه السّلام- يقول‏: التّقيّة في كلّ شي‏ء يضطرّ إليه ابن آدم، فقد أحلّه‏ «15» اللّه له.

عليّ بن إبراهيم‏ «16»: عن محمّد بن عيسى، عن يونس‏ «17»، عن ابن مسكان، عن‏

______________________________
(1) الاحتجاج 1/ 354- 355.

(2) النسخ: تقية. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(3) «أن تتعرّض للهلاك و» ليس في المصدر.

(4) النسخ: دماء. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(5) المصدر: «لنعمتك و نعمهم على الزوال» بدل «لنعمك و لنعمهم للزوال».

(6) النسخ: «مذلّهم». تفسير نور الثقلين: «مذلّ لهم» بدل «مذلّ لك و لهم».

(7) المصدر: أعداء دين اللّه.

(8) المصدر: و قد أمرك اللّه.

(9) تفسير العياشي 1/ 166، ح 24.

(10) من المصدر.

(11) المصدر: قال.

(12) ليس في المصدر.

(13) الكافي 2/ 220، ح 18.

(14) الأصل: بسام. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(15) النسخ: أحلّ. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(16) نفس المصدر 2/ 220.

(17) «عن يونس» ليس في ر.

 

66
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 31 الى 34] ص : 67

حريز، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال: قال‏: التّقيّة ترس‏ «1» اللّه بينه و بين خلقه.

وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ‏ في موالاة الكفّار من غير ضرورة و ترك التّقيّة في حال الضّرورة. و ذكر «النفس» ليعلم أنّ المحذّر منه عقاب منه، و هو تهديد عظيم مشعر بتناهي النّهي عنه في القبح.

وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28): تأكيد للتّهديد، و إتيان الظّاهر موضع الضّمير للمبالغة.

قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ‏: يعلم السّرّ منكم و العلن.

وَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ‏: فيعلم ما تضمرونه و ما تخفونه.

وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (29): فيقدر على تعذيبكم و خزيكم ان لم تنتهوا عن ما نهيتم عنه.

يَوْمَ‏: منصوب «بتودّ» أو «اذكر» مضاف إلى‏ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً، أي: تجد صحائف أعمالها، أو جزاء أعمالها من الخير حاضرا.

وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ أي: محضرا، تَوَدُّ: حال، على تقدير تعلّق «يوم» باذكر من الضّمير في «عملت» أو خبر «لما عملت من سوء» و «تجد» مقصور على «ما عملت من خير» و لا تكون «ما» شرطيّة لارتفاع «تودّ».

و قرئ «ودّت» و على هذا يحتمل أن تكون «ما» شرطيّة «2».

لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً: بتأويل المصدر مفعول «تودّ»، أي: تودّ كون الأمد البعيد بينها و بين عملها.

وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ‏: التّكرير للتّوكيد.

وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (30): إشارة إلى أنّ النّهي للرّأفة، رعاية لمصالحهم. و أنّه لذو مغفرة و ذو عقاب، فيجب أن يرجى رحمته، و يخشى عقابه.

قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي‏:

______________________________
(1) أ: أترس.

(2) أنوار التنزيل 1/ 156.

67
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 31 الى 34] ص : 67

المحبّة، ميل النّفس إلى الشي‏ء، لكمال أدرك فيه، بحيث يحملها على ما يقرّبه إليه. و محبّة العباد للّه مجاز عن إرادة نفوسهم اختصاصه بالعبادة دون غيره، و رغبتهم‏ «1» فيها، و هي مستلزمة لاتّباع الرّسول في جميع ما جاء به و من جملته، بل العمدة فيه اتّباع الأئمّة- عليهم السّلام-.

يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ‏: جواب للأمر، أي: يرضى عنكم و يتجاوز عن ذنوبكم. عبّر عن ذلك بالمحبّة على طريق الاستعارة، أو المقابلة.

و في روضة الكافي‏ «2»: بإسناده إلى أبي عبد اللّه- عليه السّلام- في حديث طويل يقول فيه- عليه السّلام-: و من سرّه أن يعلم أنّ اللّه يحبّه فليعمل بطاعة اللّه و ليتّبعنا، أ لم يسمع قول اللّه- عزّ و جلّ- لنبيّه- صلّى اللّه عليه و آله: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ‏. و اللّه لا يطيع اللّه عبد أبدا إلّا أدخل اللّه عليه في طاعته اتّباعنا، و لا و اللّه لا يتّبعنا عبد أبدا إلّا أحبّه اللّه [و] «3» لا و اللّه لا يدع‏ «4» أحد اتّباعنا أبدا إلا أبغضنا و لا و اللّه لا يبغضنا أحد أبدا إلّا عصى اللّه، و من مات عاصيا للّه أخزاه [اللّه‏] «5» و أكبّه على وجهه في النّار، و الحمد للّه ربّ العالمين.

و فيها خطبة لأمير المؤمنين- عليه السّلام- و هي خطبة الوسيلة «6»، يقول فيها- عليه السّلام- بعد أن ذكر النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله:-: فقال تبارك و تعالى- في التّحريض على اتّباعه و التّرغيب في تصديقه و القبول لدعوته: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ‏، فاتّباعه- صلّى اللّه عليه و آله- محبّة اللّه، و رضاه غفران الذّنوب و كمال الفوز و وجوب الجنّة.

عليّ بن إبراهيم‏ «7»، عن أبيه، عن القاسم بن محمدّ [و عليّ بن محمّد، عن القاسم بن محمّد] «8» عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه‏

______________________________
(1) ر: رغبته.

(2) الكافي 8/ 14، ذيل حديث 1. و هي رسالة أبي عبد اللّه- عليه السّلام- إلى أصحابه.

(3) من المصدر.

(4) النسخ: و لا يدع. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(5) من المصدر.

(6) نفس المصدر 8/ 26، ضمن حديث 4.

(7) نفس المصدر 8/ 128- 129، ح 98. و الحديث طويل. و له تتمة.

(8) من المصدر.

 

68
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 31 الى 34] ص : 67

- عليه السّلام- قال‏: قال [...] إنّي لأرجو النّجاة لمن عرف حقّنا من هذه الأمّة إلّا لأحد ثلاثة: صاحب سلطان جائر، و صاحب هوى، و الفاسق المعلن. ثمّ تلا: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ‏. ثمّ قال: يا حفص الحبّ أفضل من الخوف. ثمّ قال: و اللّه ما أحبّ [اللّه‏] «1» من أحبّ الدّنيا و والى غيرنا، و من عرف حقّنا و أحبّنا فقد أحبّ اللّه- تبارك و تعالى-.

و في كتاب الخصال‏ «2»: عن سعيد بن يسار قال: قال [لي‏] «3» أبو عبد اللّه- عليه السّلام-: هل الدّين إلّا الحبّ، إنّ اللّه تعالى يقول: [قُلْ‏] «4»: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ.

و عن يونس بن ظبيان قال: قال الصّادق جعفر بن محمّد- عليهما السّلام-:

إنّ النّاس يعبدون اللّه تعالى على ثلاثة أوجه: فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه فتلك عبادة الحرصاء و هو الطّمع، و آخرون يعبدونه‏ «5» فرقا من النّار فتلك عبادة العبيد و هي الرّهبة، و لكّني أعبده حبّا له فتلك عبادة الكرام و هو الأمن لقوله تعالى‏ «6»: وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ‏ و لقوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ.

فمن أحبّ اللّه أحبّه اللّه، و من أحبّه اللّه كان من الآمنين.

و في تفسير العيّاشيّ‏ «7»: عن زياد، عن أبي عبيدة الحذّاء قال‏: دخلت على أبي جعفر- عليه السّلام- فقلت: بأبي أنت و امّي ربّما خلا بي الشّيطان فخبثت نفسي، ثمّ ذكرت حبّي إيّاكم و انقطاعي إليكم فطابت نفسي.

فقال: يا زياد ويحك و ما الدّين إلّا الحبّ أ لا ترى إلى قول- اللّه تعالى- إِنْ‏ «8» كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ.

و عن بشير الدّهّان‏ «9»، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال‏: [قد] «10» عرفتم فيّ منكرين كثيرا «11» و أحببتم فيّ مبغضين كثيرا، «12» و قد يكون حبّا للّه [و] «13» في اللّه و رسوله،

______________________________
(1) من المصدر.

(2) الخصال/ 21، ح 74.

(3) من المصدر.

(4) من المصدر.

(5) النسخ: يعبدون. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(6) النمل/ 89.

(7) تفسير العياشي 1/ 167، ح 25.

(8) أ: قل إن.

(9) نفس المصدر و الموضع، ح 26.

(10) من المصدر.

11 و 12- النسخ و المصدر: كثير.

(13) من المصدر.

 

69
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 31 الى 34] ص : 67

و حبّا في الدّنيا. فما كان في اللّه و رسوله فثوابه على اللّه، و ما كان في الدّنيا فليس [في‏] «1» شي‏ء. ثمّ نفض يده، ثمّ قال: إنّ هذه المرجئة و هذه القدريّة و هذه الخوارج ليس منهم أحد إلّا يرى أنّه على الحقّ، و إنّكم إنّما أحببتمونا في اللّه، ثمّ تلا: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ «2» وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «3»، و مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ‏ «4» إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ‏ «5»

و عن بريد بن معاوية «6» [...] عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال‏: و اللّه لو أحبنا حجر حشره اللّه معنا، و هل الدّين إلّا الحبّ إنّ اللّه يقول: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ‏، و قال: يحبّون من هاجر إليهم و هل الدّين إلّا الحبّ.

و عن ربعي بن عبد اللّه‏ «7» قال‏: قيل لأبي عبد اللّه- عليه السّلام: جعلت فداك إنّا نسمّي بأسمائكم و أسماء آبائكم فينفعنا ذلك؟

فقال‏ «8»: إي و اللّه و هل الدّين إلّا الحب، قال اللّه تعالى: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ.

وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ (31) لمن تحبّب إليه بطاعته و اتباع رسوله- صلّى اللّه عليه و آله قال البيضاويّ‏ «9»: روي أنّها نزلت لمّا قالت اليهود: نحن أبناء اللّه و أحباؤه.

و قيل: نزلت في وفد نجران لمّا قالوا: إنّما نعبد المسيح حبّا للّه.

و قيل: في أقوام زعموا على عهده [صلّى اللّه عليه و آله‏] أنّهم يحبّون اللّه فأمروا أن يجعلوا لقولهم تصديقا من العمل.

و لنعم ما قال صاحب الكشّاف هنا «10»: و إذا رأيت من يذكر محبّة اللّه، و يصفّق بيديه مع ذكرها «11»، و يطرب و ينعر و يصعق، فلا تشكّ في أنّه لا يعرف ما اللّه و لا يدري ما

______________________________
(1) من المصدر.

(2) النساء/ 59.

(3) الحشر/ 7.

(4) النساء/ 80.

(5) آل عمران/ 31.

(6) نفس المصدر و الموضع، ح 27.

(7) نفس المصدر و الموضع، ح 28.

(8) ر: «قال» بدل «ذلك فقال».

(9) أنوار التنزيل 1/ 156.

(10) تفسير الكشاف 1/ 424.

(11) المصدر: ذكره.

70
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 31 الى 34] ص : 67

محبّة اللّه، و ما تصفيقه و طربه و نعرته و صعقته إلّا لأنّه تصوّر في نفسه الخبيثة صورة مستملحة معشقة فسمّاها اللّه بجهله و دعارته، ثمّ صفّق و طرب و نعر و صعق على تصوّرها، و ربّما رأيت المنيّ قد ملأ إزار ذلك المحبّ عند صعقته، و حمقى العامّة حواليه قد ملأوا أردانهم بالدّموع لما رقّقهم من حاله. قال:

أحبّ أبا ثروان من حبّ تمره‏

و أعلم أنّ الرّفق بالجار أرفق‏

و و اللّه لو لا تمره ما حببته‏

و لا كان أدنى من عبيد و مشرق‏

قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا: يحتمل المضيّ و المضارعة، بمعنى، فإن تتولّوا، فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ‏ (32): لا يرضى عنهم، و لا يغفر لهم. و وضع المظهر موضع المضمر لقصد العموم، و الدّلالة على أنّ التّولّي كفر، و إنّه ينفي محبّة اللّه و محبّته مخصوصة بالمؤمنين. و في الآية مع ما ذكر من الأخبار في بيانها دلالة صريحة على كفر من تولّى عن الولاية، فتبصّر.

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ‏:

لمّا أوجب طاعة الرّسول و أولاده الأوصياء «1»، و بيّن أنّها الجالبة لمحبّته، عقّب ذلك ببيان مناقب الرّسل و آلهم، الّذين أوصياء الرّسول منهم، تحريضا عليه.

وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ‏: و آله إسماعيل و إسحاق و أولادهما، و دخل فيهم الرّسول- صلّى اللّه عليه و آله- و أولاده الأوصياء- عليهم السّلام-.

في مجمع البيان‏ «2»: إنّ آل إبراهيم هم آل محمّد الّذين هم أهله، و يجب أن يكون الّذين اصطفاهم اللّه مطهّرين معصومين منزّهين عن القبائح، لأنّه سبحانه لا يختار و لا يصطفي إلّا من كان كذلك، و يكون ظاهره مثل باطنه في الطّهارة و العصمة. ثمّ قال‏ «3»:

و هو المرويّ عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام-.

و في تفسير العياشي‏ «4»: عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال‏: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ‏

______________________________
(1) الأصل ور: و الأوصياء. و ما أثبتناه في المتن موافق أ.

(2) مجمع البيان 1/ 433.

(3) نفس المصدر و الموضع. إلا أنه مرتبط بحديث آخر غير هذا الحديث.

(4) أ: «و روى» بدل «و في تفسير العياشي». و فيه 1/ 168، ح 29.

 

71
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 31 الى 34] ص : 67

. قال: نحن منهم و نحن بقيّة تلك العترة.

[و في شرح الآيات الباهرة «1»:] «2» روى الشّيخ أبو جعفر الطّوسيّ- رحمه اللّه- عن روح بن روح‏ «3»، عن رجاله، عن إبراهيم‏ «4» النّخعيّ‏ «5»، عن ابن عبّاس- رضي اللّه عنه- قال‏: دخلت على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- عليه السّلام- فقلت: يا أبا الحسن أخبرني بما أوصى اليك رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-.

فقال: سأخبركم‏ «6»، إنّ اللّه اصطفى لكم الدّين و ارتضاه و أتمّ عليكم نعمته و كنتم أحقّ بها و أهلها، و إنّ اللّه أوحى إلى نبيّه أن يوصي إليّ، فقال النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله-: يا عليّ احفظ وصيّتي و ارع‏ «7» ذمامي و أوف بعهدي و أنجز عداتي و اقض دينى و أحيي‏ «8» سنّتي و قوّمها و ادع إلى ملّتي، لأنّ اللّه تعالى اصطفاني و اختارني، فذكرت دعوة أخي موسى- عليه السّلام- فقلت: اللّهمّ اجعل لي وزيرا من أهلي كما جعلت هارون من موسى. فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليّ: إنّ‏ «9» عليّا وزيرك و ناصرك و الخليفة من بعدك، ثمّ يا عليّ أنت‏ «10» من أئمّة الهدى و أولادي‏ «11» منك. فأنتم قادة الهدى و التّقى، و الشّجرة الّتي أنا أصلها و أنتم فرعها، فمن تمسّك بها فقد نجا، و من تخلّف عنها فقد هلك و هوى، و أنتم الّذين أوجب اللّه تعالى مودّتكم و ولايتكم، و الّذين ذكرهم اللّه في كتابه‏

______________________________
(1) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط/ 38.

(2) ليس في أ.

(3) النسخ: «رواح»، و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر و تفسير البرهان 1/ 279.

(4) أ: إسماعيل.

(5) المصدر: إبراهيم بن النخعي.

(6) جاءت بصيغة الجمع و السائل واحد و هو ابن عباس. فإمّا «سأخبرك»، أو يمكن أن يكون ذكره بصيغة الجمع للاحترام، أو الخطاب للناس. و هكذا وردت في تفسير البرهان 1/ 279.

(7) الأصل و تفسير البرهان: «ارفع». أور: «ادفع». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(8) النسخ: «و قوّمها و احيي سنتي»، تفسير البرهان: «و اقض ديني و قوّمها و قوّم سنتي» بدل: «و اقض ديني و احيى سنتي و قوّمها». و هي موافق المصدر.

(9) ر: فانّ.

(10) هكذا في الأصل و المصدر. و في البرهان ور: «أنت يا عليّ» بدل «يا عليّ أنت».

(11) النسخ و البرهان: أولادك. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

 

72
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 31 الى 34] ص : 67

و وصفهم لعباده، فقال- عزّ و جلّ من قائل-: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏، فأنتم صفوة اللّه من آدم و نوح و آل إبراهيم و آل عمران، و أنتم الأسرة من إسماعيل، و العترة الهادية من محمّد- صلوات اللّه عليهم أجمعين-.

و في عيون الأخبار «1»، في باب ذكر مجلس الرّضا- عليه السّلام- مع المأمون في الفرق بين العترة و الأمّة في حديث طويل و فيه: فقال المأمون: هل فضّل اللّه العترة على سائر النّاس؟

فقال أبو الحسن- عليه السّلام-: إنّ اللّه تعالى أبان فضل العترة على سائر النّاس في محكم كتابه.

فقال له المأمون: اين ذلك من كتاب اللّه؟

فقال الرّضا- عليه السّلام-: في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ.

وَ آلَ عِمْرانَ‏:

آله موسى و هرون ابنا عمران بن يصهر «2».

و قيل‏ «3»: عيسى [و مريم بنت عمران بن ماثان، و بين العمرانين ألف و ثمان مائة سنة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ «4»: قال العالم- عليه السّلام-:] «5» نزل آل إبراهيم‏ «6» و آل عمران و آل محمّد على العالمين، فأسقطوا آل محمّد من الكتاب.

و في مجمع البيان‏ «7»: و في قراءة أهل البيت- عليه السّلام-: و آل محمّد على العالمين.

و في تفسير العيّاشيّ‏ «8»: عن هشام بن سالم قال: سألت أبا عبد اللّه- عليه السّلام-

______________________________
(1) عيون أخبار الرضا 1/ 230، ضمن حديث 1.

(2) و هو ابن قاهث بن لاوى بن يعقوب. ر. مجمع البيان ذيل آية ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ‏.

(3) ر. أنوار التنزيل 1/ 156- 157.

(4) تفسير القمي 1/ 100.

(5) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(6) «آل إبراهيم» ليس في المصدر.

(7) مجمع البيان 1/ 433.

(8) تفسير العياشي 1/ 168، ح 29. و «تفسير العياشي» ليس في أ.

 

73
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 31 الى 34] ص : 67

عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً.

فقال: هو آل إبراهيم و آل محمّد على العالمين فوضعوا اسما مكان اسم.

عَلَى الْعالَمِينَ‏ (33):

قيل‏ «1»: فيه دلالة ظاهرة «2» على تفضيلهم على الملائكة. [و قد مرّ ما فيه في سورة البقرة.] «3»

و في كتاب الخصال‏ «4»: عن أبي الحسن الأوّل- عليه السّلام- قال: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- اختار من كلّ شي‏ء أربعة- إلى أن- قال: و اختار من البيوتات‏ «5» أربعة، فقال- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ.

و عن جعفر بن محمّد «6»، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب- عليهم السّلام- عن النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- أنّه قال في وصيّة له‏: يا عليّ إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أشرف على الدّنيا فاختارني منها على رجال العالمين، ثمّ اطّلع الثّانية فاختارك على رجال العالمين بعدي، ثمّ اطّلع الثّالثة فاختار الأئمّة من ولدك على رجال العالمين بعدك، ثمّ اطّلع الرّابعة فاختار فاطمة على نساء العالمين.

[و في عيون الأخبار «7» في باب مجلس الرّضا- عليه السّلام- عند المأمون مع أهل الملل و المقالات، و ما أجاب عليّ بن محمّد بن الجهم في عصمة الأنبياء- صلوات اللّه عليهم- حديث طويل يقول فيه الرّضا- عليه السّلام-: أمّا قوله- عزّ و جلّ- في آدم:

وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏، فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق آدم حجّة في أرضه و خليفته في بلاده لم يخلقه للجنّة، و كانت المعصية من آدم- عليه السّلام- في الجنّة لا في الأرض، و عصمته تجب أن يكون في الأرض ليتمّ مقادير أمر اللّه- عزّ و جلّ- فلمّا أهبط إلى الأرض و جعل حجّة و خليفة عصم بقوله- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ.

______________________________
(1) مجمع البيان 1/ 433.

(2) أ: صريحة.

(3) ليس في أ.

(4) الخصال/ 225، ضمن حديث 58.

(5) النسخ: البيوت. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(6) نفس المصدر/ 206، ح 25.

(7) عيون أخبار الرضا 1/ 192- 193.

74
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 31 الى 34] ص : 67

و فيه‏ «1»، في باب مجلس آخر للرّضا- عليه السّلام- عند المأمون في عصمة الأنبياء- عليهم السّلام- حديث طويل و فيه يقول- عليه السّلام-: و كان ذلك من آدم قبل النّبوّة، و لم يكن ذلك بذنب كبير استحقّ به دخول النّار، و إنّما كان من الصّغائر الموهوبة الّتي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي عليهم. فلمّا اجتباه اللّه تعالى و جعله نبيّا كان معصوما لا يذنب صغيرة و لا كبيرة. قال اللّه تعالى: وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏، ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى‏ «2». و قال- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ.] «3»

ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ‏: حال، أو بدل من الآلين، أو منهما و من نوح، أي:

أنّهم ذرّيّة واحدة متشعبة بعضها من بعض في الدّين.

و الذّرّيّة الولد، فعليّة من الذّرا، و فعولة من الذّرء، أبدلت همزتها ياء، ثمّ قلبت الواو ياء و أدغمت.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة «4»: بإسناده إلى محمّد بن الفضيل‏ «5»، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر- عليهما السّلام- في حديث طويل يقول فيه- عليه السّلام‏: فلمّا قضى محمّد- صلّى اللّه عليه و آله- نبوّته و استكملت أيامه أوصى اللّه- عزّ و جلّ- إليه: أن يا محمّد قد قضيت نبوّتك و استكملت أيّامك، فاجعل العلم الّذي عندك و الإيمان و الاسم الأكبر و ميراث العلم و آثار علم النّبوّة عند عليّ بن أبي طالب- عليه السّلام-. فإنّي لم أقطع العلم و الإيمان و الاسم الأكبر و ميراث العلم و آثار علم النّبوّة من العقب من ذرّيّتك، كما لم أقطعها من بيوتات الأنبياء الّذين كانوا بينك و بين أبيك آدم. و ذلك قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.

و في روضة الكافي‏ «6»: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد

______________________________
(1) نفس المصدر 1/ 196.

(2) المصدر: «فهدى». و ما أثبتناه في المتن موافق الأصل و القرآن المجيد.

(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(4) كمال الدين و تمام النعمة/ 217.

(5) النسخ: محمد بن الفضل. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(6) الكافي 8/ 117، ضمن حديث 92.

 

75
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 31 الى 34] ص : 67

بن الفضل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- عليه السّلام- مثله.

و في أصول الكافي‏ «1»: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن إبراهيم، عن يونس، عن هشام بن الحكم‏ «2»- في حديث بريّة لما جاء معه إلى أبي عبد اللّه عليه السّلام فلقى أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السّلام فحكى له هشام الحكاية فلمّا فرغ- قال‏ «3» أبو الحسن لبريّة: يا بريّة كيف علمك بكتابك؟

قال: أنا به عالم.

ثمّ قال: كيف ثقتك بتأويله؟

قال: ما أوثقني بعلمي فيه.

قال: فابتدأ أبو الحسن- عليه السّلام- يقرأ الإنجيل.

فقال بريّة: إيّاك كنت أطلب منذ خمسين سنة، أو مثلك.

قال: فآمن‏ «4» بريّة و حسن إيمانه، و آمنت المرأة الّتي كانت معه، فدخل هشام و بريّة و المرأة على أبي عبد اللّه- عليه السّلام-. فحكى له هشام الكلام الّذي جرى بين أبي الحسن موسى- عليه السّلام- و بين بريّة.

فقال أبو عبد اللّه- عليه السّلام-: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.

فقال بريّة: أنّى لكم التّوراة و الإنجيل و كتب الأنبياء؟

قال: هي عندنا وراثة من عندهم، نقرؤها كما قرؤوها، و نقولها كما قالوا، إنّ اللّه لا يجعل حجّة في أرضه يسأل عن شي‏ء، فيقول: لا ادري.

و في تفسير العيّاشيّ‏ «5»: عن أحمد بن محمّد، عن الرّضا، عن أبي جعفر- عليه السّلام-: من زعم أنّه قد فرغ من الأمر فقد كذب، لأنّ المشيئة للّه في خلقه يريد ما يشاء و يفعل ما يريد. قال اللّه: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. آخرها من أوّلها. و أوّلها من آخرها. فإذا أخبرتم بشي‏ء منها بعينه أنّه كائن‏ «6»، و كان في غيره منه، فقد وقع الخبر «7» على ما أخبرتم عنه.

______________________________
(1) الكافي 1/ 227، ح 1.

(2) «بن الحكم» ليس في أ.

(3) ر: قال له.

(4) رو الأصل: «فقال آمن». أ: «و قال و آمن». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(5) تفسير العياشي 1/ 169، ح 32.

(6) النسخ: كان. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(7) النسخ: في الخبر. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

76
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 31 الى 34] ص : 67

أبو عمرو الزّبيريّ‏ «1»، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال‏: قلت [له:] «2» ما الحّجة في كتاب اللّه أنّ آل محمّد هم أهل بيته؟

قال: قول اللّه- تبارك و تعالى-: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ‏ «3» وَ آلَ عِمْرانَ‏ و آل محمّد- هكذا نزلت- عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ و لا يكون الذّرّيّة من القوم إلّا نسلهم من أصلابهم. و قال‏ «4»: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ و آل عمران و آل محمّد.

و في كتاب المناقب‏ «5» لابن شهر آشوب: أنّ عليّا- عليه السّلام- قال لابنه الحسن- عليه السّلام-: اجمع النّاس، فاجتمعوا، فأقبل فخطب‏ «6» النّاس، فحمد اللّه و أثنى عليه، و تشهّد ثمّ قال: أيّها النّاس إنّ اللّه اختارنا لنفسه، و ارتضانا لدينه، و اصطفانا على خلقه، و أنزل علينا كتابه و وحيه. و أيم اللّه لا ينقصنا «7» أحد من حقّنا شيئا إلّا انتقصه‏ «8» اللّه من حقّه في عاجل دنياه و آجل‏ «9» آخرته، و لا تكون علينا دولة إلّا كانت لنا العاقبة، و لتعلمنّ نبأه بعد حين، ثمّ نزل و جمع‏ «10» بالنّاس، و بلغ أباه فقبّل بين عينيه. ثم قال: بأبي و أمّي‏ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.

و ممّا جاء في معنى الاصطفاء،

ما رواه [في شرح الآيات الباهرة «11» عن‏] «12» الشّيخ الطّوسيّ- قدس اللّه روحه- قال: روى أبو جعفر القلانسيّ قال: حدّثنا الحسين بن الحسن قال: حدّثنا عمرو بن أبي المقدام، عن يونس بن ضباب‏ «13» عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر، عن أبيه، عن جدّه عن عليّ بن أبي طالب- صلوات اللّه عليهم أجمعين- قال: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-: ما بال أقوام إذا ذكروا آل إبراهيم و آل‏

______________________________
(1) نفس المصدر و الموضع، ح 35.

(2) من المصدر.

(3) «و آل إبراهيم» ليس في أ.

(4) سبأ/ 13.

(5) المناقب 4/ 11.

(6) المصدر: و خطب.

(7) المصدر: لا ينتقصنا.

(8) ر: انقصه.

(9) ليس في المصدر.

(10) المصدر: فجمع.

(11) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط/ 38.

(12) ليس في أ.

(13) النسخ: جناب. تفسير البرهان: 1/ 279: حباب. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

 

77
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 35 الى 38] ص : 78

عمران استبشروا، و إذا ذكروا آل محمّد اشمأزّت قلوبهم، و الّذي نفس محمّد بيده لو أنّ أحدهم وافى بعمل سبعين نبيّا يوم القيامة ما قبل اللّه منه حتّى يوافي بولايتي و ولاية عليّ بن أبي طالب- عليهما السّلام-.

