×
☰ فهرست و مشخصات
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

الجزء الثاني

الجزء الثاني‏

الروضة الثالثة

3
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

و كان من دعائه عليه السلام في الصلوة على حملة العرش و كل ملك مقرب ص 5

و كان من دعائه عليه السّلام في الصّلوة على حملة العرش و كلّ ملك مقرّب‏

اللَّهُمَّ وَ حَمَلَةُ عَرْشِكَ الَّذينَ لا يَفْتُروُنَ مِنْ تَسْبيْحِكَ وَ لا يَسْامُونَ مِنْ تَقْديسِكَ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ مِنْ عِبادَتِكَ وَ لا يُؤْثِرُونَ التّقْصيرَ عَلَى الْجِدِّ في‏ امْرِكَ وَ لا يَغْفُلُونَ عَنِ الْوَلَهِ الَيْكَ وَ اسْرافيلُ صاحِبُ الصُّورِ الشَّاخِصُ الَّذى‏ يَنْتَظِرُ مِنْكَ الاذْنَ وَ حُلُولَ الْأَمْرِ فَيُنَبِّهُ بِالنَّفْخَةِ صَرْعى‏ رَهائِنَ الْقُبُورِ وَ ميكائيلُ ذُو الجاهِ عِنْدَكَ وَ الْمَكانِ الرَّفيعِ مِنْ طاعَتِكَ وَ جِبْريلُ الْأَمينُ عَلى‏ وَحْيِكَ الْمُطاعُ في اهْلِ سَمواتِكَ الْمَكينُ لَدَيْكَ الْمُقَرَّبُ عِنْدَكَ وَ الرُّوحُ الَّذى‏ هُوَ عَلى‏ مَلائِكَةِ الْحُجُبِ وَ الرُّوحُ الَّذى‏ هُوَ مِنْ امْرِكَ فَصَلِّ عَلَيْهِمْ وَ عَلَى الْمَلائِكَةِ الَّذينَ مِنْ دُونِهِمْ مِنْ سُكَّانِ سَمواتِكَ وَ اهْلِ الْامانَةِ عَلى‏ رِسالاتِكَ وَ الَّذينَ لا تَدْخُلُهُمْ سَامَةٌ مِنْ دُءوبٍ وَ لا اعْياءٌ مِنْ لُغُوبٍ وَ لا فُتُورٌ وَ لا تَشْغَلُهُمْ عَن تَسْبيحِكَ الشَّهَواتُ وَ لا يَقْطَعُهُمْ عَنْ تَعْظيمِكَ سَهْوُ الْغَفَلاتِ الْخُشَّعُ الْأَبْصارِ فَلا يَرُومُونَ النَّظَرَ الَيْكَ النَّواكِسُ الْأَذْقانِ الَّذينَ قَدْ طالَتْ رَغْبَتُهُمْ فيما لَدَيْكَ الْمُسْتَهْتِرُونَ‏ ..........

5
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

و كان من دعائه عليه السلام في الصلوة على حملة العرش و كل ملك مقرب ص 5

 

بِذِكْرِ الائِكَ وَ الْمُتَواضِعُونَ دُونَ عَظَمَتِكَ وَ جَلالِ كِبْرِيائِكَ وَ الَّذينَ يَقُولُونَ إِذا نَظَرُوا إلى‏ جَهَنَّمَ تَزْفِرُ عَلى‏ اهْلِ مَعْصِيَتِكَ سُبْحانَكَ ما عَبَدْناكَ حَقَّ عِبادَتِكَ فَصَلِّ عَلَيْهِمْ وَ عَلَى الرَّوْحانِيّينَ مِنْ مَلئِكَتِكَ وَ اهْلِ الزُّلْفَةِ عِنْدَكَ وَ حُمَّالِ الْغَيْبِ إلى‏ رُسُلِكَ وَ الْمُؤْتَمَنينَ عَلى‏ وَحْيِكَ وَ قَبائِلِ الْمَلائِكَةِ الَّذينَ اخْتَصَصْتَهُمْ لِنَفْسِكَ وَ اغْنَيْتَهُمْ عَنِ الطَّعامِ وَ الشَّرابِ بِتَقْدِيسِكَ وَ اسْكَنْتَهُمْ بُطُونَ اطْباقِ سَمواتِكَ وَ الَّذينَ عَلى‏ ارْجائِها إِذا نَزَلَ الْأَمْرُ بِتَمامِ وَعْدِكَ وَ خُزّانِ الْمَطَرِ وَ زَواجِرِ السَّحابِ وَ الَّذى‏ بِصَوْتِ زَجْرِهِ يُسْمَعُ زَجَلُ الرُّعُودِ وَ إِذا سَبَحَتْ بِهِ حَفيفَةُ السَّحابِ التَمَعَتْ صَواعِقُ البُرُوقِ وَ مُشَيِّعِى الثَّلْجِ وَ الْبَرَدِ وَ الْهابِطينَ مَعَ قَطْرِ الْمَطَرِ إِذا نَزَلَ وَ الْقُوَّامِ عَلى‏ خَزائِنِ الرِّياحِ وَ الْمُوَكَّلينَ بِالْجِبالِ فَلا تَزُولُ وَ الَّذينَ عَرَّفْتَهُمْ مَثاقيلَ الْمِياهِ وَ كَيْلَ ما تَحْويهِ لَواعِجُ الْأَمْطارِ وَ عَوالِجُها وَ رُسُلِكَ مِنَ الْمَلائِكَةِ الى‏ اهْلِ الْأَرْضِ بِمَكْرُوهِ ما يَنْزِلُ مِنَ الْبَلاءِ وَ مَحْبُوبِ الرَّخاءِ وَ السَّفَرَةِ الْكِرامِ الْبَرَرَةِ وَ الْحَفَظَةِ الْكِرامِ الْكاتِبينَ وَ مَلَكِ الْمَوْتِ وَ اعْوانِهِ وَ مُنْكَرٍ وَ نَكيرٍ وَ رُومانَ فَتَّان‏ ..........

6
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

و كان من دعائه عليه السلام في الصلوة على حملة العرش و كل ملك مقرب ص 5

الْقُبُورِ وَ الطّائِفينَ بِالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَ مالِكٍ وَ الْخَزَنَةِ وَ رُضْوانَ وَ سَدَنَةِ الجِنانِ وَ الَّذينَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما امَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ وَ الَّذينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ وَ الزَّبانِيَةِ الَّذينَ إِذا قيلَ لَهُمْ خُذُوهُ فَغُلّوُهُ ثُمَّ الْجَحيمَ صَلّوُهُ ابْتَدَرُوهُ سِراعاً وَ لَمْ يُنْظِرُوهُ وَ مَنْ اوْهَمْنا ذِكْرَهُ وَ لَمْ نَعْلَمْ مَكانَهُ مِنْكَ وَ بِأَىِّ امْرٍ وَكَّلْتَهُ وَ سُكّانِ الْهَواءِ وَ الْأَرْضِ وَ الْماءِ وَ مَنْ مِنْهُمْ عَلَى الْخَلْقِ فَصَلِّ عَلَيْهِمْ يَوْمَ تَأْتى‏ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهيدٌ وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ صَلوةً تَزيدُهُمْ كَرامَةً عَلى‏ كَرامَتِهِمْ وَ طَهارَةً عَلى‏ طَهارَتِهِمْ اللَّهُمَّ وَ إِذا صَلَّيْتَ عَلى‏ مَلائِكَتِكَ وَ رُسُلِكَ وَ بَلَّغْتَهُمْ صَلوتَنا عَلَيْهِمْ فَصَلِّ عَلَيْهِمْ بِما فَتَحْتَ لَنا مِنْ حُسْنِ الْقَوْلِ فيهِمْ انَّكَ جَوادٌ كَريمٌ‏ ..........

7
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

و كان من دعائه عليه السلام في الصلوة على حملة العرش و كل ملك مقرب ص 5

.......... [] بسم اللّه الرحمن الرحيم و به نستعين «1».
الحمد للّه جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى و ثلاث و رباع، و الصلاة و السلام على رسوله الذي أشرقت بأنوار هدايته البقاع و الرباع، و على آله و عترته الّذين ألزم طاعتهم من شرق و غرب و على حملة العرش و كلّ ملك مقرّب.
و بعد: فهذه الروضة الثالثة من رياض السالكين تتضمّن شرح الدعاء الثالث من أدعية صحيفة سيّد العابدين صلوات اللّه عليه و على آبائه و أبنائه الطاهرين.
إملاء راجي فضل ربّه السّنيّ علي الصدر الحسينيّ الحسنيّ أصلح اللّه أعماله و بلّغه بفضله آماله*.
__________________________________________________
 (1) في «الف» و به ثقتي.

8
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الثالث ص 9

 شرح الدعاء الثالث‏
و كان من دعائه عليه السّلام في الصّلاة على حملة العرش و كلّ ملك مقرّب.
اختلف الناس في حقيقة الملائكة على أقوال:
أحدها: و هو قول المحقّقين من المتكلّمين: أنّها أجسام لطيفة، نورانيّة، إلهيّة، خيّرة، سعيدة، قادرة على التصرّفات السريعة، و الأفعال الشاقّة، و التشكّل بأشكال مختلفة، ذوات عقول و أفهام، مسكنها السماوات، و بعضها عند اللّه أقرب من بعض و أكمل درجة، كما قال تعالى حكاية عنهم وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ «1»، و إلى هذا القول ذهب أكثر المسلمين، و في أخبار أهل البيت عليهم السلام ما يدلّ عليه.
الثاني: و هو قول عبدة الأوثان: أنّها هي هذه الكواكب الموصوفة بالسعود و النحوس و أنّها أحياء ناطقة، فالمسعّدات ملائكة الرحمة و المنحّسات ملائكة العذاب.
الثالث: و هو قول معظم المجوس و الثنويّة القائلين بالنور و الظلمة: و أنّهما جوهران حسّاسان قادران متضادّان في النفس و الصورة، مختلفان في الفعل و التدبير.
فجوهر النور فاضل، خيّر نقيّ، طيّب الريح، كريم النفس، يسر و لا يضرّ، و ينفع و لا يمنع، و يحيي و لا يبلي. و الظلمة ضدّ ذلك.
فالنور يولّد الأولياء، و هم الملائكة، لا على سبيل التناكح بل كتولّد الحكمة من‏
__________________________________________________
 (1) سورة الصافّات: الآية 164.

9
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الثالث ص 9

.......... الحكيم و الضوء من المضي‏ء.
و جوهر الظلمة: يولّد الأعداء و هم الشياطين تولّد السفه من السفيه.
الرّابع: قول من قال: إنّها ليست بأجسام بل جواهر متحيّزة، ثمّ اختلفوا، فقال بعضهم: و هم طوائف من النصارى، إنّها هي النفوس الناطقة المفارقة لأبدانها، فإن كانت خيّرة صافية فهم الملائكة، و إن كانت شرّيرة كشفة فهي الشياطين.
و قال آخرون و هم الفلاسفة: إنّها مخالفة لنوع النفوس الناطقة البشريّة، و انّها أكمل قوّة، و أكثر علما، و نسبتها إلى النفوس البشريّة نسبة الشمس إلى الأضواء، فمنها نفوس ناطقة فلكيّة، و منها عقول مجرّدة.
و منهم من أثبت أنواعا اخر من الملائكة: و هي الأرضيّة المدبّرة لأحوال العالم السفلي، خيرها الملائكة، و شرّيرها الشياطين.
و لكلّ من الفرق أدلّة على ما ذهب إليه يطول ذكرها.
تبصرة
الإيمان بالملائكة واجب، قال تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ «1».
و روي عنه صلى اللّه عليه و آله و سلّم حين سئل عن الإيمان، أنّه قال: أن تؤمن باللّه و ملائكته و كتبه و رسله «2».
الإيمان بالملائكة يتضمّن معاني:
أحدها: التصديق بوجودهم.
فأمّا البحث عن أنّها روحانيّة محضة، أو جسمانيّة محضة، أو مركّبة من‏
__________________________________________________
 (1) سورة البقرة: الآية 285.
 (2) تفسير جامع أحكام القرآن للقرطبي: ج 1 ص 163.

10
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 10

.......... القسمين، و بتقدير كونها جسمانيّة. فلطيفة أو كثيفة، فإن كانت لطيفة فنورانيّة أو هوائيّة، أو بعضها نورانيّ و بعضها هوائيّ- كما ذهب إلى كلّ طائفة- فليس بواجب. لأنّ مدار الإيمان بهم ليس خصوصيّات ذواتهم في أنفسهم، بل هو إضافتهم إليه تعالى، من حيث إنّهم عباد مكرمون له من شأنهم التوسّط بينه تعالى و بين الرسل بإنزال الكتب و إلقاء الوحي.
الثاني: إنزالهم منازلهم و إثبات أنّهم عباد اللّه و خلقه، كالإنس و الجنّ مأمورون مكلّفون لا يقدرون إلاّ على ما أقدرهم اللّه عليه و إنّهم معصومون، و أنّ لذّتهم بذكر اللّه، و حياتهم بمعرفته و طاعته، و الموت جائز عليهم و لكنّ اللّه جعل لهم أمدا بعيدا، فلا يتوفّاهم حتّى يبلغوه، و لا يوصفون بشي‏ء يؤدّي وصفهم به إلى إشراكهم باللّه تعالى، و لا يدعون آلهة كما دعتهم الأوائل.
الثالث: الاعتراف بأنّ منهم رسلا يرسلهم اللّه إلى من يشاء من البشر، و قد يجوز أن يرسل بعضهم إلى بعض، و يتبع ذلك الاعتراف بأنّه منهم حملة العرش، و منهم الصافّون، و منهم خزنة الجنّة، و منهم خزنة النار، و منهم كتبه الأعمال، و منهم الذين يسوقون السحاب، فقد ورد القرآن بذلك كلّه أو بأكثره.
و قد أشار سيّد العابدين صلوات اللّه عليه إلى جملة من أنواعهم في هذا الدعاء كما ستقف عليه.
فائدة
قال سعيد بن المسيّب و غيره: الملائكة: ليسوا بذكور و لا إناث، و لا يتوالدون، و لا يأكلون، و لا يشربون. و الجنّ: يتوالدون، و فيهم ذكور و إناث و يموتون. و الشياطين:
ذكور و إناث و يتوالدون، و لا يموتون حتّى يموت إبليس «1».
__________________________________________________
 (1) ربيع الأبرار للزمخشري: النسخة المخطوطة ص 23 باب الملائكة و الجنّ و الإنس و الشيطان.

11
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 11

 [ 232] اللّهُمَّ وَ حَمَلَةُ عَرْشِكَ الّذِينَ لا يَفْتُرونَ مِن تَسْبِيحكَ وَ لا يَسْأمُونَ مِنْ تَقدِيسِكَ.
قال سيّد العابدين و إمام الموحّدين صلوات اللّه و سلامه عليه و على آبائه و أبنائه الطاهرين: «1».
الواو: للاستئناف، و ما بعدها مبتدأ، خبره: قوله فيما يأتي فصلّ عليهم.
و الذين: في محلّ رفع صفة لحملة عرشك الّذي هو المبتدأ، و قول بعض طلبة العجم: مبتدأ و الذين خبره خطأ محض فاحذره.
و الحملة بفتحتين: جمع حامل. و هذا البناء مطّرد في كلّ وصف لمذكّر عاقل صحيح اللام نحو كامل و كملة، و ساحر و سحرة، و سافر و سفرة.
فإن قلت: هذا البناء من أبنية الكثرة، و هي ما جاوز العشرة، و حملة العرش دون العشرة كما سيأتي، فكيف استعمل فيه؟.
قلت: قد يستغني ببعض أبنية الكثرة عن بناء القلّة و بالعكس وضعا بأن تكون العرب لم تضع أحد البنائين استغناء عنه بالآخر كما وقع هنا، فإنّها لم تضع لحامل و نحوه جمع قلّة أو استعمالا بأن تكون وضعتهما معا و لكنّها استعملت في بعض المواضع أحدهما مكان الآخر إتكالا على القرينة.
و العرش في اللغة: سرير الملك، و من البيت سقفه كالعريش و الخيمة و البيت الذي يستظلّ به و عرش اللّه تعالى يطلق على معنيين:
أحدهما: علمه تعالى و حملته ثمانية: أربعة من أهل البيت عليهم السّلام، و أربعة من غيرهم كما رواه ثقة الإسلام في الكافي، بإسناده عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: حملة العرش- و العرش: العلم- ثمانية: أربعة منّا و أربعة ممّن شاء اللّه «2».
و قال الصدوق قدّس سرّه في كتاب العقائد: أمّا العرش الذي هو العلم فحملته‏
__________________________________________________
 (1) أي أول الدعاء كما هو في المتن.
 (2) الكافي: ج 1، ص 132، ح 6.

12
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 11

.......... أربعة من الأوّلين و أربعة من الآخرين. فأمّا الأربعة من الأوّلين: فنوح و إبراهيم و موسى و عيسى عليهم السّلام. و أمّا الأربعة من الآخرين: فمحمّد و عليّ و الحسن و الحسين صلوات اللّه عليهم أجمعين. هكذا روي بالأسانيد الصحيحة عن الأئمّة عليهم السلام في العرش و حملته. قال: و إنّما صار هؤلاء حملة العرش الذي هو العلم لأنّ الأنبياء الذين كانوا قبل نبيّنا محمّد صلى اللّه عليه و آله و سلّم على شرائع الأربعة من الأوّلين: نوح و إبراهيم و موسى و عيسى عليهم السلام، و من قبل هؤلاء صارت العلوم إليهم و كذلك صار العلم من بعد محمّد صلى اللّه عليه و آله و سلّم و عليّ و الحسن و الحسين عليهم السلام إلى من بعد الحسين من الأئمة عليهم السلام «1» انته بنصّه.
الثّاني: و هو المراد هنا الجسم المحيط بالكرسيّ المحيط بالسماوات السبع و ما بينها كما روي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: كلّ شي‏ء خلق اللّه في جوف الكرسي و الكرسي محيط به خلا العرش فإنّه أعظم من أن يحيط به الكرسي «2».
قال بعضهم: و لعلّ العرش هو الفلك الأعظم، و الكرسي هو الفلك المشهور بفلك البروج.
و في رواية عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ما السماوات السبع و الأرضون السبع مع الكرسي إلاّ كحلقة في فلاة، و فضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة «3».
قال الصدوق طاب ثراه: اعتقادنا في العرش أنّه حملة الخلق «4».
و روى في كتاب الخصال بإسناده عن حفص بن غياث النخعي قال:
__________________________________________________
 (1) بحار الأنوار: ج 58 ص 7 ح 5. و الاعتقادات في ضمن كتاب شرح الباب ألحادي عشر ص 75.
 (2) بحار الأنوار: ج 58 ص 21 ح 37 مع اختلاف يسير في العبارة.
 (3) الدر المنثور: ج 1 ص 328.
 (4) الاعتقادات للصدوق ضمن باب الحادي عشر ص 74 و فيه حملة جميع الخلق.

13
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 11

.......... سمعت الصادق عليه السّلام يقول: إنّ حملة العرش ثمانية، لكلّ واحدة منهم ثماني أعين، كلّ عين طباق الدنيا «1».
و عن الصادق عليه السّلام: إنّ حملة العرش أربعة: أحدهم على صورة ابن آدم يسترزق اللّه لولد آدم، و الثاني على صورة الديك يسترزق اللّه للطير، و الثالث على صورة الأسد يسترزق اللّه للسباع، و الرابع على صورة الثور يسترزق اللّه للبهائم، و نكس الثور رأسه منذ عبد بنو إسرائيل العجل، فإذا كان يوم القيامة صاروا ثمانية «2».
و من طريق العامّة عن ابن زيد قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
العرش يحمله اليوم أربعة و يوم القيامة ثمانية «3».
و عن وهب قال: حملة العرش اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيّدوا بأربعة أخرى «4».
و عن ابن زيد: لم يسمّ من حملة العرش إلاّ إسرافيل، قال: و ميكائيل ليس من حملة العرش «5».
و عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّ ملكا من حملة العرش يقال له إسرافيل، زاوية من زوايا العرش على كاهله «6»، قد مرّقت قدماه في الأرض السابعة السفلى و مرق رأسه من السماء السابعة العليا «7».
و من خطبة لأمير المؤمنين عليه السّلام في صفة حملة العرش من الملائكة عليهم السّلام: و منهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم، و المارقة من السماء العليا
__________________________________________________
 (1) الخصال: ص 407 ح 4. و فيه ثمانية أعين.
 (2) الخصال: ص 407 ح 5.
 (3) الدر المنثور: ج 6 ص 261
 (4) الدر المنثور: ج 5، ص 346.
 (5) الدّر المنثور: ج 6 ص 261.
 (6) الكاهل: مقدم أعلى الظهر مما يلي العنق و هو الثلث الأعلى و فيه ست فقرات، المصباح المنير:
ص 745.
 (7) الدر المنثور: ج 5، ص 347.

14
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 11

.......... أعناقهم، و الخارجة من الأقطار أركانهم، و المناسبة لقوائم العرش أكتافهم، ناكسة دونه أبصارهم، متلفّعون «1» تحته بأجنحتهم، مضروبة بينهم و بين من دونهم حجب العزّة و أستار القدرة، لا يتوهّمون ربّهم بالتصوير «2»، و لا يجرون عليه صفات المصنوعين، و لا يحدّونه بالأماكن، و لا يشيرون إليه بالنظائر «3».
و قوله عليه السّلام «المناسبة لقوائم العرش أكتافهم» يفيد أنّ للعرش قوائم غير الحاملين.
و كذلك روي عن الصادق عن أبيه عن جدّه عليهم السّلام قال: إنّ بين القائمة من قوائم العرش و القائمة الأخرى خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام «4».
و اعلم أنّ من قال: بأنّ الملائكة أجسام كان حمل صفاتهم المذكورة على ظاهرها أمرا ممكنا و اللّه تعالى قادر على جميع الممكنات. و أمّا من نزّههم عن الجسميّة فهو يسلّط على ذلك كلّه التأويل بما ذكره يفضي بنا إلى التطويل.
قوله عليه السّلام «لا يفترون عن تسبيحك» فتر- يفتر، و يفتر من باب فعل و ضرب فتورا: سكن بعد حدّة، و لان بعد شدّة، و فتر الماء سكن حرّه، و فتر جسمه لانت مفاصله و ضعف، و الفتر محرّكة: الضعف، و التسبيح مصدر سبّح إذا قال سبحان اللّه، و التنزيه يقال: سبّحت اللّه إذا نزّهته عمّا يقول الجاحدون، فهو بمعنى التبعيد من سبّح في الأرض و الماء إذا أبعد فيهما و أمعن و يكون بمعنى الذكر، يقال:
فلان يسبّح اللّه، أي يذكره بأسمائه نحو سبحان اللّه. و بمعنى الصلاة و هو يسبّح أيّ:
يصلّي. و منه: فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ «5» أي من المصلّين، و فيه إشارة إلى‏
__________________________________________________
 (1) تلفع بالثوب: إذا اشتمل به. النهاية لابن الاثير ج 4 ص 261.
 (2) في (الف): بالتصور.
 (3) نهج البلاغة: الخطبة الأولى ص 41.
 (4) بحار الأنوار: ج 58 ص 36 ح 61 و ص 34 ح 54 مع اختلاف يسير في العبارة.
 (5) سورة الصافّات: الآية 143.

