×
☰ فهرست و مشخصات
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

الروضة الثالثة و العشرون ص : 3

الجزء الرابع‏

الروضة الثالثة و العشرون‏

3
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

و كان من دعائه عليه السلام إذا سأل الله العافية و شكرها ص : 5

و كان من دعائه عليه السلام إذا سأل اللّه العافية و شكرها

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ وَ الْبِسْنى‏ عافِيَتَكَ وَ جَلِّلْنى‏ عافِيَتَكَ وَ حَصِّنى‏ بِعَافِيَتِكَ وَ اكْرِمْنِى‏ بِعافِيَتِكَ وَ اغْنِنى‏ بِعافِيَتِكَ وَ تَصَدَّقْ عَلَىَّ بِعَافِيَتِكَ وَ هَبْ لي‏ عافِيَتَكَ وَ افْرِشنى‏ عافِيَتَكَ وَ اصْلِحْ لي‏ عافِيَتَكَ وَ لا تَفَرَّقْ بَيْنى‏ وَ بَيْنَ عافِيَتِكَ فِى الدُّنْيا وَ الاخِرَةِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ وَ عافِنى‏ عافِيَةً كافِيَةً شافِيَةً عالِيَةً نامِيَةً عافِيَةً تُوَلِّدْ في‏ بَدَنِى الْعافِيَةَ عافِيَةَ الدُّنْيا وَ الاخِرَةِ وَ امْنُنْ عَلَىَّ بِالصِّحَّةِ وَ الْأَمْنِ وَ السَّلامَةِ في‏ دِينى‏ وَ بَدَنى‏ وَ الْبَصيرَةِ في‏ قَلْبي‏ وَ النَّفاذِ في‏ امُورى‏ وَ الْخَشْيَةِ لَكَ وَ الْخَوفِ مِنْكَ وَ القُّوَّةِ عَلى‏ ما امَرْتَنى‏ بِهِ مِنْ طاعَتِكَ وَ الاجْتِنابِ لِما نَهَيْتَنى‏ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَتِكَ اللَّهُمَّ وَ امْنُنْ عَلَىَّ بِالْحَجِّ وَ الْعُمْرَةِ وَ زِيارَةِ قَبْرِ رَسُولِكَ صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَ رَحْمَتُكَ وَ بَرَكاتُكَ عَلَيْهِ وَ عَلى‏ آلِهِ وَ آلِ رَسُولِكَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ابَداً ما أَبْقَيْتَنِى‏ في‏ عامِى هذا وَ في‏ كُلِّ عامٍ وَ اجْعَلْ ذلِكَ مَقْبُولاً مَشْكوُراً مَذْكوُراً لَدَيْكَ مَذْخوُراً عِنْدَكَ وَ انْطِقْ بِحَمْدِكَ وَ شُكْرِكَ و ذِكْرِكَ وَ حُسْنِ الثَّناءِ عَلَيْكَ لِسانِى وَ اشْرَحْ لِمَراشِدِ دِينِكَ قَلبْى‏ وَ اعِذْنى‏ وَ ذُرِّيَّتى‏ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيم وَ مِنْ شَرِّ السّامَّةِ وَ ..........

5
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

و كان من دعائه عليه السلام إذا سأل الله العافية و شكرها ص : 5

الْهامَّةِ وَ الْعامَّةِ وَ اللاَّمَّةِ وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ سُلْطانٍ عَنيدٍ وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ مُتْرِفٍ حَفيدٍ وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ ضَعيفٍ وَ شَديدٍ وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَريف وَ وَضيعٍ وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ صَغيرٍ وَ كَبيرٍ وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ قَريبٍ وَ بَعيدٍ وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ مَنْ نَصَبَ لِرَسُولِكَ وَ لِأَهْلِ بَيْتِهِ حَرْبًا مِنَ الجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ دابَّةٍ انْتَ آخِذٌ بناصِيَتِها انَّكَ عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقيمٍ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ وَ مَنْ ارادَنى بِسُوءٍ فَاصْرِفْهُ عَنّى وَ ادْحَرْ عَنّى‏ مَكْرَهُ وَ ادْرَأْ عَنّى‏ شَرَّهُ وَ رُدَّ كَيْدَهُ في‏ نَحْرِهِ وَ اجْعَلْ بَيْنَ يَدَيْهِ سَدًّا حَتّى‏ تُعْمِىَ عَنّى‏ بَصَرَهُ وَ تُصِمَّ عَنْ ذِكْرى‏ سَمْعَهُ وَ تُقْفِلَ دُونَ اخْطارى‏ قَلْبَهُ وَ تُخْرِسَ عَنِّى‏ لِسانَهُ وَ تَقْمَعَ رَأْسَهُ وَ تُذِلَّ عِزَّهُ وَ تَكْسِرَ جَبَروُتَهُ وَ تُذِلَّ رَقَبَتَهُ وَ تَفْسَخَ كِبْرَهُ وَ تُؤْمِنَنى‏ مِنْ جَميعِ ضَرِّهِ وَ شَرِّهِ وَ غَمْزِهِ وَ هَمْزِهِ وَ لَمْزِهِ وَ حَسَدِهِ وَ عَداوَتِهِ وَ حَبائِلِهِ وَ مَصائدِهِ وَ رَجْلِهِ وَ خَيْلِهِ انَّكَ عَزيزٌ قَديرٌ ..........

6
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

و كان من دعائه عليه السلام إذا سأل الله العافية و شكرها ص : 5

.......... [] بسم اللّه الرحمن الرحيم و به نستعين الحمد للّه الذي إذا مرضت فهو يشفين، و إذا اضطررت فهو يكفين و الصّلاة و السّلام على رسوله أشرف المرسلين، و على أهل بيته عصمة المتوسّلين.

و بعد فهذه الروضة الثالثة و العشرون من رياض السالكين، تتضمّن شرح الدعاء الثالث و العشرين، من صحيفة زين العابدين و سيّد الزاهدين صلّى اللّه عليه و على آبائه و أبنائه الطاهرين، إملاء راجي فضل ربّه السني، عليّ صدر الدين الحسينيّ الحسنيّ، شفاه اللّه و كفاه، و منّ عليه بالعفو و العافية و المعافاة.

7
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الثالث و العشرين ص : 9

شرح الدعاء الثالث و العشرين‏

وَ كانَ مِنْ دُعائِهِ عَلَيهِ السَّلامُ إذا سَأَلَ اللَّه العافِيةَ وَ شُكرها.

العافية: اسم من عافاه اللّه معافاة أي: أصحّه و محى عنه الأسقام.

و قال الجوهري: و توضع موضع المصدر و يقال: عافاه اللّه عافية «1».

و في القاموس: العافية: دفاع اللّه عن العبد، عافاه اللّه من المكروه و معافاة و عافية: و هب له العافية من العلل و البلايا «2»، انته.

و قال الفيومي: هي مصدر جاءت على فاعلة، و مثلها ناشئة الليل بمعنى نشؤ الليل‏ «3».

و الخاتمة: بمعنى الختم.

و العافية: بمعنى العقب، و قال بعضهم: إطلاق العافية، و نحوها من المصادر التي جاءت على فاعلة، على المصدر من باب المجاز اللغوي، و هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له.

قال بعض العلماء: العافية متناولة لدفع جميع المكروهات في النفس و البدن، و الظاهر و الباطن، و في الدين و الدنيا و الآخرة.

و في الحديث ما سأل اللّه شيئا- يعني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله- أحبّ إليه من أنّ يسأل اللّه العافية «4»؛ و ذلك لأنّه لفظ جامع لأنواع خير الدارين.

______________________________

 (1) الصحاح: ج 6 ص 2432.

 (2) القاموس المحيط: ج 4 ص 364.

 (3) المصباح المنير: ص 572.

 (4) سنن الترمذي: ج 5 ص 535 ح 3515.

9
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الثالث و العشرين ص : 9

قال صلوات اللّه عليه:

اللّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ وَ ألْبِسْني عافِيَتَكَ، وَ جَلِّلْني عافِيَتَكَ، وَ حَصِّنّي بِعافِيَتِكَ، وَ أكْرِمْني بِعافِيَتِكَ، وَ أغْنني بِعافِيَتِكَ، وَ تَصَدَّقْ عَلَيَ‏ و إيقاع الشكر على العافية مجاز عقلي، لكونها سببا فيه، و الأصل: و شكره عليها.

 [ 708] ألبسته الثوب فلبسه.

و جلّله: غطّاه، و هو من جلّل المطر الأرض إذا عمّها و طبقها فلم يدع شيئا إلاّ غطّى عليه. و يتعدّى إلى الثاني بنفسه و بالباء، فيقال: جلّله إيّاه و جلّله به، و من الأوّل ما روي: جلّلهم اللّه خزيا «1».

 [ 709] و حصّن نفسه و ماله تحصينا و أحصنه إحصانا: منعه و حفظه كأنّه أدخله الحصن، و هو المكان الذي لا يقدر عليه لارتفاعه.

و الإكرام: يكون بمعنى الإعزاز و التعظيم، و يكون بمعنى التنزيه.

قال في القاموس: أكرمه و كرّمه: عظّمه و نزّهه‏ «2».

و منه أنا أكرمك عن كذا أي: انزّهك عنه.

و الإغناء: إمّا من الغنى بالكسر و القصر بمعنى الثروة و الجدة، أو من الغناء بالفتح و المدّ بمعنى الكفاية. و قيل: هما بمعنى، و هو ضدّ الفقر.

 [ 710] و تصدّق على الفقراء بكذا: أعطاهم صدقة، و هي العطيّة يبتغي به المثوبة من اللّه.

و المراد بالتصدّق هنا مطلق العطاء دون قيد ابتغاء الثواب، من باب إطلاق الخاص على العام و المقيّد على المطلق مجازا، و آثر التعبير بالتصدّق نظرا إلى فقره و غناه تعالى، من حيث إنّ الصدقة إنما تكون للفقراء من الغني، و فيه شاهد على جواز إطلاق التصدّق على عطائه تعالى خلافا لمن منع ذلك.

قال النظام النيسابوري في تفسيره: منع العلماء أن يقال للّه تعالى: متصدّق، أو

______________________________

 (1) النهاية لابن الاثير: ج 1، ص 289.

 (2) القاموس المحيط: ج 4 ص 170.

10
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الثالث و العشرين ص : 9

بعافِيَتِكَ، وَ هَبْ لي عافِيَتَكَ، وَ أفْرشْني عافِيَتَكَ وَ أَصْلِحْ لي عافِيَتَكَ، و لا تُفَرِّقْ بَيْني وَ بَيْنَ عافِيَتِكَ في الدُّنْيا وَ الآخِرَةِ.

اللّهم تصدّق علينا، بل يجب أن يقال: اللّهم أعطني أو تفضّل عليّ أو ارحمني، لأنّ الصدقة يرجى بها المثوبة عنداللّه‏ «1»، و هو مستحيل في حقّه جلّ شأنه. و إذا ورد ذلك في كلام المعصوم عليه السّلام فلا عبرة بكلام غيره.

و وهبت لزيد مالا: ملّكته إيّاه بلا عوض.

و أفرشت زيدا إفراشا و فرشته فرشا: بسطته له، و الرواية في الدعاء وردت بالوجهين.

 [ 711] و أصلحت الشي‏ء: أزلت فساده و جعلته منتفعا به.

و فرّقت بين الشيئين تفريقا: مبالغة في فرقت بينهما- من باب قتل- أي:

فصلت، هذا ما عليه الجمهور.

و قال ابن الأعرابي: فرقت بين الكلامين فافترقا مخفّف، و فرّقت بين العبدين فتفرّقا مثقّل فجعل المخفّف في المعاني و المثقّل في الأعيان‏ «2».

و الذي حكاه غيره أنّهما بمعنى، و الثقيل مبالغة.

و اعلم أنّ قوله عليه السّلام: «ألبسني عافيتك و جلّلني عافيتك»، و نحوه من الأفعال التي لا يتعلّق معناها الحقيقي بالعافية، من باب الاستعارة، و هي إمّا استعارة تبعيّة نحوّ: قتل البخل و أحيى السماحا، أو مكنيّة مرشّحة، و لا يبعد جعلها من باب الاستعارة التمثيلية، كما تقدّم التنبيه عليه في نظير ذلك.

و إنّما كرّر لفظ العافية بسؤالها بأنواع الطلب، و وضع الظاهر موضع المضمر فيما سوى الفقرة الأولى، لمزيد العناية و الاهتمام بشأنها، و قرعا لباب الإلحاح المندوب إليه في الدعاء، و تلذّذا للتلفظّ باسمها، و بسطا للخطاب حيث الإصغاء مطلوب.

______________________________

 (1) تفسير غرائب القرآن و رغائب الفرقان: ج 2 ص 359.

 (2) المصباح المنير: ص 643.

11
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الثالث و العشرين ص : 9

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ عافِني عافِيَةً كافِيَةً شافِيَةً عالِيَةً نامِيَةً، عافِيَةً تُوَلّدُ في بَدَني العافِيَةَ، عافِيَةَ الدُّنْيا وَ الآخِرَةِ.

و يحتمل تخصيص كلّ لفظ منها بمعنى، لأنّها لفظ جامع لخيرات الدارين، بأن يقال: و ألبسني عافيتك من المرض البدني، لأنّ الإلباس للثواب المخصوص للبدن.

و جلّلني عافيتك: من الفضيحة، بدليل التجليل الذي هو بمعنى التغطية و الستر.

و حصّنّي بعافيتك: ممّن يريد بي سوء، بقرينة التحصين.

و أكرمني بعافيتك: من الذلّ و المهانة أو من المعائب و القبائح، بدليل الإكرام بمعنى التعظيم أو التنزيه.

و أغنني بعافيتك: من الفقر و الحاجة، بدليل الإغناء.

و تصدّق عليّ بعافيتك: من الاضطرار إلى صدقة غيرك.

و هب لي عافيتك: من الاحتياج إلى هبة غيرك.

و أفرشني عافيتك: أي مهادها من الخوف، كما يقال: أفرشه مهاد أمنه.

و أصلح لي عافيتك: الحاصلة عندي التي قد أفسدها المرض و نحوه.

و لا تفرّق بيني و بين عافيتك: العامّة في أمور الدنيا و الآخرة.+ [ 712] عافية: منصوب على المفعوليّة المطلقة، مبيّن لنوع عامله لكونه موصوفا.

و كافية: صفة له.

و شافية و ما بعده: يحتمل الوصفيّة و الحاليّة.

و عافية الثانية: بدل من عافية الأولى بدل كلّ، و فائدتها التأكيد و التنصيص على أنّ العافية الموصوفة بالصفات المذكورة هي العافية التي تولّد في بدني العافية.

و قوله: «عافية الدنيا و الآخرة» بدل من العافية بدل الكلّ أيضا، و هو في الموضعين في حكم تكرير العامل، من حيث إنّه المقصود بالنسبة، مفيد لمتبوعه مزيد تأكيد و تقرير و إيضاح و تفسير، كما هو شأن بدل الكلّ من الكلّ.

و معنى كونها كافية أي: مغنية عن الأطباء، أو عن سؤال عافية أخرى معها.

12
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الثالث و العشرين ص : 9

وَ امْنُنْ عَلَيَّ بِالصِحَّةِ وَ الأمْنِ وَ السَلامَةِ في ديْني وَ بَدَني، وَ البَصيرَةِ و شافية: أي معدّلة للأخلاط، فإنّ معنى الشفاء، رجوع الأخلاط إلى الاعتدال، أو مزيلة للأمراض من شفى اللّه المريض إذا أصحّه.

و عالية: أي رفيعة لا تنالها الأسقام و العلل، أو عالية للمرض قاهرة له، من علا فلان فلانا إذا غلبه و قهره.

و نامية: أي زائدة كثيرة، من نمى الشي‏ء ينمي- من باب رمى- نماء بالفتح و المدّ في لغة، ينمو نموّا- من باب قعد- أي: زاد و كثر.

و تولّد: أي تنشّأ، من تولّد الشي‏ء عن غيره أي: نشأ عنه.

و الألف و اللام في العافية للجنس باعتبار تحقّقه في ضمن جميع أفراده، و هو المعبّر عنه بالاستغراق الحقيقي، و لهذا أبدل منها قوله: «عافية الدنيا و الآخرة»، توضيحا و تفسيرا للشمول المقصود من تعريف العافية، و المعنى تولّد في بدني كلّ عافية دنيويّة و اخرويّة.

أو لاستغراق خصائص الأفراد، أي: العافية الكاملة في معناها، نحو: هو الرجل أي: الكامل في الرجوليّة، و يكون قوله: «عافية الدنيا و الآخرة» لبيان أنّ العافية الكاملة هي الدنيويّة و الاخرويّة، و المراد بالاخرويّة العافية و السلامة من مضارّ الآخرة و آفاتها. و لا ينافيه قوله: «في بدني»، لأنّ الأعمال الحاصلة للإنسان التي تكون سببا للسلامة من أهوال الآخرة و مضارّها، إنّما تحصل عن هذا البدن و تستفاد بواسطته، و اللّه أعلم+.

 [ 713] الصحّة: البرء من المرض، و البراءة من كلّ عيب.

و قال الفيومي الصحة في البدن حالة طبيعيّة تجري أفعاله معها على المجرى الطبيعي، و قد استعيرت للمعاني، فقيل: صحّت الصلاة إذا اسقطت القضاء، و صحّ العقد إذ ترتّب عليه أثره، و صحّ الخبر إذا طابق الواقع‏ «1».

______________________________

 (1) المصباح المنير: ص 454.

13
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الثالث و العشرين ص : 9

في قَلْبِي، و النفاذِ في امُوري، وَ الخَشْيَةِ لَكَ، وَ الخَوْفِ مِنْكَ، وَ القُوّةِ عَلى‏ ما أمَرْتَني بهِ مِنْ طاعَتِكَ، و الاجْتِناب لِما نَهَيْتَني عنْهُ مِنْ مَعْصِيَتِكَ.

و قال بعضهم: الصحّة حالة أو ملكة تصدر بها الأفعال عن موضعها سليمة، و هي عند الفقهاء عبارة عن كون الفعل مسقطا للقضاء في العبادات، أو سببا لترتّب ثمراته المطلوبة منه عليه شرعا في العبادات، و بإزائه البطلان.

و قيل: هي استتباع الغاية، و بإزائها البطلان و الفساد.

و الأمن: عدم توقّع مكروه في المستقبل.

و السلامة: الخلوص من الآفات.

و دان بالإسلام دينا بالكسر تعبّد به.

و البدن في اللغة: من الجسد ما سوى الرأس و الأطراف.

و قيل: هو ما سوى المقاتل. و المراد به هنا جميع الجسد.

و البصيرة: قوّة القلب المنوّر بنور القدس يرى بها حقائق الأشياء و بواطنها، و هي بمثابة البصر للنفس ترى به صور الأشياء و ظواهرها، و هي التي تسمّيها الحكماء:

العاقلة النظرية و القوّة القدسيّة.

و نفذ في الأمر و القول- من باب قعد- نفوذا و نفاذا: مضى، و أمر نافذ أي:

ماض مطاع. و أصله من نفذ السهم إذا خرق الرمية و خرج منها.

 [ 714] و الخشية: تألم القلب بسبب توقّع مكروه في المستقبل.

و الخوف: بمعناها. و هما يكونان تارة بكثرة الجناية من العبد، و تارة بمعرفة جلال اللّه سبحانه و هيبته، و خشية الأنبياء و الأئمّة و خوفهم من هذا القبيل.

و قال بعضهم: لا يكاد اللغوي يفرّق بين الخوف و الخشية، و لا شكّ أنّ الخشية أعلى منه و هي أشدّ الخوف، فإنّها مأخوذة من قولهم: شجرة خشيّة أي: يابسة و هي فوات بالكلية، و الخوف من ناقة خوفاء: أي بها داء، و هو نقص و ليس بفوات، و لذلك خصّت الخشية باللّه في قوله تعالى: «يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَ يَخافُونَ سُوءَ

14
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الثالث و العشرين ص : 9

.......... الْحِسابِ» «1».

و فرّق بينهما أيضا بأنّ الخشية تكون من عظم المخشي و إن كان الخاشي قويّا، و الخوف يكون من ضعف الخائف و إن كان المخوف أمرا يسيرا، و يدلّ لذلك أنّ الخاء و الشين و الياء في تقاليبها تدلّ على العظمة، نحو شيخ: للسيد الكبير، و خيش:

لما غلظ من اللباس، و لذا وردت الخشية غالبا في حقّ اللّه‏ «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» «2»، انته.

و قد تقدّم في الروضة السادسة عشرة كلام للمحقّق الطوسي طاب ثراه في الفرق بين الخوف و الخشية، فليرجع إليه‏ «3».

قال بعض العارفين: إذا احترقت جميع الشهوات بنار الخوف، ظهر في القلب الذبول و الخشوع و الانكسار، و زال عنه الحقد و الكبر و الحسد، و صار كلّ همّه النظر في خطر العافية، فلا يتفرّغ لغيره، و لا يصير له شغل الا المراقبة و المحاسبة و المجاهدة، و الاحتراز من تضييع الأنفاس و الأوقات، و مؤاخذة النفس في الخطوات و الخطرات، و أمّا الخوف الذي لا يترتّب عليه شي‏ء من هذه الآثار، فلا يستحقّ أن يطلق عليه اسم الخوف، و إنّما هو حديث النفس‏ «4».

و لهذا قال بعض أرباب القلوب: إذا قيل لك: هل تخاف اللّه، فاسكت عن الجواب، فإنّك إن قلت «لا» كفرت، و إن قلت: «نعم» كذبت‏ «5» و القوّة: تمكّن الحيوان من الأفعال الشاقّة، و لا يبعد أن يكون المراد بها هنا الجدّ و العزيمة، كما فسّر به قوله تعالى: «خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ»+ «6»، أي: بعزيمة و جدّ غير

______________________________

 (1) سورة الرعد: الآية 21.

 (2) سورة فاطر: الآية 28.

 (3) ج 3، ص 130.

 (4) المحجّة البيضاء: ج 7 ص 270، و احياء علوم الدين: ج 4 ص 157.

 (5) حياة القلوب في هامش قوت القلوب: ج 2 ص 194.

 (6) سورة البقرة: الآية 63 و 93، و سورة الأعراف: الآية 171.

15
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الثالث و العشرين ص : 9

اللَّهُمَّ وَ امْنُنْ عَلَىَّ بِالْحَجِّ، وَ الْعُمْرَةِ وَ زِيارَةِ قَبْرِ رَسُولِكَ، صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَ رَحْمَتُكَ وَ بَرَكاتُكَ عَلَيْهِ، وَ عَلى‏ آلِهِ وَ آلِ رَسُولِكَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ابَداً ما ابْقَيْتَنِي في عامِي هذا وَ في كُلِّ عامٍ، وَ اجْعَلْ ذلِكَ مَقْبُولاً مَشْكوُراً مَذْكوُراً لَدَيْكَ، مَذْخوُراً عِنْدَكَ.

متكاسلين و لا متغافلين.

و عن الصادق عليه السّلام: أنّ المراد بها قوّة الأبدان و القلوب جميعا «1».

و الاجتناب: مطاوع جنّبته الشرّ جنوبا- من باب قعد-: أبعدته و نحيّته عنه فاجتنبه، و منه‏ «وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ» «2».

و جنّبته بالتثقيل مبالغة، فتجنّبه هو، و معنى منّه تعالى عليه بالاجتناب لما نهاه عنه من المعاصي، حسم أسبابها و عدم الإعداد لها، و اللّه أعلم.+ [ 715] الحجّ لغة: القصد، حجّ حجّا- من باب قتل-: قصد فهو حاجّ، و قيل: هو القصد إلى الشي‏ء المعظم.

و شرعا: قصد بيت اللّه تعالى بصفة مخصوصة في وقت مخصوص بشرائط مخصوصة، و الاسم الحجّ بالكسر.

و العمرة: اسم من الاعتمار، و هو لغة: الزيارة أخذا من العمارة، لأنّ الزائر يعمر المكان بزيارته.

و شرعا: زيارة بيت اللّه الحرام بعمل مخصوص، و هي واجبة عندنا مثل الحجّ، و به قال الشافعي في الجديد، و تسمّى الحجّ الأصغر.

روى ثقة الإسلام في الكافي بسند حسن أو صحيح عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: لمّا أفاض آدم من منى تلقّته الملائكة، فقالوا: يا آدم برّ حجّك، أما أنّه قد حججنا هذا البيت قبل أن تحجّه بألفي عام‏ «3».

______________________________

 (1) مجمع البيان: ج 1- 2، ص 128.

 (2) سورة إبراهيم: الآية 35.

 (3) الكافي: ج 4 ص 194 ح 4.

16
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الثالث و العشرين ص : 9

.......... و قد ورد في فضل الحجّ و العمرة و ثوابهما من الأخبار ما لا يحصى، فعن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: الحجّة ثوابها الجنّة، و العمرة كفّارة لكلّ ذنب‏ «1».

و عنه عليه السّلام: ضمان الحاجّ و المعتمر على اللّه، إن أبقاه بلغه أهله و إن أماته أدخله الجنّة «2».

و عنه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: تابعوا بين الحجّ و العمرة، فإنّهما ينفيان الفقر و الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد «3».

و عنه عليه السّلام: الحاجّ و المعتمر وفد اللّه، إنّ سألوه أعطاهم، و إن دعوه أجابهم، و إن شفعوا شفعهم، و إن سكتوا ابتدأهم و يعوّضون بالدرهم ألف درهم‏ «4».

و لمّا كان من المستحبّات المؤكّدة أن يختم الحاجّ حجّه بالورود إلى المدينة المشرّفة، لزيارة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و زيارة أهل بيته سلام اللّه عليهم أجمعين، سأل عليه السّلام ذلك بقوله: «و زيارة قبر رسولك إلى آخره».

روى أبو حجر الأسلمي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: من أتى مكّة حاجّا و لم يزرني في المدينة جفوته يوم القيامة، و من أتاني زائرا وجبت له شفاعتي، و من وجبت له شفاعتي وجبت له الجنّة «5».

و من الأخبار المستفيضة عنه صلّى اللّه عليه و آله: من حجّ و لم يزرني فقد جفاني‏ «6».

______________________________

 (1) الكافي: ج 4 ص 253 ح 4.

 (2) الكافي: ج 4 ص 253 ح 3.

 (3) الكافي: ج 4 ص 255 ح 12.

 (4) الكافي: ج 4 ص 255 ح 14.

 (5) الكافي: ج 4 ص 548 ح 5.

 (6) مستدرك الوسائل ج 2 ص 189 أبواب المزار باب 2 ح 1.

17
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الثالث و العشرين ص : 9

.......... و بسند صحيح عن أبي جعفر عليه السّلام قال: ابدءوا بمكّة و اختموا بنا «1».

و عن المعلّى أبي شهاب قال: قال الحسين عليه السّلام لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: يا أبتا ما لمن زارك؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: يا بنيّ من زارني حيّا أو ميّتا أو زار أباك أو زار أخاك أو زارك، كان حقّا عليّ أن أزوره يوم القيامة و اخلّصه من ذنوبه‏ «2».

قال شيخنا الشهيد قدّس سرّه في كتاب الدروس: يستحبّ للحاجّ و غيرهم زيارة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بالمدينة استحبابا مؤكّدا، و يجبر الامام الناس على ذلك لو تركوه، لقوله صلّى اللّه عليه و آله: من أتى مكّة حاجّا أو معتمرا و لم يزرني جفوته يوم القيامة، الحديث‏ «3».

قوله عليه السّلام: «صلواتك عليه و رحمتك و بركاتك عليه و على آله» جملة دعائيّة معترضة بين المعطوف و المعطوف عليه لا محلّ لها من الاعراب. و الصلاة من اللّه قيل: المغفرة و الرحمة، و قيل: الثناء، و قيل: الكرامة.

و المراد برحمته تعالى: رحمته التي وسعت كلّ شي‏ء و استتبعت كلّ خير.

و بركاته: خيراته النامية الفائضة منه بواسطة رحمته، المستتبعة لكلّ خير، الواسعة لكلّ شي‏ء.

قال بعضهم: إضافة البركات إليه تعالى باعتبار أنّ البركة، سواء كانت بمعنى الزيادة أو بمعنى الكثرة أو بمعنى الخصب، ناشئة من اللّه تعالى و كائنة بإعطائه. و أتى بالبركات بصيغة الجمع دون الرحمة اقتفاء لقوله تعالى حاكيا عن ملائكته الكرام:

 «قالُوا: أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» «4».

______________________________

 (1) الكافي: ج 4 ص 550 ح 1.

 (2) الكافي: ج 4 ص 548 ح 4.

 (3) الدروس: ص 151.

 (4) سورة هود: الآية 73.

18
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الثالث و العشرين ص : 9

.......... روي أن أمير المؤمنين عليه السّلام مرّ بقوم فسلّم عليهم، فقالوا: عليك السّلام و رحمة اللّه و بركاته و مغفرته و رضوانه، فقال: لا تجاوزوا بنا ما قالت الملائكة لأبينا إبراهيم عليه السّلام: رحمة اللّه و بركاته عليكم أهل البيت إنّه حميد مجيد «1».

و اعلم أنّ في أكثر النسخ المستفيضة لفظة «عليه» بعد الصلوات و بعد البركات، فهما جملتان متعاطفتان، أي: صلواتك مستقرّة عليه و رحمتك و بركاتك مستقرّة عليه. و في نسخة ابن إدريس لفظة «عليه» بعد البركات فقط، فهي جملة واحدة.

قوله عليه السّلام: «و آل رسولك عليهم السّلام» عطف على قبر رسولك، أي:

و زيارة قبور آل رسولك. و حذف المضاف للعلم به و لدلالة ما تقدّم عليه.

روي عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام: أنّ لكلّ إمام عهدا في عنق شيعته و أوليائه، و أنّ من تمام الوفاء بالعهد و حسن الأداء زيارة قبورهم، فمن زارهم عليهم السّلام رغبة في زيارتهم و تصديقا بما رغبوا فيه، كان أئمتهم شفعاؤهم يوم القيامة «2».

و عن زيد الشحّام، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: ما لمن زار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟ قال: كمن زار اللّه عزّ و جلّ فوق عرشه، قال: قلت: فما لمن زار أحدا منكم؟ قال: كمن زار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله‏ «3».

 [ 716] قوله عليه السّلام: «أبدا ما أبقيتني في عامي هذا و في كلّ عام».

الأبد: الدهر الطويل، و قيل: الدهر الطويل: لا حدّ له، و نصبه على الظرف أي: دهرا طويلا، و هو متعلّق بامنن، و ما قيل: من احتمال كونه ظرفا للسلام من قوله: «عليهم السّلام»، ليس بشي‏ء.

______________________________

 (1) مجمع البيان: ج 5- 6 ص 180.

 (2) الكافي: ج 4 ص 567 ح 2.

 (3) الكافي: ج 4 ص 585 ح 5.

19
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الثالث و العشرين ص : 9

.......... و «ما» من قوله: «ما أبقيتني»: مصدريّة زمانيّة أي: مدّة إبقائي، و الموصول و صلته في موضع نصب، على أنّه بدل أو عطف بيان من قوله «أبدا».

و قوله: «في عامي هذا» متعلّق با منن، قيل: أو بأبقيتني.

و العام: الحول، و هو في تقدير فعل بفتحتين، و لهذا يجمع على أعوام مثل سبب و أسباب.

و في القاموس: العام: السنة «1»، و قد تقدّم في الروضة الأولى عن ابن الجواليقي و صاحب التهذيب: أنّ العام أخصّ من السنة، و أنّ عدم الفرق بينهما غلط، «2» فراجعه.

و قوله: «هذا» صفة للعام بتأويل الحاضر.

و قال ابن السّراج: هو بدل منه‏ «3».

و قال السهيلي: عطف بيان‏ «4» و الأوّل هو الذي عليه الجمهور من البصريين و محقّقوا المتأخّرين.

قوله عليه السّلام: «و اجعل ذلك مقبولا» إلى آخره، ذلك إشارة إلى المذكور من الحجّ و العمرة و الزيارة، و ما فيه من معنى البعد للإشعار بعلوّ درجته و بعد منزلته في الفضل.

و المقبول: المرضي للّه أو المثاب عليه كما تقدّم في معنى المقبول، و يحتمل أن يكون الطلب متوجّها إلى جعله من جملة الأعمال المقرونة بالإخلاص، فكنّى بطلب القبول عن ذلك، فلا يرد أن طلب القبول يدلّ على أن العمل المقرون بالإخلاص‏

______________________________

 (1) القاموس المحيط: ج 4 ص 155.

 (2) المصباح المنير: ص 599- 600.

 (3) لم نعثر عليه.

 (4) لم نعثر عليه.

20
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الثالث و العشرين ص : 9

وَ أَنْطِقْ بِحَمْدِكَ وَ شَكْرِكَ وَ ذِكْرِكَ وَ حُسْنِ الثَناءِ عَلَيْكَ لِساني، وَ اشْرَحْ لِمَراشِدِ دِينِكَ قَلْبي.

لا يجب ترتّب الثواب عليه و إلاّ لم يكن في طلبه فائدة.

و المشكور: المعامل معاملة ما يشكر عليه في حسن الجزاء.

قال العلماء: الشكر عبارة عن مجموع أمور ثلاثة: اعتقاد كون العامل محسنا في تلك الأعمال، و الثناء عليه بالقول، و الإتيان بأفعال تدلّ على كونه مطيعا عند ذلك الشاكر، و اللّه تعالى يعامل المطيعين بهذه الأمور الثلاثة، لأنّه يعلم كونهم محسنين في تلك الأعمال، و أنّه يثني عليهم بكلامه، و يعاملهم المعاملات الدالّة على كونهم مطيعين عند اللّه.

و قيل: المشكور من الأعمال: المضاعف جزاؤه، المتجاوز عمّا فيه من الخلل و النقص.

و المذكور: الحال محلّ ما يذكر في تعلّق الثواب به و إظهار الرضا و استحقاق المنزلة و الإكرام، و بإزائه المنسي المطرح الذي لا يعبأ به و لا يلتفت إليه.

و المذخور: ما اعدّ لوقت الحاجة إليه، أي: اجعل ثوابه ذخرا و عدّة ليوم فاقتي إليه و هو يوم القيامة.

 [ 717] أي: ألهم لساني النطق بذلك، و قد يراد بإنطاقه تعالى إقداره على النطق، كما في قوله تعالى: «قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ»، «1» و هذا المعنى ليس مرادا هنا، لأنّه واقع فلا فائدة في طلبه.

و شرح فلان أمره: إذا أظهره و أوضحه، و منه شرح المسألة إذا بيّنها و فسّرها و أوضح معناها، و شرح اللّه صدره للإسلام: وسّعه لقبول الحقّ. و لا شكّ أنّ توسيع الصدر و القلب غير ممكن على سبيل الحقيقة، و لكنّه كناية عن جعل القلب قابلا

______________________________

 (1) سورة فصلت: الآية 21.

21
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الثالث و العشرين ص : 9

.......... للحقّ، مهيّئا لحلوله فيه، مصفّى عمّا يمنعه و ينافيه.

و قال النظام النيسابوري: إذا اعتقد الإنسان في عمل من الأعمال أنّ نفعه زائد و خيره راجح، مال طبعه إليه و قوى طلبه و رغبته في حصوله، و ظهر في القلب استعداد شديد لتحصيله، فسميّت هذه الحالة سعة الصدر، و إن حصل في القلب علم أو اعتقاد أو ظنّ يكون ذلك العمل مشتملا على ضرر زائد و مفسدة راجحة، دعاه ذلك إلى تركه، و حصل في النفس نبوة عن قبوله، فيقال لهذه الحالة: ضيق الصدر، لأنّ المكان إذا كان ضيّقا لم يتمكّن الداخل من الدخول فيه، و إذا كان واسعا قدر على الدخول فيه، و أكثر استعمال شرح الصدر في جانب الحقّ و الإسلام، و قد ورد في الكفر أيضا، قال تعالى: «و لكن من شرح بالكفر صدرا» «1».

قال أمين الإسلام الطبرسي: و قد وردت الرواية الصحيحة أنّه لمّا نزل قوله تعالى: «فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ» الآية، سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن شرح الصدر ما هو؟ فقال: نور يقذفه اللّه في قلب المؤمن، فينشرح له صدره و ينفسح، قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال صلّى اللّه عليه و آله:

نعم، إلانابة إلى دار الخلود، و التجافي عن دار الغرور، و الاستعداد للموت قبل نزول الموت‏ «2».

قال النيسابوري: و هذا البيان مناسب لما ذكرنا، فإنّ الإنابة إلى دار الخلود لا بدّ أن يترتّب على اعتقاد أنّ عمل الآخرة زائد النفع و الخير و التجافي عن دار الغرور إنّما ينبعث عن اعتقاد كون عمل الدنيا زائد الضرّ و الضير، و الاستعداد للموت قبل نزوله نتيجة مجموع الأمرين: الزهد في الدنيا، و الرغبة في الآخرة «3».

______________________________

 (1) تفسير غرائب القرآن و رغائب الفرقان: ج 2 ص 103.

 (2) مجمع البيان: ج 3- 4 ص 363.

 (3) تفسير غرائب القرآن و رغائب الفرقان: ج 2 ص 103.

22
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الثالث و العشرين ص : 9

وَ أَعِذْني وَ ذُرِّيّتي، مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيم، وَ مِنْ شَرِّ السّامَّةِ وَ الْهامَّةِ وَ العامَّةِ وَ اللامَّةِ، وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ، وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ سُلْطانٍ عَنيدٍ، وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ مُتْرَفٍ حَفيدٍ، وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ ضَعيفٍ وَ شَديدٍ، وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَريف وَ وَضيعٍ، وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ صَغيرٍ وَ كَبيرٍ، وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ قَريبٍ وَ بَعيدٍ، وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ مَنْ نَصَبَ لِرَسُولِكَ وَ لِأَهْلِ بَيْتِهِ حَرْبًا، مِنَ الجِنِّ وَ الْإِنْسِ، وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ دابَّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِناصِيَتِها، إِنَّكَ عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقيمٍ.

و المراشد: جمع مرشد، و هو إمّا مصدر ميميّ بمعنى الرشد، كالمقصد بمعنى القصد، و جمع باعتبار الأنواع، و منه قول الزمخشري في الأساس: هو يهدي إلى المراشد «1»، أو اسم موضع.

قال الجوهري: المراشد، المقاصد من الطرق‏ «2»، أي: الطرق المستقيمة، فإنّ قصد الطريق هو استقامته.

و المعنى: اشرح قلبي لقبول مراشد دينك أي: هداياته، أو لسلوك مراشده أي:

طرقه المستقيمة، و اللّه أعلم.

 [ 718] أي: أجرني بحفظك و اعصمني.

و ذرّيتي عطف على الضمير.

و الرجيم: المطرود، و أصل الرجم الرمي بالحجارة، أو لأنّه يرجم بالكواكب، لقوله تعالى: «وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ» «3»، أو من رجمته بالقول إذا شتمته و رميته بالفحش، لأنّه يسبّ و يشتم.

______________________________

 (1) أساس البلاغة: ص 232.

 (2) الصحاح: ج 2 ص 474.

 (3) سورة الملك: الآية 5.

23
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الثالث و العشرين ص : 9

.......... و المستعاذ منه وسواسه و إغواؤه و جميع شروره، بل نفسه لأنّه بذاته شرّ يستعاذ منه.

و في الدعاء اقتباس من قول امرأة عمران: «وَ إِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَ ذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ» «1».

روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال: ما من مولود يولد إلاّ و الشيطان يمسّه حين يولد، فيستهلّ صارخا من مسّه، إلاّ مريم و ابنها، فإنّ اللّه تعالى عصمهما ببركة هذه الاستعاذة «2».

و قيل: معناه أنّ الشيطان يطمع في إغواء كلّ مولود بحيث يتأثّر منه إلاّ مريم و ابنها، و قد تقدّم الكلام على الذريّة مبسوطا في الروضة الرابعة «3».

و السامّة إذا قرنت بالهامّة فالمراد بها ما يسمّ و لا يبلغ أن يقتل بسمّه كالعقرب و الزنبور.

و الهامّة: كلّ ذات سمّ يقتل كالحيّة، و إذا قرنت بالعامّة أو الحامّة فالمراد بها الخاصّة، و منه: من قال حين يمسي أو يصبح: أعوذ بك من شرّ السامّة و الحامّة و من شرّ ما خلقت، لم تضرّه دابّة، «4» قال الزمخشري في الفائق: أي: الخاصّة و العامّة.

قال العجاج:

هو الذي أنعم نعمي عمّت‏

 

 على الذين أسلموا و سمّت‏

 

 «5» انته.

و الحامّة كما تطلق على العامّة تطلق على خاصّة الرجل من أهله و ولده، لكن‏

______________________________

 (1) سورة آل عمران: الآية 36.

 (2) الدّر المنثور: ج 2 ص 19.

 (3) ج 2 ص 119.

 (4) الفائق في غريب الحديث: ج 2 ص 200.

 (5) الفائق في غريب الحديث: ج 2 ص 200.

24
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الثالث و العشرين ص : 9

.......... عطفها على السامّة عيّن كون المراد بها المعنى الأوّل، و قد تقع الهامّة على ما يدبّ من الحشرات و إن لم يقتل.

و اللامّة: كلّ ما يخاف من فزع و شرّ، أو المراد بها العين اللامّة أي: المصيبة بسوء، و منه أعوذ بكلمات اللّه التامّة من كلّ عين لامّة «1».

أي: ذات لمم و هو طرف من الجنون، و لم يقل: ملمّة، و أصله من ألمت لمشاكلة سامّة.

و المريد: العاتي.

قال في القاموس: مرد- كنصر و كرم- مرودا و مرادة فهو مارد و متمرد: أقدم و عتا، أو هو أن يبلغ الغاية التي تخرج من جملة ما عليه ذلك الصنف‏ «2» انته.

و قيل: هو المتجرّد للفساد، و أصله العرى المنبئ عن التمحّض له كالتشمّر، و لعلّه مأخوذ من تجرّد المصارعين عند المصارعة.

و قيل: هو بمعنى الخالي من الخير، من قولهم: صخرة مرداء أي: ملساء، و منه الأمرد.

و قيل: هو المتطاول في الشرّ و الفساد، من قولهم: بناء ممرّد أي: متطاول متجاوز، و المراد إمّا إبليس و جنوده، أو رءوس أهل الفساد و الشرّ الذين يدعون من دونهم إلى الغيّ و الضلال.

 [ 719] و العنيد: الجائر عن القصد الباغي الذي يردّ الحق مع العلم به، فعيل من عند عن القصد عنودا- من باب قعد- أي: جار، و قيل: هو من عند الغرق عنودا- من باب نزل- إذا سأل و كثر ما يخرج منه فلم يرقأ.

______________________________

 (1) سنن ابن ماجة: ج 2 ص 1164- 1165 ح 3525.

 (2) القاموس المحيط: ج 1 ص 337.

25
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الثالث و العشرين ص : 9

.......... و المترف: المتنعّم المتوسّع في ملاذّ الدنيا و شهواتها، الذي قد أترفته و أبطرته النعمة و سعة العيش.

و قال ابن عرفة: المترف: المتروك يصنع ما يشاء لا يمنع منه‏ «1».

و في القاموس: المترف: المتنعّم لا يمنع من تنعّمه، و الجبار «2».

و قال الفارابي في ديوان الأدب: أترفته النعمة: أي أطغته، و أترفه: أي نعمة «3».

و في الأساس: أترفته النعمة: أبطرته، و أترف فلان و هو مترف، و أعوذ باللّه من الإتراف و الإسراف، و استترفوا تعفرتوا و طغوا، و لم أزل معهم في ترفة أي:

نعمة «4».

و الحفيد: فعيل بمعنى مفعول، و هو الذي يخدمه أصحابه و يعظّمونه و يسرعون في خدمته، و أصله من حفد- من باب ضرب- أي: أسرع.

قال في الأساس: حفد البعير حفدا و حفودا و حفدانا: أسرع في سيره و دارك الخطو، و من المجاز: حفد فلان في الأمر و احتفد إذا أسرع فيه و خفّ في القيام به، و حفدت فلانا: خدمته و خففت إلى طاعته، و رجل محفود: مخدوم مطاع‏ «5».

و ضعف عن الشي‏ء- من باب قرب-: عجز عن احتماله فهو ضعيف. و شدّ الشي‏ء يشدّ- من باب ضرب-: قوى فهو شديد، و المراد: كلّ ضعيف و شديد جسما و معنى: و قدّم الضعيف على الشديد، لرعاية السجع و لمزيد الاهتمام بالاستعاذة من شرّه، فإنّ الشديد لشدّته يكثر الاحتراز و التوقّي شروره، بخلاف الضعيف فإنّه كثيرا ما يحتقر فلا يعبأ به لضعفه، فينفذ شره و هو مغفول عنه، كما قيل:

______________________________

 (1) تاج العروس: ج 6 ص 49.

 (2) القاموس المحيط: ج 3 ص 120.

 (3) ديوان الأدب: ج 2 ص 313.

 (4) أساس البلاغة: ص 62.

 (5) أساس البلاغة: ص 132.

26
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الثالث و العشرين ص : 9

..........

 و لا تحتقر كيد الضعيف فربّما

 

 تموت الأفاعي من سموم العقارب‏

 

 و قال أبو عبيدة: العرب تقدّم الأخسّ غالبا، يقولون: ربيعة و مضر و سليم و عامر، و لم يترك قليلا و لا كثيرا «1».

و الشريف: الماجد الرفيع القدر.

و الوضيع: الساقط لا قدر له، [ 720] و المراد بالصغير و الكبير: إمّا باعتبار السنّ، أو باعتبار المهانة و القدر.

و قال الفيومي: صغر في عيون الناس: ذهبت مهابته فهو صغير، و منه يقال:

جاء الناس صغيرهم و كبيرهم، أي: من لا قدر له و من له قدر «2».

و القريب و البعيد: إمّا باعتبار المسافة أو باعتبار النسب. و لك حمل كلّ من الألفاظ المذكورة على معنى مجازي عام يكون كلّ واحد من المعاني المذكورة فردا حقيقيّا له.

و نصبت لزيد الحرب و العداوة: أقمتها و أظهرتها له، و منه الناصب و هو معلن العداوة لعليّ عليه السّلام و شيعته‏ «3».

قال في القاموس: النواصب و الناصبيّة. و أهل النصب: المتديّنون ببغضة عليّ عليه السّلام، لأنّهم نصبوا له أي: عادوه‏ «4».