[و في روضة الكافي‏ «1»: عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس‏ «2»، عن عليّ بن حمّاد، عن عمرو بن شمر، عن جابر عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال‏: يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ «3» فأصل الشّجرة «4» المباركة إبراهيم- صلّى اللّه عليه و آله- و هو قول اللّه- عزّ و جلّ‏ «5»-: رَحْمَتُ اللَّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

و في أمالي الصّدوق‏ «6»- رحمه اللّه-: بإسناده إلى أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال‏:

قال محمّد بن أشعث بن قيس الكنديّ للحسين- عليه السّلام-: يا حسين بن فاطمة أيّة حرمة لك من رسول اللّه ليست لغيرك؟ فتلا الحسين- عليه السّلام- هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ‏ (الآية) [ثمّ‏] «7» قال: و اللّه إنّ محمّدا لمن آل إبراهيم و [إنّ‏] «8» العترة الهادية لمن آل محمّد.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة]. «9» وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ (34): بأقوال النّاس و أعمالهم، فيصطفي من له المصلحة في اصطفائه.

قيل‏ «10»: أو سميع بقول امرأة عمران، عليم بنيّتها.

إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي‏: فينتصب به «إذ» أو بإضمار «اذكر» و هذه حنّة بنت فاقودا جدّة عيسى.

______________________________
(1) الكافي 8/ 379- 381، ضمن حديث 574.

(2) الأصل: العباد. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(3) النور/ 35.

(4) الأصل: الشجر. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(5) هود/ 73.

(6) أمالي الصدوق/ 134.

7 و 8- من المصدر.

(9) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(10) أنوار التنزيل 1/ 157.

78
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 35 الى 38] ص : 78

و أمّا

ما روي في أصول الكافي‏ «1»: «عن أحمد بن مهران و عليّ بن إبراهيم جميعا، عن محمّد بن عليّ، عن الحسن‏ «2» بن راشد، عن يعقوب بن جعفر بن إبراهيم، عن أبي الحسن موسى- عليه السّلام- أنّه قال لرجل نصرانيّ: أمّا أمّ مريم فاسمها مرثا «3»، و هي وهيبة.

بالعربيّة»

، فمحمول على تعدّد الاسم، و سيأتي في الخبر أنّ اسمها حنّة.

و قيل‏ «4»: كانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم، أكبر من هارون و موسى، و هو المراد و زوجته، و يرده كفالة زكريا، فإنّه كان معاصرا لابن ماثان، و تزوّج ابنته يشاع‏ «5»، و كان يحيى و عيسى ابني خالة من الأب.

مُحَرَّراً: معتقا لخدمته لا أشغّله بشي‏ء، أو مخلصا للعبادة. و نصبه على الحال.

نقل‏ «6»: أنّها كانت عاقرا عجوزا. فبينا هي في ظلّ شجرة إذ رأت طائرا يطعم فرخه، فحنّت إلى الولد و تمنّته، فقالت: اللّهم إنّ لك عليّ نذرا إن رزقتني ولدا أن أتصّدق به على بيت المقدس فيكون من خدمه. فحملت بمريم، و هلك عمران، و كان هذا النّذر مشروعا عندهم في الغلمان‏ «7»، فلعلّها بنت الأمر على التقدير أو طلبت ذكرا.

فَتَقَبَّلْ مِنِّي‏: ما نذرته.

إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ‏: لقولي.

الْعَلِيمُ‏ (35): بنيّتي.

فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى‏:

الضّمير لما في بطنها أنّثه، لأنّه كان مؤنّثا. أو لأنّ أنثى حال عنه، و الحال و صاحبها واحد بالذّات. أو على تأويل مؤنّث، كالنّفس. و لفظه خبر، و معناه تحسّر.

وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ‏: استئناف من اللّه، تعظيما لموضوعها.

و قرأ عامر و أبو بكر عن عاصم و يعقوب: «وضعت» على أنّه من كلامها، تسلية لنفسها، أي، و لعلّ للّه فيه سرّا، أو الأنثى كانت خيرا. و قرئ وضعت، على خطاب اللّه‏

______________________________
(1) الكافي 1/ 478- 479، ضمن حديث 4.

(2) النسخ: الحسين. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: مرتاد.

(4) أنوار التنزيل 1/ 157.

(5) هكذا في المصدر. و في الأصل: «ايشاع» و في ر: الايشاع.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) المصدر: «في عهدهم للغلمان» بدل «عندهم في الغلمان».

79
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 35 الى 38] ص : 78

- تعالى- لها «1».

و في أصول الكافي‏ «2»: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه جميعا عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال‏: إنّ اللّه أوحى إلى عمران: إنّي واهب [لك‏] «3» ذكرا، سويّا مباركا، يبرئ الأكمه و الأبرص، و يحيي الموتى بإذن اللّه، و جاعله رسولا إلى بني إسرائيل. فحدّث عمران امرأته حنّة بذلك، و هي أمّ مريم، فلمّا حملت كان حملها بها عند نفسها غلام، فلمّا وضعتها قالت: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى‏ ... وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى‏ «4»، و لا تكون البنت رسولا.

يقول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ. فلمّا وهب اللّه [تعالى لمريم‏] «5» عيسى كان هو الّذي بشّر به عمران و وعده إيّاه، فإذا قلنا في الرّجل منّا شيئا فكان‏ «6» في ولده أو ولد ولده، فلا تنكروا ذلك.

وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى‏:

و اللام فيها للعهد، أي: ليس الذّكر الّذي طلبت كالأنثى الّتي وهبت. فيكون بيانا لقوله: وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ‏ أو للجنس، بمعنى، و ليس الذّكر و الأنثى سواء فيما نذرت، فيكون من قولها.

[و في تفسير العيّاشيّ‏ «7»] «8» عن حفص بن البختريّ، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- في قول اللّه تعالى: إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً، المحرّر يكون في الكنيسة لا يخرج‏ «9» منها. فلمّا وضعتها أنثى قالت: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى‏ [وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ‏] «10» وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى‏. [إنّ‏] «11» الأنثى تحيض فتخرج من المسجد، و المحرّر لا يخرج من المسجد.

وَ إِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ‏: عطف على ما سبق من قولها، و ما بينهما اعتراض. و إنّما ذكرت ذلك لربّها، تقرّبا إليه، و طلبا لأن يعصمها و يصلحها، حتّى يكون فعلها مطابقا

______________________________
(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) الكافي 1/ 535، ح 1.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: «أى» بدل «و».

(5) من المصدر.

(6) المصدر: و كان.

(7) تفسير العياشي 1/ 170، ح 37.

(8) ليس في أ.

(9) المصدر: و لا يخرج.

10 و 11- من المصدر.

80
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 35 الى 38] ص : 78

لاسمها، فإنّ مريم في لغتهم، العابدة.

وَ إِنِّي أُعِيذُها بِكَ‏: أجيرها بحفظك، وَ ذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ‏ (36) المطرود. من الرّجم، بمعنى: الطّرد بالحجارة.

[و في تفسير العيّاشيّ‏ «1»:] «2» عن سعد الإسكاف، عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال‏: لقى إبليس عيسى بن مريم فقال: هل نالني من حبائلك شي‏ء؟

قال: جدّتك الّتي قالت: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى‏- إلى- الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ.

و في أمالي الشّيخ‏ «3»: بإسناده إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- عليه السّلام- في حديث طويل، يذكر فيه تزويج فاطمة الزّهراء- عليها السّلام- و ما أكرمه به النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله- و فيه يقول- عليه السّلام-: ثم أتاني فأخذ بيدي، فقال: قم بسم اللّه و قم‏ «4» على بركة اللّه و ما شاء اللّه لا قوّة إلّا باللّه توكّلت على اللّه، ثمّ جاء بي حتّى‏ «5» أقعدني عندها- عليها السّلام- ثمّ قال: اللّهم إنّهما أحبّ خلقك إليّ، فأحبّهما و بارك في ذرّيّتهما و اجعل عليهما منك حافظا [و] «6» إنّي أعيذهما بك و ذرّيّتهما «7» من الشّيطان الرّجيم.

فَتَقَبَّلَها رَبُّها: فرضي بها في النّذر مكان الذّكر.

بِقَبُولٍ حَسَنٍ‏: بوجه يقبل به النّذائر. و هو إقامتها مقام الذّكر، و تقبّلها عقيب ولادتها قبل أن تكبر و تصلح للسّدانة.

قال البيضاويّ‏ «8»: روي أنّ حنّة لمّا ولدتها، لفّتها في خرقة و حملتها إلى المسجد و وضعتها عند الأحبار، و قالت: دونكم هذه النّذيرة. فتنافسوا فيها. لأنّها كانت بنت إمامهم و صاحب قربانهم. فإنّ بني ماثان كانت رؤوس بني إسرائيل و ملوكهم. فقال زكريا: أنا أحقّ بها، لأنّ‏ «9» عندي خالتها. فأبوا إلّا القرعة و كانوا سبعة و عشرين. فانطلقوا إلى نهر. فألقوا فيه أقلامهم. فطفا قلم زكريا و رسبت أقلامهم. فتكفّلها.

______________________________
(1) نفس المصدر 1/ 171، ح 40.

(2) ليس في أ.

(3) أمالي الطوسي 1/ 38.

(4) المصدر: قل.

(5) المصدر: «جاءني حين» بدل «جاء بي حتّى».

(6) من المصدر.

(7) المصدر: ذرّيتهما بك.

(8) أنوار التنزيل 1/ 158.

(9) ليس في المصدر.

81
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 35 الى 38] ص : 78

و يجوز أن يكون مصدرا، على تقدير مضاف، أي، بذي قبول حسن. و أن يكون تقبّل بمعنى استقبل، كتقضّى و تعجّل، أي، فأخذها في أوّل أمرها، حين ولدت، بقبول حسن.

وَ أَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً: مجاز عن تربيتها، بما يصلحها، في جميع أحوالها.

وَ كَفَّلَها زَكَرِيَّا:

شدّد الفاء حمزة و الكسائي و عاصم، و قصروا زكريّا غير عاصم، في رواية ابن عيّاش، على أنّ الفاعل هو اللّه، و زكريّا مفعول. و خفّف الباقون، و مدّوا زكريّا مرفوعا «1».

كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ‏، أي: الغرفة الّتي بنيت لها، أو المسجد، أو أشرف مواضعه. و مقدمها سمي به، لأنّه محلّ محاربة الشّيطان.

وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً: جواب «كلّما» و ناصبه.

و في تفسير العيّاشيّ‏ «2»: و في رواية حريز، عن أحدهما- عليهما السّلام- [قال‏:] «3» نذرت ما في بطنها للكنيسة أن يخدم‏ «4» العباد، و ليس الذّكر كالأنثى في الخدمة.

قال: فنبتت، و كانت‏ «5» تخدمهم و تناولهم حتّى بلغت، فأمر زكريّا أن تتّخذ لها حجابا دون العباد، و كان‏ «6» يدخل عليها فيرى عندها ثمرة الشّتاء في الصّيف و ثمرة الصّيف في الشّتاء. فهنالك دعا و سأل ربّه أن يهب له ذكرا، فوهب له يحيى.

قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا: من أين لك هذا الرّزق الآتي في غير أوانه، و الأبواب مغلّقة عليك؟

قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ‏: فلا تستبعد.

إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ‏ (37): بغير تقدير لكثرته، أو بغير استحقاق تفضّلا به. و هو يحتمل أن يكون من كلامها، و أن يكون من كلام اللّه.

و في تفسير العيّاشيّ‏ «7»: عن إسماعيل الجعفيّ، عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال‏: إنّ امرأة عمران لمّا نذرت ما في بطنها محرّرا، قال: [و] «8» المحرّر للمسجد إذا وضعته‏ «9»

______________________________
(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير العياشي 1/ 170، ح 38.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: تخدم.

(5) المصدر: «فشبّت فكانت» بدل «فنبتت و كانت».

(6) المصدر: فكان.

(7) نفس المصدر و الموضع، ح 36.

(8) من المصدر.

(9) المصدر: [أو]

 

82
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 35 الى 38] ص : 78

و أدخل المسجد فلم يخرج من المسجد أبدا. فلمّا ولدت مريم قالت: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى‏ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى‏ وَ إِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَ إِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَ ذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ. فساهم‏ «1» عليها [النبيّون‏] «2» فأصاب القرعة زكريّا- و هو زوج أختها- و كفّلها و أدخلها المسجد، فلمّا بلغت ما تبلغ النّساء من الطّمث، و كانت أجمل النّساء و كانت تصلي فيضي‏ء «3» المحراب لنورها. فدخل عليها زكريّا فإذا عندها فاكهة الشّتاء في الصّيف و فاكهة الصّيف في الشّتاء.

فقال: أَنَّى لَكِ هذا؟ قالَتْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.

فهنالك‏ «4» دعا زكريّا ربّه، قال: إنّي خفت الموالي من و رائي، إلى ما ذكره‏ «5» اللّه من قصّة زكريّا و يحيى‏ «6».

و فيه‏ «7» أيضا: عن سيف، عن نجم عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال‏: إنّ فاطمة- عليها السّلام- ضمنت لعلي- عليه السّلام- عمل البيت و العجين و الخبز و قم‏ «8» البيت، و ضمن لها عليّ- عليه السّلام- ما كان خلف الباب [من‏] «9» نقل الحطب و أن يجي‏ء بالطّعام، فقال لها يوما: يا فاطمة هل عندك شي‏ء؟

قالت: لا و الّذي عظّم حقّك [ما كان‏] «10» عندنا منذ ثلاثة أيّام‏ «11» شي‏ء نقريك به.

قال: أفلا أخبرتني.

قالت: كان رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- نهاني أن أسألك شيئا فقال:

لا تسألي ابن عمّك شيئا، إن جاءك بشي‏ء عفوا و إلّا فلا تسأليه.

قال: فخرج- عليه السّلام- فلقى رجلا، فاستقرض منه دينارا، ثمّ أقبل به و قد

______________________________
(1) النسخ: فساهموا. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: «فكانت تصلّي و يضي‏ء» بدل «و كانت تصلّي فيضي‏ء».

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: هنا لك.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: ذكر.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: يحيى و زكريّا.

(7) نفس المصدر 1/ 171، ح 41.

(8) قمّ البيت: كنسه.

(9) من المصدر.

(10) من المصدر.

(11) النسخ: «ثلث الّا» بدل «ثلاثة أيّام».

 

83
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 35 الى 38] ص : 78

أمسى فلقى مقداد بن الأسود، فقال للمقداد، ما أخرجك في هذه السّاعة؟

قال: الجوع، و الّذي عظّم حقّك يا أمير المؤمنين.

قال: قلت لأبي جعفر- عليه السّلام-: و رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- حيّ؟

قال: و رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- حيّ.

قال: فهو أخرجني، و قد استقرضت دينارا و سأؤثرك به. فدفعه إليه، فأقبل فوجد رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- جالسا و فاطمة تصلّي و بينهما شي‏ء مغطّى. فلمّا فرغت أحضرت ذلك الشي‏ء فإذا جفنة من خبز و لحم.

قال: يا فاطمة أنّى لك هذا؟

قالت: هو من عند اللّه، إنّ اللّه يرزق من يشاء بغير حساب.

فقال: رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-: ألا أحدثك بمثلك و مثلها؟

قال: بلى.

قال: مثل زكريّا إذا دخل على مريم المحراب فوجد عندها رزقا، قالَ: يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا؟ قالَتْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ. فأكلوا منها شهرا، و هي الجفنة الّتي يأكل منها القائم- عليه السّلام- و هي عندنا.

[و في شرح الآيات الباهرة «1»:] «2» نقل الشّيخ أبو جعفر الطّوسي- رحمه اللّه- في كتاب مصباح الأنوار، بحذف الإسناد قال: روي عن أبي سعيد الخدريّ قال‏: أصبح عليّ- عليه السّلام- ذات يوم، فقال لفاطمة- عليها السّلام-: هل عندك شي‏ء نغتذيه؟

فقالت: لا و الّذى أكرم أبي بالنّبوّة و أكرمك بالوصيّة، ما أصبح الغداة عندي منذ يومين شي‏ء إلّا كنت‏ «3» أؤثرك به على نفسي و على ابني الحسن و الحسين.

فقال أمير المؤمنين- عليه السّلام-: يا فاطمة ألا كنت أعلمتني فأبغيكم شيئا.

فقالت: يا أبا الحسن إنّي لأستحي من إلهي أن تكلّف نفسك ما لا تقدر عليه‏ «4».

______________________________
(1) الأصل و أ: اجترت ر: أخبرت و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(2) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط/ 39- 40.

(3) النسخ: «إلّا شي‏ء» بدل «منذ يومين شي‏ء إلّا كنت». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: به.

 

84
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 35 الى 38] ص : 78

فخرج عليّ- عليه السّلام- من عندها واثقا باللّه و حسن الظّنّ به. فاستقرض دينارا.

فأخذه ليشتري به ما يصلحهم. فعرض له المقداد بن الأسود- رضوان اللّه عليه- و كان يوما شديد الحرّ و قد لوّحته الشّمس من فوقه و آذته من تحته. فلمّا رآه أمير المؤمنين- عليه السّلام- أنكر شأنه، فقال له: يا مقداد ما أزعجك السّاعة من رجلك‏ «1».

فقال: يا أبا الحسن خلّ سبيلي و لا تسألني عمّا ورائي.

فقال: يا أخي لا يسعني أن تجاوزني حتّى أعلم علمك.

فقال: يا أبا الحسن رغبت إلى اللّه و إليك أن تخلّ سبيلي و لا تكشفني عن حالتي.

فقال: يا أخي لا يسعك أن تكتمني حالك.

فقال: يا أبا الحسن أما أذا أبيت، فو الّذى أكرم محمّدا بالنّبوّة و أكرمك بالوصيّة، ما أزعجني من رجلي‏ «2» إلّا الجهد، و قد تركت عيالي جياعا، فلمّا سمعت بكاءهم لم تحملني الأرض، خرجت مهموما راكبا رأسي، هذه حالتي و قصّتي.

قال: فانهملت عينا عليّ بالبكاء حتّى بلّت دموعه كريمته. فقال: أحلف بالّذي حلفت به ان ما أزعجني إلّا الّذي أزعجك، و قد اقترضت دينارا فهاكه أؤثرك به على نفسي. فدفع إليه الدّينار و رجع. فدخل المسجد فسلّم.

فردّ رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- السّلام و قال: يا أبا الحسن هل عندك عشاء نتعشّاه‏ «3» فنقبل‏ «4» معك؟ فمكث أمير المؤمنين- عليه السّلام- مطرقا لا يحير جوابا، حياء من رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- و كان قد عرّفه اللّه ما كان من أمر الدّينار، و من أين وجهه بوحي من اللّه، و أمره‏ «5» أن يتعشّى عند عليّ تلك اللّيلة، فلمّا نظر إلى سكوته قال: يا أبا الحسن ما لك لا تقول: لا، فأنصرف عنك، او: نعم، فامضي معك؟

فقال: حبّا و كرامة اذهب بنا، فأخذ رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- بيد أمير المؤمنين و انطلقا حتّى دخلا على فاطمة- صلوات اللّه عليها و عليهم أجمعين- و هي في محرابها قد قضت صلاتها و خلفها جفنة تفور دخانا، فلمّا سمعت كلام رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- خرجت من مصلاها و سلّمت عليه و كانت أعزّ «6» النّاس عليه،

______________________________
(1) كذا في النسخ و المصدر. و لعله «رحلك».

(2) أيضا يمكن أن يكون «رحلي».

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: تعشيناه.

(4) المصدر: «فيميل» أو «فنميل».

(5) النسخ: «يأمره» بدل «و أمره».

(6) أ: آخر.

 

85
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 35 الى 38] ص : 78

فرّد عليها السّلام و مسح بيده‏ «1» على رأسها، و قال: يا بنتاه كيف أمسيت يرحمك اللّه؟

قالت: بخير.

قال: عشّينا، رحمك اللّه. و قد قعد، فأخذت الجفنة و وضعتها بين يدي رسول اللّه و عليّ- صلّى اللّه عليهما و آلهما- فلمّا نظر أمير المؤمنين إلى الطّعام و شمّ ريحه [رمى فاطمة ببصره رميا شحيحا.

فقالت له فاطمة: سبحان اللّه، ما أشحّ نظرك و أشدّه! فهل أذنبت فيما بيني و بينك ذنبا أستوجب به السّخطة منك؟

فقال: و أي ذنب أعظم من ذنب أصبت اليوم؟ أليس عهدي بك و أنت تحلفي باللّه مجتهدة أنّك ما طعمت طعاما منذ يومين؟

فنظرت إلى السّماء و قالت: إلهي يعلم ما في سمائه و أرضه أنّي لم أقل إلّا حقّا.] «2» فقال لها: يا فاطمة فأنّى لك هذا الطّعام، الّذي لم أنظر إلى مثل لونه، و لم أشمّ مثل ريحه قطّ، و لم آكل أطيب منه؟

قال: فوضع النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- كفّه المباركة على كتف عليّ أمير المؤمنين- عليه السّلام- و هزّها ثمّ هزّها ثلاث مرّات، [ثمّ‏] «3» قال: يا عليّ هذا بدل دينارك، هذا جزاء «4» دينارك من عند اللّه، إنّ اللّه يرزق من يشاء بغير حساب. ثمّ استعبر باكيا و قال: الحمد للّه الّذي أبى لكما أن يخرجكما من الدّنيا حتّى يجريك يا عليّ مجرى زكريا، و يجريك يا فاطمة مجرى مريم بنت عمران، و هو قوله تعالى: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً. قالَ: يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا. قالَتْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ.

هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ‏: في ذلك المكان، أو في ذلك الوقت- و هنا و ثمّ و حيث، تستعار للزّمان- لمّا رأى كرامة مريم و منزلتها من اللّه. أو لمّا رأى الفواكه في غير أوانها، تنبّه لجواز ولادة العاقر من الشّيخ، فسأل ربّه.

قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً: كما وهبتها لحنّة العجوز العاقر.

إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (38) مجيبه.

______________________________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: يده.

(2) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.

(3) من المصدر.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: أجر.

86
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 39 الى 44] ص : 87

و في عيون الأخبار «1»: بإسناده إلى الرّيّان بن شبيب قال‏: دخلت على الرّضا- عليه السّلام- في أوّل يوم من المحرّم، فقال لي: يا بن شبيب أصائم أنت؟

فقلت‏ «2»: لا.

فقال: إنّ هذا اليوم هو اليوم الّذي دعا فيه زكريا- عليه السّلام- ربّه- عزّ و جلّ- فقال: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ، فاستجاب اللّه له، و أمر الملائكة فنادت زكريّا: وَ هُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى‏ مُصَدِّقاً «3».

فمن صام هذا اليوم، ثمّ دعا اللّه تعالى استجاب اللّه تعالى له، كما استجاب [اللّه‏] «4» لزكريا- عليه السّلام-.

و في الكافي‏ «5»: محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن رجل، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه‏ «6»- عليه السّلام- قال‏: من أراد أن يحبل له، فليصلّ ركعتين بعد الجمعة يطيل فيهما الرّكوع و السّجود، ثمّ يقول: اللّهمّ إنّي أسألك بما سألك به زكريا- عليه السّلام- إذ قال: ربّ لا تذرني فردا و أنت خير الوارثين، اللّهمّ هب لي ذرّيّة طيّبة إنّك سميع الدّعاء، اللّهمّ باسمك استحللتها و في أمانتك أخذتها، فإن قضيت في رحمها ولدا، فاجعله غلاما، و لا تجعل للشّيطان فيه نصيبا و لا شريكا.

و في مجمع البيان‏ «7»: و روى الحارث بن المغيرة «8» قال: قلت لأبي عبد اللّه- عليه السّلام-: إنّي من أهل بيت قد انقرضوا و ليس لي ولد.

فقال: ادع اللّه‏ «9» و أنت ساجد: ربّ هب لي من لدنك ذرّيّة طيّبة إنّك سميع الدّعاء، رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ. «10» قال: ففعلت‏ «11»، فولد [لي‏] «12» عليّ و الحسين.

فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ، أي: من جنسهم، كقولهم: زيد يركب الخيل. فإنّ المنادي ملك.

______________________________
(1) عيون أخبار الرضا 1/ 299 ح 58.

(2) المصدر: قلت.

(3) ليس في المصدر.

(4) من المصدر.

(5) الكافي 3/ 482، ح 3.

(6) أو المصدر: أبي جعفر.

(7) مجمع البيان 4/ 61.

(8) هكذا في أ. و في الأصل و المصدر: الحرث بن المغيرة.

(9) ليس في المصدر.

(10) الأنبياء/ 89.

(11) هكذا في المصدر. و في النسخ: فقلت.

(12) من المصدر.

87
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 39 الى 44] ص : 87

و قرأ حمزة و الكسائيّ «فناديه» بالإمالة و التّذكير «1».

وَ هُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ‏، أي: قائما في الصّلاة. و يصلّي، صفة قائم. أو خبر آخر. أو حال أخرى. أو حال عن الضّمير في «قائم».

و في من لا يحضره الفقيه‏ «2»: و قال الصّادق- عليه السّلام-: إنّ طاعة اللّه- عزّ و جلّ- خدمته في الأرض، و ليس شي‏ء من خدمته يعدل الصّلاة، فمن ثمّ نادت الملائكة زكريّا، و هو قائم يصلّي في المحراب.

أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى‏، أي، بأنّ اللّه.

و قرأ نافع و ابن عامر «3» «بالكسر» على إرادة القول، أو لأنّ النّداء نوع منه.

و قرأ حمزة و الكسائي «يبشّرك» من الإبشار «4».

و يحيى، أعجميّ و إن جعل عربيّا، فمنع صرفه للتّعريف، و وزن الفعل.

مُصَدِّقاً: حال من «يحيى»، بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ‏، أي: بعيسى. سمّي بذلك، لأنّه وجد بأمره تعالى من دون أب. أو بكتاب اللّه، سمّي بها تسمية للكلّ باسم جزئه، وَ سَيِّداً: يسود قومه و يفوقهم بالعصمة، لأنّه كان نبيّا، وَ حَصُوراً: مبالغا في حبس النّفس عن الشّهوات و الملاهي.

و نقل‏ «5»: أنّه مرّ [في صباه‏] «6» بصبيان، فدعوه إلى اللّعب، فقال: ما للّعب خلقت.

و في مجمع البيان‏ «7»: حصورا [: و هو الّذي‏ «8» لا يأتي النّساء. و هو المرويّ عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام-.

وَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ‏ (39): ناشئا منهم، أو كائنا من عداد من لم يأت كبيرة و لا صغيرة.

في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة «9»: بإسناده إلى محمّد بن إسماعيل القرشيّ،

______________________________
(1) أنوار التنزيل 1/ 159.

(2) من لا يحضره الفقيه 1/ 133، ح 623.

(3) النسخ: «و قرأ نافع و حمزة و ابن عامر.» و هي خطأ بدلالة المصدر. و هو أنوار التنزيل 1/ 159.

(4) أنوار التنزيل 1/ 159.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) من المصدر.

(7) مجمع البيان 1/ 438.

(8) من المصدر.

(9) كمال الدين و تمام النعمة/ 225- 226.

 

88
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 39 الى 44] ص : 87

عمّن حدّثه، عن إسماعيل بن أبي رافع، عن أبيه، عن أبيّ قال: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- و قد ذكر عيسى بن مريم- عليهما السّلام-: فلمّا أراد اللّه أن يرفعه أوحى إليه أن يستودع‏ «1» نور اللّه و حكمته و علم كتابه شمعون بن حمّون الصّفا خليفته على المؤمنين، ففعل ذلك، فلم يزل شمعون في قومه‏ «2» يقوم بأمر اللّه- عزّ و جلّ- و يهتدي‏ «3» بجميع مقال عيسى- عليه السّلام- في قومه من بني إسرائيل و يجاهد الكفّار، فمن أطاعه و آمن به و بما «4» جاء به كان مؤمنا، و من جحده و عصاه كان كافرا، حتّى استخلص ربّنا- تبارك و تعالى- و بعث في عباده نبيّا من الصّالحين و هو يحيى بن زكريّا، فمضى‏ «5» شمعون و ملك عند ذلك أردشير بن بابكان‏ «6» أربع عشرة سنة و عشرة أشهر.

و في ثمان سنين من ملكه، قتلت اليهود يحيى بن زكريّا- عليهما السّلام- و لمّا «7» أراد اللّه- عزّ و جلّ- أن يقبضه، أوحى إليه أن يجعل الوصيّة في ولد شمعون، و يأمر الحواريّين و أصحاب عيسى بالقيام معه، ففعل ذلك، و عندها ملك سابور بن أردشير ثلاثين سنة حتّى قتله اللّه، و كمل‏ «8» علم اللّه و نوره و تفصيل حكمته في ذرّيّة يعقوب بن شمعون، و معه الحواريّون من أصحاب عيسى- عليه السّلام- و عند ذلك ملك بخت نصر مائة سنة و سبعا و ثمانين سنة، و قتل من اليهود سبعين ألف مقاتل على دم يحيى بن زكريّا، و خرّب بيت المقدس، و تفرّقت اليهود في البلدان.

قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ‏: استبعادا من حيث العادة، أو استعظاما و تعجّبا أو استفهاما عن كيفيّة حدوثه.

وَ قَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ: أدركني كبر السّنّ.

قال البيضاويّ‏ «9»: و كان‏ «10» له تسع و تسعون سنة، و لا مرأته ثمان و تسعون [سنة.] «11»

______________________________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: استودع.

(2) «في قومه» ليس في المصدر.

(3) هكذا ورد في هامش الأصل. و في متنه: «يجي‏ء». و في المصدر: «يحتذي».

(4) النسخ: «فيما» بدل «و بما». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(5) المصدر: ثم قبض.

(6) النسخ: «زاكا». تفسير نور الثقلين: «زاركا». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(7) المصدر: فلمّا.

(8) ليس في المصدر.

(9) أنوار التنزيل 1/ 159.

(10) المصدر: كانت.

(11) من المصدر.

89
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 39 الى 44] ص : 87

وَ امْرَأَتِي عاقِرٌ: لا تلد من العقر، و هو القطع، لأنّها ذات عقر من الأولاد.

قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (40): كذلك اللّه، مبتدأ مؤخّر و خبر مقدّم، للقرينة، أي: اللّه على مثل هذه الصّفة. و يفعل ما يشاء، بيان له، أي: ما يشاء من العجائب. و هو إنشاء الولد من شيخ فان و عجوز عاقر. أو كذلك، خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك. و اللّه يفعل ما يشاء، جملة أخرى لبيان أنّه يفعل ما يريده من العجائب، أي: أنت و زوجك كبير و عاقر، و اللّه يفعل ما يشاء من خلق الولد.

و يحتمل أن يكون «كذلك» مفعولا مطلقا «ليفعل» و يكون ذلك إشارة إلى ما نعجب منه، أي: اللّه يفعل ما يشاء من العجائب مثل ذلك الفعل، أي: إنشاء الولد من الفاني و العاقر. أو إشارة إلى ما بيّنه من حالتهما، أي: الّذي يفعل ما يشاء من خلق الولد، كما أنت عليه و زوجك من الكبر و العقر.

قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً: علامة أعلم بها أنّ ذلك الصّوت من اللّه، و يكون عبادة يتدارك بها ما دخله من تلك الهبة. و ذلك لأنّه إذا جعل له آية و أوحى إليه، الآية من اللّه [عبادة و شكرا للموهبة،] «1» يعلم أنّ صوت الملائكة بأمر اللّه و وحيه، و يخضع للّه تعالى شكرا لنعمه.

في تفسير العيّاشيّ‏ «2»: عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال‏: إنّ زكريّا لمّا دعا ربّه أن يهب له ذكرا «3»، فنادته الملائكة بما نادته [به،] «4» أحبّ أن يعلم أنّ ذلك الصّوت من اللّه، فأوحى‏ «5» إليه: أنّ آية ذلك أن يمسك لسانه عن الكلام ثلاثة أيّام، قال: فلمّا أمسك لسانه و لم يتكلّم، علم أنّه لا يقدر على ذلك إلّا اللّه، و ذلك قول اللّه:

رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ [إِلَّا رَمْزاً.

و عن حمّاد «6»، عمّن حدّثه، عن أحدهما- عليهما السّلام- قال‏: لمّا سأل [زكريّا] «7» ربّه أن يهب له ذكرا، فوهب له يحيى، فدخله من ذلك، فقال: رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً. فكان يؤمئ برأسه، و هو الرّمز.

______________________________
(1) ليس في أ.

(2) تفسير العياشي 1/ 172، ح 43.

(3) هكذا في المصدر. في النسخ: ولدا.

(4) من المصدر.

(5) المصدر: أوحى.

(6) نفس المصدر و الموضع، ح 44.

(7) من المصدر.

90
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 39 الى 44] ص : 87

قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ‏، أي: اللّه أوحى إليه: أنّ آيتك و عبادتك ألّا تكلّم النّاس في ثلاثة أيّام.] «1» و تخلص المّدة لذكر اللّه و شكره، قضاء لحقّ النّعمة.

إِلَّا رَمْزاً: إشارة برأسك. و أصله التحريك و منه الرّاموز للبحر. و الاستثناء منقطع.

و قيل‏ «2»: متصل و المراد بالكلام ما دلّ على الضمير.

هذا إذا قرئ يمسك في الخبر الأوّل على البناء للفاعل، و إرجاع ضميره إلى زكريّا. و أمّا إذا قرئ على البناء للمفعول، أو يجعل فاعل الإمساك هو اللّه سبحانه، فالحلّ ما نقله البيضاويّ‏ «3»-، من أنّ المعنى: اجعل لي آية علامة أعرف بها الحبل، و لأستقبله‏ «4» بالبشاشة و الشّكر، و تزيح مشقّة الانتظار. قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ‏، أي:

لا تقدر على تكليم‏ «5» النّاس ثلاثا.

و قرئ: رمز، كخدم، جمع رامز. و رمز، كرسل، جمع رموز، على أنّه حال منه.

و من النّاس، بمعنى: مترامزين. كقوله:

متى تلقني فردين تزحف‏

زوانف‏ «6» أليتيك و تستطار «7».

 

وَ اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً: أي، في أيّام الإمساك عن الكلام مع النّاس. و هو مؤكّد لما قبله، مبيّن للغرض منه.

قال البيضاويّ‏ «8»: و تقييد الأمر بالكثير «9»، يدلّ على أنّه ليس للتّكرار «10». و فيه أنّه لعلّ التّقييد لتأكيد ما يفيده الأمر، فلا يدلّ على المدّعي.

وَ سَبِّحْ بِالْعَشِيِ‏: من الزّوال إلى الغروب.

و قيل‏ «11»: من العصر، أو الغروب إلى ذهاب صدر اللّيل.

______________________________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(2) أنوار التنزيل 1/ 159.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: أستقبله.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: تكلم.

(6) هكذا في الأصل. و في المصدر و أ: روانف‏

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) نفس المصدر 1/ 160.

(9) هكذا في النسخ. و في المصدر: بالكثرة.

(10) هكذا في النسخ. و في المصدر: «لا يفيد التكرار» بدل «ليس للتكرار».

(11) نفس المصدر و الموضع.

91
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 39 الى 44] ص : 87

وَ الْإِبْكارِ (41): من طلوع الفجر إلى الضّحى.

و قرئ بفتح الهمزة، جمع بكر، كسحر و أسحار «1».

وَ إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلى‏ نِساءِ الْعالَمِينَ‏ (42) قال البيضاويّ‏ «2»: كلّموها شفاها كرامة لها، و من أنكر الكرامة زعم أنّ ذلك كان‏ «3» معجزة لزكريّا، أو إرهاصا لنبّوة عيسى- عليه السّلام- فإنّ الإجماع على أنّه تعالى لم يستنبئ امرأة، لقوله: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ‏ «4» قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا. و قيل: ألهموها. (انتهى) و يمكن أن يقال من قبل منكر الكرامة: لا تكون الكرامة لمن لم يكن فيه نصّ بالكرامة، و أمّا من حصل له التّخصيص بالتّنصيص كمريم و فاطمة صلوات اللّه عليهما، فهو بمنزلة الاستثناء.

و المقصود أنّه لا تجوز الكرامة لمن سواه، كوقوع المعجزة للأنبياء و الأئمّة، فإنّهم يتخصّصون بها، و لا يلزم من وقوع شي‏ء لأحد جواز وقوعه لكلّ أحد شرعا، و إن لم يمتنع عليه عقلا، و المجوّز وقوعه لكلّ أحد بوقوعه لبعض التبس عليه معنى الجواز، فتبصّر.

قيل‏ «5»: الاصطفاء الأوّل تقبّلها من أمّها، و لم تقبل قبلها أنثى، و تفريغها للعبادة، و إغناؤها برزق الجنّة عن الكسب [، و تطهيرها عمّا يستقذر من النّساء] «6». و الثّانية هدايتها، و إرسال الملائكة إليها، و تخصيصها بالكرامات السّنيّة، كالولد من غير أب، و تبرئتها ممّا «7» قذفته اليهود بإنطاق الطّفل، و جعلها و ابنها آية للعالمين.

و الأظهر أنّ الاصطفاء الأوّل، اصطفاؤها من ذرّيّة الأنبياء و الثّاني، اصطفاؤها لولادة عيسى، من غير فحل، و تطهيرها، طهّرها من أن يكون في آبائها و أمّهاتها و في نفسها سفاح.

و قيل‏ «8»: و تطهيرها ممّا «9» يستقذر من النّساء.

______________________________
(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) هكذا في النسخ. و في المصدر: كانت.

(4) ليس في المصدر.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) من المصدر.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: عمّا.

(8) نفس الموضع و المصدر.

(9) هكذا في النسخ. و في المصدر: عمّا.

92
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 39 الى 44] ص : 87

و ينافيه ظاهر ما سبق في الخبر من قوله: فلمّا بلغت ما يبلغ النّساء من الطّمث.

و أمّا ما رواه العيّاشي‏ «1» في تفسيره، عن الحكم بن عتيبة «2»، قال: سألت أبا جعفر- عليه السّلام- عن قول اللّه في الكتاب، إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلى‏ نِساءِ الْعالَمِينَ. اصطفاها مرّتين، و الاصطفاء إنّما هو مرّة واحدة؟

قال: فقال [لي:] «3» يا حكم إنّ لهذا تأويلا و تفسيرا.

فقلت له: ففسّره لنا أبقاك اللّه.

فقال: يعني اصطفاءها «4» إيّاها أوّلا من ذرّيّة الأنبياء المصطفين المرسلين، و طهّرها من أن يكون في ولادتها من آبائها و أمّهاتها سفاح‏ «5»، و اصطفاءها بهذا في القرآن، يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَ اسْجُدِي وَ ارْكَعِي [مَعَ الرَّاكِعِينَ‏] «6» شكرا للّه.

فالظّاهر أنّ السّائل قد خفي عليه الاصطفاء الأوّل، و انحصر الاصطفاء عنده في الثّاني، و سأل فبيّنه- عليه السّلام- له، و سكت عن الثّاني لظهوره عنده.

و في مجمع البيان‏ «7»: وَ اصْطَفاكِ عَلى‏ نِساءِ الْعالَمِينَ‏، أي: عالمي‏ «8» زمانك، لأنّ فاطمة بنت رسول اللّه- صلّى اللّه عليها و على أبيها و بعلها و بنيها- سيّدة نساء العالمين.

و هو قول أبي جعفر- عليه السّلام-.

و قد «9» روي عن النّبيّ،- صلّى اللّه عليه و آله- أنّه قال‏: فضلّت خديجة على نساء أمّتي كما فضلّت مريم على نساء العالمين.

و قال أبو جعفر- عليه السّلام-: معنى الآية: و اصطفاك من ذرّيّة الأنبياء، و طهّرك من السّفاح، و اصطفاك لولادة عيسى من غير فحل و زوج.

يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَ اسْجُدِي وَ ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ‏ (43)

______________________________
(1) تفسير العياشي 1/ 173، ح 47.

(2) هكذا في أو تفسير نور الثقلين. و في الأصل و رو المصدر: «غيينة». و الظاهر هي خطأ. ر. تنقيح المقال 1/ 358، ذيل «الحكم بن عتيبة الكوفي الكندي»، و ص 360، ذيل «الحكم بن عيينة».

(3) من المصدر.

(4) النسخ: «اصطفاءه» و هو صحيح ايضا.

(5) المصدر: سفاحا.

(6) من أ.

(7) مجمع البيان 1/ 440.

(8) المصدر: «على نساء» بدل «عالمي».

(9) «قد» ليس في المصدر. و الأحسن وجودها.

93
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 39 الى 44] ص : 87

قيل‏ «1»: أمرت بالصّلاة في الجماعة بذكر أركانها، مبالغة في المحافظة عليها. و قدّم السّجود على الرّكوع، إمّا لكونه كذلك في شريعتهم، أو للتّنبيه على أنّ الواو لا توجب التّرتيب، أو ليقترن اركعي بالرّاكعين للإيذان بأنّ من ليس في صلاتهم ركوع ليسوا مصلّين.

و قيل‏ «2»: يحتمل أن يكون في زمانها من كان يقوم و يسجد في صلاته و لا يركع، و فيه من يركع، فأمرت بأن تركع مع الرّاكعين، و لا تكون مع من لا يركع.

و قيل‏ «3»: المراد بالقنوت أداء الطّاعة، كقوله‏ «4»: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَ قائِماً. و بالسّجود، الصّلاة، كقوله‏ «5»: وَ أَدْبارَ السُّجُودِ. و بالرّكوع، الخشوع و الإخبات.

و في كتاب علل الشرائع‏ «6»، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- عليه السّلام- أنّه قال‏: إنّما سمّيت فاطمة- عليها السّلام- محدّثة، لأنّ الملائكة كانت تهبط من السّماء، فتناديها كما تنادي مريم بنت عمران، فتقول: يا فاطمة إنّ اللّه اصطفاك و طهّرك و اصطفاك على نساء العالمين، يا فاطمة اقنتي لربّك و اسجدي و اركعي مع الرّاكعين، فتحدّثهم و يحدّثونها، فقالت لهم ذات ليلة: أ ليست المفضّلة على نساء العالمين مريم بنت عمران؟ فقالوا: إنّ مريم كانت سيّدة نساء عالمها، و إنّ اللّه- عزّ و جلّ- جعلك سيّدة نساء عالمك و عالمها، و سيّدة نساء الأوّلين و الآخرين.

[و في أصول الكافي‏ «7»، بإسناده إلى عليّ بن محمّد الهرمزاني‏ «8»، عن أبي عبد اللّه الحسين بن عليّ- عليه السّلام-، قال‏: لمّا قبضت فاطمة- عليها السّلام- دفنها أمير المؤمنين- عليه السّلام- سرّا، و عفا على موضع قبرها. ثمّ قام‏ «9» فحوّل وجهه إلى قبر

______________________________
(1) أنوار التنزيل 1/ 160.

(2) تفسير الكشاف 1/ 429.

(3) أنوار التنزيل 1/ 160.

(4) الزمر/ 3.

(5) ق/ 40.

(6) علل الشرائع/ 182، ح 1.

(7) الكافي 1/ 458- 459، صدر حديث 3.

(8) هكذا في المصدر و في النسختين الأصل ور: «الهرمزي». و الظاهر هي خطأ. ر. تنقيح المقال 2/ 309، رقم 8515.

(9) هكذا في المصدر. و في النسختين الأصل ور: قال.

 

94
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 39 الى 44] ص : 87

رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- فقال: السّلام عليك يا رسول اللّه عنّي، و السّلام عليك عن ابنتك، و زائرتك، و البائتة في الثّرى ببقعتك، و المختار اللّه لها سرعة اللّحاق بك. قلّ يا رسول اللّه عن صفيّتك صبري، و عفا عن سيّدة نساء العالمين تجلّدي.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.] «1»

و في نهج البلاغة «2»، من كتاب له- عليه السّلام- إلى معاوية جوابا: و منّا خير نساء العالمين و منكم حمّالة الحطب.

و في من لا يحضره الفقيه‏ «3»، روى المعلّى بن محمّد البصريّ، عن جعفر بن سليمان، عن عبد اللّه بن الحكم‏ «4»، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله-: إنّ عليّا وصييّ، و خليفتي، و زوجته فاطمة سيّدة نساء العالمين ابنتي.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

و في أمالي الصّدوق- رحمه اللّه‏ «5»- بإسناده إلى النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- أنّه قال‏: أيّما امرأة صلّت في اليوم و اللّيلة خمس صلوات، و صامت شهر رمضان، و حجّت بيت اللّه الحرام، و زكّت مالها، و أطاعت زوجها، و والت عليّا [بعدي‏] «6» دخلت الجنّة بشفاعة ابنتي فاطمة. فانّها «7» لسيّدة نساء العالمين.

فقيل له‏ «8»: يا رسول اللّه أ هي سيّدة نساء «9» عالمها؟

فقال- صلّى اللّه عليه و آله-: ذاك مريم ابنة عمران. و أما «10» ابنتي فاطمة فهي سيّدة نساء العالمين من الأوّلين و الآخرين. و إنّها لتقوم في محرابها فيسلّم عليها سبعون الف ملك‏

______________________________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(2) نهج البلاغة/ 387، ضمن رسالة 28.

(3) من لا يحضره الفقيه 4/ 131، ح 455.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: «أبي عبد اللّه بن الحكم». و الظاهر هي خطأ. ر. رجال النجاشي/ 225، رقم 591.

(5) أمالي الصدوق/ 393- 394، ضمن حديث 18.

(6) من المصدر.

(7) أو المصدر: و إنّها.

(8) ليس في المصدر.

(9) المصدر: لنساء.

(10) المصدر: «ذاك لمريم بنت عمران فامّا» بدل «ذاك مريم ابنة عمران و أمّا».

 

95
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 39 الى 44] ص : 87

من الملائكة المقرّبين، و ينادونها بما نادت به الملائكة مريم، فيقولون: يا فاطمة إنّ اللّه اصطفاك، و طهّرك، و اصطفاك على نساء العالمين.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

و بإسناده إلى الأصبغ بن نباتة «1»، قال: قال أمير المؤمنين- عليه السّلام- في بعض خطبه: أيّها النّاس اسمعوا قولي و اعقلوه‏ «2» عنّي، فإنّ الفراق قريب. أنا إمام البريّة، و وصيّ خير الخليفة، و زوج سيّدة نساء هذه الأمّة.

ذلِكَ‏، أي: ما ذكرنا من قصص زكريّا و يحيى و مريم، مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ‏: من الغيوب الّتي لم تعرفها إلّا بالوحي.

وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ‏:

قيل‏ «3»: أقداحهم للاقتراع في نهر الأردنّ‏ «4».

و قيل‏ «5»: أقلامهم الّتي كانوا يكتبون [بها] «6» التّوراة تبرّكا.

و المراد تقرير كونه وحيا على سبيل التّهكّم بمنكريه. فإنّ طريق معرفة الوقائع المشاهدة أو السّماع. و عدم السّماع معلوم لا شبهة فيه عندهم. فبقي أن يكون الاهتمام‏ «7» باحتمال العيان، و لا يظنّ به عاقل، ليعلموا:

أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ‏: معمول لما دلّ عليه‏ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ‏.

و في كتاب الخصال‏ «8»، عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال‏: أوّل من سوهم عليه مريم بنت عمران، و هو قول اللّه تعالى: وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ‏، و السّهام ستّة.

و في من لا يحضره الفقيه‏ «9»، مثله.

______________________________
(1) نفس المصدر/ 484- 485، صدر حديث 9.

(2) المصدر: اعتقلوه.

(3) أنوار التنزيل 1/ 160.

(4) النسخ: «شهر أردن» و هي خطأ ظاهرا. و كلمة «شهر» فارسية. بمعنى مدينه. و أما بالنسبة إلى إلقائهم أقلامهم في ماء النهر للاقتراع راجع بحار الأنوار 14/ 196 نقلا عن مجمع البيان. و هو نهر الأردنّ، راجع تفسير القاسمي (محاسن التأويل) 4/ 98.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) من المصدر.

(7) المصدر: الإيهام.

(8) الخصال/ 156، ح 198. و للحديث تتمة.

(9) من لا يحضره الفقيه 3/ 51، ح 173. و له تتمة.

96
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 39 الى 44] ص : 87

وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ‏ (44): تنافسا في كفالتها.

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ «1»، قال: لمّا ولدت اختصم‏ «2» آل عمران فيها، فكلّهم‏ «3» قالوا: نحن نكفّلها، فخرجوا و ضربوا «4» بالسّهام بينهم، فخرج‏ «5» سهم زكريّا، فتكفّلها «6» زكريّا.

و في تفسير العيّاشيّ‏ «7»، عن الحكم بن عتيبة «8»، عن أبي جعفر- عليه السّلام- في حديث طويل يقول فيه- عليه السّلام-: قال لنبيّه محمد- صلّى اللّه عليه و آله- يخبره بما غاب عنه من خبر مريم و عيسى: يا محمّد ذلك من أنباء الغيب، نوحيه إليك في مريم و ابنها، و بما خصّهما اللّه به‏ «9» و فضّلهما و كرّمهما «10»، حيث قال: وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ‏ يا محمّد يعني بذلك ربّ‏ «11» الملائكة، إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ‏ حين أيتمت من أبيها.

و في رواية اخرى‏ «12»، عن ابن أبي خوار «13» أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ‏ حين أيتمت من أبيها «14» وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ‏ يا محمّد إِذْ يَخْتَصِمُونَ‏ في مريم [عند ولادتها بعيسى‏] «15» [بن مريم‏] «16» أيّهم يكفلها و يكفل ولدها.

قال: [فقلت‏] «17» له: أبقاك اللّه فمن كفلها؟

______________________________
(1) تفسير القمي 1/ 102.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: اختصموا.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: و كلّهم.

(4) هكذا في النسخ. و في المصدر: قارعوا.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: و خرج‏

(6) هكذا في المصدر: و في النسخ: فكفلها.

(7) تفسير العياشي 1/ 173، ذيل حديث 47.

(8) النسخ و المصدر: «عيينة» و هو وهم. ر. تنقيح المقال 1/ 358، ذيل «الحكم بن عتيبة الكوفي الكندي»، و ص 360، ذيل «الحكم بن عيينة».

(9) النسخ: «منه» بدل «اللّه به». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(10) المصدر: أكرمهما.

(11) المصدر: لربّ.

(12) نفس المصدر و الموضع، ح 48. و للحديث تتمة.

(13) هكذا في النسخ. و في المصدر و تفسير البرهان 1/ 283 رقم 16: خرزاد. و في تفسير نور الثقلين: خراد.

و نحن لم نعثر على ترجمة لهذا الراوي في كتب الرجال.

(14) المصدر: أبويها.

(15) من المصدر.

(16) من أ.

(17) من المصدر.

 

97
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 45 الى 49] ص : 98

 

فقال: أما تسمع لقوله الآية

إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ: بدل من «إذ قالت» الأولى أو من «إذ يختصمون» بناء على أنّ الاختصام و البشارة في زمان متّسع، كقولك: لقيته سنة كذا. يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ‏:

المسيح لقبه، و هو من الألقاب المادحة، و أصله مشيحا بالعبرانيّة، و معناه:

المبارك، كقوله‏ «1»: و جعلني مباركا.

و عيسى معرّب أيشوع، و اشتقاقهما «2» من المسح، لأنّه مسح بالبركة، أو بما طهّره من الذّنوب، أو مسح الأرض و لم يقم في موضع، أو مسحه جبرئيل. و من العيس و هو بياض يعلوه حمرة، كالرّاقم على الماء.

فإن قلت: لم قيل: اسمه المسيح عيسى بن مريم، و هذه ثلاثة أشياء، الاسم منها عيسى، و اما المسيح و الابن فلقب و صفة؟

قلت الاسم للمسمّى علامة يعرف بها و يتمّيز بها عن غيره، فكأنّه قيل: الّذي يعرف به، و يتميّز ممّن سواه، مجموع هذه الثّلاثة. و يحتمل أن يكون عيسى خبر مبتدأ محذوف، و ابن مريم صفته. و أن يكون كلّ من الثّلاثة اسما، بمعنى: أنّ كلّا منها يميّز تمييز الأسماء. و لا ينافي تعدّد الخبر افراد المبتدأ، فإنّه اسم جنس مضاف، و إنّما قيل: ابن مريم و الخطاب لها تنبيها على أنّه يولد من غير أب، إذ الأولاد تنسب إلى الآباء، و لا تنسب إلى الأمّ، إلّا إذا فقد الأب.

وَجِيهاً فِي الدُّنْيا: حال مقدّرة من «كلمة» الموصوفة بقوله: «منه». و التّذكير للمعنى، و وجاهته في الدّنيا بالنّبوّة.

وَ الْآخِرَةِ: بالشّفاعة.

وَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ‏ (45): من اللّه.

و قيل‏ «3»: إشارة إلى علو درجته في الجنّة.

و قيل‏ «4»: إلى رفعه إلى السّماء، و صحبته الملائكة.

وَ يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلًا، أي: حال كونه طفلا و كهلا كلام الأنبياء

______________________________
(1) مريم/ 31.

(2) هكذا في أنوار التنزيل 1/ 160. و في النسخ: «أيسوع و مشتقهما» بدل «ايشوع و اشتقاقهما».

(3) أنوار التنزيل 1/ 161.

(4) نفس المصدر و الموضع.

 

98
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 45 الى 49] ص : 98

من غير تفاوت.

و في أصول الكافي‏ «1»، عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن يزيد الكناسيّ قال: سألت أبا جعفر- عليه السّلام- أ كان عيسى بن مريم حين تكلّم في المهد حجّة اللّه على أهل زمانه؟

فقال: كان يومئذ نبيّا حجّة اللّه غير مرسل، أما تسمع لقوله حين قال‏ «2»: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا

. و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

و «المهد» مصدر، سمّي به ما يمهّد للصّبيّ من مضجعه.

و «الكهل» من خطّه الشّيب و رأيت له بجالة. و لذا قيل‏ «3»: و المراد و كهلا بعد نزوله.

[لأنّه رفع شابّا] «4» و ذكر أحواله المختلفة المتنافية إشارة «5» إلى أنّه ممكن ليس بإله‏ «6».

وَ مِنَ الصَّالِحِينَ‏ (46): قال ثالث من «كلمة» أو ضميرها الّذي في «يكلّم».

قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ: تعجّب.

و قيل‏ «7»: استبعاد عاديّ، أو استفهام عن أنّه يكون بتزوّج أو غيره.

قالَ‏: جبرئيل، أو اللّه و جبرئيل حكى بها قوله تعالى: كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى‏ أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏ (47)، أي: كما أنّه يقدر أن يخلق الأشياء بأسباب و موادّ متدرّجا، يقدر أن يخلقها دفعة من غير ذلك.

وَ يُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ‏ (48):

إمّا كلام مبتدأ ذكر تطييبا لقلبها، و إزاحة لما همّها من خوف اللّوم على أنّها تلد من غير زوج. أو عطف على «يبشّرك» أو «وجيها».

______________________________
(1) الكافي 1/ 382، ضمن حديث 1.

(2) مريم/ 31.

(3) أنوار التنزيل 1/ 161.

(4) ليس في المصدر.

(5) المصدر: إرشادا.

(6) المصدر: «بمعزل عن الألوهيّة» بدل «ممكن ليس باله».

(7) نفس المصدر و الموضع.

99
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 45 الى 49] ص : 98

و الكتاب الكتبة، أو جنس الكتب المنزلة. و تخصيص الكتابين لفضلهما.

و قرأ عاصم و نافع، بالياء «1».

وَ رَسُولًا إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ‏: منصوب بمقدّر، على إرادة القول. و التّقدير «و يقول: أرسلت رسولا» أو بالعطف، على الأحوال المتقدّمة. و تخصيص بني إسرائيل لخصوص من بعثته، أو للرّدّ على من زعم أنّه مبعوث إلى غيره.

في كتاب كمال الدّين‏ «2» و تمام النّعمة، بإسناده إلى محمّد بن الفضل‏ «3»، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر- عليهم السّلام- في حديث طويل، يقول فيه: ثمّ انّ اللّه- عزّ و جلّ- أرسل عيسى- عليه السّلام- إلى بني إسرائيل خاصّة، و كانت نبوّته ببيت المقدس.

أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ‏: متعلّق «برسولا» على تضمين معنى النّطق، أي: ناطقا بأنّي الخ.

و الآية ما يذكر بعده و هو:

أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ: نصب‏ «4» بدل من «أنيّ»، أو جرّ بدل من «آية»، أو رفع على هي أنّي، و المعنى: أقدر و أصوّر لكم مثل صورة الطّير.

فَأَنْفُخُ فِيهِ‏:

الضّمير للكاف، أي: في ذلك المثل.

فَيَكُونُ طَيْراً: فيصير طيّارا.

بِإِذْنِ اللَّهِ‏: بأمره. و نبّه به على أنّ إحياءه من اللّه لا منه.

و قرأ نافع هنا و في المائدة طائرا، بألف و همزة «5».

و في كتاب الخصال‏ «6»، عن الحسين بن عليّ- عليهما السّلام- قال‏: كان عليّ ابن أبي طالب- عليه السّلام- بالكوفة في الجامع، إذ قام إليه رجل من أهل الشّام فسأله عن مسائل، فكان فيما سأله [أن قال له‏] «7»: أخبرني عن ستّة لم يركضوا في رحم؟

______________________________
(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) كمال الدين و تمام النعمة/ 220.

(3) المصدر: محمد بن الفضيل.