15
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 11

.......... قوله تعالى: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ «1».
قال المفسّرون: أي ينزّهون في جميع الأوقات و يعظّمونه و يمجّدونه دائما، لا يلحقهم فتور و لا كلال. لأنّ الفتور هو وقوف الأعضاء البدنيّة عن العمل و قصورها بسبب تحلّل الأرواح البدنيّة و ضعفها و رجوعها إلى الاستراحة و كلّ ذلك من توابع المزاج الحيواني، فلا جرم صدق سلبه عنهم.
و قيل: معنى لا يفترون: لا يتخلّل تسبيحهم فترة أصلا بفراغ، أو بشغل آخر.
و أورد عليه: أنّهم قد يشتغلون باللعن، كما قال تعالى: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ «2».
و أجيب بأنّ التسبيح لهم كالتنفّس لنا لا يمنعهم عنه الاشتغال بشي‏ء آخر.
و اعترض بأنّ آلة التنفّس لنا مغايرة لآلة التكلّم، فلهذا صحّ اجتماع التنفّس و التكلّم.
و أجيب بأنّه لا استبعاد في أن يكون لهم ألسن كثيرة. أو يكون المراد بعدم الفترة أنّهم لا يتركون التسبيح في أوقاته اللائقة به.
و روى محمّد بن الحسن الصفّار، عن إبراهيم بن هاشم، عن أبي عبد اللّه البرقي يرفعه إلى عبد اللّه عليه السّلام، قال رجل لأبي عبد اللّه عليه السّلام: جعلت فداك أخبرني عن قول اللّه تبارك و تعالى و ما وصف من الملائكة يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ «3» ثمّ قال إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً «4» كيف لا يفترون و هم يصلّون على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟ فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: إنّ اللّه تبارك و تعالى لمّا خلق محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أمر الملائكة فقال: أنقصوا من ذكري بمقدار
__________________________________________________
 (1) سورة الأنبياء: الآية 20.
 (2) سورة البقرة: الآية 161.
 (3) سورة الأنبياء: الآية 20.
 (4) سورة الأحزاب: الآية 56.

16
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 11

.......... الصلاة على محمّد، فقول الرجل: صلّى اللّه على محمّد في الصلاة مثل قوله: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلاّ اللّه و اللّه أكبر «1».
و في بعض الأخبار: أنّ حملة العرش يتجاوبون بصوت رخيم، يقول أربعة منهم:
سبحانك و بحمدك على حلمك بعد علمك، و أربعة يقولون: سبحانك و بحمدك على عفوك بعد قدرتك «2».
و عن الصادق عليه السّلام قال: أنفاسهم تسبيح «3».
و في رواية: ليس شي‏ء من إطباق أجسادهم إلاّ و يسبّح اللّه و يحمده من ناحيته بأصوات مختلفة «4».
و من الغريب ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف عن أبي أمامة قال: إنّ الملائكة الذين يحملون العرش يتكلّمون بالفارسيّة ذكر ذلك الجلال السيوطي في الحبائك «5».
قوله عليه السّلام: «و لا يسأمون من تقديسك» سئم الشي‏ء منه- كفرح- سأما و سأما بالتحريك و ساءمة- بالمدّ- ضجر و ملّ و في التنزيل: لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ «6».
و التقديس: تنزيه اللّه تعالى و تبعيده اعتقادا و قولا و عملا عمّا لا يليق بجنابه من قدس في الأرض إذا ذهب فيها و أبعد.
و يقال: قدّسه أي طهّره، فإنّ مطهّر الشي‏ء مبعد له من الأقذار، فالتسبيح بمعنى التنزيه و التقديس يرجعان إلى معنى واحد و هو تبعيد اللّه عن السوء، إمّا في الذات:
__________________________________________________
 (1) بحار الأنوار: ج 94 ص 71- 72.
 (2) بحار الأنوار: ج 58 ص 19 ح 24. الدرّ المنثور: ج 5 ص 346.
 (3) بحار الأنوار: ج 59 ص 185 ح 28.
 (4) بحار الأنوار: ج 59 ص 182.
 (5) الحبائك للسيوطي: ص 50.
 (6) سورة فصّلت: الآية 49.

17
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 11

......... و يحصل بنفي الإمكان المستلزم لنفي الكثرة، المستلزم لنفي الجسميّة و العرضيّة و الضدّ و الندّ، و إمّا في الصفات: بأن يكون مبرّء عن العجز و الجهل و التغيّرات محيطا بكلّ المعلومات، قادرا على كلّ المقدورات، و إمّا في الأفعال: بأن لا يكون أفعاله عبثا، و لا لجلب المنافع إليه، و لا لدفع المضارّ عنه.
و قال بعضهم: بين التسبيح و التقديس فرق: و هو أن التسبيح: هو التنزيه عن الشريك و العجز و النقص، و التقديس: هو التنزيه عمّا ذكر و عن التعلّق بالجسم و قبول الانفعال و شوائب الإمكان، و إمكان التعدّد في ذاته و صفاته و كون الشي‏ء من كمالاته بالقوّة، فالتقديس أعمّ، إذ كلّ مقدّس مسبّح من غير عكس، و ذلك لأن الإبعاد من الذهاب في الأرض أكثر من الإبعاد من الذهاب في الماء. فالملائكة المقرّبون الذين هم أرواح مجرّدة بتجرّدهم و امتناع تعلّقهم و عدم احتجابهم عن نور ربّهم و قهرهم لما تحتهم بإفاضة النور عليه و تأثيرهم في غيرهم و كون كلّ كمالاتهم بالفعل مسبّحون مقدّسون و غيرهم من الملائكة السماويّة و الأرضيّة ببساطة ذواتهم و خواصّ أفعالهم و كمالاتهم مسبّحون بل كلّ شي‏ء مسبّح و ليس بمقدّس، و يقال:
سبّوح قدّوس و لا يعكس، انته.
و في نفي السأم عنهم تلميح إلى قوله تعالى: يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ هُمْ لا يَسْأَمُونَ «1». و إنّما كان السأم و الملال منفيّا عنهم، لأنّه عبارة عن إعراض النفس عن الشّي‏ء بسبب كلال بعض القوى الطبيعيّة عن أفعالها. و ذلك غير متصوّر في حقّ الملائكة السماويّة.
و في بعض الأخبار: ليس لحملة العرش كلام إلاّ أن يقولوا: قدّوس اللّه القويّ، ملأت عظمته السماوات و الأرض «2»*.
__________________________________________________
 (1) سورة فصّلت: الآية 38.
 (2) بحار الأنوار: ج 58 ص 19 ح 25.

18
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 11

وَ لا يَسْتَحسِرونَ مِن عِبادَتِكَ، وَ لا يُؤثِرُونَ التّقصيرَ عَلى‏ الجِدّ في أمرِكَ، وَ لا يَغفُلونَ عَن الوَلَهِ إِلَيْكَ.
 [ 233] لا يستحسرون: أي لا يتعبون و لا يعيون، من حسر حسورا كضرب و فرح أي تعب و أعيا، و كان الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور، و لكنّه أتى بصيغة الاستفعال المنبئة عن المبالغة في الحسور للتنبيه على أنّ عبادتهم لثقلها و دوامها حقيقة بأن يستحسر منها و مع ذلك لا يستحسرون لا لإفادة نفي المبالغة في الحسور مع ثبوت أصله في الجملة، كما أنّ نفي الظلاميّة في قوله تعالى: وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ «1» لإفادة نفي كثرة الظلم المفروض تعلّقه بالعبيد لا لإفادة نفي المبالغة في الظلم مع ثبوت أصل الظلم في الجملة.
و فيه: إشارة إلى قوله تعالى: وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ «2».
و آثر الشي‏ء بالمدّ: اختاره و فضّله.
و التقصير في الأمر: التواني فيه و هو خلاف الجدّ فيه، و المعنى أنّهم لا يختارون الراحة على تعب العبادة، فيقصّروا و يتوانوا في عبادته تعالى.
و قيل: المقصود نفي الأحوال البشريّة عنهم من التعب و الراحة لكونهما من توابع هذه الأبدان الحيوانيّة.
و الغفلة: عدم التفطّن للشي‏ء و غيبته عن البال و قد استعمل فيمن تركه إهمالا و إعراضا كما في قوله تعالى: وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ «3». يقال: غفلت عن الشي‏ء من باب قعد غفولا و غفلة و غفلا بالتحريك، و أغفلته إغفالا تركته إهمالا لا لعدم التفطّن له، و تغافل أرى من نفسه ذلك و ليس به.
و الوله إلى الشي‏ء: الحنين إليه، يقال: ولهت الأمّ إلى ولدها تله و توله من بابي‏
__________________________________________________
 (1) سورة ق: الآية 29.
 (2) سورة الأنبياء: الآية 19.
 (3) سورة الأنبياء: الآية 1.

19
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 11

.......... وعد و تعب، ولها بالتحريك: إذا حنّت إليه، و أمّا الوله بمعنى ذهاب العقل من فرح أو حزن فإنّما يعدّى بعلى فيقال: و له عليه، و المراد بوله الملائكة إليه سبحانه محبّتهم و عشقهم له و صدق رغبتهم فيما عنده فهو من باب إطلاق الملزوم و إرادة اللازم، و لمّا كانت الغفلة من لواحق القوى الإنسانيّة وجب أن تكون مسلوبة عن الملائكة السماويّة لسلب معروضها عنهم، و كلّ ذلك إشارة إلى كمال مراتبهم في صنوف عباداتهم و تأكيد لها بعدم النقصانات اللاحقة، فإنّ كلاّ من هذه الصفات المنفيّة- لو وجد- كان نقصانا فيما يتعلّق به و إعراضا عن الجهة المقصودة.
تنبيه‏
في قوله عليه السّلام: «و لا يؤثرن التقصير على الجدّ في أمرك» دلالة على أنّ الملائكة عليهم السّلام قادرون على التقصير، لكنّهم لا يؤثرونه اختيارا للجدّ عليه و تفاديا عنه، و المسألة محلّ خلاف.
فذهب الفلاسفة و أهل الجبر: إلى أنّهم خير محض، و أنّهم مطبوعون على الطاعات، لا قدرة لهم على الشرور و المعاصي.
و ذهبت المعتزلة و جمهور الإماميّة: إلى أنّ لهم قدرة على الأمرين بدليل قوله تعالى: وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ «1» و هذا يقتضي كونهم مزجورين «2».
و قوله تعالى: لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ* «3» و المدح بترك الاستكبار إنّما يحسن‏
__________________________________________________
 (1) سورة الأنبياء: الآية 29.
 (2) في «ألف»: موجودين.
 (3) سورة الأعراف: الآية 206، و الأنبياء: الآية 19.

20
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 20

وَ إِسْرافِيلُ صاحِبُ الصُّوْرِ الشّاخِصُ الّذي يَنتَظِرُ مِنْكَ الإِذنَ وَ حُلُولَ الأَمْرِ فَيُنَبِّهُ بِالنَّفْخَةِ صَرْعى‏ رَهائنَ القُبورِ.
لو كان قادرا على الاستكبار، و لو لا ذلك ما استحقّوا ثوابا على طاعاتهم، إذ لو كانوا مطبوعين على الطاعات لم يكن عليهم مشقّة في التكليف، فلم يستحقّوا ثوابا، و التكليف إنّما يحسن في كلّ مكلّف تعريضا للثواب، فلا بدّ أن يكون لهم شهوات فيما حظر عليهم و نفار عمّا أوجب عليهم حتّى تحصل فائدة التكليف. و اللّه أعلم*.
 [ 234] إسرافيل: عطف على حملة عرشك و هو بكسر الهمزة، اسم أعجمي مركّب مضاف إلى إيل بالكسر و هو اسم اللّه تعالى بالعبرانيّة. قيل: هو رباعي. و قيل:
خماسي و الهمزة أصليّة.
أخرج ابن جرير من العامّة، عن عليّ بن الحسين عليهما السّلام قال: «كلّ شي‏ء رجع إلى إيل فهو عبد اللّه عزّ و جلّ» «1».
قال الأخفش: و يقال في لغة إسرافين- بالنون- كما قالوا جبرين و اسماعين و إسرائين «2». و إنّما أفرده بالذكر مع أنّه من جملة حملة حال العرش كما تقدّم في بعض الأخبار لإظهار فضله كأنّه من جنس آخر أشرف ممّا ذكر تنزيلا للتغاير في الوصف، منزلة تغاير في الجنس و لاختصاصه دونهم، بكونه صاحب الصور، فخصّه بالذكر من بينهم ليرتّب عليه الوصف المختصّ به و في تقديمه على من بعده في الذكر دلالة على تفضيله، و يدلّ عليه أيضا ما روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
 «أنّ ملك اللّه الذي يليه إسرافيل» «3».
و عن ابن مسعود: «أنّ أقرب الخلق من اللّه إسرافيل» «4».
__________________________________________________
 (1) تفسير الطبري: ج 1 ص 347 مع اختلاف يسير في العبارة.
 (2) لسان العرب: ج 14 ص 383، و الصحاح: ج 6 ص 2376.
 (3) الدّر المنثور: ج 1 ص 93.
 (4) الأنوار النعمانية: ج 1 ص 205 من دون نسبة إلى ابن مسعود.

21
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 20

......... و عن الهذلي قال: «ليس شي‏ء أقرب إلى اللّه من إسرافيل و بينه و بين اللّه سبعة حجب» «1».
و الصور- بالضم- القرن ينفخ فيه، و الشاخص فاعل من شخص كمنع شخوصا ارتفع أو من شخص بصره إذا فتح عينه لا يطرف، و ربّما عدّي بالباء فقيل: شخص ببصره فهو شاخص. و الإذن- بالكسر- اسم من أذنت له في كذا أطلقت له فعله. و حلول الأمر نزوله أو انتهاء أجله من حلّ الدين إذا انته أجله و وجب أداؤه، و يقال: حلّ أمر اللّه عليه أي: وجب.
أخرج أبو الشيخ عن وهب قال: «خلق اللّه الصور من لؤلؤة بيضاء في صفاء الزجاج، ثمّ قال للعرش: خذ الصور فتعلّق به، ثمّ قال: كن، فكان إسرافيل، فأمره أن يأخذ الصور فأخذه و به ثقب بعدد كلّ روح مخلوقة و نفس منفوسة لا تخرج روحان من ثقبة واحدة و في وسط الصور كرّة كاستدارة السماء و الأرض، و إسرافيل واضع فمه على تلك الكرّة، ثمّ قال له الرّب: قد وكّلتك بالصور فأنت للنفخة و للصيحة فدخل إسرافيل في مقدّم العرش فأدخل رجله اليمنى تحت العرش و قدّم اليسرى و لم يطرف منذ خلقه اللّه، ينتظر ما يؤمر به «2».
و عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: كيف أنعم و صاحب الصور قد التقم القرن و حنا جبهته و أصغى سمعه ينتظر متى يؤمر فينفخ، قالوا: فما نقول يا رسول اللّه؟ قال: قولوا حسبنا اللّه و نعم الوكيل «3».
و روي عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال: لمّا فرغ اللّه من خلق السماوات و الأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل عليه السّلام فهو واضعه على فيه،
__________________________________________________
 (1) علم اليقين: ج 1 ص 315 و فيه «العرش» بدل «اللّه» و من دون نسبة إلى الهذلي.
 (2) بحار الأنوار: ج 59 ص 261 ح 37، و الدرّ المنثور: ج 5 ص 338.
 (3) بحار الأنوار: ج 59 ص 261 ح 39 مع اختلاف يسير في العبارة.

22
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 20

 .......... شاخص بصره إلى العرش متى يؤمر، قيل: يا رسول اللّه ما الصور؟ قال: القرن، قيل:
كيف هو؟ قال: عظيم! و الّذي نفسي بيده أنّ عظم داره فيه كعرض السماوات و الأرض فيؤمر بالنفخ فيه، فينفخ نفخة لا يبقى عندها في الحياة أحد إلاّ من شاء اللّه، و ذلك قوله تعالى: وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ «1». ثمّ يؤمر باخرى فينفخ نفخة لا يبقى معها ميّت إلاّ بعث و قام، و ذلك قوله تعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى‏ فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ «2» «3».
و إلى النفخة الثانية: أشار سيّد العابدين بقوله: «فينبّه بالنفخة صرعى رهائن القبور» الفاء عاطفة سببيّة و المعطوف عليه محذوف و التقدير: فينفخ فينبّه، كقوله تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ «4» أي فضرب فانفجرت.
و التنبيه: الإيقاظ من النوم، و لمّا كان الموت شبيها بالنوم حتّى أطلق لفظ الموت عليه، فقيل: مات بمعنى نام.
و في الحديث: كما تنامون تموتون «5»، استعار التنبيه لبعث الأموات.
و النفخة المرّة من نفخ بفمه إذا أخرج منه الريح.
و الصرعى: جمع صريع بمعنى مصروع كقتلى جمع قتيل، و أسرى جمع أسير و هو من الصرع بمعنى الطرح على الأرض، و الصريع من الأغصان ما تهدّل و سقط على الأرض.
قيل: و منه قيل للقتيل: صريع.
و الرهائن: جمع رهينة و هو الرّهن و الهاء للمبالغة كالشتيمة و الشتم بمعنى المرهون و المشتوم.
__________________________________________________
 (1) سورة الزمر: الآية 68.
 (2) سورة الزمر: الآية 68.
 (3) الدرّ المنثور: ج 5 ص 339.
 (4) سورة البقرة: الآية 60.
 (5) لم نعثر عليه بلفظه بل وجدنا قريبا منه في السيرة الحلبية: ج 1 ص 285 و إليك نصّه: «لتموتن كما تنامون».

23
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 20

.......... قال الزمخشري: ليست الرهينة بتأنيث رهين بمعنى مرهون لأنّ فعيلا هذا يستوي فيه المذكّر و المؤنّث، بل هي مصدر أقيم مقام المرهون كالرهن و قولهم: هو رهينة في يده، و قوله:
 أبعد الذي بالنعف نعف كويكب             رهينة رمس ذي تراب و جندل‏
 دليل على ما قلناه «1»، انته.
قلت: و يجوز أن تكون الرهائن جمع رهين لا رهينة فإنّهم نصّوا على أنّه جمع لهما.
قال أبو حيّان في الارتشاف «2»: رهين و رهينة، قالوا: فيهما رهائن و استعار لفظ الرهائن للموتى باعتبار لزوم القبور لهم و عدم انفكاكهم عنها كالرهن في يد المرتهن، أو باعتبار كونهم ملزومين في القبور بأعمالهم، و يحتمل أن يكون رهينة بمعنى راهنة من رهن الشي‏ء رهونا إذا ثبت و دام فيكون المراد برهائن القبور الأشخاص المقيمة الثابتة في قبورها فلا يكون الكلام استعارة و إضافة صرعى إلى الرهائن من إضافة الصفة إلى الموصوف أي رهائن القبور الصرعى.
تنبيه‏
قال بعض المحقّقين: النفخة نفختان: نفخة تطفي النار و نفخة تشعلها. قال تعالى: وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى‏ فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ «3». فينفخ إسرافيل نفخة واحدة فتمرّ على الصور المشتعلة بأرواحها سماويّة كانت أو أرضيّة، فتطفئها ثمّ ينفخ نفخة أخرى‏
__________________________________________________
 (1) تفسير الكشّاف: ج 4 ص 654 مع اختلاف يسير في العبارة.
 (2) لم نعثر على كتاب الارتشاف.
 (3) سورة الزمر: الآية 68.

24
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 24

وَ ميكائيلُ ذُو الجاهِ عِندَكَ وَ المَكانِ الرّفيعِ مِن طاعَتِكَ.
فتمرّ على الصور المستعدّة للاشتعال بأرواحها فتشتعل بها فإذا هم قيام ينظرون، فتقوم تلك الصور أحياء ناطقة بما ينطقها اللّه، فمن ناطق بالحمد للّه، و من ناطق بقول من: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا «1» و من ناطق بالحمد للّه الّذي أحيانا بعد ما أماتنا و إليه النشور، و كلّ ينطق بحسب علمه و حاله و ما كان عليه و نسي حاله في البرزخ و يتخيّل أنّ ذلك منام كما يتخيّله المنتبه من نومه، و قد كان عند موته و انتقاله إلى البرزخ كالمستيقظ هناك، و أنّ الحياة كانت له كالمنام، «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» «2» و في الآخرة يعتقد في أمر الدنيا و البرزخ أنّه منام في منام، و لمّا كان الغرض من النفخة الأولى هي النفخة الثانية، و كانت كاللازم لها لأنّ الحياة في نشأة عالية يلزمها الموت عن نشأة سافلة اقتصر عليه السّلام على ذكر النفخة الثانية في قوله: «فينبّه صرعى رهائن القبور»*.
 [ 235] أخرج الديلمي عن أبي أمامة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
اسم ميكائيل عبيد اللّه «3».
و فيه لغات: ميكائيل كميكاعيل، و ميكال كميعاد، و ميكائل كميكاعل، و ميكئل كميكعل، و ميكييل كميكعيل، و بكلّها قرئ، و بإبدال اللام نونا ميكائين كإسرائين.
روي أنّه موكّل بأرزاق الأجساد و الحكمة و المعرفة للنفوس و له أعوان موكّلون على جميع العالم، من شأنهم أحداث قوّة النهوض في الأركان و المولدات و غيرها، التي بها الوصول إلى الغايات و بلوغ الكمال كملائكة الرياح و السحب و الأمطار
__________________________________________________
 (1) سورة يس: الآية 52.
 (2) شرح على المائة كلمة للبحراني ص 54.
 (3) اعلم أن ما أخرج الديلمي، عن أبي أمامة ليس ما هو المذكور في هذا الكتاب بل المذكور هنا ما جاء عن طريق ابن جرير، عن علي بن الحسين عليه السّلام راجع الدرّ المنثور: ج 1 ص 91.