 [ 721] و الدابّة: كلّ حيوان في الأرض، و خالف بعضهم فأخرج الطير من الدوّاب، و ردّ بالسماع، و هو قوله تعالى: «وَ اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ» «5»، قالوا: أي خلق كلّ حيوان مميزّا كان أو غير مميّز. و أمّا تخصيص الفرس و البغل بالدابّة عند الإطلاق فعرف طارئ. و تطلق الدابّة على الذكر و الأنثى، و الجمع الدوابّ.

______________________________

 (1) مجاز القرآن لأبي عبيدة: ج 2 ص 173- 174.

 (2) المصباح المنير: ص 466.

 (3) مجمع البحرين: ج 2 ص 173.

 (4) القاموس المحيط: ج 1 ص 133.

 (5) سورة النور: الآية 45.

27
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الثالث و العشرين ص : 9

اللّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ مَنْ أرادنى بِسُوءٍ فَاصْرِفْهُ عَنِّى، وَ ادْحَرْ عَنّى مَكْرَهُ، وَ ادْرأ عَنّي شَرَّهُ، وَ رُدَّ كَيْدَهُ في نَحْرِهِ، وَ اجْعَلْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُدًّا، حَتّى‏ تُعْمِىَ عَنّي بَصَرَهُ، وَ تُصِمِّ عَنْ ذِكْري سَمْعَهُ، وَ تُقْفِلَ دُونَ إخْطاري قَلْبَهُ، وَ تُخْرِسَ عَنّي لِسانَهُ، وَ تَقْمَعَ رَأْسَهُ، وَ تُذِلَّ عِزَّهُ وَ تَكْسِرَ جَبَرُوتَهُ، وَ تُذِلَّ رَقَبَتَهُ، وَ تَفْسَخَ كِبْرَهُ وَ تُؤْمِنَني مِنْ جَميعِ ضَرِّهِ وَ شَرِّهِ وَ غَمْزِهِ وَ هَمْزِهِ وَ لَمْزِهِ، وَ حَسَدِهِ وَ عَداوَتِهِ، وَ حَبائِلِهِ وَ مَصائِدِهِ، وَ رِجْلِهِ وَ خَيْلِهِ، إنَّكَ عِزيزٌ قَديرٌ.

و قوله: «أنت آخذ بناصيتها» أي: مالك لها قادر عليها تصرّفها كيف تشاء غير مستعصية عليك، فإن الأخذ بالناصية تمثيل لذلك. و إنّما خصّت الناصية لحكم الوهم بأنّه تعالى في جهة فوق فيكون أخذه بالناصية، و لأنّها أشرف ما في الدابّة فسلطانه تعالى على الأشرف يستلزم القهر و الغلبة و تمام القدرة، و قد تقدّم معنى الناصية في الروضة الحادية و العشرين عند قوله عليه السّلام: «و في قبضتك ناصيتي»، و الجملة في محلّ جرّ صفة لدابّة، و الوصف للتأبيد و التعميم لا للتقييد و التخصيص.

و قوله: «إنّك على صراط مستقيم» تعليل لما يدلّ عليه عموم طلب إعاذته من شرّ كلّ حيوان يدّب على وجه الأرض حتّى لا يكون له قدرة على إضراره، أي: إنّك على طريق الحقّ و العدل في ملكك، فلا تسلّط عليّ شيئا من ذلك، إذ لا يضيع عندك معتصم بك. و فيه اقتباس من قوله تعالى: «إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَ رَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» «1».

 [ 722] الإرادة هنا: بمعنى القصد، أي: من قصدني بسوء و أنّ حملها على معنى نزوع النفس و ميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه، فالكلام على حذف مضاف، أي: من‏

______________________________

 (1) سورة هود: الآية 56.

28
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الثالث و العشرين ص : 9

.......... أراد إصابتي بسوء، لأنّها بهذا المعنى لا تتعلّق بالذوات. و الباء: للاستعانة.

و نكّر السوء مبالغة، أي: بشي‏ء يسوؤني، و كما يقال: أراده بسوء يقال: أراد به سوء، قال تعالى: «إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ» «1»، و قال: «وَ أَرادُوا بِهِ كَيْداً» «2»، فالباء في هذا للإلصاق، أي: أرادوا إلصاق كيد به.

و صرفت الشي‏ء صرفا- من باب ضرب-: رددته، أي: فردّه عنّي.

و دحره دحرا و دحورا- من باب منع-: طرده و أبعده و دفعه.

و المكر: إيصال مكروه إلى الإنسان من حيث لا يشعر.

و درأت الشي‏ء درء بالهمزة- من باب نفع-: دفعته.

و الكيد: إرادة مضرّة الغير خفية.

و النحر: موضع القلادة من الصدر، و قد يطلق على الصدر، و ردّ كيده في نحره كناية عن رجع كيده عليه و صرفه إليه، و إنّما خصّ النحر لأنّه أعظم المقاتل.

 [ 723] و بين يديه أي: قدّامه.

و السدّ بالفتح و الضمّ: الجبل و الردم و الحاجز بين الشيئين، و قيل: المضموم ما كان من خلق اللّه كالجبل، و المفتوح ما كان من عمل بني آدم، و هو تمثيل لطلب منعه عن وصوله إليه كالمسدود عليه طريقه.

و حتّى: تعليلية، أي: كي تعمي عنّي بصره.

و العمى: عدم البصر عمّا من شأنه يبصر.

و الصمّ: آفة مانعة من السماع، و أصله الصلابة و اكتناز الأشياء، و منه الحجر الأصمّ و القناة الصمّاء، سمي به فقدان حاسّة السمع، لما أنّ سببه اكتناز باطن الصماخ و انسداد منافذه، بحيث لا يكاد يدخله هواه يحصل الصوت بتموّجه.

______________________________

 (1) سورة يس: الآية 23.

 (2) سورة الأنبياء: الآية 17.

29
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الثالث و العشرين ص : 9

.......... [ 724] و الخرس: البكم، و هو آفة في اللسان تمنع من الكلام. و ليس المراد أن يحدث هذه الآفات ببصره و سمعه و لسانه، بل المراد أن يجعله غافلا عنه، فلا يعمل بصره و سمعه و لسانه في أمره بسوء، حتّى كأنّه أعماه و أصمّه و أخرسه، و لذلك قيّده بقوله: «عنّي». و هذا عند مفلقي سحرة البيان من باب التمثيل البليغ المؤسس على تناسي التشبيه، كما في قول الشاعر:

و يصعد حتّى يظنّ الجهول‏

 

 بأنّ له حاجة في السماء «1»

 

 لا من قبيل الاستعارة التي يطوى فيها ذكر المستعارة له بالكليّة، حتّى لو لم يكن هناك قرينة يحمل على المعنى الحقيقي، كما في قوله زهير:

لدي اسد شاكي السلاح مقذف‏

 

 له لبد أظفاره لم تقلّم‏ «2»

 

 و أقفلت الباب إقفالا: وضعت عليه القفل بالضمّ، و هو الحديد الذي يغلق به الباب، فهو مقفل.

و خطر الشي‏ء في باله و على باله خطرا و خطورا- من بابي قعد و ضرب-: مرّ بفكره، و ذلك إذا ذكره بعد نسيان، و منه الخاطر و هو ما يتحرّك في القلب من رأي أو معنى، و أخطره إخطارا: أمرّه بفكره.

و دون بمعنى: عند، أي: عند إخطاري، و منه: من قتل دون ماله‏ «3». أي: عند ماله، أو بمعنى: قدّام، أي: قدّام إخطاري، و منه: من قتل دون دينه‏ «4»، أي: قدّامه، بأن قصد كافر أو مبتدع خذلانه في دينه أو توهينه فيه و هو يذبّ عنه كالحامي له.

قاله الطيبي في شرح المشكاة «5».

______________________________

 (1) الإيضاح في علوم البلاغة للخطيب القزويني: ص 434. و البيت منسوب إلى أبي تمّام.

 (2) الإيضاح في علوم البلاغة للخطيب القزويني: ص 434. منسوبا إلى زهير.

 (3) الجامع الصغير: ج 2 ص 178.

 (4) الجامع الصغير: ج 2 ص 178.

 (5) لا يوجد لدينا كتابه.

30
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الثالث و العشرين ص : 9

.......... و قمعته قمعا- من باب منع-: ضربته بالمقمعة بكسر الأوّل، و هي خشبة يضرب بها الإنسان على رأسه ليذلّ و بهان: قاله الفيومي في المصباح‏ «1».

و في القاموس: المقمعة كمكنسة: العمود من حديد أو كالمحجن يضرب به رأس الفيل، و خشبة يضرب بها الإنسان على رأسه، الجمع مقامع، قمعه كمنعه: ضربه بها و قهره و ذلّله‏ «2»، انته.

و في المحكم: قمع الرجل يقمعه قمعا: ضرب أعلى رأسه، و المقمع و المقمعة كلاهما ما قمع به‏ «3» انته.

و المراد بقمع الرأس هنا: القهر و الإذلال و الإهانة، أو الردع و الكفّ، من قمعه قمعا: ردعه و كفّه. نصّ عليه في المحكم‏ «4».

و خصّ الرأس بالذكر لأنّه مجمع الحواس و رئيس الأعضاء.

و ذلّ ذلا- من باب ضرب- و الاسم الذلّ بالضمّ و الذلّة بالكسر و المذلة: إذا ضعف و هان، فهو ذليل.

و العزّ و العزّة بكسرهما: الرفعة و الامتناع و الشدّة و الغلبة.

و الجبروت بفتح الباء: الكبر و التعاظم و القهر، قيل: هو مصدر على زنة المبالغة، لأنّ الواو و التاء تزادان للمبالغة كالرهبوت و الملكوت، و المراد بكسره: إضعافه و إذلاله.

و الرقبة: العتق، فجعلت كناية عن جميع الذات، و قد مرّ بيانه فيما سبق.

و فسخ ثوبه- من باب منع- فسخا: نزعه، و البيع: نقضه.

و الكبر: الاسم من التكبّر، و هو العظمة، و مثله الكبرياء.

 [ 725] و آمنه ممّا يخاف بمدّ الهمزة جعله آمنا لا يخاف غائلته.

و الضرّ بفتح الضاد مصدر ضرّه يضرّه- من باب قتل-: إذا فعل به مكروها.

______________________________

 (1) المصباح المنير: ص 709.

 (2) القاموس المحيط: ج 3 ص 74.

 (3) المحكم في اللغة: ج 1 ص 152.

 (4) المحكم في اللغة: ج 1 ص 151.

31
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الثالث و العشرين ص : 9

.......... قال ابن القوطية: كلمّا كان من سوء حال و فقر و شدّة في بدن فهو ضرّ بالضمّ، و ما كان ضدّ النفع فهو بفتحها «1».

و الشر: الفساد و الظلم.

و غمز بالحاجب و العين غمزا- من باب ضرب-: أشار، و غمز فيه طعن، و بالرجل سعى به شرّا.

و همزه همزا- من باب ضرب-: اغتابه في غيبته.

و في النهاية: الهمز: الغيبة و الوقيعة في الناس و ذكر عيوبهم‏ «2».

و لمزه لمزا- من باب ضرب أيضا-: عابه. و قيل: الهمز: العيب في الغيبة، و اللمز: العيب في الوجه، و منه الحديث: أعوذ بك من همز الشيطان و لمزه‏ «3».

و الحبائل: جمع حبالة، و هي الشرك التي يصاد بها.

و المصايد بغير همز: جمع مصيد بكسر الميم و سكون الصاد و فتح الياء، و هي آلة الصيد. و كلاهما استعارة للأمور التي يوطئها لإيقاعه بها في المكاره، و منه: فلان نصب حبائله و بثّ غوائله، و مثله نصب مصائده و بثّ مكائده.

و الخيل: الخيّالة، و هم الفرسان، و منه قوله صلّى اللّه عليه و آله: يا خيل اللّه اركبي‏ «4».

و الرجل بفتح الراء و سكون الجيم: اسم جمع للراجل كالصحب و الركب للصاحب و الراكب، قيل: هما كناية عن أعوانه من كلّ راكب و ماش، و الأقرب أنّ هذا كلام أورد مورد التمثيل، فقد يقال للرجل المجدّ في الأمر: جئتنا بخيلك و رجلك، مثّل حاله في جدّه و جهده لإيقاعه به بصاحب جند من خيّالة و رجّالة.

______________________________

 (1) كتاب الأفعال الثلاثية و الرباعية: ص 92.

 (2) النهاية لابن الأثير: ج 5 ص 273.

 (3) النهاية لابن الأثير: ج 4 ص 269.

 (4) تفسير الكشاف: ج 2 ص 677.

32
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الثالث و العشرين ص : 9

.......... قال صاحب الكشّاف في قوله تعالى: «وَ اسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ»: مثّلت حال إبليس في تسلّطه على من يغويه بمغوار أوقع على قوم، فصوّت بهم صوتا يستفزّهم من أماكنهم و يقلقهم عن مراكزهم، و أجلب عليهم بجنده من خيّالة و رجّالة حتّى استأصلهم‏ «1».

و قوله عليه السّلام: «إنّك عزيز قدير» تعليل لاستدعاء القبول، و تأكيد الجملة لقوّة عرض يقينه بمضمونها، و ذكر صفتي «العزّة و القدرة» لإظهار أنّه العزيز، أي:

الغالب الذي لا يمانعه أحد، و القدير الذي لا يعجزه شي‏ء فيدخل في ذلك ما سأله عليه السّلام من صرف من أراده بسوء إلى آخر ما تضمّنه الدعاء دخولا أوّليا، و اللّه أعلم. [] هذا آخر الروضة الثالثة و العشرين من رياض السالكين، و قد وفق اللّه سبحانه لإتمامها مع مكابدة المصائب و مقاساة النوائب التي تهدّ الجبال الرواسي و تذيب الصخور القواسي و اللّه المستعان، ضحوة الجمعة لخمس خلون من جمادى الآخرة من سنة إحدى و مائة و ألف، و الحمد للّه على كلّ حال.

______________________________

 (1) تفسير الكشاف: ج 2 ص 678.

33
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

الروضة الرابعة و العشرون ص : 35

الروضة الرابعة و العشرون‏

35
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

و كان من دعائه عليه السلام لأبويه عليهما السلام ص : 37

وَ كانَ مِنْ دُعائِهِ عَلَيهِ السَّلامُ لِأَبَوَيْهِ عَلَيْهِمَا السَّلامُ‏

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَ رَسوُلِكَ وَ اهْلِ بَيْتِهِ الطّاهِرينَ وَ اخْصُصْهُمْ بِافْضَلِ صَلَواتِكَ وَ رَحْمَتِكَ وَ بَرَكاتِكَ وَ سَلامِكَ وَ اخْصُصِ اللّهُمَّ والِدَىَّ بِالْكَرامَةِ لَدَيْكَ وَ الصَّلوةِ مِنْكَ يا ارْحَمَ الرَّاحِمينَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ الْهِمْنى عِلْمَ ما يَجِبُ لَهُما عَلَىَّ الْهامًا وَ اجْمَعْ لي عِلْمَ ذلِكَ كُلِّهِ تَمامًا ثُمَّ اسْتَعْمِلْنى بِما تُلْهِمُنى مِنْهُ وَ وَفِّقْني لِلنُّفوُذِ فيما تُبَصِّرُنى مِنْ عِلْمِهِ حَتّى‏ لا يَفوُتَنِى اسْتِعْمالُ شَى‏ءٍ عَلَّمْتَنيهِ وَ لا تَثْقُلَ ارْكانى عَنِ الحُفوُفِ فيما الْهَمْتَنيهِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ الِهِ كَما شَرَّفْتَنا بِهِ وَ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ الِهِ كَما اوْجَبْتَ لَنَا الْحَقَّ عَلَى الْخَلْقِ بِسَبَبِهِ اللّهُمَّ اجْعَلْني اهابُهُما هَيْبَةَ السُّلْطانِ الْعَسُوفِ وَ أَبَرُّهُما بِرَّ الْأُمِّ الرَّءُوفِ وَ اجْعَلْ طاعَتِى لِوالِدَىَّ وَ بِرّى بِهِما اقَرَّ لِعَيْنى مِنْ رَقْدَةِ الْوَسْنانِ وَ اثْلَجَ لِصَدْرِى مِنْ شَرْبَةِ الظَّمْانِ حَتّى‏ اوُثِرَ عَلى‏ هَواىَ هَواهُما وَ اقَدِّمَ عَلى‏ رِضاىَ رِضاهُما وَ اسْتَكْثِرَ بِرَّهُما وَ انْ قَلَّ وَ اسْتَقِلَّ بِرّى بِهِما وَ انْ كَثُرَ اللَّهُمَّ خَفِّضْ لَهُما صَوْتى وَ اطِبْ لَهُما كَلامى وَ الِنْ لَهُما عَريكَتى‏ ..........

37
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

و كان من دعائه عليه السلام لأبويه عليهما السلام ص : 37

وَ اعْطِفْ عَلَيْهِما قَلْبِى وَ صَيِّرْنِى بِهِما رَفيقًا وَ عَلَيْهِما شَفيقًا اللَّهُمَّ اشْكُرْ لَهُما تَرْبِيَتي وَ اثِبْهُما عَلى‏ تَكْرِمَتي وَ احْفَظْ لَهُما ما حَفِظاهُ مِنّي في صِغَرى اللَّهُمَّ وَ ما مَسَّهُما مِنّى مِنْ اذًى اوْ خَلَصَ الَيْهِما عَنّى مِنْ مَكْرُوهٍ اوْ ضاعَ قِبَلى لَهُما مِنْ حَقّ فَاجْعَلْهُ حِطَّةً لِذُنُوبِهِما وَ عُلُوًّا في دَرَجاتِهِما وَ زِيادَةً في حَسَناتِهِما يا مُبَدِّلَ السَّيِّئاتِ بِأَضْعافِها مِنَ الْحَسَناتِ اللَّهُمَّ وَ ما تَعَدَّيا عَلَىَّ فِيهِ مِنْ قَوْلٍ اوْ اسْرَفا عَلَىَّ فِيهِ مِنْ فِعْلٍ اوْ ضَيَّعاهُ لي مِنْ حَقٍّ اوْ قَصَّرا بي عَنْهُ مِنْ واجِبٍ فَقَدْ وَهَبْتُهُ لَهُما وَ جُدْتُ بِهِ عَلَيْهِما وَ رَغِبْتُ الَيْكَ في وَضْعِ تَبِعَتِهِ عَنْهُما فَانّى لا اتَّهِمْهُما عَلى‏ نَفْسى وَ لا اسْتَبْطِئْهُما في بِرّي وَ لا اكْرَهُ ما تَوَلَّياهُ مِنْ امرى يا رَبِّ فَهُما اوْجَبُ حَقًّا عَلَىَّ وَ أَقْدَمُ إحْسانًا الَىَّ وَ اعْظَمُ مِنَّةً لَدَىَّ مِنْ انْ أَ قاصَّهُما بِعَدْلٍ او اجازِيَهُما عَلى‏ مِثْلٍ ايْنَ إِذًا يا الهِى طُولُ شُغْلِهِما بِتَرْبِيَتى وَ ايْنَ شِدَّةُ تَعَبِهِما في حِراسَتى وَ ايْنَ اقْتارُهُما عَلى‏ انْفُسِهِما لِلتَّوْسِعَةِ عَلَىَّ هَيْهاتَ ما يَسْتَوْفِيانِ مِنّي حَقَّهُما وَ لا ادْرِكْ ما يَجِبُ عَلَىَّ لَهُما وَ لا انَا بِقاضٍ وَظيفَةَ خِدْمَتِهِما فَصَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ وَ اعِنّى يا خَيْرَ مَنِ اسْتُعينَ بِه وَ وَفِّقْني يا اهْدَى‏ مَنْ رُغِبَ الَيْهِ وَ لا تَجْعَلنى في أَهْلِ الْعُقُوقِ لِلاباءِ وَ الْأُمَّهاتِ‏ ..........

38
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

و كان من دعائه عليه السلام لأبويه عليهما السلام ص : 37

يَوْمَ تُجْزى‏ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ وَ ذُرِّيَّتِهِ وَ اخْصُصْ أَبَوَيَّ بِافْضَلِ ما خَصَصْتَ بِهِ آباءَ عِبادِكَ الْمُؤْمِنِينَ وَ امَّهاتِهِمْ يا ارْحَمَ الرَّاحِمِينَ اللَّهُمَّ لا تُنْسِنى ذِكْرَهُما في ادْبارِ صَلَواتي وَ في انًا مِنْ آناءِ لَيْلي وَ في كُلِّ سَاعَةٍ مِنْ ساعاتِ نَهاري اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ اغْفِرْ لي بِدُعائي لَهُما وَ اغْفِرْ لَهُما بِبِرِّهِما بي مَغْفِرَةً حَتْمًا وَ ارْضَ عَنْهُما بِشَفاعَتي لَهُما رِضًى عَزْمًا وَ بَلِّغْهُما بِالْكَرامَةِ مَواطِنَ السَّلامَةِ اللَّهُمَّ وَ انْ سَبَقَتْ مَغْفِرَتُكَ لَهُما فَشَفِّعْهُما فِىَّ وَ انْ سَبَقَتْ مَغْفِرَتُكَ لي فَشَفِّعْني فيهِما حَتَّى نَجْتَمِعَ بِرَأْفَتِكَ في دارِ كَرامَتِكَ وَ مَحَلِّ مَغْفِرَتِكَ وَ رَحْمَتِكَ انَّكَ ذُو الْفَضْلِ الْعَظيمِ وَ الْمَنِّ الْقَدِيمِ وَ انْتَ ارْحَمُ الرَّاحِمِينَ‏ ..........

39
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

و كان من دعائه عليه السلام لأبويه عليهما السلام ص : 37

.......... [] بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏ «1» الحمد للَّه الذي وصّى الإنسان بوالديه حسنا، و وعده على برّهما من لديه المقام الأسنى، و الصّلاة و السّلام على نبيّه أنجب المخلوقين أمّا و أبا، و على أهل بيته الذين فرض طاعتهم على كلّ أحد شاء أو أبى.

و بعد فهذه الروضة الرابعة و العشرون من رياض السالكين، تتضمّن شرح الدعاء الرابع و العشرين من صحيفة سيّد العابدين، صلوات اللَّه و سلامه عليه و على آبائه و أبنائه الطاهرين، إملاء العبد الراجي فضل ربّه السني، عليّ صدر الدين الحسيني. الحسنيّ غفر اللَّه له و لوالديه، و جعل خير أيّامه يوم الوقوف بين يديه.

______________________________

 (1) (ج- الف): و به ثقتي.

40
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الرابع و العشرين ص : 41

شرح الدعاء الرابع و العشرين‏

وَ كَانَ مِن دُعَائِهِ عَليهِ السّلامُ لِابَويهِ عَلَيهما السّلامُ.

المراد بالأبوين: الأب و الأمّ، و هو من ألفاظ التغليب التي غلّب فيها أحد المتصاحبين أو المتشابهين على الآخر، بأنّ جعل الآخر موافقا له في الاسم، ثمّ ثنّي ذلك الاسم و قصد إليهما جميعا، فتارة يغلّب الأشرف كالأبوين، و تارة الأخفّ كالعمرين، و تارة المذكّر كالقمرين.

و قيل: المعتبر هو الاسم الأخفّ إلاّ أن يكون الأثقل مذكّرا كالقمرين، على أنّ هذا النوع مسموع يحفظ و لا يقاس عليه، و قد استوفيت الكلام عليه في شرح الصمدية «1» فليرجع إليه.

و اعلم أنّ تعظيم الأبوين أمر معتبر في جميع الشرائع، و مركوز في كلّ العقول، و حسبك أنّ اللَّه سبحانه نصّ على ذلك في غير موضع من كتابه المجيد، و ورد في الأخبار النبويّة ما يضيق عنه نطاق الحصر. و من تعظيمهما و الإحسان إليهما أن يحبّهما من صميم القلب، و يراعي دقائق الأدب في خدمتها و الشفقة عليهما، و يبذل وسعه في رضاهما، و لا يمنع كرائم أمواله عنهما، و يجتهد في تنفيذ وصاياهما، و يذكرهما في صالح دعائه، كما أرشد اللَّه تعالى إلى جميع ذلك في قوله سبحانه: «وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَ لا تَنْهَرْهُما وَ قُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً. وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ

______________________________

 (1) الحدائق الندية: ص 62- 63.

41
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 42

.......... وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً» «1».

قال أمين الدين الطبرسي: معناه أدع لهما بالمغفرة و الرحمة في حياتهما و بعد مماتهما جزاء لتربيتهما إيّاك في صباك، و هذا إذا كانا مؤمنين، و في هذا دلالة على أنّ دعاء الولد لوالده الميّت مسموع و إلاّ لم يكن لأمره به معنى‏ «2».

و روى أبو اسيد الأنصاري قال: بينا نحن عند رسول اللَّه صلّى اللّه عليه و آله، إذ جاء رجل من بني سلمة فقال: يا رسول اللّه هل بقي من برّ والديّ شي‏ء أبرّهما به بعد موتهما؟ فقال: نعم، الصلاة عليهما، و الاستغفار لهما، و إنفاذ عهدهما من بعدهما، و إكرام صديقهما، و صلة الرحم التي لا توصل إلاّ بهما «3».

و روى ثقة الإسلام في الكافي بسنده عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: ما يمنع الرجل منكم أن يبر والديه حيّين و ميّتين، يصلّي عنهما و يتصدّق عنهما و يحجّ عنهما و يصوم عنهما، فيكون الذي صنع لهما، و له مثل ذلك، فيزيده اللّه عزّ و جلّ ببرّه و صلاته خيرا كثيرا «4».

و عن أبي جعفر عليه السّلام قال: إنّ العبد ليكون برّا بوالديه في حياتهما، ثمّ يموتان فلا يقضي عنهما دينهما و لا يستغفر لهما فيكتبه اللّه عاقّا، و انّه ليكون عاقا لهما في حياتهما غير بارّ بهما، فإذا ماتا قضى دينهما و استغفر لهما فيكتبه اللّه عزّ و جلّ بارّا «5».

تنبيه‏

ظاهر قوله تعالى: «وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً»: «6» أنّ الأمر للوجوب من غير تكرار، فيكفي في العمر مرّة واحدة ربّ ارحمهما.

______________________________

 (1) سورة الأسراء: آية 23، 24.

 (2) مجمع البيان: ج 5- 6، ص 410.

 (3) مجمع البيان: ج 5- 6، ص 410.

 (4) الكافي: ج 2 ص 159، ح 7.

 (5) أصول الكافي: ج 2، ص 163، ح 21.

 (6) سورة الاسراء: الآية 24.

42
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

إرشاد ص : 43

.......... و سئل سفيان: كم يدعو الإنسان لوالديه، أ في كلّ يوم مرّة أم في كلّ شهر أم في كلّ سنة؟ فقال: نرجو أن يجزيه إذا دعا لهما في آخر التشهّدات، كما انّ اللّه تعالى قال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً» «1». و كانوا يرون الصلاة عليه في التشهّد، و كما قال اللّه تعالى: «وَ اذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ» «2»، فهم يكبّرون في أدبار الصلاة «3».

و قال النظام النيسابوري: و يشبه أن يدعو لهما كلّما ذكرهما أو ذكر شيئا من أنعامهما «4».

إرشاد

قال العلماء: إنّما جعل اللّه سبحانه الإحسان إلى الوالدين تاليا لعبادته، و شكرهما تاليا لشكره، في قوله تعالى: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً» «5»، و قوله تعالى: «أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ» «6»، لوجوه:

منها: أنّهما سبب وجود الولد كما أنّهم سبب التربية، و غير الوالدين قد يكون سبب التربية فقط، فلا إنعام بعد إنعام اللّه تعالى أعظم من إنعام الوالدين.

و منها: أن إنعامهما شبه إنعام اللّه تعالى، من حيث إنّهما لا يطلبان بذلك ثناء و لا ثوابا «إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً» «7».

و منها: أنّ المحبّة و المناسبة و الميل بين الوالد و ولده ذاتيّة حتّى عمّت جميع الحيوان، كما أنّ المناسبة بين الواجب و الممكن ذاتيّة لا عرضيّة، و هاهنا أسرار فلتتأمّل.

و منها: أنّه لا كمال يمكن للولد إلاّ يطلبه الوالد لأجله و برّيده عليه، كما أنّ اللّه تعالى لا خير يمكن للعبد إلاّ بريده عليه، و لهذا أرسل الرسل و أنزل الكتب و نصب‏

______________________________

 (1) سورة الأحزاب: الآية 56.

 (2) سورة البقرة: الآية 203.

 (3) تفسير روح المعاني: ج 15 ص 57.

 (4) تفسير غرائب القرآن و رغائب الفرقان: ج 2 ص 450.

 (5) سورة الأسراء: الآية 23.

 (6) سورة لقمان: الآية 14.

 (7) سورة الإنسان: الآية 9.

43
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

إرشاد ص : 43

.......... الأدلّة و أزاح العلّة، و من غاية شفقة الوالدين أنّهما لا يحسدان ولدهما إذا كان خيرا منهما بل يتمنّيان ذلك، بخلاف غيرهما فإنّه لا يرضى أن يكون غيره خيرا منه.

إذا عرفت ذلك، فمن عظيم الجهل ما حكي أنّ بعض المتسمّين بالحكمة كان يضرب أباه و يقول: هو الذي أدخلني في عالم الكون و الفساد، و عرضني للفقر و العمى و الزمانة «1».

و ما روي عن أبي العلاء المعرّي أنّه أمر أن يكتب على قبره هذا الشعر.

هذا ما جناه أبي عليّ‏

 

 و ما جنيت على أحد «2»

 

 و قال في ترك التزوّج و الولد.

و تركت فيهم نعمة العدم التي‏

 

 سبقت و صدّت عن نعيم العاجل‏

و لو أنّهم ولدوا لعانوا شدّة

 

 ترمي بهم في موبقات الآجل‏ «3»

 

 و قال بعض الحكماء:

قبّح اللّه لذّة قد تولّت‏

 

 نالها «4» الامّهات و الاباء

نحن لولا الوجود لم نألم الفقد

 

 فإيجادنا علينا بلاء «5»

 

 و هذا كلّه جهل منهم بنعمة الوجود المستتبعة لجميع النعم و المنافع في الدارين.

و يحكى أنّ الاسكندر كان يعظّم أستاذه أكثر من تعظيمه والده، فقيل له في ذلك، فقال: إنّ الأستاذ أعظم منه، لأنّه تحمّل أنواع الشدائد و المحن عند تعليمي حتّى أوقعني في نور العلم، و أمّا الوالد فإنّه طلب لذّة الوقاع لنفسه فأخرجني إلى آفاق عالم الكون و الفساد «6».

______________________________

 (1) تفسير روح المعاني: ج 15 ص 61.

 (2) تفسير روح المعاني: ج 15 ص 61.

 (3) تفسير روح المعاني: ج 15 ص 61.

 (4) (الف- ج): أدركتها.

 (5) تفسير روح المعاني: ج 15 ص 61.

 (6) تفسير روح المعاني: ج 15 ص 61.

44
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

إرشاد ص : 43

اللّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمّدٍ عَبْدِكَ وَ رَسُولِكَ، وَ أَهْلِ بَيْتِهِ الطاهِرينَ، وَ اخْصُصْهُمْ بِأفْضَلِ صَلَواتِكَ وَ رَحْمَتِكَ وَ بَركاتِكَ وَ سَلامِكَ.

قال العقلاء: هب أن الوالد في أوّل الأمر طلب لذّة الوقاع، إلاّ أنّ اهتمامه بإيصال الخيرات إلى الولد و دفع الآفات عنه، من أوّل دخول الولد في الوجود إلى أوان كبره بل إلى آخر عمره، لا ينكر و لا يكفر «1»، و اللّه أعلم+.

 [ 726] قال إمام المتّقين و سيّد العابدين صلوات اللّه و سلامه عليه و على آبائه و أبنائه الطاهرين‏ «2»:

بدأ عليه السّلام بالدعاء للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله لوجوه:

أحدها: ما مرّ غير مرّة من أنّه أعظم أسباب إجابة الدعاء.

الثاني: كونه أشرف آبائه عليهم السّلام من جهة النسب الحقيقي.

الثالث: كونه صلّى اللّه عليه و آله أبا معنويا لامّته، فيجب الدعاء له على كلّ أحد من أمّته من هذه الجهة.

قال المفسّرون في قوله تعالى: «ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ» «3» معنى هذا الاستدراك هو إثبات الأبوّة من هذه الجهة، لأنّ النبيّ كالأب لأمّته من حيث الشفقة و النصيحة و رعاية حقوق التعظّم معه، و أكّد هذا المعنى بقوله «و خاتم النّبيين»، لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إذا علم أنّ بعده نبيّا آخر فقد يترك بعض البيان و الإرشاد، بخلاف ما إذا علم أنّ ختم النبوّة عليه‏ «4».

و في الحديث عنه عليه السّلام: يا عليّ أنا و أنت أبوا هذه الأمّة «5».

الرابع: ما ثبت عند أرباب التحقيق و العرفان من أنّه صلّى اللّه عليه و آله أبو

______________________________

 (1) تفسير روح المعاني: ج 15 ص 61.

 (2) أي: ابتداء الدعاء كما في صدر الصفحة.

 (3) سورة الأحزاب: الآية 40.

 (4) التفسير الكبير للفخر الرازي: ج 25 ص 214.

 (5) المناقب لابن شهرآشوب: ج 3، ص 105.

45
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

إرشاد ص : 43

.......... الأرواح، كما أنّ آدم عليه السّلام أبو الأجساد.

قال بعض العارفين من أصحابنا المتأخّرين: أعلم أنّ الأرواح كلّها مخلوقة من روح واحدة هي روح النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فروحه أصل الأرواح، فكما كان آدم أبا البشر و خليفة اللّه في الأرض، كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أبا الأرواح و خليفة اللّه في عالم الأرواح، فالروح خليفة اللّه و مجتمع صفاته الذاتيّة، كالعلم و الحياة و القدرة و الإرادة و السمع و البصر و الكلام و البقاء، و الجسد خليفة الروح، و هو مجتمع صفاته الفعليّة، و ذلك أنّ اللّه تعالى لمّا خلق روح النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، كان اللّه و لم يكن معه شي‏ء آخر حتّى ينسب أو يضاف إليه الروح غير اللّه، بل كان روحه أوّل شي‏ء تعلّقت به القدرة الأزليّة، و لذلك شرّفه بتشريف الإضافة إلى نفسه فسمّاه روحي، كما سمّى أوّل بيت وضع للناس و شرّفه بالإضافة إلى نفسه فقال: بيتي، ثمّ حين أراد أن يخلق آدم سوّاه و نفخ فيه من روحه، أي: من الروح المضاف إلى نفسه، و هو روح النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، كما قال‏ «فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي»+ «1»، و لم يقل: نفخت فيه روحي بدون «من»، ليكون فيه دلالة على أنّ الروح المنفوخ في آدم هو بعينه روح النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، بل كان روح آدم متولّدا منه، فالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله الأب الروحاني لأب البشر و سائر الأنبياء، و أبو البشر الأب الجسماني للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سائر البشر، كما قيل:

و إنّي و إن كنت ابن آدم صورة

 

 فلي فيه معنى شاهد بأبوّتي‏

 

 و كذلك أرواح أولاد آدم مخلوقة من روح النبيّ صلى اللّه عليه و آله، لقوله تعالى: «ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ. ثُمَّ سَوَّاهُ وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ» «2»، و كذلك قال في حقّ روح عيسى عليه السلام: «فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا» «3»، فكانت النفخة لجبرئيل و الروح‏

______________________________

 (1) سورة الحجر: الآية 29.

 (2) سورة السجدة: الآية 8 و 9.

 (3) سورة الأنبياء: الآية 91.

46
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

إرشاد ص : 43

.......... من روح النبيّ صلّى اللّه عليه و آله المضاف إلى الحضرة الإلهيّة، و لأجل كون حقيقة الروح على هذه المنزلة و الشرف، قصرت أفهام الناس و تلاشت العقول من دركها، كما تتلاشى أنوار الأبصار في شعاع الشمس، و لهذا قال تعالى‏ «وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا» «1»، فافهم هذا المقال فإنّه مدرك عزيز المنال‏ «2»، انته كلامه.

قوله عليه السّلام: «و اخصصهم بأفضل صلواتك» من خصّه بكذا خصوصا- من باب قعد-: إذا جعله له دون غيره، كاختصّه به اختصاصا، و خصّصه به بالتثقيل: للمبالغة.

قال كثير من العلماء: الأصل في لفظ الخصوص و ما يتفرّع منه أن يستعمل بإدخال الباء على المقصور عليه، فيقال: خصّ المال بزيد أي: جعل المال له دون غيره، هذا هو الاستعمال العربي الذي يسبق إلى فهمهم، لكن شاع في العرف إدخال الباء على المقصور، كما وقع في عبارة الدعاء، و ذلك، إمّا بناء على جعل الخصوص مجازا عن التمييز مشهورا في العرف، أو على تضمينه معنى التمييز و الافراد فيلاحظ المعنيان معا، و حاصله يرجع إلى ملاحظة معنى التمييز، لأنّ خصوص شي‏ء بشي‏ء في قوّة تمييز الآخر به، و أبى بعضهم إلاّ هذا الاستعمال و شدّد النكير على من خالفه.

و الصلاة من اللّه تعالى: الرحمة، و جمعها للتنبيه على كثرتها و تنوّعها، و الجمع بينها و بين الرحمة للمبالغة، كما في قوله تعالى: «رَأْفَةً وَ رَحْمَةً» «3»، و «لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ»+ «4».

و بركاته تعالى: خيراته النامية المتكاثرة.

و السلام: اسم من سلّم عليه تسليما، و بمعنى السلامة من المكاره، فقوله عليه‏

______________________________

 (1) سورة الاسراء: الآية 85.

 (2) لم نعثر عليه.

 (3) سورة الحديد: الآية 27.

 (4) سورة التوبة: الآية 117.

47
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

إرشاد ص : 43

وَ اخْصُصِ اللّهُمَّ والِدَىَّ بِالْكَرامَةِ لَدَيْكَ، وَ الصَّلاةِ مِنْكَ يا أَرْحَمَ الراحِمينَ.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ الْهِمْني عِلْمَ ما يَجِبُ لَهُما عَلَيَّ إلْهامًا، وَ اجْمَعْ لي عِلْمَ ذلِكَ كُلِّهِ تَمامًا، ثُمَّ اسْتَعْمِلْني بِما تُلْهِمُني مِنْهُ، وَ وَفِّقْني لِلنُّفُوذِ فيما تُبَصِّرُنى مِنْ عِلْمِهِ، حَتّى‏ لا يَفُوتَني اسْتِعْمالُ شَي‏ءٍ عَلَّمْتَنِيهِ، وَ لا. تَثْقُلَ أرْكاني عَنِ الحَفُوفِ فيما ألْهَمْتَنيهِ.

السّلام: «و سلامك» إمّا بمعنى تحيّتك أي: تسليمك عليه، أو بمعنى سلامتك، و الإضافة للفاعل+.

 [ 727] أي: ميّزهما و فضّلهما، و توسيط النداء بين الفعل و مفعوله لإبراز مزيد الضراعة.

و الكرامة: من الإكرام.

قال الجوهري: التكريم و الإكرام بمعنى، و الاسم منه الكرامة «1».

و لديك و منك: متعلّقان بمحذوفين حالين من الكرامة و الصلاة، أي:

بالكرامة كائنة لديك و الصلاة كائنة منك.

و الغرض كمال علوّ مرتبة الكرامة و الصلاة المطلوبتين لهما و تكرير النداء للتضرّع، و إظهار الخشوع، و الإلحاح في الدعاء، و المبالغة في الاستدعاء.

و لذلك ناداه أوّلا: بوصف الالُوهيّة الجامعة لجميع الكمالات.

و ثانيا: بوصف الرحمة الفائقة على كلّ رحمة+.

 [ 728] ألهمه اللّه خيرا: لقنّه إيّاه و ألقاه في روعه.

و قال ابن الأثير: الإلهام أن يلقي اللّه في النفس أمرا يبعثه على الفعل أو الترك، و هو نوع من الوحي يخصّ اللّه به من يشاء من عباده‏ «2».

______________________________

 (1) الصحاح: ج 5، ص 2021.

 (2) النهاية: لابن الأثير ج 4، ص 282.

48
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

إرشاد ص : 43

.......... و قوله عليه السلام «إلهاما» مصدر مؤكّد لعامله، أي: إلهاما تامّا، و التمام: نقيض النقصان، قيل: هو مصدر.

قال في القاموسّ: تمّ يتمّ تمّا و تماما مثلّثتين‏ «1».

و قيل: اسم من أتممت الشي‏ء.

قال الفيومي: يقال: أتمتمه، و الاسم التمام بالفتح‏ «2».

فهو إمّا مصدر مؤكّد لمحذوف هو حال من العلم، أي: يتمّ تماما، أو اسم أنيب مناب المصدر مؤكّد لا جمع على غير لفظه، كأنّه قيل: و أتمّ لي علم ذلك كلّه تماما نحو اغتسل غسلا، و الأصل اتماما و اغتسالا، أو مصدر بمعنى المفعول منصوب على الحاليّة أي: متمّما، أو مفعول له أي: لأجل التمام.

و ثمّ: للترتيب، لأن العمل بعد العلم.

و استعملني: أي اجعلني عاملا.

و «من» في قوله عليه السّلام «منه» للتبيين، و مثلها قوله: «من علمه».

و مفعول تلهمني و تبصرّني محذوف، أي: تلهمنيه و تبصّرني به، و حذفه في ذلك مطّرد بكثرة كما مرّ مرارا.

 [ 729] و النفوذ في الأمر: المضيّ فيه.

و بصّرته بالأمر تبصيرا فبصر به: إذا أعلمته إيّاه فعلمه، و هو من البصيرة، و أمّا بصّرته الشي‏ء فأبصره فهو بمعنى أريته إيّاه فرآه، فهو من البصر.

و حتّى: بمعنى كي التعليليّة، أي: كيلا يفوتني استعمال شي‏ء و الاستعمال هنا: بمعنى العمل بالشي‏ء يقال: استعمله إذا جعله عاملا، و استعمله إذا عمل به.

و جملة علّمتنيه: في محلّ جرّ صفة لشي‏ء.

______________________________

 (1) القاموس المحيط: ج 4، ص 83.

 (2) المصباح المنير: ص 106.

49
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

إرشاد ص : 43

.......... و الأركان: جمع ركن بالضمّ و هو جانب الشي‏ء و المراد بها هنا الجوارح.

قال ابن الأثير في النهاية في حديث الحساب: و يقال لأركانه: انطقي أي:

جوارحه، و أركان كلّ شي‏ء: جوانبه التي يستند إليها و يقوم بها «1»، انته.

و ثقل الأركان عبارة عن فتور الجوارح و عدم نهوضها للعمل.

و في القاموس: تثاقل عنه: ثقل و تباطأ «2».

و الحفوف: يروى بالحاء المهملة، فيكون بمعنى الخدمة.

قال في الكنز: الحفوف «خدمت كردن» «3».

و به فسّر بعضهم المثل: من حفّنا أو رفّنا فليقتصد «4».

قال الميداني في مجمع الأمثال: يقال: من حفّنا أي: من خدمنا و تعطّف علينا، و رفّنا أي: حاطنا، و يقال: ما لفلان حافّ و لا رافّ، و ذهب من كان يحفّه و يرفّه، أي: يخدمه و يحوطه‏ «5»، انته.

و يروى بالخاء المعجمة بمعنى الخفّة، و منه حديث: قد حان منّي خفوف، أي:

عجلة و سرعة مسير «6».

و في رواية بقافين بعد الحاء المهملة جمع حقّ.

و لمّا كانت حقوق الوالدين و ما يجب لهما على الولد حيّين و ميّتين أكثر من أن يحيط بها علم الإنسان، كان مدار هذا الفصل من الدعاء سؤاله عليه السّلام أن يلهمه سبحانه و يعلّمه جميع ذلك، ثمّ يوفّقه للقيام به.

روى ثقة الإسلام في الكافي بسند صحيح عن أبي ولاّد الحنّاط، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ: «وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً»+ ما هذا

______________________________

 (1) النهاية لابن الأثير: ج 2، ص 260.

 (2) القاموس المحيط: ج 3 ص 343.

 (3) كنز اللغات: ج 1 ص 522.

 (4) النهاية لابن الأثير: ج 1 ص 409.

 (5) مجمع الأمثال: ج 2 ص 310.

 (6) النهاية لابن الأثير: ج 2 ص 55. و فيه: «قد كان منّي»

50
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

إرشاد ص : 43

.......... الإحسان؟ فقال: الإحسان أن تحسن صحبتهما، و أن لا تكلّفهما أن يسألاك شيئا ممّا يحتاجان إليه و إن كانا مستغنيين، أ ليس يقول اللّه عزّ و جلّ: «لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ»؟ قال: ثمّ قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: و أمّا قول اللّه عزّ و جلّ: «إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَ لا تَنْهَرْهُما»، قال: إن أضجراك فلا تقل لهما أفّ، و لا تنهرهما إن ضرباك، قال: «وَ قُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً»، قال: إن ضرباك فقل لهما: غفر اللّه لكما، فذلك منك قول كريم، قال:

 «وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ»، قال: لا تملأ عينيك من النظر إليهما إلاّ برحمة و رقّة، و لا ترفع صوتك فوق أصواتهما و لا يدك فوق أيديهما، و لا تقدّم قدّامهما «1».

و عن معاذ بن جبل قال: بلغنا أنّ اللّه تعالى كلّم موسى عليه السّلام ثلاثة آلاف و خمسمائة مرّة، و كان آخر كلامه. يا ربّ أوصني، قال: أوصيك بامّك حتّى قال سبع مرّات، ثمّ قال: يا موسى ألا إنّ رضاها رضاي و سخطها سخطي‏ «2».

و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: أتى رجل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقال: يا رسول اللّه إنّي راغب في الجهاد نشيط، قال: فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: فجاهد في سبيل اللّه، فإنّك إن تقتل تكن حيّا عند اللّه ترزق، و إن تمت فقد وقع أجرك على اللّه و إن رجعت رجعت من الذنوب كما ولدت، قال: يا رسول اللّه إنّ لي والدين كبيرين يزعمان أنّهما يأنسان بي و يكرهان خروجي، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: فقر مع والديك، فو الذي نفسي بيده لانسهما بك يوما و ليلة خير من جهاد سنة «3».

و قد دلّت هذه الأخبار على أنّ أكثر حقوق الوالدين و برّهما كما يجب، ممّا

______________________________

 (1) الكافي: ج 2 ص 157، ح 1.

 (2) كتاب المخلاة: ص 6.

 (3) الكافي: ج 2، ص 160، ح 10.