(4) أ: فيصير طيّارا نصب ...

(5) أنوار التنزيل 1/ 161.

(6) الخصال/ 322، ح 8.

(7) من المصدر.

 

100
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 45 الى 49] ص : 98

فقال: آدم و حوّاء و كبش إبراهيم‏ «1» و عصا موسى و ناقة صالح و الخفّاش الّذي عمله عيسى بن مريم، فطار بإذن اللّه تعالى.

وَ أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ‏: الّذي ولد أعمى، و الممسوح العين.

وَ الْأَبْرَصَ‏: الّذي به البرص، نقل‏ «2»: أنّه ربّما يجتمع عليه ألوف من المرضى، من أطاق منهم أتاه، و من لم يطق أتاه عيسى. و ما يداوي إلّا بالدّعاء.

وَ أُحْيِ الْمَوْتى‏ بِإِذْنِ اللَّهِ‏:

كرّره لدفع توهّم الألوهيّة «3» فإنّ الإحياء ليس من جنس الأفعال البشريّة.

و في عيون الأخبار «4»، بإسناده إلى أبي يعقوب البغداديّ قال: قال ابن السّكيت لأبي الحسن الرّضا- عليه السّلام-: لما ذا بعث اللّه موسى بن عمران بيده البيضاء [و العصا] «5» و آلة السّحر، و بعث عيسى بالطّبّ، و بعث محمّدا- صلّى اللّه عليه و آله- بالكلام و الخطب؟

فقال له أبو الحسن- عليه السّلام-: إنّ اللّه تعالى لمّا بعث موسى- إلى أن قال-: و إن اللّه تعالى بعث عيسى- عليه السّلام- في وقت ظهرت فيه الزّمانات و احتاج النّاس إلى الطّب، فأتاهم من عند اللّه تعالى بما لم يكن عندهم مثله، و إنّما أحيا لهم الموتى و أبرأ الأكمه‏ «6» و الأبرص بإذن اللّه تعالى و أثبت به الحجّة عليهم.

و في روضة الكافي‏ «7»: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن ابن محبوب، عن أبي جميلة، عن أبان بن تغلب و غيره، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- أنّه سئل: هل كان عيسى بن مريم أحيا أحدا بعد موته حتّى كان له أكل و رزق و مدّة و ولد؟

فقال: نعم، إنّه كان له صديق مؤاخ له في اللّه تعالى و كان عيسى‏

______________________________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: إسماعيل.

(2) أنوار التنزيل 1/ 161- 162.

(3) الأصل: اللاهوتيّة. و ما أثبتناه في المتن موافق أو أنوار التنزيل 1/ 162.

(4) عيون أخبار الرضا 2/ 79- 80، ضمن حديث 12.

(5) من أ. و في المصدر: «بالعصا و يده البيضاء» بدل «بيده البيضاء و العصا».

(6) المصدر: أبرأ لهم الأكمه.

(7) الكافي 8/ 337، ح 532.

 

101
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 45 الى 49] ص : 98

- عليه السّلام- يمرّ به و ينزل عليه، و أنّ عيسى- عليه السّلام- غاب عنه حينا ثمّ مرّ به ليسلّم عليه، فخرجت إليه أمّه فسألها عنه، فقالت: مات يا رسول اللّه. قال: أ فتحبّين أن تريه‏ «1»؟ قالت: نعم. فقال لها: فإذا كان غدا فآتيك حتّى أحييه لك بإذن اللّه- تبارك و تعالى- فلمّا كان من الغد أتاها، فقال لها: انطلقي معي إلى قبره. فانطلقا حتّى أتيا قبره فوقف [عليه‏] «2» عيسى- صلّى اللّه عليه-. ثمّ دعا اللّه- عزّ و جلّ- فانفرج القبر و خرج ابنها حيّا. فلمّا رأته أمّه و رآها بكيا. فرحمهما عيسى- عليه السّلام- فقال [له.] «3» عيسى: أ تحبّ أن تبقى مع أمّك في الدّنيا؟ فقال: يا نبي اللّه بأكل و رزق و مدّة أم بغير أكل و رزق و مدّة «4»؟ فقال له عيسى- عليه السّلام-: بأكل و رزق و مدّة [و] «5» تعمّر عشرين سنة و تزوّج و يولد لك، قال: نعم إذا.

قال: فدفعه عيسى إلى أمّه فعاش عشرين سنه [تزوّج‏] «6» و ولد له.

و في الكافي‏ «7»: عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن عليّ بن الحكم، عن ربيع بن محمّد، عن عبد اللّه بن سليم العامريّ، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال‏: إنّ عيسى بن مريم جاء إلى قبر يحيى بن زكريّا- عليهما السّلام- و كان سأل ربّه أن يحييه له، فدعاه فأجابه و خرج إليه من القبر، فقال له: ما تريد منّي؟ فقال له: أريد أن تؤنسني كما كنت في الدّنيا، فقال له: يا عيسى ما سكنت عنّي حرارة الموت و أنت تريد أن تعيدني إلى الدّنيا و تعود عليّ حرارة الموت، فتركه فعاد إلى قبره.

وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ‏: بالمغيبات من أحوالكم الّتي لا تشكّون فيها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ «8»، حدّثنا أحمد بن محمّد الهمدانيّ قال: حدّثني جعفر بن عبد اللّه قال: حدّثنا كثير بن عيّاش، عن زياد بن المنذر [عن‏] «9» أبي الجارود، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ- عليهما السّلام- في قوله: [وَ] «10» أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ [فِي بُيُوتِكُمْ‏] «11» فإنّ عيسى- عليه السّلام- كان يقول لبني إسرائيل:

______________________________
(1) المصدر: تراه.

(2) من المصدر.

(3) من المصدر.

(4) المصدر و ا: و لا رزق و لا مدة.

5 و 6- من المصدر.

(7) الكافي 3/ 260، ح 37.

(8) تفسير القمي 1/ 102.

9 و 10 و 11- من المصدر.

 

102
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 45 الى 49] ص : 98

إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ‏ و أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ‏، و الأكمه هو الأعمى. قالوا: ما نرى الّذي تصنع إلّا سحرا. فأرنا آية نعلم أنّك صادق. قال: أ رأيتم‏ «1» إن أخبرتكم بما تأكلون و ما تدّخرون في بيوتكم‏ «2»، يقول: ما أكلتم في بيوتكم قبل أن تخرجوا و ما ادّخرتم باللّيل‏ «3» تعلمون أنّي صادق. قالوا: نعم. فكان يقول للرّجل‏ «4»: أكلت كذا و كذا و شربت كذا و كذا و رفعت كذا و كذا. فمنهم من يقبل منه فيؤمن. و منهم من ينكر فيكفر «5». و كان لهم في ذلك آية إن كانوا مؤمنين.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏ (49): موفّقين للإيمان، فإنّ غيرهم لا ينتفع بالمعجزات. أو مصدّقين بالحقّ غير معاندين.

و في كتاب الاحتجاج‏ «6» للطّبرسيّ- رحمه اللّه-: روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي- عليهم السّلام- أنّه قال‏: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لعلّي- عليه السّلام- في أثناء كلام طويل-: فإنّ هذا عيسى بن مريم تزعمون‏ «7» أنّه تكلّم في المهد صبيّا؟

قال له عليّ- عليه السّلام-: لقد كان كذلك. و محمّد- صلّى اللّه عليه و آله- سقط من بطن أمّه واضعا يده اليسرى على الأرض و رافعا يده اليمنى‏ «8» إلى السّماء، يحرّك شفتيه بالتّوحيد، و بدا من فيه نور رأى أهل مكّة [منه‏] «9» قصور بصرى من الشام و ما يليها و القصور الحمر من أرض اليمن و ما يليها و القصور البيض من إصطخر «10» و ما يليها، و لقد أضاءت الدّنيا ليلة ولد النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- حتّى فزعت الجنّ و الإنس و الشّياطين، و قالوا: حدث في الأرض حدث.

قال له اليهوديّ: فإنّ عيسى يزعمون أنّه خلق من الطّين كهيئة الطّير فينفخ‏ «11» فيه فكان طيرا بإذن اللّه- عزّ و جلّ-.

______________________________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: أ رأيتكم.

(2) «في بيوتكم» ليس في المصدر.

(3) المصدر: «ذخرتم الليل» بدل «ادّخرتم بالليل».

(4) النسخ: «انت» بدل «للرجل».

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: «يكفر» بدل «ينكر فيكفر».

(6) الاحتجاج 1/ 314- 335، مقاطع من الحديث.

(7) أور: أ يزعمون.

(8) ليس في أ.

(9) من المصدر.

(10) المصدر: اسطخر.

(11) المصدر: فنفخ.

 

103
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 45 الى 49] ص : 98

فقال له عليّ- عليه السّلام-: لقد كان كذلك، و محمّد- صلّى اللّه عليه و آله- قد فعل ما هو شبيه لهذا، إذ أخذ يوم حنين حجرا فسمعنا للحجر تسبيحا و تقديسا. ثمّ قال للحجر: انفلق، فانفلق ثلاث فلق يسمع لكلّ فلقة منها تسبيح لا يسمع للأخرى.

و لقد بعث إلى شجرة يوم البطحاء فأجابته و لكلّ غصن منها تسبيح و تهليل و تقديس. ثمّ قال لها: انشقّي، فانشقّت نصفين. ثمّ قال لها: التزقي، فالتزقت. ثمّ قال لها:

اشهدي لي‏ «1» بالنّبوّة، فشهدت.

ثمّ قال له اليهوديّ: فإنّ عيسى تزعمون‏ «2» أنّه قد أبرأ الأكمه و الأبرص بإذن اللّه- عزّ و جلّ-.

فقال له عليّ- عليه السّلام-: لقد كان كذلك، و محمّد- صلّى اللّه عليه و آله- أعطي ما هو أفضل [من ذلك‏] «3» أبرأ ذا العاهة من عاهته، فبينما «4» هو جالس إذ سأل عن‏ «5» رجل من أصحابه، فقالوا «6»: يا رسول اللّه إنّه قد صار في‏ «7» البلاء كهيئة الفرخ [الّذي‏] «8» لا ريش عليه. فأتاه- عليه السّلام- فإذا هو كهيئة الفرخ من شدّة البلاء. فقال له:

قد كنت تدعو في صحّتك دعاء. قال: نعم. كنت أقول: يا ربّ أيّما عقوبة أنت معاقبي بها في الآخرة فعجّلها «9» لي في الدّنيا. فقال له النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله-:

ألا قلت: اللّهمّ‏ آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ. فقالها [الرّجل‏] «10» فكأنّما نشط من عقال و قام صحيحا و خرج معنا.

و لقد أتاه رجل من جهينة أجذم يتقطّع من الجذام. فشكا إليه- صلّى اللّه عليه و آله-. فأخذ قدحا من ماء فتفل فيه. ثمّ قال: امسح به‏ «11» جسدك. ففعل، فبرئ حتّى لم يوجد فيه‏ «12» شي‏ء.

و لقد أتي النبيّ بأعرابيّ‏ «13» أبرص. فتفل [من‏] «14» فيه [عليه‏] «15» فما قام من عنده إلّا

______________________________
(1) ليس في المصدر.

(2) المصدر: يزعمون.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: و بينما.

(5) ليس في المصدر.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: فقال.

(7) المصدر: من.

(8) من المصدر.

(9) المصدر: فاجعلها.

(10) من المصدر.

(11) ليس في المصدر.

(12) المصدر: عليه.

(13) النسخ: «أتى العربيّ» بدل «أتي النبيّ بأعرابيّ». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

14 و 15- من المصدر.

 

104
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 45 الى 49] ص : 98

صحيحا.

و لئن زعمت أنّ عيسى- عليه السّلام- أبرأ ذوي العاهات‏ «1» من عاهاتهم، فإنّ محمّدا- صلّى اللّه عليه و آله- بينما هو في بعض‏ «2» أصحابه إذا «3» هو بامرأة فقالت: يا رسول اللّه إنّ ابني قد أشرف على حياض الموت كلّما أتيته بطعام وقع عليه التّثاؤب. فقام النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- و قمنا معه. فلمّا أتيناه قال له، جانب يا عدوّ اللّه وليّ اللّه (فأنا) «4» رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-. فجانبه الشّيطان، فقام صحيحا و هو معنا في عسكرنا.

و لئن زعمت أنّ عيسى بن مريم أبرأ العميان‏ «5»، فإنّ محمّدا- صلّى اللّه عليه و آله- قد فعل ما هو أكثر من ذلك، إنّ قتادة بن ربعي كان رجلا صحيحا، فلمّا كان يوم أحد أصابته طعنة في عينه، فبدرت حدقته فأخذها بيده، ثمّ أتى بها النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- فقال: يا رسول اللّه إنّ امرأتي الآن تبغضني، فأخذها رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- من يده، ثمّ وضعها مكانها، فلم تكن تعرف إلّا بفضل حسنها و فضل ضوئها على العين الأخرى.

و لقد خرج عبد اللّه بن عتيك‏ «6» و بانت يده يوم حنين، فجاء إلى النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- ليلا، فمسح عليه يده، فلم تكن تعرف من اليد الأخرى.

و لقد أصاب محمّد بن مسلمة يوم كعب بن الأشرف‏ «7» مثل ذلك في عينه و يده، فمسحه رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- فلم يستبينا.

و لقد أصاب عبد اللّه بن أنيس مثل ذلك في عينه‏ «8»، فمسحها فما عرفت من الأخرى، فهذه كلّها دلالة لنبوّته- صلّى اللّه عليه و آله-.

قال له اليهوديّ: فإنّ عيسى يزعمون أنّه أحيا الموتى بإذن اللّه.

______________________________
(1) هكذا في النسخ. و في المصدر: ذا العاهات.

(2) ليس في المصدر.

(3) المصدر: إذ.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: فأتاه.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: العمياء.

(6) المصدر: «عبد اللّه بن عبيد» و قيل فيه: «في بعض النسخ: عتيك» و الظاهر هو الأصوب. كذا ورد في النسخ. ر. تنقيح المقال 2/ 197، رقم 6947.

(7) المصدر: كعب بن أشرف.

(8) «في عينه» ليس في ر.

 

105
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 45 الى 49] ص : 98

قال له عليّ- عليه السّلام-: لقد كان ذلك، و محمّد- صلّى اللّه عليه و آله- سبّحت في يده تسع حصيات فسمع نغماتها في جمودها و لا روح فيها لتمام حجّة نبوّته، و لقد كلمه الموتى‏ «1» من بعد موتهم و استغاثوه ممّا خافوا تبعته. و لقد صلّى بأصحابه ذات يوم فقال: ما ها هنا من بني النّجّار أحد و صاحبهم محتبس على باب الجنّة. بثلاثة دراهم لفلان اليهوديّ، و كان شهيدا.

و لئن زعمت‏ «2» أنّ عيسى كلّم الموتى، فلقد كان لمحمّد- صلّى اللّه عليه و آله- ما هو أعجب من هذا، إنّ النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- لمّا نزل بالطّائف و حاصر أهلها بعثوا إليه بشاة «3» مسلوخة مطليّة بسمّ، فنطق الذّراع منها فقالت: يا رسول اللّه لا تأكلني فإنّي مسمومة، فلو كلّمت البهيمة و هي حيّة لكانت من أعظم حجج اللّه عزّ ذكره على المنكرين لنبوّته، فكيف و قد كلّمته من بعد ذبح و سلخ و شوي‏ «4».

و لقد كان- صلّى اللّه عليه و آله- يدعو بالشّجرة فتجيبه، و تكلّمه البهيمة، و تكلّمه السّباع، و تشهد له بالنّبوّة و تحذّرهم عصيانه، فهذا أكثر ممّا أعطي عيسى.

قال له اليهوديّ: إن عيسى تزعمون‏ «5» أنّه أنبأ قومه بما يأكلون و ما يدّخرون في بيوتهم.

قال له عليّ- عليه السّلام-: لقد كان كذلك، و محمّد- صلّى اللّه عليه و آله- فعل ما هو أكبر «6» من هذا إنّ عيسى أنبأ قومه بما كان‏ «7» من وراء الحائط، و محمّد- صلّى اللّه عليه و آله- أنبأ قومه‏ «8» [عن موتة] «9» و هو عنها غائب، و وصف حربهم و من استشهد «10» منهم، و بينه و بينهم مسيرة شهور، و كان يأتيه الرّجل يريد أن يسأله عن شي‏ء فيقول- صلّى اللّه عليه و آله-: تقول أو أقول، فيقول: بل قل يا رسول اللّه، فيقول: جئتني في كذا و كذا، حتى يفرغ‏ «11» من حاجته. و لقد كان يخبر أهل مكّة بأسرارهم بمكّة حتّى‏

______________________________
(1) أ: «اللّه» بدل «الموتى».

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: إن زعمت.

(3) النسخ: «شاة». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(4) المصدر: شي‏

(5) المصدر: يزعمون.

(6) المصدر: «كان له أكثر» بدل «فعل ما هو أكبر».

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: يأكلون.

(8) هكذا في أ. و في المصدر و سائر النسخ: من قومه.

(9) من المصدر.

(10) هكذا في المصدر. و في النسخ: اشهد.

(11) هكذا في المصدر. و في النسخ: فرغ.

 

106
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 45 الى 49] ص : 98

لا يترك من أسرارهم شيئا، منها ما كان بين صفوان بن أميّة و بين عمير بن وهب‏ «1» [إذ أتاه عمير] «2» فقال: جئت في فكاك ابني، فقال له: كذبت بل قلت لصفوان [بن أميّة] «3» و قد اجتمعتم في الحطيم و ذكرتم قتلى بدر و قلتم: و اللّه للموت‏ «4» أهون علينا «5» من البقاء مع ما صنع محمّد بنا. و هل حياة بعد أهل القليب؟! فقلت أنت: لولا عيالي و دين عليّ لأرحتك من محمّد، فقال صفوان: عليّ أن أقضي دينك و أن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهنّ ما يصيبهنّ‏ «6» من خير أو شرّ، فقلت أنت: فاكتمها عليّ و جهّزني حتّى أذهب فأقتله، فجئت لقتلي، فقال‏ «7»: صدقت يا رسول اللّه فأنا أشهد أن لا اله إلّا اللّه و أنّك رسول اللّه.

و أشباه هذا ممّا لا يحصى.

و في أصول الكافي‏ «8»: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن مثنّى الحنّاط، عن أبي بصير قال: دخلت على أبي جعفر- عليه السّلام-. فقلت له:

أنتم ورثة «9» رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-.

قال: نعم.

قلت: رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- وارث الأنبياء علّم كما «10» علّموا؟

قال [لي‏] «11»: نعم.

قلت: فأنتم تقدرون على أن تحيوا الموتى و تبرأوا الأكمه و الأبرص؟

قال لي‏ «12»: نعم بإذن اللّه. ثمّ قال [لي‏] «13»: ادن منّي يا أبا محمّد، فدنوت منه، فمسح على وجهي و على عيني، فأبصرت الشّمس و السّماء و الأرض و البيوت و كلّ شي‏ء في البلد، ثمّ قال لي: أ تحبّ أن تكون هكذا و لك ما للنّاس و عليك ما عليهم يوم القيامة أو تعود كما

______________________________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: عمير بن وهيب.

2 و 3- من المصدر.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: الموت.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: لنا.

(6) «ما يصيبهنّ» ليس في أ.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: «لتقتلني قال» بدل «لقتلى فقال».

(8) الكافي 1/ 470، ح 3.

(9) هكذا في المصدر. و في النسخ: «و أنت ورثت» بدل «أنتم ورثة».

(10) المصدر ور: كلّما.

(11) من المصدر.

(12) ليس في المصدر.

(13) من المصدر.

107
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 50 الى 60] ص : 108

 

كنت و لك الجنّة خالصا؟

قلت: أعود كما كنت. فمسح على عيني، فعدت كما كنت. [قال:] «1» فحدّثت ابن أبي عمير بهذا، فقال: أشهد أنّ هذا حقّ كما أنّ النّهار حقّ.

و في كتاب التّوحيد «2»، في باب مجلس الرّضا- عليه السّلام- مع أصحاب الأديان و المقالات، قال الرّضا- عليه السّلام-: لقد اجتمعت قريش إلى رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- فسألوه أن يحيي لهم موتاهم. فوجّه معهم عليّ بن أبي طالب- عليه السّلام-. فقال [له‏] «3»: اذهب إلى الجبّانة «4» فناد بأسماء هؤلاء الرّهط الّذين يسألون عنهم بأعلى صوتك: يا فلان و يا فلان و يا فلان، يقول لكم محمّد [رسول اللّه‏] «5»: قوموا بإذن اللّه- عزّ و جلّ-، فقاموا ينفضون التّراب عن رؤوسهم، فأقبلت قريش تسألهم عن أمورهم ثمّ أخبروهم أنّ محمّدا قد بعث نبيّا، و قالوا: وددنا أنّا «6» أدركناه فنؤمن به، و لقد أبرأ الأكمه و الأبرص و المجانين، و كلّمه البهائم و الطّير و الجنّ و الشّياطين، و لم نتّخذه ربّا من دون اللّه- عزّ و جلّ-.

وَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ: عطف على «رسولا» على الوجهين. أو منصوب بإضمار فعل، دلّ عليه «قد جئتكم»، أي: و جئتكم مصدّقا.

وَ لِأُحِلَّ لَكُمْ‏: مقدّر بإضمار فعل، دلّ عليه «قد جئتكم»، أي: و جئتكم لأحلّ. أو مردود على قوله: «قد جئتكم» بآية، أي: جئتكم لأظهر آية و لأحلّ. أو على معنى «مصدّقا»: أي: جئتكم لأصدّق و لأحلّ، كقولهم: جئتك معتذرا و لأطيّب قلبك.

بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ‏، أي: في شريعة موسى- عليه السّلام- كالشّحوم و الثّروب‏ «7» و السّمك و لحوم الإبل و العمل في السّبت. و في الآية دلالة، على أنّ شرعه كان ناسخا لشرع موسى- عليه السّلام-.

و في تفسير العيّاشيّ‏ «8»: عن محمّد الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال‏:

______________________________
(1) من المصدر.

(2) التوحيد/ 423، مقطع من حديث 1 من باب 65.

(3) من المصدر.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: جبانة.

(5) من المصدر.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: إنّا كنّا.

(7) هكذا في أنوار التنزيل 1/ 164. و هو جمع لثرب وزان فلس. و الثرب شحم رقيق على الكرش و الأمعاء.

(ر. المصباح المنير للفيّومي.) و في النسخ: الشروب.

(8) تفسير العياشي 1/ 175، ح 52.

 

 

108
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 50 الى 60] ص : 108

كان بين داود و عيسى بن مريم- عليهما السّلام- أربعمائة سنة، و كان شريعة عيسى أنّه بعث بالتّوحيد و الإخلاص، و بما أوصى به نوح و إبراهيم و موسى، و أنزل عليه الإنجيل، و أخذ عليه الميثاق الّذي أخذ على النّبيّين، و شرّع له في الكتاب إقام الصّلاة مع الّدين، و الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر، و تحريم الحرام و تحليل الحلال، و أنزل عليه في الإنجيل مواعظ و أمثال و حدود ليس فيها قصاص و لا أحكام حدود و لا فرض مواريث، و أنزل عليه تخفيف ما كان نزل على موسى في التّوراة، و هو قول اللّه في الّذي قال عيسى بن مريم لبني إسرائيل: و لأحلّ لكم بعض الّذي حرّم عليكم. و أمر عيسى من معه ممّن اتّبعه من المؤمنين، أن يؤمنوا بشريعة «1» التّوراة و الإنجيل.

وَ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ‏ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ‏ (51):

الظّاهر أنّ قوله: قد جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ، تكرير لما قبله، أي: جئتكم بآية بعد أخرى ممّا ذكرت لكم. و الأوّل، لتمهيد الحّجة. و الثّاني، لتقريبها إلى الحكم. و لذلك رتّب عليه «بالفاء».

قوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ‏، أي: أنّي جئتكم بالمعجزات القاهرة و الآيات الباهرة، فاتّقوا اللّه في المخالفة، و أطيعوا لي فيما أدعوكم إليه، ثمّ شرع في الدّعوة، و أشار إليها بالقول المجمل، فقال: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ‏، إشارة الى استكمال القوّة النّظريّة بالاعتقاد الحقّ، الّذي غايته التّوحيد.

و قال: فَاعْبُدُوهُ‏، إشارة إلى استكمال القوّة العمليّة، فإنّه بملازمة الطّاعة، الّتي هي الإتيان بالأوامر و الانتهاء عن المناهي. ثمّ قرّر ذلك، بأن بيّن أنّ الجمع بين الأمرين، هو الطّريق المشهود عليه بالاستقامة.

و قيل‏ «2»: معناه و جئتكم بآية أخرى ألهمنيها ربّكم، و هو قوله: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ‏، فإنّه دعوة الحقّ المجمع عليه فيما بين الرّسل، الفارقة بين النّبيّ و السّاحر.

أو جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ، على أن الله ربي و ربكم. و قوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ‏، اعتراض.

______________________________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: لشريعة.

(2) أنوار التنزيل 1/ 164.

109
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 50 الى 60] ص : 108

فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى‏ مِنْهُمُ الْكُفْرَ:

قيل‏ «1»: تحقّق كفرهم عنده، تحقّق ما يدرك بالحواسّ.

[و في تفسير العيّاشيّ: «2»] «3» و روى‏ «4» ابن أبي عمير، عن رجل، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- في قول اللّه تعالى‏ «5»: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى‏ مِنْهُمُ الْكُفْرَ، أي، لمّا سمع و رأى أنّهم يكفرون،

فعلى هذه الرواية، كان الإحساس مستعملا في معناه الحقيقيّ، و لا يكون استعارة تبعيّة، كما في الأوّل.

قالَ مَنْ أَنْصارِي‏: جمع، ناصر. و حمله على «من» لإرادة المتعدّد منه، أو للمبالغة في كونه ناصرا إلى اللّه ملتجئا إلى اللّه أو ذاهبا أو ضامّا إليه. و يحتمل تعلّقه «بأنصاري» على تضمين الإضافة، أي: من الّذين يضيفون أنفسهم.

إِلَى اللَّهِ‏: في نصري.

و قيل‏ «6» «إلى» هاهنا بمعنى: «مع» أو «في» أو «اللّام».

قالَ الْحَوارِيُّونَ‏ حواريّو الرّجل، صفوته و خالصته. من الحور، و هو البياض الخالص. و منه:

الحواريّات للحضريّات، لخلوص ألوانهنّ و نظافتهنّ قال:

فقل للحواريّات يبكين غيرنا

و لا تبكنا إلّا الكلاب النّوائح‏

و في وزنه، الحوالي، و هو الكثير الحيلة.

سمّي به أصحاب عيسى- عليه السّلام- قيل‏ «7»: لخلوص نيّتهم، و نقاء سريرتهم.

و قيل: كانوا ملوكا يلبسون البيض، استنصر بهم عيسى على‏ «8» اليهود. و قيل: قصّارون‏

______________________________
(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) لم نعثر عليه في تفسير العياشي. و لكن يوجد في تفسير القمي 1/ 103. و نقله عن القمي في تفسير الصافي 1/ 340 و تفسير البرهان 1/ 284، ح 2. إلّا أنّه في تفسير نور الثقلين 1/ 345، تحت رقم 152 ورد بدون عنوان. و الحديث الذي قبله (رقم 151) عن تفسير العياشي.

(3) ليس في أ.

(4) هكذا في المصدر و في النسخ: روى عن.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: «قوله» بدل «قول اللّه تعالى».

(6) أنوار التنزيل 1/ 164.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) المصدر: من.

110
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 50 الى 60] ص : 108

يحورون الثّياب: أي: «1» يبيّضونها نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ‏: في دينه.

آمَنَّا بِاللَّهِ‏: الّذي دعوت إليه.

وَ اشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏ (52): لتشهد يوم القيامة، حين يشهد الرّسل لقومهم و عليهم.

رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ‏: في كتبك.

وَ اتَّبَعْنَا الرَّسُولَ‏: أي: عيسى- عليه السّلام- فيما دعى إليه.

فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ‏ (53): بوحدانيّتك، أو مع الأنبياء الشّاهدين.

و قيل: أو مع أمّة محمّد- صلّى اللّه عليه و آله- فإنّهم شهداء على النّاس.

وَ مَكَرُوا، أي: الّذين أحسّ منهم الكفر من اليهود، بأن وكّلوا عليه من يقتله غيلة.

وَ مَكَرَ اللَّهُ‏: بأن رفع عيسى، و ألقى شبهه على غيره، حتّى قتل.

و المكر، حيلة يجلب بها الغير إلى المضرّة، و إسناده إلى اللّه على سبيل الازدواج.