25
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 24

وَ جَبرَئيلُ الأمينُ عَلى وَحْيِكَ المُطاعُ في أهلِ سَماواتِكَ المَكينُ لَدَيكَ المُقَرَّبُ عِندَكَ.
و النبات و الحيوان و المعادن، فكلّ ذلك بأعوانه «1».
و الجاه: القدر و المنزلة، يقال: فلان ذو جاه أي قدر و حرمة.
قالوا: و هو مقلوب من الوجه، من قولهم وجه الرجل- بالضمّ- أي صار وجيها ذا جاه و قدر، و الاسم الوجاهة.
و في حديث عائشة: كان لعليّ وجه من الناس حياة فاطمة «2». قال ابن الأثير في النهاية: أي جاه و عزّ فقدهما بعدها «3».
و المكان: الموضع.
و الرفيع: إمّا بمعنى مفعول من رفعه كمنعه ضدّ وضعه، أو بمعنى فاعل من رفع ككرم رفعة بالكسر أي شرف و علا قدره و هو رفيع.
و الطاعة: لغة الانقياد، و اصطلاحا موافقة الأمر.
و قيل: موافقة الإرادة و المراد بجاهه عنده تعالى كرامته لديه كما قال تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ «4»، و برفعة مكانه في طاعته تعالى كمال عبادته له، و يحتمل أن يشير بذلك إلى ما روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال: مؤذّن أهل السماوات جبرئيل، و إمامهم ميكائيل يؤمّ بهم عند البيت المعمور «5». فإنّ الإمامة مكان رفيع في الطاعة لا يرشح لها إلاّ من كان أرفع مكانا و أجمع لشرائطها*.
 [ 236] أخرج ابن جرير من طريق عكرمة عن ابن عبّاس قال: جبرئيل عبد اللّه‏
__________________________________________________
 (1) راجع بحار الأنوار: ج 59 ص 221. و هكذا البداية و النهاية: ج 1 ص 46.
 (2) صحيح البخاري: ج 5 باب غزوة خيبر ص 177، و ليس فيه جملة «من الناس».
 (3) النهاية لابن الأثير: ج 5 ص 159.
 (4) سورة الحجرات: الآية 13.
 (5) عثرنا على الجملة الأخيرة في الدرّ المنثور: ج 1 ص 93.

26
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 24

.......... و ميكائيل عبيد اللّه، و كلّ اسم فيه إيل معبد للّه «1».
و أخرج عن عبد اللّه بن الحارث قال: «إيل» اللّه بالعبرانيّة «2».
و قيل: اسم جبرئيل في الملائكة: خادم اللّه.
قال ابن جنّي: أصل جبرئيل كوريال فغيّر بالتعريب و طول الاستعمال إلى ما ترى «3»، و فيه لغات جبريل بكسر الجيم و الراء بلا همز، و جبريل بفتح الجيم و كسر الراء بلا همز، و جبرائل، بهمزة بعد الألف، و جبراييل بياءين بلا همز، و جبرئيل بهمزة و ياء بلا ألف، و جبرئيلّ مشدّدة اللام و قرئ بهن، و جبرين «4» بالنون مع فتح الجيم و كسرها، و فيه لغات أخرى، و المروي منها في الدعاء اللغة الأولى و الخامسة.
و الأمين: الحافظ لما كلّف بحفظه عن تطرّق الخلل إليه، و لمّا كان الوحي النازل بواسطته محفوظا نازلا كما هو صدق عليه.
و المطاع في أهل سماواتك: أي الملائكة السماويّة، فإنّهم يصدرون عن أمره و يرجعون إلى رأيه كما ورد في الخبر.
و المكين: فعيل بمعنى فاعل من مكن عند الملك مكانة كضخم ضخامة عظم عنده و ارتفع فهو مكين.
و المقرّب: قرب منزلة و رتبة لا قربا مكانيا.
و العنديّة: عنديّة إكرام و تشريف، لا عنديّة مكان لتنزّهه تعالى عن المكان، لكنّه عبّر بذلك تنزيلا له لكرامته عليه و زلفاه عنده منزلة المقرّب عند الملك بطريق‏
__________________________________________________
 (1) تفسير الطبري: ج 1 ص 346- 347 مع اختلاف يسير في ذيل الحديث، هذا و لكن نصّ الرواية مرويّة عن طريق علي بن الحسين عليه السّلام في الدرّ المنثور: ج 1 ص 91.
 (2) تفسير الطبري: ج 1 ص 347.
 (3) تفسير الكشّاف: ج 1 ص 170 نقلا بالمضمون و إليك نصّه: قال ابن جنّي: العرب إذا نطقت بالاعجمي خلطت فيه.
 (4) في «ألف» جبرئين.

27
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 24

.......... التمثيل، و في هذه الصفات تلميح إلى قوله تعالى في وصفه إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ. مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ «1».
روي أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال لجبرئيل عليه السّلام:
ما أحسن ما أثنى عليك ربّك ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ. مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ.
فما كانت قوّتك و ما كانت أمانتك؟ فقال: أمّا قوّتي، فإنّي بعثت إلى مدائن لوط و هي أربع مدائن، في كلّ مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذراري، فحملتهم من الأرض السفلى حتّى سمع أهل السماوات أصوات الدجاج و نباح الكلاب، ثمّ هويت بهنّ فقلبتهنّ. و أمّا أمانتي: فإنّي لم أومر بشي‏ء فعدوته إلى غيره «2».
تنبيه‏
قد يقال في تقديم: ميكائيل في الذكر دلالة على أنّه أفضل من جبرئيل، لكن يعارضه تقديم اللّه تعالى جبرئيل في الذكر في قوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ «3». و الأخبار في ذلك متعارضة.
أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول: عن زيد بن رفيع قال: دخل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جبرائيل و ميكائيل و هو يستاك فناول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جبرئيل السواك فقال جبرئيل كبّر. قال الترمذي:
أي ناول ميكائيل فإنّه أكبر «4».
__________________________________________________
 (1) سورة التكوير: الآية 19 و 20 و 21.
 (2) بحار الأنوار: ج 59 ص 263 ح 50.
 (3) سورة البقرة: الآية 98.
 (4) الدرّ المنثور: ج 1 ص 93 بلا إسناد إلى كتابه.

28
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 28

وَ الرُّوح الّذي هُوَ عَلى مَلائكَةِ الحُجُبِ.
و أخرج الطبراني عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ألا أخبركم بأفضل الملائكة جبرئيل «1». و اللّه أعلم*.
 [ 237] الروح هنا: إمّا اسم ملك موكّل على ملائكة الحجب. أو صفة له، على أنّ الملائكة كلّها أرواح، و يؤيّد كونه صفة: ما روي عن الربيع بن أنس: أنّ الملك الموكّل بالحجب يقال له: ميطاطروش «2».
و الحجب: جمع حجاب و هو الستر، و الأصل فيه جسم حائل بين جسدين.
و استعمل في المعاني. فقيل: العجز حجاب بين الإنسان و مراده، و المعصية حجاب بين العبد و ربّه.
و المراد بالحجب هنا: ما فوق السماوات من الأنوار و الكلمات و غيرها التي حجبت عن تعلّق علوم المخلوقين بما وراءها.
ففي الخبر: إنّ ما فوق السماء السابعة صحارى من نور، و لا يعلم ما فوق ذلك إلاّ اللّه تعالى «3».
و عن وهب بن منبه: فوق السماوات حجب فيها ملائكة لا يعرف بعضهم بعضا لكثرتهم، يسبّحون اللّه بلغات مختلفة و أصوات كالرعد القاصف «4».
و روى رئيس المحدّثين «قدّس سرّه» بإسناده عن وهب قال: سئل أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه عن الحجب فقال: أوّل الحجب سبعة غلظ كلّ حجاب منها مسيرة خمسمائة عام، و بين كلّ حجاب مسيرة خمسمائة عام، و الحجاب الثاني سبعون حجابا، بين كلّ حجابين مسيرة خمسمائة عام و طوله خمسمائة عام حجبة كلّ حجاب منها سبعون ألف ملك، قوّة كلّ ملك منها قوّة الثقلين، منها كلمة و منها نور و منها نار و منها دخان و منها سحاب و منها برق و منها رعد
__________________________________________________
 (1) الدرّ المنثور: ج 1 ص 92.
 (2) الدرّ المنثور: ج 1 ص 44.
 (3) الدرّ المنثور: ج 1 ص 44.
 (4) لم نعثر عليه.

29
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 28

.......... و منها ضوء و منها رمل و منها جبل و منها عجاج و منها ماء و منها أنهار، و هي حجب مختلفة غلظ كلّ حجاب مسيرة ألف عام، ثم سرادقات الجلال و هي ستّون سرادقا، في كلّ سرادق سبعون ألف ملك، بين كلّ سرادق و سرادق مسيرة خمسمائة عام، ثمّ سرادق الفخر، ثمّ سرادق الكبرياء، ثمّ سرادق العظمة، ثمّ سرادق القدس، ثمّ سرادق الجبروت، ثمّ سرادق العزّ، ثمّ النّور الأبيض، ثمّ سرادق الوحدانيّة و هو مسيرة سبعين ألف عام، ثمّ الحجاب الأعلى، و انقضى كلامه و سكت عليه السّلام!!! فقال عمر: لا بقيت ليوم لا أراك فيه يا أبا الحسن!!. «1» قال ابن الفارسي: إنّما هي الحجب مضروبة على العظمة العليا من خلق اللّه تعالى التي لا يقدر قدرها و ليست مضروبة على اللّه تعالى لأنّه سبحانه لا يوصف بمكان و لا بأنّه مستتّر بحجاب «2».
قلت: و قد أشار أمير المؤمنين عليه السّلام إلى هذه الحجب و السرادقات في خطبته في صفة الملائكة عليهم السّلام حيث قال: و بين فجوات تلك الفروج زجل «3» المسبّحين منهم في حظائر القدس و سترات الحجب و سرادقات المجد «4».
و في الحديث المشهور عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أنّ للّه تعالى سبعين ألف حجاب من نور و ظلمة لو كشفها لاحترقت سبحات وجهه ما انته إليه بصره «5».
و للعلماء في تأويل هذا الحديث كلام طويل، و مجمله: أنّ الحجاب في حقّه تعالى محال، فلا يمكن فرضه إلاّ بالنسبة إلى العبد. و تحقيق الحجب: أنّ الطالب له‏
__________________________________________________
 (1) التوحيد: ص 278 مع اختلاف يسير.
 (2) بحار الأنوار: ج 58 ص 40 مع تقديم و تأخير، عن الصدوق (ره).
 (3) الزجل: رفع الصوت.
 (4) نهج البلاغة: خطبة 91 ص 128.
 (5) بحار الأنوار: ج 58 ص 45 ح 13 مع اختلاف يسير.

30
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 28

وَ الرّوحُ الّذي هُوَ مِن أمرِكَ.
مقامات كلّ منها حجاب له قبل الوصول إليه و مراتب المقامات غير متناهية فتكون مراتب الحجب أيضا غير متناهية و حصرها في سبعين ألف لا يدرك إلاّ بنور النبوّة، أو المراد بالسبعين معنى الكثرة، فإنّ السبعين جار مجرى المثل في الكثرة*.
 [ 238] يحتمل: أن يكون المراد بالأمر هنا: الشأن و الإضافة، للاختصاص العلمي لا الإيجادي، لاشتراك الكلّ فيه، و فيها من تشريف المضاف ما لا يخفى، أي الروح الذي هو من جنس ما استأثرت بعلمه من الأسرار الخفيّة التي لا يكاد يحوم حولها عقول البشر.
و يحتمل: أن يكون المراد به: عالم الأمر المقابل لعالم الخلق المعبّر عنهما بعالم الغيب و الشهادة و الملكوت و الملك، فعالم الأمر هو الأوّليّات العظام المخلوقة للبقاء من غير مادّة و أصل، من الروح و العقل و القلم و اللوح و العرش و الكرسي و الجنّة و النار، و سمّي بعالم الأمر: لأنّ اللّه عزّ و جلّ أوجده بأمره لا من شي‏ء، و عالم الخلق:
هو الموجودات المخلوقات للفناء من مادّة مستحيلة كائنة فاسدة، و سمّي بعالم الخلق:
لأنّه تعالى خلقه من شي‏ء له مساحة و تقدير إذ كان الخلق بمعنى المساحة و التقدير، فالمعنى الروح الذي من إبداعاتك الكائنة من عالم الأمر بمحض الأمر التكويني من غير تحصّل من مادّة و تولّد من أصل، و ليس هذا من قبيل قوله سبحانه: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «1» فإنّ ذلك عبارة من سرعة التكوين سواء كان الكائن من عالم الأمر أو من عالم الخلق.
و يدلّ على هذا المعنى ما رواه أبو جعفر الصفّار في بصائر الدرجات بإسناده عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قوله عزّ و جلّ: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي قال: خلق أعظم من جبرئيل و ميكائيل كان مع‏
__________________________________________________
 (1) سورة يس: الآية 82.

31
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 28

.......... رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو من الأئمّة و هو من الملكوت «1».
فقوله عليه السّلام و هو من الملكوت ظاهر في أنّه تفسير للأمر.
و بإسناده عن أبي الصباح الكناني قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:
 «وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا» قال: خلق و اللّه أعظم من جبرئيل و ميكائيل و كان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يخبره و يسدّده و هو مع الأئمّة من بعده «2».
و بإسناده عن عليّ بن أسباط قال: سأله رجل من أهل هيت و أنا حاضر عن قول اللّه عزّ و جلّ: وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا قال: منذ «3» أنزل اللّه ذلك الروح على محمّد صلّى اللّه عليه و آله ما صعد إلى السّماء و أنّه لفينا «4».
و بإسناده عن سعد الأسكاف قال: أتى رجل عليّ بن أبي طالب عليه السّلام يسأله عن الروح أ ليس هو جبرئيل؟ فقال له عليّ عليه السّلام: جبرئيل من الملائكة و الروح غير جبرئيل. فقال له: لقد قلت عظيما من القول: ما أحد يزعم أنّ الروح غير جبرئيل. فقال له عليّ عليه السّلام: إنّك ضالّ تروي عن أهل الضلال، يقول اللّه تبارك و تعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أَتى‏ أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ. يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ «5»، و الروح غير جبرئيل «6».
و روي عنه عليه السّلام: إنّ له سبعين ألف وجه، و لكلّ وجه سبعون ألف لسان، لكلّ لسان سبعون ألف لغة، يسبّح اللّه تعالى بتلك اللغات كلّها، و يخلق اللّه من كلّ تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة و لم يخلق اللّه أعظم من الروح‏
__________________________________________________
 (1) بصائر الدرجات: ص 482 ح 9.
 (2) الكافي: ج 1 ص 273 ح 1.
 (3) في «ألف»: مذ.
 (4) الكافي: ج 1 ص 273 ح 2.
 (5) سورة النحل: الآية 1 و 2.
 (6) الكافي: ج 1 ص 274 ح 6 مع اختلاف يسير.

32
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 28

فَصَلِّ عَليهِم غير العرش و لو شاء أن يبلع السماوات السبع و الأرضين السبع بلقمة واحدة لفعل، فسبحان من هو على كلّ شي‏ء قدير «1»* خبر قوله و حملة عرشك، و «الفاء» إمّا زائدة عند من يجيز زيادتها في الخبر و هو الأخفش مطلقا و الفرّاء و الأعلم و جماعة إن كان أمرا أو نهيا، أو هي جواب لأمّا مقدّرة «2».
قال الرضي: و قد تحذف «أمّا» لكثرة الاستعمال نحو قوله تعالى: وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ. وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ و هذا فَلْيَذُوقُوهُ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا و إنّما يطّرد ذلك إذا كان ما بعد الفاء أمرا أو نهيا و ما قبلها منصوبا به أو بمفسّر به «3».
انته.
لا يقال: ما قبل الفاء هنا ليس منصوبا بما بعدها بل هو مرفوع على الابتداء.
لأنّا نقول: هو في حكم المنصوب به إذ هو مفعول في المعنى و لو لا تعلّق الجارّ به لجاز نصبه به، ألا ترى أنّ الأفعال اللازمة المعدّاة بحرف جرّ إذا نزع الجارّ منها نصبت ما كان مجرورا نحو: ذهبت الشام، و تسميتهم نحو ذلك منصوبا بنزع الخافض تسامح*.
قال ابن هشام: سقوط الخافض لا يقتضي النصب من حيث سقوط الخافض بل من حيث إنّ العامل الذي كان الجارّ متعلّقا به لما زال الجارّ من اللفظ ظهر أثره لزوال ما كان يعارضه، فإذا لم يكن في الكلام ما يقتضي النصب من فعل أو شبهه لم يجز النصب «4»، انته.
و قول بعضهم: أنّ الفاء فصيحة: خبط صريح*.
__________________________________________________
 (1) بحار الأنوار: ج 59 ص 222.
 (2) مغني اللبيب: ص 219.
 (3) شرح الكافية: ج 2، ص 399.
 (4) الحدائق النديّة: ص 182.

33
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 28

وَ عَلى الملائِكَةِ الّذينَ مِن دُونِهم مِن سُكّانِ سَماواتِكَ، وَ أهلِ الأمانَةِ عَلى رِسالاتِكَ من دونهم: أي من تحتهم مقدارا و مكانا.
 [ 239] روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال: خلق اللّه السماء الدنيا فجعلها سقفا محفوظا و جعل فيها حرسا شديدا و شهبا ساكنها من الملائكة أولوا أجنحة مثنى و ثلاث و رباع في صورة البقر، مثل عدد النجوم لا يفترون من التسبيح و التهليل و التكبير.
و أمّا السماء الثانية: فساكنها عدد القطر في صورة العقبان لا يسأمون و لا يفترون و لا ينامون منها ينشقّ السحاب حتّى يخرج من تحت الخافقين، فينتشر في جوّ السماء معه «1» ملائكة يصرفونه حيث أمروا به أصواتهم التسبيح و تسبيحهم تخويف.
و أمّا السماء الثالثة: فسكّانها عدد الرمل في صورة الناس يجأرون إلى اللّه الليل و النهار.
و أمّا السماء الرابعة: فسكّانها عدد أوراق الشجر صافون مناكبهم في صورة الحور العين من بين راكع و ساجد تبرق سبحات وجوههم ما بين السماوات السبع و الأرض السابعة.
و أمّا السماء الخامسة: فإنّ عددها يضعف على سائر الخلق في صورة النسر منهم الكرام البررة و العلماء السفرة.
و أمّا السماء السادسة: فحزب اللّه الغالب و جنده الأعظم في صورة الخيل المسوّمة.
و أمّا السماء السابعة: ففيها الملائكة المقرّبون الذين يرفعون الأعمال في بطون الصحف و يحفظون الخيرات، فوقها حملة العرش الكرّوبيّون «2».
__________________________________________________
 (1) في «ألف»: و معه.
 (2) لم نعثر عليه.

34
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 28

.......... و عن أبي ذر «رضي اللّه عنه» قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
اطّت السماء و حقّ لها أن تئط، ما عليها موضع أربعة أصابع إلاّ و عليه ملك واضع جبهته «1».
و عن جابر بن عبد اللّه «رضي اللّه عنه» قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ما في السماوات السبع موضع قدم و لا شبر و لا كفّ إلاّ و فيه ملك قائم أو ملك ساجد أو ملك راكع فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعا: سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك إلاّ أنّا لم نشرك بك شيئا «2».
و من خطبة لأمير المؤمنين عليه السّلام: و ليس في أطباق السماوات موضع إهاب «3» إلاّ و عليه ملك ساجد أو ساع حافد «4» يزدادون على طول الطاعة بربّهم علما و تزداد عزّة ربّهم في قلوبهم عظما «5».
قوله عليه السّلام «و أهل الأمانة على رسالاتك»: يحتمل أن يكون معطوفا على الملائكة و أن يكون معطوفا على أهل سماواتك و الراد بهم الذين جعلهم اللّه وسائط بينه و بين رسله في تأدية خطابه الكريم إليهم، و سرّ هذا التوسّط أنّ المخاطبة تقتضي مناسبة بين المتخاطبين فاقتضبت الحكمة توسّط الملك ليتلقّف الوحي بوجهه الذي في عالم الملكوت و القدرة من اللّه سبحانه تلقّفا روحانيّا و من اللوح المحفوظ و يلقيه بوجهه الذي في عالم الملك و الحكمة إلى النبيّ عليه السّلام، لأنّ من خواصّ الملك أن يتمثّل للبشر فيراه جسما، فربّما ينزل الملك إلى الصورة البشريّة و ربّما يترقى النبيّ عليه السّلام إلى الرتبة الملكيّة و يتعرّى عن الكسوة البشريّة فيأخذ عنه الوحي، و لمّا
__________________________________________________
 (1) بحار الأنوار: ج 59 ص 199 ح 69، و الأطيط: صوت الأقتاب، و أطيط الإبل أصواتها و حنينها.
 (2) تفسير ابن كثير: ج 7 ص 161.
 (3) الإهاب: الجلد قبل ان يدبغ، المصباح المنير: ص 38.
 (4) نحفد: نسرع إلى الطاعة، المصباح المنير: ص 194.
 (5) نهج البلاغة: خطبة 91 ص 131.

35
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 28

وَ الّذينَ لا تَدخُلُهمْ سَامَةٌ من دُؤُوبٍ، وَ لا إِعْياءٌ مِن لُغُوبٍ وَ لا فُتُورٌ.
وَ لا تَشْغَلُهُمْ عَن تَسبيحِكَ الشهواتِ، وَ لا يَقْطَعُهمْ عَن تَعظيمِكَ سَهْوُ الغَفَلاتِ كان ذو الأمانة هو الحافظ لما أمن عليه ليؤدّيه إلى مستحقّه و كانت الرسالات النازلة بواسطة الملائكة نازلة كما هي محفوظة عن الخلل الصادر عن سهو لعدم معروضات السهو هناك أو عن عمد لعدم الداعي إليه و لقوله تعالى: يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ «1» صدق أنّهم أهل الأمانة على رسالاته تعالى*.
 [ 240] السامة: كسحابة الملل، أي لا يدخل إليهم و لا يعتريهم ملل من أجل دءوب أي اجتهاد و جدّ في العمل.
و لا إعياء: أي تعب.
يقال: أعياني كذا بالألف اعياء فأعييت أنا يستعمل لازما و متعدّيا و أعيا في مشيه فهو معيى منقوص.
و أمّا عييت كرضيت فهو من العي بالكسر، و هو الحصر في المنطق.
و اللغوب: الكلال.
و الفتور: الانكسار و الضعف و هو مرويّ بالجرّ عطفا على لغوب، و بالضمّ عطفا على إعياء، و التصريح بنفيه مع استلزام ما قبله له للمبالغة في انتفاء كلّ منهما و تنكير كلّ من هذه الأحوال للدلالة على أنّه لا يدخلهم شي‏ء ما من ذلك و لا حالة منه في الجملة.
و قد سبق بيان وجه انتفاء ذلك عنهم في صدر الكلام على هذا الدعاء فليرجع إليه*.
 [ 241] الشهوات: جمع شهوة، و هي حركة النفس طلبا للملائم.
__________________________________________________
 (1) سورة النحل: الآية 50.