51
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تبصرة ص : 52

.......... لا يعلمه إلاّ اللّه أو من علمه اللّه، و اللّه أعلم.

تبصرة

قال شيخنا الشهيد محمّد بن مكّي في قواعد الأصول: لا ريب أنّ كلّ ما يحرم أو يجب للأجانب يحرم أو يجب للأبوين، و ينفردان بامور:

الأوّل: تحريم السفر المباح بغير إذنهما، و كذا السفر المندوب.

و قيل: يجوز سفر التجارة و طلب العلم، إذا لم يمكن استيفاء التجارة و العلم في بلدهما.

الثاني: قال بعضهم: يجب طاعتهما في فعل و إن كان شبهة، فلو أمراه بالأكل معهما من مال يعتقده شبهة أكل، لأنّ طاعتهما واجبة و ترك الشبهة مستحبّة.

الثالث: لو دعواه إلى فعل و قد حضرت الصلاة، فليؤخّر الصلاة و ليطعهما، لما قلناه.

الرابع: هل لهما منعه من الصلاة جماعة؟ الأقرب أنّه ليس لهما منعه مطلقا، بل في بعض الأحيان بما يشقّ عليهما مخالفته، كالسعي في ظلمة الليل إلى العشاء و الصبح.

الخامس: لهما منعه من الجهاد مع عدم التعيين، لما صحّ أنّ رجلا قال: يا رسول اللّه أبايعك على الهجرة و الجهاد، فقال: هل من والديك أحد؟ قال: نعم كلاهما، قال: أ فتبتغي الأجر من اللّه؟ قال: نعم، قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما.

السادس: الأقرب أنّ لهما منعه من فرض الكفاية إذا علم قيام الغير أو ظنّ، لأنّه يكون حينئذ كالجهاد الممنوع منه.

السابع: قال بعض العلماء: لو دعواه في صلاة نافلة قطعها، لما صحّ عن رسول اللّه‏

52
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تتمة ص : 53

.......... صلّى اللّه عليه و آله: أنّ امرأة نادت ابنها و هو في صومعة، قالت: يا جريح، فقال:

اللّهم أمّي و صلاتي، و قالت: يا جريح، فقال: اللّهم أمّي و صلاتي، فقالت:

لا تموت حتّى تنظر في وجوه المومسات‏ «1».

و في بعض الروايات أنّه صلّى اللّه عليه و آله قال: لو كان جريح فقيها لعلم أنّ إجابة أمّه أفضل من صلاته.

و هذا الحديث يدلّ على قطع النافلة لأجلهما، و يدلّ بطريق الأولى على تحريم السفر، لأنّ غيبة الوجه فيه أعظم، و هي كانت تريد منه النظر إليها و الإقبال عليها.

الثامن: كفّ الأذى عنهما و إن كان قليلا، بحيث لا يوصله الولد إليهما و يمنع غيره من إيصاله بحسب طاقته.

التاسع: ترك الصوم ندبا إلاّ بإذن الأب، و لم أقف على نصّ في الأمّ.

العاشر: ترك اليمين و العهد إلاّ بإذنه أيضا، ما لم يكن في فعل واجب أو ترك محرّم. و لم نقف في النذر على نصّ خاصّ، إلاّ أن يقال: هو يمين يدخل في النهي عن اليمين إلاّ بإذنه.

تتمّة

برّ الوالدين لا يتوقّف على الإسلام، لقوله تعالى: «وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً» «2»، «وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى‏ أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً» «3» و هو نصّ، و فيه دلالة على مخالفتهما في الأمر بالمعصية.

______________________________

 (1) هكذا في الأصل، و المومسة: الفاجرة. جمهرة اللغة: ج 3 ص 258. و لكن في (ج) و (الف) و القواعد: المؤمنات.

 (2) سورة العنكبوت: الآية 8.

 (3) سورة لقمان: الآية 15.

53
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تتمة ص : 53

اللّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ كَما شَرَّفْتَنا بِهِ، وَ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ كَمَا أَوْجَبْتَ لَنا الحَقَّ عَلى‏ الخَلْقِ بِسَبَبِهِ.

و هو كقوله عليه السّلام: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق‏ «1»+.

 [ 730] الكاف في الموضعين: للتعليل عند المثبتين له.

و ما: مصدريّة، أي: لتشريفك إيّانا به و لإيجابك لنا الحقّ على الخلق بسببه، و منه عندهم قوله تعالى: «وَ اذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ» «2» أي: لهدايته إيّاكم.

و نفى الأكثرون ورود الكاف للتعليل، و قالوا: هي في ذلك و نحوه للتشبيه.

و ما: إمّا مصدريّة، فالكاف و مجرورها في محلّ نصب نعت لمصدر محذوف، و التقدير في قوله: «كما شرّفتنا به»: صلّ على محمّد و آله صلاة مماثلة لتشريفك إيّانا به، أي: تكون جزاء لتشريفك إيّانا به، و قس عليه ما بعده و نحوه.

و إمّا كافّة لا محلّ لها من الإعراب، لأنّ الكاف حينئذ ليست بجارّة، بل لمجرّد تشبيه مضمون الجملة بالجملة، و لذا لا تطلب فعلا عاملا يفضي معناه إلى مدخولها. نصّ عليه الرضي‏ «3».

قال ابن هشام في المغني: و فيه إخراج الكاف عمّا يثبت لها من عمل الجرّ من غير مقتض و هو في محلّه‏ «4».

و قد تقدّم الكلام على هذه الكاف بأبسط من هذا في الروضة الثانية، عند قوله عليه السّلام: «كما نصب لأمرك نفسه»، فليرجع إليه.

و اعلم أنّ الضمير في قوله عليه السّلام: «كما شرّفتنا به» «و أوجبت لنا الحق على‏

______________________________

 (1) إلى هنا كان كلام الشهيد قدس سرّه، راجع القواعد و الفوائد: ج 2 ص 46- 49.

 (2) سورة البقرة: الآية 198.

 (3) شرح الكافية في النحو: ج 2، ص 348.

 (4) مغني اللبيب: ج 1، ص 177.

54
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تتمة ص : 53

.......... الخلق بسببه» إمّا أن يكون المراد به مطلق المسلمين، فتشريفهم به ما نالوه به من شرف الإسلام و شرف الذكر، إلى غير ذلك، و إيجابه لهم الحقّ على الخلق بسببه ما أوجبه تعالى من حقوق المسلمين بعضهم على بعض.

روى رئيس المحدّثين في الفقيه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

للمؤمن على المؤمن سبع حقوق واجبة من اللّه تعالى عليه: الإجلال في عينه، و الودّ له في صدره، و المواساة له في ماله، و أن يحرّم غيبته، و أن يعوده في مرضه، و أن يشيّع جنازته، و أن لا يقول فيه بعد موته إلاّ خيرا «1».

و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: ما أعظم حقّ المسلم على أخيه المسلم‏ «2».

و سئل عليه السّلام عن حقّ المسلم على المسلم، فقال له: سبع حقوق واجبات ما منهنّ حقّ إلاّ و هو عليه واجب، إن ضيّع منها حقّا خرج من ولاية اللّه و طاعته و لم يكن للّه فيه نصيب، ثمّ شرحها عليه السّلام، و الحديث مذكور في الكافي‏ «3».

و في رواية أخرى أنّه سئل عن ذلك، فقال: سبعون حقّا «4».

و الأخبار في هذا المعنى كثيرة.

و إمّا أن يكون المراد به خصوص الأئمّة عليهم السّلام، فتشريفهم به و إيجابه لهم الحقّ على الخلق بسببه ظاهر، فإنّ جميع الحقوق التي أوجبها اللّه سبحانه لرسوله على خلقه أوجبها لهم عليهم السّلام، و كفى شاهدا على ذلك قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» «5». و تخصيص بعض المترجمين الحقّ في الدعاء بمضمون آية القربى من ضيق العطن، و اللّه أعلم+.

______________________________

 (1) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 398، ح 5850.

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ؛ ج‏4 ؛ ص55

 

 (2) الكافي: ج 2، ص 170، ح 5.

 (3) الكافي: ج 2 ص 169، ح 2.

 (4) الكافي: ج 2، ص 174، ح 14.

 (5) سورة محمّد: الآية 33.

55
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تتمة ص : 53

اللَّهُمَّ اجْعَلني أهابُهُما هَيْبَةَ السُلطانِ الْعَسُوفِ، وَ أَبَرُّهُما بِرَّ الأُمِّ الرَّءوفِ، وَ اجْعَلْ طاعَتي لِوالِدَيَّ وَ بِرّي بِهِما أَقَرَّ لِعَيْني مِنْ رَقْدَةِ الوَسْنانِ، وَ أَثْلَجَ لِصَدْري مِنْ شَرْبَةِ الظَّمْآنِ، حَتّى‏ اوثِرَ عَلى‏ هُوايَ هُواهُما، وَ اقَدِّمَ عَلى‏ رِضايَ رِضاهُما، وَ أسْتَكْثِرَ بِرَّهُما بي وَ إنْ قَلَّ، وَ أسْتَقِلَّ بِرّي بِهِما وَ إنْ كَثُرَ.

 [ 731] هابه يهابه- من باب تعب- هيبة: حذره.

و قال ابن فارس: الهيبة: الإجلال‏ «1»، فالفاعل هائب و المفعول مهيوب و مهيب أيضا، و يهيبه- من باب ضرب- لغة، و تهيّبته: خفته، و تهيّبني أفزعني‏ «2».

و في النهاية: يقال: هاب الشي‏ء يهابه إذا خافه و إذا عظّمه و وقّره‏ «3».

و العسوف: الظلوم.

قال ابن الأثير في النهاية: لا تبلغ شفاعتي إماما عسوفا، أي: جائرا ظلوما، و العسف في الأصل أن يأخذ المسافر على غير طريق و لا جادّة و لا علم.

و قيل: هو ركوب الأمر من غير رويّة، فنقل إلى الظلم و الجور «4»، انته.

قال الفيومي في المصباح: عسفه عسفا- من باب ضرب-: أخذه بقوّة و الفاعل عسوفّ‏ «5».

و الإضافة في هيبة السلطان من إضافة المصدر إلى المفعول، إذ المصدر هنا من المبني للمفعول، أي: كما يهاب السلطان العسوف، و إنّما استغنى عن ذكر من يهابه لأنّه ظاهر غير ملتبس.

و يجوز أن يكون من المبني للفاعل مضافا إلى المفعول في اللفظ، و هو في التقدير

______________________________

 (1) معجم مقاييس اللغة: لابن فارس: ج 6 ص 22.

 (2) المصباح المنير: ص 887 نقلا عن ابن فارس.

 (3) النهاية لابن الأثير: ج 5 ص 285- 286.

 (4) النهاية لابن الأثير: ج 3، ص 237.

 (5) المصباح المنير: ص 560.

56
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تتمة ص : 53

.......... مضاف إلى الفاعل، و تقديره: هيبة الرعيّة السلطان العسوف، كقوله تعالى:

 «يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ» «1» أي: كما يحبّ اللّه أو كحبّ المؤمنين اللّه، هذا.

و مقتضى الظاهر أن يقال: هيبة الرعيّة للسلطان العسوف، لأنّ المشبّه هو المصدر المبني للفاعل، أعني هائبيته، لا من المبني للمفعول أعني مهيبته والديه حتّى تشبّه بمهيبيّة السلطان، فلعلّه أراد التشبيه فيهما و لكنّه أوجز النظم، فذكر في جانب المشبّه الهابيته، و في جانب المشبّه به المهيبيّة، و اكتفى بما ذكر في كلّ موضع عمّا ترك في الموضع الآخر، و هذا الاسلوب يسمّى الاحتباك [1] في علم البديع، و قد بسطت القول فيه في شرح بديعيّتي، المسمّى بأنوار الربيع في أنواع البديع‏ «2»، فليرجع إليه.

و برّ الوالدين: إحسان الطاعة إليهما، و الرفق بهما، و تحرّي محابّهما، و توقّي مكارهما.

يقال: بررت والدي أبرّه- من باب علم- برّا و برورا.

و الرءوف: فعول من الرأفة و هي أشدّ الرحمة، و هو مشترك الوزن بين المذكّر و المؤنّث.

______________________________

 [1] هو أن يحذف ما أثبت مقابله في الثاني، و في الثاني ما أثبت مقابله في الأوّل، و بعبارة أخرى: هو أن يجتمع في الكلام متقابلان، فيحذف من كلّ واحد مقابله لدلالة الآخر عليه، كقوله تعالى: «وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ» الآية، التقدير: و مثل الأنبياء و الكفّار كمثل الذي ينعق و الذي ينعق به، فحذف من الأوّل الأنبياء لدلالة الذي ينعق به لدلالة الذين كفروا عليه، و له في القرآن نظائر، و هو أبلغ ما يكون من الكلام و بانه في عبارة ان التقدير و اجعلني أهابهما هيبة كهيبة الرعيّة للسلطان العسوف، و اجعل هيبتهما عندي هيبة السلطان العسوف، فحذف من الأوّل كهيبة الرعيّة لدلالة قوله: هيئة السلطان العسوف عليه، و من الثاني و اجعل هيبتهما عندي لدلالة أهابهما عليه.

______________________________

 (1) سورة البقرة: الآية 165.

 (2) أنوار الربيع في أنواع البديع للمصنّف.

57
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تتمة ص : 53

.......... قال في البارع: إذا كان فعول بمعنى فاعل استوى فيه المذكّر و المؤنثّ، فلا يؤنّث بالهاء سوى عدوّ فيقال: عدوّة «1».

و كلّ من هيبة السلطان و برّ الأمّ مفعول مطلق مبيّن للنوع، إلاّ أنّه في الأوّل مضاف إلى المفعول كما عرفت، و في الثاني مضاف إلى الفاعل، أي: برّ الأمّ الرءوف لولدها.

 [ 732] و الطاعة: اسم من أطاعه، إطاعة، أي: انقاد له.

و اللام في قوله: «لوالديّ»: للتقوية، نحو: كلامي لزيد حسن، و إنّما قال:

لوالديّ و لم يقل: لهما، فوضع الظاهر موضع المضمر، للإيذان بفخامة مضمون الجملة و إظهار مزيد البرّ بهما، و تعدية البرّ بالباء لتضمينه معنى الرفق، و إلاّ فهو متعدّ بنفسه كما علمت.

و قرّت العين- من بابي ضرب و تعب- قرّة بالضمّ و قرورا: بردت سرورا، من القرّ بالضمّ و هو البرد، فهو كناية عن السرور.

و قيل: أي سكنت ببلوغ منيتها من القرار، فهو كناية عن الفوز بالمراد.

و يرجّح الأوّل قولهم: سخنت عينه، في نقيض قرّت عينه.

قال المفضّل: في قرّة العين ثلاثة أقوال:

أحدها: برد دمعها، لأنّه دليل السرور و الضحك، كما أنّ حرّه دليل الغمّ و الحزن.

و الثاني: نومها، لأنّه يكون مع فراغ الخاطر و ذهاب الحزن.

الثالث: حصول الرضا فلا تطمح لشي‏ء آخر «2».

و قد تقدّم الكلام على ذلك مبسوطا في الروضة الأولى، عند قوله عليه السّلام:

______________________________

 (1) المصباح المنير: ص 544 نقلا عن البارع.

 (2) التفسير الكبير للفخر الرازي: ج 24 ص 115.

58
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تتمة ص : 53

.......... «حمدا تقرّ به عيوننا إذا برقت الأبصار»، فليرجع إليه.

و الرقدة: فعلة من الرقود و هو النوم، ليلا كان أو نهارا، و بعضهم يخصّه بنوم الليل، و الأوّل هو الحقّ، و يشهد له المطابقة في قوله تعالى: «وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَ هُمْ رُقُودٌ» «1».

قال المفسّرون: «إذا رأيتهم حسبتهم أيقاظا» لأنّ أعينهم مفتّحة و هم نيام‏ «2».

و رجل وسنان و امرأة وسنى أي: بهما سنة و هي النعاس. و فاؤها محذوفة، و الأصل وسن بالتحريك، حذفت الفاء و عوّض عنها الهاء «3».

و إنّما خصّ رقدة الوسنان، لأنّ من ملكته السنة لا يكون أقرّ لعينه و لا أهمّ إليه من النوم.

و ثلوج الصدر، برده و بلّ غلّته.

يقال: ثلج صدره ثلوجا و ثلجا محرّكا- من باب قعد و تعب- و هو مأخوذ من الثلج، و هو صغائر القطر التي تجمد في حال الغيم و يلتزق بعضها ببعض و تنزل بالرفق.

قال الزمخشري في الأساس: ثلجت نفسه بكذا: بردت و سرّت، و أثلجت صدري بخيرك، قال الشاعر:

فقرّت بهم عيني و أفنيت جمعهم‏

 

 و أثلجت لما أن قتلتهم صدري‏ «4»

 

 انته.

و قال صاحب كتاب المجتبى: ثلج صدرك أي: سررت، فجعل كناية عن‏

______________________________

 (1) سورة الكهف: الآية 18.

 (2) التفسير الكبير للفخر الرازي: ج 21 ص 101، و تفسير القرطبيّ: ج 10 ص 399.

 (3) (ج): الثاء.

 (4) أساس البلاغة للزمخشري: ص 75، و فيه: «بخبرك».

59
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تتمة ص : 53

.......... السرور، و أصله ما ذكرناه‏ «1».

و الشربة: المرّة الواحدة من الشرب، و من الماء: ما يشرب مرّة.

قال الفارابي في ديوان الأدب: يقال: هل عندك شربة ماء أي: ما يشرب منه مرّة «2».

و الظمآن: العطشان، ظمى ظمأ مهموز مثل عطش عطشا وزنا و معنى، و هي ظمأى مثل عطشان و عطشى.

و قيل: الظمأ: أشدّ العطش، و هو الأنسب هنا.

و في أقرّ و أثلج من عبارة الدعاء شاهد على جواز بناء اسم التفضيل من أفعل مع كونه ذا زيادة، و هو قياس عند سيبويه.

قال الرضي و غيره: و يؤيّده كثرة السماع، كقولهم: هو أعطاهم للمال، و أولاهم للمعروف، و أكرمهم للضيف.

و آثرت هذا على ذاك بالمدّ إيثارا: فضّلته و رجّحته.

و الهوى: إرادة النفس، و يكون في الخير و الشرّ، كما نصّ عليه المحقّقون من أئمّة اللغة، خلافا لمن خصّه بالشرّ «3».

و تقديم كلّ من المجرورين على المفعول الصريح في الفقرتين، لإظهار الرغبة في المؤخّر بتقديم أحواله، فإنّ تأخير ما حقّه التقديم عمّا هو من أحواله المرغبّة فيه، كما يورث شوق السامع إلى وروده، ينبئ عن كمال رغبة المتكلّم فيه و اعتنائه بحصوله لا محالة.

 [ 733] و استكثرت الشي‏ء: عددته كثيرا، و نقيضه أستقللته أي: عددته قليلا.

______________________________

 (1) لا يوجد لدينا هذا الكتاب.

 (2) ديوان الأدب: ج 1 ص 134.

 (3) المصباح المنير: ص 885.

60
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تتمة ص : 53

اللّهُمَّ خَفِّضْ لَهُما صُوْتي، وَ أطِبْ لَهُما كَلامي، وَ ألنْ لَهُما عَريْكَتي، وَ اعْطِفْ عَلَيْهِما قَلْبي، وَ صَيِّرني بِهِما رَفيقاً، وَ عَلَيْهما شَفْيقاً.

و «إنْ» من قوله: «و إن قلّ و إن كثر»: و صليّتان، و قد استوفينا عليها الكلام في الرياض السابقة، و اللّه أعلم.

و الغرض من استكثار برّهما به و إن قلّ، و استقلال برّه بهما و إن كثر، استعظام برّهما به، ليزداد رغبته في محبّتهما و طاعتهما، و لا يقصّر في شكرهما و القيام بحقوقهما، و ليجهد نفسه في مزيد برّه بهما إذا رآه قليلا، فلا يكتفي و يقتصر على ما كان من برّه بهما و إن كان في نفسه كثيرا و اللّه أعلم+.

 [ 734] خفض الرجل صوته خفضا- من باب ضرب-: غضّه و لم يجهر به، و خفّضه تخفيضا بالتثقيل: للمبالغة. أي: وفّقني لرعاية الأدب معهما حتّى إذا خاطبتهما خفضت صوتي لهما، كما هو الدأب عند مخاطبة المهيب المعظّم، و حفظا على مراعاة أبهة الأبوّة و جلالة مقدارها، فإنّ رفع الصوت و الجهر به عند الخطاب خارج عن قانون الأدب، منبئ عن عدم التوقير و الإجلال، و لا سيّما في حق الوالدين.

و عن الصادق عليه السّلام في قوله تعالى: «وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ»، قال: لا تملأ عينك من النظر إليهما إلاّ برحمة و رأفة، و لا ترفع صوتك فوق أصواتهما و لا يدك فوق أيديهما، و لا تقدّم قدّامهما «1».

و أطاب الشي‏ء طيبة أي: جعله طيّبا، و الطيّب: الحسن الجيّد من كلّ شي‏ء.

و قال الشهاب الفيومي: و الطيّبات من الكلام: أفضله و أحسنه‏ «2».

أي: وفّقني لأن اطيّب لهما كلامي، و فيه إشارة إلى قوله تعالى: «وَ قُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً» «3».

______________________________

 (1) الكافي: ج 2، ص 157- 158، ح 1.

 (2) المصباح المنير: ص 522.

 (3) سورة الاسراء: الآية 23.

61
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تتمة ص : 53

.......... قال أمين الإسلام الطبرسي: أي خاطبهما بقول رفيق لطيف حسن جميل، بعيد عن اللغو و القبيح، يكون فيه كرامة لهما، و يدلّ على كرامة المقول له على القائل‏ «1».

و قيل: أي جميلا مشتملا على حسن الأدب، و رعاية دقائق المروّة و الحياء و الاحتشام.

و قيل: القول الكريم أن يقول لهما: يا أبتاه يا أمّاه دون أن يسمّيهما باسمهما.

و رجل ليّن العريكة: إذا كان سلسا مطاوعا منقادا قليل الخلاف و النفور.

و قيل: العريكة: الطبيعة، و قيل: الخلق، و قيل: النفس.

قال في المحكم: رجل ليّن العريكة أي: ليّن الخلق سلسه، و العريكة: النفس، و يقال: إنّه لصعب العريكة و سهل العريكة، أي: النفس‏ «2»، انته.

و قال الزمخشري في الأساس: فلان ليّن العريكة إذا كان سلسا، و أصله في البعير، و العريكة: السنام. «3» قال صاحب المحكم: إنّما سمّي السنام عريكة، لأنّ المشتري يعرك ذلك الموضع ليعرف سمنه و قوّته‏ «4»، انته.

و على هذا، فلين العريكة استعارة لسلاسة الطبيعة و انقيادها، كما مرّ بيانه في الروضة العشرين‏ «5».

و عطف عليه عطفا: أشفق و تحنّن، و عطفه اللّه عليه أي: جعله مشفقا عليه.

أي: اجعل قلبي عاطفا عليهما مشفقا متحنّنا.

و الرفق: اللطف، رفق به يرفق- من باب قتل- فهو رفيق.

______________________________

 (1) مجمع البيان: 5- 6 ص 409.

 (2) المحكم لابن سيده: ج 1 ص 162.

 (3) أساس البلاغة: ص 417.

 (4) المحكم لابن سيده: ج 1 ص 161.

 (5) ج 3 ص 263.

62
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تتمة ص : 53

اللّهُمَّ اشْكُرْ لَهُما تَرْبَيْتي، و أثِبْهُما عَلى‏ تَكْرِمَتي، وَ احْفَظْ لَهُما ما حَفِظاهُ مِنّي في صِغَري.

و أشفق عليه إشفاقا: رقّ له و رحمه، و الاسم الشفقة بالتحريك. و في القاموس:

الشفقة: حرص الناصح على صلاح المنصوح‏ «1».

و قال في الأساس: لي عليه شفقة و شفق: رحمة و رقّة و خوف من حلول المكروه به مع نصح، و أشفقت عليه أن يناله مكروه، و أنا مشفق عليه و شفيق و شفق‏ «2».

و تقديم المجرور على المفعول في الفقرات كلّها، لإظهار الاعتناء به و إبراز الرغبة في المؤخّر بتقديم أحواله، كما مرّ بيانه+.

 [ 735] الشكر من اللّه عزّ و جلّ: مجازاته على يسير الطاعات بجليل المثوبات.

و قيل: ثناؤه على من أطاعه.

و قال في النهاية: في أسمائه تعالى الشكور، و هو الذي يزكو عنده القليل من أعمال العباد فيضاعف لهم الجزاء، فشكره لعباده مغفرته لهم‏ «3»، انته.

قال بعضهم: لمّا كان تعالى مجازيا للمطيع على طاعته بجزيل ثوابه، جعل مجازاته لهم شكرا على طريق المجاز، كما سمّيت المكافاة مكرا.

و المعنى: اجزهما على تربيتي عظيم الجزاء.

قالوا: و الأكثر في الشكر أن يتعدّى باللام، فيقال: شكرت له، و ربّما تعدّى بنفسه فيقال: شكرته.

و أنكره الأصمعي في السعة، و قال: بابه الشعر «4».

و التحقيق أنّ الشكر إذا عدّي إلى المنعم عدّي باللام، فيقال: شكرت له، كما قال تعالى: «وَ اشْكُرُوا لِي» «5»، و إذا عدّي إلى النعمة عدّي بنفسه، فيقال:

______________________________

 (1) القاموس المحيط: ج 3، ص 250.

 (2) أساس البلاغة: ص 333.

 (3) النهاية لابن الأثير: ج 2، ص 493.

 (4) المصباح المنير: ص 439.

 (5) سورة البقرة: الآية 152.

63
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تتمة ص : 53

.......... شكر النعمة، و قد يجمع بينهما في الذكر على هذا الوجه، فيقال. شكر له نعمته، و مثله عبارة الدعاء، و ربّما عدّي إلى المنعم بنفسه على تقدير مضاف، فيقال: شكر فلانا أي: شكر نعمته.

قال الزمخشري في الأساس: شكر للّه نعمته «و اشكروا لي»، و قد يقال:

شكرت فلانا يريدون نعمة فلان، و قد جاء زياد الأعجم بهما في قوله:

و يشكر تشكر من ضامها

 

 و يشكر للّه لا تشكر «1»

 

 انته كلامه.

و ربي الصغير يربي- من باب تعب- و في لغة ربا يربو- من باب علا-: إذا نشأ و نما، و يتعدّى بالتضعيف فيقال: ربّاه يربّيه تربية فتربّى هو. و عرّفوا التربية بأنّها تبليغ الشي‏ء إلى كماله شيئا فشيئا.

و أثابه يثيبه إثابة: جازاه على صنيعه و كافاه به، و الاسم الثواب، و يكون في الخير و الشرّ و الأوّل أكثر.

و التكرمة بفتح التاء و كسر الراء: اسم من كرّمه تكريما بمعنى أكرمه إكراما.

و في القاموس: التكرمة: التكريم‏ «2».

و حفظت لزيد صنيعه: راعيته و شكرته له و كافأته به و لم أنسه. أي: و جازهما على ما صاناه من أمري و قاما به من شأني في وقت صغري.

و في هذه الفقرات إشارة إلى عجز الولد عن القيام بما يجب للوالدين، من الشكر و المكافاة لهما و مجازاته على إحسانهما إليه، فتوسّل إلى القادر على ذلك بأن يشكر لهما و يجازيهما عليه.

و في الحديث: أنّ رجلا جاء إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فقال له: يا

______________________________

 (1) أساس البلاغة: ص 335.

 (2) القاموس المحيط: ج 4، ص 170.

64
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تتمة ص : 53

اللّهُمَّ وَ ما مَسَّهُما مِنّي مِنْ أذىً، أوْ خَلَصَ إلَيْهِما عَنّي مِنْ مَكْرُوهٍ، أوضاعَ لَهُما قِبَلي مِنْ حَقٍّ فَاجْعَلْهُ حِطَّةً لِذُنُوبِهِما، وَ عُلُوّاً في دَرَجاتِهِما، وَ زيادةً في حَسَناتِهِما، يا مُبَدِّلَ السَّيئاتِ بِأضْعافِها مِنَ الحَسَناتِ.

رسول اللّه إنّ أبويّ بلغا من الكبر، إنّي ألي منهما ما وليا منّي في الصغر، فهل قضيتهما حقّهما؟ قال: لا فإنّهما كانا يفعلان ذلك و هما يحبّان بقاءك، و أنت تفعل ذلك و تريد موتهما «1».

و شكى إليه آخر سوء خلق أمّه، فقال: لم تكن سيّئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر، قال: إنّها سيّئة الخلق قال: لم تكن كذلك حين أرضعتك حولين، قال: إنّها سيّئة الخلق، قال: لم تكن كذلك حين أسهرت لك ليلها و أظمأت نهارها، قال:

لقد جازيتها، قال: ما فعلت؟ قال: حججت بها على عاتقي، قال: ما جازيتها و لا طلقة «2». و اللّه أعلم+.

 [ 736] مسّه يمسّه- من باب تعب، و في لغة من باب قتل-: لمسه بيده.

و قال الفيومي: مسسته: أفضيت إليه بيدي من غير حائل، هكذا قيّدوه‏ «3»، انته.

و قال البيضاوي: المسّ: إيصال الشي‏ء بالبشرة بحيث تتأثّر الحاسّة، و اللمس كالطلب له، و لذلك يقال: ألمسه فلا أجده‏ «4»، انته.

يعني أنّ اللمس ينبئ عن اعتبار الطلب معه، سواء كان داخلا في مفهومه أو لازما له، فإنّه في الأصل المسّ باليد، على ما في الصحاح‏ «5» و القاموس‏ «6».

و لعدم الجزم بالدخول أورد الكاف، لا أنّ معناه مجرّد الطلب له على ما توهّم، فأورد عليه قوله تعالى: «أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ»+ «7»، و لاعتبار الطلب في مفهومه سواء

______________________________

 (1) تفسير الكشاف: ج 2 ص 659.

 (2) تفسير الكشاف: ج 2 ص 659.

 (3) المصباح المنير: ص 786.

 (4) أنوار التنزيل: ج 1، ص 65.

 (5) الصحاح: ج 3، ص 978.

 (6) القاموس المحيط: ج 2، ص 251.

 (7) سورة المائدة: الآية 6.

65
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تتمة ص : 53

.......... كان داخلا او خارجا، يقال: ألمسه أي: أطلب مسّه فلا أجده، ثمّ استعير المسّ للإصابة، و منه قوله تعالى: «إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ» «1».

قال الزمخشري في الكشّاف: المسّ مستعار لمعنى الإصابة «2».

و قال في الأساس: و من المجاز: مسّه الكبر و مسّه العذاب‏ «3».

و من: الأولى للابتداء، و الثانية للتبيين.

و الأذى: المكروه اليسير، كذا في القاموس‏ «4».

و قال بعضهم: الأذى مصدر كالأسى، يقال: آذاه يؤذيه، و الأذى نوع من الضرر، و هو الضرر اليسير، انته.

و قد يقال: لمّا كان الأذى عبارة عن يسير المكروه و الضرر، ناسب أن يعبّر عن الإصابة بالمسّ المنبئ عن أدنى مراتب الإصابة، فإنّ الإصابة أقوى من المسّ، و إن لم يفرّق بينهما صاحب الكشّاف، لكنّ المحقّقون نصّوا على ذلك في قوله تعالى:

 «إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَ إِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها» «5».

قالوا: ذكر المسّ مع الحسنة و الإصابة مع السيّئة، للإيذان بأنّ مدار مساءتهم أدنى مراتب إصابة الحسنة، و مناط فرحهم تمام إصابة السيّئة.

و قال صاحب الكشف هو السراج الفارسي: التحقيق أنّ الإصابة أقوى من المسّ، فالمعنى أنّ الحسنة أيّ قدر كان و لو مساسا تسؤهم، و أمّا الفرح بالسوء فلا يكون إلاّ إذا كان بوصول له وقع، لأنّ مقام المبالغة في الحسد و الغيظ يقتضي ذلك‏ «6»، انته.

قال النظام النيسابوري: و على هذا فلا يبعد أن يقال: التنوين في حسنة

______________________________

 (1) سوره آل عمران: الآية 120.

 (2) تفسير الكشاف: ج 1، ص 407- 408.

 (3) أساس البلاغة: ص 594.

 (4) القاموس المحيط: ج 4، ص 298.

 (5) سوره آل عمران: الآية 120.

 (6) لم نعثر عليه.

66
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تتمة ص : 53

.......... للتقليل، و في سيّئة للتعظيم‏ «1»، انته.

و الخلوص إلى الشي‏ء: الوصول إليه.

قال في الأساس: خلص إليهم: و صل، و خلص إليه الحزن و السرور «2».

و الفعل من باب قعد.

و عن: للمجاوزة، أي: متجاوزا و منفصلا عنّي، و هذا الموضع يجوز فيه استعمال «من» و «عن».

قال الرضي: إذا قصدت ب «من» مجرّد كون المجرور بها موضعا انفصل عنه الشي‏ء و خرج منه، لا كونه مبدأ لشي‏ء ممتدّ، جاز أن يقع موقعها عن، لأنّها لمجرّد التجاوز، تقول: انفصلت منه و عنه‏ «3»، انته.

و حاصل الفقرتين: ما نالهما منّي من مكروه يسير أو جليل، فيكون التنوين في مكروه للتعظيم.

قبلي بكسر القاف و فتح الباء: أي عندي.

قال الفارابي في ديوان الأدب: يقال لي قبل فلان حقّ، أي: عنده‏ «4».

و الفاء من قوله: «فاجعله»: لربط شبه الجواب بشبه الشرط. و الحطّة بالكسر:

اسم من حطّ اللّه عنه ذنبه.

قال في القاموس: استحطّه وزره: سأله أن يحطّه، و الاسم: الحطّة «5».

و قال ابن الأثير في النهاية: فيه من ابتلاه اللّه ببلاء في جسده فهو له حطّة، أي:

يحطّ عنه خطاياه و ذنوبه، و هي فعلة من حطّ الشي‏ء يحطّه: إذ أنزله و ألقاه، و منه الحديث في ذكر حطّة بني إسرائيل، و هو قوله تعالى: «وَ قُولُوا حِطَّةٌ»+ أي: قولوا حطّ

______________________________

 (1) تفسير غرائب القرآن و رغائب الفرقان: ج 1 ص 357.

 (2) أساس البلاغة: ص 172.

 (3) الكافية في النحو: ج 2 ص 321.

 (4) ديوان الأدب: ج 1 ص 265.

 (5) القاموس المحيط: ج 2، ص 354.

67
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تتمة ص : 53

اللَّهُمَّ وَ ما تَعَدَّيا عَلَيَّ فيهِ مِنْ قَوْلٍ، أوْ أسْرَفا عَلَيَّ فيهِ مِنْ فِعْلٍ، أوْ ضَيَّعاهُ لي مِنْ حَقٍّ، اوْ قَصَّرا بي عَنْهُ مِنْ واجِبٍ، فَقَدْ وَهَبْتُهُ لَهُما، وَ جُدْتُ بِهِ عَلَيْهِما، وَ رَغِبْتُ إلَيْكَ في وَضْعِ تَبِعَتِهِ عَنْهُما، فَإنّي لا أتّهِمُهُما عَلى‏ نَفْسي، وَ لا أسْتَبْطِئُهُما في بِرّي، وَ لا أكْرَهُ ما تَوَلّياهُ مِنْ أمْري، يا رَبِّ فَهُما أوْجَبُ حَقًّا عَلَىَّ، وَ أقْدَمُ إحْسانًا إلَىَّ، وَ أعْظَمُ مِنَّةً لَدَىَّ، مِنْ أنْ اقاصَّهُما بِعَدْلٍ، أوْ اجازِيَهُما عَلى‏ مِثْلٍ، أيْنَ إذاً يا إلهِي‏ عنّا ذنوبنا «1»، انته.

أي: اجعله سببا لحطّ ذنوبهما. و قد تقدّم توجيه اعتراف المعصومين عليهم السّلام بالذنوب و الاستغفار منها، في الروضة الثانية عشرة بما لا مزيد عليه، فليرجع إليه.

 [ 737] و لمّا كان ابتلاء المؤمن بالمصائب و المكاره في هذه الدار، إمّا حطّة لأوزاره أو رفعة لمقداره، كما نطقت به مستفيضات الأخبار، سأل عليه السّلام أن يجعل اللّه تعالى ما أصاب والديه من قبله من المكاره و نالهما من التقصير من جهته، سببا لخير عائد إليهما، و هو حطّة لذنوبهما و رفعة في درجتهما و زيادة في حسناتهما، فيكون ما وقع منه من السيّئة حسنة له أيضا.

و لذلك ختم هذا الفصل بقوله عليه السّلام: يا مبدّل السيّئات بأضعافها من الحسنات.

و قد مرّ شرح هذه الفقرة مبسوطا في آخر الروضة الثانية، فأغنى عن الإعادة+.

 [ 738] عدّى عليه و تعدّى و اعتدى: ظلمه و تجاوز الحدّ.

و في: للظرفيّة المجازيّة.

و من: للبيان.

و أسرف إسرافا: جاوز المقصد، و الاسم السرف بفتحتين.

______________________________

 (1) النهاية لابن الأثير: ج 1 ص 402.

68
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تتمة ص : 53

طُولُ شُغْلِهِما بِتَرْبِيَتِى، وَ أيْنَ شِدَّةُ تَعَبِهِما في حِراسَتي، وَ أيْنَ إقْتارُهُما عَلى أنْفُسِهِما لِلتَّوْسِعَةِ عَلَىَّ، هَيْهاتَ ما يَسْتَوفِيانِ مِنّي حَقَّهُما، وَ لا أدْرِكُ ما يَجِبُ عَلَيَّ لَهُما، وَ لا أنا بِقاضٍ وَظيفَةَ خِدْمَتِهِما، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ أعِنّي يا خَيْرَ مَنِ استُعينَ بِهِ، وَ وَفِّقْني يا أهْدى مَنْ رُغِبَ إِلَيْهِ، وَ لا تَجْعَلْني في أهْلِ العُقُوقِ لِلآباءِ وَ الامّهاتِ، يَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ.

قال الأزهري و غيره: السرف في الشي‏ء: مجاوزة الحدّ المعروف لمثله‏ «1»، انته.

و أكثر ما يستعمل في مجاوزة الحدّ في النفقة، و منه: لا خير في السرف كما لا سرف في الخير «2».

قال الراغب: و ليس الإسراف متعلّقا بالمال فقط، بل بكلّ شي‏ء وضع في غير موضعه اللائق به، ألا ترى أنّ اللّه تعالى وصف قوم لوط بالإسراف لوضعهم البذر في غير المحرث، فقال: «إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ»، و وصف فرعون بقوله عزّ و جلّ: «إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ»، و قوله:

 «وَ إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ» «3»، انته.

و حقّ الإنسان: ما كان ثابتا لازما له.

و قصّر به عن الشي‏ء تقصيرا: لم يبلغ به إليه.

يقال: قصر به- من باب قرب-، و قصّر به تقصيرا عن الشي‏ء بالتثقيل:

للمبالغة، و منه قصرت بنا النفقة: إذا لم تبلغ بنا مقصدنا.

و في الحديث: إنّ قومك قصرت بهم النفقة «4».

______________________________

 (1) تهذيب اللغة: ج 12 ص 399.

 (2) عوالي اللئالي: ج 1 ص 291 ح 154.

 (3) الذريعة إلى مكارم الشريعة: ص 216- 217.

 (4) صحيح البخاري: ج 2، ص 180.

69
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تتمة ص : 53

.......... روي بتشديد الصاد المفتوحة، و بتخفيفها مضمومة. نصّ عليه الكرماني في شرح البخاري‏ «1».

فالباء للتعدية، فهي مع المخفّف مثل خرجت به، و مع المثقّل مثل مثلّت به تمثيلا.

و المعنى: ما لم يبلغا بي إليه من واجب لي عليهما.

و الحقّ و الواجب هنا و إن كانا بمعنى، إلاّ أنّ مفاد الفقرة الأولى ضياع الحقّ جملة، و مفاد الفقرة الثانية عدم إتمام الواجب بل الوقوف دونه، فقول بعضهم: إنّ ظرفيّة الباء أولى من سببيّتها و هم أو خبط.

و «أو» في الموضعين: للتنويع.

و وهبت لزيد مالا أهبه له هبة: أعطيته بلا عوض.

 [ 739] و جاد عليه يجود- من باب قال- جودا بالضمّ: تكرّم.

و رغبت إلى اللّه: تضرّعت إليه و سألته.

و التبعة على وزن كلمة: ما تطلبه من ظلامة و نحوها.

و مدار هذا الفصل على تجاوزه عليه السّلام عن مؤاخذتهما بما وقع منهما إليه، من الإساءة في قول أو فعل، أو إضاعة حقّ، أو تقصير في واجب.

فقد روى رئيس المحدّثين بسنده عن سيّد العابدين صاحب الدعاء عليه السّلام أنّه قال في حديث طويل: و أمّا حقّ ولدك فأن تعلم أنّه منك و مضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره و شرّه، و أنّك مسئول عمّا وليّته من حسن الأدب، و الدلالة على ربّه عزّ و جلّ، و المعونة له على طاعته، فاعمل في أمره عمل من يعلم أنّه مثاب على الإحسان إليه، معاقب على الإساءة إليه‏ «2».

______________________________

 (1) شرح صحيح البخاري: للكرماني: ج 8، ص 105.

 (2) الخصال: ص 568.

70
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تتمة ص : 53

.......... و روى ثقة الإسلام في الكافي بسنده عن زيد بن عليّ عن أبيه عن جدّه عليهم السّلام، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: يلزم الوالدين من العقوق لولدهما ما يلزم الولد لهما من عقوقهما «1».

و الفاء من قوله: «فإنّي لا أتّهمهما»: للسببيّة بمعنى اللام، فهي للدلالة على سببيّة ما بعدها لما قبلها.

و اتّهمته بكذا: ظننت به، و اتّهمته في قوله: شككت في صدقه. و أصله او تهمت، لأنّه من الوهم، قلبت الواو ياء لسكونها و انكسار ما قبلها، ثمّ أبدلت منها التاء فادغمت في تاء الافتعال.

و استبطأته: اعتقدته و رأيته بطيئا، و هو استفعال من البطء بالضمّ مهموز الآخر، و هو نقيض السرعة.

و تولّى الأمر تولية: صار عليه واليا.

و كرّر النداء أوّلا بوصف الالوهيّة الجامعة لجميع الكمالات، و ثانيا بوصف الربوبيّة المنبئة عمّا فيه صلاح المربوب، إظهارا لكمال التضرّع و الابتهال و مبالغة في الاستدعاء.

 [ 740] و الفاء من قوله: «فهما أوجب»: سببيّة، إذ كان ما بعدها سببا لما قبلها، فهي لتعليل جعله عدم اتّهامهما على نفسه، و استبطائهما في برّه، و كراهيّته لما تولّياه من أمره، سببا لتجاوزه عنهما و الرغبة إليه تعالى في وضع التبعة عنهما، فكأنّه قال: إنّما جعلت حسن ظنّي بهما و ما بعده سببا لتجاوزي عن موأخذتهما، لأنّهما أوجب حقّا عليّ إلى آخره.

و لك جعلها- أعني الفاء- رابطة للجملة بما قبلها، مثلها في قوله تعالى: «وَ إِذا قِيلَ‏

______________________________

 (1) الكافي: ج 6، ص 48، ح 5.

71
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تتمة ص : 53

.......... لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ» «1».

و قول بعضهم: استئناف الفاء في «فهما» أولى من سببيّتها و هم، إذ لم يقل أحد باقتران الجملة الاستئنافيّة بالفاء مع ذكر المبتدأ فيها، بل صريح كلامهم أنّ الفاء الاستئنافيّة هي التي يقدّر ما بعدها مبنيّا على مبتدأ محذوف، نحو: ما تأتينا فتحدّثنا بالرفع، أي: فأنت تحدّثنا الآن بدلا عن ذلك، و قول الشاعر:

ألم تسأل الربع القواء فينطق‏

 

 

 

 أي: فهو ينطق.

و أوجب: أي: ألزم و أثبت، من وجب الشي‏ء: إذا لزم و ثبت.

و حقّا: منصوب على التمييز، و أصله حقّهما أوجب، فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه و هو ضمير الغائبين مقامه، فارتفع و انفصل و صارهما أوجب، ثمّ جي‏ء بالمحذوف تمييزا، و قس عليه قوله: «أقدم إحسانا و أعظم منّة».

و توهّم بعضهم أنّ هذا التمييز محوّل عن الفاعل كاشتعل الرأس شيبا، فخبط خبط عشواء.

و أقدم: أفعل من قدم الشي‏ء بالضمّ قدما على وزن عنب بمعنى سبق، أي:

أسبق إحسانا.

و «من» في قوله: «من أن اقاصّهما»: ليست صلة لأفعل، بل متعلّقة بالبعد المفهوم من التفضيل، لعدم صحّة قصد التفضيل و المشاركة للمفضّل عليه تحقيقا أو تقديرا، بل اسم التفضيل هنا مخرج عن معناه التفضيلي إلى التجاوز و البعد الذي يلزمه، فإنّ التفضيل يستلزم بعد المفضّل عن المفضّل عليه، فكأنّه قيل: هما بعيدان من جهة الحقّ من مقاصّتي لهما، أو المعنى هما أبعد الناس حقّا من مقاصّتي لهما،

______________________________

 (1) سورة البقرة: الآية 206.

72
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تتمة ص : 53

.......... على تضمين أفعل معنى أبعد. و قد بسطنا الكلام على بيان هذه المسألة و اختلاف أقوال العلماء فيها في الروضة السادسة عشرة، فليرجع إليه.

فما وقع لبعض المعربين من أنّ «من» لابتداء الغاية جارّة للمفضّل عليه المؤوّل من أنّ المصدريّة و اقاصّ، خبط لا يلتفت إليه.

و قاصصته مقاصّة- من باب قاتل- فعلت به مثل ما فعل، و الاسم القصاص.

و يجب إدغام الفعل و المصدر و اسم الفاعل، يقال: قاصّه مقاصّة كما يقال: سارّه مسارّة و حاجّة محاجّة و ما أشبه ذلك.

و العدل: إمّا بمعنى ضدّ الجور، فالباء للاستعانة كما في كتبت بالقلم، أو للسببيّة متعلّقة باقاصّهما، جعل العدل كالآلة للقصاص أو سببا فيه. و يجوز أن تكون للملابسة فتكون متعلّقة بمحذوف حال من ضمير المتكلّم أي: ملتبسا بعدل، أو صفة لمصدر محذوف أي: مقاصّة ملتبسة بعدل.