و في عيون الأخبار «2»، عن الرّضا- عليه السّلام- في حديث طويل. و فيه قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ‏ «3»-: سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ‏ و قوله: اللَّهُ‏ «4» يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ‏ و قوله- تعالى-: وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ‏ و عن قوله- عزّ و جلّ‏ «5»-: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ‏.

فقال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لا يسخر و لا يستهزئ و لا يمكر و لا يخادع، و لكّنه- عزّ و جلّ- يجازيهم جزاء السّخرية و جزاء الاستهزاء و جزاء المكر و الخديعة، تعالى اللّه عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيرا.

وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ‏ (54): أقدرهم على إيصال الضّرّ إلى الغير.

إِذْ قالَ اللَّهُ‏ ظرف لمكر الله. و قيل: أو لخير الماكرين. أو لمضمر مثل و وقع ذلك.

______________________________
(1) هكذا في المصدر. و في النسخ: و.

(2) عيون أخبار الرضا 1/ 126، ذيل حديث 19.

(3) التوبة/ 79.

(4) البقرة/ 15.

(5) النساء/ 142.

111
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 50 الى 60] ص : 108

يا عِيسى‏ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ‏: أي: مستوفي أجلك عاصما إيّاك من قتلهم، أو قابضك من الأرض. من توفّيت ما لي.

و قيل‏ «1»: أو متوفّيك نائما.

و قيل‏ «2»: أماته اللّه سبع ساعات ثمّ رفعه. و قيل: أو مميتك عن الشّهوات. العائقة عن العروج.

وَ رافِعُكَ إِلَيَ‏: إلى محلّ كرامتي و مقرّ ملائكتي، و ذلك في ليلة إحدى و عشرين من شهر رمضان.

في كتاب الخصال‏ «3»، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال:

- في حديث طويل يذكر فيه الأغسال في شهر رمضان-: و ليلة إحدى و عشرين، و هي اللّيلة الّتي مات فيها أوصياء الأنبياء «4»، و فيها رفع عيسى [بن مريم‏] «5»- عليه السّلام-.

وَ مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا: أي: من سوء جوارهم، أو قصدهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ «6»: حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن صالح، عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال‏: إنّ عيسى- عليه السّلام- وعد أصحابه ليلة رفعه اللّه إليه. فاجتمعوا إليه عند المساء، و هم اثنا عشر رجلا. فأدخلهم بيتا.

ثمّ خرج عليهم من عين في زاوية البيت، و هو ينفض رأسه من الماء. فقال: إنّ اللّه أوحى إليّ: أنّه رافعي إليه السّاعة، و مطهّري من اليهود، فأيّكم يلقى عليه‏ «7» شبحي، فيقتل و يصلب و يكون معي في درجتي؟

فقال شابّ منهم: أنا يا روح اللّه؟

فقال: فأنت هوذا. فقال لهم عيسى: أما إنّ منكم لمن يكفر بي قبل أن يصبح، أثنتي عشرة كفرة.

فقال له رجل منهم: أنا هو يا نبيّ اللّه.

فقال عيسى: إن تحسّ‏ «8» بذلك في نفسك فلتكن هو، ثمّ قال لهم عيسى: أما

______________________________
1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 163.

(3) الخصال/ 508، ح 1.

(4) المصدر: النبيّين.

(5) من المصدر.

(6) تفسير القمي 1/ 103.

(7) أ: إليه.

(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: «أ تحسّ» بدل: «إن تحسّ».

 

112
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 50 الى 60] ص : 108

إنّكم ستفترقون بعدي على ثلاث فرق: فرقتين مفتريتين‏ «1» على اللّه في النّار، و فرقة تتبّع شمعون صادقة على اللّه في الجنّة. ثمّ رفع اللّه عيسى إليه من زاوية البيت، و هم ينظرون إليه.

ثمّ قال [أبو جعفر- عليه السّلام-:] «2» إنّ اليهود جاءت في طلب عيسى من ليلتهم، فأخذوا الرّجل الّذي قال له عيسى: إنّ منكم لمن يكفر بي قبل أن يصبح، اثنتي عشرة كفرة. و أخذوا الشّابّ الّذي ألقي عليه شبح عيسى- عليه السّلام- فقتل و صلب، و كفر الّذي قال له عيسى: تكفر قبل أن تصبح، اثنتي عشرة كفرة.

و في كتاب كمال الّدين و تمام النّعمة «3» بإسناده إلى محمّد بن إسماعيل القرشيّ، عمّن حدّثه، عن إسماعيل بن أبي رافع، عن أبيه [أبي رافع‏] «4» قال: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-: إنّ جبرئيل- عليه السّلام- نزل عليّ بكتاب، فيه خبر الملوك ملوك الأرض [قبلي،] «5» و خبر من بعث قبلي من الأنبياء و الرّسل. و هو حديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

قال: لمّا ملك أشجّ بن أشجان، و كان يسمّى الكيس، و كان قد ملك مأتين و ستّا و ستّين سنة، ففي سنة إحدى و خمسين من ملكه، بعث اللّه- عزّ و جلّ- عيسى بن مريم- عليه السّلام- و استودعه النّور و العلم و الحكمة و جميع علوم الأنبياء قبله، و زاده الإنجيل، و بعثه إلى بيت المقدس إلى بني إسرائيل، يدعوهم إلى كتابه و حكمته و إلى الإيمان باللّه و برسوله‏ «6»، فأبى أكثرهم إلّا طغيانا و كفرا، فلمّا لم يؤمنوا [به‏] «7» دعا ربّه و عزم عليه، فمسخ منهم شياطين ليريهم آية فيعتبروا، فلم يزدهم ذلك إلّا طغيانا و كفرا، فأتى بيت المقدس، فمكث يدعوهم و يرغّبهم [فيما عند اللّه‏] «8» ثلاثا و ثلاثين سنة، حتّى طلبته اليهود، و ادّعت أنّها عذّبته و دفنته في الأرض حيّا، و ادّعى بعضهم أنّهم‏ «9» قتلوه و صلبوه، و ما كان اللّه ليجعل لهم سلطان عليه، و إنّما شبّه لهم، و ما قدروا على عذابه و دفنه، و لا على قتله و صلبه [لقوله- عزّ و جلّ-: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رافِعُكَ إِلَيَّ وَ مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا فلم‏

______________________________
(1) أ: مقربين.

(2) من المصدر.

(3) كمال الدين و تمام النعمة/ 224- 225.

4 و 5- من المصدر.

(6) هكذا في أ. و في المصدر و سائر النسخ: رسوله.

(7) من المصدر.

(8) ليس في أ.

(9) هكذا في المصدر. و في النسخ: أنّه.

 

113
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 50 الى 60] ص : 108

يقدروا على قتله و صلبه،] «1» لأنّهم لو قدروا على ذلك لكان تكذيبا لقوله، و لكن‏ رَفَعَهُ اللَّهُ [إِلَيْهِ‏] «2» «3» بعد أن توفّاه، فلمّا أراد اللّه أن يرفعه، أوحى إليه أن يستودع‏ «4» نور اللّه و حكمته و علم كتابه شمعون بن حمّون الصّفا، خليفته‏ «5» على المؤمنين، ففعل ذلك.

قوله- عليه السّلام-: «بعد أن توفّاه» يحتمل أن يكون معناه، بعد أن قبضه من الأرض، أو بعد أن أماته عن الشّهوات العائقة، أو أماته موتا حقيقيّا- كما ذهب إليه البعض- أو بعد أن قرّر في علمه أن يستوفي أجله، و هذا أبعد.

وَ جاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ: يعلونهم بالحّجة، أو السّيف. و متّبعوه، من آمن بنبوّته من المسلمين و النّصارى. و إلى الآن لم تسمع غلبة اليهود عليهم، و لا يتّفق لهم ملك و لا دولة.

ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ‏:

فيه تغليب للمخاطبين على غيرهم.

فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ‏ (55): من أمر الدّين.

فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا: من اليهود، و غيرهم.

فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا: بضرب الجزية، و الهوان.

«و»: في‏ الْآخِرَةِ: بالنّار.

وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ‏ (56): يسعون في استخلاصهم.

وَ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ‏، أي: في الدّنيا و الآخرة.

و قرأ حفص، بالياء «6».

وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ‏ (57): و يحبّ المؤمنين.

ذلِكَ‏، أي: نبأ عيسى و غيره ممّا تقدّم. مبتدأ، خبره‏ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ‏: و قوله:

مِنَ الْآياتِ‏: حال من الهاء. و يحتمل أن يكون هو الخبر و «نتلوه» حالا،

______________________________
1 و 2- من المصدر.

(3) النّساء/ 158.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: استودع.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: خليفة.

(6) أنوار التنزيل 1/ 163.

114
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 50 الى 60] ص : 108

و العامل فيه معنى الإشارة، و أن يكونا خبرين. و يحتمل أن يكون «ذلك» منصوبا، بما يفسّره «نتلوه».

وَ الذِّكْرِ، أي: القرآن. و قيل‏ «1»: اللّوح.

الْحَكِيمِ‏ (58): المشتمل على الحكم. أو المحكم، عن تطرّق الخلل إليه.

إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ‏: أي: شأنه الغريب كشأن آدم.

خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ‏: جملة مفسّرة لوجه الشّبه، و هو أنّه خلق بلا أب كما خلق آدم بلا أب، بل و بلا أمّ أيضا، شبّه حاله بما هو أغرب، إفحاما للخصم بطريق المبالغة.

ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ‏، [أي: انشأ بشرا. و المراد بالخلق، خلق القالب. أو المراد قدر تكوينه ثمّ كوّنه.

و يحتمل أن يكون «ثم» لتراخي الخبر] «2» فَيَكُونُ‏ (59): حكاية حال ماضية.

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ «3»: حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن ابن سنان، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام-: أنّ نصارى نجران لمّا وفدوا على رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- و كان سيّدهم الأهتم‏ «4» و العاقب و السّيّد، و حضرت صلاتهم‏ «5»، فأقبلوا يضربون بالنّاقوس و صلّوا، فقال أصحاب رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-: يا رسول اللّه‏ «6»، هذا في مسجدك! فقال: دعوهم. فلمّا فرغوا دنوا من رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- فقالوا: إلى ما تدعونا «7»؟

فقال: إلى شهادة أن لا إله إلّا اللّه، و أنّي رسول اللّه، و أنّ عيسى عبد مخلوق، يأكل و يشرب و يحدث.

قالوا: فمن أبوه؟

فنزل الوحي على رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-. فقال: قل لهم: ما تقولون‏

______________________________
(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) ما بين المعقوفتين ليس في ر.

(3) تفسير القمي 1/ 104.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: الأهم.

(5) ر: صلواتهم.

(6) «يا رسول اللّه» ليس في المصدر.

(7) المصدر: تدعونّ.

 

115
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 61 الى 65] ص : 116

 

في آدم، أ كان عبدا مخلوقا يأكل و يشرب و يحدث‏ «1» و ينكح؟ فسألهم النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله-.

فقالوا: نعم فقال: فمن أبوه؟

فبهتوا [، فبقوا ساكتين،] «2» فأنزل اللّه- تبارك و تعالى-: إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ [كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏] «3» (الآية)

الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ‏ «الحق» مبتدأ، و «من ربّك» خبره، أي: الحقّ المذكور من اللّه. أو خبر مبتدأ محذوف، و «من ربّك» صفته، أو حال منه. و يحتمل تعلّقه به.

فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ‏ (60):

الخطاب إن كان للنّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- فلزيادة التّهييج على الثّبات، أو للتّعريض. و إن كان لكلّ سامع، فعلى أصله.

فَمَنْ حَاجَّكَ‏: من النّصارى.

فِيهِ‏: في عيسى‏ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ‏، أي: البيّنات الموجبة للعلم.

فَقُلْ تَعالَوْا: هلمّوا بالعزم، و الرّأي.

نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ‏، أي: يدعو كلّ منّا و منكم نفسه و أعزّة أهله إلى المباهلة، و يحملهم عليها. و إنّما قدّمهم على النّفس، لأنّ الرّجل يخاطر بنفسه لهم، فهم أهمّ عنده.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ «4»: عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام-: و أمّا قوله: فَمَنْ حَاجَّكَ‏ (الآية) «5» فقال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-: فباهلوني، فإن كنت صادقا أنزلت اللّعنة عليكم، و إن كنت كاذبا أنزلت‏ «6» عليّ.

______________________________
(1) «و يحدث» ليس في المصدر.

2 و 3- من المصدر.

(4) تفسير القمي 1/ 104. و في أ: «و في الحديث المروي» بدل: «و في تفسير عليّ بن إبراهيم».

(5) المصدر: «فيه من بعد ما جاءك من العلم- إلى قوله- فنجعل لعنة اللّه على الكاذبين»، بدل:

«الآية». و ما أثبتناه في المتن موافق النسخ.

(6) المصدر: نزلت.

 

 

116
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 61 الى 65] ص : 116

فقالوا: أنصفت. فتواعدوا للمباهلة، فلمّا رجعوا إلى منازلهم قال رؤساؤهم السّيّد و العاقب و الأهتم‏ «1»: إن باهلنا بقومه باهلناه فإنّه ليس بنبيّ، و إن باهلنا بأهل بيته خاصّة فلا نباهله، فإنّه لا يقدم على‏ «2» أهل بيته إلّا و هو صادق، فلمّا أصبحوا جاؤوا إلى رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- و معه أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين- صلوات اللّه عليهم أجمعين-.

فقال النّصارى: من هؤلاء؟

فقيل لهم: إن هذا ابن عمّه و وصيّه و ختنه عليّ بن أبي طالب، و هذه بنته‏ «3» فاطمة، و هذان ابناه الحسن و الحسين- عليهم السّلام-.

ففرقوا «4»، و قالوا لرسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-: نعطيك الرّضا فاعفنا عن المباهلة، فصالحهم رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- على الجزية و انصرفوا.

[و في تفسير العيّاشيّ‏ «5»: عن حريز، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال‏: إنّ أمير المؤمنين- عليه السّلام- سئل عن فضائله، فذكر بعضها، ثمّ قالوا له: زدنا.

فقال: [إنّ‏] «6» رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- أتاه حبران من أحبار النّصارى‏ «7» من أهل نجران، فتكلّما في أمر عيسى، فأنزل [اللّه‏] «8» هذه الآية: إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ‏ إلى آخر الآية. فدخل رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- فأخذ بيد عليّ و الحسن و الحسين و فاطمة، ثمّ خرج و رفع كفّه إلى السّماء، و فرج بين أصابعه، و دعاهم إلى المباهلة.

قال: و قال أبو جعفر- عليه السّلام-: و كذلك المباهلة يشبك يده في يده ثمّ‏ «9» يرفعها إلى السّماء، فلمّا رآه الحبران قال أحدهما لصاحبه: و اللّه لئن‏ «10» كان نبيّا لنهلكنّ و إن كان غير نبيّ كفانا قومه، فكفّا «11» و انصرفا.

______________________________
(1) هكذا في المصدر: و في النسخ: الأهم.

(2) هكذا في المصدر. و في النسخ: إلى.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: ابنته.

(4) أ: نفرقوا. المصدر: فعرفوا

(5) تفسير العياشي 1/ 175- 176، ح 54.

(6) من المصدر.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: أحبار اليهود.

(8) من المصدر.

(9) «ثمّ» ليس في المصدر.

(10) النسخ: «و إن» بدل «و اللّه لئن». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(11) النسخ: فكفانا. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

117
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 61 الى 65] ص : 116

عن أبي جعفر الأحوال‏ «1» قال: قال أبو عبد اللّه- عليه السّلام-: ما تقول قريش في الخمس؟

قال: قلت: تزعم أنّه لها.

قال: ما أنصفونا، و اللّه لو كان مباهلة ليباهلنّ بنا و لئن كان مبارزة ليبارزنّ بنا، ثمّ نكون و هم على سواء.] «2»

فقد ظهر من هذا الخبر، أنّ من دعى النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- من الأبناء هو الحسن و الحسين، و من النساء فاطمة، و بقي- عليّ عليه السّلام- لا يدخل في شي‏ء إلّا في قوله: و أنفسنا، فهو نفس الرّسول- صلّى اللّه عليه و آله-.

و قد صحّ‏

في الخبر أنّه- صلّى اللّه عليه و آله- و قد سأله‏ «3» سائل عن بعض أصحابه، فأجابه عن كلّ بصفته.

فقال: فعليّ؟

فقال- صلّى اللّه عليه و آله-: إنّما سألتني عن النّاس، و لم تسألني عن نفسي.

ثُمَّ نَبْتَهِلْ‏: بأن نلعن الكاذب منّا.

و البهلة (بالضّمّ و الفتح) اللّعنة. و أصله، التّرك. من قولهم: بهلت النّاقة، إذا تركتها بلاصرار.

و في كتاب معاني الأخبار «4»، بإسناده إلى عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر قال‏: التّبتّل، أن تقلب كفّيك في الدّعاء إذا دعوت. و الابتهال، أن تقدّمهما.

و تبسطهما «5».

و في أصول الكافي‏ «6»: [بإسناده إلى أبي إسحاق، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال‏: و الابتهال، رفع اليدين و تمّدهما «7». و ذلك عند الدّمعة.

______________________________
(1) نفس المصدر 1/ 176، ح 56.

(2) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(3) ر: سألتني.

(4) معاني الأخبار/ 370.

(5) المصدر: «تبسطهما و تقدّمهما» بدل «تقدّمهما و تبسطهما».

(6) الكافي 2/ 479، ضمن حديث 1. و في نسخة أ نقل هذا الحديث، قبل الحديث الآنف الذكر.

(7) هكذا في المصدر. و في الأصل ور: تمديدها.

118
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 61 الى 65] ص : 116

و بإسناده إلى مروك‏ «1» بيّاع اللؤلؤ، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال‏: و هكذا الابتهال- و مدّ يده تلقاء وجهه إلى القبلة- و لا تبتهل‏ «2» حتّى تجري الدّمعة.

عدّة من أصحابنا «3»، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن فضالة، عن العلا، عن محمّد بن مسلم قال: قال أبو عبد اللّه- عليه السّلام-: و الابتهال، تبسط يديك و ذراعيك [إلى السّماء] «4» و الابتهال، حين ترى أسباب البكاء.

و بإسناده إلى أبي بصير «5»، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال‏: و أمّا الابتهال، فرفع يديك تجاوز بهما رأسك.

و بإسناده إلى محمّد بن مسلم و زرارة «6» قالا: قال: أبو عبد اللّه- عليه السّلام-:

و الابتهال، أن تمدّ يدك جميعا.

و هذه الأحاديث طوال، أخذت منها موضع الحاجة.] «7»

عدّة من أصحابنا «8»، عن سهل بن زياد، عن إسماعيل بن مهران، عن مخلّد أبي الشّكر، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال‏: السّاعة الّتي تباهل فيها، ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس.

فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ‏ (61): عطف، فيه بيان.

و في كتاب الخصال‏ «9»: في احتجاج عليّ- عليه السّلام- على أبي بكر، قال: فأنشدك باللّه، أبي برز رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- و بأهلي‏ «10» و ولدي، في مباهلة المشركين من النّصارى، أم بك و بأهلك و ولدك؟

قال: بكم.

و فيه‏ «11»، أيضا، في مناقب أمير المؤمنين- عليه السّلام‏ «12»- و تعدادها، قال‏

______________________________
(1) هكذا في المصدر. و في الأصل ور: «سعد». و امّا بالنسبة إلى «مروك بيّاع اللؤلؤ» ر. تنقيح المقال 3/ 210، رقم 11664.

(2) المصدر: و لا يبتهل.

(3) نفس المصدر 2/ 480، ذيل حديث 4.

(4) نفس المصدر.

(5) نفس المصدر 2/ 480- 481، ضمن حديث 5.

(6) نفس المصدر 2/ 481، ذيل حديث 7.

(7) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(8) نفس المصدر 2/ 514، ح 2.

(9) الخصال/ 550، ضمن حديث 30.

(10) المصدر: بأهل بيتي.

(11) نفس المصدر/ 576، ضمن حديث 1.

(12) «أمير المؤمنين- عليه السّلام-» ليس في ر.

 

119
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 61 الى 65] ص : 116

- عليه السّلام-: و [أمّا] «1» الرّابعة و الثّلاثون، فإنّ النّصارى ادّعوا أمرا، فأنزل اللّه- عزّ و جلّ- فيه: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ [ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ.] «2» فكانت نفسي نفس رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- و النّساء فاطمة و الأبناء الحسن و الحسين، ثمّ ندم القوم، فسألوا رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- الإعفاء، فعفا عنهم و قال‏ «3»: و الّذي أنزل التّوراة على موسى و الفرقان على محمّد، لو باهلونا لمسخوا «4» قردة و خنازير.

[و في روضة الكافي‏ «5»: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد عن الحسن ابن ظريف، عن عبد الصّمد بن بشير، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال: قال لي أبو جعفر- عليه السّلام-: [يا أبا الجارود،] «6» ما يقولون لكم في الحسن و الحسين- عليهما السّلام-؟

قلت‏ «7»: ينكرون علينا أنّهما أبناء رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-.

قال: فأيّ‏ «8» شي‏ء احتججتم عليهم، يا أبا الجارود «9»؟

قلت: احتججنا عليهم بقول اللّه- تعالى- لرسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-:

فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

و في مجمع البيان‏ «10»: و قال- عليه السّلام-: إنّ كلّ بني بنت ينسبون إلى أبيهم إلّا أولاد فاطمة فإنّي أنا أبوهم.

في عيون الأخبار «11»، في باب جمل من أخبار موسى بن جعفر- عليه السّلام- مع‏

______________________________
(1) من المصدر.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: «فأعفاهم» بدل «فعفا عنهم و قال».

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: لمسخهم.

(5) الكافي 8/ 317، ضمن حدث 501.

(6) من المصدر.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: «قال قال» بدل: «قلت»

(8) كذا في المصدر. و في الأصل لا يقرأ. و لعلّ الصّواب: فبأيّ.

(9) «يا أبا الجارود» ليس في المصدر.

(10) مجمع البيان.-

(11) عيون أخبار الرضا 1/ 84- 85.

 

120
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 61 الى 65] ص : 116

هارون الرّشيد لمّا قال له: كيف تكونون ذرّيّة رسول اللّه و أنتم أولاد ابنته؟ حديث طويل يقول فيه- عليه السّلام- لهارون: أزيدك، يا أمير المؤمنين.

قال: هات.

قلت: قول اللّه- تعالى-: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ‏، و لم يدّع أحد أنّه أدخل النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- تحت الكساء عند المباهلة للنّصارى، إلّا عليّ بن أبي طالب و فاطمة و الحسن و الحسين، فكان تأويل قوله- عزّ و جلّ-: أبناءنا، الحسن و الحسين. و نساءنا، فاطمة. و أنفسنا، عليّ بن أبي طالب. على أنّ العلماء قد أجمعوا، على أنّ جبريل قال يوم أحد: يا محمّد، إنّ هذه لهي المواساة من عليّ.

قال: لأنّه منّي و أنا منه.

و فيه‏ «1»: في باب ذكر مجلس الرّضا- عليه السّلام- مع المأمون في الفرق بين العترة و الأمّة حديث طويل، و فيه قالت العلماء: فأخبرنا هل فسّر اللّه- تعالى- الاصطفاء في الكتاب؟

فقال الرّضا- عليه السّلام-: فسّر الاصطفاء في الظّاهر سوى الباطن في اثني عشر موطنا و موضعا، فأوّل ذلك قوله- عزّ و جلّ- إلى أن قال: و أمّا الثّالثة، فحين ميّز اللّه الطّاهرين من خلقه. فأمر نبيّه- صلّى اللّه عليه و آله- بالمباهلة بهم في آية المباهلة «2»، فقال- عزّ و جلّ-: يا محمّد، فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ.

فبرز «3» النّبي- صلّى اللّه عليه و آله- عليّا و الحسن و الحسين و فاطمة- صلوات اللّه عليهم- و قرن أنفسهم بنفسه، فهل‏ «4» تدرون ما معنى قوله: وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ‏؟

______________________________
(1) نفس المصدر 1/ 297، ح 53.

(2) هكذا في الأصل. و في المصدر: الابتهال.

(3) هكذا في المصدر. و في الأصل لا يقرأ. و لعلّ الصواب: فأبرز.

(4) الأصل: «بل». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

 

121
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 61 الى 65] ص : 116

قالت العلماء: عنى به نفسه.

فقال أبو الحسن- عليه السّلام-: غلطتم، إنّما عنى به عليّ بن أبي طالب- عليه السّلام- و ممّا يدلّ على ذلك قول النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- حين قال:

لينتهينّ بنو وليعة أو لأبعثنّ إليهم رجلا كنفسي، يعني عليّ بن أبي طالب- عليه السّلام.

و عنى بالأبناء، الحسن و الحسين- عليهما السّلام- و عنى بالنّساء، فاطمة- عليها السّلام- فهذه خصوصيّة لا يتقدّم فيها أحد، و فضل لا يلحقهم فيه بشر، و شرف لا يسبقهم إليه خلق، إذ جعل نفس عليّ كنفسه.

و فيه‏ «1»: عن النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- حديث طويل يقول فيه- عليه السّلام-: يا عليّ من قتلك فقد قتلني، و من أبغضك فقد أبغضني، و من سبّك فقد سبّني، لأنّك منّي كنفسي، روحك من روحي و طينتك من طينتي.

و في كتاب علل الشّرائع‏ «2»: عن أبي جعفر الثّاني، حديث طويل ذكرته بتمامه في سورة يونس، عند قوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍ‏ (الآية). و فيه أنّ المخاطب بذلك رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- و لم يكن في شكّ ممّا أنزل اللّه- عزّ و جلّ- و لكن قالت الجهلة: كيف لا يبعث‏ «3» اللّه‏ «4» إلينا نبيّا [من الملائكة، إنّه‏] «5» لم يفترق بينه و بين غيره في الاستغناء عن المأكل و المشرب و المشي في الأسواق؟

فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى نبيّه- صلّى اللّه عليه و آله-: فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ‏- بمحضر من الجهلة- هل بعث‏ «6» اللّه- عزّ و جلّ- رسولا قبلك إلّا و هو يأكل الطّعام و يمشي في الأسواق، و لك بهم أسوة.

و إنّما قال: و فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍ‏، و لم يكن‏ «7» و لكن ليتفهّم‏ «8»، كما قال- عليه السّلام- «9»:

______________________________
(1) نفس المصدر 1/ 297، ح 53.

(2) علل الشرائع/ 129، ح 1. و فيه: «علي بن محمد» بدل «أبي جعفر الثاني».

(3) هكذا في المصدر. و في الأصل: لا بعث.

(4) ليس في المصدر.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: هل يبعث.

(7) المصدر: و لم يقل.

(8) المصدر: ليتبعهم.

(9) المصدر: «كما قال له- صلى الله عليه و آله-» بدل «كما قال عليه السلام».

122
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 61 الى 65] ص : 116

فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ. و لو قال: تعالوا نبتهل فنجعل لعنة اللّه عليكم، لم يكونوا يجيبون للمباهلة. و قد عرف أنّ النّبيّ‏ «1»- صلّى اللّه عليه و آله- مؤدّي عنه رسالة و ما هو من الكاذبين، و كذلك عرف النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- أنّه صادق فيما يقول، و لكن أحبّ أن ينصف من نفسه.

و في تفسير العيّاشيّ‏ «2»: عن محمّد بن سعيد الأردنيّ‏ «3»، عن موسى بن محمّد بن الرّضا «4»، عن أخيه أبي الحسن- عليه السّلام‏ «5»- أنّه قال في هذه الآية: فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ‏، و لو قال: تعالوا نبتهل فنجعل لعنة اللّه عليكم، لم يكونوا يجيبون للمباهلة و قد علم أنّ نبيّه مؤدي عنه رسالاته، و ما هو من الكاذبين.

و فيه‏ «6» عن المنذر قال: حدّثنا عليّ- عليه السّلام- لمّا نزلت هذه الآية: فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ‏ (الآية) قال: فأخذ بيد فاطمة و عليّ و ابنيهما- عليهم السّلام- فقال رجل من اليهود «7»: لا تفعلوا فيصيبكم عنت الوجوه‏ «8»، فلم يدعوه‏ «9»] «10».

و في شرح الآيات الباهرة «11»: أنّ النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- صالحهم على ألفي حلّة و ثلاثين درعا و ثلاثين فرسا، و كتب [لهم‏] «12» بذلك كتابا، و رجعوا إلى بلادهم.

إِنَّ هذا، أي: ما قصّ من نبأ عيسى و مريم.

لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُ‏: بجملتها، خبر إنّ أو هو فصل، يفيد أنّ ما ذكره في شأن‏

______________________________
(1) المصدر: أن نبيّه.

(2) تفسير العياشي 1/ 176، ح 55.