36
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 28

.......... قيل: و هي ضربان محمودة و مذمومة.
فالمحمودة: من فعل اللّه تعالى، و هي قوّة جعلت في النفس لتنبعث بها النفس لنيل ما تظنّ أنّ فيه صلاح البدن و المذمومة: من فعل البشر، و هي استجابة النفس إلى مقتضي طباعها من اللذّات البدنيّة إلى حدّ الخروج عن حدّ الشريعة، و الهوى هو هذه الشهوة، و هي بقسميها منفيّة عن الملائكة عند الفلاسفة، إذ كانت من لوازم النفس الحيوانيّة و هي غير متصوّرة فيهم.
و ذهب جمهور الإماميّة و المعتزلة: أنّ لهم شهوات لكنّهم قاهرون لأنفسهم عن اتّباعها.
قال الشريف المرتضى «رضي اللّه عنه»: نحن نعلم على الجملة أنّ الملائكة إذا كانوا مكلّفين فلا بدّ أن يكون عليهم مشاقّ في تكليفهم لو لا ذلك ما استحقّوا ثوابا على طاعاتهم، و التكليف إنّما يحسن في كلّ مكلّف تعريضا للثواب و لا يكون التكليف عليهم شاقّا إلاّ و يكون لهم شهوات فيما حظر عليهم و نفارّ عمّا أوجب عليهم «1»، انته.
و قطعته عن الشي‏ء: حبسته و منعته.
و التعظيم: الإجلال و التوقير.
و السهو: عدم التفطّن للشي‏ء مع بقاء صورته، أو معناه في الخيال أو الذكر بسبب اشتغال النفس و التفاتها إلى بعض مهمّاتها.
و الغفلة: عدم خطور الشي‏ء في البال بالفعل فهي أعمّ من السهو.
قيل: و لمّا كان ذلك من لواحق القوى الإنسانيّة كان مسلوبا عن الملائكة عليهم السلام*.
__________________________________________________
 (1) رسائل الشريف المرتضى: المجموعة الأولى ص 110.

37
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 28

 [ 242] الخُشَّعُ الأبْصارِ فَلا يَرومُونَ النّظَرَ إِلَيكَ، النّواكِسُ الأذْقانِ الّذينَ قَدْ طالَتْ رَغْبَتُهُمْ فيما لَدَيكَ.
الخشّع: جمع خاشع كركّع جمع راكع من خشع ببصره إذا غضّه. و قال تعالى:
خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ «1».
و رام الشي‏ء روما: طلبه، و خشوع أبصارهم إمّا على حقيقته بناء على القول بأنّهم أجسام، و في الخبر: إنّهم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور «2».
أو هو كناية عن كمال خشيتهم للّه تعالى و اعترافهم بقصور أبصار عقولهم عن إدراك ما وراء كمالاتهم المقرّرة لهم و ضعفها عمّا لا تحتمله من أنوار اللّه و عظمته في خلق عرشه و ما فوقه من مبدعاته، فإنّ شعاع أبصارهم منته واقف دون حجب عزّة اللّه تقدّس و تعالى فلا يطلبون النظر إليه سبحانه.
و النواكس: جمع ناكس، من نكس رأسه إذا طأطأه، و هو جمع شاذّ لا يقاس عليه لأنّ فواعل إنّما هو جمع فاعلة مثل ضاربة و ضوارب، أو جمع فاعل إذا كان صفة للمؤنّث مثل حائض و حوائض، أو كان لما لا يعقل كجمل بازل و بوازل و حائط و حوائط. فأمّا مذكّر من يعقل فلم يجمع عليه إلاّ فوارس و نواكس و هوالك.
و الأذقان: جمع ذقن بفتحتين كسبب و أسباب. و هو جمع قلّة استعمل في الكثرة إتّكالا على القرينة، و جمع الكثرة ذقون كأسد و اسود. و هو مجتمع اللحيين من أسفلهما.
و نكّسه: كناية عن نكس الرأس لاستلزامه له، و هو هنا إمّا على حقيقته أيضا، أو كناية عن كمال خضوعهم و انقهارهم تحت سلطان اللّه تعالى المشاهد في صورة عرشه و ملكوته.
و كنّى بطول رغبتهم: عن دوامها و ثبوتها إذ كانت رغبتهم و شوقهم إلى كمال‏
__________________________________________________
 (1) سورة القمر: الآية 7.
 (2) الدرّ المنثور: ج 5 ص 346.

38
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 28

المُستَهتِرُونَ بِذكرِ آلائِكَ، وَ المُتَواضِعُونَ دُونَ عَظَمَتِكَ وَ جَلال كِبرِيائِكَ ذواتهم من معرفته التامّة و كمال المحبّة له سبحانه دائمة ثابتة لا تنقطع لأنّ انقطاع الرغبة في الشي‏ء إنّما هو بانقطاع مادّتها، و مادّتها، إمّا دواعي النفس و ميولها و هي إنّما تنقطع باستيلاء الملال و الكلال على النفس أو مطلوبها و تصوّرها لنيله و انقطاعه إمّا باليأس منه أو بنيله، و مادّة رغبتهم فيما عنده بريّة عن القواطع إمّا من ذواتهم فلأنّ الملال و الكلال عن عوارض المركّبات العنصريّة و إمّا من مطلوبهم فلأنّه كمال معرفته تعالى بعد تصوّرهم لكمال ذلك المطلوب، و قد علمت أنّ درجات الوصول إلى معرفته تعالى غير متناهية لا جرم مدحهم بطول رغبتهم فيما لديه ليستلزم ذلك سلب انقطاع عبادتهم له عزّ و جلّ*.
 [ 243] المستهتر: بفتح العين المولع بالشي‏ء لا يتحدّث بغيره و لا يفعل غيره، و في الحديث سبق المفرّدون. قالوا: و ما المفرّدون قال: المستهترون بذكر اللّه «1».
و قد استهتر بكذا على ما لم يسمّ فاعله، و في نسخة ضبطه بكسر العين و لم ينصّ عليه أهل اللغة و اشتقاقه من الهتر بالفتح و هو مزق العرض و الشتم لأنّ المولع بالشي‏ء لا يبالي بما قيل فيه و شتم له، أو من الهتر بالضمّ و هو ذهاب العقل من مرض أو حزن.
قال الزمخشري في الفائق: استهتر فلان إذا ذهب عقله بالشي‏ء و انصرفت هممه إليه حتّى أكثر القول فيه و أولع «2» به.
و الآلاء: النعم جمع آلى و قد تقدّم الكلام عليه في الرّوضة الأولى، و هو كناية عن دوام شكرهم له تعالى و تعداد نعمه إذا كان لكلّ منهم مرتبة معيّنة من الكمال في العلم و القدرة لا يصل إليها من دونه و كلّ من كانت نعمة اللّه عليه أكمل و أتمّ كان شكره أعلى و طاعته أوفى.
__________________________________________________
 (1) النهاية لابن الأثير: ج 5 ص 242.
 (2) الفائق للزمخشري: ج 4 ص 91.

39
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 28

وَ الّذينَ يَقُولونَ إِذا نَظَروا إِلى‏ جَهَنَّمَ تَزْفِرُ عَلى‏ أَهْل مَعْصيتِكَ سُبحانَكَ ما عَبَدْناكَ حَقَّ عِبادَتِكَ.
و التواضع: الخشوع و الذّلّ للّه تعالى.
و عظمته تعالى عبارة عن علوّ شأنه و جلالة قدره و كمال شرفه و شدّة غنائه عن الخلق و نهاية افتقارهم إليه في الوجود و البقاء و الكمال إلى غير ذلك ممّا لا تحيط به العقول، و ليست عظمة مقداريّة و لا عدديّة لتنزّهه عن المقدار و المقداريّات و الكم و الكمّيّات.
و الجلال: العظمة.
و الكبرياء: الشرف و الرفعة و التجبّر و الملك.
و قيل: هي عبارة عن كمال الذات و كمال الوجود و لا يوصف بها إلاّ اللّه تعالى، و تواضعهم دون عظمته و جلال كبريائه: عبارة عن اعترافهم بذل الحاجة و الامتنان و النقص إلى جوده و وجوده و الانقهار تحت عظمته و كماله*.
 [ 244] جهنّم:- أعاذنا اللّه منها- اسم لنار الآخرة.
قيل: اسم عربيّ سمّيت نار الآخرة بها، لبعد قعرها من قولهم ركيّة جهنام و جهنّم إذا كانت بعيدة القعر و لم تصرف للتعريف و التأنيث.
و قيل: اشتقاقها من الجهومة و هي الغلظ، يقال: جهم الوجه أي غليظه فسميّت بجهنّم لغلظ أمرها في العذاب.
و قيل: هي عجميّة و عدم الصرف للعجمة، و التعريف.
و قيل: هي تعريب كهنام بالعبرانيّة.
و تزفر: جملة في محلّ النصب على الحال من جهنّم، يقال: زفر يزفر من باب كتب زفرا و زفيرا: أخرج نفسه بعد مدّه إيّاه، و الزفير أوّل صوت الحمار. و الشهيق آخره.
و قيل: الزفير في الحلق و الشهيق في الصدر.

40
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 28

.......... و قال الفارابي في ديوان الأدب: و الزفير أنين الحزين «1»، و المراد بزفيرها: صوت التهابها المنكر الفظيع. شبّهه بصوت المتغيّظ و زفيره. قال اللّه تعالى: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَ زَفِيراً «2» أي صوت تغيّظ.
روي أنّ جهنّم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلاّ ترعد فرائصه، حتّى أن إبراهيم عليه السّلام يجثو على ركبتيه و يقول نفسي نفسي «3».
و المعصية: ترك الانقياد و في إضافتها إليه سبحانه تعظيم لأمرها و إيذان باستحقاق أهلها أن تزفر عليهم جهنّم غيظا و غضبا.
سبحانك: منصوب على المصدريّة.
قيل: هو اسم مصدر وقع موقع المصدر و هو التسبيح بمعنى التنزيه.
و قيل: هو مصدر كالغفران و هو غير متصرف أي لا يستعمل إلاّ محذوف الفعل منصوبا على المصدريّة، و لا يكاد يستعمل إلاّ مضافا و إذا استعمل غير مضاف كان علما للتسبيح غير مصروف للعلميّة، و الألف و النون المزيدتين كعثمان علما لرجل فإنّ العلميّة كما تجري في الأعيان تجري في المعاني، و المعنى على الأوّل نسبّحك تسبيحا عمّا لا يليق بشأنك الأقدس من الأمور التي من جملتها عدم عبادتنا لك حقّ عبادتك و عنوا بذلك تسبيحا ناشئا عن كمال الاعتراف و الإيقان بالعجز عمّا يليق بمقامه الأعلى من العبادة، و على الثاني تنزّهت عن ذلك تنزّها ناشئا عن ذاتك، و لا يبعد أن يحمل على التعجّب كأنّه قيل ما أبعد من له هذه القدرة و القهر عن جميع النقائص فلا يكون خلقه لجهنّم و زفيرها على أهل معصيته إلاّ حكمة و صوابا، و أتعجّب من حال أهل معصيته كيف عصوا من هو قادر على ذلك فاستحقّوا هذا
__________________________________________________
 (1) ديوان الأدب للفارابي: ج 2 ص 155.
 (2) سورة الفرقان: الآية 12.
 (3) تفسير غرائب القرآن و رغائب الفرقان: ج 3 ذيل آية 12 من سورة الفرقان.

41
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 28

فَصلِّ عَليهِم وَ على الرَّوحانيِّينَ مِن مَلائِكَتكَ و أهل الزلفة عندكَ.
النوع من الانتقام كأنّه قيل: ما أبعد من عقابه و انتقامه بهذه المثابة عن أن يرتكب مخلوق معصيته و إفادة هذا اللفظ للتعجّب سيأتي بيانه في الروضة الثالثة عشر «إن شاء اللّه تعالى».
و حقّ عبادتك: منصوب على المصدريّة و هو في الأصل صفة للمصدر المضاف إليه أي عبادتك الحقّ فلمّا أضيف إلى موصوفه انتصب على ما كان ينتصب عليه موصوفه، أي ما عبدناك العبادة التي تحقّ لك و تليق بعظمتك و إنّما قالوا ذلك حين نظرهم إلى جهنّم حال زفيرها لما شاهدوا من شدّة آثار قهره تعالى فاحتقروا عبادتهم و رأوها قاصرة عمّا يجب لجلاله عزّ و جلّ*.
 [ 245] خبر لقوله: «و الذين لا تدخلهم سامة من دءوب» كما يدلّ عليه رفع الصفات من قوله: «الخشّع الأبصار، و النّواكس الأذقان، و المستهترون «1»، و المتواضعون» و يجوز أن يكون معطوفا على ما قبله من المجرور فيكون رفع الصفات بالقطع على المدح فالفاء في «فصلّ عليهم» حينئذ فصيحة أي إذا كانوا بهذه الصفات فصلّ عليهم صلاة تخصّهم، إذ كانت الصلاة الأولى بالتبع*.
في الروحانيّين: لغتان ضمّ الراء و فتحها، و الموجود في النسخ هنا بفتح الراء فقط.
قال الحليمي «2»، و البيهقي، و القونوي: أمّا الضمّ فلأنّهم أرواح ليس معها ماء و لا نار و لا تراب، و من قال هذا قال: الروح جوهر و قد يجوز أن يؤلّف اللّه أرواحا فيجسمها و يخلق منها خلقا ناطقا عاقلا فيكون الروح مخترعا و التجسيم و النطق و العقل إليه حادثا من بعد، و يجوز أن تكون أجسام الملائكة على ما هي عليه اليوم‏
__________________________________________________
 (1) في «ألف»: المستترون.
 (2) في «ألف»: الحلمي.

42
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 28

.......... مخترعة كما اخترع عيسى و ناقة صالح عليهما السّلام.
أمّا الفتح: فبمعنى أنّهم ليسوا محصورين في الأبنية و الظلل و لكنّهم في فسحة و بساط «1»، انته.
و قال ابن الأثير في النهاية ما معناه: الملائكة الروحانيّون: يروى بضمّ الراء من الروح الذي يقوم به الجسد و بفتحها كأنّه نسب إلى الروح بالفتح و هو نسيم الريح و الألف و النون من زيادات النسب، و يريد أنّها أجسام لطيفة لا يدركها البصر «2»، انته.
و قال الشهرستاني: «روحاني» بالرفع من الرّوح و «روحاني» بالنّصب من الرّوح، و الرّوح و الرّوح متقاربان و كان الرّوح جوهر و الرّوح حالته الخاصّة به، انته «.
و قيل: إنّ الروحانيّين- بالفتح- هم ملائكة الرحمة فيكون نسبته إلى الروح بالفتح بمعنى الرحمة.
أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام قال: إنّ في السماء السابعة حظيرة يقال لها حظيرة القدس فيها ملائكة يقال لهم الروحانيّون فإذا كان ليلة القدر استأذنوا ربّهم في النزول إلى الدنيا فيأذن لهم فلا يمرّون على مسجد إلاّ و يصلّى فيه و لا يستقبلون أحدا في طريق إلاّ دعوا له فأصابهم منهم بركة «4».
و الزلفة بالضمّ: القرب و التقدّم كالزلفى، و المراد بهم: الملائكة المقرّبون، و ليس المراد بالقرب، القرب المكاني لتنزّهه تعالى عن المكان، بل قرب المنزلة
__________________________________________________
 (1) لم نعثر عليه.
 (2) النهاية لابن الأثير: ج 2 ص 272.
 (3) الملل و النحل: ج 2 ص 6.
 (4) الدّر المنثور: ج 6 ص 376 نقلا عن البيهقي مع اختلاف يسير في بعض ألفاظ الحديث.

43
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 28

وَ حُمَّالِ الغَيْبِ إِلى رُسُلِكَ، وَ المؤتَمَنينَ عَلى‏ وَحْيك.
و الرتبة منه، و هم الذين علمهم به سبحانه أكثر و خوفهم و خشيتهم له أشدّ، و من كان كذلك كان أدنى منزلة عنده و أقرب مرتبة لديه، و يقال لهم: الكرّوبيّون من كرب إذا قرب.
روى أبو جعفر الصفّار في كتاب بصائر الدرجات: عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إنّ الكرّوبيّين قوم من شيعتنا من الخلق الأوّل جعلهم اللّه خلف العرش لو قسم نور واحد منهم على أهل الأرض لكفاهم، ثمّ قال: إنّ موسى عليه السّلام لما أن سأل ربّه ما سأل أمر رجلا من الكرّوبيّين فتجلّى للجبل فجعله دكّا «1».
و سئل أبو الخطاب بن دحية عن الكرّوبيّين هل يعرف في اللغة أم لا؟ فقال:
الكروبيّون بتخفيف الراء سادة الملائكة و هم المقرّبون من كرب إذا قرب.
قال الزمخشريّ في ربيع الأبرار: و في الكرّوبيّ ثلاث مبالغات: الكروب أبلغ من القرب و أقصر مسافة، تقول: كربت الشمس أن تقرّب أي كادت، و فعول بناء مبالغة و ياء النسب التي في نحو الأحمري «2»*.
الحمّال: بضمّ أوّله و تشديد ثانيه جمع كثرة لحامل كعامل و عمّال.
و الغيب: إمّا مصدر وصف به الغائب مبالغة كالشهادة في قوله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ «3». أو فيعل خفّف كهين في هيّن و ميت في ميّت، لكن قيل:
لم يستعمل فيه الأصل كما استعمل في نظائره. و أيّا ما كان فهو ما غاب عن الحسّ و العقل غيبة كاملة بحيث لا يدرك بواحد منهما بطريق البداهة و هو قسمان:
__________________________________________________
 (1) بصائر الدرجات: ص 69، و فيه «أمر واحدا».
 (2) ربيع الأبرار للزمخشري: النسخة المخطوطة ص 25 باب الملائكة و الجن و الإنس و الشيطان.
 (3) سورة الأنعام: الآية 73.

44
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 28

وَ قَبائل المَلائِكَةِ الّذينَ اخْتَصَصْتَهمْ لِنَفْسِكَ، وَ أغنَيتَهُم عَن الطّعامِ وَ الشّرابِ بِتَقدِيسِكَ، وَ أَسكَنْتَهُمْ بُطونَ أطباقِ سَماواتِكَ.
قسم: لا دليل عليه، و هو الذي أريد بقوله تعالى: وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ «1».
و قسم: نصب عليه دليل، كوجود الصانع و صفاته و النبوّات و ما يتعلّق بها من الشرائع و الأحكام و الإخبار عن اليوم الآخر و أحواله من البعث و النشور و الحساب و الجزاء، و المراد به هنا: ما أوحاه تعالى إلى رسله و أنبيائه من النوعين و أفاضه عليهم بواسطة الملائكة، و قد عرفت السرّ في هذه الوساطة فيما تقدّم قريبا، و لعلّ المراد بالمؤتمنين على الوحي هنا من أوحى اللّه تعالى إليه من ملائكته و ائتمنه على أسرار وحيه و هم غير الوسائط بينه تعالى و بين رسله إذ قد سبق ذكر أهل الأمانة على رسالاته الذين هم الوسائط، فيكون المراد بالمؤتمنين على الوحي هنا غيرهم تفاديا عن التكرار، و اللّه أعلم*.
 [ 246] القبائل: في الأصل للرأس، و هي قطعة المتّصل بعضها ببعض و منه قبائل العرب، الواحدة قبيلة و هم بنو أب واحد، و لمّا كانت الملائكة من عالم واحد أطلق على طوائفهم لفظ القبائل كأنّهم بنو أب واحد، و يحتمل أن يراد بالقبائل هنا جمع قبيلة لغة في القبيل و هو الجماعة ثلاثة فصاعدا سواء كانوا بني أب واحد أو من نجر واحد أو من أقوام شتّى.
و اختصّ فلان فلانا: جعله خاصّة و قرّبه منه حتّى أنّه يضاف إليه.
و قوله: «لنفسك» أي صرفت جميع هِمَمهم إلى طاعتك و عبادتك حتّى لا يشتغلوا بغير ما أهّلتهم له و كلّفتهم به، و يحتمل أن يكون من باب التمثيل مثّل حالهم بحال من يراه بعض الملوك أهلا للتقريب و التكريم بخصائص فيه فيختصّه بالكرامة
__________________________________________________
 (1) سورة الانعام: الآية 59.

45
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 28

.......... و يستخلصه لنفسه فلا يبصر إلاّ بعينه و لا يسمع إلاّ بإذنه و لا يأتمن على مكتون سرّه سواه و ذكر النفس لكونها أدخل في معنى الاختصاص.
 [ 247] و أغنيته بكذا عن غيره: كفيته به فاستغنى، و غنى كرضى غناء بالفتح و المدّ اكتفى، و الاسم الغنية بالضمّ.
و الطعام: اسم لما يؤكل كالشراب اسم لما يشرب هذا إذا اجتمعا، و أمّا إذا انفرد الطعام فقد يطلق على ما يشرب أيضا.
قال ابن فارس في المجمل و غيره من أهل اللغة: الطعام يقع على كلّ ما يطعم حتّى الماء «1»، قال اللّه تعالى: فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي «2».
و قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- في زمزم-: «إنّها طعام طعم و شفاء سقم» «3» أي يشبع منه. يقال: طعام طعم بالضمّ أي يشبع من أكله، و المعنى أعطيتهم قوّة الطاعمين و الشاربين بذكرك الذي يقدّسونك و ينزّهونك عمّا لا يليق بمقدّس جنابك.
و في الخبر: أنّ اللّه تعالى خلق الملائكة صمدا ليس لهم أجواف «4».
و البطون: جمع بطن. و هو خلاف الظهر، و جوف كلّ شي‏ء.
و الأطباق: جمع طبق بفتحتين كسبب و أسباب، و يجمع على طباق أيضا كجبل و جبال.
قال اللّه تعالى: خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً «5» أي طبقة فوق طبقة و الأصل في الطبق غطاء الشي‏ء الذي يكون على مقداره مطبقا له من جميع جوانبه فكأنّ كلّ‏
__________________________________________________
 (1) لا يوجد لدينا كتاب المجمل المطبوع بل لدينا المخطوط و لم نعثر فيه و لكن وجدناه في مقاييس اللغة لابن فارس: ج 4 ص 411.
 (2) سورة البقرة: الآية 249.
 (3) الدرّ المنثور: ج 3 ص 222.
 (4) لم نعثر عليه.
 (5) سورة الملك: الآية 3.