و إمّا بمعنى المثل و النظير، فالباء للمقابلة، نحو: كافأته على إحسانه بضعف، و المعنى أن أقاصّهما بمثل ما فعلاه بي.

و جازيته بذنبه: عاقبته عليه.

و أو: للتنويع.

و على: ليست صلة لاجازيهما كما هو المتبادر، إذ لا معنى للمجازاة على فعل المثل، بل المجازاة إنّما تكون على نفس الفعل، فهي متعلّقة بمحذوف صفة لمصدر مؤكّد محذوف، و التقدير: أو اجازيهما مجازاة كائنة على مثل أي: مماثلة لفعلهما من الإساءة.

و الفرق بين المقاصّة و المجازاة أنّ المقاصّة تكون بمقابلة الفعل بفعل من جنسه، كمقابلة الضرب بالضرب و الجرح بالجرح، و المجازاة تكون بمقابلته من غير جنسه، كمقابلة الشتم بالضرب، فكان مفاد كلّ من الفقرتين غير الآخر.

73
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تتمة ص : 53

قال بعضهم: و يحتمل أن يكون المراد بفقرة المجازاة بيان عدم قدرته على مجازاة حقّهما بما يساويه و يماثله. و لا يخفى عدم ملاءمته لما قبله و ما بعده.

 [ 741] قوله عليه السّلام: «أين إذا يا إلهي طول شغلهما بتربيتي» استئناف لانقطاع تعلّق الجملة بما قبلها لفظا، و إن تعلّقت به من جهة المعنى، فهي كجملة الدعاء من قولك: مات فلان رحمه اللّه.

و أين: اسم استفهام عن المكان، و ليس الاستفهام به على حقيقته، بل المراد به استعظامه لحقّهما و اعتداده بإحسانهما إليه.

و إذن عند الجمهور حرف بسيط، و النون فيها أصل كنون لن و عن، و هي حرف جواب و جزاء.

قال البدر الدماميني: معنى كونها حرف جواب لأنّها تستعمل في كلام مقتضب ابتداء، بحيث لا يكون هناك كلام متقدّم يقتضي أن تكون الجملة التي فيها إذن جوابا له، و إنّما تستعمل حيث يكون ثمّ سؤال أو كلام ملفوظ أو مقدّر، و تكون الجملة التي وقعت إذن في صحبتها جوابا لذلك الكلام الملفوظ أو المقدّر «1».

و الجواب في الحقيقة إنّما هو تلك الجملة التي وقعت إذن في صحبتها، سواء وقعت في صدرها أو حشوها أو آخرها لا إذن وحدها، و ليس المراد بالجواب ما يراد بجزاء الشرط، و لا ما يراد في قولهم: أنّ مثل نعم، و لا حرف جواب كما توهّمه بعضهم.

و المراد بكونها للجزاء أن يكون مضمون الكلام الذي هي فيه جزاء لمضمون كلام آخر.

قال في المفصّل: إذن: جواب و جزاء، يقول الرجل: أنا آتيك، فتقول: إذن‏

______________________________

 (1) تحفة الغريب بهامش المنصف من الكلام: ج 1 ص 41- 42.

74
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تتمة ص : 53

.......... أكرمك، فقد جعلت كلامك جوابا لكلامه، و صيّرت إكرامك جزاء لاتيانه‏ «1»، انته.

قال المرادي و غيره: قال قوم منهم الشلوبين: هي للجواب و الجزاء في كلّ موضع‏ «2»، و تكلّفوا تخريج ما خفي فيه ذلك.

و قال الفارسي: في الأكثر، و قد تكون للجواب وحده، نحو أن يقال:

أحبّك، فتقول: إذن أظنّك صادقا، فلا يتصوّر هنا الجزاء «3»، انته.

و إنّما يتصوّر هنا الجزاء لما قال الرضي: إنّ الشرط و الجزاء إمّا في الاستقبال أو في الماضي، و لا يتأتّى شي‏ء منهما في الحال‏ «4».

إذا عرفت ذلك فكون إذن في عبارة الدعاء للجواب كونها جوابا عن سؤال مقدّر، كأنّه سئل عليه السّلام فقيل له: ما عليك لو قاصصهما بعدل و جازيتهما على مثل؟ فقال عليه السّلام: أين إذن طول شغلهما بتربيتي.

كما قال التبريزي في شرح الحماسة في قوله:

لو كنت من مازن لم تستبح إبلي‏

 

 بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا

إذن لقام بنصري معشر خشن‏

 

 عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا «5»

 

 قال سيبويه: إذن: حرف جواب و جزاء، فيجوز أن يكون هذا القائل قدّر أنّ سائلا سأله، فقال: و لو كنت من مازن فما ذا كانوا يصنعون؟

فقال: إذن لقام بنصري البيت، فهذا البيت جواب لهذا السائل و جزاء للمستبيح‏ «6»، انته.

و إذن هذه هي الناصبة للمضارع إذا دخلت عليه، بشرط تصدّرها و استقباله‏

______________________________

 (1) المفصّل: ص 323.

 (2) مغني اللبيب: ص 30.

 (3) مغني اللبيب: ص 30 نقلا بالمعنى.

 (4) الكافية النحو: ج 2 ص 236.

 (5) مغني اللبيب: ص 30.

 (6) مغني اللبيب: ص 30- 31 نقلا عن سيبويه.

75
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تتمة ص : 53

.......... و اتصالهما أو انفصالهما بالقسم أو بلا النافية، و الصحيح أنّها هي الناصبة بنفسها لا بأن مضمرة.

و ذهب بعضهم إلى أنّها اسم، و الأصل في «إذن أكرمك» إذا جئتني اكرمك، ثمّ حذفت الجملة و عوّض عنها التنوين و اضمرت أن.

و قال الزركشي في البرهان: و ذكر بعض المتأخّرين أنّ إذن تكون مركّبة من إذ التي هي ظرف زمان و مضاف، و من جملة بعدها تحقيقا أو تقديرا، لكن حذفت الجملة تخفيفا و أبدل منها التنوين، كما في قولهم: حينئذ، و ليست هذه الناصبة للمضارع، لأنّ تلك تختصّ به و لذا عملت فيه، و هذه لا تختصّ بل تدخل على الماضي، نحو: «إذا لاتيناهم»، «إذا لامستكم»، «إذا لأذقناك»، و على الاسم نحو: «إنّكم إذا لمن المقرّبين»، قال: و هذا المعنى لم يذكره النحاة، لكنّه قياس ما قالوه في إذن‏ «1»، انته.

قال بعض المحقّقين: و عدم ذكر النحاة لهذا المعنى هو الوجه، لأنّ إذن هذه هي الناصبة للمضارع جزما، و القول بأنّ تلك تختصّ بالمضارع ممنوع، فقد صرّح النحويّون بعدم الاختصاص.

قال في التصريح: حكى سيبويه عن بعض العرب إلغاء إذن من عمل النصب في المضارع مع استيفاء شروط العمل، و هو القياس لأنّها لا تختصّ‏ «2»، انته.

و قال الزجّاج و الفارسي: الناصب أن مضمرة بعدها لا هي، لأنّها غير مختصّة إذ تدخل على الجمل الابتدائيّة، نحو: إذن عبد اللّه يأتيك، و تليها الأسماء مبنيّة على غير الفعل‏ «3».

______________________________

 (1) البرهان في علوم القرآن: ج 4 ص 187.

 (2) شرح التصريح على التوضيح: ج 2 ص 235.

 (3) تحفة الغريب بهامش المنصف من الكلام: ج 1 ص 41.

76
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تتمة ص : 53

.......... و قال الرضي: الذي يلوح لي في إذن و يغلب في ظنّي أنّ أصلها إذا، حذفت الجملة المضاف إليها و عوّض منها التنوين، لما قصد جعله صالحا لجميع الأزمنة الثلاثة بعد ما كان مختصا بالماضي، و ذلك أنّهم أرادوا الإشارة إلى زمان فعل مذكور، فقصدوا إلى لفظ إذا الذي هو بمعنى مطلق الوقت لخفّة لفظه، و جرّدوه عن معنى الماضي و جعلوه صالحا للأزمنة الثلاثة، و حذفوا الجملة المضاف هو إليها، لأنّهم لما قصدوا أن يشيروا به إلى زمان الفعل المذكور دلّ ذلك الفعل السابق على الجملة المضاف إليها، كما يقول لك شخص: أنا أزورك، فتقول: إذن اكرمك، أي: إذ تزورني اكرمك، أي: وقت زيارتك لي اكرمك، و عوّض التنوين من المضاف إليه لأنّه وضع في الأصل لازم الإضافة، فهو ككلّ و بعض إلاّ أنّهما معربان.

و إذ مبنيّ، فإذ- على ما تقرّر- صالح للماضي، كقوله: إذن لقام بنصري، و للمستقبل نحو: إن جئتني إذن اكرمك، و للحال نحو: إذن أظنّك كاذبا، و إذن هاهنا هي إذ في قولك: حينئذ و يومئذ، إلاّ أنّه كسر ذلك في نحو: حينئذ، لتكون في صورة ما أضيف إليه الظرف المقدّم، و إذا لم يكن قبله ظرف في صورة المضاف فالوجه فتحه، ليكون في صورة ظرف منصوب لأنّ معناه الظرف، و قد جاء كسره نادرا كقوله:

نهيتك عن طلابك أمّ عمرو

 

 بعاقبة و أنت إذ صحيح‏

 

 كما جاء فتحه في حينئذ نادرا. قال: و إنّما ارتكبت ادّعاء إذا زمانيّة محذوفة الجملة المضاف إليها، لظهور معنى الزمان فيها في جمع استعمالاتها كما في إذ، فإنّ معنى إن جئتني إذن أكرمك: في وقت المجي‏ء أكرمك، و كذا لو زرتني إذن اكرمك، و لا سيّما في قوله تعالى: «فَعَلْتُها إِذاً وَ أَنَا مِنَ الضَّالِّينَ».

و قولهم: إذن أظنّك كاذبا بالرفع، فإنّها متمحّضة للزمان و لا شرطيّة فيها، و قلب‏

77
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 78

نونها ألفا في الوقف يرجّح جانب اسميّتها «1»، انته.

و هذا القول ممّا تفرّد به الرضي و لم يقل به غيره فيما أعلم، و هو من الحسن بمكان، و عليه فمعنى إذن في عبارة الدعاء: أين إذن اقاصصهما بعدل و اجازيهما على مثل طول شغلهما بتربيتي، أي: وقت مقاصّتي و مجازاتي لهما. و إنّما بسطنا الكلام على إذن هنا، لأنّي لم أر من استوفى الكلام عليها في مثل هذه العبارة، فأردت أن أكشف عن حقيقتها، و اللّه أعلم.

تنبيه‏

اتّفقت نسخ الصحيفة الشريفة إلاّ ما شذّ على رسم إذا بالألف، و هو الموافق لرسمها في المصاحف. و اختلف النحويّون في ذلك، و جزم ابن مالك في التسهيل بأنّها تكتب بالألف مراعاة للوقف عليها، لأنّها تبدل في الوقف ألفا تشبيها لها بتنوين المنصوب‏ «2».

و عزاه ابن هشام في المغني للجمهور «3».

و قال أبو حيّان في شرح التسهيل: و ذهب المازني و الأكثرون إلى أنّها تكتب بالنون‏ «4».

و اختلف النقل عن الفراء، فقال الرضي‏ «5» و ابن هشام: قال الفرّاء: إن اعملت كتبت بالألف و إلاّ كتبت بالنون، للفرق بينهما و بين إذا الزمانيّة، و أمّا إذا عملت فالعمل يميّزها عنها «6».

و قال أبو حيّان: فصّل الفرّاء: فقال: إن الغيت كتبت بالألف لضعفها، و إن‏

______________________________

 (1) الكافية في النحو: ج 2 ص 235- 236.

 (2) التسهيل:

 (3) مغني اللبيب ص 31.

 (4) لا يوجد لدينا هذا الكتاب.

 (5) الكافية في لنحو: ج 2 ص 238.

 (6) مغني اللبيب: ص 31.

78
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 78

.......... اعملت كتبت بالنون لقوّتها «1».

و حكي عن أبي العبّاس المبرّد أنّه كان يقول: أشتهي أن أكوي يد يكتب إذن بالألف لأنّها مثل أن و لن، و لا يدخل التنوين في الحرف‏ «2».

و تعقّبه ابن هشام في حاشيته على التسهيل بما لفظه: الحقّ أن كتابتها بالألف و أنّ الوقف عليها بالألف، و كذا وقف الفرّاء، و قوله مردود برسم الصحابة بالألف على حسب الوقف، و يخشى عليه عاقبة ما قال، و لا يعذّب بالنار إلاّ خالقها «3» انته.

و الحراسة بكسر الحاء قيل: اسم من حرسه.

قال الشهاب الفيومي في المصباح: حرسه يحرسه- من باب قتل-: حفظه، و الاسم الحراسة «4».

و قيل: مصدر.

قال في القاموس: حرس حرسا و حراسة فهو حارس‏ «5».

و في الصحاح: حرسه حراسة: أي حفظه‏ «6».

و في شرح جامع الأصول لمصنّفه: الحراسة فعل الحارس، و هو من يحرسك و أنت نائم‏ «7».

و «في» من قوله: «في حراستي»: إمّا ظرفيّة مجازيّة أو سببيّة، أي: لأجل حراستي.

و قتر على نفسه و عياله قترا و قتورا- من بابي ضرب و قعد-: ضيّق في النفقة، و أقتر

______________________________

 (1) لم نعثر عليه.

 (2) لا يوجد لدينا هذا الكتاب.

 (3) لا توجد لدينا هذه الحاشية.

 (4) المصباح المنير: ص 178.

 (5) القاموس المحيط: ج 2، ص 206.

 (6) الصحاح: ج 3، ص 916.

 (7) شرح جامع الأصول:

79
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 78

.......... إقتارا و قتّر تقتيرا: مثله، ففيه ثلاث لغات، كما أنّ في وسع ثلاث لغات أيضا، يقال: وسع اللّه عليه رزقه يوسع بالتصحيح وسعا- من باب نفع- أي: بسطه و كثّره، و أوسعه إيساعا و وسّعه توسيعا و توسعة: مثله.

 [ 742] و هيهات: اسم فعل بمعنى بعد.

قال الواحدي: هو اسم سمّي به الفعل و معناه بعد، و ليس له اشتقاق، لأنّه بمنزلة الأصوات، و فيه زيادة معنى ليست في بعد، و هو أنّ المتكلّم بهيهات يخبر عن اعتقاده استبعاد ذلك الذي يخبر عن بعده، فكأنّه بمنزلة قوله بعد جدّا و ما أبعده، لا على ان يعلم المخاطب مكان ذلك الشي‏ء في البعد، ففي هيهات زيادة على بعد، و إن كان يفسّر ببعد «1»، انته.

و قال الرضي: كلّ ما هو بمعنى الخبر من أسماء الأفعال ففيه معنى التعجّب، فمعنى هيهات أي: ما أبعده، و شتّان أي: ما أشدّ الافتراق، و سرعان و بطآن أي:

ما أسرعه و ما أبطأه‏ «2».

و في تاء هيهات الحركات الثلاث، فالفتح نظرا إلى أصله حين كان مفعولا مطلقا، لأنّ أصله المصدر، و الكسر لالتقاء الساكنين، لأنّ أصل البناء السكون، و الضمّ للتنبيه بقوّة الحركة على قوّة معنى البعد فيه، إذ معناه ما أبعده كما ذكرنا، كذا يستفاد من كلام الرضي‏ «3»، و المستعمل من هذه اللغات استعمالا غالبا الفتح بلا تنوين، و فيها لغات أخرى أو صلها في القاموس إلى إحدى و خمسين لغة «4».

______________________________

 (1) تهذيب الأسماء و اللغات للنووي: الجزء الثاني من القسم الثاني ص 185.

 (2) شرح الكافية في النحو: ج 2، ص 73.

 (3) شرح الكافية في النحو: ج 2، ص 74.

 (4) القاموس المحيط: ج 4 ص 296.

80
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 78

.......... و فاعل هيهات في عبارة الدعاء ضمير مستتر عائد إلى الوفاء بحقّ الوالدين، الذي أفهمه قوله بعده: «ما يستوفيان منّي حقّهما»، كما قيل في قوله تعالى:

 «هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ» «1»: إنّ فاعله ضمير عائد إلى التصديق أو الصحّة أو الوقوع أو الإخراج، المفهوم من قوله تعالى قبله: «أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَ كُنْتُمْ تُراباً وَ عِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ» «2».

فإنّ قلت: ما قيل في الآية لا محذور فيه، لأنّه كالإضمار بعد الذكر، و أمّا ما ذكرته في الدعاء فهو كالإضمار قبل الذكر، و هو محذور.

قلت: هو كقولهم في باب التنازع في نحو ضربني و أكرمت زيدا: إن فاعل ضربني مضمر قبل الذكر لأنّه قد جاء بعده ما يفسّره على الجملة، و إن لم يجئ لمحض التفسير، كما جاء في نحو: ربّه رجلا، فلا استبعاد فيما ذكرناه، و قد قال المعربون بمثل ما قلناه في قوله تعالى: «ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ» «3»: إنّ فاعل بدا إمّا مصدره، أو الرأي المفهوم من السياق، أو المصدر المدلول عليه بقوله ليسجنّنه، و المعنى، بدا لهم بداء، أو رأي، أو سجنه، فالاحتمال الثالث هو نظير ما قلناه: في الدعاء، و من أجاز حذف الفاعل قال: هو محذوف و ليسجنّنه قائم مقامه، أي: و بدا لهم سجنه، فحذف و أقيمت الجملة مقامه.

و على هذا، فلك في عبارة الدعاء دعوى حذف فاعل هيهات و قيام الجملة بعده مقامه، و هو ظاهر.

و من الغريب ما توهّمه بعض المترجمين من جواز كون «ما» من قوله: «ما يستوفيان» مصدريّة، و هي و مسبوكها فاعل هيهات، و التقدير: هيهات استيفاؤهما منّي حقّهما، مع أنّ قوله: «و لا أدرك ما يجب عليّ لهما» لا يبقى معه لهذا التوهّم‏

______________________________

 (1) سورة المؤمنون: الآية 36.

 (2) سورة المؤمنون: الآية 35.

 (3) سورة يوسف: الآية 35.

81
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 78

.......... مجال، لأنّ لا معيّنة لكون «ما» نافية، إذ لا تقترن واو العطف بلا إلاّ إذا سبقت بنفي.

قوله عليه السّلام: «و لا أنا بقاض وظيفة خدمتهما» الباء: زائدة، و زيادتها في الخبر غير الموجب مقيس، و لا تحتاج إلى متعلّق لزيادتها.

و الوظيفة: ما يقدّر من عمل أو رزق أو طعام و نحو ذلك و وظّفت عليه العمل توظيفا: قدرته. أي: لا أستطيع قضاء ما وظّفته عليّ من خدمتهما.

و تأتي الوظيفة بمعنى الشرط، كما نصّ عليه في القاموس‏ «1».

و إرادة هذا المعنى أيضا صحيحة، أي: ما شرطته عليّ من خدمتهما. و الجملة اسمّية معطوفة على الفعليّة قبلها، و من منع عطف الجملة الاسميّة على الفعليّة و بالعكس، فله أن يقول: هي معطوفة على شي‏ء متوهّم، لأنّ معنى «ما يستوفيان منّي حقّهما و لا أدرك ما يجب عليّ لهما»: ما هما بمستوفين منّي حقّهما و لا أنا بمدرك ما يجب عليّ لهما.

و نظير ذلك قول زهير:

تقيّ نقيّ لم يكثّر غنيمة

 

 بنهكة ذي قربى و لا بحقلد «2»

 

 قال ابن هشام: سألني أبو حيّان علام عطف بحقلد؟ فقلت: حتّى أعرف ما الحقلد، فنظرنا فإذا هو السّي‏ء الخلق، فقلت: هو معطوف على شي‏ء متوهّم، إذ المعنى: ليس بمكثر غنيمة، فاستعظم ذلك‏ «3»، انته.

و من يرى الجواز مطلقا- و هو الصحيح- يجعل ما ذكرناه من المعنى المتوهّم في عبارة الدعاء رعاية للتناسب، فاعرفه فإنّه نفيس.

 [ 743] و الفاء من قوله عليه السّلام: «فصلّ على محمّد و آله»: فصيحة، أي: إذا كان‏

______________________________

 (1) القاموس المحيط: ج 3، ص 204- 205.

 (2) مغني اللبيب ص 685.

 (3) مغني اللبيب ص 685.

82
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 78

.......... الأمر على ما ذكر فصلّ على محمّد و آله و أعنّي.

و حذف المستعان عليه و الموفّق له إمّا لتعيّنهما، أو لإرادة التعميم مع الاختصار.

 [ 744] و «في» من قوله: «في أهل العقوق»: إمّا بمعنى: أي معهم، كما قيل في قوله تعالى: «فَادْخُلِي فِي عِبادِي» «1» أي: مع عبادي، أو ظرفيّة أي: في زمرة أهل العقوق.

و الأمهات: جمع أمّ.

قيل: أصلها أمهّة، و لهذا جمعت أمّهات، و أجيب بزيادة الهاء و أنّ الأصل أمّات.

قال ابن جني: دعوى الزيادة أسهل من دعوى الحذف‏ «2».

و قيل: كلّ أمّ و أمّهة لغة برأسها، فالامّات جمع أمّ، و الأمّهات جمع أمّهة، و لا حاجة إلى دعوى زيادة و لا حذف، و كثر في الناس أمّهات، و في غير الناس أمّات للفرق.

قوله عليه السّلام: «يوم تجزى كلّ نفس بما كسبت و هم لا يظلمون» متعلّق بقوله: «لا تجعلني»، و هو اقتباس من قوله تعالى في سورة الجاثية: «وَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَ لِتُجْزى‏ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ» «3»، و التغيير اليسير لا يضرّ في الاقتباس، كما تقدّم ذكره في الروضة الأولى.

و يوم: منصوب على أنّه ظرف لتجعلني، و الجملة في محلّ جرّ بإضافة يوم إليها.

و بما كسبت: متعلّق بتجزى، أي: بما كسبت من ثواب على طاعة أو عقاب على معصية.

و ما: يجوز أن تكون موصولة أي: بالذي كسبته، و أن تكون مصدريّة أي:

______________________________

 (1) سورة الفجر: الآية 29.

 (2) المصباح المنير: ص 31.

 (3) سورة الجاثية: الآية 22.

83
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 78

اللّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ وَ ذُرَّيَّتِهِ، وَ اخْصُصْ أبَويَّ بِأَفْضَلِ ما خَصَصْتَ بِهِ آباءَ عِبادِكَ المُؤمِنينَ وَ امَّهاتِهِم، يا أرْحَمَ الراحِمينَ.

بكسبها.

و هم لا يظلمون: في محلّ نصب على الحال من كلّ، لأنّها في معنى الجمع، و جمع الضمير لأنّه أنسب بحال الجزاء، كما أنّ الإفراد أنسب بحال الكسب، أي:

لا يظلمون بنقص ما يستحقونه من الثواب، و لا بزيادة ما يستحقّونه من العقاب.

و قد تقدّم الكلام على اقتباس هذه الآية في أوائل الروضة الأولى بأبسط من هذا، فليرجع إليه+.

 [ 745] عطف الذرّية على الآل من باب عطف الخاص على العام، لأنّ ذريّة الرجل نسله، و آله ذوو قرابته، فكلّ ذريّة آل دون العكس.

و أصل آل عند بعض: أول، تحرّكت الواو و انفتح ما قبلها فقلبت ألفا، مثل قال‏ «1».

و قيل: أصله أهل، لكن دخله الإبدال، و استدلّ عليه بعود الهاء في التصغير فيقال: أهيل‏ «2».

و من الغريب ما حكاه البطليوسي في كتاب الاقتضاب: من أنّ الكسائي ذهب إلى منع إضافة آل إلى المضمر، فلا يقال: آله بل أهله، و هو أوّل من قال ذلك و تبعه النحّاس و الزبيدي، و ليس بصحيح، إذ لا قياس يعضده و لا سماع يؤيّده‏ «3».

و قد تقدّم الكلام على لفظ الذرّية و الخلاف في وزنها و اشتقاقها في الروضة الرابعة، فأغنى عن الإعادة «4».

______________________________

 (1) المصباح المنير: ص 40.

 (2) المصباح المنير: ص 40.

 (3) المصباح المنير: ص 40 نقلا عنه.

 (4) ج 2 ص 119.

84
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 78

اللّهُمَّ لا تُنْسِي ذِكْرِهُما في أدْبارِ صَلَواتي، وَ في آناً مِنْ آناءِ لَيْلي، وَ في كُلِّ ساعَةٍ مِنْ ساعاتِ نهاري.

 [ 746] و ما: إمّا موصولة، أي: بأفضل الفضل أو الثواب الذي خصصت به آباء عبادك، أو نكره موصوفة، أي: بأفضل شي‏ء خصصت به آباء عبادك.

و المؤمنين: يجوز كونه صفة للمضاف أعني الآباء، أو صفة للمضاف إليه أعني عبادك، كما قالوه في قوله تعالى: «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى» «1»: يجوز فيه كون الأعلى صفة للاسم أو صفة للربّ. لكنّ قضيّة قولهم: إنّ الصفة دائما للمضاف إلاّ بدليل لأنّه هو المقصود، و المضاف إليه جي‏ء به لغرض التخصيص و لم يؤت به لذاته، أنّ المؤمنين صفة للآباء لا غير.

لا يقال: الدليل هنا عطف الامّهات على الآباء من غير وصف، و لو كان المؤمنون صفة للآباء لقال: و أمّهاتهم المؤمنات.

لأنا نقول: المقصود بالذات آباء العباد الموصوفون بالإيمان، و إلاّ فكم من عبد مؤمن أبوه غير مسلم، فضلا عن أن يكون مؤمنا، و إنّما يصف الامّهات بالمؤمنات اكتفاء بنيّة عن لفظه، لدلالة ما سبق عليه.

و أمّا جعل المؤمنين صفة للمتضائفين معا، فلا يجوز قطعا، لأنّه يؤدّي إلى تسليط عاملين مختلفي المعنى و العمل على معمول واحد من جهة واحدة، بناء على أنّ العامل في المنعوت هو العالم في النعت، و هو الصحيح، و اللّه أعلم+.

 [ 747] المراد بعدم إنسائه تعالى ذكرهما: إمّا حسم أسباب النسيان، أو عدم سلب التوفيق لذكرهما، أو المراد: إلهامه ذكرهما أي: الهمني ذكرهما في أدبار صلواتي.

و الأدبار: جمع دبر بالضمّ و بضمّتين، و هو من كلّ شي‏ء عقبه، أي: في أعقاب صلواتي.

______________________________

 (1) سورة الأعلى: الآية 1.

85
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 78

.......... و قد فسّر قوله تعالى: «وَ مِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَ أَدْبارَ السُّجُودِ» «1» بأعقاب الصلوات.

و تخصيصها بالذكر لأنّها من أوقات الإجابة، و قد روي عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام في تفسير قوله تعالى: «فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَ إِلى‏ رَبِّكَ فَارْغَبْ» أي: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة، فانصب إلى ربّك في الدعاء و ارغب إليه في المسألة يعطك‏ «2».

و النصب: التعب، أي: اجتهد في الدعاء.

و عن الصادق عليه السّلام: هو الدعاء في دبر الصلاة و أنت جالس. رواه أمين الإسلام في مجمع البيان‏ «3».

و الانى بالكسر و القصر و يفتح مع المدّ: الساعة من الليل، و قد يقال فيه: انى على وزن ظنى، و انى بالكسر على وزن نحى، و الجمع آناء.

و قال الجوهري: آناء الليل: ساعاته، قال الأخفش: واحدها أنا مثال معا، و قال بعضهم: واحدها أنى و أنو، يقال: مضى إنيان من الليل و إنوان، و قال أبو عبيد «4»: واحدها إنى مثال نحى و الجمع آناء «5»، انته.

و الساعة: جزء ما غير مقدّر من أجزاء الليل و النهار، و تطلق على جزء من أربعة و عشرين جزء من يوم بليلته، و هو اصطلاح أهل الفلك، و العرب لا تعرف ذلك.

قال الشهاب الفيومي في المصباح المنير: الساعة. الوقت من ليل أو نهار، و العرب تطلقها و تريد بها الحين و الوقت و إن قلّ، و عليه قوله تعالى: «لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً»+، و منه قوله عليه السّلام: من راح في الساعة الأولى الحديث، ليس المراد

______________________________

 (1) سورة ق: الآية 40.

 (2) مجمع البيان: ج 9- 10، ص 509.

 (3) مجمع البيان: ج 9- 10، ص 509.

 (4) «الف- ج» أبو عبيدة.

 (5) الصحاح: ج 6 ص 2273.

86
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 78

اللّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ اغْفِرْ لي بِدُعائي لَهُما، و اغْفِرْ لَهُما بِبِرِّهِما بي مَغْفِرةً حَتْمًا، وَ ارْضَ عَنْهُما بِشَفاعَتي لَهُما رِضىً عزْماً، وَ بَلّغْهُما بِالكَرامَةِ مَواطِنَ السَّلامَةِ.

بالساعة التي ينقسم عليها النهار القسمة الزمانيّة، بل المراد مطلق الوقت و هو السبق، و إلاّ لاقتضى أن يستوي من جاء في أوّل الساعة الفلكيّة و من جاء في آخرها، لأنّهما جاءا في ساعة واحدة، و ليس كذلك، بل من جاء في أوّلها أفضل ممّن جاء في آخرها، و الجمع ساعات و ساع و هو منقوص و ساع أيضا، «1» انته.

و النكرة هنا ظاهرة في الاستغراق أي: في كلّ انى من آناء ليلي و في كلّ ساعة من ساعات نهاري.

كما ورد في رواية أخرى بذكر «كلّ» مضافا إلى إنى، و ينبغي على هذه الرواية عطف ساعة على إنى بدون «في»، أو تقدير «كل» مضافا إلى ساعة، و اللّه أعلم+.

 [ 748] الباء: للسببيّة، أي: بسبب دعائي لهما و بسبب برّهما: بي. و حتم اللّه الأمر حتما: أوجبه جزما، أي: مغفرة محتومة.

 [ 749] و عزما: أي معزوما، من عزم اللّه أي: أراد و قصد و قطع و فرض أن يكون ذلك و يحصل، و منه قوله تعالى: «فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ»+ «2».

قال الزمخشري في الكشاف: أي إنّ ذلك ممّا عزم اللّه من الأمور، أي: قطعه قطع إيجاب و إلزام، و منه الحديث: لا صيام لمن لا يعزم الصيام من الليل، أي: لم يقطعه بالنيّة، ألا ترى إلى قوله: لمن يبت الصيام، و منه، إنّ اللّه يحبّ أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه، و قولهم: عزمة من عزمات ربّنا، و منه: عزمات الملوك، و ذلك أن يقول الملك لبعض من تحت يده: عزمت عليك إلاّ فعلت‏

______________________________

 (1) المصباح المنير: ص 401- 402.

 (2) سورة لقمان: الآية 17.

87
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 78

اللّهُمَّ وَ إِنْ سَبَقت مَغْفِرَتُكَ لَهُما فَشَفِّعْهُما فِيَّ، وَ إنْ سَبَقْتَ مَغْفِرَتُكَ‏ كذا إذا قال ذلك لم يكن للمعزوم عليه بدّ من فعله و لا مندوحة في تركه، و حقيقته أنّه من تسمية المفعول بالمصدر، و أصله من معزومات الأمور أي: مقطوعاتها و مفروضاتها «1»، انته كلام الزمخشري.

قلت: و من ذلك ما ورد في الدعاء: أسألك موجبات رحمتك و عزائم مغفرتك‏ «2»، أي: ما أوجبته من رحمتك و عزمت أن يكون و يحصل من مغفرتك.

و يجوز أن يكون عزما بمعنى عازم، من عزم الأمر نفسه إذا عزم عليه، على ما قال الزمخشري في قوله تعالى: «مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ»+ «3»: يجوز أن يكون مصدرا في معنى الفاعل، أصله من عازمات الأمور من قوله تعالى: «فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ» «4»، كقولك:

جدّ الأمر و صدق القتال‏ «5».

قال بعضهم: و لعلّ المغفرة التي ليست بحتم و الرضا الذي ليس بعزم، هما المعلّقان بشرط أو صفة أو وقت أو بنوع من الذنب، انته.

و من زعم أنّ انتصاب حتما و عزما على التمييز فقد أبعد.

و الباء من قوله: «بالكرامة»: للملابسة، أي: ملتبسين بالكرامة. و المواطن:

بمعنى الوطن، و هو المكان و المقرّ.

و المراد بمواطن السلامة: الجنّة، لسلامتها و سلامة أهلها.

فيها من المكاره و الآفات، و لذلك سميّت دار السلام، و جمعها باعتبار تعدّدها، أو باعتبار تعدّد أماكنها و مساكنها، و اللّه أعلم+.

 [ 750] سبق يسبق سبقا- من باب ضرب-: تقدّم، و هذا السبق يحتمل أن يكون أزلا و تقديرا، كقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى‏» «6»، و أن يكون زمانا

______________________________

 (1) تفسير الكشاف: ج 3، ص 496.

 (2) النهاية لابن الأثير: ج 5 ص 153.

 (3) سورة لقمان: الآية 17.

 (4) سورة محمّد: الآية 21.

 (5) تفسير الكشاف: ج 3 ص 497.

 (6) سورة الأنبياء: الآية 101.

88
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 78

لي فَشَفِّعْني فيهِما، حَتّى‏ نَجْتَمِعَ بِرَأفَتِكَ في دارِ كَرامَتِكَ، وَ مَحَلِّ مَغْفِرَتِكَ وَ رَحْمَتِكَ، إنَّكَ ذُو الفَضْلِ العَظيمِ وَ المَنِّ القَديمِ، وَ أنْتَ أَرْحَمُ الراحِمينَ.

و وجودا.

و شفّعه تشفيعا: قبل شفاعته، و هي السؤال في التجاوز عن الآثام و المعاصي.

 [ 751] و حتّى: بمعنى كي التعليليّة، أي: كي نجتمع.

و الرأفة: أشدّ الرحمة و أرقّها، و لا تكاد تقع في الكراهة، و الرحمة قد تقع فيها للمصلحة.

و الكرامة: التعظيم و الإجلال.

عبّر عن الجنّة بدار الكرامة لإكرام اللّه سبحانه أهلها بأنواع الكرامة، و عبّر عنها بمحلّ المغفرة و الرحمة تنبيها على أنّ المؤمن و إن استغرق عمره في طاعة اللّه تعالى فإنّه لا يدخل الجنّة إلاّ بمغفرة اللّه و رحمته.

و قوله: «إنّك ذو الفضل العظيم» تعليل لما قبله، و تحريك لسلسلة الإجابة، و إذعان بأنّ كلّ خير نال عباده في دينهم و دنياهم فإنّه من عنده ابتداء منه إليهم و تفضّلا عليهم، من غير استحقاق منهم لذلك عليه، فهو ذو الفضل العظيم.

و المنّ القديم: أي الإنعام السابق على الاستحقاق قوله عليه السّلام: «و أنت أرحم الراحمين» جملة تذييليّة جاء بها في آخر الدعاء لبيان شدّة الرجاء من جهته، فإنّ الابتداء بالنعمة يوجب الإتمام، و سعة الرحمة تقتضي عمومها و الزيادة فيها، فهي لاستدعاء الرحمة من جهته تعالى، و اللّه أعلم. [] هذا آخر الروضة الرابعة و العشرين من رياض السالكين، و قد وفّق اللّه سبحانه لإتمامها بإعانته و محض عنايته، صبيحة يوم السبت لاثنتي عشرة خلون من شهر اللّه الأصم، أحد شهور سنة إحدى و مائة و ألف بقلم مؤلّفها، و للّه الحمد.

89
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

الروضة الخامسة و العشرون ص : 91

الروضة الخامسة و العشرون‏

91
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

و كان من دعائه عليه السلام لولده عليهم السلام ص : 93

وَ كانَ مِنْ دُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لوُلْدِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامْ‏

اللَّهُمَّ وَ مُنَّ عَلَىَّ بِبَقاءِ وُلْدى‏ وَ بِاصْلاحِهِمْ لي‏ وَ بِامْتاعى‏ بِهِمْ الهى‏ امْدُد لي‏ في‏ اعْمارِهِمْ وَ زِدْ لي‏ في‏ اجالِهِمْ وَ رَبِّ لي‏ صَغيرَهُمْ وَ قَوِّ لي‏ ضَعِيفَهُمْ وَ اصِحَّ لي‏ أَبْدانَهُمْ وَ ادْيانَهُمْ وَ اخْلاقَهُمْ وَ عافِهِمْ في‏ انْفُسِهِمْ وَ في‏ جَوارِحِهِمْ وَ في‏ كُلِّ ما عنيتُ بِهِ مِنْ امْرِهِمْ وَ ادْرِرْ لي‏ وَ عَلى‏ يدي‏ ارْزاقَهمْ وَ اجْعَلْهُمْ أَبْرارًا اتْقِياءَ بَصْراءَ سامِعينَ مُطِيعِينَ لَكَ وَ لِأَوْلِيائكَ محِبِّينَ مُناصِحِينَ وَ لِجميعِ اعْدائِكَ مُعانِدِينَ وَ مُبْغِضينَ امينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ بِهِمْ عَضُدى‏ وَ اقِمْ بِهِمْ اوَدى‏ وَ كَثِّرْ بِهِمْ عَدَدى‏ وَ زَيِّنْ مَحْضَرى‏ وَ احْىِ بِهِمْ ذِكْرى‏ وَ اكْفِنى‏ بِهِمْ في‏ غَيْبَتى‏ وَ اعِنِّى‏ بِهِمْ عَلى‏ حاجَتى‏ وَ اجْعَلْهُمْ لي‏ محِبِّينَ وَ عَلَىَّ حَدِبينَ مقْبِلينَ مُسْتَقيمينَ لي‏ مُطيعينَ غَيْرَ عاصينَ وَ لا عاقِّينَ وَ لا مُخالِفِينَ وَ لا خاطِئِينَ وَ اعِنِّى‏ عَلى‏ تَرْبِيَتِهِمْ وَ تَأديبِهِمْ وَ بِرِّهِمْ وَ هَبْ لي‏ مِنْ لَدُنْكَ مَعَهُمْ اوْلادًا ذُكُورًا وَ اجْعَلْ ذلِكَ خَيْرًا لي‏ وَ اجْعَلْهُمْ لي‏ عَوْناً عَلى‏ ما سَأَلْتُكَ وَ اعِذْنى‏ وَ ذُرِّيَّتى‏ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ فَإِنَّكَ خَلَقْتَنا وَ امَرْتَنا وَ نَهَيْتَنا وَ رَغَّبْتَنا في‏ ثَوابِ ما امَرْتَنا وَ رَهَّبْتَنا عِقابَهُ وَ ..........

93
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

و كان من دعائه عليه السلام لولده عليهم السلام ص : 93

جَعَلْتَ لَنا عَدُوًّا يَكِيدُنا سَلَّطْتَهُ مِنَّا عَلى‏ ما لَمْ تُسَلِّطْنا عَلَيْهِ مِنْهُ وَ اسْكَنْتَهُ صُدُورَنا وَ اجْرَيْتَهُ مُجارِىَ دِمائِنا لا يَغْفُلْ انْ غَفَلْنا وَ لا يَنْسى‏ إنْ نَسينا يُؤْمِنُنا عِقابَكَ وَ يُخَوِّفُنا بِغَيْرِكَ انْ هَمَمْنا بِفاحِشَةٍ شَجَّعَنا عَلَيْها وَ انْ هَمَمْنا بِعَمَلٍ صالِحٍ ثَبَّطَنا عَنْهُ يَتَعَرَّضُ لَنا بالشَّهَواتِ وَ يَنْصِبُ لَنا بِالشُّبُهاتِ انْ وَعَدَنا كَذَبَنا وَ انْ مَنَّانا اخْلَفَنا وَ الاَّ تَصْرِفْ عَنَّا كَيْدَهُ يُضِلَّنا وَ الاَّ تَقِنا خَبالَهُ يَسْتَزِلَّنا اللَّهُمَّ فَاقْهَرْ سُلْطانَهُ عَنَّا بِسُلْطانِكَ حَتّى‏ تَحْبِسَهُ عَنَّا بِكَثْرَةِ الدُّعاءِ لَكَ فَنُصْبِحَ مِن كَيْدِهِ فِى الْمَعْصُومينَ بِكَ اللَّهُمَّ اعْطِنى كُلَّ سُؤْلى‏ وَ اقْضِ لي‏ حَوائِجي‏ وَ لا تَمْنَعْنِى الْاجابَةَ وَ قَدْ ضَمِنْتَها لي‏ وَ لا تَحْجُبْ دُعائى‏ عَنْكَ وَ قَدْ امَرْتَنى‏ بِهِ وَ امْنُنْ عَلَىَّ بِكُلِّ ما يُصْلِحُنى في‏ دُنْياىَ وَ اخِرَتى‏ ما ذَكَرْتُ مِنْهُ وَ ما نَسيتُ اوْ اظْهَرْتُ اوْ اخْفَيْتُ اوْ اعْلَنْتُ اوْ اسْرَرْتُ وَ اجْعَلْنى‏ في‏ جَمِيعِ ذلِكَ مِنَ الْمُصْلِحينَ بِسُؤالى‏ ايَّاكَ الْمُنْجِحينَ بِالطَّلَبِ الَيْكَ غَيْرِ الْمَمْنُوعينَ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْكَ الْمُعَوَّدِينَ بالتَّعَوُّذِ بِكَ الرَّابِحينَ فِى التِّجارَةِ عَلَيْكَ الْمُجارينَ بِعِزِّكَ الْمُوسَعِ عَلَيْهِمُ الرِّزْقُ الْحَلالُ مِنْ فَضْلِكَ الْواسِعِ بِجُودِكَ‏ ..........

94
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

و كان من دعائه عليه السلام لولده عليهم السلام ص : 93

وَ كَرَمِكَ الْمُعَزّينَ مِنَ الذُّلِّ بِكَ وَ الْمُجارينَ مِنَ الظُّلْمِ بِعَدْلِكَ وَ الْمُعافينَ مِنَ الْبَلاءِ بِرَحْمَتِكَ وَ الْمُغْنَيْنَ مِنَ الْفَقْرِ بِغِناكَ وَ المَعْصُومينَ مِنَ الذُّنُوبِ وَ الزَّلَلِ وَ الْخَطاءِ بِتَقْواكَ وَ الْمُوَفَّقينَ لِلْخَيْرِ وَ الرُّشْدِ وَ الصَّوابِ بِطاعَتِكَ وَ الْمُخالِ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الذُّنُوبِ بِقُدْرَتِكَ التَّارِكينَ لِكُلِّ مَعْصِيَتِكَ السَّاكِنينَ في‏ جَوارِكَ اللَّهُمَّ اعْطِنا جَميعَ ذلِكَ بِتَوْفيقِكَ وَ رَحْمَتِكَ وَ اعِذْنا مِنْ عَذابِ السَّعيرِ وَ اعْطِ جَميعَ الْمُسْلِمينَ وَ الْمُسْلِماتِ وَ الْمُؤمِنينَ وَ الْمُؤْمِناتِ مِثْلَ الَّذى‏ سَأَلْتُكَ لِنَفْسى‏ وَ لِوَلَدى‏ في‏ عاجِلِ الدُّنْيا وَ اجِلِ الْاخِرَةِ انَّكَ قَرِيبٌ مُجيبٌ سَميعٌ عَلِيمٌ عَفُوٌّ غَفَورٌ رَؤُفٌ رَحيمٌ وَ اتِنا فِى الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِى الْاخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ ..........

95
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

و كان من دعائه عليه السلام لولده عليهم السلام ص : 93

.......... [] بسم اللَّه الرحمن الرحيم و به نستعين‏ «1» الحمد للَّه الذي لم يتّخذ صاحبة و لا ولدا، عاطف قلوب الوالدين بمزيد الرأفة على ما ولدا، و الصّلاة على نبيّه أشرف الآباء و البنين، و على عترته النجباء أئمّة المؤمنين.

و بعد فهذه الروضة الخامسة و العشرون من رياض السالكين، في شرح الدعاء الخامس و العشرين من صحيفة سيّد العابدين، إملاء الفقير إلى ربّه الغنيّ عليّ صدر الدين الحسيني الحسنيّ، غفر اللّه له و لوالديه و ولده، و وفّقه للعمل في يومه لغده قبل خروج الأمر من يده.

______________________________

 (1) (ج): و به ثقتي.

96
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الخامس و العشرين ص : 97

شرح الدعاء الخامس و العشرين‏

و كانَ مِن دُعائِهِ عَليه السّلامُ لِوُلِدِهِ عليهمُ السّلامُ.

دعاء الوالدين للولد من برّهما به، و محبّتهما له، و إعانتهما له على برّه بهما.

ففي الحديث عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: رحم اللّه والدين أعانا ولدهما على برّهما «1».

و عنه عليه السّلام قال: قال له رجل من الأنصار: من أبرّ؟ قال: والديك، قال: قد مضيا، قال: برّ ولدك‏ «2».

و عنه عليه السّلام: قال: إنّ اللّه ليرحم العبد لشدّة حبّه لولده‏ «3».

و دعاء الوالد لولده من جملة الدعاء الذي لا يرّد و لا يحجب. فعن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أربعة لا تردّ لهم دعوة حتّى تفتح لهم أبواب السماء و تصير إلى العرش: الوالد لولده، و المظلوم على من ظلمه، و المعتمر حتّى يرجع، و الصائم حتّى يفطر «4».

و عنه عليه السّلام قال: كان أبي يقول: خمس دعوات لا يحجبن عن الربّ تبارك و تعالى: دعوة الإمام المقسط، و دعوة المظلوم يقول اللّه عزّ و جل: لا نتقمن لك و لو بعد حين، و دعوة الولد الصالح لوالديه، و دعوة الوالد الصالح لولده، و دعوة المؤمن لأخيه بظهر الغيب فيقول: لك ذلك مثلاه‏ «5»+.

______________________________

 (1) بحار الأنوار: ج 74 ص 65 ح 32.

 (2) الكافي: ج 6 ص 49 ح 2.

 (3) مكارم الأخلاق: ص 219.

 (4) الكافي: ج 2 ص 510 ح 6.

 (5) الكافي: ج 2 ص 509 ح 2، و فيه: «و لك مثله».