(3) المصدر: «الأزديّ» بدل «الأردني». و قيل في هامشه: و في نسخة «الأردني».

(4) هكذا في المصدر. و في الأصل: عن موسى بن محمد بن محمد الرضا.

(5) هكذا في المصدر. و في الأصل: عن أخيه أبي الحسن الرضا- عليه السّلام-. و هو وهم و الظاهر: عن أخيه أبي الحسن الهادي- عليه السّلام- ر. تنقيح المقال 3/ 259.

(6) نفس المصدر 1/ 177، ح 58.

(7) المصدر: النصارى (اليهود خ ل)

(8) ليس في المصدر.

(9) هكذا في المصدر. و في الأصل: يداعوه.

(10) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(11) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط/ 40.

(12) من المصدر.

123
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 61 الى 65] ص : 116

عيسى و مريم حقّ، دون ما ذكروه، و ما بعده خبر، و اللّام دخلت فيه، لأنّه أقرب إلى المبتدأ من الخبر، و أصلها أن تدخل على المبتدأ، و هاهنا دخول إنّ عليه مانع، فأخّر.

وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ‏: زيادة «من» لزيادة الاستغراق، لتأكيد الرّدّ على النّصارى في تثليثهم.

وَ إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ: لا يساويه أحد في القدرة التّامّة، الْحَكِيمُ‏ (62): و لا في الحكمة البالغة ليشاركه في الألوهيّة.

فَإِنْ تَوَلَّوْا: عن التّوحيد، فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ‏ (63):

إيراد المظهر ليدل على أنّ التّولّي‏ «1» إفساد للدّين و الاعتقاد.

قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ‏:

قيل‏ «2»: يعمّ أهل الكتابين.

و قيل‏ «3»: يريد به وفد نجران، أو يهود المدينة تَعالَوْا إِلى‏ كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ‏: لا يختلف فيها الرّسل و الكتب، و هي:

أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ‏: أي: نوحّده بالعبادة.

وَ لا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً: لا نجعل له غيره شريكا في استحقاق العبادة.

وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ‏: و لا نقول: عزير بن اللّه، و لا المسيح بن اللّه. و لا نطيع الأحبار فيما أحدثوا من التّحريم و التّحليل، لأنّ كلا منهم بعضنا، بشر مثلنا.

و في مجمع البيان‏ «4»: و قد روى‏، لمّا نزلت هذه الآية قال عديّ بن حاتم: ما كنّا نعبدهم يا رسول اللّه.

فقال- صلّى اللّه عليه و آله-: أما كانوا يحلّون لكم و يحرّمون فتأخذون بقولهم؟

فقال: نعم.

فقال النّبيّ- عليه السّلام-: هو ذاك.

فَإِنْ تَوَلَّوْا: عن التّوحيد،

______________________________
(1) «أنّ التّولّي» ليس في أ.

2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 164.

(4) مجمع البيان 1/ 455.

124
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 61 الى 65] ص : 116

فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏ (64)، أي: لزمتكم الحجّة، فوجب عليكم أن تعترفوا و تسلّموا بأنّا مسلمون دونكم، كما يقول الغالب للمغلوب- في جدل و صراع أو غيرهما-: اعترف بأنّي أنا الغالب و سلّم لي الغلبة.

و يجوز أن يكون من باب التّعريض، و معناه: اشهدوا و اعترفوا بأنّكم كافرون، حيث تولّيتم عن الحقّ بعد ظهوره.

يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ‏: و يدّعي كلّ فريق أنّ إبراهيم كان على دينهم، اليهود تدّعي يهوديّته، و النّصارى نصرانيّته‏ وَ ما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ: الّتي ثبت بها اليهوديّة، وَ الْإِنْجِيلُ‏: الّذي ثبت به النّصرانيّة، إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ‏، أي: بعد إبراهيم، أنزلت التّوراة بعده بألف سنة، و الإنجيل بألفي سنة، فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلّا بعده بأزمنة متطاولة؟! أَ فَلا تَعْقِلُونَ‏ (65): حتّى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال. هكذا قاله المفسّرون، و في ما قالوه إشكال من وجهين: الأوّل:

أنّه يمكن أن يقال‏ «1» من قبل‏ «2» اليهود و النّصارى: إنّ كون إبراهيم منهم، لا يتوقّف على نزول التّوراة و الإنجيل في زمانه، لإمكان إيحاء اليهوديّة أو النّصرانيّة إليه، ثمّ إنزال التّوراة و الإنجيل على طبق ما أوحي إليه سابقا.

الثّاني: أنّه قد تواتر أنّ ابراهيم- عليه السّلام- كان مسلما- و قد دلّ عليه الآية- و شيعة، مع أنّ الإسلام و التّشيّع إنّما ثبت بالقرآن الّذي نزل‏ «3» بعده، فما هو جوابكم فهو جوابهم.

و الأظهر أنّ مضمون الآية- و اللّه أعلم- أنّ كلّا من اليهود و النّصارى، يدّعي أنّ إبراهيم كان على الدّين الّذي هم‏ «4» عليه الآن، من اليهوديّة «5» الّتي حدثت بعد التّوراة، و النّصرانيّة الّتي حدثت بعد الإنجيل بالتّحريف و التّبديل، فقال اللّه- تعالى-: لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ‏، و تدّعون أنّه كان على ما أنتم عليه الآن، و هو حدث بتحريفكم بعد إنزال التّوراة و الإنجيل [بعد إبراهيم بمدد متطاولة، و ما كان له أصل من اللّه، حتّى يحتمل‏

______________________________
(1) ر: يؤمن.

(2) أ: قبيل.

3 و 4- ليس في أ.

(5) ر: اليهوذا.

125
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 66 الى 77] ص : 126

 

أن يوحيه إلى إبراهيم، و يكون هو عليه قبل إنزال التّوراة و الإنجيل‏] «1» أ فلا تعقلون؟ و حينئذ لا يرد عليه شي‏ء من الإشكالين، و اللّه أعلم بحقيقة الحال.

ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ‏:

«ها»، حرف تنبيه، نبّهوا بها على حالهم، الّتي غفلوا عنها. و «أنتم»، مبتدأ.

و «هؤلاء»، خبره. و «حاججتم»، جملة أخرى مبيّنة للأولى، أي: أنتم هؤلاء الحمقى، و بيان حماقتكم أنّكم جادلتم فيما لكم به علم، ممّا وجدتموه في التّوراة و الإنجيل من نعت النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- عنادا، فلم تجادلون فيما لا علم لكم به، و لا ذكر له في كتابكم، من أنّ إبراهيم كان على اليهوديّة أو النّصرانيّة الّتي نحن عليها.

و قيل‏ «2»: هؤلاء، بمعنى: الّذين. و حاججتم، صلته.

و قيل‏ «3»: ها أنتم، أصله أ أنتم على الاستفهام، للتّعجيب من حماقتهم، فقلبت الهمزة هاء.

و قرء نافع و أبو عمرو «ها أنتم» حيث وقع بالمدّ، من غير همزة. و ورش، أقلّ مدّا.

و قنبل، بالهمزة «4» من غير ألف بعد الهاء. و الباقون، بالمدّ و الهمزة «5».

و البزّيّ، يقصر «6» المدّ على أصله‏ «7».

وَ اللَّهُ يَعْلَمُ‏: ما حاججتم فيه، أوله العلم.

وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ (66): أي: لا تعلمونه، أو لستم ممّن له العلم.

ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَ لا نَصْرانِيًّا:

بعد ما قرّر أنّ إبراهيم لم يكن على اليهوديّة و النّصرانيّة الّتي هم عليها الآن، نفى عنه اليهوديّة و النّصرانيّة مطلقا، و لمّا كان يوهم ذلك كونه على غير الحقّ، لأنّ أصل اليهوديّة و النّصرانيّة لم يكن غير حق‏ «8»، نفى ذلك الوهم بقوله:

وَ لكِنْ كانَ حَنِيفاً: مائلا عن العقائد الزّائغة.

في أصول الكافي‏ «9»: عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن عبد اللّه‏

______________________________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(2) أنوار التنزيل 1/ 165.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) المصدر: بالهمز.

(5) المصدر: الهمز.

(6) المصدر: بقصر.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) ر: على غير حقّ.

(9) لكافي 2/ 15، ح 1.

 

 

126
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 66 الى 77] ص : 126

ابن مسكان، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: حنيفا مسلما، قال: خالصا مخلصا ليس فيه‏ «1» شي‏ء من عبادة الأوثان.

مُسْلِماً: منقادا للّه فيما شرع له، لأنّ اليهوديّة صارت شرعا في أيّام موسى، و النّصرانيّة في بعثة عيسى، و لم يكونا مشروعين قبل ذلك، و المشروع حينئذ هو الإسلام.

و في تفسير العيّاشيّ‏ «2»: عن عبيد اللّه الحلبيّ‏ «3»، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال: قال: أمير المؤمنين- عليه السّلام-: ما كان إبراهيم يهوديّا و لا نصرانيّا. لا يهوديّا يصلّي إلى المغرب، و لا نصرانيّا يصلّي إلى المشرق، و لكن كان حنيفا مسلما على‏ «4» دين محمّد- صلّى اللّه عليه و آله-.

[وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏ (67): تعريض بأنّهم مشركون لإشراكهم به عزير و المسيح، و ردّ لا دعاء المشركين أنّهم على ملّة إبراهيم.

و في روضة الكافي‏ «5»: عليّ بن محمّد، عن عليّ بن عبّاس، عن عليّ بن حمّاد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال‏: لا شرقيّة و لا غربيّة، يقول: [لستم‏] «6» بيهود فتصلّوا قبل المغرب و لا نصارى فتصلّوا قبل المشرق، و أنتم على ملّة إبراهيم- صلّى اللّه عليه و آله- و قد قال- عزّ و جلّ-: ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَ لا نَصْرانِيًّا وَ لكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.] «7»

إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ‏: أي: أقربهم به. من الوليّ بمعنى: القرب.

لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ‏: من أمّته، وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا: لموافقتهم له في أكثر ما شرع لهم. و المراد بالّذين آمنوا، هم الأئمّة و أتباعهم.

[وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ‏ (68): ينصرهم و يجازيهم الحسنى بإيمانهم.] «8»

______________________________
(1) أ: منه.

(2) تفسير العياشي 1/ 177، ح 60.

(3) النسخ: «عبد اللّه الحلبي». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر. و هو عبيد اللّه بن عليّ بن أبي شعبة الحلبي. ر. رجال النجاشي/ 230، رقم 612.

(4) المصدر: [يقول كان على‏] بدل «على».

(5) الكافي 8/ 381، ضمن حديث 574.

(6) من المصدر.

(7) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(8) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

127
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 66 الى 77] ص : 126

في أصول الكافي‏ «1»: الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشاء، عن مثّنى، عن عبد اللّه بن عجلان، عن أبي جعفر- عليه السّلام- في قوله تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا. قال: هم الأئمّة- عليهم السّلام- و من اتّبعهم.

و في تفسير العيّاشيّ‏ «2»: عن عليّ بن النّعمان، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- [في قوله‏ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ‏] «3» قال: هم الأئمّة و أتباعهم.

و في مجمع البيان‏ «4»: قال‏ «5» أمير المؤمنين عليّ‏ «6»- عليه السّلام-: إنّ أولى النّاس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤوا به، ثمّ تلا هذه الآية، و قال: إنّ وليّ محمّد من أطاع اللّه و إن بعدت لحمته، و إنّ عدوّ محمّد من عصى اللّه و إن قربت قرابته.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ «7»: حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن عمر بن يزيد «8» قال‏ «9»: قال أبو عبد اللّه- عليه السّلام-: أنتم و اللّه من آل محمّد.

فقلت: من أنفسهم جعلت فداك؟

قال: نعم و اللّه من أنفسهم- ثلاثا- ثمّ نظر إليّ و نظرت إليه، فقال: يا عمر، إنّ اللّه يقول في كتابه: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ.

و فيه‏ «10»: في حديث طويل [عن النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله-] «11» و فيه يقول- صلّى اللّه عليه و آله-: ثمّ صعدنا إلى السّماء السّابعة «12»، فما مررت بملك من الملائكة إلّا قالوا: يا محمّد احتجم و أمر أمّتك بالحجامة، و إذا فيها رجل أشمط الرّأس و اللّحية جالس‏

______________________________
(1) الكافي 1/ 416، ح 20.

(2) تفسير العياشي 1/ 177، ح 62.

(3) من المصدر.

(4) مجمع البيان 1/ 458.

(5) المصدر: قول.

(6) «علّي» ليس في المصدر.

(7) تفسير القمي 1/ 105.

(8) النسخ: عمر بن زيد. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(9) ليس في المصدر.

(10) نفس المصدر 2/ 9.

(11) من أ.

(12) أ: الرابعة.

 

128
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 66 الى 77] ص : 126

على كرسيّ، فقلت: يا جبرئيل، من هذا الّذي في السّماء السّابعة، على باب البيت المعمور، في جوار اللّه؟

فقال: هذا يا محمّد «1» أبوك إبراهيم، و هذا محلّك، و محلّ من اتّقى من أمّتك. ثمّ قرأ رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ.

حدّثني أبي‏ «2»، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن أبي خالد الكابليّ قال: قال أبو جعفر- عليه السّلام-: و اللّه لكأنّي أنظر إلى القائم- عليه السّلام- و قد أسند ظهره إلى الحجر، ثمّ ينشد اللّه حقّه، ثمّ يقول: يا أيّها النّاس من يحاجّني في اللّه فأنا أولى باللّه، أيّها النّاس من يحاجّني في آدم‏ «3» فأنا أولى بآدم، أيّها النّاس من يحاجّني في نوح فأنا أولى بنوح، أيّها النّاس من يحاجّني في إبراهيم‏ «4» فأنا أولى بإبراهيم.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

و في نهج البلاغة «5»: من كتاب له- عليه السّلام- إلى معاوية جوابا: و كتاب اللّه يجمع لنا ما شذّ عنّا، و هو قوله سبحانه: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ‏، و قوله تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ. فنحن مرّة أولى بالقرابة، و تارة أولى بالطّاعة.

و في كتاب الاحتجاج‏ «6»، للطّبرسيّ- رحمه اللّه- خطبة لعليّ- عليه السّلام- و فيها: قال اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُ‏، و قال- عزّ و جلّ-: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ. فنحن أولى النّاس بإبراهيم، و نحن ورثناه، و نحن أولو الأرحام الّذين ورثنا الكعبة، و نحن آل إبراهيم‏ «7».

وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ‏: قيل‏ «8»: نزلت في اليهود، لمّا دعوا

______________________________
(1) «يا محمد» ليس في المصدر.

(2) نفس المصدر 2/ 205.

(3) هكذا في المصدر: و في النسخ: بآدم.

(4) أ: بإبراهيم.

(5) نهج البلاغة/ 378، ضمن رسالة 28.

(6) الاحتجاج 1/ 324.

(7) يوجد في أ بعد هذه العبارة: «و اللّه وليّ المؤمنين ينصرهم و يجازيهم الحسنى بايمانهم.» و هي مشطوب في الأصل.

(8) أنوار التنزيل 1/ 166.

129
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 66 الى 77] ص : 126

حذيفة و عمّار أو معادا «1» إلى اليهوديّة.

و «لو»، بمعنى: أن.

وَ ما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ‏: و ما يتخطّاهم الإضلال و لا يعود و باله إلّا عليهم، إذ يضاعف به عذابهم. أو يزيد به ضلالتهم و رسوخهم فيها. أو ما يضلّون إلّا أمثالهم.

وَ ما يَشْعُرُونَ‏ (69): وزره و اختصاص ضرره بهم.

يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ‏: الدّالّة على نبوّة محمّد- صلّى اللّه عليه و آله- ممّا نطقت به التّوراة و الإنجيل.

وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ‏ (70): أنّها آيات اللّه، أو بالقرآن. أو أنتم تشهدون نعته في الكتابين، أو تعلمون بالمعجزات أنّه حقّ.

يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ‏: بالتّحريف و إبراز الباطل في صورة الحقّ، أو بالتّقصير في الميز بينهما.

و قرئ: «تلبّسون» بالتّشديد. و «تلبسون»: بفتح الباء «2».

وَ تَكْتُمُونَ الْحَقَ‏ من نبوّة محمّد- صلّى اللّه عليه و آله، وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏ (71): عالمين بما تكتمونه، أو أنتم من أهل العلم.

وَ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ: أوّله، وَ اكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏ (72)، أي: لعلّهم يشكّون في دينهم، ظنّا بأنّكم رجعتم لخلل ظهر لكم.

قيل‏ «3»: المراد بالطّائفة، اثنا عشر من أحبار خيبر، تقاولوا بأن يدخلوا في الإسلام أوّل النّهار و يقولوا آخره: نظرنا في كتابنا و شاورنا علماءنا فلم نجد محمّدا بالنّعت الّذي ورد في التّوراة، لعلّ أصحابه يشكّون فيه.

و قيل‏ «4»: كعب بن الأشرف و مالك بن الضّيف‏ «5» قالا لأصحابهما لمّا حوّلت‏

______________________________
(1) هكذا في النسخ و المصدر. و لعلّ الصّواب: عمّار و معاذ.

2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) نفس المصدر و الموضع، بتقديم و تأخير بالقيل الأولى على الثانية.

(5) هكذا في النسخ و في بعض طبعات أخرى من المصدر. و في المصدر: مالك بن الصيف.

130
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 66 الى 77] ص : 126

القبلة: آمنوا بما أنزل عليهم من الصّلاة إلى الكعبة و صلّوا إليها أوّل النّهار ثمّ صلّوا إلى الصّخرة آخره، لعلّهم يقولون: هم أعلم منّا و قد رجعوا، فيرجعون.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ «1»: قوله: وَ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَ اكْفُرُوا آخِرَهُ [لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏] «2» قال: نزلت في قوم من اليهود قالوا: آمنّا بالّذي جاء [به‏] «3» محمّد بالغداة، كفرنا «4» به بالعشيّ.

و في رواية أبي الجارود «5»، عن أبي جعفر- عليه السّلام- في قوله: وَ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَ اكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. فإنّ‏ «6» رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- لمّا قدم المدينة و هو يصلّي نحو بيت المقدس أعجب ذلك اليهود «7»، فلمّا صرفه اللّه عن بيت المقدس إلى بيت اللّه الحرام وجدت‏ «8» اليهود من ذلك‏ «9»، و كان صرف القبلة صلاة الظّهر، فقالوا: صلّى محمّد الغداة و استقبل قبلتنا، فآمنوا بالّذي أنزل على محمّد وجه النّهار و اكفروا آخره، يعنون، القبلة حين استقبل رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- المسجد الحرام، لعلّهم يرجعون إلى قبلتنا.

وَ لا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ‏: أي: لا تقرّوا عن قصد قلب إلّا لأهل دينكم.

أو لا تظهروا إيمانكم وجه النّهار إلّا لمن كان على دينكم، فإنّ رجوعهم أرجى.

قُلْ إِنَّ الْهُدى‏ هُدَى اللَّهِ‏: يهدي من يشاء إلى الإيمان و يثبّته.

أَنْ يُؤْتى‏ أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ‏: تعليل لمحذوف، أي: دبّرتم و قلتم ذلك لأجل أن يؤتى، أي: الحسد حملكم على ذلك. أو بلا تؤمنوا على المعنى الثّاني، أي: لا تظهروا إيمانكم للمسلمين لئّلا يزيد ثباتهم، أو للمشركين فيدعوهم إلى الإسلام.

و على هذا قوله: إنّ الهدى- الخ- اعتراض، يدلّ على أنّ كيدهم لا يجدي.

و يحتمل أن يكون خبر «إنّ» و «هدى اللّه» بدلا من الهدى.

و قرأ ابن كثير «أأن يؤتى» على الاستفهام للتّقريع و قرئ على «إن» النّافية، فيكون من كلام الطّائفة «10».

______________________________
(1) تفسير القمي 1/ 105.

2 و 3- من المصدر.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: كفروا.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) المصدر: أنّ.

(7) المصدر: «اليهود من ذلك» بدل «ذلك اليهود».

(8) وجدت: حزنت.

(9) «اليهود من ذلك» ليس في المصدر.

(10) أنوار التنزيل 1/ 167.

131
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 66 الى 77] ص : 126

أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ‏: عطف «على يؤتى» «1» على الوجهين الأوّلين، و على الثّالث، معناه: حتّى يحاجّوكم، يعني: إنّ هدى اللّه أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم حتّى يقدر على محاجّتكم. و الواو، ضمير «لأحد» لأنّه في معنى الجمع.

قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ: لا ينفع في جلبه أمثال هذه التّدابير.

وَ اللَّهُ واسِعٌ‏: الفضل.

عَلِيمٌ‏ (73): بمن يصلح له الفضل.

يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ: من غير استيجاب سابق منه.

وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ‏ (74): و فضله عظيم، أعظم ممّا حصل لكم من الحطام الحقير، الّذي اكتسبتموه بالتّحريف و الكتمان و الكفر.

وَ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ‏:

نقل‏ «2»: أنّ عبد اللّه بن سلام استودعه قرشي ألفا و مائتي أوقيّة ذهبا فأدّاه إليه.

وَ مِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ‏:

نقل‏ «3»: أنّ فنحاص بن عازوراء استودعه قرشيّ آخر دينارا، فجحده.

و قيل‏ «4»: المأمونون على الكثير النّصارى، إذ الغالب فيهم الأمانة. و الخائنون في القليل اليهود، إذ الغالب عليهم الخيانة.

و قرأ حمزة و ابو بكر و أبو عمر «و يؤدّه [إليك و لا يؤدّه إليك»] «5» بإسكان الهاء.

و قالون، باختلاس [كسرة] «6» الهاء. [و كذا روى عن حفص.] «7» و الباقون، بإشباع الكسرة «8» إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً: أي: إلّا أن تأخذه منه قبل المفارقة.

ذلِكَ‏: أي: ترك الأداء المذكور.

بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ‏: أي بسبب قولهم و اعتقادهم أن «ليس علينا» في شأن من ليس من أهل الكتاب و على ديننا، سبيل و عقاب.

______________________________
(1) «على يؤتى» ليس في الأصل و يوجد في أو أنوار التنزيل- أيضا.

(2) أنوار التنزيل 1/ 167.

3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) من المصدر.

6 و 7- من المصدر.

(8) نفس المصدر و الموضع.

132
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 66 الى 77] ص : 126

وَ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ‏: بقول ذلك.

وَ هُمْ يَعْلَمُونَ‏ (75): أنّهم كاذبون.

و قيل‏ «1»: عامل اليهود رجالا من قريش، فلمّا أسلموا تقاضوهم، فقالوا، سقط حقّكم حيث تركتم دينكم، و زعموا أنّه كذلك في كتابهم.

و في مجمع البيان‏ «2»: روي عن النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- أنّه لما قرأ هذه الآية قال: كذب اعداء اللّه، ما من شي‏ء كان في الجاهلية إلّا و هو تحت قدمي، إلّا الأمانة فإنّها مؤدّاة إلى البّر و الفاجر.

بَلى‏: إثبات لما نفوه، أي: بلى عليهم سبيل.

مَنْ أَوْفى‏ بِعَهْدِهِ وَ اتَّقى‏ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ‏ (76): استئناف مقرّر للجملة الّتي سدّت «بلى» مسدّها. و الضّمير مجرور بإضافة العهد من الإضافة إلى الفاعل لو رجع إلى «من»، و من الإضافة إلى الفاعل أو المفعول لو رجع إلى اللّه و عموم المتّقين، ناب الرّاجع من الجزاء إلى «مَن». و أشعر بأنّ التّقوى ملاك الأمر، و هو يعمّ الوفاء و غيره، من أداء الواجبات و الاجتناب عن المناهي.

إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ‏: يستبدلون، بِعَهْدِ اللَّهِ‏: بما عهد اللّه عليهم، أو بما عاهدوا اللّه عليه، من الإيمان بالرّسول و أداء الأمانات.

وَ أَيْمانِهِمْ‏: و بما حلفوا به من قولهم: و اللّه لنؤمننّ به و لننصرنّه.

و في مجمع البيان‏ «3»، و في تفسير الكلبيّ: عن ابن مسعود قال: سمعت رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- يقول‏: من حلف على يمين كاذبة ليقطع به مال أخيه المسلم، لقى اللّه و هو عليه غضبان. و تلا هذه الآية.

ثَمَناً قَلِيلًا: متاع الدّنيا من الرّئاسة، و أخذ الرشوة، و الذّهاب بمال أخيهم المسلم، و نحو ذلك.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ «4»: و قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا قال: يتقرّبون إلى النّاس بأنّهم مسلمون، فيأخذون منهم و يخونون، و ما هم بمسلمين‏ «5»

______________________________
(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) مجمع البيان 1/ 463.

(3) مجمع البيان 1/ 464، مع بعض الاختلاف.

(4) تفسير القمي 1/ 106.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: «فيأخذوه منهم و يخوفون و بالمسلمين» بدل «فيأخذون منهم و يخونون و ما هم بمسلمين».

133
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 66 الى 77] ص : 126

على الحقيقة.

و في أمالي شيخ الطّائفة «1»- قدّس سرّه- بإسناده إلى أبي وائل، عن أبي عبد اللّه عن النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- قال‏: من حلف على يمين يقطع‏ «2» بها مال أخيه، لقى اللّه- عزّ و جلّ- و هو عليه غضبان. فأنزل اللّه- عزّ و جلّ- تصديق ذلك في كتابه: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا.

قال فبرز الأشعث بن قيس فقال: فيّ نزلت، خاصمت إلى رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- [فقضى عليّ باليمين.] «3»

أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ:

[في عيون الأخبار «4»: عن الرّضا- عليه السّلام- حديث طويل- في تعداد الكبائر و بيانها من كتاب اللّه- و فيه يقول الصّادق- عليه السّلام-: و اليمين الغموس، لأنّ اللّه تعالى يقول: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ.

و في كتاب الخصال‏ «5»: عن الحسن بن علي- عليهما السّلام- [قال‏:] «6» الناس أربعة: فمنهم من له خلق و لا خلاق له، و منهم من له خلاق و لا خلق له، و منهم من لا خلق له و لا خلاق فذلك من شرّ الناس، و منهم من له خلق و خلاق. فذلك من‏ «7» خير النّاس‏] «8»

في أصول الكافي‏ «9»: عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزّاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر- عليه السّلام- حديث طويل يقول فيه- عليه السّلام-: و أنزل في العهد:

______________________________
(1) أمالي الطوسي 1/ 368.

(2) المصدر: «يقتطع». و هو أبلغ و إن كان «يقطع»- أيضا- صحيح.

(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(4) عيون أخبار الرضا 1/ 287، ضمن حديث 33.

(5) الخصال/ 236، ح 77.

(6) من المصدر.

(7) ليس في المصدر.

(8) ما بين المعقوفتين ليس في «أ».

(9) الكافي 2/ 32، ضمن حديث 1.

 

134
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 66 الى 77] ص : 126

إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ‏ (الآية) و الخلاق النّصيب، فمن لم يكن له نصيب [في الآخرة] «1» فبأيّ شي‏ء يدخل الجنّة؟

وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ‏ بما يسرّهم. أو بشي‏ء أصلا، و يسألهم الملائكة يوم القيامة. أو لا ينتفعون بكلمات اللّه و آياته‏ «2». أو كناية عن غضبه عليهم.

وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ: فإنّ من سخط على غيره أعرض عن التكلّم‏ «3» معه و النّظر إليه، كما أنّ من اعتدّ بغيره تقاوله‏ «4» و يكثر النّظر إليه.

و في كتاب التّوحيد «5»، عن أمير المؤمنين- عليه السّلام- و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات-: و أمّا قوله: وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [يخبر] «6» أنّه لا يصيبهم بخير، و قد تقول العرب: و اللّه ما ينظر إلينا فلان، و إنّما يعنون بذلك [أنّه‏] «7» لا يصيبنا منه بخير، فذلك النّظر هاهنا من اللّه تبارك و تعالى إلى خلقه، فنظره إليهم رحمة [منه‏] «8» لهم.

وَ لا يُزَكِّيهِمْ‏:

قيل‏ «9»: و لا يثني عليهم.

و في تفسير الإمام‏ «10»: وَ لا يُزَكِّيهِمْ‏ من ذنوبهم.

و قد مرّ.

وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (77): على ما فعلوا.

قيل‏ «11»: [إنّها] «12» نزلت في أحبار حرّفوا التّوراة، و بدّلوا نعت محمّد- صلّى اللّه عليه و آله- و حكم الأمانات و غيرهما، و أخذوا على ذلك رشوة.

و قيل‏ «13»: [نزلت‏] «14» في رجل أقام سلعة في السّوق، فحلف لقد اشتراها بما لم يشترها به. و قيل‏ «15»: [نزلت‏] «16» في ترافع كان بين أشعث بن قيس و يهوديّ في بئر و أرض، و توجّه الحلف على اليهوديّ.