46
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 28

وَ الّذينَ على‏ أرْجائِها إِذا نَزَلَ الأَمْرُ بِتمامِ وَعدِكَ.
سماء طبق للأخرى، و بطون أطباقها إشارة إلى ما بين السماوات كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام في خطبة له: «ثمّ فتق ما بين السماوات العلى فملأهنّ أطوارا من ملائكته» «1».
و اعلم: أنّ سكّان السماوات على نوعين:
أحدهما: الأرواح الموكّلة بها و المتصرّفة فيها بالتحريك و الإرادة بإذن اللّه تعالى.
و الثاني: الأرواح المبرّءة عن تدبير الأجسام المستغرقة في جمال حضرة الربوبيّة و جمالها على تفاوت مراتبهم.
قال بعض الحكماء: إن لم يكن في فضاء السماوات و سعة الأفلاك خلائق كيف يليق بحكمة الباري تركها فارغة خاوية مع شرف جوّها و هو لم يدرك قعور البحار المالحة المظلمة فارغة حتّى خلق فيها أنواع الحيوانات، و كذلك ما ترك جوّ الهواء الرقيق حتّى خلق له أنواع الطير تسبّح فيه كما يسبح السّمك في الماء و لم يترك البراري اليابسة و الآجام الوحلة و الجبال الراسية حتّى خلق فيها أنواع السباع و الوحوش و لم يترك ظلمات التراب حتّى خلق فيها أنواع الهوامّ و الحشرات، و اللّه عليم حكيم*.
 [ 248] الأرجاء: جمع رجا مقصورا و هو ناحية الموضع، و أصله الواو لأنّه يثنّى على رجوين و في المثل «لا يرمي به الرجوان» يضرب لمن لا يخدع فيزال عن وجه إلى وجه، و أصله الدلو يرمى بها رجوا البئر، و الضمير في أرجائها عائد إلى السماوات، أي الذين يصيرون أو يقفون على جوانب السماوات و حافّاتها عند نزول الأمر و الحكم بإنجاز ما وعد سبحانه من قيام الساعة فتنشقّ السماء فتعدل الملائكة عن مواضع الشقّ إلى جوانب السماء كما قال تعالى: فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ. وَ انْشَقَّتِ‏
__________________________________________________
 (1) نهج البلاغة: الخطبة الأولى ص 41.

47
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 28

وَ خُزّانِ المَطَرِ وَ زَواجِرِ السَّحابِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ. وَ الْمَلَكُ عَلى‏ أَرْجائِها ... «1» و لعلّ المراد بهم المستثنون عن الصعق في قوله تعالى: وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ «2» و إلاّ فسائر الملائكة يموتون في النفخة الأولى فكيف يقفون على أرجاء السماء، أو لعلّهم يقفون لحظة ثمّ يموتون.
و قال بعضهم: المراد بالملائكة الذين على أرجائها المحرّكون للسماء الحركة الدوريّة المانعة عن الانشقاق المتوقّف على الحركة المستقيمة فإنّهم إذا صاروا على أرجائها لم يبق لهم تحريك فأمكن تحريك النفخ لها بالقسر «3» على الاستقامة فلا يمتنع انشقاقها*.
 [ 249] الخزّان: جمع خازن من خزنت المال من باب (قتل) خزنا: إذا وضعته في الخزانة، و هي ما يحفظ فيه نفائس الأموال. شبّه الملائكة الموكّلين بالمطر بالجماعة الذين يحفظون خزائن الأموال و يخرجون منها ما أمروا باخراجه فذكر الخزانة على طريق الاستعارة التّخييليّة.
أخرج ابن جرير عن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام قال: لم تنزل قطرة من ماء إلاّ بكيل على يدي الملك إلاّ يوم نوح فإنّه إذن للماء دون الخزّان فطغى الماء على الخزّان فخرج، فذلك قوله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ «4».
و الزواجر: جمع زاجرة، أي: الملائكة الذين يزجرون السحاب من زجر الإبل يزجرها من باب قتل: إذا حثّها و حملها على السرعة، و الأصل في الزجر: المنع يقال: زجرته عن كذا: أي منعته، و إنّما قيل: لحثّ الإبل و سوقها زجر لأنّ الزاجر لها يمنعها عن البطء في السير و التواني في المشي.
__________________________________________________
 (1) سورة الحاقّة: الآية 15 و 16 و 17.
 (2) سورة الزمر: الآية 68.
 (3) قسره على الأمر: قهره. المصباح المنير: ص 689.
 (4) الدّر المنثور: ج 6 ص 259.

48
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 28

وَ الّذي بِصوتِ زَجرِهِ يُسمَعُ زَجَلُ الرُّعودِ، وَ إِذا سَبَحَتْ بِهِ حَفيفَةُ السَّحابِ التَمَعَتْ صَواعِقُ البُروقِ.
و عن ابن عبّاس في قوله تعالى: فَالزَّاجِراتِ زَجْراً قال: يعني الملائكة الموكّلين بالسحاب «1»*.
 [ 250] الصوت: كيفيّة تحدث في الهواء من قلع أو قرع فيحملها إلى الصماخ.
و الزجل: بفتحتين اختلاط الأصوات، و الصوت الرفيع العالي.
و الرعود: جمع رعد. و هو الصوت الذي يسمع من السحاب سمّي باسم الملك المصوّت به الذي هو موكّل بالسحاب كما ورد في أخبار كثيرة من طرق الخاصّة و العامّة.
أخرج غير واحد عن ابن عبّاس قال: أقبلت يهود إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقالت: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: ملك من ملائكة اللّه موكّل بالسحاب، بيده مخراق «2» من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمر اللّه. قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: صوته. قالوا: صدقت «3».
و عنه: أنّه ملك من الملائكة اسمه الرعد و هو الذي تسمعون صوته «4».
و في رواية: إنّه بمنزلة الرجل يكون في الإبل فيزجرها هاد هاد «5» كهيئة ذلك «6».
و سبحت الفرس: تسبح من باب منع مدّت يديها في الجري كأنّها تسبح بهما.
و الحفيفة: بالحاء المهملة فعيلة من حفّ الفرس حفيفا: إذا سمع دويّ جوفه أو
__________________________________________________
 (1) كتاب مجموعة من التفاسير: ج 5 ص 225.
 (2) المخراق: آلة تزجر بها الملائكة السحاب و تسوقه. النهاية لابن الأثير: ج 2 ص 26.
 (3) بحار الأنوار: ج 59 ص 357 مع اختلاف، و الدرّ المنثور: ج 4 ص 50.
 (4) الدّر المنثور: ج 4 ص 50.
 (5) هكذا في الأصل: و لكن في البحار «هاي، هاي» و في نسخة «ألف» هاو هاو.
 (6) بحار الأنوار: ج 59 ص 379 ح 20.

49
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 28

.......... صوت جريه عند الركض، و فيه استعارة تخييليّة مرشحة، شبّه القطعة من السحاب التي يسمع لها دويّ عند مرورها بالفرس الذي يسمع دويّ جوفه عند ركضه ثمّ قرنها بما يلائم المستعار منه من السبح، يقال: فرس سابح و سبّوح، و في نسخة ابن إدريس خفيقة بالخاء المعجمة و الفاء ثمّ القاف بعد المثنّاة التحتيّة و هي فعيلة بمعنى مفعولة، من خفقه: إذا ضربه بالدرّة أي مضروبة السحاب التي ضربها الملك بمخراقه، و الباء في «به» للسببيّة، و الضمير عائد إلى صوت زجره، و قول بعضهم:
الخفيقة إحدى خوافق السماء و هي الجهات التي تهبّ منها الرياح الأربع لا وجه له، على أنّ واحدة الخوافق خافقة لا خفيقة و جمع الخفيقة خفائق لا خوافق.
و التمعت: أي أضاءت، و هو افتعال من اللمع يقال: لمع البرق كمنع لمعا و لمعانا محرّكة أضاء كالتمع، و في الالتماع زيادة في المعنى كأنّها اجتهدت و بالغت في اللمعان.
و الصواعق: جمع صاعقة و هي: نار تحدث من حركة صوت الملك كما في الحديث «1».
و قيل: هي قصفة الرعد الشديد من السحاب تخرج منه نار تحرق لا تمرّ بشي‏ء إلاّ أتت عليه، و بناؤها: إمّا أن يكون لقصفة الرعد فالتاء للتأنيث، أو للرعد و التاء للمبالغة كما في الرواية، أو هي مصدر كالعافية.
و البروق: جمع برق و هو سوط من نار يزجر به الملك السحاب.
و عن جابر بن عبد اللّه: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سئل عن منشأ السحاب، فقال: إنّ ملكا موكّلا بالسحاب يلمّ القاصية و يلحم الرابية «2» في يده مخراق فإذا رفع برقت و إذا زجر رعدت و إذا ضرب صعقت «3».
__________________________________________________
 (1) النهاية لابن الأثير: ج 3 ص 32.
 (2) هكذا في الأصل: و في الدرّ المنثور «الدانية».
 (3) الدرّ المنثور: ج 4 ص 50.

50
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 51

..........
تبصرة
قال بعض الطبيعيّين: إن سبب البرق و الرعد أنّ البخار الممتزج بالدخان الصاعد من الأرض إذا وصل الكرة الزمهريريّة يحتبس في ما بين السحاب، فما صعد إلى العلوّ لشدّة لطافته و يبسه أو هبط إلى السفل لتكاثفه بالبرد الشديد الواصل إليه مزّق السحاب صاعدا أو هابطا تمزيقا عنيفا فيحصل صوت هائل و هو الرعد و يشتعل الدخان بالتسخين القويّ الحاصل من الحركة الشديدة و المصاكّة العنيفة، فإن كان لطيفا و ينطفي بسرعة كان برقا و يرى قبل الرعد لأنّ الصوت لا بدّ له من حركة الهواء و لا حركة دفعيّة فيحتاج إلى زمان، و لا كذلك الرؤية و لذلك ترى حركة يد القصّار قبل سماع الدّق بزمان. و إن كان كثيفا لا ينطفي بسرعة بل يصل إلى الأرض كان صاعقة. فربّما صار لطيفا بحيث ينفذ في المتخلخل و لا يحرقه و يذيب المندمج فيذيب الذهب في الكيس دون أن يحرقه إلاّ ما احترقت من الذائب. و ربّما كان كثيفا غليظا جدّا فيحرق كلّ شي‏ء أصابه و كثيرا ما يقع على الجبل فيدكّه دكّا.
و قال بعضهم: إنّ السحاب فيه كثافة و لطافة بالنسبة إلى الهواء و الماء، و إذا هبّت ريح قويّة تخرقه بعنف فيحدث الصوت الرعد فيخرج منه النار للمصادمة العنيفة بينهما كما تخرج من ضربان الحديد على الحجر و هو البرق أو الصاعقة على ما مرّ.
قال بعض أصحابنا العارفين: اعلم أنّ الإنسان عند نظره إلى حدوث الأمطار بعد انعقاد السحاب و الرعد و البرق، و كان قد قرع سمعه من طريق الشرع أنّ ملكا يزجر السحاب و يسوقه إلى مواضع و يضربه بسوطه ليمطر و هذا الرعد صوت زجره أو

51
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 51

وَ مُشَيِّعِى الثّلْجِ وَ البَرَدِ، وَ الهابِطينَ مَعَ قَطْرِ المَطَرِ إِذا نَزَلَ ضربه، و البرق نار تحدث من حركة سوطه و كان له رؤية قلبيّة و بصيرة باطنيّة علم يقينا أنّ ما ورد في هذا الباب حقّ و صدق و إنّما يقوله الطبيعيّون تخمينات لا تغني من الحقّ شيئا*.
 [ 251] المشيّع: اسم فاعل من التشييع، قال صاحب المحكم: شيّعه و شايعه كلاهما خرج معه ليودّعه و يبلّغه منزله «1».
و قيل: هو أن يخرج معه يريد صحبته و إيناسه إلى موضع ما انته، و المراد بهم هنا الملائكة النازلون مع الثلج و البرد ليبلغوهما حيث أمر اللّه تعالى.
قال بعض الطبيعيّين: هما ما تصاعد من الأبخرة إلى كرة الزمهرير ليكون مطرا فيتعاكس عليه الرياح الباردة فينعقد و يسقط في البلاد البعيدة عن الشمس إمّا كالدقيق و يخصّ باسم الثلج أو كالبنادق و يعرف بالبرد اصطلاحا.
و قال بعضهم: إنّ الشمس و غيرها من القوى الفلكيّة إذا أثّرت في الأرض خرج منها أبخرة متصاعدة إلى الكرة الزمهريريّة التي لا يصل إليها أثر شعاع الشمس المنعكس من وجه الأرض، و هي منشأ السحب و ما يتعلّق بها من الصواعق و البرق و الرعد و غيرها، فإذا وصلت تلك الأبخرة إلى هذه الطبقة تتكاثف بالبرد و تصير سحابا، فإمّا أن لا يكون البرد قويّا فتتقاطر أو يكون قويّا، فإن أثّر في الأجزاء المائيّة قبل اجتماعها حصل الثلج، و إن أثّر بعده حصل البرد، و قد يبرد الهواء بردا مفرطا فينجمد و ينعقد سحابا و ينزل منه المطر أو الثلج أو البرد. هذا ما عليه الطبيعيّون.
و الذي يدلّ عليه ظاهر قوله تعالى: وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ «2» أنّ في السّماء جبالا من برد خلقها اللّه تعالى فيها كما خلق في الأرض جبالا من حجر، و هو الذي عليه عامّة المفسّرين، و هذا و إن كان ممّا يستبعده الغافلون‏
__________________________________________________
 (1) المحكم: ج 2 ص 154.
 (2) سورة النور: الآية 43.

52
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 51

.......... لكن وجب قبوله إذا خبّر به المخبر الصادق كما في سائر الأسرار الإلهيّة، و ليس في العقل ما ينفيه من قاطع.
و قال المتأوّلون: إنّ المراد بالسماء ها هنا الغيم المرتفع على الرءوس إذ كلّ ما علا الرأس فهو سماء و بالجبال الكثرة كما يقال: فلان يملك جبالا من ذهب، أو القطع العظام التي تشبه الجبال في عظمها و جمودها.
حكى ابن الديبع في بغية المستفيد «1» أنّه وقع باليمن سنة خمس و تسعين و ستمائة مطر نزلت فيه بردة كالجبل الصغير لها شرفات تزيد كلّ واحدة منها على ذراع فوقعت في مفازة فغاب في الأرض أكثرها و بقي بعضها على الأرض كان يدور و حوله عشرون رجلا لا يرى بعضهم بعضا، و وقعت بردة أخرى حاول قلعها خمسون رجلا فما أمكنهم فسبحان من هو على كلّ شي‏ء قدير.
قوله عليه السّلام: «و الهابطين مع قطر المطر» الهبوط: النزول هبط يهبط من باب «ضرب» هبوطا: نزل، و في لغة قليلة يهبط هبوطا من باب «قعد» و هبطه أنزله لازم و متعدّ.
و القطر: ما يقطر واحده قطرة كتمر و تمرة، و المطر في الأصل مصدر مطرت السماء تمطر مطرا من باب طلب ثمّ سمّي الغيث بالمصدر.
روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّ تحت العرش بحرا فيه ماء ينبت أرزاق الحيوانات فإذا أراد اللّه أن ينبت ما يشاء لهم رحمة منه لهم أوحى اللّه إليه فمطر ما شاء من سماء إلى سماء حتّى يصير إلى سماء الدنيا فيلقيه إلى السحاب، و السحاب بمنزلة الغربال فتقطر على النحو الذي يأمرها به فليس من قطرة تقطر إلاّ و معها ملك يضعها موضعها «2». و الحديث طويل نقلنا بعضه*.
__________________________________________________
 (1) لم نعثر على هذا الكتاب.
 (2) بحار الأنوار: ج 59 ص 372 ح 2 مع اختلاف يسير في العبارة.

53
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 51

وَ القَوّامِ عَلى‏ خَزائنِ الرّياحِ [ 252] القوّام: جمع قائم من قام الأمير على الرعيّة إذا وليها و ملك أمرها.
و الخزائن: جمع خزانة و قد تقدّم الكلام عليها في شرح الأسناد.
و الرّياح: جمع ريح و العين فيهما واو و قلبت ياء لانكسار ما قبلها و جمع القلّة أرواح بالواو إذ لم يوجد فيه ما يوجب الإعلال، زعم الحكماء أنّ حدوث الرياح من تموّج الهواء بحركته إلى الجهات، و كيفيّة حدوثها أنّ الأدخنة الّتي تحدث من تأثير الشمس في الأرض و غيرها من الأشياء اليابسة إذا وصلت إلى الطبقة الباردة إمّا أن ينكسر حرّها و إمّا أن تبقى على حرارتها، فإن انكسر حرّها تكاثفت و قصدت النزول فيتموّج بها الهواء، و إن بقيت على حرارتها تصاعدت إلى كرة النار المتحرّكة بحركة الفلك الدوريّة إلى أسفل فيتموّج بها الهواء أيضا فتحدث منه الرياح.
و أصولها أربعة: الشمال: و مهبّها من مطلع بنات نعش إلى مغرب الشمس، و الجنوب: و مهبّها من مطلع سهيل إلى مشرق الشمس، و الصبا: و مهبّها من المشرق إلى بنات نعش، و الدبور: و مهبّها من المغرب إلى مطلع سهيل، و لكلّ واحدة منها ملك يهبّها و يحرّكها بأمر اللّه. كما وردت به الرواية الصّحيحة عن أبي جعفر عليه السّلام لا كما زعمه الحكماء.
روى ثقة الإسلام في الروضة بإسناد صحيح عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام عن الرياح الأربع: الشمال و الجنوب و الصبا و الدبور، و قلت:
إنّ الناس يذكرون أنّ الشّمال من الجنّة و الجنوب من النار فقال: إنّ للّه جنودا من رياح يعذّب بها من يشاء ممّن عصاه، و لكلّ ريح منها ملك موكّل بها فإذا أراد اللّه عزّ ذكره أن يعذّب قوما بنوع من العذاب أوحى إلى الملك الموكّل بذلك النوع من الريح التي يريد أن يعذّبهم بها، قال: فيأمرها الملك فتهيج كما يهيج الأسد المغضب.
قال: و لكلّ ريح منها اسم، أما تسمع قوله عزّ و جلّ: كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كان‏

54
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 51

.......... عَذابِي وَ نُذُرِ. إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ «1» و قال: «الرِّيحَ الْعَقِيمَ «2» و قال: رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ «3». و قال: فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ «4» و ما ذكر من الرياح التي يعذّب اللّه بها من عصاه قال: و للّه عزّ ذكره رياح رحمة لواقح و غير ذلك ينشرها بين يدي رحمته منها ما يهيج السحاب للمطر و منها رياح تحبس السحاب بين السماء و الأرض و منها رياح تعصر السحاب فتمطره بإذن اللّه تعالى، و منها رياح ممّا عدّد اللّه في الكتاب، فأمّا الرياح الأربع:
الشمال و الجنوب و الصبا و الدبور. فإنّما هي أسماء الملائكة الموكّلين بها، فإذا أراد اللّه أن يهبّ شمالا أمر الملك الذي اسمه الشمال فيهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرّقت ريح الشمال، حيث يريد اللّه من البرّ و البحر، و إذا أراد اللّه أن يبعث جنوبا أمر الملك الذي اسمه الجنوب فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرّقت ريح الجنوب في البرّ و البحر حيث يريد اللّه، و إذا أراد أن يبعث الصبا أمر الملك الذي اسمه الصبا فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرّقت ريح الصبا حيث يريد اللّه عزّ و جلّ في البرّ و البحر، و إذا أراد اللّه أن يبعث دبورا أمر الملك الذي اسمه الدبور فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرّقت ريح الدبور حيث يريد اللّه من البرّ و البحر،- ثمّ قال أبو جعفر عليه السّلام:- أما تسمع لقوله، ريح الشمال و ريح الجنوب و ريح الصبا و ريح الدبور إنّما تضاف إلى الملائكة الموكّلين بها «5».
و روى رئيس المحدّثين في كتاب العلل بإسناده عن العزرمي قال: كنت مع‏
__________________________________________________
 (1) سورة القمر: الآية 18 و 19.
 (2) سورة الذاريات: الآية 41.
 (3) سورة الأحقاف: الآية 24.
 (4) سورة البقرة: الآية 266.
 (5) الكافي: 8 ص 91 و 92.

55
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 51

وَ المُوكَّلينَ بالجِبالِ فَلا تَزولُ.
أبي عبد اللّه عليه السّلام جالسا في الحجر تحت الميزاب و رجل يخاصم رجلا و أحدهما يقول لصاحبه: و اللّه ما تدري من أين تهبّ الريح، فلمّا أكثر عليه قال له أبو عبد اللّه عليه السّلام: هل تدري أنت من أين تهبّ الريح؟ فقال: لا، و لكنّي أسمع الناس يقولون، فقلت لأبي عبد الّله عليه السّلام: من أين تهبّ الريح؟ فقال:
إنّ الريح مسجونة تحت هذا الركن الشامي، فإذا أراد اللّه عزّ و جلّ أن يرسل منها شيئا أخرجه إمّا جنوبا فجنوب، و إمّا شمالا فشمال، و إمّا صبا «1» فصبا «2»، و إمّا دبورا فدبور، ثمّ قال: و آية ذلك أنّك لا تزال ترى هذا الركن متحرّكا أبدا في الشتاء و الصيف و الليل و النهار «3».
و أخرج ابن جرير عن عليّ عليه السّلام أنّه قال: لم ينزل شي‏ء من الريح إلاّ بكيل على يد ملك إلاّ يوم عاد فإنّه إذن لها دون الخزّان فخرجت، فذلك قوله تعالى: بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ عتت على الخزّان «4»*.
الموكّل: اسم مفعول من وكّلته بالأمر توكيلا إذا جعلت له القيام به، و الجبال:
جمع جبل و هو معروف، قال بعضهم: و لا يكون جبلا إلاّ إذا كان مستطيلا. قال الحكماء: إذا امتزج الماء بالطين و في الطين لزوجة و أثّرت فيه حرارة الشمس مدّة طويلة صار حجرا كما ترى إنّ النّار إذا أثّرت في الطين جعلته آجرا، و الآجر ضرب من الحجر، و كلّما كان أثّر النّار فيه أكثر كان أصلب و أشبه بالحجر، فزعموا أنّ تولّد الجبال من اجتماع الماء و الطين و حرارة الشمس، و أمّا سبب ارتفاعها و شموخها فجاز أن يكون بسبب زلزلة فيها خسف فينخفض بعض الأرض و يرتفع بعضها ثمّ ذلك البعض يصير حجرا كما ذكر، و جاز أن يكون بسبب أنّ الرياح تنقل التراب‏
__________________________________________________
 (1) و
 (2) في «الف»: صباء.
 (3) علل الشرائع: ج 2 ص 448.
 (4) تفسير الطبري: ج 29 ص 32.