97
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الخامس و العشرين ص : 97

 [ 752] قال: صلوات اللّه و سلامه عليه:

اللّهُمّ وَ مُنَّ عَلَيَّ بِبَقاءِ وُلْدي، وَ بِإصْلاحِهِمْ لي، وَ بِإمْتاعي بِهِمْ.

منّ عليه بكذا منّا- من باب قتل-: أنعم عليه به.

و البقاء: يطلق على استمرار الوجود و لا يكون إلا للّه سبحانه، و منه: سبحان من توحّد بالبقاء «1»، و على طول الوجود، و هو المراد هنا.

و معنى إصلاحهم له: إصلاحهم لبرّه و طاعته، و فيه تلميح إلى قوله تعالى:

 «وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي» «2».

قيل: هو دعاء بإصلاح ذرّيته لبرّه و طاعته، لقوله: لي.

و قيل: إنّه دعاء بإصلاحهم لطاعة اللّه عزّ و جلّ.

قال أمين الإسلام: و هو الأشبه، لأنّ طاعتهم للّه من برّه‏ «3».

و عن الزجّاج: أي اجعل ذرّيتي صالحين‏ «4».

و قال سهل بن عبد اللّه: معناه اجعلهم لي خلف صدق و لك عبيد حقّ‏ «5» و هذه المعاني كلّها محتملة في عبارة الدعاء.

و قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى «في» في قوله تعالى: «وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي»؟ قلت: معناه أن يجعل ذرّيته موقعا للصلاح و مظنّة له، كأنّه قال: هب لي الصلاح في ذرّيتي و أوقعه فيهم‏ «6»، انته.

و قيل: هو على تضمين أصلح معنى بارك.

و أمتعه اللّه بكذا إمتاعا و متّعه به تمتيعا: أبقاه له ليستمتع به أي: لينتفع به.

يقال: استمتع بالشي‏ء و تمتّع به أي: انتفع، و هو من المتاع، و هو في اللغة كلّ ما ينتفع به+.

______________________________

 (1) لم نعثر عليه.

 (2) سورة الأحقاف: الآية 15.

 (3) مجمع البيان: ج 9- 10 ص 86.

 (4) مجمع البيان: ج 9- 10 ص 86.

 (5) مجمع البيان: ج 9- 10 ص 86.

 (6) الكشاف: ج 4 ص 402.

98
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الخامس و العشرين ص : 97

إلهي امْدُدْ لي في أعْمارِهِمْ، وَ زِدْ لي في آجالِهِمْ، وَ رَبِّ لي صَغيرَهُمْ، وَ قَوِّ لي ضَعيفَهُمْ، وَ أصِحَّ لي أَبْدانَهُمْ وَ أدْيانَهُمْ وَ أخْلاقَهُمْ، وَ عافِهمْ في‏ [ 753] قال الفارابي في ديوان الأدب: مدّ اللّه في عمره أي: أمهل له و طوّل له‏ «1» انته.

و الأعمار: جمع عمر بالضمّ و بضمّتين و بالفتح و السكون، و هو الحياة.

و قيل: مدّة بقاء الحياة.

و الآجال: جمع أجل بالتحريك و هو مدّة العمر، و يطلق على الوقت الذي ينقرض فيه.

قال بعضهم: يحتمل أن يكون الفقرة الثانية تأكيدا للأولى، لحرصه عليه السّلام على بقائهم.

و يحتمل أن يراد بالأعمار رفاهيّة العيش و حسن الحال، فإنّ العرب كانت تسمّي من عاش في رفاهيّة طويل العمر و إن قصر عمره، و من ليس كذلك قصير العمر و إن طال عمره.

و لهذا قال بعضهم: فهل رأيتم شيخا بلا عمر؟ و كانوا يعدّون أيّام السرور و يقولون عاش فلان كذا يوما و كذا سنة، و إن كان عمره أكثر، انته.

قلت: إذا أريد جعل الفقرة الثانية تأسيسا لا تأكيدا، فالأولى أن يراد بالمدّ في الأعمار البركة فيها، بانّ يبارك فيها بالتوفيق لأعمال الطاعات و عمارة أوقاتهم بالخيرات.

و قد فسّر قوله عليه السّلام: صلة الرحم منساة في الأجل، أي: تأخير في مدّة العمر و سبب لزيادته و إنّ معنى الزيادة في العمر زيادته بالبركة فيه، بتوفيقه إلى أعمال الطاعة و عمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة، فإنّ هذا المعنى أجدر أن يكون منظورا له عليه السّلام من رفاهيّة العيش، و اللّه أعلم بمقاصد أوليائه.

و ربّاه يربيّه تربية: أوصله كما له تدريجا.

______________________________

 (1) ديوان الأدب: ج 3 ص 120.

99
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الخامس و العشرين ص : 97

أنْفُسِهِمْ، وَ في جَوارِحِهِمْ، وَ في كُلِّ ما عُنيتُ بِهِ مِنْ أمْرِهِمْ، وَ أدْررْ لي وَ عَلى‏ يَدي أرْزاقَهُمْ، وَ اجْعَلْهُمْ أبْرارًا أتْقِياءَ بُصَراءَ، سامِعينَ مُطِيعِينَ‏ و القوّة: تطلق على كمال القدرة، و على شدّة الممانعة و الدفع، و يقابلها الضعف بالمعنيين، و كلّ من المعنيين في المتقابلين محتمل هنا، و لا يجوز إرادة كلا المعنيين فيهما معا، فإنّ استعمال اللفظ الواحد في معنيين متغايرين مما لا مساغ له عند المحقّقين، بل يمكن أن يراد بالتقوية معنى مجازي عام، يكون كلا المعنيين- من تكميل القدرة، و تشديد الممانعة و الدفع- فردا حقيقيّا له و هو إصلاح حالهم، فإنّ كلاّ من المعنيين المذكورين فرد حقيقيّ له، و كذلك يراد بالضعف سوء الحال، فيكون نقص القدرة و قلّة الممانعة و الدفع فردا حقيقيّا له، فافهم ذلك فإنّه قلّ من تنبّه له.

 [ 754] و الصّحة في الأصل: للبدن، و هي حالة طبيعيّة له تجري أفعاله معها على المجرى الطبيعي، ثمّ استعيرت للأفعال و المعاني، فقيل: صحت الصلاة إذا أسقطت القضاء، و صحّ العقد إذا ترتّب أثره عليه، و صحّ مذهبه إذا وافق الحقّ.

فإنّ قلت: يلزم على هذا الجمع بين الحقيقية و المجاز في عبارة الدعاء، لأنّ الصحّة في الأبدان حقيقة، و في الأديان و الأخلاق مجاز، و قد صرّحوا بأنّ إرادة المتكلّم بعبارة واحدة حقيقة و مجازا غير صحيحة.

قلت: المسألة ذات خلاف مشهور، فمن جوّز اجتماع الحقيقة و المجاز في كلمة واحدة، و احتّج بقولهم: القلم أحد اللسانين، فله أن يختار استعمالها فيهما، و من لا يرى صحّة فينبغي أن يراد بالصحّة معنى مجازي عام، يكون كلّ واحد من المعاني المقصودة للصحّة فردا حقيقيّا له، كما قلناه آنفا في المشترك، أي: و أصلح لي أحوالهم، و ذلك في أبدانهم بالصحّة التي هي الحالة الطبيعيّة، و في أديانهم بالصحّة التي هي موافقة الحقّ، و في أخلاقهم بالصحّة التي هي الكرم و الحسن، و قس على ذلك.

 [ 755] قوله عليه السّلام: «و عافهم في أنفسهم و جوارحهم و في كلّ ما عنيت به من‏

100
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الخامس و العشرين ص : 97

لَكَ وَ لِأَوْلِيائِكَ مُحِبّينَ مُناصِحينَ، وَ لِجَميعِ أعْدائِكَ مُعانِدينَ وَ مُبْغِضينَ آمينَ.

أمرهم» إذا أردت التفادي من لزوم الجمع بين الحقيقة و المجاز، بناء على أنّ العافية في الأصل بمعنى الصحّة البدنيّة ثمّ استعيرت لمعان اخر، و الأظهر أنّها لمعنى عام متناول لدفع جميع المكروهات في النفس و البدن و في الدين و الدنيا و الآخرة، فلا حاجة إلى ذلك.

و عنيت بأمر فلان بالبناء للمفعول: شغلت به و اهتممت به فأنا معنيّ به، و ربّما قيل: عنيت بأمره بالبناء للفاعل فأنا عان، و الأوّل أكثر، و به وردت رواية الدعاء لا غير.

و درّ اللبن و غيره- من باب ضرب و قتل- درّا: كثر و زاد، و أدرّ اللّه الرزق إدرارا: كثّره و وسّعه.

و قال شيخنا البهائي في المفتاح: المراد بالرزق الدارّ: الذي يتجدّد شيئا فشيئا من قولهم: درّ اللبن إذا زاد و كثر جريانه من الضرع‏ «1».

قال بعضهم: و في تقييده السؤال بقوله عليه السّلام «لي» في جميع الفقرات، ما يدلّ على أن الدعاء له و لهم، و على تمام الحنو و الشفقة، و على أنّ الدعاء له عليه السّلام أبلغ في الدعاء و أقرب إلى الإجابة، و على أنّ كلّ واحد ممّا سأل يكون على الوجه الكامل، انته.

و قوله عليه السّلام: «و على يديّ» أي: بواسطتي.

و المراد جعله واسطة في وصول أرزاقهم إليهم، يقال: جرى الأمر على يد فلان إذا وقع بوساطته، كأنّه أخذه و أعطاه بيده.

و منه الحديث: خلقت الخير و أجريته على يدي من احبّه، فطوبى لمن أجريته على يديه‏ «2».

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ؛ ج‏4 ؛ ص101

 

______________________________

 (1) مفتاح الفلاح: ص 45.

 (2) المحاسن للبرقي: ص 283، و بحار الأنوار: ج 5 ص 160 ح 18.

101
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الخامس و العشرين ص : 97

.......... و فائدة هذا السؤال أمران:

أحدهما: أن يزدادوا طاعة له و محبّة و برّا، فإنّ من عرف أنّ اللّه تعالى أجرى رزقه على يد شخص، فلا شكّ أنّه يحبّه و يعظّمه و يطيعه.

الثاني: إجراء الخير على يده عليه السلام، كما تضمّنه الحديث المذكور.

 [ 756] و الأبرار: جمع بارّ أو برّ، كأصحاب جمع صاحب و أرباب جمع ربّ. يقال:

الرجل برّ يبرّ برّا مثل علم يعلم علما فهو برّ بالفتح و بارّ و هو خلاف الفاجر.

و قيل: هو الصادق.

و قيل: هو الكثير البرّ، أي: الخير، و الاتّساع في الإحسان.

و قال الطبرسي: هو الذي برّ اللّه بطاعته إيّاه حتّى أرضاه‏ «1».

و الظاهر أنّ المراد به البارّ لوالديه، بقرينة قوله عليه السّلام: أتقياء، تلميحا إلى قوله تعالى: «وَ كانَ تَقِيًّا. وَ بَرًّا بِوالِدَيْهِ» «2».

و الأتقياء: جمع تقيّ، و هو المطيع المتجنّب عن المعاصي.

و قال الشهاب الفيومي: رجل تقيّ: أي زكيّ، و قوم أتقياء، و تقي يتقى- من باب تعب- تقاة و اتّقاه اتقاء، و الاسم التقوى، و أصل التاء واو، لكنّهم قلبوا «3»، انته.

و البصراء: جمع بصير بمعنى العالم، من بصر بالشي‏ء بالضمّ بصرا بفتحتين بمعنى علم فهو بصير به.

و سامعين أي: مصغين إصغاء الطاعة.

يقال: فلان سامع مطيع أي: سامع لما يؤمر به كائنا ما كان سمع طاعة و قبول، و منه قوله تعالى: «وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اسْمَعُوا» «4».

______________________________

 (1) مجمع البيان: ج 1- 2 ص 555.

 (2) سورة مريم: الآية 13 و 14.

 (3) المصباح المنير: ص 105.

 (4) سورة المائدة: الآية 108.

102
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الخامس و العشرين ص : 97

اللّهُمَّ اشْدُد بِهِمْ عَضُدي، وَ اقِمِ بِهِمْ أوَدي، وَ كَثّر بِهِمْ عَدَدي، وَ زَيّنْ بِهِمْ مَحْضَري، وَ أحْي بِهِمْ ذِكْري، وَ اكْفِني بِهِمْ في غَيْبَتي، وَ أعِنّي بِهِمْ عَلى‏ حاجَتي، وَ اجْعَلْهُمْ لي مُحِبّينَ، وَ عَلَيَّ حَدِبينَ مُقْبِلينَ، مُسْتَقيمينَ لي مُطيعينَ غَيْرَ عاصينَ وَ لا عاقّينَ وَ لا مُخالفِينَ وَ لا و مطيعين أي: مذعنين منقادين لحكمك.

و قوله عليه السّلام: «و لأوليائك محبّين مناصحين» عطف على ثاني مفعولي و اجعل، أي: و اجعلهم محبّين مناصحين لأوليائك، و إنّما فصل بين العاطف و المعطوف لأنّ الفصل بالظرف كلا فصل. و قس عليه قوله: «و لجميع أعدائك معاندين و مبغضين».

 [ 757] و آمين: بالقصر في لغة الحجاز، و المدّ إشباع بدليل أنّه لا يوجد في العربية كلمة على فاعيل، و معناه: استجب، و قد سبق الكلام عليه مبسوطا، فليرجع إليه+.

 [ 758] الشدّ: التقوية، شدّ يشدّه شدّا- من باب قتل.

و العضد: ما بين المرفق إلى الكتف، و فيها خمس لغات أشهرها وزن رجل، و بضمّتين في لغة الحجاز، و مثل كبد في لغة بني أسد، و كفلس في لغة تميم و بكر، و الخامسة مثال قفل‏ «1».

و حكى تغلب العضد بفتح العين و الضاد، «2» فتكون لغاتها ستّة.

قال أبو زيد: أهل تهامة يؤنّثون العضد، و بنو تميم يذكّرون‏ «3».

و قال اللحياني: العضد مؤنّثة لا غير «4».

قال الفارابي في ديوان الأدب: شدّ عضده أي: قوّاه‏ «5».

______________________________

 (1) المصباح المنير: ص 567.

 (2) لسان العرب: ج 3 ص 292.

 (3) المصباح المنير: ص 567.

 (4) لسان العرب: ج 3 ص 292.

 (5) ديوان الأدب: ج 3 ص 120.

103
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الخامس و العشرين ص : 97

خاطِئينَ، وَ أعِنّي عَلى‏ تَرْبِيَتِهِمْ وَ تَأديبِهمْ وَ بَرِّهِمْ، وَ هَبْ لي مِنْ لَدنْكَ مَعَهُمْ أوْلاداً ذُكُوراً، وَ اجْعَلْ ذلِكَ خَيْرًا لي، وَ اجْعَلْهُمْ لي عَوْناً عَلى‏ ما سَأَلْتُكَ.

و قال الزمخشري في قوله تعالى: «سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ»: العضد: قوام اليد و بشدّتها تشتدّ اليد، قال طرفة:

أبني لبيني لستم بيد

 

 الاّ يدا ليست لها عضد

 

 و يقال في دعاء الخير: شدّ اللّه عضدك، و في ضدّه فتّ اللّه في عضدك، و معنى سنشدّ عضدك بأخيك: سنقوّيك به و نعينك، فإمّا أن يكون ذلك لأنّ اليد تشتدّ بشدّة العضد، و الجملة تقوى بشدّة اليد على مزاولة الأمور، و إمّا لأنّ الرجل شبّه باليد في اشتدادها باشتداد العضد، فجعل كأنّه مشتدّ بعضد شديدة «1»، انته.

فعلى الأوّل: هو كناية تلويحيّة عن تقويته.

و على الثاني: استعارة تمثيليّة، شبّه حاله في تقويته بأخيه بحال اليد في تقويتها بعضد شديدة.

و في قوله: في اشتدادها باشتداد العضد، إشارة إلى تركّب التشبيه.

و أقام أوده: أي أزال اعوجاجه، و الأود بفتحتين: العوج، و هو هنا مستعارة لاختلال الحال و خروجها عن حدّ الاستقامة، أي: و أصلح بهم اختلال حالي، و الظاهر أنّ طلبه لذلك عليه السّلام إنّما هو على تقدير وقوعه، فكأنّه قال: إن وقع في شي‏ء من أحوالي أود و اعوجاج فاقمه بهم، و قد علمت أنّه لا يلزم من صدق الشرطيّة صدق كلّ واحد من جزءيها، فلا يلزم من صدق كلامه عليه السّلام وقوع الاعوجاج حتّى يحتاج إلى إقامته بهم.

______________________________

 (1) تفسير الكشاف: ج 3 ص 410.

104
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الخامس و العشرين ص : 97

.......... و الرواية في أكثر النسخ: «و أقم به أودي» بإفراد الضمير، و هو باعتبار إرجاعه إلى الشدّ المفهوم من قوله عليه السّلام: اشدد، نحو قوله تعالى: «اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ» «1».

و قيل: أو إلى العضد و لو على وجه الاستخدام.

و العدد: الكميّة المتألفة من الوحدان، أو المراد به هنا كميّة جماعته من أهله و عترته، لما في كثرتهم من عزّة الجانب و حماية الحوزة.

قال الأعشى:

و لست بالأكثر منهم حصى‏

 

 و إنما العزّة للكاثر «2»

 

 أراد بالحصى هنا العدد.

قال الجوهري: أحصيت الشي‏ء: عددته، و قولهم: نحن أكثر منهم حصى أي:

عددا «3»، انته.

و المحضر: مكان الحضور، و تزيّن محضره بهم كناية عن تحليتهم بالفضائل و الكمالات التي من حلّي بها كانت زينة للمحاضر و المشاهد إذا حضرها.

 [ 759] و أحياه: جعله حيّا.

و المراد بالذكر هنا: الصيت و الذكر الجميل في الناس.

قال في الأساس: و من المجاز: له ذكر في الناس أي: صيت و شرف‏ «4».

أي: أبق بهم ذكري و أظهره بين الناس.

شبّه الإبقاء و الإظهار بالإحياء في الإيجاد، ثمّ استعار لفظ الإحياء لذلك الإبقاء، و هي استعارة تبعيّة، و القرينة جعل مفعوله الذكر، و هو لا يحيى حقيقة،

______________________________

 (1) سورة المائدة: الآية 8.

 (2) الصحاح: ج 6 ص 2315.

 (3) الصحاح: ج 6 ص 2315.

 (4) أساس البلاغة: ص 205.

105
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الخامس و العشرين ص : 97

.......... لأنّ الإحياء في الحقيقة إعطاء الحياة، و هي صفة تقتضي الحسّ و الحركة الإرادية، و تفتقر إلى البدن و الروح.

و يحتمل أن يكون استعارة بالكناية، بأن يكون شبّه ذكره الذي ينقطع بعد موته بالإنسان الميّت، و أثبت له الإحياء الذي هو من لوازم المشبّه به. و حياة الذكر من مشهورات الاستعارات، قال الشاعر:

هو الموت فاختر ما حلالك ذكره‏

 

 فلم يمت الإنسان ما حيى الذكر «1»

 

 و هذه الفقرة تتضمّن الدعاء بأمرين:

أحدهما: إبقاؤهم بعده ليذكر بهم بعد موته.

و الثاني: جعلهم فضلاء كاملين، بحيث ينتشر صيته بهم في الناس.

و كفاه الأمر: قام مقامه فيه، أي: اجعلهم قائمين مقامي في غيبتي. و أعانه على أمره: ساعده عليه.

 [ 760] و حدب عليه حدبا- من باب تعب-: تعطّف عليه، فهو حدب على وزن كتف.

و الإقبال: هنا كناية عن الاعتناء و الإكرام، لأنّ من اعتنى بأحد و أكرمه التفت إليه و أقبل عليه بوجهه.

و مستقيمين: أي مستوين لا اعوجاج فيهم، و ذلك بالتحلّي بالأخلاق الفاضلة المعتدلة بين الطرفين المستقيمة بين المنحرفين، أو ثابتين على الطاعة و البرّ دائمين على الانقياد لي، و منه حديث: استقيموا لقريش ما استقاموا لكم‏ «2».

______________________________

 (1) أنوار الربيع: ج 3 ص 98.

 (2) النهاية لابن الأثير: ج 4 ص 125.

106
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الخامس و العشرين ص : 97

.......... أي: دوموا لهم في الطاعة و اثبتوا عليها ما داموا على الدين و ثبتوا على الإسلام.

قوله عليه السّلام: «غير عاصين» إمّا نعت مؤكّد لمعنى قوله: «مطيعين»، أو حال مؤكّدة من الضمير في مطيعين. و «لا»: مزيدة لتأكيد ما أفاده «غير» من معنى النفي، كأنّه قيل: لا عاصين و لا عاقّين. و لا خاطئين: أي متعمّدين للذنب.

قال الأموي: المخطئ: من أراد شيئا فصار إلى‏ غيره، و الخاطئ: من تعمّد ما لا ينبغي‏ «1».

و قال الفيومي: قال أبو عبيدة: خطئ خطأ- من باب علم- و أخطأ: بمعنى واحد لمن يذنب على غير عمد. و قال غيره: خطئ في الدين، و أخطأ في كلّ شي‏ء عامدا أو غير عامد.

و قيل: خطئ إذا تعمّد ما نهي عنه فهو خاطئ، و أخطأ إذا أراد الصواب فصار إلى غيره، فإن أراد غير الصواب و فعله قيل: قصده و تعمّده‏ «2»، انته.

و في الأساس: أخطأ في المسألة و في الرأي، و خطئ خطأ عظيما: إذا تعمّد الذنب‏ «3».

 [ 761] قوله عليه السّلام: «و هب لي من لدنك معهم» كلا الجارّين و الظرف متعلّق بهب، فاللام صلة له، و من: لابتداء الغاية مجازا، و مع: لزمان الاجتماع، و يجوز أن يكون «من» متعلّقة بمحذوف و هو حال من المفعول، أي: كائنين من لدنك، كما يجوز أن يكون الظرف من قوله: «معهم كذلك» أي: حال كونهم معهم.

و «من» في قوله: «من لدنك»: تنبيه على أنّ هذا المقصود لا يكون و لا يحصل إلاّ من عنده تعالى.

______________________________

 (1) لسان العرب: ج 1 ص 67 مادة خطأ.

 (2) المصباح المنير: ص 239- 240.

 (3) أساس البلاغة: ص 167.

107
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الخامس و العشرين ص : 97

.......... و الذكر بالتحريك: خلاف الأنثى، و الجمع ذكور و ذكران، و لا يجوز جمعه بالواو و النون، لأنّ ذلك مختصّ بالعلم العاقل، و الوصف الذي يجمع مؤنّثة بالألف و التاء، و ما شذّ عن ذلك فمسموع لا قياس عليه.

 [ 762] و قوله عليه السّلام: «و اجعل ذلك خيرا لي» فيه احتراز على وجه التلميح إلى قوله تعالى: «أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَ بَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ» «1» أي: أ يحسبون أنّ الذي نمدّهم به من المال و البنين نسارع به لهم فيما فيه خيرهم؟ كلاّ لا نفعل ذلك، بل هم لا يشعرون بأنّ ذلك الإمداد استدراج لهم و استجرار لهم إلى زيادة الإثم، فهو شرّ لهم.

فسأل عليه السّلام: أن تكون هبة ما سأله من الأولاد خير له، حتّى لا يكون داخلا في مضمون هذه الآية و نحوها.

و قوله عليه السّلام: «و اجعلهم لي على ما سألتك» أي: على النحو الذي سألتك إيّاه في الأولاد الذين و هبتهم لي سابقا، من المنّة عليّ ببقائهم و إصلاحهم إلى قوله:

 «و أعنّي على تربيتهم و تأديبهم و برّهم».

و في نسخة: «و اجعلهم عونا لي على ما سألتك»، فيجوز تعلّق «على» بقوله:

 «عونا» فيكون ما سأله عليه السّلام: سؤالا تقدّم منه لا ذكر له هنا، و يجوز أن يكون متعلّقا بمحذوف هو صفة لقوله «عونا»، أي: كائنا على النحو الذي سألتك في الأولاد الموجودين، من شدّ عضدي و إقامة أودي بهم، إلى غير ذلك ممّا سبق سؤاله.

و قول بعض المترجمين: ليس في أكثر النسخ المصحّحة قوله: «عونا»، لكنّه مراد، لأنّ اللام للنفع و «على» للضرر، لا معنى له، بل المعنى على عدم قوله:

______________________________

 (1) سورة المؤمنون: الآية 55.

108
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء الخامس و العشرين ص : 97

وَ أعِذْني وَ ذُرِّيَتي مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، فَإِنَّكَ خَلَقْتَنا، وَ أمَرْتَنا وَ نَهَيْتَنا، وَ رَغَّبْتَنا في ثَوابِ ما أمَرْتَنا، وَ رَهَّبْتَنا عِقابَهُ، وَ جَعَلْتَ لَنا عَدُوّاً يَكيدُنا، سَلَّطْتَهُ مِنّا عَلى‏ ما لَمْ تُسَلِّطْنا عَلَيْهِ مِنْهُ وَ اسْكَنْتَهُ صُدُورَنا، وَ أجْرَيْتَهُ مُجارِيَ دِمائِنَا، لا يَغْفُلُ إنْ غَفَلْنا، وَ لا يَنْسى‏ إنْ نَسينا، يُؤْمِنُنا عِقابَكَ وَ يُخَوِّفُنا بِغَيْرِكَ، إنْ هَمَمْنا بِفاحِشَةٍ شَجَّعَنا عَلَيْهَا، وَ إنْ هَمَمْنا بِعَمَلٍ صالِحٍ ثَبَّطَنا عَنْهُ، يَتَعَرَّضُ لَنا بِالشَّهَواتِ، وَ يَنْصِبُ لَنا بِالشُّبُهاتِ، إنْ وَعَدَنا كَذَبَنا، وَ إنْ مَنّانا اخْلَفَنا، وَ إلاّ تَصْرِفْ عَنّا كَيْدَهُ يُضِلَّنا، وَ إلاّ تَقِنا خَبالَهُ يَسْتَزِلَّنا، اللَّهُمَّ فَاقْهَرْ، سُلْطانَهُ عَنّا بِسُلْطانِكَ، حَتّى‏ تَحْبِسَهُ عَنّا بِكَثْرَةِ الدُّعاءِ لَكَ، فَنُصْبِحَ مِنْ كَيْدِهِ فِي المَعْصُومينَ بِكَ.

 «عونا» أوضح، و اللّه أعلم+.

 [ 763] أعذني: أي أجرني بحفظك.

و ذرّيتي: عطف على الضمير.

و الرجيم: أي المطرود، و أصل الرجم الرمي بالحجارة.

و الفاء: لتعليل طلب الإعادة، فهي للدلالة على سببيّة ما بعدها لما قبلها.

و عائد الموصول من قوله: «ما أمرتنا» محذوف، أي: ما أمرتنا به، كقوله تعالى: «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ» «1» أي: تؤمر به.

و الضمير من «عقابه» إمّا عائد إلى قوله: «ما أمرتنا» باعتبار مخالفته، أو إلى ما دلّ عليه سياق الكلام، أي: عقاب ما نهيتنا عنه.

 [ 764] و جعلت: إمّا بمعنى خلقت، فيكون متعدّيا إلى واحد، و الجارّ و المجرور متعلّق به، أو بمحذوف وقع حالا ممّا بعده لكونه نكرة.

______________________________

 (1) سورة الحجر: الآية 94.

109
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 110

.......... و إمّا بمعنى صيّرت، فيكون متعدّيا إلى مفعولين، أوّلهما: عدوّا، و ثانيهما: الظرف المتقدّم، قدّم على الأوّل مسارعة إلى بيان العداوة، و هو متعلّق بمحذوف أي: عدوّا كائنا لنا، فإنّ خبر «صار» في الحقيقة و الكون المقدّر العامل في الظرف.

و جملة «يكيدنا» في محلّ نصب صفة لعدوّ.

تنبيه‏

اختلفوا في سبب عداوة إبليس لآدم عليه السّلام و ذرّيته، فقال بعضهم: إنّه الحسد، و ذلك أن إبليس لمّا رأى ما أكرم‏ «1» اللّه به آدم، من إسجاد الملائكة له و تعليمه ما لم يطلع عليه الملائكة، حسده و عاداه و ذرّيته.

و قال آخرون: إنّ السبب هو تباين أصليهما، و لمنافرة الأصلين أثر قويّ في منافرة الفرعين، قالوا: و تباين أصليهما هو منشأ القياس الفاسد من إبليس حين أمر بالسجود، و ذلك قوله: «أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ»+ «2»، فكأنّه في خطابه يقول: إنّ آدم جسماني كثيف و أنا روحاني لطيف، و الجسماني أدون حالا من الروحاني، و الأدون كيف يليق أن يكون مسجودا للأعلى؟ و أيضا فإنّ أصل آدم من صلصال من حمإ مسنون، و الصلصال في غاية الدناءة، و أصلي من أشرف العناصر، و إذا كان أصلي خيرا من أصله وجب أن أكون خيرا منه و أشرف، و الأشرف يقبح أن يأمر بالسجود للأدون. قالوا: فكان ذلك قياسا، فأوّل من قاس هو إبليس، فأجابه اللّه جوابا على سبيل التنبيه دون التصريح: «اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً» «3».

قال بعض الفضلاء: و تقريره أنّ الذي قاله تعالى نصّ بحكم الحكمة الإلهيّة و القدرة الربّانيّة، و الذي قاله إبليس قياس، و من عارض النصّ بالقياس كان‏

______________________________

 (1) (ج) كرّم.

 (2) سورة الأعراف: الآية 12.

 (3) سورة الأعراف: الآية 18.

110
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 110

.......... مرجوما ملعونا، و إنّما نسب حصول عداوة إبليس لنا إلى اللّه تعالى في قوله:

 «و جعلت لنا عدوّاً»، لكونه سبحانه السبب الأوّل في وجوده، و إن لم يكن تعالى هو الداعي إلى العداوة، كما يقال: أضلّه اللّه، من حيث إنّه تعالى هو السبب الأول في وجوده و وجوده سببه المضلّ، و إن لم يكن‏ «1» هو الداعي إلى الضلال.

و سلّطه على الشي‏ء تسليطا: مكّنه منه، كأنّما جعل له عليه سلطانا.

و الجملة إمّا استئناف نحوي لانقطاعها عمّا قبلها لفظا، و إمّا صفة ثانية لعدوّ، و لا يمنع منه عدم حرف العطف بين الجملتين كما توهّمه بعضهم، فإنّ الصفة تتعدّ بغير عاطف و إن كانت جملة، كما في الخبر نحو: «الرَّحْمنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ. عَلَّمَهُ الْبَيانَ» «2».

نصّ عليه ابن هشام في المغني.

و قوله: «3» «منا» إمّا ظرف لغو متعلّق بسلّطته، أو مستقرّ حال من النكرة الموصوفة، و هي «ما» من قوله. «على ما لم تسلّطنا».

و التقدير: سلّطته على شي‏ء حال كونه منّا ما لم تسلّطنا حال كونه منه.

فمن على الأوّل ابتدائيّة، و على الثاني بيانيّة.

و جملة قوله: «أسكنته صدورنا» مستأنفة اسئنافا بيانيا، كأنّه سئل كيف سلّطته منكم على ما لم اسلّطكم عليه منه؟ فقال: أسكنته صدورنا و قول بعضهم: إنّها صفة ثالثة، ليس بشي‏ء.

و فيه إشارة إلى قوله تعالى: «الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ» «4».

و عن ابن عبّاس: «أنّ اللّه تعالى جعل صدور بني آدم مسكنا للشيطان» «5».

______________________________

 (1) (ج) لم يكن تعالى.

 (2) سورة الرحمن الآية 1- 4.

 (3) (ج): عليه السّلام.

 (4) سورة الناس: 5.

 (5) مرآة العقول: ج 9 ص 393.

111
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 110

.......... قيل: المراد بالصدور هنا القلوب، تسمية للحال باسم محلّه مجازا.

كما روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: إنّ الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإذا ذكر اللّه خنس، و إن نسي التقم قلبه‏ «1».

و الخطم من كلّ طائر: منقاره، و من كلّ دابّة: مقدّم أنفه و فمه.

و عنه صلّى اللّه عليه و آله: أنّ الشيطان ليخطم على قلب بني آدم، له خرطوم كخرطوم الكلب، إذا ذكر العبد اللّه عزّ و جلّ خنس- أي: رجع على عقبيه- و إذا غفل عن ذكر اللّه تعالى وسوس‏ «2».

و لا خفاء في أنّه لا دلالة في الحديثين على كون المراد بالصدور القلوب.

و قال بعض المفسّرين: إنّما قال سبحانه: «الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ» «3»، و لم يقل: في قلوبهم، لأنّ الشيطان لا تسلّط له على قلب المؤمن الذي هو بين اصبعين من أصابع الرحمن.

قال المحقّقون: ليس للشيطان على القلب سبيل، و إنّما الشيطان يجي‏ء إلى الصدر الذي هو حصن القلب، فيبث فيه هموم الدنيا و الحرص على الزخارف، فيضيق القلب حينئذ، و لا يجد للطاعة لذّة و لا للإيمان حلاوة و لا على الإسلام طلاوة، فإذا طرد العدوّ بذكر اللّه و الإعراض عمّا لا يعنيه، حصل الأمن و انشرح القلب و تيسّر له القيام بأداء العبوديّة.

و الحقّ أنّه يجوز أن يراد بالصدر محلّ القلب، باعتبار كونه موضع تعلّق النفس الناطقة بالحيوانيّة، و لذا ينسب إليه الشرح و الضيق.

______________________________

 (1) الدّر المنثور: ج 6 ص 420، و الجامع: الصغير: ج 1 ص 81، و مرآة العقول: ج 9 ص 392.

 (2) مرآة العقول: ج 9 ص 393: و فيه: «إن الشيطان ليجثم»، و تفسير القرطبي: ج 20 ص 262 مع اختلاف يسير في الفاظ الحديث.

 (3) سورة الناس: الآية 5.

112
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 110

.......... و يجوز أن يراد به القلب الذي هو المضغة الصنوبريّة المودعة في التجويف الأيسر من الصدر، باعتبار أنّه محلّ اللطيفة الإنسانيّة، و لذا ينسب إليه الصلاح و الفساد.

و قول المحقّقين: ليس للشيطان على القلب سبيل، فالمراد بالقلب اللطيفة الربّانيّة النورانيّة العالمة، التي هي مهبط الأنوار الالهيّة و بها يكون الإنسان إنسانا، فهي حقيقة الإنسان و بها يستعدّ لامتثال الأحكام، و بها صلاح البدن و فساده، و يعبّر عنها بالنفس الناطقة تارة «وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها» «1»، و بالروح أخرى‏ «قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» «2»، و قد يعبّر عنها بالعقل باعتبار تجرّدها و نسبتها إلى عالم القدس، إذ هي بهذا الاعتبار تعقل نفسها و تحبسها عمّا يقتضيه تعلّقها بالبدن، من الشرور و المفاسد المانعة لها من الرجوع إلى عالمها القدسي، و هي جوهر مجرّد عن المادّة في ذاتها دون فعلها في الأبدان بالتصرّف و التدبير.

قال بعضهم: إنّما عظمّ الشارع أمر القلب، لصدور الأفعال الاختياريّة عنه و عمّا يقوم به من العلوم، و رتب الأمر فيه على المضغة، و المراد بها العقل الذي هو النفس الناطقة المتعلّقة بها، فذلك من إطلاق اسم المحلّ على الحال، انته.

و ممّا يدلّ على ما قاله المحقّقون من عدم تسلّط الشيطان على قلب المؤمن، ما رواه ثقة الإسلام في الكافي عن الصادق عليه السّلام:

أنّ اللّه تعالى يبتلي المؤمن بكلّ بليّة و يميته بكلّ ميتة، و لا يبتليه بذهاب عقله، أما ترى أيّوب كيف سلّط إبليس على ماله و ولده و على أهله و على كلّ شي‏ء منه، و لم يسلّط على عقله، ترك له يوحّد اللّه به‏ «3».

و في هذا المعنى أحاديث آخر من طريق أهل البيت عليهم السّلام.

قوله عليه السّلام: «أجريته مجاري دمائنا» المجاري: جمع مجرى، و هو إمّا مصدر

______________________________

 (1) سورة الشمس الآية 7.

 (2) سورة الأسراء: الآية 85.

 (3) الكافي: ج 2 ص 256 ح 22.

113
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 110

.......... ميمي فيكون نصبها على المصدرية، أو اسم مكان فيكون نصبها على الظرفيّة.

و في الحديث من طرق العامّة: أنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم‏ «1».

و عن ابن عبّاس: أنّ اللّه تعالى جعل الشيطان يجري من بني آدم مجرى الدم‏ «2».

قال الطيبي في شرح المشكاة: و جريانه إمّا حقيقية فإنّه لطيف من نار لا يمتنع سريانه كالدم، أو مجازيّة و علاجه سدّ المجاري بالجوع‏ «3».

و قال الكرماني في شرح البخاري: جريانه يحتمل الحقيقة، بأن جعل له قدرة على الجري في باطن الإنسان، و الاستعارة لكثرة وسوسته‏ «4».

و قيل: إنّه يلقي الوسوسة في مسام لطيفة فتصل إلى القلب.

و قال الأزهري: معنى جريانه مجرى الدم أنّه لا يفارق ابن آدم ما دام حيّا، كما لا يفارقه دمه. قال: و هذا على ضرب المثل‏ «5».

و الجمهور حملوه على ظاهره و قالوا: إنّ الشيطان جعل له هذا القدر من التطرّق إلى باطن الآدمي بلطافة هيئته، فيجري في العروق التي هي مجاري الدم إلى أن يصل إلى قلبه، فيوسوسه على حسب ضعف إيمان الغبد و قلّة ذكره و كثرة غفلته، و يبعد عنه و يقلّ تسلّطه و سلوكه إلى باطنه بمقدار قوّته و يقظته و دوام ذكره و اخلاص توحيده‏ «6»، انته.

______________________________

 (1) نهج الفصاحة: ص 128. ح 640، صحيح البخاري: ج 9 ص 87 باب 20.

 (2) مرآة العقول: ج 9 ص 393.

 (3) لا يوجد لدينا هذا الكتاب.

 (4) شرح البخاري للكرماني: ج 13 ص 202 مع اختلاف يسير في العبارة.

 (5) تهذيب اللغة ج 11 ص 312 نقلا بالمعنى.

 (6) مرآة العقول: ج 9 ص 393- و ج 11 ص 312.

114
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 110

.......... و عن ثابت البناني: بلغنا أنّ إبليس قال: يا ربّ إنّك خلقت آدم و جعلت بيني و بينه عداوة فسلّطني عليه، فقال سبحانه: جعلت صدورهم مساكن لك، فقال:

ربّ زدني، فقال: لا يولد ولد لآدم إلاّ ولد لك عشرة، فقال: ربّ زدني، فقال:

تجري منهم مجرى الدم، قال: ربّ زدني، قال: اجلب عليهم بخيلك و رجلك و شاركهم في الأموال و الأولاد. قال: فشكى آدم إلى ربّه، فقال: يا ربّ إنّك خلقت إبليس، و جعلت بيني و بينه عداوة و بغضاء، و سلّطته عليّ و أنا لا اطيقه إلاّ بك، فقال اللّه تعالى: لا يولد لك ولد الاّ وكلت به ملكين يحفظانه من قرناء السوء، قال: ربّ زدني، قال: الحسنة بعشر أمثالها، قال: ربّ زدني، قال: لا أحجب عن أحد من ولدك التوبة ما لم يغرغروا «1». و الغرغرة: تردّد الروح في الحلق.

و قريب من هذا المعنى ما رواه ثقة الإسلام في الكافي بسند حسن أو صحيح، عن أبي عبد اللّه أو أبي جعفر عليهما السلام، قال: إنّ آدم عليه السّلام قال: يا ربّ سلّطت عليّ الشيطان و أجريته منّي مجرى الدم، فاجعل لي شيئا، فقال: يا آدم جعلت لك أنّ من همّ من ولدك بسيّئة لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت له سيّئة، و من همّ منهم بحسنة فإن لم يعملها كتبت له حسنة، فإن هو عملها كتبت له عشرا، قال: يا ربّ زدني، قال: جعلت لك أنّ من عمل منهم سيّئة ثمّ استغفر غفرت له، قال: يا ربّ زدني، قال: جعلت لهم التوبة و بسطت لهم التوبة حتّى تبلغ النفس هذه، قال: يا ربّ حسبي‏ «2».

 [ 765] قوله عليه السّلام: «لا يغفل إن غفلنا و لا ينسى إن نسينا» الغفلة: عبارة عن عدم التفطّن للشي‏ء و عدم عقليّته بالفعل، سواء بقيت صورته أو معناه في الخيال أو الذكر أو انمحت عن أحدهما، و هي أعمّ من النسيان، لأنّه عبارة عن الغفلة عن‏

______________________________

 (1) الدر المنثور: ج 4 ص 192.

 (2) الكافي ج 2 ص 440. ح 1.

115
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 110

.......... الشي‏ء مع انمحاء صورته أو معناه عن الخيال أو الذكر بالكليّة، و لذلك يحتاج الناسي إلى تجشّم كسب جديد و كلفة في تحصيله ثانيا.

و معنى لا يغفل و لا ينسى: إمّا أنّه لا يكون منه غفلة و لا نسيان، فيكون المراد سلبهما عنه مطلقا، لأنّهما من لواحق القوى الإنسانيّة و عوارض هذا البدن، فيكونان مسلوبين عن الشياطين، و إمّا أنّه لا يغفل عنّا إن غفلنا عنه و لا ينسانا إن نسيناه، فيكون حذف متعلّق الفعل لمجرّد الاختصار مع قيام القرينة.

قوله عليه السّلام: «يؤمننا عقابك و يخوّفنا بغيرك» من عداوة الشيطان للإنسان أنّه يعده الأمان من عذاب اللّه و عقابه، و ذلك منه على وجوه:

فمنهم من يعده أنّه لا قيامة و لا حساب، و لا جزاء و لا عقاب.

و منهم من يحمله على اعتقاد أنّ الوعيد على ألسن الرسل من باب مجرّد التخويف، و لا عقاب في الآخرة.

و منهم من يحمله على فعل المعاصي و يقول: إنّ اللّه غفور رحيم، فيمنيّه المغفرة حتّى يخرج من الدنيا و لا حسنة له، و يسوّل له أنّ ذلك من حسن الظنّ باللّه، و كذب لأنّه لو أحسن الظنّ به لأحسن العمل له.

و من عداوته أن يخوّف بغير اللّه، فمنهم من يخوّفه قهر الأوثان و غضبها في ترك عبادتها، و يأمرهم بالإخلاص فيها.

و منهم من يخوّفه بأس الأعداء، فيثبّطه عن الجهاد في سبيل اللّه.

و منهم من يخوّفه الفقر، فيمنعه من الصدقات و إيتاء الزكاة، إلى غير ذلك.

و قال بعضهم: إنّ قيل: كيف يؤمننا و يخوّفنا و نحن لا نشاهده و لا نسمع كلامه؟

قلنا: ذلك عبارة عن وسوسته بالأمان و الخوف، كما تقول: نفسي تخوّفني بكذا، و هو ظاهر.

 [ 766] قوله عليه السّلام: «إن هممنا بفاحشة شجّعنا عليها، و إن هممنا بعمل صالح‏

116
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 110

.......... ثبّطنا عنه» هممت بالشي‏ء همّا- من باب قتل-: إذا أردته و لم تفعله. و الفاحشة: ما يشتدّ قبحه من الذنوب.

و شجّعه على الأمر تشجيعا: جرّأه و أقدمه عليه، و أصله في الحرب، يقال: شجّع بالضمّ شجاعة: إذا قوى قلبه و استهان بالحروب جرأة و إقداما.

و ثبّطه تثبيطا: قعد به عن الأمر و شغله عنه، أي: منعه تخذيلا و نحوه، و هذا التشجيع و التثبيط، بإلقاء الخواطر الفاسدة منه.

قوله عليه السّلام: «يتعرّض لنا بالشهوات و ينصب لنا بالشبهات» تعرّضه و تعرّض له يتعدّى بنفسه و بالحرف: إذا تصدّى له و طلبه.

و الشهوة: اشتياق النفس إلى الملائم، و قد تفسّر بالميل إلى المعاصي و زهرات الدنيا، و هو المراد هنا.

و الباء: إمّا للملابسة على حذف مضاف، أي: ملتبسا بتهيّج الشهوات، أو للاستعانة نحو: كتبت بالقلم و قطعت بالسكّين.

 [ 767] و قوله: «و ينصب لنا» إمّا من نصبت الشي‏ء- من باب ضرب-: إذا أقمته، فتكون الباء في المفعول زائدة، و هي كثيرا ما تزاد فيه و إن لم يكن مقيسا مع كثرته، و منه: «فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ» «1»، «وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ» «2»، «وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ» «3». و إمّا من نصبت له رأيا: إذا أشرت عليه به.

قال الزمخشري في الأساس: نصبت له رأيا إذا أشرت عليه برأي لا يعدل عنه‏ «4».

فتكون الباء صلة لينصب بتضمينه معنى يشير، أي: يشير علينا بالشبهات.

______________________________

 (1) سورة الحج: الآية 15.

 (2) سورة مريم: الآية 25.

 (3) سورة الحج: الآية 25.

 (4) أساس البلاغة: ص 635.

117
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 110

.......... و يمكن أن يقال: إن المراد و ينصب لنا الإغواء و الإضلال بالشبهات، فحذف المفعول به، و الباء للآلة، كما قيل في قوله تعالى: «وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» «1» إنّ المراد لا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة بأيديكم، فحذف المفعول، كما يقال: لا تفسد أمرك برأيك.

و يحتمل أن يكون «ينصب» لازما، من نصب له بمعنى عاداه.

قال في الأساس: نصبت لفلان: عاديته نصبا. قال جرير:

و إذا بنو أسد عليّ تحزبوا

 

 نصبت بنو أسد لمن راماني‏

 

 و منه الناصبيّة و النواصب و أهل النصب الذين ينصبون لعليّ كرّم اللّه وجهه» «2» انته.

فتكون الباء من قوله: «بالشبهات» للملابسة، أي: يعادينا ملتبسا بإيقاع الشبهات، و هي كلّ باطل أخذه الوهم بصورة الحقّ و شبّهه به، و لذلك سمّي شبهة.

قوله عليه السّلام: «إن وعدنا كذبنا، و إن منّانا أخلفنا».

و الوعد: هو الأخبار بما يكون من جهة الخير مترتبا على شي‏ء من زمان.