______________________________
(1) من المصدر.

(2) أ: و.

(3) أ: الكلام.

(4) أ: لمقاولة.

(5) التوحيد/ 265، ضمن حديث 5.

6 و 7 و 8- من المصدر.

(9) أنوار التنزيل 1/ 168.

(10) تفسير العسكري/ 246.

(11) أنوار التنزيل 1/ 168.

(12) من المصدر.

(13) نفس المصدر و الموضع.

(14) من المصدر.

(15) نفس المصدر و الموضع.

(16) من المصدر.

135
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 66 الى 77] ص : 126

و في أمالي شيخ الطّائفة «1»- قدّس سرّه-، بإسناده إلى أبي وائل، عن عبد اللّه عن النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- قال‏: من حلف على يمين ليقطع بها مال أخيه، لقى اللّه- عزّ و جلّ- و هو عليه غضبان. فأنزل اللّه- عزّ و جلّ- تصديق ذلك في كتابه: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا.

قال‏ «2»: فبرز الأشعث بن قيس فقال: فيّ نزلت، خاصمت‏ «3» إلى رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- [فقضى عليّ باليمين.] «4»

[و فيه‏ «5»: عن وهب بن حريز قال: حدّثني أبي قال: سمعت عديّ بن عديّ يحدّث عن رجاء بن حيوة و العرس بن عميرة قال: حدّثني عن عديّ بن عديّ، عن أبيه قال‏:

اختصم امرؤ القيس و رجل من حضر موت إلى رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-] «6» في أرض [فقال: إنّ هذا ابتزّ عليّ أرضي في الجاهليّة] «7».

فقال‏ «8» [رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-:] «9» أ لك بيّنة؟

فقال‏ «10»: لا.

قال: فيمينه.

قال: إذا و اللّه يذهب‏ «11» بأرضي.

فقال‏ «12»: إن ذهب بأرضك [بيمينه‏] «13» كان ممّن لا ينظر اللّه إليه يوم القيامة، و لا يزكّيه و له عذاب أليم.

[و في عيون الأخبار «14»: عن الرّضا قال: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-:

______________________________
(1) أمالي الطوسي 1/ 368.

(2) ليس في الأصل ور. بل يوجد في المصدر و أ.

(3) ر و أ: خاصّة.

(4) هكذا تكملة الحديث في المصدر، كما مرّ آنفا.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) و هكذا صدر الحديث في المصدر من دون لفظ «و فيه». و هو من عندنا. و لسقوط تلك التكملة و هذا الصدر خلط و التقط بين الحديثين المذكورين في المتن، في النسخ.

(7) ليس في المصدر.

(8) المصدر: قال.

(9) ليس في المصدر.

(10) المصدر: قال.

(11) النسخ: «يذهب و اللّه» بدل «إذا و اللّه يذهب.» و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(12) المصدر: قال.

(13) من المصدر.

(14) عيون أخبار الرضا 2/ 34، ح 65.

 

136
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 66 الى 77] ص : 126

حرّمت الجنّة على من ظلم أهل بيتي، و على من قاتلهم، و على المعين [عليهم،] «1» و على من سبّهم، أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏.

و في أصول الكافي، «2» إلى ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد اللّه- عليه السّلام- يقول‏: ثلاثة لا ينظر [اللّه‏] «3» إليهم يوم القيامة و لا يزكيهم و لهم عذاب أليم: من ادّعى إمامة من اللّه ليست له، و من جحد إماما من اللّه، و من زعم أنّ لهما في الإسلام نصيبا.

عليّ بن محمّد «4»، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزّاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر- عليه السّلام- حديث طويل يقول فيه- عليه السّلام-: و أنزل في العهد إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ و الخلاق النّصيب. فمن لم يكن له نصيب في الآخرة فبأي شي‏ء يدخل الجنّة؟

محمّد بن جعفر «5»، عن محمّد بن عبد الحميد، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- عليه السّلام- قال: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-: ثلاثة لا يكلّمهم اللّه و لا ينظر إليهم يوم القيامة و لا يزكّيهم و لهم عذاب أليم: شيخ زان، و ملك جبّار، و مقلّ‏ «6» مختال.

و في الكافي‏ «7»، بإسناده إلى محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال‏:

ثلاثة لا يكلّمهم اللّه يوم القيامة و لا يزكّيهم و لهم عذاب أليم: الشّيخ الزّاني، و الدّيّوث، و المرأة توطئ فراش زوجها.

و بإسناده: إلى محمّد بن مسلم‏ «8»، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال‏: ثلاثة لا يكلّمهم اللّه و لا يزكّيهم و لهم عذاب أليم، منهم المرأة توطئ فراش زوجها.

______________________________
(1) من المصدر.

(2) الكافي 1/ 374، ح 12.

(3) من المصدر.

(4) نفس المصدر 2/ 32، ضمن حديث 1 و أوله في ص 28.

(5) نفس المصدر 2/ 311 ح 14.

(6) هكذا في المصدر. و في الأصل: مصل.

(7) نفس المصدر 5/ 537، ح 7.

(8) نفس المصدر 5/ 543، ح 1.

137
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 66 الى 77] ص : 126

و في من لا يحضره الفقيه‏ «1»، و روى محمّد بن أبي عمير، عن أبي إسحاق بن هلال‏ «2»، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- أنّ أمير المؤمنين- عليه السّلام- قال‏: ألا أخبركم بأكبر الزّنا؟

قالوا: بلى.

قال: هي امرأة توطئ فراش زوجها، فتأتي بولد من غيره، فتلزمه زوجها، فتلك الّتي لا يكلّمها اللّه و لا ينظر إليها يوم القيامة و لا يزكّيها و لها عذاب أليم.

و في مجمع البيان‏ «3»: و في تفسير الكلبيّ، عن ابن مسعود قال: سمعت رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- يقول‏: من حلف على يمين كاذبة ليقطع بها مال أخيه المسلم، لقي اللّه و هو عليه غضبان. و تلا هذه الآية.

و في كتاب الخصال‏ «4»، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه- عليه السّلام- يقول‏: ثلاثة لا يكلّمهم اللّه يوم القيامة و لا ينظر إليهم و لا يزكّيهم و لهم عذاب أليم: النّاتف شيبه، و النّاكح نفسه، و المنكوح في دبره.

عن الأعمش‏ «5»، عن صالح‏ «6»، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-: ثلاثة لا يكلّمهم اللّه يوم القيامة و لا يزكّيهم و لهم عذاب أليم: رجل بايع إماما لا يبايعه إلّا للدّنيا إن أعطاه منها ما يريد و في له و إلّا لم يبق‏ «7»، و رجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف باللّه لقد أعطي بها كذا و كذا فصدّقه فأخذها و لم يعط فيها ما قال، و رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه ابن السّبيل.

و في تفسير العيّاشيّ‏ «8»: عن أبي حمزة الثّماليّ، عن عليّ بن الحسين- عليهما السّلام- قال‏: ثلاثة لا يكلّمهم اللّه يوم القيامة [و لا ينظر إليهم‏] «9» و لا يزكّيهم و لهم عذاب أليم: من جحد إماما، أو ادّعى إماما من غير اللّه، أو زعم أنّ لفلان و فلان في الإسلام نصيبا.

______________________________
(1) من لا يحضره الفقيه 3/ 376، ح 1775.

(2) المصدر: إسحاق بن هلال.

(3) مجمع البيان 1/ 464.

(4) الخصال/ 106، ح 68.

(5) نفس المصدر/ 107، ح 70.

(6) المصدر: أبي صالح.

(7) كذا في الأصل. و في المصدر: «كف» بدل «لم يبق». و الظاهر: لم يف.

(8) تفسير العياشي 1/ 178، ح 65.

(9) من المصدر.

138
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 66 الى 77] ص : 126

و عن محمّد الحلبيّ‏ «1» قال: قال أبو عبد اللّه- عليه السّلام- ثلاثة لا ينظر اللّه إليهم يوم القيامة و لا يزكّيهم و لهم عذاب أليم: الدّيّوث من الرّجال، و الفاحش المتفحّش، و الّذي يسأل النّاس و في يده ظهر غنى.

و عن السّكونيّ‏ «2»، عن جعفر بن محمّد عن أبيه- عليهم السّلام- قال: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-: ثلاثة لا ينظر اللّه إليهم يوم القيامة و لا يزكّيهم و لهم عذاب أليم: المرخي ذيله من العظمة، و المزكّي سلعته بالكذب، و رجل استقبلك بودّ صدره فيواري و قلبه ممتلئ غشّا.

و في شرح الآيات الباهرة «3»] «4» و في كتاب مصباح الأنوار للشّيخ الطّوسيّ- رحمه اللّه-: بإسناده إلى محمّد بن إسماعيل قال: حدّثنا أبو الحسن المثنّى قال: حدّثنا عليّ بن مهرويه‏ «5» قال: حدثنا داود بن سليمان الغازي قال: حدّثنا عليّ بن موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر، عن أبيه محمّد، عن أبيه عليّ، عن أبيه الحسين، عن أبيه عليّ بن أبي طالب- عليه السّلام- قال: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-: حرّم اللّه الجنّة على ظالم أهل بيتي، و قاتلهم، و شانئهم‏ «6»، و المعين عليهم. ثمّ تلا هذه الآية: أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ (الآية) «7».

و في معنى هذا التأويل‏

ما رواه الشّيخ محمّد بن يعقوب- رحمه اللّه‏ «8»- قال: روى عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الوشّاء، عن داود الحمار «9»، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- أنّه قال‏: ثلاثة لا يكلّمهم اللّه و لا ينظر إليهم يوم القيامة و لا يزكّيهم‏ «10» و لهم عذاب أليم: من ادّعى إمامة ليست له من اللّه، و من جحد إماما من اللّه،

______________________________
(1) نفس المصدر 1/ 178- 179، ح 67.

(2) نفس المصدر 1/ 179، ح 69.

(3) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 41.

(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: على بن مردويه. ر. تنقيح المقال 2/ 310، رقم 8533.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: سابيهم.

(7) هكذا في المصدر. و في النسخ: «هذا المعنى» بدل «معنى هذا التأويل».

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) هكذا في المصدر. و في النسخ: داود الحماد. و الظاهر أنّه «داود بن سليمان». ر. تنقيح المقال 1/ 407، رقم 3831.

(10) ليس في ر.

 

139
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 78 الى 81] ص : 140

 

و من زعم أنّ لهما في الإسلام نصيبا.

وَ إِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ‏: يفتلونها بقراءته، فيميلونها عن المنزل الى المحرّف. أو يعطفونها بشبه الكتاب. من لواه يلويه، فتله و ثناه.

و قرأ ابن كثير «يلوون» على قلب الواو المضمومة همزة، ثمّ تخفيفها بحذفها، و إلقاء حركتها على السّاكن قبلها «1».

لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَ ما هُوَ مِنَ الْكِتابِ‏:

الضّمير للمحرّف، المدلول عليه بقوله: يلوون.

و قرئ بالياء، و الضّمير أيضا للمسلمين‏ «2».

وَ يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ ما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ‏: تأكيد لقوله: ما هُوَ مِنَ الْكِتابِ‏ و زيادة تشنيع عليهم و بيان، لأنّهم يقولون ذلك تصريحا لا تعريضا.

قال البيضاويّ‏ «3»: و هذا لا يقتضي أن لا يكون فعل العبد فعل اللّه تعالى.

و غرضه أنّه ليس في هذا ردّ لمذاهب الأشاعرة، و فيه: أنّه لو كان فعل‏ «4» العبد فعل اللّه، لزم الكذب في قوله، وَ ما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ‏، لأنّه على هذا التّقرير كلّ مفترياتهم من عند اللّه و من فعله، و اختصاصهم بكونهم كاسبين له و مباشرين لاتّصافه، لا يمنع صدق كونه من عند اللّه عليه، و إن صحّح إضافته إليهم‏ «5».

[و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ «6»: قوله: وَ إِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَ ما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَ يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ ما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ‏ قال: كان اليهود يقرءون‏ «7» شيئا ليس في التوراة، و يقولون: هو في التّوراة، فكذّبهم اللّه.] «8»

______________________________
(1) أنوار التنزيل 1/ 168. من دون ذكر «قرأ ابن كثير»، بل: «قرئ».

2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) أ: فعل اللّه.

(5) ليس في ر.

(6) تفسير القمي 1/ 106.

(7) المصدر: يقولون.

(8) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

 

140
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 78 الى 81] ص : 140

وَ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ‏ (78): تسجيل‏ «1» عليهم بالكذب على اللّه، و التّعمّد فيه.

عن ابن عباس: هم اليهود الّذين قدموا على كعب بن الأشرف، و غيّروا التّوراة و كتبوا كتابا بدّلوا فيه صفة النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- ثمّ أخذت قريظة ما كتبوه، فخلطوه بالكتاب الّذي عندهم.

ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ‏: ردّ لعبدة عيسى.

و في مجمع البيان‏ «2»: قيل‏: إنّ أبا رافع القرظيّ و رئيس وفد نجران قالا «3»: يا محمّد، أ تريد أن نعبدك و نتّخذك ربّا «4»؟

فقال: معاذ اللّه أن يعبد «5» غير اللّه أو آمر بعبادة غير اللّه‏ «6»، فما «7» بذلك بعثني و لا بذلك أمرني. فأنزل اللّه الآية «8».

و في البيضاويّ‏ «9»- و قيل‏: قال رجل: يا رسول اللّه نسلّم عليك كما يسلّم بعضنا على بعض‏ «10»، أفلا نسجد لك؟

قال: لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون اللّه، و لكن أكرموا نبيّكم و اعرفوا الحقّ لأهله.

وَ لكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ‏، أي: و لكن يقول ذلك.

و الرّبّانيّ، منسوب إلى الرّبّ، بزيادة الألف و النون، كاللّحيانيّ و الرّقبانيّ، و هو الشّديد التّمسّك بدين اللّه و طاعته.

______________________________
(1) أ: يستحيل.

(2) مجمع البيان 1/ 466.

(3) النسخ: «السيد البحراني قال» بدل «رئيس وفد نجران قالا.» و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(4) المصدر: إلها.

(5) المصدر: أعبد.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: «و أن نأمر بغير عبادة اللّه» بدل أو آمر بعبادة غير اللّه.

(7) المصدر: ما.

(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: «فنزلت» بدل «فأنزل اللّه الآية».

(9) أنوار التنزيل 1/ 168.

(10) هكذا في المصدر. و في النسخ: «بعضنا بعضا» بدل «بعضنا على بعض».

141
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 78 الى 81] ص : 140

بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَ بِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ‏ (79): بسبب كونكم معلّمين الكتاب و دارسين له، فإنّ فائدة التّعليم و التّعلّم معرفة الحقّ و الخير للاعتقاد و العمل.

و قرأ ابن كثير و نافع و أبو عمرو و يعقوب «تعلمون» بالتّخفيف، أي، بسبب كونكم عالمين‏ «1».

و قرئ «تدرسون» من التّدريس، و «تدرسون» من أدرس، بمعنى: درس، كأكرم و كرم. و يجوز أن تكون القراءة المشهورة أيضا بهذا المعنى، على تقدير: و بما تدرسونه على النّاس‏ «2».

و في كتاب عيون الأخبار «3»: في باب ما جاء عن الرّضا- عليه السّلام- في وجه دلائل الأئمّة- عليهم السّلام- و الرّدّ على الغلاة و المفوّضة- لعنهم اللّه- حديث طويل و فيه: فقال‏ «4» المأمون: يا أبا الحسن بلغني أنّ قوما يغلون فيكم و يتجاوزون‏ «5» فيكم الحدّ.

فقال: الرّضا- عليه السّلام-: حدّثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ، عن أبيه علي بن أبي طالب- عليهم السّلام- قال: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-:

لا ترفعوني فوق حقّي، فإن اللّه تعالى اتّخذني عبدا قبل أن يتّخذني نبيّا، قال اللّه تعالى: ما كانَ لِبَشَرٍ- إلى آخر الآية «6»-.

و قال‏ «7» عليّ- عليه السّلام-: يهلك فيّ اثنان- و لا ذنب لي- محبّ مفرط و مبغض مفرّط، و إنّا البرءاء «8» إلى اللّه- تعالى- ممّن يغلو فينا فيرفعنا «9» فوق حدّنا، كبراءة عيسى بن مريم- عليهما السّلام- من النّصارى.

وَ لا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَ النَّبِيِّينَ أَرْباباً:

قرأ ابن عامر و حمزة و عاصم و يعقوب، بفتح الرّاء، عطفا على «يقول» و يكون «لا» إمّا مزيدة، لتأكيد معنى النّفي في قوله: ما كانَ لِبَشَرٍ، أي، ما كان لبشر أن يستنبئه‏

______________________________
(1) أنوار التنزيل 1/ 169.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) عيون أخبار الرضا 1/ 200- 201، ضمن حديث 1.

(4) المصدر: قال له.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: يجاوزون.

(6) ذكر في المصدر الآية بطولها إلى «أنتم مسلمون».

(7) رو المصدر: قال.

(8) المصدر: «أبرء». و لعلّ الصواب: لنبرأ.

(9) المصدر: و يرفعنا.

142
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 78 الى 81] ص : 140

اللّه، ثمّ يأمر النّاس بعبادة [نفسه، و يأمر باتّخاذ الملائكة و النّبيّين أربابا. أو غير مزيدة، على معنى أنّه ليس له أن يأمر بعبادته‏] «1» و لا يأمر باتّخاذ أكفاءه أربابا، بل ينهى عنه و الباقون، بالرّفع على الاستئناف. و يحتمل الحال، بتقدير: و هو يأمركم، أو لا يأمركم.

و قرأ أبو عمر، على أصله، لرواية الدّوديّ، باختلاس الضّمّ. «2» [و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ «3»: قوله: وَ [لا] «4» يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَ النَّبِيِّينَ أَرْباباً. قال: كان قوم يعبدون الملائكة، و قوم من النّصارى زعموا أنّ عيسى ربّ، و اليهود [قالوا:] «5» عزير بن اللّه. فقال اللّه: لا يَأْمُرَكُمْ‏ «6» أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَ النَّبِيِّينَ أَرْباباً.] «7» أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ، أي: البشر المستنبئ.

و قيل‏ «8»: أي اللّه.

بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ‏ (80):

قال‏ «9» البيضاويّ: دليل على أنّ الخطاب للمسلمين، و هم المستأذنون لأن يسجدوا له.

و فيه: أنّه لا دلالة فيه، لجواز الخطاب «بأنتم مسلمون» لليهود و النّصارى، بمعنى:

أنّكم كنتم مسلمين قبل ادّعاء الرّبوبيّة لهذه الأشياء «10».

وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ‏:

قيل‏ «11»: إنّه على ظاهره، و إذا كان هذا حكم الأنبياء، كان الأمم به أولى.

و في مجمع البيان‏ «12»: و روي عن أمير المؤمنين‏ «13»- عليه السّلام-: أنّ اللّه- تعالى-

______________________________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في ر.

(2) أنوار التنزيل 1/ 169.

(3) تفسير القمي 1/ 106.

4 و 5- من المصدر.

(6) هكذا في المصدر. و في الأصل: أ يأمركم.

(7) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(8) أنوار التنزيل 1/ 169.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) في نسخة أ، بعد هذه العبارة يوجد حديث منقول عن تفسير القمي، 1/ 106 الذي مرّ آنفا قبل آية أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ. و حذفناه هنا بدلالة نسخة الأصل.

(11) أنوار التنزيل 1/ 169.

(12) مجمع البيان 1/ 468.

(13) المصدر: روى عن أمير المؤمنين- عليه السّلام- و ابن عباس و قتادة.

 

143
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 78 الى 81] ص : 140

أخذ الميثاق على الأنبياء [قبل نبيّنا- صلّى اللّه عليه و آله-] «1» أن يخبروا أمهم بمبعثه و نعته‏ «2»، و يبشّروهم به، و يأمروهم بتصديقه.

و قيل‏ «3»: معناه: أنّه تعالى أخذ الميثاق من النّبيّين و أممهم، و استغنى بذكرهم عن ذكر الأمم.

و قيل: إضافة الميثاق إلى النبيّين، إضافته‏ «4» إلى الفاعل، و المعنى. و إذ أخذ اللّه الميثاق الّذي واثقه‏ «5» الأنبياء على أممهم.

و قيل‏ «6»: المراد أولاد النّبيين، على حذف المضاف، و هم بنو إسرائيل‏ «7». و سمّاهم نبيّين تهكّما، لأنّهم كانوا يقولون: نحن أولى بالنّبوّة من محمّد، لأنّا أهل الكتاب، و النّبيّون كانوا منّا.

و في تفسير العيّاشيّ‏ «8»: عن الباقر- عليه السّلام-: أنّه طرح عنها لفظ الأمم.

و قال الصّادق- عليه السّلام‏ «9»- تقديره، و إذا أخذ اللّه ميثاق أمم النّبيّين بتصديق نبيّها، و العمل بما جاءهم به، و أنّهم خالفوهم فيما بعد.

لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ:

«الّلام» موطّئة للقسم، لأنّ أخذ الميثاق، بمعنى: الاستحلاف. و «ما» تحتمل الشّرطيّة أو الخبريّة.

و قرأ حمزة «لما» بالكسر على أنّ «ما» مصدريّة، أي: لأجل إيتائي إيّاكم بعض الكتاب و الحكمة، ثمّ لمجي‏ء رسول مصدّق له أخذ اللّه الميثاق‏ «10».

و قرئ «لما» بمعنى: حين آتيتكم، أو لمن أجل ما آتيتكم، على أنّ أصله «لمن ما» بالإدغام، فحذفت إحدى الميمات الثّلاث استثقالا «11».

و قرأ نافع «آتيناكم» بالنون، بصيغة المتكلّم مع الغير «12». فإن كان أخذ الميثاق‏

______________________________
(1) ليس في المصدر.

(2) المصدر: رفعته.

(3) أنوار التنزيل 1/ 169.

(4) هكذا في المصدر و في النسخ: إضافة.

(5) المصدر: وثّقه.

(6) نفس الموضع و المصدر.

(7) المصدر: أو.

(8) تفسير العياشي 1/ 180.

(9) مجمع البيان 1/ 468.

(10) أنوار التنزيل 1/ 169.

(11) نفس المصدر و الموضع.

(12) نفس المصدر و الموضع، مع تفاوت في النقل.

144
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 78 الى 81] ص : 140

على النّبيّين، فإيتاء الكتاب و الحكمة إليهم أنفسهم. و إن كان على الأمم، فإيتائهما إلى أنبيائهم، و هو الإيتاء إليهم.

ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ‏: و هو محمّد- صلّى اللّه عليه و آله- المصدّق لما معهم من الكتب السّابقة، لكونه موصوفا بصفات ذكرت فيها لخاتم النّبيّين.

لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ‏: جواب القسم، و سادّ مسدّ الشّرط على تقدير، و أحدهما على تقدير آخر، أي: أخذ الميثاق على النّبيّين، أو على أممهم، أو عليهم و على أممهم لتؤمننّ بذلك الرّسول و لتنصرنّه. و نصرته- صلّى اللّه عليه و آله- من الأنبياء السّابقة، أن يخبروا أممهم بأن يؤمنوا به و بأوصيائه.

[و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ «1»: حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن ابن سنان قال: قال: ابو عبد اللّه- عليه السّلام-: أوّل من سبق رسول اللّه‏ «2»- صلّى اللّه عليه و آله- إلى أن قال: ثمّ أخذ بعد ذلك ميثاق رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- على الأنبياء له بالأمان‏ «3»، و على أن‏ «4» ينصروا أمير المؤمنين، فقال: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ‏- يعني، رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ‏- يعني، أمير المؤمنين- صلوات اللّه عليه- تخبروا «5» أممكم بخبره و خبر وليّه من الأئمّة.

و في مجمع البيان‏ «6»:] «7» و قد روى عن أمير المؤمنين- عليه السّلام- أنّه قال‏:

لم يبعث اللّه نبيّا، آدم و من بعده، إلّا أخذ عليه العهد لئن بعث اللّه محمّدا- صلّى اللّه عليه و آله- و هو حيّ ليؤمننّ به و لينصرنّه، و أمره أن يأخذ العهد بذلك على قومه.

و من جملة نصرته، أن ينصر أمير المؤمنين- عليه السّلام- في الرّجعة.

[و في تفسير العيّاشيّ‏ «8»: عن حبيب السّجستانيّ قال: سألت أبا جعفر- عليه السّلام- عن قول اللّه- تعالى-: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ‏ «9» مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ‏

______________________________
(1) تفسير القمي 1/ 246- 247.

(2) المصدر: «من الرسل إلى محمد- صلى الله عليه و آله-» بدل «رسول الله- صلى الله عليه و آله-».

(3) المصدر: «به» بدل «له بالأمالي».

(4) الأصل: ما.

(5) المصدر: أخبروا.

(6) مجمع البيان 1/ 468.

(7) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(8) تفسير العياشي 1/ 181، ح 75.

(9) هكذا في المصدر. و في الأصل: اتيكم.

 

145
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 78 الى 81] ص : 140

فكيف يؤمن موسى بعيسى و ينصره و لم يدركه، و كيف يؤمن عيسى بمحمّد- صلّى اللّه عليه و آله- و ينصره و لم يدركه؟

فقال: يا حبيب، إنّ القرآن قد طرح منه آي كثيرة، و لم يزد فيه إلّا حروف أخطأت بها الكتبة و توهّمتها «1» الرّجال، و هذا وهم، فاقرأها: و إذ أخذ الله ميثاق [أمم‏] «2» النبيين لما آتيتكم‏ «3» من كتاب و حكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به و لتنصرنه، هكذا أنزلها اللّه يا حبيب، فو اللّه ما وفت أمّة من الأمم، الّتي كانت قبل موسى، بما أخذ اللّه عليها من الميثاق لكلّ نبيّ بعثه اللّه بعد نبيّها- عليهم السّلام-.

و ذكر- عليه السّلام- كلاما طويلا في تكذيب الأمم أنبيائها، تركناه خوف الإطالة.

عن بكير «4» قال: قال أبو جعفر- عليه السّلام-: إنّ اللّه أخذ «5» ميثاق شيعتنا بالولاية لنا و هم ذرّ، يوم أخذ الميثاق على الذّرّ بالإقرار له بالرّبوبيّة، و لمحمّد- صلّى اللّه عليه و آله- بالنّبوة، و عرض اللّه على محمّد آله‏ «6» الطّيّبين و هم أظلّة.

قال: و خلقهم من الطّين الّذي‏ «7» خلق منها آدم.

قال: و خلق أرواح شيعتنا قبل أبدانهم بألفي عام، و عرض عليهم و عرّفهم رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- [و] «8» عليّا- عليه السّلام- و نحن نعرفهم في لحن القول.

عن زرارة «9» قال: قلت لأبي جعفر- عليه السّلام- أ رأيت حين أخذ اللّه الميثاق على الذّرّ في صلب آدم، فعرضهم على نفسه، كانت معاينة منهم له؟

قال: نعم يا زرارة، و هم ذرّ بين يديه و أخذ عليهم بذلك الميثاق بالرّبوبيّة [له‏] «10» و لمحمّد- صلّى اللّه عليه و آله- بالنّبوّة، ثمّ كفل لهم بالأرزاق و أنساهم رؤيته‏ «11» و أثبت في‏

______________________________
(1) المصدر: توهمها.

(2) من المصدر.

(3) هكذا في المصدر. و في الأصل: اتيكم.

(4) هكذا في المصدر. و في الأصل: بكر. و الحديث في نفس المصدر 1/ 180- 181، ح 74.

(5) المصدر: إذا أخذ.

(6) المصدر: أئمته.

(7) هكذا في المصدر. و في الأصل: الّتي.

(8) من المصدر.

(9) نفس المصدر 1/ 181، ح 75.

(10) من المصدر.

(11) الأصل: وديعته. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

 

146
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 78 الى 81] ص : 140

قلوبهم معرفته، فلا بدّ من أن يخرج [اللّه‏] «1» إلى الدّنيا كلّ من أخذ عليه الميثاق، فمن جحد ممّا «2» أخذ عليه الميثاق لمحمّد- صلّى اللّه عليه و آله- لم ينفعه إقراره لربّه بالميثاق، و من لم يجحد ميثاق محمّد نفعه الميثاق لربّه.] «3»

عن فيض بن أبي شيبة «4» قال: سمعت أبا عبد اللّه- عليه السّلام- يقول‏:- و تلا هذه الآية-: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ‏ «5» (الآية) قال: لتؤمننّ برسول اللّه و لتنصرنّ أمير المؤمنين.