56
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 51

.......... من مكان إلى مكان فتحدث تلال و وهاد ثمّ تتحجّر بالسبب المذكور.
و في الخبر: إنّ اللّه تعالى خلق الأرض فجعلت تمور فقال الملائكة: ما هي بمقرّ أحد على ظهرها فأصبحت و قد ارسيت بالجبال لم تدر الملائكة ممّ خلقت «1».
و روى رئيس المحدّثين في كتاب العلل بإسناده عن أمير المؤمنين عليه السّلام في حديث طويل: أنّه قام إليه رجل من أهل الشام فقال: يا أمير المؤمنين إني أسألك عن أشياء، فقال: سل تفقّها و لا تسأل تعنّتا فاحدق النّاس بأبصارهم. فقال:
أخبرني عن أوّل ما خلق اللّه تبارك و تعالى؟ فقال: خلق النور. قال: فممّ خلق السماوات؟ قال: من بخار الماء. قال: فممّ خلق الأرض؟ قال: من زبد الماء.
قال: فممّ خلقت الجبال؟ قال: من الأمواج «2». و الحديث طويل الذّيل أخذنا منه موضع الحاجة.
و روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال: جاءني جبرئيل فقال:
يا محمّد إنّ ربّك يقرؤك السلام، و هذا ملك الجبال قد أرسله معك و أمره أن لا يفعل شيئا إلاّ بأمرك. فقال ملك الجبال: إن شئت دمدمت عليهم الجبال، و إن شئت رميتهم بالحصباء، و إن شئت خسفت بهم الأرض. قال: يا ملك الجبال فإنّي أ أنى بهم لعلّهم أن يخرج منهم ذرّيّة يقولون لا إله إلاّ اللّه. فقال ملك الجبال:
أنت كما سمّاك ربّك رءوف رحيم «3».
قوله: «فلا تزول» الفاء للسببيّة، أي: فبسبب توكّلهم بها لا تزول، و أغرب من قال: إنّها رابطة، أو للاستئناف. و تزول: إمّا من الزوال بمعنى الذهاب أي فلا تنهدّ و تندكّ فتذهب، أو بمعنى الانتقال عن مكانها أي فلا تستقرّ في مواضعها.*
__________________________________________________
 (1) الدر المنثور: ج 4 ص 113.
 (2) العلل: ج 2 ص 593 ح 44.
 (3) الدر المنثور: ج 3 ص 296.

57
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 51

وَ الّذينَ عَرّفتَهُمْ مَثاقيلَ المِياهِ وَ كَيْلَ ما تَحويهِ لَواعِجُ الأمطار وَ عَوالِجُها.
 [ 253] المثاقيل: جمع مثقال و هو ميزان الشي‏ء أي ما يعادله في الوزن.
قال ابن الأثير: المثقال في الأصل مقدار من الوزن أيّ شي‏ء كان من قليل أو كثير، فمعنى مثقال ذرّة: وزن ذرّة، و الناس يطلقونه في العرف على الدينار و ليس كذلك «1».
و المياه: جمع ماء، أصله ماه بالهاء.
و قيل: موة تحرّكت الواو و انفتح ما قبلها فقلبت ألفا و قلبت الهاء همزة لاجتماعها مع الألف و هما حرفان حلقيّان و وقوعهما طرفا، و لهذا يردّ إلى أصله في الجمع و التصغير. فيقال: مياه و مويه. و قالوا: أمواه أيضا مثل باب و أبواب. و ربّما قالوا: أمواء بالهمز على لفظ الواحد.
و في الخبر: ما يخرج من الماء شي‏ء إلاّ عليه خزّان يعلمون قدره و عدده و وزنه وكيله حتّى كان أمر نوح فاندفق منه شي‏ء لا يعلمون قدره و لا وزنه و لا كيله غضبا للّه تعالى فلذلك سمّي طاغيا «2».
و الكيل تحرير مقدار الشّي‏ء بظرف مخصوص.
قال في النهاية: و الذي يعرف به أصل الكيل و الوزن أنّ كلّ ما لزمه اسم الفقيز و المكوك و الصاع و المدّ فهو كيل، و كلّ ما لزمه اسم الأرطال و الأمناء و الأواقي فهو وزن، انته «3».
و قد يطلق الكيل على الوزن و مطلق المقايسة.
قال في القاموس: كال الدراهم: وزنها، و الشي‏ء بالشي‏ء: قاسه «4» و اللواعج جمع لاعج من لعجة الحزن: اشتدّ عليه «5».
__________________________________________________
 (1) النهاية لابن الأثير: ج 1 ص 217.
 (2) الدرّ المنثور: ج 6 ص 259.
 (3) النهاية لابن الأثير: ج 4 ص 218.
 (4) القاموس المحيط: ج 4 ص 49.
 (5) القاموس المحيط: ج 1 ص 206.

58
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 51

وَ رُسُلِكَ مِن المَلائِكةِ إِلى أهلِ الأَرْضِ بِمَكْرُوهِ ما يَنزِلُ مِنَ البَلاءِ وَ مَحبُوبِ الرّخاءِ.
قال صاحب المحكم: لعج الحزن و الحبّ يلعج لعجا: استحرّ في القلب، أي اشتدّ «1».
و العوالج: جمع عالج، و هو المجتمع من الرمل.
قال في المحكم: تعلّج الرمل: اجتمع و عالج، رمل بالبادية كأنّه منه بعد طرح الزائد، انته «2».
و قال ابن الأثير في النهاية: و في حديث الدعاء «و ما تحويه عوالج الرمال» هو جمع عالج و هو ما تراكم من الرمل و دخل بعضه في بعض، انته «3».
و المعنى كيل ما تحويه الأمطار الشديدة و المتراكمة القطر من الماء فهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، و الأصل الأمطار اللواعج، و العوالج فقدّم الصفة و جعلها نوعا مضافا إلى الجنس مثل كرام الناس، و لا يرد أنّ المضاف في عوالجها ضمير، و الضمير لا يوصف و لا يوصف به لأنّ الحكم بأن المضمر لا يوصف فيما إذا كانت الصّفة جارية عليه لا مضافة إليه*.
 [ 254] إلى و الباء: كلاهما متعلّق برسلك، تقول: أرسلته إلى فلان بكذا، و الباء:
للمصاحبة نحو اهبط بسلام.
و المكروه ما يكرهه الإنسان و يشقّ عليه و ما موصولة و من البلاء بيان لها.
و البلاء: اسم من بلاه يبلوه بمعنى امتحنه.
و المحبوب: مفعول من حبّه يحبّه من باب ضرب، و القياس أن يكون بالضمّ من باب قتل لكنّه غير مستعمل و هي لغة في أحبّه بالألف و هي الكثيرة المستعملة لكنّهم استغنوا بمحبوب عن محبّ كما تقدّم بيانه في شرح الأسناد.
__________________________________________________
 (1) المحكم: ج 1 ص 199.
 (2) المحكم: ج 1 ص 197.
 (3) النهاية لابن الأثير: ج 3 ص 287.

59
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 51

وَ السَّفَرَةِ الكِرامِ البَرَرَةِ.
و الرخاء: بالفتح و المدّ سعة العيش يقال: رخى عيشه، و رخو، من باب تعب و كرم رخاوة أي اتّسع فهو رخيّ على فعيل، و الاسم الرخاء، و زيد رخي البال: أي في نعمة و خصب.
و قال الفارابي في ديوان الأدب: الرّخاء: مصدر قولك رخي البال.
و في الحديث: تعرف إلى اللّه في الرخاء يعرفك في الشدة «1»*.
 [ 255] قيل: السفرة: هم الكتبة من الملائكة ينسخون الكتب من اللوح على أنّه جمع سافر من السفر و هو الكتب، و قيل هم الذين يسفرون بالوحي بينه تعالى و بين أنبيائه عليهم السلام على أنّه جمع سفير من السفارة، و أصل السفارة الإصلاح، يقال: سفرت بين القوم سفارة- بالكسر- أي أصلحت ثمّ سمّي الرسول سفيرا لأنّه يسعى في الإصلاح و يبعث له غالبا.
و قيل: إنّما سمّوا سفرة لنزولهم غالبا بما يقع به الصلاح بين الناس تشبيها بالسفير و هو المصلح.
و المراد بكونهم كراما: إنّهم أعزّاء على اللّه تعالى أو متعطّفون على المؤمنين مستغفرون لهم.
و قال عطاء: أراد أنّهم يتكرّمون عن أن يكونوا مع ابن آدم إذا خلا مع زوجته للجماع و عند قضاء الحاجة «2».
و بكونهم بررة: أنهم أتقياء مطيعون للّه تعالى فاعلون للخيرات منزّهون عن النقائص من البرّ بالكسر، و هو التقيّ و الصلاح و فعل الخير، و هم الذين ذكرهم اللّه تعالى في قوله: فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ. مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ. بِأَيْدِي سَفَرَةٍ. كِرامٍ بَرَرَةٍ «3».
__________________________________________________
 (1) الجامع الصغير: ص 131.
 (2) تفسير الرازي: ج 31 ص 158.
 (3) سورة عبس: الآية 13 و 14 و 15 و 16.

60
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 51

وَ الحَفَظَةِ الكِرامِ الكاتِبينَ.
قال بعضهم: و هذه اللفظة يعني السفرة مختصّة بالملائكة لا تكاد تطلق على غيرهم و إن جاز الإطلاق بحسب اللّغة «1»، انته*.
الحفظة: محرّكة جمع حافظ من حفظ المال: إذا رعاه. و توكّل به فهو حافظ و حفيظ ثمّ أطلق على الذين يحصون أعمال العباد من الملائكة و هم الحافظون قال تعالى: وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ. كِراماً كاتِبِينَ «2» و هم طائفتان: ملائكة اليمين للحسنات، و ملائكة الشمال للسيّئات. قال تعالى: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ «3».
عن الصادق عليه السّلام إنّه قال: استبعدهم اللّه بذلك و جعلهم شهودا على خلقه ليكون العباد لملازمتهم إيّاهم أشدّ على طاعة اللّه مواظبة و عن معصيته أشدّ انقباضا، و كم من عبد همّ بمعصية فذكر مكانهم فارعوى و كفّ، فيقول: ربّي يراني و حفظتي عليّ. بذلك تشهد «4».
قال المفسّرون: و في تعظيم الكاتبين بالثناء عليهم تفخيم لأمر الجزاء و إنّه عند اللّه تعالى من جلائل الأمور حيث يستعمل فيه هؤلاء الكرام.
و اعلم: أنّ الحفظة على قسمين: حفظة على العباد و هم الكرام الكاتبون المذكورون. و حفظة للعباد و هم الذين يحفظونهم بأمر اللّه تعالى من الآفات التي تعرض لهم كما قال تعالى: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ «5».
عن أبي جعفر عليه السّلام يقول: من أمر اللّه من أن يقع في ركيّ «6» أو يقع‏
__________________________________________________
 (1) انته كلام البعض.
 (2) سورة الانفطار: الآية 10 و 11.
 (3) سورة ق: الآية 17.
 (4) نور الثقلين: ج 5 ص 522 ح 14.
 (5) سورة الرعد: الآية 11.
 (6) الركيّ: جنس للركيّة و هي البئر. النهاية: ج 2 ص 261.

61
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 51

.......... عليه حائط أو يصيبه شي‏ء حتّى إذا جاء القدر خلّوا بينه و بينه فيدفعونه إلى المقادير و هما ملكان يحفظانه بالليل و ملكان بالنهار يتعاقبانه «1».
تكميل‏
قال بعض القدماء: إنّ هذه النفوس البشريّة و الأرواح الإنسانيّة مختلفة بجواهرها، فبعضها خيّرة و بعضها شريرة، و كذا القول في البلادة و الذكاء و الفجور و العفّة و الدناءة و الشرف و غيرها من الهيئات، و لكلّ طائفة من هذه الأرواح السفليّة روح سماويّ هو لها كالأب الشفيق و السيّد الرحيم يعينها على مهمّاتها في يقظتها و منامها، تارة على سبيل الرؤيا، و أخرى على سبيل الإلهامات و هو مبدأ لما يحدث فيها من خير و شرّ، و تعرف تلك المبادئ في مصطلحهم بالطباع التامّ يعني:
أنّ تلك الأرواح الفلكيّة في تلك الطبائع و الأخلاق تامّة بالنسبة إلى هذه الأرواح السفليّة و هي الحافظة لها و عليها، و هذا هو المراد بالحفظة.
و قال بعضهم: إنّ اللّه سبحانه خلق الطبائع المتضادّة و مزج بين العناصر المتنافرة حتّى استعدّ ذلك الممتزج بسبب ذلك الامتزاج لقبول النفس المدبّرة و القوى الحسّيّة و المحرّكة، فالمراد بالحفظة: المرسلة في قوله تعالى: وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً «2» هي تلك النّفس، و القوى الّذي تحفظ تلك الطبائع المقهورة على امتزاجاتها و هي الضابطة على أنفسها أعمالها، و المكتوب في ألواحها صورة ما تفعله لتشهد به على أنفسها يوم القيامة كما قال تعالى: قالُوا شَهِدْنا عَلى‏ أَنْفُسِنا وَ غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَ شَهِدُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ «3». و هي: المعقّبات من‏
__________________________________________________
 (1) بحار الأنوار: ج 59 ص 179 ح 16.
 (2) سورة الأنعام: الآية 61.
 (3) سورة الأنعام: الآية 130.

62
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تكميل ص 62

وَ مَلَكِ المَوتِ وَ أعوانِهِ.
بين يدي الإنسان و من خلفه الحافظون له من أمر اللّه.
و قال آخرون: إن للنّفوس المتعلّقة بهذه الأجساد مشاكلة و مشابهة بالنّفوس المفارقة عن الأجساد فيكون لتلك المفارقة ميل إلى النفوس الّتي لم تفارق فيكون لها تعلّق أيضا بوجه ما بهذه الأبدان بسبب ما بينها و بين نفوسها من المشابهة و الموافقة فتصير معاونة لهذه النفوس على مقتضى طباعها و شاهدة عليها كما قال تعالى:
ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ «1».
هذه جملة أقوال أرباب المعقول في حقيقة الحفظة. و الذي يقتضيه ظاهر القرآن و دلّت عليه الأخبار: أنّهم أرواح سماويّة كلّفهم اللّه تعالى بحفظ عباده فمنهم حافظون لهم و منهم حافظون عليهم كما عرفت و الإيمان بذلك أظهر و أسلم، و اللّه أعلم*.
ملك الموت: عبارة عن الروح المتولّي لإفاضة صورة العدم على قوى أعضاء هذا البدن و لحال مفارقة النفس له و اسمه على ما وردت به الأخبار المستفيضة عزرائيل.
عن أبي الحسن الأوّل عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إن اللّه تبارك و تعالى اختار من الملائكة أربعة: جبرئيل، و ميكائيل، و إسرافيل، و ملك الموت» «2».
و في رواية: أنّ هؤلاء الأربعة هم المدبّرات أمرا* فالمقسمات أمرا «3» و عن أسباط بن سالم مولى أبان قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: جعلت فداك يعلم ملك الموت نفس من يقبض؟ قال: لا إنّما هي صكاك «4» تنزل من‏
__________________________________________________
 (1) سورة ق: الآية 18.
 (2) بحار الأنوار: ج 59 ص 250 ح 7، و في الخصال ص 225.
 (3) مجمع البيان: ج 9- 10 ص 430.
 (4) الصكاك: جمع صك و هو الكتاب، النهاية لابن الأثير: ج 3 ص 43.

63
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تكميل ص 62

.......... السماء أقبض نفس فلان «1».
و الأعوان: جمع عون بالفتح و هو الظهير على الأمر و المعاون عليه أعانه إعانة و عاونه معاونة.
روى الصدوق في الفقيه قال: سئل الصادق عليه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها و عن قول اللّه عزّ و جلّ: «قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ» و عن قول اللّه تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ و الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ و عن قوله تعالى: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا و عن قوله عزّ و جلّ: وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ و قد يموت في الساعة الواحدة في جميع الآفاق ما لا يحصيه إلاّ اللّه عزّ و جلّ فكيف هذا؟ فقال: إنّ اللّه تبارك و تعالى جعل لملك الموت أعوانا من الملائكة، يقبضون الأرواح بمنزلة صاحب الشرطة له أعوان من الإنس يبعثهم في حوائجه فتوفّاهم الملائكة و يتوفّاهم ملك الموت من الملائكة مع ما يقبض هو و يتوفّاهم اللّه عزّ و جلّ من ملك الموت «2».
و عن ابن عبّاس في قوله تعالى: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا قال: أعوان ملك الموت من الملائكة «3».
قال بعض الصوفيّة: حقّ ملك الموت أن يحبّه المسلم من بين الملائكة فضل محبّة من حيث إنّه سبب بتعويض الحياة السنيّة الأبديّة من الحياة الدنيّة الدنيويّة، و لهذا أمرنا بأن نقول في دعائنا: «اللّهمّ صلّ على جبرئيل و ميكائيل و ملك الموت» «4» فإنّ جبرئيل و ميكائيل سببان لانبائنا عن ذلك العالم بما فيه خلاصنا من دار الكون و الفساد، و ملك الموت سبب لإخراجنا من دار الكون و الفساد فإذا
__________________________________________________
 (1) بحار الأنوار: ج 6 ص 145 ح 16.
 (2) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 136 ح 368.
 (3) تفسير الطبري: ج 7 ص 139.
 (4) بحار الأنوار: ج 59 ص 193 ح 56.

64
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تكميل ص 62

وَ مُنكَرٍ وَ نَكيرٍ وَ رُومانَ فَتَّان القُبورِ.
حقّه عظيم و شكره لازم*.
منكر: اسم مفعول من أنكر الشي‏ء إنكارا خلاف عرفه.
و النكير فعيل بمعنى الانكار. سمّي بهما ملكا القبر كما تظافرت به الأحاديث، و أنكر بعض أهل الإسلام تسميّتهما بهذين الاسمين، و قالوا: إنّ المنكر هو ما يصدر عن الكافر من التلجلج عن سؤالهما إيّاه، و النكير هو ما يصدر عنهما من التقريع له، فليس للمؤمن منكر و لا نكير عند هؤلاء، و الأحاديث المستفيضة من طرق الخاصّة و العامّة صريحة في خلافهم.
أخرج الطبراني من العامّة في الأوسط بسند حسن عندهم عن ابن عبّاس قال: اسم الملكين اللذين يأتيان في القبر: منكر و نكير «1».
و أخرج البيهقي في كتاب عذاب القبر عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: كيف أنت يا عمر إذا انته بك إلى الأرض فحفر لك ثلاثة أذرع و شبر في ذراعين و شبر، ثمّ أتاك منكر و نكير أسودان يجرّان أشعارهما كأنّ أصواتهما الرعد القاصف، و كأنّ أعينهما البرق الخاطف يحفران لك الأرض بأنيابهما فأجلساك فزعا فتلتلاك و توهلاك؟ قال: يا رسول اللّه و أنا يومئذ على ما أنا عليه قال: نعم. قال: اكفيكهما بإذن اللّه «2».
تلتله: حرّكه و أقلقه، و توهّله: عرّضه لأن يهل أي: يغلط و يسهو.
و أخرج الترمذي «3» و البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إذا قبر الميّت أتاه ملكان أسودان أزرقان. يقال: لأحدهما منكر و للآخر نكير «4».
__________________________________________________
 (1) الحبائك للسيوطي: ص 70 نقلا عن الأوسط للطبراني.
 (2) الحبائك للسيوطي: ص 71.
 (3) سنن الترمذي: ج 3 ص 383 ح 1071.
 (4) الحبائك للسيوطي: ص 70 نقلا عن البيهقي.

65
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تكميل ص 62

.......... و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: يجي‏ء الملكان منكر و نكير إلى الميّت حين يدفن، أصواتهما كالرعد القاصف و أبصارهما كالبرق الخاطف يخطّان الأرض بأنيابهما و يطآن في شعورهما «1».
و عنه عليه السّلام: ملكا القبر و هما قعيدا القبر منكر و نكير «2».
قوله عليه السّلام: «و رومان» فتّان القبور، رومان: بضمّ الراء المهملة اسم أحد ملائكة القبر، و هو فعلان من الروم يقال: رامه يرومه روما إذا طلبه.
أخرج أبو نعيم عن ضمرة بن حبيب قال: فتّان القبر ثلاثة: أنكر و ناكور و رومان «3».
و أخرج أبو الحسن القطّان في المطوّلات عن ضمرة قال: فتّان القبور أربعة:
منكر و نكير و ناكور و سيّدهم رومان «4».
ذكر ذلك الجلال السيوطي في الحبائك «5».
و في رواية عبد اللّه بن سلام قال: سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن أوّل ملك يدخل في القبر على الميّت قبل منكر و نكير. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ملك يتلألأ وجهه كالشمس اسمه: رومان يدخل على الميّت ثمّ يقول له: اكتب ما عملت من حسنة و سيّئة. فيقول: بأيّ شي‏ء أكتب؟ أين قلمي و دواتي و مدادي؟ فيقول: ريقك مدادك و قلمك اصبعك، فيقول: على أيّ شي‏ء أكتب و ليس معي صحيفة؟ قال: صحيفتك كفنك فاكتب. فيكتب ما عمله في الدنيا خيرا، و إذا بلغ سيّئاته يستحي منه فيقول له الملك: يا خاطئ ما تستحي من خالقك حين عملته في الدنيا فتستحي الآن، فيرفع الملك العمود
__________________________________________________
 (1) الكافي: ج 3 ص 236 ح 7.
 (2) بحار الأنوار: ج 6 ص 264 ح 108.
 (3) حلية الأولياء لأبي نعيم: ج 6 ص 104.
 (4) الحبائك للسيوطي: ص 72.
 (5) الحبائك للسيوطي: ص 72.