و كذبنا بالتخفيف من قولهم: كذب أخاه إذا لم يصدق في قوله له، و في التنزيل‏ «وَ قَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ» «3»، و قد يتعدّى إلى مفعولين فيقال: كذبتك الحديث، أي: لم أصدقك، و مثله صدق و منه: «لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ» «4». فإن حملت عبارة الدعاء على هذا فالمفعول محذوف لتعيّنه، أي: كذبنا وعده.

و أخلف الوعد: لم يفعله.

______________________________

 (1) سورة البقرة: الآية 195.

 (2) أساس البلاغة 635.

 (3) سورة التوبة: الآية 90.

 (4) سورة الفتح: الآية 27.

118
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 110

.......... قال الفارابي: في ديوان الأدب: أخلف ما وعده و هو أن يقول شيئا و لا يفعله على الاستقبال‏ «1»، انته.

و هو يتعدّى إلى مفعولين فيقال: أخلفه موعده، و المفعول الثاني هنا محذوف، أي: أخلفنا ما منّانا، و مفعولا وعدنا و منّانا محذوفان، أي: المواعيد الباطلة و الأماني الفارغة، أو هما من باب فلان يعطي و يمنع، أي: يفعل لنا الوعد و التمنية، و هما إما بالوسوسة و إلقاء الخواطر الفاسدة، أو بألسنة أوليائه. و في هاتين الفقرتين تلميح إلى قوله تعالى: «يَعِدُهُمْ وَ يُمَنِّيهِمْ وَ ما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً» «2»، و إنّما جي‏ء بالجمل الخمس المذكورة غير متعاطفة تنبيها على استقلال كلّ منها، و اللّه أعلم.

قوله عليه السّلام: «و إلاّ تصرف عنّا كيده يضلّنا، و إلاّ تقنا خباله يستزلّنا» أي: و إن لم تصرف، و إن لم تقنا.

قال ابن هشام في المغني: قد تقترن إن الشرطيّة بلا النافية، فيظنّ من لا معرفة له أنّها إلاّ الاستثنائيّة، نحو: و إلاّ تصرّف عنّي كيدهنّ اصب إليهن»، و لقد بلغني أنّ بعض من يدّعي الفضل سأل في «إلاّ تفعلوه»، فقال: ما هذا الاستثناء، أ متّصل هو أم منقطع؟ «3»، انته.

و صرف اللّه عنه السوء- من باب ضرب- كفّه عنه.

و وقاه يقيه: حفظه.

و الخبال بالفتح: الفساد.

و في القاموس: و كسحاب: النقصان و الهلاك و العناء. و الكلّ‏ «4».

و استزلّه: طلب منه الزلّة و دعاه إليها.

______________________________

 (1) ديوان الأدب: ج 2، ص 314.

 (2) سورة النساء: الآية 120.

 (3) مغني اللبيب: ص 33.

 (4) القاموس المحيط: ج 3 ص 365.

119
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 120

.......... يقال: زلّ في منطقه و فعله يزلّ- من باب ضرب- زلّة: إذا أخطأ.

و المعنى: إن لم تصرف عنّا كيد الشيطان و تكفّه عنّا و تحفظنا من فساده، يحملنا على الضلال و يدعنا إلى الزلل، فنتّبعه و نطيعه على مقتضى النفس الأمّارة و حكم القوّة الشهويّة.

و هذا فزع منه عليه السّلام إلى ألطاف اللّه تعالى، جريا على سنن الأنبياء و الأوصياء و الصالحين في قصر نيل الخيرات و النجاة من الشرور و المكاره على جناب اللّه عزّ و جلّ، و سلب القوى و القدر عن أنفسهم، و مبالغة في استدعاء لطفه في صرف كيده و وقاية فساده، بإظهار أن لا طاقة له بالمدافعة، كقول المستغيث:

أدركني و إلاّ هلكت.

تنبيه‏

الرواية المشهورة في قوله عليه السّلام: «يضلّنا و يستزلّنا» بفتح اللام المشدّدة، و أصلهما يضللنا و يستزللنا بالجزم على أنّهما جوابان للشرط، فادغمت اللام الأولى في الثانية كراهيّة اجتماع المثلين، و حرّكت الثانية لالتقاء الساكنين، و أوثر الفتح طلبا للخفّة مع ثقل التضعيف. و ثبت في بعض النسخ «يضلّنا و يستزلّنا» بضمّ اللام المشدّدة، و هو كقوله تعالى: «وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً» «1» بضمّ الراء المشدّدة في القراءة المشهورة. و اختلفوا في تخريجه، فقيل: هو على حذف الفاء، أي: فلا يضرّكم.

و قيل: على حذف الجواب: و جعل الفعل المرفوع دليلا عليه منويّا تقديمه على الشرط، و التقدير: لا يضرّكم كيدهم إن تصبروا.

______________________________

 (1) سورة آل عمران: الآية 120.

120
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 120

.......... و ردّ المحقّقون كلا القولين: بأنّ حذف الفاء مختصّ بالشعر، و الجواب لا يحذف في السعة إلاّ إذا كان فعل الشرط ماضيا، و أمّا إذا كان مضارعا فحذفه ضرورة لا يجوز إلاّ في الشعر، و تخريج القراءة المتواترة على شي‏ء لا يجوز إلاّ في الشعر غير صواب.

و قال بعضهم: هو مجزوم و الضمّة إتباع، كالضمّة في قولك: لم يسدّ و لم يردّ، و استصوبه ابن هشام.

و قال قوم: إنّه مجزوم، لكنّه لمّا اضطرّ إلى تحريكه حرّك بحركته الإعرابيّة المستحقّ لها في الأصل.

إذا عرفت ذلك، فتخريج الرواية المذكورة في عبارة الدعاء على الوجهين الأوّلين غير صواب، لأنّه عليه السّلام أفصح الخلق في زمانه، و تخريج كلامه على شي‏ء مختصّ بالضرورة لا وجه له.

و أمّا الوجه الثالث: فلا يتمشّى هنا، فتعيّن حملها على الوجه الرابع.

و قد وقع في بعض التعاليق على الصحيفة الشريفة أن الجواب محذوف، و قوله‏ «1»: «يضلّنا و يستزلّنا» جملتان مفسّرتان له، و الحذف ليذهب الوهم كلّ مذهب، و التقدير: و إلاّ تصرف عنّا كيده تصيبنا داهية كبيرة، و هو أنّه يضلّنا على كلّ حال، و لا نجد عنه محيصا قال: و هذه القاعدة- أعني حذف الجواب لدلالة الكلام عليه- طريقة مسلوكة للبلاغة في التنزيل الكريم، منها: «وَ لَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَ نِساءٌ مُؤْمِناتٌ» «2» الآية، و منها: «فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ. تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» «3»، انته.

______________________________

 (1) (ج): عليه السّلام.

 (2) سورة الفتح: الآية 25.

 (3) سورة الواقعة: الآية: 86 و 87.

121
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 120

.......... و هو كلام عجيب يدلّ على قصور قائله في علم العربية جدّا. أمّا أوّلا: فدعوى الحذف في مثل ذلك مردودة، بنصّ سيبويه و غيره من أئمّة العربيّة أنّه لا يحذف جواب الشرط الجازم إلاّ و فعل الشرط ماض كما تقدّم، فكيف يجعل ذلك داخلا في قاعدة حذف الجواب التي هي طريقة مسلوكة للبلاغة؟.

و أمّا ثانيا: فإنّ هذا التقدير الذي قدّره جوابا لا يدلّ عليه دليل و لا قرينة، إذ لا يستدعيه الكلام أصلا، بل الجواب هو قوله: «يضلّنا و يستزلّنا» قطعا، لتوقّف مضمونهما على حصول الشرط، و من ارتكب دعوى الحذف فإنّما ارتكبها من حيث الصناعة النحويّة ليعطي القواعد حقّها، و إن لم يكن المعنى متوقّفا عليه، و قد علمت ما فيه.

و أمّا ثالثا: فقد صرّحوا بأنّ شرط الدليل اللفظي أن يكون طبق المحذوف لفظا و معنى، نحو: زيدا اضربه، أو معنى إن تعدّد اللفظ، نحو: زيدا مررت به أي: جاوزت، و ما قدّره من الجواب أعمّ ممّا زعم أنّه دليل لفظي عليه، فكيف يكون مدلولا له؟ «وَ اللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ» «1».

 [ 768] قوله عليه السّلام: «اللّهم فاقهر سلطانه عنّا بسلطانك» إلى آخره الفاء:

لترتّب الدعاء على ما ذكر، و تصدير الجملة بالنداء مبالغة في التضرّع.

و قهر يقهره قهرا- من باب منع-: غلبه، و عدّاه ب «عن» لتضمينه معنى الدفع.

و السلطان: التسلّط، و قدرة الملك، و هو كلّ شي‏ء شدّته. و حتّى: بمعنى كي التعليليّة.

و حبسه حبسا- من باب ضرب-: منعه.

و الباء من قوله: «بكثرة الدعاء»: لسببيّة أو الاستعانة.

______________________________

 (1) سورة الأحزاب: الآية 4.

122
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 120

اللّهُمَّ أعطِني كُلّ سُؤلي، و اقْضِ لي حَوائجي، وَ لا تَمْنَعْني الإجابَةَ وَ قَدْ ضَمِنْتَها لي، وَ لا تَحْجُبْ دعائي عَنْكَ وَ قَدْ أمَرْتَني بِهِ وَ امْنُنْ عَلَىِّ بكُلِّ ما يُصْلِحُني في دُنْيايَ وَ آخِرَتي، ما ذَكَرْتُ مِنْهُ وَ ما نَسيتُ، أوْ أظْهَرْتُ أوْ أخْفَيتُ، أوْ أعْلنْتُ أوْ أسْرَرْتُ وَ اجعلني في جميع ذَلِكَ مِنَ و قوله عليه السّلام «فنصبح» بالنصب عطف على قوله: «تحبسه» و الفاء:

للسببيّة و التعقيب، لأنّ السبب التام يستعقب مسبّبه من غير تراخ.

و نصبح: بمعنى نصير، كقوله تعالى: «فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً» «1».

و قوله عليه السّلام: «في المعصومين بك» أي: كائنين في جملة الممنوعين المحفوظين بسببك أو باستعانتك، أو في جملة أرباب العصمة، و هي فيض إلهي يقوى به العبد على تحرّي الخير و تجنّب الشرّ.

و قال الحكماء: هي ملكة تمنع الفجور، و يحصل بها العلم بمثالب المعاصي و مناقب الطاعات.

و قيل: هي ملكة اجتناب المعاصي مع التمّكن منها، و اللّه أعلم+ [ 769] السؤل بالضمّ و الهمز: المطلوب الذي يسأل.

قال الزمخشري: في الأساس: أصبت منه سؤلي: طلبتي، فعل بمعنى مفعول كعرف و نكر «2» انته.

و في الحديث: كلّ نبيّ سئل سؤلا «3». و قد تترك منه الهمزة للتخفيف.

و قضى حاجته: أنجزها له و بلّغه إيّاها.

و في قوله عليه السّلام: «حوائجي» شاهد على أنّ حاجة جمع حوائج، خلافا لمن أنكر ذلك، و قد تقدّم الكلام على ذلك مستوفى في الروضة الثالثة عشرة «4».

______________________________

 (1) سورة آل عمران: الآية 103.

 (2) أساس البلاغة: ص 281.

 (3) سنن الترمذي: ج 4 ص 431.

 (4) ج 2 ص.

123
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 120

الْمُصْلِحينَ بِسُؤالي إيّاكَ، المُنْجِحينَ بِالطَّلَبِ إلَيْكَ، غَيْرِ الْمَمْنُوعينَ بِالتَوَكُّلِ عَلَيْكَ، المُعَوَّدِينَ بِالتَّعَوُّذِ بِكَ، الرّابِحينَ في التِّجارَةِ عَلَيْكَ، الْمُجارينَ بِعِزِّكَ، المُوسَّعِ عَلَيْهِم الرِّزْقُ الْحَلالُ مِنْ فَضْلِكَ الْواسِعِ بِجُودِكَ وَ كَرَمِكَ، الْمُعَزّينَ مِنَ الذُّلِّ بِكَ، وَ الْمُجارينَ مِنَ الظُّلْمِ بِعَدْلِكَ، وَ المُعافَيْنَ مِنَ الْبَلاءِ بِرَحْمَتِكَ، وَ المُغْنَيْنَ مِنَ الفَقْرِ بِغناكَ، وَ المَعْصُومينَ مِنَ الذُّنُوبِ وَ الزَّلَلِ وَ الخَطأ بِتَقْواكَ، وَ المُوَفَّقينَ لِلْخَيْرِ وَ الرُّشْدِ وَ الصَّوابِ بِطاعَتِكَ، وَ المُحالِ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الذُّنُوبِ بِقُدْرَتِكَ، التّارِكينَ لِكُلِّ مَعْصِيَتِكَ، الساكِنينَ في جَوارِكَ.

و منعه الأمر و منه منعا: ضدّ أعطاه و أجاب.

و أجاب اللّه دعاءه إجابة: قبله، و استجاب له: كذلك.

و قال تاج القرّاء: الإجابة عامّة و الاستجابة خاصّة بإعطاء المسئول‏ «1».

و ضمنتها لي: أي كفلت لي بها و التزمتها.

و الواو من قوله: «و قد» في الموضعين: للحال.

و حجبه حجبا- من باب قتل-: منعه من الدخول، و حجب الدعاء عنه تعالى تمثيل لعدم قبوله، لأنّه لا يؤذن على الملوك إلاّ للمقبولين عندهم المكرمين لديهم، و لا يحجب عنهم إلاّ المردودون المهانون لديهم.

و في الفقرتين إشارة إلى قوله تعالى في سورة المؤمن: «وَ قالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» «2»، فانّ الأمر بالدعاء فيه صريح، و رتّب الاستجابة على الدعاء فكأنّه ضمّنها و تكفّل بها، و هو يؤيّد أنّ المراد بالدعاء و الاستجابة في الآية ظاهرهما،

______________________________

 (1) لم نعثر عليه.

 (2) سورة غافر: الآية 60.

124
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 120

.......... و أكثر المفسّرين على أنّ المراد بالدعاء العبادة، و بالاستجابة الوفاء بما ضمن للمطيعين من الثواب، لقوله سبحانه بعده: «إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ» «1».

و فيه: أنّه حمل اللفظ على خلاف ظاهره في موضعين، فالحمل على الظاهر أولى، و أمّا تتمّة الآية فليس فيه إلاّ التعبير عن الدعاء بالعبادة و هو من أعظم أبوابها، فالتعبير بها عنه ظاهر، و هو المروي عن أهل البيت عليهم السّلام.

روى ثقة الإسلام في الكافي بسند حسن أو صحيح عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول «إنّ الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنّم داخرين» هو الدعاء و أفضل العبادة الدعاء «2».

و عنه عليه السّلام: الدعاء هو العبادة التي قال اللّه عزّ و جلّ: «إنّ الذين يستكبرون عن عبادتي» الآية «3».

و المراد بقوله عليه السّلام: «و لا تمنعني» إلى آخره، لا تجعل دعائي بسلب التوفيق على غير جهة الدعاء الذي ضمنت إجابته و أمرت به، و إلاّ فلا يتصوّر منعه سبحانه للإجابة مع تكلّفه بها، و لا حجبه للدعاء مع أمره به.

يدلّ على ذلك ما رواه ثقة الإسلام في الكافي بسنده عن عثمان بن عيسى عمّن حدّثه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: قلت: آيتان في كتاب اللّه عزّ و جلّ أطلبهما فلا أجدهما، قال: و ما هما؟ قلت: قول اللّه عزّ و جل: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» فندعوه و لا نرى إجابة، قال: أفترى اللّه عزّ و جلّ أخلف وعده؟ قلت: لا، قال: فممّ ذلك؟ قلت: لا أدري، قال: لكنيّ أخبرك، من أطاع اللّه عزّ و جلّ فيما أمره من‏

______________________________

 (1) سورة غافر: الآية 60.

 (2) الكافي: ج 2 ص 466 ح 1.

 (3) الكافي: ج 2 ص 467 ح 7.

125
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 120

.......... دعائه من جهة الدعاء أجابه، قلت: و ما جهة الدعاء؟ قال: تبدأ فتحمد اللّه و تذكر نعمه عندك، ثمّ تشكره، ثمّ تصلي على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، ثمّ تذكر ذنوبك فتقرّبها، ثمّ تستعيذ منها، فهذا جهة الدعاء، ثمّ قال: و ما الآية الأخرى؟

قلت: قول اللّه عزّ و جلّ: «وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَ هُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ»، فإنّي أنفق و لا أرى خلفا، قال: أفترى اللّه عزّ و جلّ أخلف وعده؟ قلت: لا، قال: فممّ ذلك؟ قلت: لا أدري، قال: لو أنّ أحدكم اكتسب المال من حلّه و أنفقه في حلّه، لم ينفق درهما إلاّ أخلف عليه‏ «1».

 [ 770] قوله عليه السّلام: «و امنن عليّ بكلّ ما يصلحني» أي: أنعم عليّ بكلّ خير يكون به صلاحي، و هو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة. و إسناد الإصلاح إليه مجاز عقلي من باب الإسناد إلى السبب، و المصلح حقيقة إنّما هو اللّه تعالى، كما قال سبحانه‏ «سَيَهْدِيهِمْ وَ يُصْلِحُ بالَهُمْ» «2» أي: حالهم.

و قوله‏ «3»: «في الدنيا و الآخرة» إمّا متعلّق بامنن أو بيصلحني.

فإن قلت: هل بين المتعلّقين فرق في المعنى؟

قلت: نعم، فإنّك إذا جعلته متعلّقا بامنن كانت المنّة في الدنيا معجّلة و في الآخرة مؤجّلة، و إذا جعلته متعلّقا بيصلحني كان المتبادر طلب المنّة عاجلا بما يكون سببا لصلاحه في الدنيا و الآخرة.

و قوله: «ما ذكرت منه و ما نسيت» بدلان من «ما» المضاف إليها كلّ بدل الاشتمال، و منه: في موضع الحال من الضمير المحذوف من ذكرت، أي: ما ذكرته حال كونه منه.

و قوله: «أو أظهرت أو أخفيت» أي: ما أظهرته على لساني و تفوّهت به، أو ما

______________________________

 (1) الكافي: ج 2 ص 486 ح 8.

 (2) سورة محمّد: الآية 5.

 (3) (ج): عليه السّلام.

126
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 120

.......... أخفيته مخطرا ببالي من غير أن أتفوّه به أصلا، أو ما أعلنته و ذكرته للناس علانية، أو أسررته إلى غيري في خفاء. و أو في ذلك: للتنويع، و لا يكاد اللغوي يفرّق بين الإظهار و الإعلان و الإخفاء و الإسرار، إلاّ أنّ قول المفسّرين في قوله تعالى: «يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى‏» «1» أي: ما أسررته إلى غيرك، و شيئا أخفى من ذلك، و هو ما أخطرته ببالك من غير أن تتفوّه به أصلا، يرشد إلى ما ذكرناه، لاقتضاء العطف المغايرة، و كون التأسيس خيرا من التأكيد.

 [ 771] قوله عليه السّلام: «و اجعلني في جميع ذلك من المصلحين بسؤالي إيّاك» في:

ظرفيّة مجازيّة، بتشبيه ملابسته لجميع ذلك في الاجتماع معه بملابسة المظروف للظرف، فهو من باب الاستعارة التبعيّة، و متعلّقها محذوف و هو حال من مفعول اجعلني، و التقدير: و اجعلني كائنا في جميع ذلك من المصلحين.

و يجوز تعلّقها بالمصلحين، فيكون التقدير: و اجعلني من المصلحين في جميع ذلك.

و التقديم للاعتناء بالمقدّم كما مرّ بيانه مرادا. و تأكيد العموم بجميع لقصد كون كلّ فرد من أفراد ذلك له مدخل في الإصلاح. و ذلك: إشارة إلى المذكور من المسئولات، و ما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه، للإيذان بعلوّ شأنه و فضله.

و قوله‏ «2»: «من المصلحين» في محلّ النصب على أنّه المفعول الثاني لا جعلني، أي: من المصلحين لنيّاتهم و أعمالهم، أو لما فسد من أحوالهم، أو من المتّصفين بالإصلاح من باب‏ «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ» «3».

و الباء من قوله: «بسؤالي إيّاك» للسببيّة.

و المنجحين: جمع منجح، اسم فاعل من أنجح الرجل: إذا أصاب طلبته و قضيت‏

______________________________

 (1) سورة طه: الآية 7.

 (2) (ج) عليه السّلام.

 (3) سورة الزمر: الآية 9.

127
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 120

.......... له حاجته.

و في القاموس: النجاح بالفتح و النجح بالضمّ: الظفر بالشي‏ء نجحت الحاجة كمنع و انجحت و أنجحها اللّه، و أنجح زيد: صار ذا نجح و هو منجح‏ «1».

و طلب إليه طلبا: رغب إليه أي: سأله.

و التقدير: من المنجحين بطلبتي إليك و بطلبهم إليك، و يرجّح الأوّل موافقته لقوله في الفقرة الأولى: «بسؤالي إليك» و قس عليه ما بعده.

قوله عليه السّلام: «غير الممنوعين بالتوكّل عليك» غير بالكسر: صفة للمنجحين، و إنّما وقعت صفة لمعرفة- و الأصل فيها أن تكون صفة لنكرة- لتوغّلها في الإبهام بحيث لا تتعرّف بإضافتها إلى المعرفة، نحو: «نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ» «2»، لأنّ المراد بالمنجحين طائفة لا بأعيانهم فيكون بمعنى النكرة، إذ اللام فيه للجنس، و المعرّف الجنسي في المعنى كالنكرة و إن كان في اللفظ كالمعرفة، و ذلك أنّ المقصود به الحقيقة من حيث الوجود في ضمن الأفراد، و تدلّ القرينة على أنّ المراد به البعض، نحو: ادخل السوق و اشتر اللحم، فيصير في المعنى كالنكرة، فيجوز حينئذ أن يعامل معاملة النكرة فيوصف بالنكرة، و منه قوله تعالى:

 «لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ» «3» برفع «غير» على أنّه صفة للقاعدين لأنّهم جنس، و ردّه بعضهم بأنّه على خلاف أصلهم من أنّ المعرفة لا توصف إلاّ بالمعرفة، و المراعى في ذلك اللفظ لا المعنى.

و على هذا، فإمّا أن يوجّه بما ذهب إليه بعضهم، من أنّ «غير» إذا وقعت بين متضادّين و كانا معرفتين تعرّفت بالإضافة، نحو: عليك بالحركة غير السكون، فإنّ المراد بها حينئذ غير معيّن، و كذلك الأمر هنا، لأنّ المنجحين و الممنوعين متضادّان،

______________________________

 (1) القاموس المحيط: ج 1 ص 251.

 (2) سورة فاطر: الآية 37.

 (3) سورة النساء: الآية 95.

128
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 120

.......... و إمّا أن يقال: إن غير الممنوعين بدل من المنجحين لا نعت له.

و وقع في نسخة ابن إدريس رواية «غير» بالنصب، فهو إمّا على الحال، أو على القطع بتقدير أعني.

و الباء: من قوله: «بالتوكّل»: للسببيّة، أي: بسبب توكّلي عليك، أو بسبب توكّل غير الممنوعين عليك.

و التوكّل على اللّه تعالى عبارة عن اعتماد القلب عليه و الانقطاع إليه، بالثقة بما عنده و اليأس عمّا في أيدي الناس.

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: من انقطع إلى اللّه كفاه كلّ مئونة و رزقه من حيث لا يحتسب، و من انقطع إلى الدنيا و كله اللّه إليها «1».

و قد تقدّم الكلام على حقيقة التوكّل و صورته في الرياض السابقة، فأغنى عن الإعادة.

 [ 772] قوله عليه السّلام: «المعوذين بالتعوّذ بك» أكثر النسخ بإهمال الدال من المعودين، و هو اسم مفعول من عوّدته كذا أي: صيّرته له عادة، و نسخة ابن إدريس بالذال المعجمة، من عوّذه: إذا عصمه من كلّ سوء، و منه المعوّذتان على اسم الفاعل‏ «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ» «2» و «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ» «3»، لأنّهما عوّذتا صاحبهما أي: عصمتاه من كلّ سوء، و ما اشتهر على ألسنة بعض الطلبة من فتح الواو على أنّها اسم مفعول، غلط واضح.

و التعوّذ بالذال المعجمة مصدر تعوّذ به أي: اعتصم، يقال: عذت باللّه عوذا و معاذا و عياذا، و استعذت به استعاذة، و تعوّذت به تعوّذا، كلّ ذلك بمعنى.

و الباء على الرواية الأولى: للتعدية، و على الثانية: للملابسة أو للاستعانة.

______________________________

 (1) نهج الفصاحة ص 577 ح 2796.

 (2) سورة الفلق: الآية 1.

 (3) سورة الناس: الآية 1.

129
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 120

.......... قوله عليه السّلام: «الرابحين في التجارة عليك» ربح فلان في تجارته ربحا و ربحا من باب علم و تعب-: أصاب الربح، و هو الفضل و الزيادة على رأس المال.

و التجارة: صناعة التاجر، و هي التصدّي للبيع و الشراء لتحصيل الربح، و قد يراد بها ما يتاجر فيه من الأمتعة و نحوها، على تسمية المفعول باسم المصدر.

قال بعضهم: في مثل هذا المقام استعار لفظ التجارة لأعمالهم الصالحة و امتثال أوامر اللّه تعالى، و وجه الشبه كونهم متعوّضين بمتاع الدنيا و بحركاتهم في العبادة متاع الآخرة، و رشّح بلفظ الرابحين لأفضليّة متاع الآخرة و زيادته في النفاسة على ما تركوه من متاع الدنيا، انته.

و الأحسن و الأبلغ أن يقال: إنّ الترشيح الذي هو لفظ الرابحين استعارة تمثيليّة، بأنّ شبّه حال المؤمنين العاملين للّه في نيلهم المنافع المترتّبة على أعمالهم بحال التاجر الرابح في تجارته، و لا ينافي ذلك كون التجارة في نفسها استعارة لمعاملتهم و ثباتهم على ما هم عليه من إيثارهم متاع الدنيا على متاع الآخرة و تمرّنهم عليه معربة عن كون ذلك صناعة لهم راسخة، إذ ليس من ضروريّات الترشيح أن يكون باقيا على الحقيقة تابعا للاستعارة لا يقصد به إلاّ تقويتها، كما في قولك:

رأيت أسدا واقي‏ «1» البراثن، فإنّك لا تريد به إلاّ زيادة تصوير الشجاع و أنّه أسد كامل، من غير أنّ تريد بلفظ البراثن معنى آخر، بل قد يكون مستعارا من ملائم المستعار منه لملائم المستعار له، و مع ذلك يكون ترشيحا لأصل الاستعارة، كما في قوله:

و لمّا رأيت النسر عزّ ابن دأيّة

 

 و عشش في وكريه جاش له صدري‏

 

 فإنّ لفظ وكرين مع كونه مستعار من معناه الحقيقي، الذي هو موضع يتّخذه‏

______________________________

 (1) «الف»: دافي.

130
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 120

.......... الطائر للتفريخ، للرأس و اللحية أو للفودين أعني جانبي الرأس، ترشيح باعتبار معناه الأصلي، لاستعارة لفظ النسر للشيب، و لفظ ابن دأية و هو الغراب للشعر الأسود. و كذا لفظ التعشيش مع كونه مستعارا للحلول و النزول المستمرّ، ترشيح لذينك الاستعارتين. هكذا ينبغي أن تقرّر الاستعارة في هذا المقام، كما نصّ عليه سماسرة البلاغة من علماء البيان.

و الظرف من قوله «عليك»: لغو متعلّق بالرابحين.

يقال: ربح عليه في البيع: إذا استفاد منه الربح و أخذه منه.

و في الحديث عن الصادق عليه السّلام: ربح المؤمن على المؤمن ربا، إلاّ أن يشتري بأكثر من مائة درهم فاربح عليه قوت يومك، أو يشتريه للتجارة فاربحوا عليهم و ارفقوا بهم‏ «1».

و المعنى: اجعلني من المستفيدين الربح منك في تجارته أو تجارتهم.

و أمّا ما وقع لبعض المترجمين من أنّ التعدية بعلى لتضمين معنى الاعتماد، و المعنى: الرابحين في التجارة في حال الاعتماد عليك، بأنّ من قصد جنابك للتجارة بشي‏ء حصل له الربح قطعا و لم يرجع خاسرا و لا خائبا، فهو من عدم الاطّلاع على مصطلحات العرب في محاوراتهم، أو الجهل بمتداولات ألفاظهم و متاورات أقوالهم.

و يحتمل أن تكون «على» هنا بمعنى «من» أي: الرابحين منك في التجارة، كقوله تعالى: «إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ» «2» أي: من الناس.

قال الزمخشري: لمّا كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرّهم و يتحامل فيه عليهم، أبدل «على» مكان «من»، للدلالة على ذلك‏ «3»، انته.

______________________________

 (1) الكافي: ج 5 ص 154 ح 22.

 (2) سورة المطففين: الآية 2.

 (3) تفسير الكشاف: ج 4 ص 719.

131
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 120

.......... و هذا المعنى بعينه موجود في الربح إذا كان فيه نوع ضرر على المأخوذ منه، و لذلك كان ربح المؤمن على المؤمن حراما كما وقع في الحديث السابق، فلا جرم أبدل «على» مكان «من» كما وقع في الآية.

فإن قلت: ضرر الربح لا يتصوّر في حقّه تعالى، فكيف أبدل «على» ب «من» في خطابه سبحانه؟.

قلت: هو في أصل المعنى كذلك و إن لم يكن مقصودا فيما نحن فيه، يدلّك على ذلك قول الرضي: «و من» للاستعلاء مجازا على قضاء الصلاة و عليه القصاص، لأنّ الحقوق كأنّها راكبة لمن تلزمه، و كذا قوله تعالى: «كانَ عَلى‏ رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا» تعالى اللّه عن استعلاء شي‏ء عليه، و لكنّه إذا صار الشي‏ء مشهورا في الاستعمال في شي‏ء لم يراع أصل معناه، نحوّ: ما أعظم اللّه، و منه: توكّلت على فلان، كأنّك تحمل ثقلك عليه، و منه توكّلت على اللّه‏ «1»، انته.

و هو صريح فيما ذكرناه، و اللّه أعلم.

قوله عليه السّلام: «المجارين بعزتك» أي: المحفوظين بقوّتك و غلبتك.

يقال: استجرت زيدا فأجارني، أي: طلبت منه أن يحفظني فحفظني.

و العزّ و العزّة: الرفعة و الامتناع و الشدّة و الغلبة.

قوله عليه السّلام: «الموسع عليهم الرزق الحلال» إلى آخر يروى بتشديد السين و تخفيفها و كلاهما بمعنى يقال: أوسع اللّه عليه رزقه و وسّعه بالألف و التشديد، أي:

بسطه و كثّره، أي: الذين وسّع عليهم الرزق، و هو لغة ما ينتفع به فيشمل الحلال و الحرام، و لذلك قيّده بالحلال، و من ذهب إلى أنّه ما صحّ الانتفاع به و ليس لأحد منعه منه، فلا يكون الحرام رزقا، فوصفه بالحلال عنده للتأكيد كأمس الدابر، أو

______________________________

 (1) شرح الكافية: في النحو: ج 2 ص 342.

132
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 120

.......... للإيضاح و التبيين. و قد تقدّم الكلام على هذه المسألة مستوفى في أوائل الروضة الأولى فليرجع إليه.

و الحلال: ما لا يعاقب على استعماله.

قيل: و الرزق الحلال شامل للحلال في ظاهر الشريعة، و الحلال في نفس الأمر و هو قوت النبيين.

كما روي أنّ أبا جعفر عليه السّلام نظر إلى رجل و هو يقول: اللّهم ارزقني من رزقك الحلال، فقال: أبو جعفر عليه السّلام: سألت قوت النبيّين، قل: اللّهم إنّى أسألك رزقا واسعا طيّبا من رزقك‏ «1».

قال بعض أصحابنا: الحلال و الطيّب و ان كانا متقاربين بل متساويين في اللغة، إلاّ أنّ المستفاد من هذا الحديث أنّ بينهما فرقا في عرف الأئمّة عليهم السّلام، و كأنّ الفرق هو أنّ الطيّب ما هو طيّب في ظاهر الشرع سواء كان طيّبا في الواقع أم لا، و الحلال ما هو حلال و طيّب في الواقع، لم تعرضه النجاسة و الخباثة قطعا، و لم تتناوله أيدي المتغلّبة أصلا في وقت من الأوقات، و لا ريب في أنّه قوت الأنبياء و أنّه نادر جدا، و طريقه ضيّق، و الطالب له طالب لضيق معيشته، و أمّا ما وقع في بعض الأدعية من طلبه فالمراد به ما هو بمعنى الطيّب‏ «2» انته.

 [ 773] و «من» في قوله عليه السّلام: «من فضلك الواسع»: لابتداء الغاية مجازا، و هي إمّا متعلّقة بالموسّع فيكون الظرف لغوا، أو بمحذوف وقع حالا من الرزق الحلال فيكون ظرفا مستقرّا.

و المعنى إمّا من محض فضلك الواسع من غير وسط معتاد، أو من غير استحقاق لأنّي لست بأهل له، بناء على أنّ الواسع نعت مؤكّد أو مادح، و إمّا من فضلك‏

______________________________

 (1) الكافي: ج 2 ص 552 ح 8.

 (2) مرآة العقول: ج 12 ص 392- 393.

133
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 120

.......... المتّصف بالسعة لا مطلقا، فإن من فضله ما تقتضي الحكمة أن يكون واسعا، و الغرض المبالغة في طلب التوسعة.

و الجود: إفادة ما ينبغي لا لعوض.

و الكرم: إيثار الغير بالخير.

 [ 774] قوله عليه السّلام: «المعزّين من الذلّ بك» أعزّه إعزازا: أكرمه.

قال صاحب المحكم: عزّ عليّ يعزّ عزا و عزّة و عزازة: كرم، و أعززته: أكرمته و أحببته‏ «1».

و من: بمعنى عن، لما في الإعزاز من معنى التنزيه عمّا ينافيه، و يحتمل أن تكون للبدل أي: بدل الذلّ.

و الباء: في «بك»: للاستعانة.

قوله عليه السّلام: «المجارين من الظلم بعدلك» يروى بكسر الراء المهملة، جمع مجار اسم مفعول من أجاره إجارة بمعنى: أعاذه و حفظه، و هو المشهور.

و في نسخة ابن إدريس: «المجازين» بفتح الزاء المعجمة، جمع مجازي اسم مفعول من جازاه بمعنى: كافأه.

و عن الشهيد قدّس سرّه: المجازين بالمعجمة على صيغتي المفعول و الفاعل معا، أي: الذين يجازيهم على ما أصابهم من الظلم و ينتصف لهم من ظالميهم عدلك، أو الذين لا يجازون من اعتدى عليهم و ظلمهم إلاّ بعدلك‏ «2»، انته.

و في هذا المعنى قول أمير المؤمنين عليه السّلام في صفة المؤمن: إن بغي عليه صبر حتّى يكون اللّه الذي ينتصر له‏ «3».

______________________________

 (1) المحكم لابن سيده: ج 1 ص 32.

 (2) لا يوجد لدينا هذا الكتاب.

 (3) نهج البلاغة: ص 306، خطب 193.

134
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 120

.......... أي: إن ظلم لم ينتقم هو لنفسه من ظالمه، بل يكل أمره إلى عدل اللّه سبحانه لينتصر له منه.

قوله عليه السّلام: «المعافين من البلاء برحمتك» عافاه اللّه يعافيه معافاة: سلّمه من الآفات.

و البلاء بالفتح و المدّ: ما يمتحن به و يختبر من خير أو شرّ، و أكثر ما يأتي مطلقا في الشرّ كما وقع هنا، و إذا أريد به الخير يأتي مقيّدا كما قال تعالى: «بَلاءً حَسَناً» «1».

و اللّه تعالى يبلو عبده بما يحبّ ليمتحن شكره، و بما يكره ليمتحن صبره.

فسأل عليه السّلام أن يجعله من الذين عافاهم من البلاء بالمكروه بسبب رحمته.

و في الحديث: إنّ للّه تعالى ضنائن من خلقه يحييهم في عافية و يميتهم في عافية. «2» و هو مروي عن طريق العامّة و الخاصّة.

قال ابن الأثير في النهاية الضنائن: الخصائص، واحدهم ضنينة فعيلة بمعنى مفعولة من الضنّ، و هو ما تختصّه و تضن به أي: تبخل لمكانه منك و موقعه عندك، و منه قولهم: فلان ضنّي من بين اخواني و ضنيني: أي اختصّ به و اضنّ بمودّته‏ «3».

و رواه الجوهري: إنّ للّه ضنا من خلقه يحييهم في عافية و يميتهم في عافية «4».

و في القاموس: هو ضنّي بالكسر أي: خاصّ بي، و ضنائن اللّه: خواصّ خلقه‏ «5».

و روى ثقة الإسلام في الكافي بسنده عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: إنّ للّه‏

______________________________

 (1) سورة الانفال: الآية 17.

 (2) النهاية لابن الأثير ج 3 ص 104.

 (3) النهاية لابن الأثير ج 3 ص 104 و فيه: ضنّتي.

 (4) الصحاح: ج 6 ص 2156. مادّة: ضنن.

 (5) القاموس المحيط: ج 4 ص 244.

135
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 120

.......... عزّ و جلّ ضنائن يضن بهم عن البلاء فيحييهم في عافية: و يرزقهم في عافية، و يميتهم في عافية، و يبعثهم في عافية، و يسكنهم الجنّة في عافية «1».

و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: أنّ اللّه خلق خلقا ضنّ بهم عن البلاء، خلقهم في عافية، و أحياهم في عافية، و أماتهم في عافية، و أدخلهم الجنّة في عافية «2».

و عنه صلوات اللّه عليه: أنّ للّه عزّ و جل ضنائن من خلقه، يغذوهم بنعمته، و يحييهم في عافية، و يدخلهم الجنّة برحمته، تمرّ بهم البلايا و الفتن لا تضرّهم شيئا «3».

قال بعض أصحابنا في معنى هذه الأخبار: لمّا كان كلّ فعله تعالى منوطا بالحكمة، كان من مقتضى حكمته أنّه إذا علم أنّ من عباده من لا يحتاج في إصلاحهم إلى البلاء رزقهم العافية، و قد يبلو بعضهم لزيادة الأجر و رفع المنزلة، و إذا علم أنّ بعضهم يحتاج إلى البلاء ابتلاهم به‏ «4».

و قال بعضهم: معنى الضنّ بهم عن البلاء: إعدادهم لعدم التأذّي بالبلاء، و ذلك لفرط محبّتهم له سبحانه، بحيث يلتذّون ببلائه كما يلتذّون بنعمائه فيعدّونه عافية، كما يشير إلى ذلك آخر الحديث الثالث، و هو قوله عليه السّلام: تمرّ بهم البلايا و الفتن لا تضرّهم شيئا «5»، و اللّه أعلم.

 [ 775] قوله عليه السّلام: «و المغنين من الفقر بغناك» قال بعض أصحابنا: اعلم أنّ الغنى المطلوب لمثله عليه السّلام هو ما دفع ضرورة حاجته بحسب الاقتصاد

______________________________

 (1) الكافي: ج 2، ص 462، باب المعافين من البلاء: ح 1.

 (2) الكافي: ج 2، ص 362 ح 2.

 (3) الكافي: ج 2 ص 462 ح 3، و فيه: «و يحبوهم بعافيته».

 (4) شرح الكافي للمولى محمد صالح المازندرانى: ج 10 ص 196.

 (5) الكافي: ج 2 ص 462 ح 3.

136
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 120

.......... و القناعة، لا المفهوم المتعارف بين أرباب الدنيا من جمع المال و ادّخاره و الاتساع به فوق الحاجة، و طلب الغنى على ذلك محمود، و على الوجه الثاني هو المذموم، و الفقر هو ما احتاج معه إلى سؤال الخلق، انته.

و الظاهر أنّ المراد بالفقر هناك التمسّك بما سواه تعالى و الاستعانة به، لقوله عليه السّلام: «بغناك»، فإنّ المغنيّ بغناه جلّ شأنه هو الذي صرفته العناية عن الالتفات إلى ما سواه سبحانه من الوسائل و الأسباب، و إلاّ فكلّ مغنيّ يؤول غناه إليه تعالى.

قوله عليه السّلام: «و المعصومين من الذنوب» إلى آخره عصمه اللّه يعصمه- من باب ضرب-: حفظه من مواقعة الآثام و المعاصي، و ذلك بفيض و إعداد منه تعالى يقوى به العبد على اجتناب الشرّ، حتّى يصير كمانع له من باطنه و إن لم يكن منعا محسوسا.

و الذنب: ما يحجبك عن اللّه تعالى، و جمعه باعتبار تنوّعه.

و الزلل: أصله في المكان.

قال الزمخشري: هو نوع من انتقال الجسم عن مكان إلى مكان‏ «1»، انته.

يقال: زلّ عن مكانه زلا- من باب ضرب-: تنحّى عنه، و زلّ ذللا- من باب تعب- لغة، و الاسم الزلة بالكسر، و الزلة بالفتح: المرّة، ثمّ استعير للزوال عن الحقّ و الصواب.

قال في الأساس: و من المجاز: زلّ في قوله و رأيه زلّة و زللا، و أزله الشيطان عن الحقّ و استزلّه‏ «2».

______________________________

 (1) الفائق في غريب الحديث: ج 2 ص 119، و فيه: «الزليل».

 (2) أساس البلاغة: ص 274.

137
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 120

.......... و الخطأ مهموز بفتحتين: ضدّ الصواب.

و قال في النهاية: هو ضدّ العمد، و هو أن يفعل شيئا من غير قصده‏ «1».

و قيل إنّه العدول عن الصواب، بأن يريد غير ما تحسن إرادته فيفعله و هو المأخوذ به، أو يريد ما يحسن فعله و لكن يقع له خلاف ما يريد، أو يريد ما لا يحسن فعله و يتّفق منه خلافه، فهو مخطئ إرادة مصيب فعلا، فهو مذموم بقصده غير محمود بفعله، و قد يطلق على المعصية و إن كان فاعلها متعمّدا، من حيث إنّها ضدّ الصواب.

و قوله عليه السّلام: «بتقواك» إضافة المصدر إلى المفعول، أي: بتقواهم إيّاك، و الأصل و قوى من وقيت، لكنّه أبدلت الواو تاء و لزمت في تصاريف الكلمة.

يقال: اتّقى اللّه: إذا تورّع عن محارمه و اجتنب عن كلّ ما يبعده عنه. و قد تقدّم الكلام على ذلك مستوفى، فليرجع إليه.

قوله عليه السّلام: «الموفّقين للخير و الرشد و الصواب» وفّقه اللّه للخير: جعل إرادته موافقة له، و الخير: ما يصلح به حال الإنسان أو يرغب فيه الكلّ، و الشرّ:

بخلافه، و كلّ منهما إمّا مطلق لم يزل مرغوبا فيه أو عنه، أو مقيّد يكون بالنبسة إلى أحد خيرا و إلى الآخر شرّا كالمال.

و الرشد بالضمّ و السكون و بفتحتين و الرشاد: الهدى و الاستقامة.

و قال الواحدي: الرشد: إصابة الخير، و هو نقيض الغيّ‏ «2».

و قال الراغب: الرشد: عناية إلهيّة تعين الإنسان عند توجّهه في أموره، فتقوّيه على ما فيه إصلاحه و تفتّره عمّا فيه فساده، و أكثر ما يكون ذلك من الباطل، نحو

______________________________

 (1) النهاية لابن الأثير: ج 2 ص 44 مع اختلاف يسير في العبارة.

 (2) تهذيب الأسماء و اللغات للنووي: الجزء الأوّل من القسم الثاني ص 122.

138
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 120

.......... قوله تعالى: «وَ لَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَ كُنَّا بِهِ عالِمِينَ»، و كثيرا ما يكون ذلك بتقوية العزم أو بفسخه، و إليه يتوجّه قوله تعالى: «وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ» «1».

و الصواب: إصابة الحقّ، و هو ضدّ الخطأ.

 [ 776] قوله عليه السّلام: «المحال بينهم» اسم مفعول من أحال بمعنى حال، يقال:

حال النهر بيننا حيلولة أي: حجز و منع الاتّصال، و منه قوله تعالى: «وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ما يَشْتَهُونَ» «2».

و في القاموس: و كلّ ما حجز بين شيئين فقد حال بينهما «3».

و في نسخة: ابن إدريس: «المحول بينهم»، و هو الموافق للمشهور.

الذي عليه التنزيل، قال تعالى: «وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ» «4»، و قال: «وَ حالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ» «5».

و أمّا أحال فلم ينصّ عليه أحد من أهل اللغة، إلاّ أن الرواية المشهورة و ردت هنا بلفظ المحال بينهم، و لا معنى له الاّ أن يكون بمعنى المحول.

قوله عليه السّلام: «التاركين لكلّ معصيتك» ترك الشي‏ء: طرحه و خلاّه.

و قال الشهاب الفيومي في المصباح: تركت المنزل تركا: رحلت عنه، و تركت الرجل: فارقته، ثمّ استعير للإسقاط في المعاني، فقيل: ترك حقّه: إذا أسقطه، و ترك ركعة من الصلاة: لم يأت بها، فإنّه إسقاط لما ثبت شرعا، و تركت البحر ساكنا: لم اغيّره عن حاله‏ «6»، انته.

و قيل: الترك: الكفّ عن الفعل المبتدأ في محلّ القدرة عليه.

______________________________

 (1) الذريعة إلى مكارم الشريعة: 62.

 (2) سورة سبأ: الآية 54.

 (3) القاموس المحيط: ج 3 ص 363.

 (4) سورة الأنفال: الآية 24.

 (5) سورة هود: الآية 43.

 (6) المصباح المنير: ص 102.

139
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 120

.......... فقوله عليه السّلام: «التاركين لكلّ معصيتك» لا يجوز أن يكون بمعنى الكافّين عنها بعد ارتكابها و المفارقين لها بعد مواصلتها، كما يقتضيه معنى الترك، إذ لا يتصوّر ارتكاب أحد كلّ معصية، بل معناه غير الفاعلين لشي‏ء من المعاصي، و هذا المعنى للترك شائع في الاستعمال أيضا.

قال أمين الدين الطبرسي: الترك: ضدّ الأخذ، ينافي الفعل المبتدأ في محلّ القدرة عليه، و يستعمل بمعنى أن لا يفعل، كقوله تعالى: «وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ» معناه لم يفعل اللّه لهم النور «1».