قلت: و لتنصرنّ أمير المؤمنين‏ «6»؟

قال: نعم، من آدم فهلمّ جرّا، و لا يبعث اللّه نبيّا و لا رسولا إلّا ردّ إلى الدّنيا، حتّى يقاتل بين يدي أمير المؤمنين.

عن سلام بن المستنير «7»، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال‏: لقد تسمّوا باسم ما سمّى اللّه به أحدا إلّا عليّ بن أبي طالب، و ما جاء تأويله.

قلت: جعلت فداك متى يجي‏ء تأويله؟

قال: إذا [جاء] «8» جمع اللّه إمامة النّبيّين و المؤمنين حتّى ينصروه، و هو قول اللّه تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ‏ (الآية) «9» فيومئذ يدفع راية رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- اللواء إلى عليّ بن أبي طالب، فيكون أمير الخلائق كلّهم أجمعين، يكون الخلائق كلّهم تحت لوائه و يكون هو أميرهم. [فهذا تأويله.] «10»

[و في شرح الآيات الباهرة «11»: روي عن أمير المؤمنين- عليه السّلام- أنّه قال‏: إنّ‏

______________________________
(1) من المصدر.

(2) هكذا في المصدر. و في الأصل: «لمن جحدها» بدل «فمن جحد ممّا».

(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(4) نفس المصدر و الموضع، ح 76.

(5) المصدر: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ (إلى آخر)

(6) «قلت: و لتنصرنّ أمير المؤمنين» ليس في المصدر.

(7) نفس المصدر و الموضع، ح 77.

(8) من المصدر ور.

(9) المصدر: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ- إلى قوله- وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ‏ بدل‏ وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ‏- الآية.

(10) من المصدر.

(11) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص 41- 42.

 

147
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 78 الى 81] ص : 140

اللّه أخذ الميثاق على الأنبياء أن يخبروا أممهم‏ «1» بمبعث رسول اللّه، و هو محمّد- صلّى اللّه عليه و آله- و نعته و صفته، و يبشّروهم به و يأمروهم بتصديقه و يقولوا: هو «2» مصدّق لما معكم من كتاب و حكمة، و إنّما اللّه أخذ ميثاق الأنبياء ليؤمننّ به و يصدّقوا بكتابه- و حكمته، كما صدّق بكتابهم و حكمتهم.

و قوله: و لتنصرنّه، يعني، و لتنصروا وصيّه. «3»] «4»

و روى الحسن بن أبي الحسن الدّيلميّ- رحمه اللّه‏ «5»- في كتابه: بإسناده عن فرج ابن أبي شيبة قال: سمعت أبا عبد اللّه- عليه السّلام- يقول‏:- و قد تلا هذه الآية-: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ‏- يعني: رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- وَ لَتَنْصُرُنَّهُ‏، يعني: وصيّه أمير المؤمنين- عليه السّلام- و لم يبعث اللّه نبيّا و لا رسولا، إلّا و أخذ عليه الميثاق لمحمّد بالنّبوّة، و لعليّ بالإمامة.

و ذكر صاحب‏ «6» «كتاب الواحدة» «7» قال: روى أبو محمّد الحسن بن عبد اللّه الأطروش الكوفيّ قال: حدثنا أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد البجليّ قال: حدّثني أحمد بن محمّد بن خالد البرقيّ قال: حدّثني عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر الباقر- عليه السّلام- قال: قال أمير المؤمنين- صلوات اللّه عليه-: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أحد واحد تفرد في وحدانيّته، ثمّ تكلّم بكلمة فصارت نورا، ثمّ خلق من ذلك النّور محمّدا- صلّى اللّه عليه و آله- و خلقني و ذرّيّتي، ثمّ تكلّم بكلمة فصارت روحا، فأسكنه اللّه في ذلك النّور و أسكنه في أبداننا.

فنحن روح اللّه و كلماته فبنا احتجب عن‏ «8» خلقه، فما زلنا في ظلّة خضراء حيث لا شمس و لا قمر و لا ليل و لا نهار و لا عين تطرف، نعبده و نقدّسه و نسبّحه، و ذلك قبل أن يخلق خلقه، و أخذ ميثاق الأنبياء بالإيمان و النّصرة لنا، و ذلك قوله- عزّ و جلّ-: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ‏

______________________________
(1) هكذا في المصدر. و في الأصل: أمتهم.

(2) «يقولوا هو» ليس في المصدر.

(3) لهذا الحديث في المصدر تتمة.

(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) المصدر: «و يؤيده ما ذكره» بدل «و ذكر صاحب»

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) هكذا في المصدر. و في النسخ: على.

 

148
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 78 الى 81] ص : 140

- يعني: لتؤمنن بمحمّد- صلّى اللّه عليه و آله- و لتنصرنّ وصيّه- و سينصرونه‏ «1» جميعا.

و إنّ اللّه أخذ ميثاقي مع ميثاق محمّد- صلّى اللّه عليه و آله- بنصرة «2» بعضنا لبعض، لقد نصرت محمّدا- صلّى اللّه عليه و آله- و جاهدت بين يديه، و قتلت عدوّه و وفيت اللّه‏ «3» بما أخذ عليّ من الميثاق و العهد و النّصرة لمحمّد- صلّى اللّه عليه و آله- و لم ينصرني أحد من أنبياء اللّه‏ «4» و رسله و ذلك لمّا قبضهم اللّه إليه، و سوف ينصرونني‏ «5»، و يكون لي ما بين مشرقها إلى مغربها، و ليبعثهم اللّه أحياء من آدم إلى محمّد- صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- و كلّ نبيّ مرسل، يضربون بين يديّ بالسّيف هام الأموات و الأحياء و الثّقلين جميعا.

فيا عجباه! و كيف لا أعجب من أموات يبعثهم اللّه أحياء، يلبّون زمرة زمرة بالتّلبية: لبّيك لبّيك يا داعي اللّه، قد أضلّوا بسكك الكوفة، قد شهروا سيوفهم على عواتقهم، يضربون بها هام الكفرة و جبابرتهم و أتباعهم من جبابرة الأوّلين و الآخرين، حتى ينجز اللّه ما وعدهم في قوله- عزّ و جلّ‏ «6»: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى‏ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً، أي: يعبدونني آمنين لا يخافون أحدا في عبادتي، ليس عندهم تقيّة. و إنّ لي الكرّة بعد الكرّة، و الرّجعة بعد الرّجعة، و أنا صاحب الرّجعات و الكرّات و صاحب الصّولات‏ «7» و النّقمات و الدّولات العجيبات، و أنا قرن من حديد الحديد «8».

______________________________
(1) المصدر: «فقد آمنوا بمحمّد و لم ينصروا وصيّه و ينصرونه» بدل «و سينصرونه».

(2) المصدر: بالنصرة.

(3) هكذا في المصدر. و في النسخ: «و» بدل «اللّه».

(4) ر: «الأنبياء»، المصدر: «أنبيائه» بدل «أنبياء اللّه».

(5) المصدر: ينصرني.

و إلى هنا موجود في «تأويل الآيات» ثم قيل هاهنا: «الحديث الطويل و هو يدلّ على الرجعة أخذنا إلى هاهنا». و الظاهر أن المفسر ذكر بعده مباشرة.

(6) النور/ 55.

(7): القبولات.

(8) أ: الحديث.

149
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 78 الى 81] ص : 140

قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى‏ ذلِكُمْ إِصْرِي‏: أي: عهدي. سمي به، لأنّه يوصر، أي: يشدّ.

و قرئ، بالضّمّ. و هو إمّا لغة فيه، كعبر و عبر. أو جمع إصار، و هو ما يشدّ به‏ «1».

قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا، أي فليشهد بعضكم لبعض.

و قيل‏ «2»: الخطاب [فيه‏] «3» للملائكة.

وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ‏ (81): و أنا أيضا على إقراركم و تشاهدكم شاهد، و هو تحذير عظيم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ «4»: حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن مسكان، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال‏: ما بعث اللّه نبيّا من لدن آدم فهلمّ جرّا إلّا و يرجع إلى الدّنيا و ينصر أمير المؤمنين، و هو قوله: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ‏، يعني: رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- وَ لَتَنْصُرُنَّهُ‏، يعني: أمير المؤمنين- عليه السّلام- ثمّ قال لهم في الذّرّ «5»: أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى‏ ذلِكُمْ إِصْرِي‏؟ أي عهدي.

قالُوا: أَقْرَرْنا.

قال اللّه للملائكة: فَاشْهَدُوا «6» وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ.

و عن الصّادق‏ «7»- عليه السّلام-: ثمّ قال لهم في الذّرّ: أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى‏ ذلِكُمْ إِصْرِي‏، أي: عهدي؟ قال اللّه للملائكة: فَاشْهَدُوا.

و في مجمع البيان‏ «8»: عن أمير المؤمنين- عليه السّلام- قال‏: أقررتم‏ «9» و أخذتم العهد بذلك على أممكم؟

قالوا، أي: قال الأنبياء و أممهم: أقررنا بما أمرتنا بالإقرار به.

______________________________
(1) أنوار التنزيل 1/ 169.

(2) نفس الموضع و المصدر.

(3) من المصدر.

(4) تفسير القمي 1/ 106- 107.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: الدنيا.

(6) المصدر: فاشهدوا.

(7) الظاهر أنّه تكرار. فلم نجده لا في القمي و لا في غيره. و ممّا يؤيّد أنّه تكرار، أنّه مطابق لقطعة من الحديث الذي قبله المنقول عن القمي. و اللّه العالم.

(8) مجمع البيان 1/ 468.

(9) المصدر: «و قيل معناه» بدل «عن أمير المؤمنين- عليه السّلام- قال: أقررتم.»

 

150
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 82 الى 92] ص : 151

 

قال اللّه: فاشهدوا بذلك على أممكم، و أنا معكم من الشاهدين عليكم و على أممكم‏ «1».

فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ‏: بعد الميثاق و التوّكيد بالإقرار و الشّهادة.

فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ‏ (82): المتمرّدون من الكفرة أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ‏: عطف على الجملة المتقدّمة، و الهمزة متوسّطة بينهما للإنكار. أو محذوف تقديره: أ يتولّون، أ فغير دين اللّه يبغون؟ و تقديم المفعول لأنّه المقصود بالإنكار.

و الفعل بلفظ الغيبة، عند أبي عمرو و عاصم، في رواية حفص و يعقوب.

و بالتّاء، عند الباقين، على تقدير: و قل لهم‏ «2».

[و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ «3»: ثمّ قال- عزّ و جلّ-: أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ. قال:

ا فغير هذا الدّين‏ «4» قلت لكم أن تقرّوا بمحمّد و وصيّه- صلّى اللّه عليه و آله-.] «5» وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً، أي: طائعين بالنّظر و اتّباع الحجّة، و كارهين بالسّيف و معاينة ما يلجئ إلى الإسلام، كشقّ الجبل و إدراك الغرق و الإشراف على الموت. أو مختارين كالملائكة و المؤمنين، و مسخّرين كالكفرة، فإنّهم لا يقدرون أن يمتنعوا عمّا قضي عليهم.

و في مجمع البيان‏ «6»: طَوْعاً وَ كَرْهاً [قيل:] «7» فيه أقوال- إلى قوله-:

و خامسها، أنّ معناه: أكره أقوام على الإسلام و جاء أقوام طائعين.

و هو المرويّ عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام‏- قال: كرها، أي: فرقا من السّيف.

وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ‏ (83):

و قرئ بالياء، على أنّ الضّمير «لمن» «8».

و في تفسير العيّاشيّ‏ «9»: عن عمّار بن [أبي‏] «10» الأحوص، عن أبي عبد اللّه‏

______________________________
(1) ذكر في المصدر بعد هذه الكلمة: عن علي عليه السّلام.

(2) أنوار التنزيل 1/ 169.

(3) تفسير القمي 1/ 107.

(4) المصدر: «أغير هذا الذي» بدل «أ فغير هذا الدين». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(5) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(6) مجمع البيان 1/ 470.

(7) من المصدر.

(8) أنوار التنزيل 1/ 170.

(9) تفسير العياشي 1/ 182، ح 78.

(10) من المصدر. ر. تنقيح المقال 2/ 317، رقم 8574.

 

 

151
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 82 الى 92] ص : 151

- عليه السّلام-: أنّ اللّه- تبارك و تعالى- خلق في مبتدأ «1» الخلق بحرين: أحدهما عذب فرات و الآخر ملح أجاج، ثمّ خلق تربة آدم من البحر العذب الفرات، ثمّ أجراه على البحر الأجاج، فجعله حمأ مسنونا و هو خلق آدم، ثمّ قبض قبضة من كتف آدم الأيمن فذرأها في صلب آدم، فقال: هؤلاء في الجنّة و لا أبالي- إلى قوله- فاحتجّ يومئذ أصحاب الشّمال- و هم ذرّ- على خالقهم، فقالوا: يا ربّنا بم‏ «2» أوجبت لنا النّار، و أنت الحكم العدل، من قبل أن تحتجّ علينا و تبلونا بالرّسل و تعلم طاعتنا لك و معصيتنا؟

فقال اللّه- تبارك و تعالى: [فأنا أخبركم بالحجة عليكم الآن، في الطاعة و المعصية و الإعذار بعد الإخبار.

قال أبو عبد اللّه- عليه السّلام-: فأوحى اللّه‏] «3» لمالك‏ «4» خازن النّار: مر النّار تشهق ثمّ تخرج عنقا منها، فخرجت لهم، ثمّ قال اللّه لهم: ادخلوها طائعين.

فقالوا: لا ندخلها «5» طائعين [ثم‏] «6» قال: ادخلوها طائعين، أو لأعذّبنّكم بها كارهين.

قالوا: إنّما هربنا إليك منها و حاججناك فيها حيث أوجبتها علينا و صيّرتنا من أصحاب الشّمال، فكيف ندخلها طائعين؟ و لكن ابدأ بأصحاب‏ «7» اليمين في دخولها، كي تكون قد عدلت فينا و فيهم.

قال أبو عبد اللّه- عليه السّلام-: فأمر أصحاب اليمين، و هم ذرّ بين يديه بقوله‏ «8»- تعالى-: ادخلوا هذه النّار طائعين.

قال: فطفقوا يتبادرون في دخولها، فولجوا فيها جميعا، فصيّرها اللّه عليهم بردا و سلاما، ثمّ أخرجهم منها، ثمّ أنّ اللّه- تبارك و تعالى- نادى في أصحاب اليمين و أصحاب الشّمال: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ‏؟

فقال‏ «9» أصحاب اليمين: بلى يا ربّنا نحن بريّتك و خلقك مقرّين‏ «10» طائعين. و قال‏

______________________________
(1) النسخ: مبدأ. المصدر: مبتدئ.

(2) المصدر: لم.

(3) ما بين المعقوفتين من المصدر.

(4) المصدر: إلى مالك.

(5) أ: لن ندخلها.

(6) من المصدر.

(7) النسخ: أصحاب. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(8) المصدر: «فقال» بدل «بقوله تعالى». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(9) هكذا في المصدر. و في النسخ: قال.

(10) هكذا في المصدر. و في النسخ: مقرنين.

 

152
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 82 الى 92] ص : 151

أصحاب الشّمال: بلى يا ربّنا، نحن بريّتك و خلقك كارهين. و ذلك قول اللّه- تعالى-: وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ.

قال: توحيدهم للّه.

عن عباية الأسديّ‏ «1» أنّه سمع أمير المؤمنين- عليه السّلام- يقول: وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ‏، أ كان ذلك بعد «2»؟

قلت: نعم، يا أمير المؤمنين.

قال: كلا و الّذي نفسي بيده، حتّى تدخل المرأة بمن عذب آمنة «3»، لا تخاف‏ «4» حيّة و لا عقربا فما سوى ذلك.

عن صالح بن ميثم‏ «5» قال: سألت أبا جعفر- عليه السّلام- عن قول اللّه: وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً.

قال: ذلك حين يقول عليّ- عليه السّلام-: أنا أولى النّاس بهذه الآية «6»:

وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى‏ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا [وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏] «7»- الى قوله- كاذِبِينَ.

عن رفاعة بن موسى‏ «8» قال: سمعت أبا عبد اللّه- عليه السّلام- يقول‏: وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً، قال: إذا قام القائم- عليه السّلام- لا تبقى أرض إلّا نودي فيها بشهادة «9» أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه.

عن ابن بكير «10» قال: سألت أبا الحسن- عليه السّلام- عن قوله: وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ‏ «11».

______________________________
(1) نفس المصدر 1/ 183، ح 79. و هكذا فيه و في النسخ: عناية الأسدي. ر. تنقيح المقال 2/ 131، رقم 6252.

(2) هكذا في المصدر: و في الأصل: «بعمل» و هي ليست في أ.

(3) المصدر: آمنين.

(4) المصدر: يخاف.

(5) نفس المصدر و الموضع، ح 80.

(6) النحل/ 38.

(7) من المصدر.

(8) نفس المصدر و الموضع، ح 81.

(9) هكذا في المصدر. و في النسخ: شهادة.

(10) نفس المصدر و الموضع، ح 82.

(11) «و إليه ترجعون» ليس في المصدر.

 

153
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 82 الى 92] ص : 151

قال: أنزلت في القائم- عليه السّلام- إذا خرج باليهود و النّصارى و الصّابئين و الزّنادقة و أهل الرّدّة و الكفّار في شرق الأرض و غربها فعرض عليهم الإسلام، فمن أسلم طوعا أمره بالصّلاة و الزّكاة و ما يؤمر به المسلم و يحبّ اللّه‏ «1» عليه، و من لم يسلم ضرب عنقه، حتّى لا يبقى في المشارق و المغارب أحد إلّا وحّد اللّه.

قلت له: جعلت فداك، إنّ الخلق أكثر من ذلك.

فقال: إنّ اللّه إذا أراد أمرا قلّل الكثير و كثّر القليل.

و في كتاب التّوحيد «2»، أبي- رحمه اللّه- قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن إبراهيم ابن هاشم و يعقوب بن يزيد جميعا عن ابن فضّال، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال: سمعته و هو «3» يقول‏ في قوله- عزّ و جلّ-: وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً.

قال: قال: توحيدهم [للّه‏] «4»- عزّ و جلّ-.

و في أصول الكافي‏ «5»: محمّد بن يحيى، عن عبد اللّه بن جعفر، عن السّياريّ، عن محمّد بن بكر، عن أبي الجارود، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين- عليه السّلام- أنّه قام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ دابّتي استصعبت عليّ و أنا منها على وجل.

فقال: اقرأ في أذنها اليمنى: وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ. فقرأها، فذلّت له دابّته.

و الحديث طويل، أخذنا معه موضع الحاجة.

و في الكافي‏ «6»: أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب‏ «7»، عن أبي عبيدة، عن أحدهما- عليهما السّلام- قال‏: أيّما دابّة استصعبت على صاحبها من لجام و نفار، فليقرأ في أذنها أو عليها: أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ.

و في أمالي شيخ الطّائفة- قدّس سرّه‏ «8»-: بإسناده إلى الصّادق- عليه السّلام-

______________________________
(1) المصدر: للّه.

(2) التوحيد/ 46، ح 7.

(3) «و هو» ليس في المصدر.

(4) من المصدر.

(5) الكافي 2/ 624، ضمن حديث 21.

(6) نفس المصدر 6/ 539- 540، ح 14.

(7) ر: ابن رباب.

(8) أمالي الطوسي 1/ 288، في ذيل حديث.

 

154
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 82 الى 92] ص : 151

أنّه قال له أشجع السّلميّ: إنّي‏ «1» كثير الأسفار، و أحصل في المواضع المفزعة، فعلّمني ما آمن به على نفسي.

فقال‏ «2»: إذا «3» خفت أمرا فاترك يمينك‏ «4» على أمّ رأسك، و اقرأ برفيع صوتك:

أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ.

قال: أشجع‏ «5»: فحصلت في واد «6» تعبث فيه الجنّ فسمعت قائلا يقول: خذوه، فقرأتها، فقال قائل: كيف نأخذه و قد احتجب‏ «7» بآية طيّبة؟

و في من لا يحضره الفقيه‏ «8» في وصيّة النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- لعليّ- عليه السّلام-: يا عليّ، من استصعب عليه دابّته، فليقرأ في أذنها اليمنى‏ «9»: وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ.

قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ عَلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ ما أُوتِيَ مُوسى‏ وَ عِيسى‏ وَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ‏: أمر للرسول- صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- بأن يخبر عن نفسه و متابعيه بالإيمان و القرآن، كما هو منزل عليه منزل عليهم، بتوسّط تبليغه إليهم، و أيضا المنسوب إلى واحد من الجمع قد ينسب إليهم، أو بأن يتكلّم عن نفسه على طريقة الملوك إجلالا له.

و النّزول كما يعدّى «بإلى» لأنّه ينتهي إلى الرّسل يعدّى «بعلى» لأنّه من فوق.

و إنّما قدّم المنزل عليه على المنزل على سائر الرّسل، لأنّه المعرّف له و المعيار عليه.

لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ‏: بالتّصديق و التّكذيب.

وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏ (84): منقادون. أو مخلصون في عبادته.

وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً: أي: غير التّوحيد، و الانقياد لحكم اللّه.

[و في نهج البلاغة «10»: أرسله بحجّة كافية، و موعظة شافية، و دعوة متلاقية «11»، أظهر به‏

______________________________
(1) المصدر: أنا.

(2) المصدر: قال.

(3) أ: فإذا.

(4) هكذا في المصدر. و في النسخ: بيمينك.

(5) المصدر: الأشجع.

(6) المصدر: دار

(7) المصدر: احتجز

(8) من لا يحضره الفقيه 4/ 268.

(9) هكذا في المصدر. و في النسخ: الأيمن.

(10) نهج البلاغة/ 230، ضمن خطبة 161.

(11) المصدر: متلافيه.

 

155
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 82 الى 92] ص : 151

الشّرائع المجهولة، و قمع به البدع المدخولة، و بيّن الأحكام المفصولة، مَنْ‏ «1» يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً متحقّق‏ «2» شقوته و تنفصم عروته و تعظم كبوته، و يكون ما به إلى الحزن‏ «3» الطّويل و العذاب الوبيل.] «4»

فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ (85): الواقعين في الخسران، و المعنى: أنّ المعرض عن الإسلام و الطّالب لغيره، فاقد للنّفع، واقع في الخسران، بإبطال الفطرة السّليمة الّتي فطر النّاس عليها.

قال البيضاويّ‏ «5»: و استدلّ به على أنّ الإيمان هو الإسلام، إذ لو كان غيره لم يقبل.

و الجواب: إنّه ينفي قبول كلّ دين يغايره، لا قبول كلّ ما يغايره، و لعلّ الدّين أيضا الأعمال‏ «6».

و فيه: أنّ من قال: بأنّ الإيمان غير الإسلام، يقول: بأنّه دين غيره. و الاستدلال إنّما هو عليه، و المقصود، أنّ الإسلام و الإيمان واحد يسمّى إسلاما و إن كان قبل رسوخه و دخوله في القلب، و لا يسمّى إيمانا إلّا بعد دخوله و رسوخه فيه، و الآية تدلّ على اتّحادهما، و الفرق يعلم من موضع آخر.

كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَ شَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَ جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ‏: استبعاد لأن يهديهم اللّه، فإنّ الحائد عن الحقّ- بعد ما وضح له- منهمك في الضّلال، بعيد عن الرّشاد.

و قيل‏ «7»: نفي و إنكار له. و ذلك يقتضي أن لا تقبل توبة المرتدّ، و هذا حقّ في حقّ الرّجل المولود على الإسلام، دون المولود على الكفر و المرأة.

و يمكن أن يقال: المتبادر من بعد إيمانهم كونهم مؤمنين بحسب الفطرة، و من جاءهم البيّنات الرّجال، و كذا سياق الآية، و لفظ «قوما» و الضّمائر الرّاجعة إليه قرينة التّخصيص بالرّجال، و حينئذ يكون استثناء إِلَّا الَّذِينَ تابُوا منقطعا.

______________________________
(1) المصدر: فمن.

(2) المصدر: تتحقّق. نور الثقلين: تحقّق.

(3) هكذا في المصدر. و في الأصل: الخوف.

(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(5) أنوار التنزيل 1/ 170.

(6) هكذا في المصدر. و في النسخ: للأعمال.

(7) نفس المصدر و الموضع.

156
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 82 الى 92] ص : 151

و يجوز أن يكون‏ قَوْماً كَفَرُوا على عمومه لقسمي الرّجال، فيكون الاستثناء منقطعا «1» متّصلا. و «شهدوا» عطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل، أي: آمنوا و شهدوا. أو حال بإضمار «قد» من فاعل «كفروا».

قال البيضاويّ‏ «2»: و هو على الوجهين، دليل على أنّ الإقرار باللّسان خارج عن حقيقة الإيمان.

و فيه: أنّه يحتمل أن يكون في العطف أو جعله قيدا، لكونه أهمّ أجزاء الإيمان، و أنفع في ترتّب الآثار عليه.

وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏ (86): الّذين وضعوا الكفر موضع الإيمان، بعد أن جاءهم البيّنات. و وضع المظهر موضع المضمر للإشعار بالعلّيّة.

و قيل‏ «3»: الّذين ظلموا أنفسهم، بالإخلال بالنّظر و وضع الكفر موضع الإيمان، فكيف من جاءه‏ «4» الحقّ و عرفه ثمّ أعرض عنه؟

أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ‏ (87): فيه تصريح بوجوب لعن من كفر بعد الإيمان، و العلم بحقيّة «5» الرّسول و مجي‏ء البيّنات، لأنّه تعالى قال: جزاؤهم هو لعن اللّه و الملائكة و النّاس. و إذا كان جزاؤهم ذلك، و أخبر اللّه بأنّ جزاءهم من الملائكة و النّاس ذلك، لم يجز للملائكة و النّاس ترك ما جعله اللّه جزاء شي‏ء، بل يجب عليهم الإتيان به. فهذا و إن لم يكن في صورة الأمر، لكن يفيد بمادّته الوجوب.

خالِدِينَ فِيها، أي: في اللّعنة.

لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ‏ (88) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ‏، أي:

بعد الارتداد، وَ أَصْلَحُوا: ما أفسدوا، أو دخلوا في الصّلاح، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ: يقبل توبته، رَحِيمٌ‏ (89): يتفضّل عليه.

و في مجمع البيان‏ «6» قيل‏: نزلت الآيات في رجل من الأنصار، يقال له: الحارث بن‏

______________________________
(1) ليس في أور.

(2) أنوار التنزيل 1/ 170.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) المصدر: جاء

(5) ر: بحقيقة.

(6) مجمع البيان 1/ 471.

 

157
تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب3

[سورة آل‏عمران(3): الآيات 82 الى 92] ص : 151

سويد بن الصّامت، و كان قتل المحذر بن زياد البلويّ غدرا، و هرب‏ «1» و ارتدّ عن الإسلام و لحق بمكّة، ثمّ ندم، فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- هل لي من توبة؟ فسألوا فنزلت [الآية] «2» إلى قوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا، فحملها رجل من قومه اليه، فقال: إنّي لأعلم أنّك لصدوق و رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- أصدق منك، و إنّ اللّه تعالى أصدق الثلاثة، و رجع إلى المدينة و تاب و حسن إسلامه. و هو المرويّ عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام-.

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً، كاليهود، كفروا بعيسى و الإنجيل بعد الإيمان بموسى و التوراة، ثمّ ازدادوا كفرا بمحمّد- صلّى اللّه عليه و آله- و القرآن. أو كفروا بمحمّد- صلّى اللّه عليه و آله- بعد ما آمنوا به قبل مبعثه، ثمّ ازدادوا كفرا بالإصرار و العناد «3» و الطّعن فيه و الصّدّ عن الإيمان به و نقض الميثاق. أو كقوم ارتدّوا و لحقوا بمكّة، ثمّ ازدادوا كفرا لقولهم: نتربّص بمحمّد ريب المنون أو نرجع إليه و ننافقه بإظهاره. أو كقوم كفروا بما نصّ النّبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- في وصيّه عند شياطينهم، بعد ما آمنوا به عنده، ثمّ ازدادوا كفرا بادّعاء الخلافة و الوصاية لأنفسهم.

لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ‏: لأنّهم لا يتوبون. أو لا يتوبون، إلّا عند اليأس و معاينة الموت.

أو لأنّ توبتهم لا تكون إلّا نفاقا. فعدم قبول توبتهم لعدم كونها توبة حقيقة لا لكفر نعم و ازدياد كفرهم. و لذلك لم يدخل الفاء فيه بخلاف الموت على الكفر، فإنّه سبب لعدم قبول الفدية، فدخل الفاء فيه.

وَ أُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ‏ (90): الثّابتون على الضّلال.

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ماتُوا وَ هُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْ‏ءُ الْأَرْضِ ذَهَباً:

مل الشي‏ء، ما يملأه. و ذهبا تمييز.