66
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تكميل ص 62

.......... ليضربه. فيقول: إرفع عنّي حتّى أكتبها فيكتب فيها جميع حسناته و سيئاته ثمّ يأمره أن يطوي و يختم. فيقول: بأيّ شي‏ء أختم؟ و ليس معي خاتم. فيقول: اختمها بظفرك و علّقها في عنقك إلى يوم القيامة. كما قال اللّه تعالى: وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً «1».
و فتّان من أبنية المبالغة في الفتنة.
قال ابن الأثير و في حديث الكسوف: «و إنّكم تفتنون في القبور» يريد مساءلة منكر و نكير من الفتنة الامتحان و الاختبار و قد كثرت استعاذته من فتنة القبر و فتنة الدجّال و فتنة المحيا و الممات و غير ذلك.
و منه الحديث: «فبي تفتنون و عنّي تسألون» أي تمتحنون بي في قبوركم و يتعرّف إيمانكم بنبوّتي. انته «2».
و أصل الفتنة للفضّة و هي سبكها بالنار ليتميّز رديّها من جيّدها، و إضافة فتّان إلى القبور إمّا من إضافة اسم الفاعل إلى معموله على حذف مضاف أي فتّان أصحاب القبور أو إلى غير معموله كمصارع مصر و هذا أولى، و نصبه في رواية ابن إدريس على القطع بإضمار أعني.
تبصرة
القول بسؤال منكر و نكير و فتنة القبر و عذابه و ثوابه حقّ يجب الإيمان به لما تواترت به الأخبار، بل هو من ضروريّات الدين و الأظهر الأسلم في الإيمان بذلك‏
__________________________________________________
 (1) بحار الأنوار: ج 59 ص 234 مع اختلاف يسير في العبارة، و الآية 13 من سورة الإسراء.
 (2) النهاية لابن الأثير: ج 3 ص 410 سطر 13.

67
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 67

و الطّائفينَ بِالبَيتِ المَعمُورِ.
أن يصدّق بأنّها موجودة، و أنّ هناك ملكين أو أكثر على الصورة المحكيّة و إن كنّا لا نشاهد ذلك، إذ لا تصلح هذه العين لمشاهدة الأمور الملكوتيّة. و كلّ ما يتعلّق بالآخرة فهو من عالم الملكوت كما كانت الصحابة يؤمنون بنزول جبرئيل، و أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يشاهده و إن لم يكونوا يشاهدونه، و كما أنّ جبرئيل لا يشبه الناس فكذلك منكر و نكير و رومان، فوجب التصديق بوجودهم و الإيمان بسؤالهم و فتنتهم كما أخبر به المخبر الصّادق.
و أمّا التأويل الوارد عن غير أرباب العصمة على تقدير احتمال صحّته فلا موجب للقول به فضلا عن الإذعان به*.
 [ 256] طاف بالشي‏ء يطوف طوفا و طوافا: استدار به. و البيت المعمور هو المسمّى بالضراح بضمّ الضاد المعجمة و فتح الراء المهملة المخفّفة و بعد الألف حاء مهملة على وزن غراب من المضارحة و هي: المقابلة و المصارعة، و راوي الصاد مصحّف، و هو في السماء الرابعة كما وردت به روايات، و في رواية في السماء السادسة، و في أخرى في السابعة.
و عن أبي جعفر عليه السّلام: إنّ أركان البيت الحرام في الأرض حيال البيت المعمور في السماء «1».
و روى ثقة الإسلام في الكافي بإسناده عن محمّد بن مروان قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: كنت مع أبي في الحجر، فبينما هو قائم يصلّي إذ أتاه رجل فجلس إليه فلمّا انصرف سلّم عليه ثمّ قال: إنّي أسألك عن ثلاثة أشياء لا يعلمها إلاّ أنت أو رجل آخر. قال: ما هي؟ قال: أخبرني أيّ شي‏ء كان سبب الطواف بهذا البيت؟ فقال: إن اللّه عزّ و جلّ لمّا أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم عليه السّلام‏
__________________________________________________
 (1) الكافي: ج 4 ص 195 ح 2.

68
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 67

.......... ردّوا عليه فقالوا: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ اللّه تبارك و تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ فغضب عليهم ثمّ سألوه التوبة فأمرهم أن يطوفوا بالضراح و هو البيت المعمور، و مكثوا يطوفون به سبع سنين، يستغفرون اللّه عزّ و جلّ ممّا قالوا، ثمّ تاب عليهم من بعد ذلك و رضي عنهم، فهذا كان أصل الطواف، ثمّ جعل اللّه البيت الحرام حذو الضراح توبة لمن أذنب من بني آدم و طهورا لهم. فقال: صدقت «1».
و في رواية أخرى عنه عليه السّلام: إنّ اللّه أمر ملكا من الملائكة أن يجعل له بيتا في السماء السادسة يسمّى الضراح بإزاء عرشه، فصيّره لأهل السماء يطوف به سبعون ألف ملك في كلّ يوم لا يعودون و يستغفرون «2».
و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: إنّ اللّه عزّ و جلّ أمر للملائكة ببيت من مرمر، سقفه ياقوتة حمراء، و أساطينه الزبرجد، يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك، لا يدخلونه بعد ذلك إلى يوم الوقت المعلوم. قال: و يوم الوقت المعلوم يوم ينفخ في الصور نفخة واحدة «3».
و خرّج الأزرقي عن علي بن الحسين عليهما السّلام من جملة حديث: إنّ اللّه سبحانه و تعالى وضع تحت العرش بيتا على أربع أساطين من زبرجد و غشاهنّ بياقوتة حمراء، و سمّى البيت: الضراح. ثمّ قال اللّه للملائكة: طوفوا بهذا البيت و دعوا العرش، فطافت الملائكة بالبيت و تركت العرش، فصار أهون عليهم، و هو البيت المعمور الذي ذكره اللّه يدخله كلّ يوم و ليلة سبعون ألف ملك لا يعودون فيه أبدا «4»*.
__________________________________________________
 (1) الكافي: ج 4 ص 188 ح 2.
 (2) وسائل الشيعة: ج 9 ص 386 ح 3.
 (3) علل الشرائع: ج 2 ص 402 ح 2.
 (4) الدّر المنثور: ج 1 ص 128.

69
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 67

وَ مالكٍ وَ الخَزَنَةِ وَ رُضوانَ وَ سَدَنَةِ الجِنانِ مالك: اسم مقدّم خزنة النار، أعاذنا اللّه منها، و هو اسم مشتقّ من الملك و القوّة حيث تصرّفت حروفه، قال تعالى: وَ نادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ «1».
و الخزنة: الملائكة المتولّون لأمرها، قال عزّ و جلّ: وَ قالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ «2» و قال تعالى: عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ «3».
روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنّه قال: و الّذي نفسي بيده لقد خلقت ملائكة جهنّم قبل أن تخلق جهنّم بألف [بآلاف‏] عام، فهم كلّ يوم يزدادون قوّة إلى قوّتهم «4»*.
رضوان: بكسر الراء و ضمّها علّم منقول من الرضوان بمعنى: الرضا، و هو خلاف السخط، و لمّا كان رضوان اللّه تعالى أعظم السعادات و أشرف المرغوبات كما قال تعالى: وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ «5» سمّى اللّه تعالى رئيس خزّان الجنان برضوان إذ كان دخول الجنان و سكناها من مقتضيات رضوانه.
و السدنة: جمع سادن من السدانة بالكسر، و هي خدمة الأماكن المعظّمة كالكعبة و المسجد.
قال ابن الأثير: سدانة الكعبة هي خدمتها و تولّي أمرها و فتح بابها و إغلاقه «6» انته.
و قال الزمخشري في الأساس: سدنة البيت: حجبته، و سدن الستر و سدله:
أرخاه، و هو سادن فلان و آذنه لحاجبه «7» انته. فظهر أنّ السدانة مشتقّة من السدن كالستر وزنا و معنى، كما أنّ الحجّابة مشتقّة من الحجاب ثمّ أطلقت على‏
__________________________________________________
 (1) سورة الزخرف: الآية 77.
 (2) سورة غافر: الآية 49.
 (3) سورة التحريم: الآية 6.
 (4) لئالي الأخبار: ج 5 ص 114.
 (5) سورة التوبة: الآية 72.
 (6) النهاية لابن الأثير: ج 2 ص 355.
 (7) أساس البلاغة: ص 291.

70
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 67

وَ الذينَ لا يَعْصُونَ اللَّه ما أمَرَهُمْ وَ يَفعَلونَ ما يُؤمَرُونَ خدمة الكعبة و نحوها.
و الجنان: جمع جنّة، و اشتقاقها من الستر و التغطية، و منه: الجنين لاستتاره في البطن، و الجانّ لاستتاره عن العيون، و سمّي البستان جنّة لأنّه يستر داخله بالأشجار و يغطّيه فلا يستحقّ هذا الاسم إلاّ موضع كثير الأشجار متهدّل «1» الأغصان.
و الجنان المذكورة في القرآن ثمان و هي: جنّة النّعيم، و جنّة الفردوس، و جنّة الخلد، و جنّة المأوى، و جنّة عدن، و دار السلام، و دار القرار، و جنّة عرضها السماوات و الأرض أعدّت للمتّقين، و من وراء الكلّ: عرش الرحمن ذي الجلال و الإكرام. و سدنتها هم خزنتها الذين أشار إليهم سبحانه و تعالى بقوله: حَتَّى إِذا جاؤُها وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ «2»*.
 [ 257] اقتباس من قوله تعالى: ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ «3».
قال المفسّرون: هم الزبانية، و ذكره عليه السّلام للزبانية بعد هذا يدلّ على أنّهم غيرهم.
و قوله: «ما أمرهم» في محلّ نصب على أنّه بدل اشتمال من اللّه أي: لا يعصون أمره، أو على نزع الخافض أي: فيما أمرهم.
و لا يخفى أنّ عدم العصيان يستلزم قبول الأمر و امتثاله، فصرّح بما عرف ضمنا قائلا: «و يفعلون ما يؤمرون» أي: يؤدّون ما يؤمرون به من غير تثاقل و لا توان.
__________________________________________________
 (1) تهدّل أغصانها: أي تدلّت و استرخت لثقلها بالثمرة. النهاية لابن الأثير: ج 5 ص 251.
 (2) سورة الزمر: الآية 73.
 (3) سورة التحريم: الآية 6.

71
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 67

وَ الّذينَ يَقولونَ سَلامٌ عَلَيكُم بِما صَبَرتُم فَنِعمَ عُقْبى‏ الدّارِ.
وَ الزّبانِيَةِ الّذيَن إِذا قِيلَ لَهمْ خُذُوه فَغُلّوهُ ثُمَّ الْجَحيمَ صَلُّوهُ إِبْتَدَرُوهُ سِراعاً وَ لَمْ يُنظِرُوهُ
و يجوز أن يكون الأوّل متعلّقا بالماضي من الأمر، و الثاني بالمستقبل منه*.
 [ 258] اقتباس آخر من قوله تعالى: وَ الْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ* سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ «1». أي: قائلين ذلك.
فقولهم: «سلام عليكم» بشارة بدوام السلامة لأهل الجنّة من جميع الآفات.
و الباء من قوله: «بما صبرتم» متعلّق بالسلام و المعنى: إنّما حصلت لكم هذه السلامة بسبب صبركم على الطاعات و عن المعاصي.
و قيل: متعلّقها محذوف أي: هذه الكرامة العظمى بسبب صبركم أو بدل ما احتملتم من مشاقّ الصبر و متاعبه، فالباء: للبدليّة و المعنى: لئن تعبتم في الدّنيا لقد استرحتم الساعة.
و نعم: بكسر النون و سكون العين: فعل جامد للزومه إنشاء المدح على سبيل المبالغة.
و عقبى الدار: مرفوع على الفاعليّة له. و العقبى: مصدر كالعاقبة و مثلها البشرى و القربى. و المراد بالدار: الدّنيا و عقباها الجنّة لأنّها الّتي أراد اللّه أن تكون عاقبة الدّنيا و مرجع أهلها، يقولون: نعم ما أعقبكم اللّه بعد الدار الأولى.
و لعلّ المراد بالملائكة المذكورين سكّان الجنّة الّذين هم غير خزّانها، و هم الّذين يتلقّون عباد اللّه المخلصين بالشفقة و البشارة بما تقرّ به أعينهم، و يدخلون عليهم من كلّ باب من أبواب قصورهم فيؤنسوهم و يسترونهم بما تنشرح به صدورهم و يزيد به سرورهم*.
 [ 259] الزبانية: الشرط و هم أعوان الولاة، قيل: هي جمع لا واحد له، و قيل: واحده‏
__________________________________________________
 (1) سورة الرعد: الآية 23 و 24.

72
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 67

وَ مَنْ أَوْهَمنا ذِكْرَهُ وَ لَمْ نَعْلَمْ مَكانَهُ مِنكَ وَ بِأَيِّ أمرٍ وَكّلْتَهُ زبنية كعفرية، و قيل: زبني بالكسر كأنّه نسب إلى الزبن و كسر الزاي لتغيير النسب كأمسى، و أصلها: زباني فقيل: زبانية بتعويض التاء عن الياء، و اشتقاقها من الزبن و هو الدفع، يقال: زبنت الشي‏ء زبنا: إذا دفعته سمّي بها ملائكة العذاب لأنّهم يدفعون أهل النار إليها، و في خبر: أنّ الزبانية أرجلهم في الأرض و رءوسهم في السماء «1».
و الضمير في خذوه: عائد على المستحقّ للجحيم و إن لم يجر له ذكر لدلالة السياق عليه.
و قوله: «فغلّوه» أي: شدّوه في الأغلال.
و الجحيم: النار الشديدة التأجّج، و كلّ نار بعضها فوق بعض، و كلّ نار عظيمة في مكان هاو.
و صلاّه النار تصلية: أدخله إيّاها و أثواه فيها. و تقديم الجحيم على التصلية للحصر أي: لا تصلّوه إلاّ الجحيم.
و ابتدر الشي‏ء كبادرة: عاجله.
و سراعا: أي مسرعين و هو جمع سريع كصغير و صغار.
و الإنظار: الإمهال، أي: لم يمهلوه.
روي: أنّه إذا قيل خذوه ابتدر إليه مائة ألف ملك و تجمع يده إلى عنقه «2»*.
 [ 260] أوهم الشي‏ء إيهاما: تركه، و أوهم في الحساب مائة: أسقطها.
و لم نعلم مكانه: أي منزلته و مرتبته.
منك: أي عندك، مثلها في قوله تعالى: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ*
__________________________________________________
 (1) الدّر المنثور: ج 6 ص 370.
 (2) تفسير غرائب القرآن و رغائب الفرقان: ج 8 ذيل الآية 30 من سورة الحاقّة، و ص 35 بهامش تفسير الطبري ج 29.

73
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 67

وَ سُكّانِ الهَواءِ وَ الأَرْضِ وَ الماءِ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً* «1» أي: عنده.
و الواو من قوله: «و لم نعلم» يحتمل أن تكون عاطفة أي: و من لم نعلم مكانه، و أن تكون للحال أي و من أوهمنا ذكره و الحال انّا لم نعلم مكانه.
و قوله: «و بأيّ أمر وكّلته» عطف على قوله مكانه، أي: و لم نعلم بأيّ أمر وكّلته. و فيه دلالة على أنّه لا يعلم أصناف الملائكة غير خالقها كما قال تعالى: وَ ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ «2»، حتّى قيل: ما من ذرّة من ذرّات العالم إلاّ قد وكّل به ملك أو ملائكة.
روى أبو جعفر الصّفار في كتاب بصائر الدرجات بإسناده عن حمّاد بن عيسى قال: سأل رجل أبا عبد اللّه عليه السّلام فقال: الملائكة أكثر أم بنو آدم فقال:
و الّذي نفسي بيده لملائكة اللّه في السماوات أكثر من عدد التراب في الأرض و ما في السماء موضع قدم إلاّ و فيه ملك يسبّح له [يسبحه‏] و يقدّسه و لا في الأرض شجرة و لا مثل غرزة إبرة إلاّ و فيها ملك موكّل يأتي اللّه كلّ يوم بعلمها و اللّه أعلم بها، و ما منهم أحد إلاّ و يتقرّب إلى اللّه في كلّ يوم بولايتنا أهل البيت، و يستغفر لمحبّينا و يلعن أعداءنا، و يسأل اللّه أن يرسل عليهم العذاب إرسالا «3».
و أخرج الواحدي و البيهقي في الدلائل عن خارجة بن إبراهيم عن أبيه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لجبرئيل: من القائل يوم بدر أقدم حيزوم؟
فقال جبرئيل: ما كلّ أهل السماء أعرف «4»*.
 [ 261] الهواء بالمدّ: الجوّ، و المراد بسكّانه هنا: سكّانه من الملائكة و إلاّ فله سكّان آخرون كما ورد في بعض الروايات: إنّ الأعراب خرجوا يجتنون الكماءة فأصابوا
__________________________________________________
 (1) سورة آل عمران: الآية 10 و 116.
 (2) سورة المدّثر: الآية 31.
 (3) بصائر الدرجات: ج 2 ص 88 ح 9.
 (4) دلائل النبوّة: ج 2 ص 339.

74
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 67

وَ مَنْ مِنْهُم عَلى‏ الخَلْقِ في البدو خلقا ملقى، فأتوا به الربيع حاجب المنصور فأدخله على المنصور ليعجبه منه فوضعه بين يديه، فلمّا رآه قال: نحّه و ادع لي جعفر بن محمّد، فدعاه فقال:
يا أبا عبد اللّه أخبرني عن الهواء ما فيه؟ فقال: في الهواء موج مكفوف. فقال: فيه سكّان؟ قال: نعم. قال: و ما سكّانه؟ قال: خلق أبدانهم خلق الحيتان و رءوسهم رءوس الطير و لهم أعراف كأعراف الديكة و نغانغ كنغانغ الديكة، و أجنحة كأجنحة الطير في الألوان أشدّ بياضا من الفضّة المجلوّة. قال الربيع: فقال المنصور: هلمّ الطست فجئت بها و فيها ذلك الخلق، فإذا هو و اللّه كما وصف جعفر بن محمّد فلمّا نظر إليه جعفر قال: هذا هو الخلق الذي يسكن الموج المكفوف.
فأذن له بالانصراف فلمّا خرج قال: ويلك يا ربيع هذا الشجا المعترض في حلقي من أعلم الناس «1».
و يحتمل أن يكون المراد بسكّان الهواء و الأرض و الماء: ملائكة العناصر، فقد صرّحوا بأنّ من أصناف الملائكة ملائكة العناصر و أن يكونوا غيرهم.
روى الصدوق في الفقيه قال: نهى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن الغسل تحت السماء إلاّ بمئزر، و نهى عن دخول الأنهار إلاّ بمئزر و قال: إنّ للماء أهلا و سكّانا «2».
و عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: دخل الحسن بن علي عليهما السّلام الفرات في بردة كانت عليه قال: فقلت له: لو نزعت ثوبك فقال لي: يا عبد الرحمن إنّ للماء سكّانا «3».
أي: موكّل على جميع المخلوقات السماويّة و الأرضيّة، فقد روي: إنّ ما من‏
__________________________________________________
 (1) بحار الأنوار: ج 59 ص 338 مع اختلاف يسير في العبارة.
 (2) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 110 ح 226.
 (3) المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 15.

75
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 67

فَصَلِّ عَلَيهِمْ يَومَ تَأتي كُلُّ نَفْسٍ مَعَها قائِمٌ وَ شَهيدٌ شي‏ء من خلق اللّه إلاّ و ملك موكّل عليه [1].
قال بعض العلماء: روي أنّه ما من ذرّة و لا قطرة إلاّ و قد وكّل بها ملك أو ملائكة [2] و إذا كان هذا حال الذرّات و القطرات فما ظنّك بالسماوات و الكواكب و الهواء و الغيوم و الرياح و الأمطار و الأرض و الجبال و القفار و البحار و العيون و الأنهار و المعادن و النبات، فبالملائكة صلاح العالم، و تمام الموجودات، و كمال الأشياء بتقدير العزيز العليم*.
 [ 262] قائم: أي مطالب، من قام على غريمه إذا طالبه، و منه قوله تعالى: إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً «1». و في رواية ابن إدريس سائق و شهيد، و هو المطابق للتنزيل، قال تعالى: وَ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِيدٌ «2» أي: معها ملكان أحدهما يسوقها إلى الحشر و الآخر يشهد بعملها.
و ما قيل من احتمال كون السائق و الشهيد ملكا واحدا جامعا بين الوصفين كأنّه قيل معها ملك يسوقها و يشهد عليها.
يردّه ما رواه جابر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّ ابن آدم إذا قامت الساعة انحطّ عليه ملك الحسنات و ملك السيّئات و انتشطا «3» كتابا معقودا في عنقه ثمّ حضرا معه واحد سائق و الآخر شهيد «4».
و ما روي عن الصادق عليه السّلام: سائق يسوقها إلى محشرها، و شاهد يشهد
__________________________________________________
 [1] بحار الأنوار: ج 59 ص 239 نقلا بالمضمون و إليك نصّه: روي في العلل بإسناده عن أبي جعفر عليه السّلام قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ وكّل ملائكة بنبات الأرض من الشجر و النخل فليس من شجرة و لا نخلة إلاّ و معها من اللّه عزّ و جلّ ملك يحفظها و ما كان فيها، و لو لا أن معها من يمنعها لأكلها السباع و هو أمّ الأرض إذا كان فيها ثمرها- الخبر.
 [2] بحار الأنوار: ج 59 ص 239 نقلا بالمضمون و إليك نصّه: روي في العلل بإسناده عن أبي جعفر عليه السّلام قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ وكّل ملائكة بنبات الأرض من الشجر و النخل فليس من شجرة و لا نخلة إلاّ و معها من اللّه عزّ و جلّ ملك يحفظها و ما كان فيها، و لو لا أن معها من يمنعها لأكلها السباع و هو أمّ الأرض إذا كان فيها ثمرها- الخبر.
__________________________________________________
 (1) سورة آل عمران: الآية 75.
 (2) سورة ق: الآية 21.
 (3) هكذا في الأصل: و لكن في الدرّ المنثور «فبسطا».
 (4) الدّر المنثور: ج 6 ص 106.

76
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 67

وَ صَلِّ عَلَيهم صَلاةً تَزيدُهمْ كَرامَةً عَلى‏ كَرامَتِهمْ، وَ طَهارَةً عَلى‏ طَهارَتِهم.
اللّهُمَّ وَ إِذا صَلَّيتَ عَلى‏ مَلائِكَتِكَ وَ رُسُلِكَ وَ بَلَّغتَهُم صَلاتَنا عَلَيهِم فَصَلِّ عَلَيهِم بِما فَتَحتَ لَنا مِن حُسْنِ القَولِ فيهِم، إِنّكَ جَوادٌ كَريمٌ.