فإن قلت قد تقرّر في علم البيان أنّ كلاّ إذ وقعت خبر النفي كان النفي موجّها إلى الشمول خاصّة، و أفاد بمفهومه الثبوت لبعض الافراد، كقولك: لم آخذ كلّ الدراهم، فيلزم على هذا أن يكون معنى التاركين لكلّ معصيتك، التاركين لمجموعها مع ارتكابهم لبعض أفرادها، كما أن قولك: لم آخذ كلّ الدراهم يفيد ثبوت الأخذ لبعضها، و هذا المعنى غير مراد هنا قطعا بل المراد ترك كلّ فرد من المعصية.

قلت: الحقّ أن هذا الحكم أكثري لا كلّي، كما نصّ عليه سعد التفتازاني في شرح التلخيص، قال: لأنّا نجده حيث لا يصلح أن يتعلّق الفعل ببعض، كقوله تعالى: «وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ» «2»، «وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ» «3»، «وَ لا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ» «4» و «5».

و أجاب بعضهم: بأنّ دلالة المفهوم إنّما يعوّل عليها عند عدم المعارض، و هو هنا موجود، إذ دلّ الدليل على تحريم الاختيال و الفخر و الكفر و الحلف.

______________________________

 (1) راجع مجمع البيان: ج 1- 2 ص 55 ذيل الآية 17 من سورة البقرة.

 (2) سورة الحديد: الآية 23.

 (3) سورة البقرة: الآية 276.

 (4) سورة القلم: الآية 10.

 (5) شرح التلخيص: ج 1 ص 109.

140
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 120

اللّهُمَّ أعْطِنا جَميعَ ذَلِكَ بِتَوْفيقِكَ وَ رَحْمَتِكَ، وَ أعِذْنا مِنْ عَذابِ السَعِيرِ، وَ أعْطِ جَميعَ المُسْلِمينَ وَ المُسْلِماتِ، وَ المُؤْمنينَ وَ المُؤْمِناتِ، و هذا الجواب صالح هنا أيضا، إذ الدليل أوجب ترك كلّ فرد من المعصية، فلا يعوّل على دلالة المفهوم.

قوله عليه السّلام «الساكنين في جوارك» سكن الدار و في الدار سكنا- من باب طلب-: حلّ بها، و الاسم السكنى فأنا ساكن.

و جاوره مجاورة و جوارا من باب قاتل، و الاسم الجوار بالفتح و الضمّ.

و قال الجوهري: جاورته مجاورة و جوارا و جوارا، و الكسر أفصح‏ «1».

و قال الفارابي في ديوان الأدب في باب فعال بالكسر: هو الجوار، يقال: هو في جوار اللّه، و هو مصدر أيضا في الأصل‏ «2»، و في باب فعال بالضمّ: الجوار لغة في الجوار، و الكسر أفصح، «3»، و في باب فعال بالفتح: هو الجوار «4».

و بالحركات الثلاث وردت الرواية في الدعاء. و السكن في جوار اللّه تعالى تمثيل للسلامة من كلّ آفة و نيل الكرامة بكلّ خير، مثّل صورة من وقاه اللّه سبحانه و سلّمه من كلّ مخوف و شمله بفضله و عنايته بصورة من سكن في جوار ملك عظيم و سيّد كريم، فهو يقيه و يحفظه من كلّ سوء و شرّ رعاية لسكناه في جواره، و يغشاه بكلّ خير و برّ كرامة لحلوله في كنفه، و اللّه أعلم+.

 [ 777] جاء بضمير الجماعة لإشراك ولده عليه و عليهم السّلام في الدعاء، كما يدّل عليه قوله فيما سيأتي: «مثل الذي سألتك لنفسي و لولدي» و جمع بين التوفيق و الرحمة، لأنّ بعض المسئول المشار إليه بذلك متسبّب عن التوفيق و بعضه عن محض الرحمة،

______________________________

 (1) الصحاح: ج 2 ص 617.

 (2) ديوان الأدب: ج 3 ص 373.

 (3) ديوان الأدب: ج 3 ص 371.

 (4) ديوان الأدب: لم نعثر عليه في باب فعال بل عثرنا عليه في باب فعل ج 3 ص 333.

141
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 120

مِثْلَ الَذي سَأَلْتُكَ لِنَفْسي وَ لِوَلَدي، في عاجِلِ الدنيا وَ آجلِ الآخِرَةِ، إنَّكَ قَرِيبٌ مُجيبٌ، سميعٌ عَلِيمٌ عَفُوٌّ غَفُورٌ، رَءوفٌ رَحيمٌ، وَ آتِنا في الدُنيا حَسَنَةً، وَ في الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَ قِنا عَذابَ النّارِ.

كما هو ظاهر.

و السعير: النار.

و قيل: لهبها، لقولهم: خبى سعيرها.

و عن اللحياني: نار سعير بغير هاء أي: مسعورة «1».

يقال: سعر النار سعرا- من باب نفع-: و أسعرها إسعارا و سعّرها تسعيرا: أي أوقدها.

 [ 778] و ختم الدعاء عليه السّلام بالسؤال لعامة أهل التوحيد، من المسلمين و المسلمات و المؤمنين و المؤمنات، مثل ما سأل لنفسه و لولده في الدارين.

لما ورد في الخبر: أنّ من حقّ المسلم على المسلم أن يحبّ له ما يحبّ لنفسه، و يكره له ما يكره لنفسه‏ «2».

و في رواية: يحبّ المرء المسلم لأخيه ما يحبّ لاعزّ أهله، و يكره المرء المسلم لأخيه ما يكره لأعزّ أهله‏ «3».

و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ما من مؤمن دعا للمؤمنين و المؤمنات إلاّ ردّ اللّه عزّ و جل عليه مثل الذي دعا لهم به، من كلّ مؤمن و مؤمنة مضى من أوّل الدهر أو هو آت إلى يوم القيامة. «4» و تقديم المسلمين و المسلمات على المؤمنين و المؤمنات رعاية لترتيب الوجود، إذ الإسلام قبل الإيمان، فلا يكون العبد مؤمنا حتى يكون مسلما. و قد تقدّم الكلام‏

______________________________

 (1) لسان العرب: ج 4 ص 365 مادّة: سعر.

 (2) الكافي: ج 2 ص 169 ح 2.

 (3) الكافي: ج 2 ص 172 ح 9.

 (4) الكافي: ج 2 ص 507 ح 5.

142
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 120

.......... على الإسلام و الإيمان مستوفى، فليرجع إليه.

و قوله: «في عاجل الدنيا و آجل الآخرة» يحتمل أن يكون متعلّقا بقوله: «واعط جميع المسلمين»، و يحتمل تعلّقه بقوله: «سألتك لنفسي».

 [ 779] و الجملة من قوله: «إنّك قريب مجيب» إلى آخره تعليل لاستدعاء الإجابة و تأكيدها، لغرض كمال قوّة يقينه عليه السّلام بمضمونها.

و وصفه تعالى بالقريب: تمثيل لكمال علمه بأفعال عباده و أقوالهم و اطلاعه على أحوالهم بحال من قرب مكانه.

و المجيب: هو الذي يقابل دعاء الداعين بالإجابة، و سؤال السائلين بالإسعاف، و ضرورة المضطرّين بالكفاية، و فيه تلميح إلى قوله تعالى: «و إذا سألك عبادي عنّي فإنّي قريب أجيب دعوة الدّاع إذا دعان» «1».

و السميع: هو العالم بالمسموعات.

و قيل: هو الذي لا يعزب عن إدراكه مسموع و إن خفي، يسمع حمد الحامدين فيثيبهم و دعاء الداعين فيجيبهم.

و قال أمين الإسلام الطبرسي: هو من كان على صفة يجب لأجلها أن يدرك المسموعات إذا وجدت، و هي ترجع إلى كونه تعالى حيّا لا آفة به‏ «2».

و السامع: المدرك، و يوصف القديم تعالى في الأزل بأنه سميع، و لا يوصف في الأزل بأنّه سامع، لأنّه إنّما يوصف به إذا وجدت المسموعات.

و العليم: العالم بجميع الأشياء ظاهرها و باطنها دقيقها و جليلها على أتمّ ما يمكن، بحيث لا يتصوّر مشاهدة و كشف أظهر منه، و فعيل من أبنية المبالغة فهو أبلغ من العالم.

______________________________

 (1) سورة البقرة: الآية 186.

 (2) مجمع البيان: ج 3- 4 ص 278.

143
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 120

.......... قال بعض العلماء: ليس سمعه و علمه تعالى بجارحة، و لا بكيفيّة نفسانيّة انفعاليّة، ليلزم الاشتراك بينه و بين السامعين و العلماء، أو بينه و بين أسماعهم و علومهم، بل حقيقة ذاته المقدّسة التي هي محض الوجود الذي لا أتمّ منه، تنكشف له المسموعات و تحضر لديه المعلومات، و ليس معنى السماع إلاّ حضور صورة المسموع عند قوّة إدراكيّة تسمّى بالسمع أو السامعة، و لا العلم إلاّ حضور صورة المعلوم عند قوّة علميّة تسمّى بالعقل أو العاقلة، و ليس من شرط السماع أن يكون بآلة و لا بحلول صورة في ذات السامع أو في آلة منه، بل معناه انكشاف المسموع و حضوره سواء كان بنفسه أو بصورته.

و كذا الكلام في العلم، فإنّ ذاته تعالى سميع إذ ينكشف عنده المسموعات، و سمع إذ به يقع ذلك الانكشاف لا بأمر آخر، و كذا قياس كونه عليما و علما، انته.

و العفوّ: فعول من العفو، و هو التجاوز عن الذنب و ترك العقاب عليه، و أصله المحو و الطمس، يقال: عفت الرياح الأثر: إذ محته و طمسته.

و الغفور: بمعنى الغفّار، و لكنّه ينبئ عن نوع مبالغة لا ينبئ عنه الغفار، فإنّ الغفّار، مبالغة في المغفرة بالإضافة إلى مغفرة متكرّرة مرّة بعد أخرى، فالفعّال ينبئ عن كثرة الفعل، و الفعول ينبئ عن جودته و كماله و شموله، فهو غفور بمعنى، أنّه تام الغفران كاملها حتّى يبلغ أقصى درجات المغفرة.

قال الغزالي و غيره: و في العفوّ مبالغة ليست في الغفور، فإنّ الغفران ينبئ عن الستر، و العفو ينبئ عن المحو، و هو أبلغ من الستر، لأنّ ستر الشي‏ء قد يحصل مع بقاء أصله، بخلاف المحو فإنّه إزالته جملة و رأسا. و على هذا، فتقديمه مع كون القياس تأخيره رعاية لاسلوب الترّقي إلى الأعلى، كما في قولهم: فلان عالم نحرير، و شجاع باسل، و جواد فيّاض، لأنّ ما يدلّ على إزالة أصل الذنب أولى بالتقديم ممّا يدلّ‏

144
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

تنبيه ص : 120

.......... على ستره مع احتمال بقاء أصله‏ «1».

و الرءوف: ذو الرأفة و هي شدّة الرحمة، فهو بمعنى الرحيم مع المبالغة فيه، و تقديمه عليه مع كونه أبلغ منه، لأنّ تقديم ما يدلّ على عظيم النعمة أولى من تقديم ما يدلّ على دقيقها.

و قيل: الرأفة أخصّ و الرحمة أعمّ.

 [ 780] و قوله عليه السّلام: «و آتنا في الدنيا حسنة» إلى آخره مرّ شرحه في آخر الروضة العشرين، فليرجع إليه تمّ. [] و الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على محمّد و آله أجمعين، و للّه الحمد. تمّ ضحوة يوم الثلاثاء لعشر بقين من شعبان المكرّم سنة 1101.

______________________________

 (1) المقصد الأسنى: ص 102.

145
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

الروضة السادسة و العشرون ص : 147

الروضة السادسة و العشرون‏

147
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

و كان من دعائه عليه السلام لجيرانه و أوليائه إذا ذكرهم ص : 149

وَ كانَ مِنْ دُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِجيرانِهِ وَ أَوْلِيائِهِ إِذا ذَكَرَهُمْ‏

الّلهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ تَوَلَّنى‏ في‏ جيرانى‏ وَ مَوالِيَّ الْعارِفِينَ بِحَقِّنا وَ الْمُنابِذينَ لِأَعْدائِنا بِافْضَلِ وَلايَتِكَ وَ وَفِّقْهُمْ لِإِقامَةِ سُنَّتِكَ وَ الْأَخْذِ بِمَحاسِنِ ادَبِكَ في ارْفاقِ ضَعيفِهِمْ وَ سَدِّ خَلَّتِهِمْ وَ عِيادَةِ مَريضِهِمْ وَ هِدايَةِ مُسْتَرْشِدِهِمْ وَ مُناصَحَةِ مُسْتَشيرِهِمْ وَ تَعَهُّدِ قادِمِهِمْ وَ كِتْمانِ اسْرارِهِمْ وَ سَتْرِ عَوْراتِهِمْ وَ نُصْرَةِ مَظْلُومِهِمْ وَ حُسْنِ مُواساتِهِمْ بِالْماعُونِ وَ الْعَوْدِ عَلَيْهِمْ بِالْجِدَةِ وَ الْافْضالِ وَ اعْطاءِ ما يَجِبُ لَهُمْ قَبْلَ السُّؤالِ وَ اجْعَلْنِى اللّهُمَّ اجْزِي بِالْاحْسانِ مُسيئَهُمْ وَ اعْرِضُ بِالتَّجاوُزِ عَنْ ظالِمِهمْ وَ اسْتَعْمِلُ حُسْنَ الظَّنِّ في كافَّتِهِمْ وَ اتَوَلّى بِالْبِرِّ عامَّتَهُمْ وَ أَغُضُّ بَصَرى عَنْهُمْ عِفَّةً وَ الينُ جانِبي لَهُمْ تَواضُعاً وَ أَرِقُّ عَلى‏ أَهْلِ الْبَلاءِ مِنْهُمْ رَحْمَةً وَ أُسِرُّ لَهُمْ بِالْغَيْبِ مَوَدَّةً وَ أُحِبُّ بَقاءَ النِّعْمَةِ عِنْدَهُمْ نُصْحًا و اوجِبُ لَهُمْ ما اوجِبُ لحامَّتِى وَ ارْعى‏ لَهُمْ ما ارْعى‏ لِخاصَّتى اللّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ ارْزُقْنى مِثْلَ ذلِكَ مِنْهُمْ وَ اجْعَلْ لى اوْفَى الْحُظُوظِ فِيما عِنْدَهُمْ وَ زِدْهُمْ بَصيرَةً في حَقّى وَ مَعْرِفَةً بِفَضْلى حَتّى‏ يَسْعَدُوا بي وَ اسْعَدَ بِهِمْ امِينَ رَبَّ الْعالَمينَ‏ ..........

149
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

و كان من دعائه عليه السلام لجيرانه و أوليائه إذا ذكرهم ص : 149

.......... [] بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه ذاكر جيرانه و أوليائه، و المفيض عليهم سجال نعمائه و آلائه، و الصّلاة و السّلام على أشرف أنبيائه، و على أهل بيته و عترته و أبنائه.

و بعد فهذه الروضة السادسة و العشرون من رياض السالكين، تتضمّن شرح الدعاء، السادس و العشرين من صحيفة سيّد العابدين، سلام اللّه عليه و على آبائه و أبنائه الطاهرين، إملاء العبد الفقير إلى ربّه الغني عليّ صدر الدين الحسينيّ الحسنيّ، كان اللّه له جارا و وليّا، و رفعه في الدارين مكانا عليّا.

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ؛ ج‏4 ؛ ص151

 

150
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السادس و العشرين ص : 151

شرح الدعاء السادس و العشرين‏

وَ كانَ مِنْ دُعائِهِ عَليْهِ السلامُ لجيرانِهِ وَ أوْلِيائِهِ إذا ذَكرهُم.

الجيران: جمع جار، و هو لغة المجاور في السكن.

حكى تغلب عن ابن الأعرابي: الجار: الذي يجاورك بيت بيت‏ «1».

و قال الفيومي: جاوره مجاورة: إذا لاصقه في السكن‏ «2».

و شرعا قيل: من يلي الدار إلى أربعين ذراعا من كلّ جانب، و هو مذهب جماعة من أصحابنا منهم الشهيد الأوّل في كتاب اللمعة «3».

و قيل: إلى أربعين دارا من كلّ جانب، و هو مذهب طائفة من أصحابنا.

و قال الشهيد الثاني في شرح اللمعة: و الأولى و الأقوى الرجوع في الجيران إلى العرف، لأنّ القول الأوّل و إن كان هو المشهور إلاّ أنّ مستنده ضعيف، و القول الثاني مستند إلى رواية عامّية روتها عائشة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال:

الجار إلى أربعين دارا «4».

و كأنّه رحمه اللّه غفل عمّا رواه ثقة الإسلام في الكافي بسند حسن بل صحيح عن أبي جعفر عليه السّلام، أنّه قال: حدّ الجوار أربعون دارا من كلّ جانب، من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله‏ «5».

و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: كلّ‏

______________________________

 (1) المصباح المنير: ص 158.

 (2) المصباح المنير: ص 157.

 (3) اللمعة الدمشقيّة: ص 177.

 (4) شرح اللمعة: ج 5 ص 29.

 (5) الكافي: ج 2، ص 669، ح 1.

151
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السادس و العشرين ص : 151

قال صلوات اللّه و سلامه عليه.

اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ تَوَلّني في جيراني وَ مَوالِيَّ العارِفينَ بِحَقِّنا، وَ المُنابِذِينَ لِاعْدائِنَا، بِأفْضَلِ وَلايَتِكَ.

أربعين دارا جيران، من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله‏ «1».

فمستند القول الثاني هاتان الروايتان لا ماروته عائشة، فلا معدل عن القول به.

و يطلق الجار على الناصر و الحليف و هو المعاهد، يقال منه: و تحالفا إذا تعاهدا على أن يكون أمرهما واحدا في النصرة و الحماية، لأنّ كلا منهما يحلف لصاحبه على التناصر، بينهما حلف و حلفة بالكسر: أي عهدا، و إرادة هذين المعنيين هنا واضحة.

و الأولياء: جمع وليّ فعيل بمعنى فاعل، و يطلق على معان كثيرة، و الذي يقتضيه المقام منها هو المحبّ، و التابع، و المعين، و الناصر، و الصديق ذكرا كان أو انثى، و العتيق، و كلّ من يتولّى الإنسان و ينضمّ إليه و يكون من جملة أتباعه و الناصرين له فهو وليّه+.

 [ 781] تولاّه اللّه: كان له وليّا، أي: معينا و كافلا لمصالحه و قائما باموره، و منه: تولاّك اللّه بحفظه.

قال ابن الأثير في النهاية: و كأنّ الولاية تشعر بالتدبير و القدرة و الفعل‏ «2».

و في: ظرفيّة مجازيّة، أي: اجعل ولايتك لي سارية في جيراني و مواليّ راسخة فيهم، كقوله: «وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي» «3».

و الموالي جمع مولى، و المراد به هنا: المحبّ و التابع و الناصر و سائر ما تقدّم في معنى الوليّ.

و قوله‏ «4» «العارفين بحقّنا» صفة مفادها التوضيح و هو رفع الاحتمال، أو التبيين و التفسير، فتكون صفة كاشفة عن معنى الجيران و الموالي، الذين سأل عليه السّلام أن يتولاّه اللّه فيهم بأفضل ولايته.

______________________________

 (1) الكافي: ج 2 ص 669 ح 2.

 (2) النهاية لابن الأثير: ج 5 ص 227.

 (3) سورة الاحقاف: الآية 15.

 (4) (ج): عليه السّلام.

152
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السادس و العشرين ص : 151

.......... و يحتمل أن يكون للمدح، و معرفة حقّهم عليهم السّلام عبارة عن اعتقاد إمامتهم و افتراض طاعتهم و وجوب اتّباعهم و التسليم إليهم.

و المنابذة بالذال المعجمة: مفاعلة من النبذ، و هو طرح الشي‏ء و رميه، يقال: نبذ الشي‏ء من يده: إذا طرحه و رمى به.

قال الزمخشري في الأساس: نبذ إلى العدوّ: رمى إليه بالعهد و نقضه، و نابذه منابذة و تنابذوا «1».

و قال الفيومي في المصباح: نابذتهم: خالفتهم، و نابذتهم الحرب: كاشفتهم إيّاها و جاهرتهم بها «2».

و في شرح مسلم للنووي في حديث: و إن أبيتم نابذناكم على سواء، أي: كاشفناكم و قاتلناكم على طريق مستقيم مستوفى العلم بالمنابذة منّا و منكم، و النبذ يكون بالفعل و القول في الأجسام و المعاني، و منه نبذ العهد: إذا نقضه و ألقاه إلى من كان بينه و بينه‏ «3»، انته.

و في شرح جامع الأصول: فلا تنابذهم أي: تقاتلهم‏ «4».

و في النعتين المذكورين إشارة إلى أن موالاتهم عليه السّلام لا تكون إلاّ بمعرفة حقّهم و مخالفة أعدائهم و منابذتهم.

و الباء من قوله: «بأفضل ولايتك»: إمّا للاستعانة فيكون الظرف لغوا متعلّقا بتولّني، أو للملابسة فيكون مستقرّا متعلّقا بمحذوف، و هو حال من فاعل تولّني، أي:

ملتبسا بأفضل ولايتك.

و الولاية بالفتح و الكسر: لغتان بمعنى النصرة و الإعانة، و بالكسر فقط: بمعنى‏

______________________________

 (1) أساس البلاغة: ص 613.

 (2) المصباح المنير: ص 810.

 (3) شرح صحيح مسلم (للنووي) لم أعثر عليه بعد فحص بليغ.

 (4) لا يوجد لدينا هذا الكتاب.

153
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السادس و العشرين ص : 151

وَ وَفِّقْهُمْ لإقامَةِ سُنَّتكَ، وَ الاخْذِ بِمَحاسِنِ ادَبِكَ، في إرْفاقِ ضَعيفِهِمْ وَ سَدِّ خَلَّتِهِمْ، وَ عِيَادَةِ مَريضِهِمْ، وَ هِدايَةِ مُسْتَرْشِدِهِمْ، وَ مُناصَحَةِ مُسْتَشيرِهِمْ، وَ تَعَهُّدِ قادِمِهِمْ، وَ كِتْمانِ أسْرارِهِمْ، وَ ستْرِ السلطان، حكاه الجوهري عن ابن السكيت‏ «1».

و قال سيبويه: الولاية بالفتح: المصدر، و بالكسر: الاسم، مثل الامارة و النقابة، لأنّه لما تولّيته، فإذا أرادوا المصدر فتحوا «2».

و الرواية وردت في الدعاء بالوجهين، فتحتمل المصدريّة و الاسميّة+.

 [ 782] قال بعضهم: لا يخفى أنّ المناسب للمقام أن يقال: و وفّقني، لكن اتّفقت النسخ على هذا النحو، و يمكن أن يكون قوله عليه السّلام: «في إرفاق ضعيفهم» متعلّقا بولايتك أو بتولّني، و هو و إن كان بحسب الظاهر بعيدا لكنّه بحسب المعنى أحسن، انته.

و قال بعض المترجمين: و في رواية «و وفّقني» و هو أولى، و العهدة عليه.

و الذي أقول: إنّ المناسب لعنوان الدعاء هو ما عليه الرواية من لفظ، وفّقهم، فيكون الغرض الدعاء لهم بالتوفيق باستعمال هذه الاداب و الأخذ بها في معاشرة بعضهم بعضا.

و السنّة بالضمّ: في الأصل الطريقة، و سنّة اللّه تعالى: حكمه و ما شرّعه من فرض أو ندب.

و إقامتها عبارة عن صيانتها و حفظها من أن يقع فيها شي‏ء من الزيغ، أخذا من أقام العود، إذا قوّمه و عدّله، أو عن المواظبة عليها، مأخوذ من قامت السوق، إذا نفقت، و أقمتها: إذا جعلتها نافقة، فإنّها إذا حوفظ عليها كانت كالنافق الذي يرغب‏

______________________________

 (1) الصحاح: ج 6، ص 2530، من دون النسبة إلى ابن السكيت.

 (2) الصحاح: ج 6، ص 2530 نقلا عن سيبويه.

154
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السادس و العشرين ص : 151

عُوْراتِهِمْ، وَ نُصْرَةِ مَظْلُومِهِمْ، وَ حُسْنِ مُواساتِهِمْ بِالماعُون، وَ العَوْدَ عَلَيْهِمْ بِالجِدَةِ وَ الإفْضالِ، وَ إعْطاءِ ما يَجِبُ لَهُمْ قَبْلَ السُؤالِ.

فيه، أو عبارة عن التشمير للعمل بها من غير فتور و لا توان، من قولهم: قام بالأمر و أقامه: إذا جدّ فيه و اجتهد.

و المحاسن: جمع الحسن الذي هو خلاف القبح، و هو كون الشي‏ء ملائما للطبع، أو موجبا للمدح في العاجل و الثواب في الآجل.

قال الجوهري: هو على خلاف القياس، كأنّه جمع محسن‏ «1».

و الأدب: رياضة النفس و محاسن الأخلاق.

قال أبو زيد الأنصاري: الأدب يقع على كلّ رياضة محمودة يتحرّج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل‏ «2». و إضافته إليه تعالى لكونه أمر به أو ندب إليه.

و الأخذ: في الأصل بمعنى التناول و الإمساك باليد.

يقال: أخذ الخطام و بالخطام على الزيادة أي: أمسكه، ثمّ استعمل بمعنى السيرة، يقال: أخذ أخذهم و بأخذهم بفتح الهمزة و كسرها أي: سار بسيرتهم.

و منه الحديث: لا تقوم الساعة حتّى تأخذ أمّتي بأخذ القرون‏ «3».

أي: تسير بسيرتهم، و هذا المعنى هو المراد هنا، أي: وفّقهم للسيرة بمحاسن أدبك.

و الظرف من قوله «في إرفاق ضعيفهم»: متعلّق به أو بأدبك. و يحتمل أن تكون «في» بمعنى «من» البيانيّة، فيكون ما بعدها بيانا لسنّته تعالى و محاسن أدبه.

و الإرفاق: إفعال من الرفق بالكسر، و هو لين الجانب و لطافة الفعل.

يقال: رفق به- من باب قتل- رفقا و أرفقه إرفاقا أي: لطف به.

حكى أبو زيد: رفقت به و أرفقته و ترفّقت بمعنى‏ «4».

______________________________

 (1) الصحاح: ج 5، ص 2099.

 (2) المصباح المنير: ص 11.

 (3) صحيح البخاري ج 9 ص 126 ب 14.

 (4) الصحاح: ج 4 ص 1482.

155
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السادس و العشرين ص : 151

.......... و قال الفارابي في ديوان الأدب: يقال: أرفقه و رفق به بمعنى‏ «1».

و قال ابن الأثير في النهاية: و منه الحديث في إرفاق ضعيفهم و سدّ خلّتهم أي:

إيصال الرفق إليهم‏ «2».

و يأتي الإرفاق بمعنى النفع، يقال: أرفقه أي: نفعه.

قال في الأساس: استرفقته فأرفقني بكذا: نفعني‏ «3».

و الخلّة بالفتح: الحاجة و الفقر و الخصاصة، و سدّها جبرها و إزالتها.

قال في النهاية: و فيه اللّهم سادّ الخلّة، الخلّة: الحاجة و الفقر و سادّها أي:

جابرها. و منه حديث الدعاء للميّتّ: اللّهم اسدد خلّته و أصلها من التخلّل بين الشيئين، و هي الفرجة و الثلمة التي تركها بعده من الخلل الذي أبقاه في أموره‏ «4».

و عدت المريض عيادة: زرته.

قال الطيّبي في شرح المشكاة: العيادة في المرض، و الزيارة في الصحة «5».

و قال ابن الأثير: كلّ من أتاك مرّة بعد أخرى فهو عائد، و إن اشتهر في عيادة المريض حتّى صار كأنّه مختصّ به‏ «6».

و المسترشد: طالب الرشد أي: الهدى و إصابة الصواب.

 [ 783] و المناصحة: النصح.

قال الفارابي في ديوان الأدب: ناصحة أي: نصح له‏ «7».

فهو من باب فاعل بمعنى فعل، كسافر و ضاعف.

و استشرته في كذا: بمعنى شاورته أي: راجعته لأرى رأيه فيه، فأشار عليّ‏

______________________________

 (1) ديوان الادب: ج 2 ص 317.

 (2) النهاية لابن الأثير: ج 2 ص 246.

 (3) أساس البلاغة: ص 243.

 (4) النهاية لابن الأثير: ج 2 ص 72- 73.

 (5) لا يوجد لدينا هذا الكتاب.

 (6) النهاية لابن الأثير: ج 3 ص 317.

 (7) ديوان الأدب ج 2 ص 383.

156
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السادس و العشرين ص : 151

.......... بكذا: أراني ما عنده من المصلحة.

و تعهّدت الشي‏ء: تفقّدته، و جددت العهد به أي: الالتقاء به، و منه: عهدي به قريب أي: لقائي.

و القادم: الآتي من السفر، يقال: قدم الرجل البلد يقدمه قدوما- من باب تعب- فهو قادم.

و كتم زيد الحديث كتما- من باب قتل- و كتمانا بالكسر: لم يطلع عليه أحدا.

و الأسرار: جمع سرّ بالكسر، و هو ما تخفيه و تكتمه من غيرك. و منه: صدور الأحرار قبور الأسرار «1».

و العورات بسكون الواو للتخفيف و القياس الفتح و هو لغة هذيل: جمع عورة، و هي كلّ شي‏ء يستره الإنسان أنفة أو حياء.

 [ 784] و النصرة بالضمّ: اسم من نصرته على عدوّه أي: أعنته و قوّيته.

و المواساة: مصدر آسيته بالهمز و المدّ أي: سوّيته بها، و يجوز إبدال الهمزة واوا في لغة اليمن فيقال: واسيته:

و في النهاية: المواساة: المشاركة و المساهمة في المعاش و الرزق، و أصلها الهمزة و قد تقلب‏ «2»، انته.

و قال الجوهري: آسيته بمالي مواساة: جعلته اسوتي فيه، و واسيته لغة ضعيفة «3».

و في القاموس: آساه بماله مؤاساة: أنا له منه و جعله فيه أسوة، و لا يكون ذلك إلاّ من كفاف، فإن كان من فضلة فليس مواساة «4»، انته.

______________________________

 (1) المحجة البيضاء: ج 3 ص 328.

 (2) النهاية لابن الأثير: ج 1 ص 50، و فيه: «فقلبت واوا تخفيفا».

 (3) الصحاح: ج 6، ص 2268.

 (4) القاموس المحيط: ج 4، ص 299، و فيه: «بمواساة».

157
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السادس و العشرين ص : 151

.......... و اختلف في معنى الماعون و في اشتقاقه ممّ هو، فقيل: هو المعروف كلّه.

و قيل: هو اسم جامع لما لا يمنع في العادة، و يسأله الفقير و الغني في أغلب الأحوال، و لا ينسب سائله إلى لؤم، بل ينسب مانعه إلى اللؤم و البخل، كالفأس و القصعة و القدر و الدلو و الغربال و القدوم، و يدخل فيه الماء و الملح و النار، لما روي:

ثلاثة لا يحلّ منعها: الماء و النار و الملح [1].

و من ذلك أن تلتمس من جارك الخبز في تنوره، أو أن تضع متاعك عنده يوما أو بعض يوم.

قال العلماء: و من الفضائل أن يستكثر الرجل في منزله ممّا يحتاج إليه الجيران فيعيرهم ذلك، و لا يقتصر على قدر الضرورة، و قد يكون منع هذه الأشياء محظورا في الشريعة إذا استعيرت عن اضطرار.

و قيل: هو كلّ ما انتفع به و مطلق المنفعة، و يؤيّده ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: هو القرض تقرضه، و المعروف تصنعه، و متاع البيت تعيره، و منه الزكاة، قال: فقلت له: إنّ لنا جيرانا إذا أعرناهم متاعا كسروه و أفسدوه، أ فعلينا جناح أن نمنعهم؟ فقال: لا، ليس عليك جناح أن تمنعهم إذا كانوا كذلك‏ «1».

و أمّا اشتقاقه فهو فاعول، فقيل: من المعن بمعنى: العطاء.

و قيل: من معن الوادي: إذا جرت مياهه قليلا قليلا، و المعن: القليل، لأنّ الماعون ما قلّت قيمته و كثرت منفعته.

و قيل: من المعن بمعنى: السهل اليسير، فإنّ الماعون بأي معنى فسّر كان سهلا

______________________________

 [1] لم نعثر عليه، بل وجدناه في مستدرك وسائل الشيعة: ج 2 ص 470 و ج 3 ص 150 ما نصّه: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: خمس لا يحلّ منعهنّ: الماء و الملح و الكلاء و النار و العلم.

______________________________

 (1) الكافي: ج 3، ص 499، ح 9.

158
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السادس و العشرين ص : 151

.......... يسيرا.

قال صاحب المحكم: الماعون: المعروف لتيسّره و سهولته لدينا بافتراض اللّه تعالى إيّاه علينا، و الماعون: الزكاة، و هو من السهولة و القلّة، لأنّها جزء من كلّ، و الماعون: أسقاط البيت كالدلو و القدر، لأنّه لا يكرث معطيه و لا يعنّي كاسبه، و الماعون في الجاهليّة: المنفعة و العطيّة، و في الإسلام: الطاعة و الزكاة و الصدقة، و كلّه من السهولة و التيسير «1»، انته.

و عاد بمعروفه يعود عودا: عطف و تطوّل، و الاسم العائد.

قال الزمخشري في الأساس: تقول: عاد فلان علينا بمعروفه، و ما أكثر عائدة فلان على قومه، و إنّه لكثير العوائد عليهم‏ «2».

فقوله عليه السّلام: «و العود عليهم بالجدة» أي: التطوّل عليهم و الإحسان إليهم.

و الجدة: الثروة و الغنى، من وجد في المال وجدا بالضمّ و الكسر لغة و جدة أي:

استغنى.

و الإفضال: الزيادة و الإكثار، و منه حديث: منّ عليّ فأفضل‏ «3» أي: أنعم عليّ فأكثر.

و حديث: ألم أعطك فافضل‏ «4» أي: فاكثر لك في العطاء.

و هذا المعنى للإفضال هو المناسب لعطفه على الجدة، دون معنى الإحسان فإنّه مستفاد من العود عليهم.

______________________________

 (1) المحكم في اللغة: ج 2 ص 144.

 (2) أساس البلاغة: ص 438.

 (3) لم نعثر عليها في اللسان و الصحاح و المصباح و الاساس و مجمع البحرين و النهاية.

 (4) لم نعثر عليها في اللسان و الصحاح و المصباح و الاساس و مجمع البحرين و النهاية.

159
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السادس و العشرين ص : 151

.......... و قوله عليه السّلام: «و إعطاء ما يجب لهم قبل السؤال» إمّا عطف على العود أو على الإفضال، و التقدير: و إعطائهم ما يجب لهم، فحذف المفعول الأوّل المضاف إليه لدلالة الكلام عليه، و اضاف المصدر إلى المفعول الثاني.

و مدار هذا الفصل من الدعاء على سؤاله عليه السّلام لجيرانه و مواليه أن يوفّقهم سبحانه لقيام بعضهم بحقوق بعض، و الأخذ بما ينبغي أن يكون عليه الشيعة من الأخلاق الفاضلة و الآداب الحميدة في معاشرة بعضهم لبعض.

كما رواه ثقة الإسلام في الكافي في باب حقّ المؤمن على أخيه و أداء حقّه، بسنده عن أبي إسماعيل قال: قلت لأبي جعفر عليه السّلام: إنّ الشيعة عندنا كثير، فقال: هل يعطف الغني على الفقير و يتجاوز المحسن عن المسي‏ء و يتواسون؟ فقلت:

لا، فقال: ليس هؤلاء شيعة، الشيعة من يفعل هذا «1».

و عن محمّد بن عجلان قال: كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام فدخل رجل فسلّم، فسأله كيف من خلّفت من إخوانك؟ قال: فأحسن الثناء و زكى و أطرى، فقال له: كيف عيادة أغنيائهم على فقرائهم؟ فقال: قليلة، فقال: كيف مشاهدة أغنيائهم لفقرائهم؟ فقال: قليلة، فقال: فكيف صلة أغنيائهم لفقرائهم في ذات أيديهم؟ فقال: إنّك لتذكر أخلاقا قلّما هي فيمن عندنا، قال: فقال: فكيف يزعم هؤلاء أنّهم شيعة؟ «2».

و الأخبار في هذا المعنى كثيرة جدّا.

إذا عرفت ذلك، فمعنى قوله عليه السّلام: «في إرفاق ضعيفهم و سدّ خلّتهم» إلى آخره: في إرفاق قويّهم ضعيفهم، و سدّ غنيّهم خلّة فقيرهم، و عيادة صحيحهم مريضهم، و هداية مرشدهم مسترشدهم، و مناصحة مستشارهم مستشيرهم، و تعهّد

______________________________

 (1) الكافي: ج 2، ص 173، ح 11.

 (2) الكافي: ج 2، ص 173، ج 10.

160
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السادس و العشرين ص : 151

وَ اجْعَلْني اللّهُمَّ أجْزِي بِالإحْسانِ مُسيئَهُمْ، وَ اعْرِضُ بِالتِّجاوُزِ عَنْ ظالِمِهِمْ، وَ أسْتَعْمِلُ حُسْنَ الظَّنِّ في كافّتِهِمْ، وَ أتَوَلّى‏ بِالْبرّ عامَّتَهُمْ، وَ أَغُضُّ بَصَري عَنْهُمْ عِفَّةً، وَ الينَ جانِبي لَهُمْ تَواضُعاً، وَ أرِقُّ عَلى‏ أهْلِ الْبَلاءِ مِنْهُمْ رَحْمَةً، وَ اسِرُّ لَهُمْ بِالْغَيْبِ مَوَدَّةً، وَ احِبُّ بَقاءَ النِعْمَةِ عِنْدَهُمْ نَصْحًا، و اوجِبُ لَهُمْ ما اوجِبُ لِحامّتِي، وَ أرْعى‏ لَهُمْ ما أرْعى‏ لِخاصَّتي.

حاضرهم قادمهم، و كتمان أسرارهم فيما بينهم و أسرار أنفسهم، و ستر بعضهم عورات بعض، و نصرتهم مظلومهم، و حسن مواساة بعضهم بعضا بالماعون، و عود أغنيائهم على فقرائهم بالجدة و الإفضال، و إعطائهم ما يجب لمحتاجيهم قبل السؤال.

كما روي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حقّ المؤمن: و إذا علمت أنّ له حاجة تبادره إلى قضائها، و لا تلجئه أن يسألكها «1» و لكن تبادره مبادرة.

و إنّما استغنى عن ذكر الفاعل في جميع ذلك لأنّه غير ملتبس، و اللّه أعلم.

و لمّا بدأ عليه السّلام بالدعاء لجيرانه و مواليه بتوفيقهم للأخذ بمحاسن الأدب في معاشرة بعضهم بعضا، شفع ذلك بالدعاء لنفسه بتوفيقه للأخذ بذلك في معاشرته لهم، فقال: «2»+.

 [ 785] الجعل: بمعنى التصيير، أحد مفعوليه ضمير المتكلّم، و الثاني جملة أجزي.

و توسيط النداء لإظهار مزيد الضراعة و الابتهال.

و جزيته على فعله: أجزيه جزاء إذا فعلت معه ما يقابل فعله، و أكثر ما يستعمل في كون الفعلين من جنس واحد، كالإحسان بالإحسان و الإساءة بمثلها، و على ذلك قوله تعالى: «هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ» «3».

______________________________

 (1) الكافي: ج 2، ص 169، ح 2.

 (2) أي الدعاء المذكور في صدر الصفحة.

 (3) سورة الرحمن: الآية 60.

161
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السادس و العشرين ص : 151

.......... «وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها» «1»، و قد يستعمل في مقابلة السيّئة بالحسنة و بالعكس.

و على الأوّل عبارة الدعاء، و مثله قول الشاعر:

يجزون عن ظلم أهل الظلم مغفرة

 

 و عن إساءة أهل السّوء إحسانا

 

 و من الثاني قول الآخر:

جزانا بنو سعيد بحسن فعالنا

 

 جزاء سنمّار و ما كان ذا ذنب‏

 

 و سنّمار اسم رجل رومي بني الخورنق الذي بظهر الكوفة للنعمان بن إمرئ القيس، فلمّا فرغ منه ألقاه من أعلاه فخر ميّتا، و إنما فعل ذلك لئلا يبني مثله لغيره، فضرب العرب به المثل لمن يجزي بالإساءة الإحسان. و أعرضت عن الشي‏ء:

أضربت و وليّت عنه قيل: أصله من الانصراف بالوجه إلى جهة العرض.

و قيل: حقيقته جعل الهمزة فيه للصيرورة أي: أخذت عرضا بالضمّ أي: جانبا غير الجانب الذي هو فيه.

و المعنى: و اترك مقابلة الظالم منهم و مكافاته فيما يأتيه من الظلم.

و الباء من قوله «بالتجاوز»: للملابسة، متعلّقة بمحذوف هو حال من الضمير المستكن في أعرض، أي: حال كوني ملتبسا بالتجاوز عنه. يقال: تجاوز عنه تجاوزا أي: عفى و صفح، و قد مرّ الكلام عليه.

و قوله: «عن ظالمهم» متعلّق بالفعل و المصدر على طريق التنازع.

ثمّ ما اشتملت عليه هاتان الفقرتان، من جزاء المسي‏ء بالإحسان و الصفح عن الظالم بالتجاوز، من أشرف مكارم الأخلاق.

كما روي أنّ جبرئيل عليه السّلام نزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بقوله‏

______________________________

 (1) سورة الشورى: الآية 40.

162
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السادس و العشرين ص : 151

.......... تعالى: «خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ»، فقال: يا محمّد جئتك بأكرم أخلاق الأوّلين و الآخرين، فصل من قطعك، و اعط من حرمك، و اعف عمّن ظلمك‏ «1».

و استعمله: عمل به، أي: اعمل بحسن الظنّ في جملتهم أو جميعهم.

و كافّة قيل: هي في الأصل صفة من كفّ بمعنى منع، استعملت بمعنى الجملة بعلاقة أنّها مانعة للأجزاء عن التفرّق و التاء فيها للتأنيث.

و قيل: هي في الأصل اسم لجماعة تكفّ مخالفيها، ثمّ استعملت في معنى جميع، و التاء فيها للنقل من الوصفيّة إلى الاسميّة، كما في عامّة و خاصّة و قاطبة.

و قيل: للمبالغة كما في رواية و علامة، و ردّ بأنه خروج عن الأصل من غير ضرورة.

و أكثر النحويّين على أنّها- أعني كافّة- من الأسماء اللازمة النصب على الحاليّة، و أنّها مختصّة بمن يعقل.

قال الرضي: و تقع كافّة في كلام المتأخّرين و من لا يوثق بعربيّته مضافة غير حال، و قد خطأوا فيها «2»، انته.

و قال ابن هشام في المغني: تجويز الزمخشري الحاليّة من الفاعل و من المفعول في قوله تعالى: «ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً» و هم، لأنّ كافّة مختصّة بمن يعقل، و وهمه في قوله تعالى: «وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ»، إذ قدّر كافّة نعتا لمصدر محذوف أي: رسالة كافّة أشدّ، لأنّه أضاف إلى استعماله فيما لا يعقل إخراجه عمّا التزم فيه من الحاليّة، و وهمه في خطبة المفصّل، إذ قال: محيط بكافّة الأبواب، أشدّ و أشدّ

______________________________

 (1) تفسير البرهان: ج 2، ص 55، مع اختلاف يسير.

 (2) شرح الكافية في النحو: ج 1 ص 215.

163
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السادس و العشرين ص : 151

.......... لإخراجه إيّاه عن النصب البتّة «1»، انته.

و تعقّبه بعض المحقّقين من المتأخّرين، بأنّه إن أراد باختصاص لفظة كافّة مطلقا بمن يعقل و بكونها حالا، فباطل لقولهم: و تلحقها ما الكافة، و إن أراد اختصاصها بذلك حين استعمالها اسما بمعنى الجملة أو الجميع، فالاعتراض الثاني ليس بشي‏ء، لأنّه على تقدير كونها صفة لمصدر محذوف مستعملة بالمعنى الوصفي، و كذا الثالث لجواز أنّ معناه محيط بقواعد كافّة للأبواب عن التفرّق.

على أن الزمخشري لم ينفرد بذلك، بل ذهب الزجّاج إلى عدم اختصاصها بمن يعقل أيضا، و هما الطودان العظيمان في اللغة، فلا بدّ في الردّ عليهما من شاهد قوي، و مجرّد شيوع استعمالها كذلك لا يدلّ على الاختصاص‏ «2»، انته.

و قال السيّد عبد اللّه شارح اللباب: قد وقع كافّة مضافا في كلام البلغاء و الفصحاء، منه قول عمر: قد جعلت لال بني كاكلة على كافّة بيت مال المسلمين، لكلّ عام مائتي مثقال ذهبا إبريرا، كتبه عمر بن الخطاب، ختمه كفى بالموت واعظا يا عمر، و هذا الخطّ موجود في آل بني كاكلة إلى الآن، فلا وجه للتخطئة «3»، انته.

قلت: و في عبارة الدعاء من ضياء الحقّ ما يصدع ظلام الشك، فكفى بها شاهدا على وقوع كافّة مضافة في الفصيح، فإنّه عليه السّلام أفصح العرب في زمانه، فليتخطّ الزمخشري رقاب من خطّأه، و بحقّ ما قيل: إنّ عبارته كروايته، و ما العجب إلاّ من الرضي رضي اللّه عنه، حيث لم يقف على عبارة الصحيفة الشريفة مع مكانته في المذهب، و زعم أن وقوعها مضافة غير حال إنّما يقع في كلام‏

______________________________

 (1) مغني اللبيب: ص 733.

 (2) لم نعثر عليه.

 (3) لا يوجد لدينا كتابه.

164
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السادس و العشرين ص : 151

.......... المتأخرين و من لا يوثق بعربيته، و اللّه يقول الحقّ و يهدي السّبيل.

و معنى استعمال حسن الظنّ في كافّتهم: حمل أمورهم جميعا أقوالا كانت أو أفعالا على ما يصحّ و يحسن شرعا و عرفا ما أمكن الحمل عليه، عملا بحسن الظنّ فيهم.

و قد بيّن أمير المؤمنين صلوات اللّه و سلامه عليه في كلام له، فقال: ضع أمر أخيك على أحسنه حتّى يأتيك ما يقلبك منه، و لا تظنّ بكلمة خرجت من أخيك سوء و أنت تجدلها في الخير محملا «1».

قال بعض علمائنا في شرحه لهذا الكلام: أي: احمل أمر أخيك قولا كان أو فعلا على أحسنه، و إن كان مرجوحا و كان خلافه راجحا مظنونا من غير تجسّس، حتى يأتيك اليقين على خلافه، فإنّ الظنّ قد يغلط و التجسّس منهيّ عنه، كما قال اللّه تعالى: «إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ» «2»، و قال: «لا تَجَسَّسُوا» «3».

ثمّ قال العلماء: أفعال المؤمنين محمولة على الصحّة، ثمّ نهى- تأكيدا لما مرّ- عن حمل كلامه على الشرّ إن كان محتملا للخير و إن كان بعيدا جدّا، بقوله:

و لا تظنّ بكلمة خرجت من أخيك سوء إلى آخره، فإذا خرجت منه كلمة ذات وجهين وجب عليك أن تحملها على الوجه الخير، و إن كان معنى مجازيّا بدون قرينة أو كناية أو تورية أو نحوها، و من هذا القبيل ما سمّاه علماء العربيّة اسلوب الحكيم.

كما قال الحجّاج للقبعثري متوعدا له: لأحملنّك على الأدهم، فقال القبعثري:

مثل الأمير يحمل على الأدهم و الأشهب، فأبرز وعيده في معرض الوعد، ثمّ قال الحجّاج، للتصريح بمقصوده: إنّه حديد، فقال القبعثري: لئن يكون حديدا خير من‏

______________________________

 (1) تفسير البرهان: ج 4، ص 209، ح 3، و الكافي: ج 2، ص 362، ح 3.

 (2) سورة الحجرات: الآية 12.

 (3) سورة الحجرات: الآية 12.

165
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السادس و العشرين ص : 151

.......... أن يكون بليدا «1».

و بالجملة: كما يحرم على المؤمن سوء القول في أخيه، كذلك يحرم عليه سوء الظنّ فيه، بأن يعقد القلب عليه و يحكم به من غير يقين، و أمّا الخاطر و حديث النفس فمعفوّ عنه، و ما وقع في قلبه من غير يقين فهو من الشيطان يلقيه إليه ليغريه بالقبيح على أخيه، فوجب أن يكذّبه فإنّه أفسق الفاسقين، فلا يجوز تصديقه بل يجب حسن الظنّ به.

و من ثمّ جاء في الشرع: من تكلّم بكلمة ظاهرها الارتداد و لها معنى صحيح لا يحكم بارتداده، و أنّ من علمت في فيه رائحة الخمر لا يجوز أن يحكم عليه بشربها و أن يحدّ عليها، لاحتمال أن يكون تمضمض بها و مجّها، أو و جرت في حلقه جبرا، و ذلك أمر ممكن‏ «2» انته.

و هذه الجملة كافية في بيان هذا المعنى.

 [ 786] قوله عليه السّلام: «و أتولّى بالبرّ عامتهم» البرّ: العطف و الصلة و الخير و الاتّساع في الإحسان، أي: و اجعلني أمدّ و أعين جملتهم ملتبسا بالبرّ لهم و العطف عليهم و الإحسان إليهم، أو أتولّى أمور عامتهم. بالخير و الصلة و الشفقة و الاتّساع في الإحسان إليهم.

و غضّ الرجل بصره و من بصره- من باب قتل-: خفض.

و العفّة: الكفّ عمّا لا يحلّ و لا يحمل، عفّ عنه يعفّ- من باب ضرب- عفة بالكسر و عفافا بالفتح.

أي: و اجعلني أغضّ بصري عمّا لا يحلّ لي النظر إليه من عوراتهم أي: زلاّتهم‏

______________________________

 (1) الإيضاح في علوم البلاغة للخطيب القزويني: ص 148.

 (2) مرآة العقول: ج 11 ص 15- 17.

166
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السادس و العشرين ص : 151

.......... و عثراتهم.

كما رواه في الكافي بسنده عن حذيفة بن منصور، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: شي‏ء يقوله الناس عورة المؤمن على المؤمن حرام فقال: ليس حيث يذهبون، إنّما عنى عورة المؤمن أن يزلّ زلّة أو يتكلّم بشي‏ء يعاب عليه، فيحفظه عليه ليعيّره به يوما ما «1».

و عن الشّحام عن أبي عبد اللّه عليه السّلام فيما جاء في الحديث: عورة المؤمن على المؤمن حرام، قال: ما هو أن ينكشف فيرى منه شيئا، و إنما هو أن يروي عليه أو يعيبه‏ «2».

و على هذا فغضّ البصر عنهم كناية عن عدم تتبّع عثراتهم و زلاّتهم و الإعراض عنها، و يحتمل أن يكون كناية عن احتمال المكروه منهم و عدم مؤاخذتهم به.

قال في القاموس: غضّ طرفه: خفضه و احتمل المكروه‏ «3».

فيكون بمعنى الإغضاء عنهم، و هو استعمال الحلم و الإمساك عن الانتقام.

و انتصاب عفّة يحتمل أن يكون على المصدرية أي: غضّ عفّة، أو على المفعول لأجله أي: للعفة، و قس عليه نظائره من المنصوبات الآتية.

و إلانة الجانب لهم كناية عن الرفق و التلطّف بهم، و منه قوله تعالى: «فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ» «4» يقال: لأن يلين لينا و ليانا بالفتح، و يتعدّى بالهمزة و التضعيف فيقال: ألانه إلانة و ليّنه تليينا.

و وقع في النسخ المشهورة من الصحيفة: «و أليّن جانبي» بفتح الهمزة، و في‏

______________________________

 (1) لم نعثر عليه في الكافي بل عثرنا عليه في التهذيب: ج 1 ص 375 ح 10.

 (2) الكافي: ج 2، ص 359، ح 3.

 (3) القاموس المحيط: ج 2 ص 338.

 (4) سورة آل عمران: الآية 159.

167
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السادس و العشرين ص : 151

.......... نسخة: «و اليّن جانبي» بضمّ الهمزة و هو الصواب.

و أمّا الرواية الأولى فالظاهر أنّها على إسقاط جانبي، و كأنّه علّق لفظ جانبي في الهامش على رواية اليّن بالضمّ، فجمع النسّاخ بين الروايتين، و إلاّ فلا يسمع «لأنه» متعدّيا.

و التواضع: التذلّل و خلاف الترفّع و التكبّر، أي: إلانة تواضع، أو لأجل التواضع.

و رقّ له يرّقّ من باب ضرب- رقّة بالكسر: عطف عليه و تحنّن عليه، و عدّاه بعلى لتضمينه معنى العطف و التحنّن.

و أهل البلاء: المبتلون بالمكروه.

و الرحمة: رقّة القلب و التعطّف، فإن حمل نصبها على المصدريّة فالعامل قوله:

 «أرق» على حدّ قعدت جلوسا.

و مذهب سيبويه أنّه مقدّر، و التقدير: أرق و أرحم رحمة، لأنّه يذهب إلى أنّ المصدر إذا كان غير ملاق للفعل المذكور في الاشتقاق كان منصوبا بفعل مقدّر، فيقدّر في قعدت جلوسا: قعدت و جلست جلوسا «1».

و هو خروج عن الأصل- أعني عدم التقدير- بلا ضرورة.

و إن حمل نصبها على المفعول لأجله، فينبغي أن يراد بها غايتها من إيصال الخير و دفع الشرّ.

 [ 787] و أسرّ الحديث: أخفاه و أظهره ضدّ. قيل: و المراد به هنا الإظهار، أي: أظهر لهم في الغيب مودّة، و لا داعي إليه مع خلافه للظاهر، فالأولى أن يراد به الإخفاء و الكتمان.

______________________________

 (1) شرح الكافية في النحو: ج 1 ص 116.

168
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السادس و العشرين ص : 151

.......... و الغيب: مصدر بمعنى الغيبة. و الباء: للملابسة، متعلّقة بمحذوف وقع حالا من الفاعل، كما في قوله تعالى: «الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ»+ «1»، و قوله تعالى:

 «أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ» «2»، أي: أخفي و أكتم لهم المودّة ملتبسا بالغيب عنهم أي:

غائبا عنهم، لا كالمنافق الذي إذا لقي أصحابه أظهر لهم المودّة، و إذا غاب عنهم لم يكن في سرّه شي‏ء منها.

و يحتمل أن يكون المراد بالغيب القلب لأنّه مستور، كما فسّر به بعضهم قوله تعالى: «يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ» «3» أي: يؤمنون بقلوبهم.

و المعنى: اسرّ لهم بقلبي مودّة، لا كالذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.

و يحتمل أن يكون اللام من قوله «لهم» بمعنى إليهم، كقوله تعالى: «بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى‏ لَها» «4» أي: إليها.

و قوله «بالغيب» مفعولا لأسرّ، و الباء فيه زائدة للتأكيد، مثل أخذت الخطام و أخذت به، و منه قوله تعالى: «تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ» «5» على القول بأنّ المودّة مفعوله، و يكون معنى الغيب ما غاب عنهم علمه من أحوالهم و أمورهم الدينيّة و الدنيويّة التي في إسراره إليهم صلاحهم، و يكون انتصاب مودّة على المصدريّة أو المفعول لأجله، كما مرّ في نظائره، أي: إسرار مودّة أو لأجل المودّة.

و يرجّح هذا الاحتمال كون الفقرات كلّها على نسق واحد في التركيب و النظم، و إن كان المعنيان الأوّلان أظهر بحسب دلالة الألفاظ، و اللّه أعلم بمقاصد أوليائه.

و قد كان أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه و الأئمة من ولده عليهم السّلام، يسرّون‏

______________________________

 (1) سورة فاطر: الآية 18.

 (2) سورة يوسف: الآية 52.

 (3) سورة البقرة: الآية 3.

 (4) سورة الزلزلة: الآية 5.

 (5) سورة الممتحنة: الآية 1.

169
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السادس و العشرين ص : 151

.......... إلى مواليهم و خواصّهم كثيرا من الأمور الغيبيّة، و من المشهورين بذلك من خواصّ أمير المؤمنين عليه السّلام جويرية بن مسهر العبدي، و ميثم التمّار و عمرو بن الحمق، و رشيد الهجري، و مزرع صاحب على عليه السّلام، و مالك بن ضمرة الروّاسي و غيرهم، فقد كان أمير المؤمنين عليه السّلام أطلع كلا منهم على علم كثير، و أسرار خفيّة من أسرار الوصيّة، فاستنبطوا منه علما كثيرا من أخبار الملاحم و المغيّبات، كما يعرف ذلك من كتب السير، و لو لا خشية الإطالة لذكرنا جملة مستحسنة من ذلك.

قوله عليه السّلام: «و أحبّ بقاء النعمة عندهم» أي: و اجعلني أودّ دوام النعمة و ثباتهم لديهم، حتّى يكونوا دائما بنعمة من اللّه.

و النصح: إخلاص العمل من شوائب الفساد، مأخوذ من نصحت العسل: إذا صفّيّته من الشمع.

و المعنى: و اجعلني أحبّ بقاء النعمة عندهم محبّة نصح لهم، أو لأجل النصح لهم في إرادة الخير لهم و إيثار نفعهم، من غير شائبة غرض آخر.

و أوجبت الشي‏ء إيجابا: جعلته واجبا أو اعتقدته واجبا أي: لازما ثابتا، من وجب البيع و الحقّ يجب وجوبا: إذا لزم و ثبت.

و حامّة الرجل: خاصّته من أهله و ولده، و منه قوله صلّى اللّه عليه و آله: هؤلاء أهل بيتي و حامّتي، أذهب عنهم الرجس‏ «1».

و اشتقاقها من حمّ الشي‏ء يحمّ حمّا- من باب ضرب-: قرب و دنا. و رعى له حقّه و حرمته رعيا و رعاية: حفظه.

و خاصّة الإنسان: من له به خصوصيّة من نسب أو مودّة. يقال: هذا خاصّتي‏

______________________________

 (1) مجمع البيان: ج 7- 8، ص 357.

170
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السادس و العشرين ص : 151

اللّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ ارْزُقْني مِثْلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَ اجْعَلْ لي أوْفى‏ الحُظُوظِ فيما عِنْدَهُمْ، وَ زِدْهُمْ بَصيرَةً في حَقّي، وَ مَعْرِفَةً بِفَضْلي، حَتّى‏ يَسْعَدُوا بي وَ أسْعَدَ بِهِمْ، آمينَ رَبِّ العالَمينَ.

و هم خاصّتي، و التاء فيها للمبالغة، و قيل: للنقل.

و قول بعض المترجمين: إنّ هذه الفقرة تأكيد لما قبلها لاتّحاد مضمونهما، ليس بصحيح، بل هي تأسيس كما هو ظاهر، و اللّه أعلم+.

 [ 788] أرزقني: أي أعطني من الرزق، بالمعنى اللغوي و هو العطاء.

و مثل ذلك: أي: مثل ما سألتك أن تجعلني عليه في معاشرتهم ممّا تقدّم ذكره فيكونوا لي كما أكون لهم و يعاملوني بمثل ما أعاملهم به.

و الحظوظ: جمع حظّ بمعنى النصيب، أي: أتمّ الحظوظ، من وفى الشي‏ء يفي.

إذا تمّ.

و فيما عندهم: أي من محاسن الآداب، و مكارم الأخلاق، و صدق الموالاة، و حسن الاعتقاد و الطاعة و الانقياد، إلى غير ذلك ممّا يرغب فيه السيّد الرئيس من مواليه و أتباعه.

 [ 789] و البصيرة: اسم من بصرت بالشي‏ء بالضمّ بصرا بفتحتين أي: علمت، فأنا بصير به و هو ذو بصر و بصيرة أي: علم و خبرة.

و قال الفارابي في ديوان الأدب: البصيرة: اسم لما اعتقدته في القلب من الدين و تحقيق الأمر «1»، انته.

و قد يراد بالبصيرة قوّة القلب المنوّر بنور القدس يرى بها حقائق الأشياء و بواطنها، بمثابة البصر للنفس يرى به صور الأشياء و ظواهرها، و هي التي يسمّيها الحكماء العاقلة النظريّة و القوّة القدسيّة، و كلّ من هذه المعاني يصحّ إرادته هنا.

______________________________

 (1) ديوان الأدب: ج 1 ص 428.

171
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السادس و العشرين ص : 151

.......... و قوله: «في حقّي» أي: في الواجب الثابت لي على جميع الخلق.

و الحقّ في اللغة: هو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره.

و المراد بحقّه عليه السّلام: اعتقاد إمامته، و فرض طاعته، و وجوب موالاته، و الاقتداء به، و الردّ إليه، و التسليم له، و العلم بذلك قابل للزيادة و النقصان كما مرّ بيانه في الإيمان.

و المعرفة: إدراك الشي‏ء على ما هو عليه.

و الفضل و الفضيلة: الدرجة الرفيعة في الشرف و الحسب و العلم.

و حتّى بمعنى كي التعليليّة، أي: كي تحصل لهم السعادة بسببي و تحصل لي السعادة بسببهم.

و هذا التعليل يتعلّق بجملة ما تقدّم سؤاله، لأنّهم إذا وفّقوا لإقامة سنّة اللّه تعالى و الأخذ بمحاسن أدبه بسبب دعائه عليه السّلام، و ازدادوا بصيرة في حقّه و معرفة بفضله، فقد استجمعوا الحسنات و فازوا برفيع الدرجات فكانوا من السعداء به عليه السّلام، و هو عليه السّلام إذا قضى حقوقهم و عاملهم بأكرم الأخلاق المذكورة فقد استحقّق من اللّه تعالى جزيل الثواب، فكانت هذه السعادة من اللّه تعالى حاصلة له عليه السّلام بسببهم.

و قال بعضهم: أمّا سعادتهم به عليه السّلام فظاهرة، و أمّا سعادته عليه السّلام بهم فهي إمّا سعادة دنيويّة، باعتبار أنّهم متى اعتقدوا إمامته قاموا بخدمته و منفعته في الدنيا، و إمّا سعادة اخرويّة، و ذلك لأنّه يهديهم و يدعو لهم و ينفعهم و يشفع لهم، و كلّ ذلك سبب لرفع الدرجات في الآخرة، انته.

فجعل التعليل متعلّقا بزيادة البصيرة في حقّه و المعرفة بفضله دون ما تقدّم، و هو كما ترى، و اللّه أعلم بمقاصد أوليائه.

و آمين: اسم فاعل مبني على الفتح، و معناه استجب لي أو كذلك فليكن. و قد

172
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السادس و العشرين ص : 151

.......... سبق الكلام عليه مبسوطا في آخر الروضة الثانية عشرة و السابعة عشرة، فليرجع إليه، و اللّه أعلم. [] هذا آخر الروضة السادسة و العشرين من رياض السالكين في شرح صحيفة سيّد العابدين، صلوات اللّه و سلامه عليه و على آبائه و أبنائه الطاهرين، و قد وفّق اللّه تعالى لإنهائها صبيحة يوم الخميس آخر يوم من شعبان سنة أحدى و مائة و ألف، و للّه الحمد.

173
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

الروضة السابعة و العشرون ص : 175

 

الروضة السابعة و العشرون‏

177

وَ كانَ مِنْ دُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأَهْلِ الثُغُورِ

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ حَصِّنْ ثُغُورَ الْمُسْلِمينَ بِعِزَّتِكَ وَ ايِّدْ حُماتَها بِقُوَّتِكَ وَ اسْبِغْ عَطاياهُمْ مِنْ جِدَتِكَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ كَثِّرْ عِدَّتَهُمْ وَ اشْحَذْ اسْلِحَتَهُمْ وَ احْرُسْ حَوْزَتَهُمْ وَ امْنَعْ حَوْمَتَهُمْ وَ الِّفْ جَمْعَهُمْ وَ دَبِّرْ امْرَهُمْ وَ واتِرْ بَيْنَ مِيَرِهِمْ وَ تَوَحَّدْ بِكِفايَةِ مُؤَنِهِمْ وَ اعْضُدْهُمْ بِالنَّصْرِ وَ اعِنْهُمْ بِالصَّبْرِ وَ الْطُفْ لَهُمْ فِى الْمَكْرِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ عَرِّفْهُمْ ما يَجْهَلُونَ وَ عَلِّمْهُمْ ما لا يَعْلَمُونَ وَ بَصِّرْهُمْ ما لا يُبْصِرُونَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ انْسِهِمْ عِنْدَ لِقائِهِمُ الْعَدُوَّ ذِكْرَ دُنْياهُمُ الْخَدّاعَةِ الْغَرُورِ وَ امْحُ عَنْ قُلُوبِهِمْ خَطَراتِ الْمالِ الْفَتُونِ وَ اجْعَلِ الْجَنَّةَ نَصْبَ اعْيُنِهِمْ وَ لَوِّحْ مِنْها لأَبْصارِهِمْ ما اعْدَدْتَ فيها مِنْ مَساكِنِ الْخُلْدِ وَ مَنازِلِ الْكَرامَةِ وَ الْحُورِ الْحِسانِ وَ الْأَنْهارِ الْمُطَّرَدَةِ بِانْواعِ الْأَشْرِبَةِ وَ الْأَشْجارِ الْمُتَدَلِّيَةِ بِصُنُوفِ الثَّمَرِ حَتّى‏ لا يَهُمَّ احَدٌ مِنْهُمْ بِالْإدْبارِ وَ لا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ عَنْ قِرْنِهِ بِفِرارٍ اللّهُمَّ افْلُلْ بِذلِكَ عَدُوَّهُمْ وَ اقْلِمْ عَنْهُمْ اظْفارَهُمْ وَ فَرِّقْ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ اسْلِحَتِهِمْ وَ اخْلَعْ وَثائقَ افْئِدَتِهِمْ وَ باعِدْ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ازْوِدَتِهِمْ‏ ..........

 

175
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

و كان من دعائه عليه السلام لأهل الثغور ص : 175

وَ حَيِّرْهُمْ في سُبُلِهِمْ وَ ضَلِّلْهُمْ عَنْ وَجْهِهِمْ وَ اقْطَعْ عَنْهُمُ الْمَدَدَ وَ انْقُصْ مِنْهُمُ الْعَدَدَ وَ امْلَأ افْئِدَتَهُمْ الرُّعْبَ وَ اقْبِضْ ايْدِيَهُمْ عَنِ الْبَسْطِ وَ اخْزِمْ الْسِنَتَهُمْ عَنِ النُّطْقِ وَ شَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ وَ نَكِّلْ بِهِمْ مَنْ وَرَاءَهُمْ وَ اقْطَعْ بخِزْيِهِمْ اطْماعَ مَنْ بَعْدَهُمْ اللّهُمَّ عَقِّمْ ارْحامَ نِسائِهِمْ وَ يَبِّسْ اصْلابَ رِجالِهِمْ وَ اقْطَعْ نَسْلَ دَوابِّهِمْ وَ انْعامِهِمْ لا تَاْذَنْ لِسَمائِهِمْ في قَطْرٍ وَ لا لِأَرْضِهِمْ في نَباتٍ اللّهُمَّ وَ قَوِّ بِذلِكَ مِحالَ اهْلِ الْإسْلامِ وَ حَصِّنْ بِهِ دِيارَهُمْ وَ ثَمِّرْ بِهِ امْوالَهُمْ وَ فَرِّغْهُمْ عَنْ مُحارَبَتِهِمْ لِعِبادَتِكَ وَ عَنْ مُنابَذَتِهِمْ لِلْخَلْوَةِ بِكَ حَتَّى لا يُعْبَدَ فى بِقاعِ الْأَرْضِ غَيْرُكَ وَ لا تُعَفَّرَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ جَبْهَةٌ دُونَكَ اللَّهُمَّ اغْزُ بِكُلِّ ناحِيَةٍ مِنَ الْمُسْلِمينَ عَلى‏ مَنْ بِازائِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكين وَ امْدِدْهُمْ بِمَلائِكَةٍ مِنْ عِنْدِكَ مُرْدِفينَ حَتّى‏ يَكْشِفُوهُمْ الى‏ مُنْقَطَعِ التُّرابِ قَتْلاً فى ارْضِكَ وَ اسْرًا اوْ يُقِرُّوا بِانَّكَ انْتَ اللَّهُ الَّذى لا الهَ الاَّ انْتَ وَحْدَكَ لا شَريكَ لَكَ اللَّهُمَّ وَ اعْمُمْ بِذلِكَ اعْداءَكَ في اقْطارِ الْبِلادِ مِنَ الْهِنْدِ وَ الرُّومِ وَ التُّرُكِ وَ الْخَزَرِ وَ الْحَبَش وَ النَّوْبَةِ وَ الزَّنْجِ وَ السَّقالِبَةِ وَ الدَّيالِمَةِ وَ سائِرِ أُمَمِ الشِّرْكِ الَّذينَ تَخْفى‏ اسْماؤُهُمْ وَ صِفاتُهُمْ وَ قَدْ ..........

178
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

و كان من دعائه عليه السلام لأهل الثغور ص : 175

احْصَيْتَهُمْ بِمَعْرِفَتِكَ وَ اشْرَفْتَ عَلَيْهِمْ بِقُدْرَتِكَ اللَّهُمَّ اشْغَلِ الْمُشْرِكينَ بِالْمُشْرِكينَ عَنْ تَناوُلِ اطْرافِ الْمُسْلِمينَ وَ خُذْهُمْ بِالنَّقْصِ عَنْ تَنَقُّصِهِمْ وَ ثَبِّطْهُمْ بالْفُرْقَةِ عَنِ الْاحْتِشادِ عَلَيْهِمْ اللَّهُمَّ اخْلِ قُلُوبَهُمْ مِنَ الْأَمَنَةِ وَ أَبْدانَهُمْ مِنَ الْقُوَّةِ وَ اذهِلْ قُلُوبَهُمْ عَنِ الْاحْتِيالِ وَ اوْهِنْ ارْكانَهُمْ عَنْ مُنازَلَةِ الرِّجالِ وَ جَبِّنْهُمْ عَنْ مُقارَعَةِ الْأَبْطالِ وَ ابْعَثْ عَلَيْهِمْ جُنْدًا مِنْ مَلائِكَتِكَ بِبَأسٍ مِنْ بَاْسِكَ كَفِعْلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ تَقْطَعُ بِهِ دابِرَهُمْ وَ تَحْصُدُ بِهِ شَوْكَتَهُمْ وَ تُفَرِّقُ بِهِ عَدَدَهُمْ اللَّهُمَّ وَ امْزُجْ مِياهَهُمْ بِالْوَباءِ وَ اطْعِمَتَهُمْ بِالْأَدْواءِ وَ ارْمِ بِلادَهُمْ بِالْخُسُوف وَ الِحَّ عَلَيْها بالْقُذُوفِ وَ افْرَعْها بِالْمُحُولِ وَ اجْعَلْ مِيَرَهُمْ في احَصِّ ارْضِكَ وَ أَبْعَدِها عَنْهُمْ وَ امْنَعْ حُصُونَها مِنْهُمْ اصِبْهُمْ بِالْجُوعِ الْمُقيمِ وَ السُّقْمِ الْأَليمِ اللَّهُمَّ وَ ايُّما غازٍ غَزاهُمْ مِنْ اهْلِ مِلَّتِكَ اوْ مُجاهِدٍ جاهَدَهُمْ مِنْ اتْباعِ سُنَّتِكَ لِيَكُونَ دينُكَ الْأَعْلى‏ وَ حِزْبُكَ الْأَقْوى‏ وَ حَظُّكَ الْأَوْفى‏ فَلَقِّهِ الْيُسْرَ وَ هَيِّى‏ءْ لَهُ الْأَمْرَ وَ تَوَلَّهُ بِالنُجْحِ وَ تَخَيَّرْ لَهُ الْأَصْحابَ وَ اسْتَقْوِ لَهُ الظَّهْرَ وَ اسْبِغْ عَلَيْهِ فِى النَّفَقَةِ وَ مَتِّعْهُ بِالنَّشاطِ وَ اطْفِ عَنْهُ حَرارَةَ الشَّوْقِ وَ اجِرْهُ مِنْ‏ ..........

179
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

و كان من دعائه عليه السلام لأهل الثغور ص : 175

غَمِّ الْوَحْشَةِ وَ انْسِهِ ذِكْرَ الْأَهْلِ وَ الْوَلَدِ وَ أْثُرْ لَهُ حُسْنَ النِّيَّةِ وَ تَوَلِّهُ بِالْعافِيَةِ وَ اصْحِبْهُ السَّلامَةَ وَ اعْفِهِ مِنَ الْجُبْنِ وَ الْهِمْهُ الْجُرْاةَ وَ ارْزُقْهُ الشِّدَّةَ وَ ايِّدْهُ بِالنُّصْرَةِ وَ عَلِّمْهُ السِّيَرَ وَ السُّنَنَ وَ سَدِّدْهُ فِى الْحُكْمِ وَ اعْزِلْ عَنْهُ الرِّياءَ وَ خَلِّصْهُ مِنَ السُّمْعَةِ وَ اجْعَلْ فِكْرَهُ وَ ذِكْرَهُ وَ ظَعْنَهُ وَ اقامَتَهُ فيكَ وَ لَكَ فَاذا صافَّ عَدُوَّكَ وَ عَدُوَّهُ فَقَلِّلْهُمْ في عَيْنِهِ وَ صَغِّرْ شَاْنَهُمْ في قَلْبِهِ وَ ادِلْ لَهُ مِنْهُمْ وَ لا تُدِلْهُمْ مِنْهُ فَانْ خَتَمْتَ لَهُ بِالسَّعادَةِ وَ قَضَيْتَ لَهُ بِالشَّهادَةِ فَبَعْدَ انْ يَجتاحَ عَدُوَّكَ بِالْقَتْلِ وَ بَعْدَ انْ يَجْهَدَ بِهِمُ الْأَسْرُ وَ بَعْدَ انْ تَاْمَنَ اطرافُ الْمُسْلِمينَ وَ بَعْدَ انْ يُوَلِّىَ عَدُوُّكَ مُدْبِرينَ اللَّهُمَّ وَ ايُّما مُسْلِمٍ خَلَفَ غازِيًا اوْ مُرابِطًا في دارِهِ اوْ تَعَهَّدَ خالِفيهِ في غَيْبَتِهِ اوْ اعانَهُ بِطائِفَةٍ مِنْ مالِهِ اوْ امَدَّهُ بِعِتادٍ اوْ شَحَذَهُ عَلى‏ جِهادٍ اوْ اتْبَعَهُ في وَجْهِهِ دَعْوَةً اوْ رَعى‏ لَهُ مِنْ وَرائِهِ حُرْمَةً فَاجِرْ لَهُ مِثْلَ اجْرِهِ وَزْنًا بِوَزْنٍ وَ مِثْلاً بِمِثْلٍ وَ عَوِّضْهُ مِنْ فِعْلِهِ عِوَضًا حاضِرًا يَتَعَجَّلُ بِهِ نَفْعَ ما قَدَّمَ وَ سُرُورَ ما اتى‏ بِهِ الى‏ انْ يَنْتَهِىَ بِهِ الْوَقْتُ الى‏ ما اجْرَيْتَ لَهُ مِنْ فَضْلِكَ وَ اعْدَدْتَ لَهُ مِنْ كَرامَتِكَ اللَّهُمَّ وَ ايُّما مُسْلِمٍ‏ ..........

180
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

و كان من دعائه عليه السلام لأهل الثغور ص : 175

اهَمَّهُ امْرُ الْاسْلامِ وَ احْزَنَهُ تَحَزُّبُ اهْلِ الشِّرْكِ عَلَيْهِمْ فَنَوى‏ غَزْوًا اوْ هَمَّ بِجِهادٍ فَقَعَدَ بِهِ ضَعْفٌ اوْ أَبْطَاتْ بِهِ فاقَةٌ اوْ اخَّرَهُ عَنْهُ حادِثٌ اوْ عَرَضَ لَهُ دُونَ ارادَتِهِ مانِعٌ فَاكْتُبْ اسْمَهُ فِى الْعابِدينَ وَ اوْجِبْ لَهُ ثَوابَ الْمُجاهِدينَ وَ اجْعَلْهُ في نِظامِ الشُّهَداءِ وَ الصَّالحينَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَ رَسُولِكَ وَ الِ مُحَمَّدٍ صَلوةً عالِيَةً عَلَى الصَّلَواتِ مُشْرِفَةً فَوْقَ التَّحِيّاتِ صَلوةً لا يَنْتَهى امَدُها وَ لا يَنْقطِعُ عَدَدُها كَاتَمِّ ما مَضى‏ مِنْ صَلَواتِكَ عَلى‏، احَدٍ مِنْ اوْلِيائِكَ انَّكَ الْمَنّانُ الْحَمِيدُ المُبْدِئُ الْمُعيدُ الْفَعّالُ لِما تُريدُ ..........

181
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

و كان من دعائه عليه السلام لأهل الثغور ص : 175

.......... [] بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الذي حصّن ثغور الدين، و حمى حوزة الإسلام بمحمّد أشرف المرسلين، و أهل بيته الأوصياء الأعلام، و الصّلاة و السّلام على‏ من ألّف به جمع المسلمين، و فرّق‏ «1» شمل المشركين، و على آله الذين عضدهم بالنصر على المعتدين، و أيّد بهم عباده المهتدين.

و بعد فهذه الروضة السابعة و العشرون من رياض السالكين، تتضمّن شرح الدعاء السابع و العشرين من صحيفة سيّد العابدين، صلّى اللّه عليه و على آبائه و أبنائه الطاهرين، إملاء راجي فضل ربّه السني عليّ صدر الدين الحسينيّ الحسنيّ، كتب اللّه اسمه في العابدين، و أوجب له ثواب المجاهدين.

______________________________

 (1) (ج): به.

182
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السابع و العشرين ص : 183

شرح الدعاء السابع و العشرين‏

وَ كانَ مِن دعائِهِ عليهِ السّلامُ لِأهلِ الثُّغور.

الثغور: جمع ثغر بفتح الثاء المثلّثة و إسكان الغين المعجمة، و هو الطرف الملاصق من بلد المسلمين بلاد الكفّار.

و في النهاية: هو موضع يكون حدّا فاصلا بين بلاد المسلمين و الكفّار، و هو موضع المخافة من أطراف البلاد «1».

و قال الشهاب الفيومي في المصباح: الثغر من البلاد: الموضع الذي يخاف منه هجوم العدوّ، فهو كالثلمة في الحائط يخاف هجوم السارق منها «2».

و في القاموس: الثغر: ما يلي دار الحرب و موضع المخافة من فروج البلدان‏ «3».

و المراد بأهل الثغور. المسلمون المرابطون بها، الملازمون لها لحفظها، و يدخل فيهم من كان الثغر بلده و كان ساكنا فيه، إذا وطّن نفسه على المحافظة.

قال الشهيد الثاني في شرح اللمعة: و لو وطّن ساكن الثغر نفسه على المحافظة، و الإعلام بأحوال المشركين على تقدير هجومهم فهو مرابط «4»، انته.

و تسمّى الإقامة بالثغر رباطا و مرابطة كما سيأتي.

قال في اللمعة و شرحها: و الرباط مستحبّ استحبابا مؤكّدا دائما، مع حضور الإمام و غيبته، و أقلّه ثلاثة أيّام، فلا يستحقّ ثوابه و لا يدخل في النذر و الوقف‏

______________________________

 (1) النهاية لابن الأثير: ج 1 ص 213.

 (2) المصباح المنير: ص 113.

 (3) القاموس المحيط: ج 1 ص 382.

 (4) شرح اللمعة: ج 2 ص 385.

183
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السابع و العشرين ص : 183

قال صلوات اللّه و سلامه عليه:

اللّهُمَ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ حَصِّنْ ثُغُورَ الْمُسْلِمينَ بعزَّتِكَ، وَ أَيّد و الوصيّة للمرابطين بإقامة دون ثلاثة، و لو نذره و أطلق وجب ثلاثة بليلتين بينهما كالاعتكاف، و أكثره أربعون يوما، فإن زاد الحق بالجهاد في الثواب، لا أنّه يخرج عن وصف الرباط، و لو أعان بفرسه أو غلامه لينتفع بهما من يرابط أثيب لإعانته على البرّ، و لو نذر المرابطة أو نذر صرف مال إلى أهلها وجب الوفاء بالنذر و إن كان الإمام غائبا، لأنّها لا تتضمّن جهادا فلا يشترط حضوره، و قيل: يجوز صرف المنذور للمرابطين في البرّ حال الغيبة إن لم يخف الشنعة بتركه لعلم المخالف بالنذر، و هو ضعيف‏ «1»، انته.

و روى ثقة الإسلام في الكافي بسند قوي مقبول عن يونس عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام، قال: قلت له: جعلت فداك إنّ رجلا من مواليك بلغه أنّ رجلا يعطي السيف و الفرس في سبيل اللّه، فأتاه فأخذهما منه و هو جاهل بوجه السبيل، ثمّ لقيه أصحابه فأخبروه أنّ السبيل مع هؤلاء لا يجوز و أمروه بردّهما، فقال: فليفعل، قال: قد طلب الرجل فلم يجده و قيل له: قد شخص الرجل، قال:

فليرابط و لا يقاتل، قال: ففي مثل قزوين و الديلم و عسقلان و ما أشبه هذه الثغور؟

فقال: نعم، فقال له: يجاهد؟، قال: لا، إلاّ أن يخاف على ذراري المسلمين، أ رأيتك لو أنّ الروم دخلوا على المسلمين ألم ينبغ لهم أن يمنعوهم؟ قال: يرابط و لا يقاتل، و إن خاف على بيضة الإسلام و المسلمين قاتل، فيكون قتاله لنفسه ليس للسلطان، قال: قلت: و إن جاء العدوّ إلى الموضع الذي هو فيه مرابط كيف يصنع؟ قال: يقاتل عن بيضة الإسلام، لأنّ في دروس الإسلام دروس دين محمّد صلّى اللّه عليه و آله‏ «2»+.

 [ 790] حصن المكان بالضمّ حصانة بالفتح فهو حصين: أي منيع، و يتعدّى بالهمزة

______________________________

 (1) شرح اللمعة: ج 2 ص 385.

 (2) الكافي: ج 5 ص 21 ح 2.

184
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السابع و العشرين ص : 183

حُماتَها بِقُوَّتِكَ، وَ أسْبِغْ عَطاياهُمْ مِنْ جِدَتِكَ.

و التضعيف فيقال: أحصنته و حصّنته، و منه الحصن للمكان الذي لا يقدر عليه لارتفاعه و امتناعه.

و العزّة: الامتناع و الشدّة و الغلبة، و رجل عزيز: منيع لا يغلب و لا يقهر، و منه قوله تعالى: «وَ عَزَّنِي فِي الْخِطابِ» «1» أي: غلبني و قهرني.

و في المثل: من عزَّ بَزَّ، أي: من غلب سلب‏ «2».

و عازّني فعزّزته: أي: غالبني فغلبته.

و أيّده اللّه تأييدا: قوّاه، من آد يئيد أيدا أي: قوي و اشتدّ، فهو أيّد مثل سيّد.

و حماة جمع حامي، من حميت المكان من الناس حميا- من باب رمى و حمية بالكسر أي: منعته عنهم، و الاسم الحماية. و وزن حماة: فعلة بضمّ أوّله و فتح ثانيه، و هذا الجمع مطّرد في وصف لعاقل مذكّر على زنة فاعل معتلّ اللام بالياء و الواو، كرام و رماة و غاز و غزاة، و الأصل فيهن حمية و رمية و غزوة، قلبت الياء و الواو ألفين لتحرّكهما و انفتاح ما قبلهما. و قيل: إنّه فعلة بفتح الفاء، و إنّ الفتحة حوّلت ضمّة للفرق بين معتلّ اللام و صحيحها.

و القوّة: تطلق على كمال القدرة، و على شدّة الممانعة و الدفع، و يقابلها الضعف.

و أسبغ اللّه النعمة: أفاضها و أتمّها، و أصله من سبغ الثوب سبوغا- من باب قعد-: تمّ و كمل، و منه الحديث: أسبغوا لليتيم في النفقة «3» أي: أنفقوا عليه تمام ما يحتاج إليه و وسّعوا عليه فيها «4».

و العطايا: جمع عطيّة، و هي اسم لما تعطيه.

و الجدة: الثروة و الغنى.

______________________________

 (1) سورة ص: الآية 23.

 (2) مجمع الأمثال: ج 2 ص 307.

 (3) النهاية لابن الأثير: ج 2 ص 338.

 (4) النهاية لابن الأثير: ج 2 ص 338.

185
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السابع و العشرين ص : 183

اللّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ كَثّر عِدَّتَهُمْ، وَ اشْحَذْ أسْلِحَتَهُمْ، وَ احْرُسْ حَوْزَتَهُمْ، وَ امْنَعْ حَوْمَتَهُمْ، وَ ألَّفْ جَمْعَهُمْ، وَ دَبِّرْ أمْرَهُمْ، وَ واتِرْ قال في النهاية: وجد يجد جدة أي: استغنى غنى لا فقر بعده‏ «1»، انته.

و هي من باب ما سقطت الواو من أوّله و عوّض منها هاء في آخره، كعدة و صلة و صفة+.

 [ 791] العدّة بالكسر: اسم كالعدد، و هو مقدار ما يعدّ، و قد تجعل مصدرا كالعدّ، و تطلق على الجماعة قلّت أو كثرت، و منه قولك: أنفذت عدّة كتب أي: جماعة كتب، و هذا المعنى محتمل هنا، أي: كثّر عددهم أو جماعتهم.

و شحذ السكّين شحذا- من باب منع-: أحدّها.

و الأسلحة: جمع سلاح بالكسر، و هي ما يقاتل به في الحرب و يدافع، كالسيوف و الرماح و السّهام و القسي و الدروع و المغافر و المجان و كأنّ المراد بها هنا ما كان قابلا للشحذ منها، من باب إطلاق العام على الخاص، أو السيوف خاصّة.

قال في النهاية: و السّيف وحده يسمّى سلاحا «2».

فيكون تخصيصه بالذكر دون سائر آلات الحرب لشرفه عليها، و الاستغناء به عنها دون العكس.

كما قال أبو الطيّب:

و من طلب الفتح المبين فإنّما

 

 مفاتحه البيض الرقاق الصوارم‏ «3».

 

و لعلّ هذا هو السّر في تسمية السيف وحده سلاحا، لأنّ كلّ الصيد في جوف الفرا، ثمّ المراد بشحذه تعالى أسلحتهم: إمّا جعلها قاطعة ماضية بقدرته سبحانه، أو هو كناية عن تقويتهم على النكاية في أعدائهم و النيل منهم ضربا وطعنا.

و الحوزة: الجانب و الناحية، قال ابن الأثير: و منه الحديث: فحمى حوزة

______________________________

 (1) النهاية لابن الأثير: ج 5 ص 155.

 (2) النهاية لابن الأثير: ج 2 ص 388.

 (3) ديوان أبو الطيّب المتنبي: ص 292.

186
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السابع و العشرين ص : 183

بَيْنَ مِيَرِهُمْ، وَ تَوَحَّدْ بِكَفايَةِ مُؤنِهِمْ، وَ اعْضُدْهُمْ بِالنَّصْرِ، وَ أعنْهُمْ بِالصَبْرِ، وَ الطُفْ لَهُمْ في المَكْر.

الإسلام، أي: حدوده و نواحيه‏ «1» و حومة القتال: معظمه.

قال في القاموس: حومة البحر و الرمل و القتال و غيره: معظمه أو أشدّ موضع فيه‏ «2»، انته.

و منه: خاض حومة القتال، و لم يزل خواضا حومات الحروب.

و التأليف: إيقاع الألفة، و الجمع: الجماعة.

 [ 792] و تدبير الأمر: فعله عن فكر و رويّة، مأخوذ من لفظ الدبر، لأنّه نظر في عواقب الأمور و أدبارها، و إذا اسند إلى اللّه تعالى فالمراد به إجراء الأمر على الوجه الذي يليق به، و منه قوله تعالى: «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ»+ «3»، قال المفسّرون: أي: يقضي و يقدّر حسبما تقتضيه الحكمة و المصلحة «4».

و المواترة: المتابعة، يقال: تواترت الخيل: إذا جاء يتبع بعضها بعضا.

و في القاموس: واتر بين أخباره مواترة و وتارا: تابع‏ «5».

قال الجوهري: و لا تكون المواترة بين الأشياء إلاّ إذا وقعت بينها فترة، و إلاّ فهي مداركة و مواصلة، و مواترة الصوم: أن يصوم يوما و يفطر يوما أو يومين و يأتي به وترا، و لا يراد به المواصلة، لأنّ أصله من الوتر، و كذلك واترت الكتب فتواترت أي:

جاءت بعضها في إثر بعض وترا وترا من غير أن تنقطع‏ «6»، انته.

و كذلك قال الفارسي: المواترة: أن يتبع الخبر الخبر، و الكتاب الكتاب، و لا يكون بينهما فصل كثير «7».

______________________________

 (1) النهاية لابن الأثير: ج 1 ص 460.

 (2) القاموس المحيط: ج 4 ص 102.

 (3) سورة الرعد: الآية 2.

 (4) مجمع البيان: ج 5- 6 ص 274.

 (5) القاموس المحيط: ج 2 ص 152.

 (6) الصحاح: ج 2 ص 843.

 (7) مجمع البيان: ج 7- 8 ص 107.

187
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السابع و العشرين ص : 183

.......... و قال الأصمعي: واترت الخبر: أتبعت بعضه بعضا و بين الخبرين هنيئة «1».

و قال بعضهم: المواترة: المتابعة الغير المنصرمة، يقال: تواترت الخيل أي: جاء بعضها في إثر بعضها وترا وترا من غير أن تنقطع، و أغرب من نسب هذه العبارة إلى الجوهري في صحاحه‏ «2».

و المير: جمع ميرة بالكسر، قال الجوهري: الميرة: الطعام يمتاره الإنسان، و قد مار أهله يميرهم ميرا «3».

و في المصباح: مارهم ميرا- من باب باع-: أتاهم بالميرة، و هي الطعام‏ «4».

و قال الطبرسي: الميرة: الطعام الذي يحمل من بلد إلى بلد، «5».

و كذا قال بعض المفسّرين: مار أهله: إذا أتاهم بالطعام من بلد آخر «6».

و في القاموس: الميرة بالكسر: جلب الطعام‏ «7».

و قال الفارابي في ديوان الأدب: الميرة: الاسم‏ «8» من مارهم يميرهم‏ «9» و على هذا فتكون اسما للطعام الممتار و اسم مصدر أيضا.

و التوحّد: الانفراد، يقال: توحده اللّه بعصمته أي: عصمه و لم يكله إلى غيره.

و كفاه الأمر كفاية: قام به مقامه.

و المؤن: جمع مؤنة بالضمّ و سكون الهمزة، كغرف و غرفة، و هي لغة في المئونة على وزن فعولة، و جمعها مئونات على لفظها، و معناها الثقل. و قد تقدّم الكلام على الاختلاف في اشتقاقها، و هل هي من المؤن أو الأون أو الأين.

______________________________

 (1) تاج العروس: ج 3 ص 596.

 (2) الصحاح: ج 2 ص 843.

 (3) الصحاح: ج 2 ص 821.

 (4) المصباح المنير: ص 807.

 (5) مجمع البيان: ج 5- 6 ص 247.

 (6) المفردات: ص 478، و روح المعاني: ج 13 ص 12.

 (7) القاموس المحيط: ج 2 ص 137.

 (8) (الف) و (ج): اسم.

 (9) ديوان الأدب: ج 3 ص 328.

188
رياض السالکين في شرح صحيفة سيد الساجدين4

شرح الدعاء السابع و العشرين ص : 183

اللّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ عَرِّفْهُمْ ما يَجْهَلُونَ، وَ عَلِّمْهُمْ ما لا يَعْلَمُونَ، وَ بَصِّرْهُمْ ما لا يُبْصِرُونَ.

و عضدت الرجل عضدا- من باب قتل-: أعنته فصرت له عضدا أي: معينا و ناصرا، و تعاضد القوم: تعاونوا، و منه: المؤمن معصود بتوفيق اللّه.

و نصره اللّه نصرا: أظهره على عدوّه.

و الصبر ضربان: جسمي و نفسي، فالجسمي: هو تحمّل المشاقّ بقدر القوّة البدنيّة، و ذلك في الفعل كالمشي و حمل الثقيل، و في الانفعال كاحتمال الضرب و القطع. و النفسي: هو حبس النفس عن الجزع عند ورود المكروه، و المراد به هنا الصبر بنوعيه، و إن كان النوع الثاني هو الذي تتعلّق به الفضيلة، إلاّ أنّ للنوع الأوّل مدخلا تامّا في هذا المقام كما لا يخفى.

و قوله عل