عليها بعملها «1».
و محلّ «معها» النصب على الحاليّة من «كلّ» لإضافته إلى ما هو في حكم المعرفة كأنّه قبل كلّ النفوس، أو الجر على أنّه وصف لنفس أو الرفع على أنّه وصف ل «كلّ»*.
 [ 263] الكرامة: الاسم من الإكرام. و إكرامهم: تقريبهم منه تعالى كما قال: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ «2».
و طهارتهم: تقدّسهم عن المعاصي و الخروج عن الطاعات و جواذب الشهوات.
و لمّا كانت مراتب استحقاق نعم اللّه تعالى على أصناف خلقه غير متناهية دعا لهم عليه السّلام أن يزيدهم كرامة على كرامتهم، و طهارة على طهارتهم.
 [ 264] و «على» للاستعلاء المعنوي بمعنى: فوق، كما في قوله تعالى: ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ «3» و يجوز أن تكون بمعنى: «مع» أي: مع كرامتهم*.
إذا: ظرف للمستقبل متضمّن معنى الشرط و جوابه، قوله: «فصلّ عليهم» إذ كان ذكر المؤمنين لأحد بالخير سببا لرحمة اللّه تعالى إيّاه، و في نسخة «فصلّ علينا» و هو الأنسب، بقوله: «بما فتحت لنا».
و «الباء» للسببيّة أي: بسبب ما فتحت لنا أي يسّرت على الفهم و الفكر و اللسان.
__________________________________________________
 (1) تفسير الصافي: ج 5 ص 61، و نهج البلاغة: خطبة 85 ص 116.
 (2) سورة الأنبياء: الآية 26.
 (3) سورة النور: الآية 40.

77
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 67

.......... و «من»: بيانيّة.
و المراد بحسن القول فيهم: وصفهم بالجميل و الدعاء لهم.
و الجواد: الكثير الإنعام و الإحسان.
و «الكريم» أعمّ منه، و لذلك قال بعض الفضلاء: الكريم: هو الذي إذا قدر عفا، و إذا وعد وفا، و إذا أعطى زاد على منته الرجاء، و لم يبل بما أعطى و لا لمن أعطى، و إن دفعت إلى غيره حاجة لا يرضى، و إذا جفي عاتب و ما استقصى، و لا يضيع من لاذ به و التجا، و يغنيه عن الوسائل و الشفعاء، فمن اجتمعت له هذه الاعتبارات حقيقة من غير تكلّف فهو الكريم المطلق و ليس ذلك إلاّ اللّه تعالى.
و الجملة تعليل للدعاء و مزيد استدعاء الاستجابة، و أوردها مؤكّدة لكمال تحقّقه لمضمونها و هو جوده و كرمه تعالى.
نسأل اللّه تعالى بجوده و كرمه. أن يسبغ علينا سوابغ نعمه و أن يجعل ما أوردته في هذه السطور حجّة لي لا عليّ يوم النشور. و الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة على نبيّه و آله الأكرمين. [] قال مؤلّفه غفر اللّه له: مكان الفراغ من تحرير هذه الروضة لثلاث عشرة خلون من صفر الخير، عام ستّ و تسعين و ألف.

78
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

الروضة الرابعة ص 79

الروضة الرابعة

79
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

و كان من دعائه عليه السلام في الصلوة على اتباع الرسل و مصدقيهم ص 81

و كان من دعائِه عليه السّلام في الصّلوة عَلى‏ اتْباع الرُّسُل وَ مُصَدّقِيهمْ‏
اللَّهُمَّ وَ اتْباعُ الرُّسُلِ وَ مُصَدِّقُوهُمْ مِنْ اهْلِ الْأَرْضِ بِالْغَيْبِ عِنْدَ مُعارَضَةِ الْمُعانِدِينَ لَهُمْ بِالتَّكْذيبِ وَ الْإِشْتِياقِ الَى الْمُرْسَلينَ بِحَقايِقِ الاْيمانِ في‏ كُلِّ دَهْرٍ وَ زَمانٍ ارْسَلْتَ فيهِ رَسُولاً وَ اقَمْتَ لِأَهْلِهِ دَليلاً مِنْ لَدُنْ ادَمَ الَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَ الِهِ مِنْ ائِمَّةِ الْهُدى‏ وَ قادَةِ اهْلِ التُّقى‏ عَلى‏ جَميعِهِمُ السَّلامُ فَاذْكُرْهُمْ مِنْكَ بِمَغْفِرَةٍ وَ رِضْوانٍ اللَّهُمَّ وَ اصْحابُ مُحَمَّدٍ ص خاصَّةً الَّذينَ احْسَنُوا الصَّحابَةَ وَ الَّذينَ أَبْلَوُا الْبَلاءَ الْحَسَنَ في‏ نَصْرِهِ وَ كانَفُوهُ وَ اسْرَعُوا الى‏ وِفادَتِهِ وَ سابَقُوا الى‏ دَعْوَتِهِ وَ اسْتَجابُوا لَهُ حَيْثُ اسْمَعَهُمْ حُجَّةَ رِسالاتِهِ وَ فارَقُوا الْأَزْواجَ وَ الْأَوْلادَ في‏ اظْهارِ كَلِمَتِهِ وَ قاتَلُوا الْاباءَ وَ الْأَبْناءَ في‏ تَثبيتِ نُبُوَّتِهِ وَ انْتَصَرُوا بِهِ وَ مَنْ كانُوا مُنْطَوينَ عَلى مَحَبَّتِهِ يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ فى مَوَدَّتِهِ وَ الَّذينَ هَجَرَتْهُمُ الْعَشائِرُ إِذْ تَعَلَّقُوا بِعُرْوَتِهِ وَ انْتَفَتْ مِنْهُمْ الْقَراباتُ إِذْ سَكَنُوا في‏ ظِلِّ قَرابَتِهِ فَلا تَنْسَ لَهُمْ اللَّهُمَّ ما تَرَكُوا لَكَ وَ فيكَ وَ ارْضِهِمْ مِنْ رِضْوانِكَ وَ بِما حاشُوا
..........

81
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

و كان من دعائه عليه السلام في الصلوة على اتباع الرسل و مصدقيهم ص 81

الْخَلْقَ عَلَيْكَ وَ كانُوا مَعَ رَسُولِكَ دُعاةً لَكَ إلَيْكَ وَ اشْكُرْهُمْ عَلى‏ هَجْرِهِمْ فِيكَ دِيارَ قَوْمِهِمْ وَ خُرُوجِهِمْ مِنْ سَعَةِ الْمَعاشِ الى‏ ضيقِهِ وَ مَنْ كَثَّرْتَ في اعْزازِ دينِكَ مِنْ مَظْلُومِهِمْ اللَّهُمَّ وَ اوْصِلْ الَى التَّابِعينَ لَهُمْ بِاحْسانٍ الَّذينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لاخْوانِنَا الَّذينَ سَبَقُونا بِالْايمانِ خَيْرَ جَزائِكَ الَّذينَ قَصَدُوا سَمْتَهُمْ وَ تَحَرَّوْا وِجْهَتَهُمْ وَ مَضَوْا عَلى‏ شاكِلَتِهِمْ لَمْ يَثْنِهِمْ رَيْبٌ في‏ بَصيرَتِهِمْ وَ لَمْ يَخْتَلِجْهُمْ شَكُّ في‏ قَفْوِ اثارِهِمْ وَ الْائْتِمامِ بِهِدايَةِ مَنارِهِمْ مُكانِفِينَ وَ مُوازِرِينَ لَهُمْ يَدينُونَ بِدينِهِمْ وَ يَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِم يُنْفِقُونَ عَلَيْهِمْ وَ لا يَتَّهِمُونَهُمْ فيما ادَّوْا الَيْهِمْ اللَّهُمَّ وَ صَلِّ عَلَى التَّابِعينَ مِنْ يَوْمِنا هذا إلى‏ يَوْمِ الدّينِ وَ عَلى‏ ازْواجِهِمْ وَ عَلَى‏ ذُرِّيّاتِهِمْ وَ عَلى‏ مَنْ اطاعَكَ مِنْهُمْ صَلوةً تَعْصِمُهُمْ بِها مِنْ مَعْصِيَتِكَ وَ تَفْسَحُ لَهُمْ في‏ رِياضِ جَنَّتِكَ وَ تَمْنَعُهُمْ بِها مِنْ كَيْدِ الشَّيْطانِ وَ تُعينُهُمْ بِها عَلى‏ مَا اسْتَعانُوكَ عَلَيْهِ مِنْ بِرٍّ وَ تَقيهِمْ طَوارِقَ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ الاّ طارِقاً يَطْرُقُ بِخَيْرٍ وَ تَبْعَثُهُمْ بِها عَلَى اعْتِقادِ حُسْنِ الرَّجاءِ لَكَ وَ الطَّمَعِ فيما عِنْدَكَ وَ تَرْكِ التُّهْمَةِ فيما تَحْويهِ ايْدِى ..........

82
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

و كان من دعائه عليه السلام في الصلوة على اتباع الرسل و مصدقيهم ص 81

الْعِبادِ لَتَرُدَّهُمْ الَى الرَّغْبَةِ الَيْكَ وَ الرَّهْبَةِ مِنْكَ وَ تُزَهِّدَهُمْ في‏ سَعَةِ الْعاجِلِ وَ تُحَبِّبَ الَيْهِمُ الْعَمَلَ لِلاجِلِ وَ الْاسْتِعْدادَ لِما بَعْدَ الْمَوْتِ وَ تُهَوِّنَ عَلَيْهِمْ كُلَّ كَرْبٍ يَحِلُّ بِهِمْ يَوْمَ خُرُوجِ الْأَنْفُسِ مِنْ أَبْدانِها وَ تُعافِيَهُمْ مِمَّا تَقَعُ بِهِ الْفِتْنَةُ مِنْ مَحْذُوراتِها وَ كَبَّةِ النّارِ وَ طُولِ الْخُلُودِ فيها وَ تُصَيِّرهُمْ الى‏ امْرٍ مِنْ مَقيلِ الْمُتَّقينَ‏ ..........

83
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

و كان من دعائه عليه السلام في الصلوة على اتباع الرسل و مصدقيهم ص 81

.......... [] بسم اللّه الرحمن الرحيم و به نستعين «1» الحمد للّه الّذي جعل اتّباع الرسل منوطا بالشرف و الكرامة فاستحقّ أتباعهم بتصديقهم إيّاهم تشريفه تعالى و إكرامه، و الصلاة و السلام على نبيّه المظلّل بالغمامة و على أهل بيته المخصوصين بالولاية و الإمامة.
و بعد: فهذه الروضة الرابعة من رياض السالكين تتضمّن شرح الدعاء الرابع من أدعية صحيفة سيّد العابدين. إملاء راجي ربّه الغني: عليّ صدر الدين الحسينيّ الحسنيّ أحسن اللّه أحواله و قرن بالسداد أفعاله و أقواله.
__________________________________________________
 (1) في «ألف» و به ثقتي.

84
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الرابع ص 85

شرح الدعاء الرابع‏
و كان من دعائه عليه السّلام في الصّلاة على أتباع الرّسل و مصدّقيهم. اللّهُمَّ وَ أتباعَ الرّسُلِ وَ مُصَدّقوهُمْ مِن أهلِ الأرْضِ بِالغيب الأتباع: جمع تابع كصاحب و أصحاب و طاهر و أطهار، أو جمع تبع كسبب و أسباب، و التبع و إن استوى فيه الواحد و الجمع تقول: المصلّي تبع لإمامه، و الناس تبع له، لكنّهم أجازوا جمعه على أفعال، و يجوز أن يكون جمع تبيع كنصير و أنصار وزنا و معنى، و الأوّل أولى لأنّ المراد بالتابعين للرسل المقتدون بهم في كلّ ما يأتون و يذرون من أمور الدنيا، فيدخل فيه الأتباع في النصرة دخولا أوّليّا، و إلاّ دخل في العموم نحو: المنافقين الّذين كانوا في الظاهر من الأنصار، و عدم إرادتهم هنا ظاهر.
و قوله: «و مصدّقيهم» من قبيل عطف الشي‏ء على مرادفه لأنّ كلّ تابع بالمعنى المذكور مصدّق و كلّ مصدّق تابع، إذ المراد بتصديقهم: الإيمان بهم و بما أنزل عليهم كما قالت الحواريّون: رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَ اتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ «1»*.
 [ 265] قوله: «و أتباع الرسل» مبتدأ خبره قوله بعد ذلك «فاذكرهم» و الفاء جواب لأمّا مقدّرة كما مرّ بيانه في أوّل الدّعاء السّابق.
__________________________________________________
 (1) سورة آل عمران: الآية 53.

85
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الرابع ص 85

.......... و قوله: «من أهل الأرض» بيان لجنس المصدّقين، كقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ «1» أي: المصدّقون الذين هم من جنس أهل الأرض أي:
البشر لبيان أنّ المقصود بالدعاء له هنا من صدّق من الثقلين، و أمّا أهل السماء و من هو من جنسهم من الملائكة و إن كانوا مصدّقين فقد سبق الدعاء لهم.
و قوله: «بالغيب» يجوز أن يكون صلة للتصديق، فالباء للتعدية و هو واقع موقع المفعول الثاني، و على هذا يكون الغيب بمعنى الغائب، إمّا تسميته بالمصدر كما سمّي الشاهد بالشّهادة في قوله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ* «2» و العرب تسمّي المطمئن من الأرض غيبا، و إمّا مخفّف فيعل كميت مخفّف ميّت، و على التقديرين فالمراد به الخفي الذي لا ينفذ فيه ابتداء إلاّ علم اللطيف الخبير، و انّما نعلم نحن منه ما أعلمناه و نصب لنا دليلا عليه و ذلك نحو: الصانع و صفاته و النبوّات و ما يتعلّق بها و البعث و النشور و الحساب و الوعد و الوعيد و غير ذلك.
و يجوز أن يكون حالا فالباء للمصاحبة، و الغيب مصدر على حاله بمعنى الغيبة و الخفاء كما في قوله تعالى: يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ* «3» و قوله: لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ «4» أي: و مصدّقوهم ملتبسين بالغيبة إمّا عن المصدّقين: أي غائبين عن الرسل غير مشاهدين لما فيهم من شواهد النبوّة لما روي أنّ أصحاب ابن مسعود ذكروا أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إيمانهم فقال ابن مسعود: إنّ أمر محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان بيّنا لمن رآه، و الذي لا إله غيره ما آمن مؤمن أفضل من الإيمان بغيب، ثمّ تلا قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ «5».
و إمّا عن الناس أي: غائبين عن المؤمنين لا كالمنافقين الذين وَ إِذا لَقُوا
__________________________________________________
 (1) سورة الحجّ: الآية 30.
 (2) سورة التوبة: الآية 94 و 105، و سورة المؤمنون: الآية 92.
 (3) سورة فاطر: الآية 18.
 (4) سورة يوسف: الآية 52.
 (5) الدّر المنثور: ج 1 ص 26.

86
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الرابع ص 85

عِنْدَ مُعارَضَةِ المُعانِدينَ لَهُمْ بِالتّكذِيبِ و الإِشتِياقِ إِلى المُرسَلِينَ بِحَقايِقِ الإيمانِ الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا: آمَنَّا، وَ إِذا خَلَوْا إِلى‏ شَياطِينِهِمْ قالُوا: إِنَّا مَعَكُمْ «1».
و يحتمل أن يكون المراد بالغيب: القلب لأنّه مستور، و المعنى: و مصدّقوهم بقلوبهم لا كالذين يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ «2» فالباء حينئذ للآلة* عند: هنا ظرف لزمان الحضور نحو: عند طلوع الشمس.
و عارض الشي‏ء بالشي‏ء معارضة: قابله.
و عاند فلان عنادا من باب قاتل: إذا ركب الخلاف و العصيان.
قال الأزهري: المعاند: المعارض بالخلاف لا بالوفاق «3».
و قال صاحب المحكم: المعاندة و العناد: أن يعرف الرجل بالشي‏ء فيأباه و يميل عنه، و عنده عنادا: عارضه «4».
و قوله: «لهم» متعلّق بالمعارضة أو بالمعاندين و الضّمير عائد إلى الرسل.
و بالتكذيب: متعلّق بالمعارضة أي: عند مقابلتهم بالتكذيب*.
الاشتياق: بالشين المعجمة افتعال من الشوق و هو نزاع النفس إلى الشي‏ء، هكذا ضبط في جميع النسخ.
و نقل بعضهم إنّ في نسخة الشهيد «الاستباق» بالسين المهملة و الباء الموحّدة بعد التاء المثنّاة من فوق افتعال من السبق و هو التقدّم و لا يكون إلاّ من اثنين فصاعدا يجتهد كلّ منهم أن يسبق صاحبه و منه: وَ اسْتَبَقَا الْبابَ «5» أي: تبادر إليه، و أيّا ما كان فهو معطوف على معارضة المعاندين، و قيل: على الأرض، و الأوّل أظهر.
__________________________________________________
 (1) سورة البقرة: الآية 14.
 (2) سورة آل عمران: الآية 167.
 (3) تهذيب اللغة: ج 2 ص 222.
 (4) المحكم لابن سيده: ج 2 ص 14.
 (5) سورة يوسف: الآية 25.

87
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الرابع ص 85

.......... و المعنى على الرواية المشهورة: و مصدّقوهم بالغيب عند اشتياق المؤمنين إلى المرسلين و ذلك في حال غيبتهم إذ الاشتياق لا يكون إلاّ مع عدم الحضور، و على ما نقل من نسخة الشهيد عند تسابق الناس إليهم، و ذلك في أوّل الدعوة و حال طلب فضيلة السبق إلى الإجابة و الفوز بنيل درجته و منزلته، كما رواه ثقة الإسلام في الكافي بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قلت له: إنّ للإيمان درجات و منازل يتفاضل المؤمنون فيها عند اللّه. قال: نعم قلت: صفه لي رحمك اللّه حتّى أفهمه. قال: إنّ اللّه سبق بين المؤمنين كما يسبق بين الخيل يوم الرهان ثمّ فضّلهم على درجاتهم في السبق إليه، فجعل كلّ امرئ منهم على درجة سبقه لا ينقصه فيها من حقّه و لا يتقدّم مسبوق سابقا و لا مفضول فاضلا، تفاضل بذلك أوائل هذه الامّة أواخرها و لو لم يكن للسابق إلى الإيمان فضل على المسبوق، إذن للحق آخر هذه الامّة أوّلها، نعم و لتقدّموهم إذا لم يكن لمن سبق إلى الإيمان الفضل على من أبطأ عنه و لكن بدرجات الإيمان قدّم اللّه السابقين و بالإبطاء عن الإيمان أخّر اللّه المقصّرين لأنّا نجد من المؤمنين من الآخرين من هو. أكثر عملا من الأوّلين و أكثرهم صلاة و صوما و حجّا و زكاة و جهادا و إنفاقا و لو لم تكن سوابق يفضّل بها المؤمنون بعضهم بعضا لكان الآخرون بكثرة العمل مقدّمين على الأوّلين، و لكن أبى اللّه تعالى أن يدرك آخر درجات الإيمان أوّلها و يقدّم فيها من أخّر اللّه، و يؤخّر فيها من قدّم اللّه.

قلت: أخبرني عمّا ندب اللّه تعالى المؤمنين إليه من الاستباق إلى الإيمان. فقال: قول اللّه تعالى: سابِقُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ الآية، و قال: السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ‏. و قال: السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ‏.

فبدأ بالمهاجرين الأوّلين على درجة سبقهم ثمّ ثنّى بالأنصار، ثمّ ثلّث بالتابعين لهم‏

88
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الرابع ص 85

في كُلِّ دَهرٍ وَ زَمانٍ أَرْسَلْتَ فيهِ رَسوُلاً، وَ أَقَمتَ لأهلِهِ دَليلاً بإحسان، فوضع كلّ قوم على درجاتهم و منازلهم عنده «1». و الحديث طويل اقتصرنا منه على ما تعلّق الغرض به.
و قوله: «بحقايق الإيمان» الباء: إمّا سببيّة متعلّق بالاشتياق، أو الاستباق على الروايتين، أو للمصاحبة متعلّقة بمحذوف وقع حالا من الأتباع و المصدّقين، أو من فاعل الاشتياق أو الاستباق أي: ملتبسين بحقايق الإيمان.
 «و الحقايق»: جمع حقيقة: و هي ما به الشي‏ء هو هو باعتبار تحقّقه، فحقايق الإيمان: التصديقات الحقّة بجميع ما جاء به المرسلون.
قال ابن الأثير في النهاية: و في الحديث «لا يبلغ المؤمن حقيقة الإيمان حتّى لا يعيب مسلما بعيب هو فيه» يعني خالص الإيمان و محضه و كنهه «2» انته*.
 [ 266] الدهر و الزمان في اللغة: مترادفان، و قيل: الدهر طائفة من الزمان غير محدودة، و الزمان: مرور الليالي و الأيّام.
و قالت الحكماء: الدهر: هو الآن الدائم الذي هو امتداد الحضرة الإلهيّة، و هو باطن الزمان و به يتحدّد «3» الأزل و الأبد، و الزمان مقدار حركة الفلك الأطلس.
و هذان المعنيان غير مرادين هنا.
و قال المتكلّمون: الزمان: عبارة عن متحدّد معلوم يقدّر به متحدّد آخر موهوم.
كما يقال: آتيك عند طلوع الشمس، فإنّ طلوع الشمس معلوم و مجيئه موهوم، فإذا قرن ذلك الموهوم بذلك المعلوم زال الإبهام.
و جملة «أرسلت» في محلّ جرّ على أنّها وصف لكلّ.
و أقمت: أي نصبت، و هي جملة تابعة للأولى.
و الدليل: المرشد، و لمّا كان المنصوب من اللّه تعالى مرشدا للخلق إلى سلوك‏
__________________________________________________
 (1) الكافي: ج 2 ص 40 ح 1.
 (2) النهاية لابن الأثير: ج 1 ص 415.
 (3) في «ألف»: يتجدّد.

89
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الرابع ص 85

مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلى‏ مُحمّدٍ صَلّى‏ اللّهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلّمَ سبيل الحقّ صدق عليه أنّه دليل*.
من: هنا لابتداء الغاية في الزمان، نحو: مطرنا من الجمعة إلى الجمعة، و هي متعلّقة بمحذوف واقع حالا من كلّ دهر و زمان، لوصفه بالجملة، و النكرة الموصوفة كالمعرفة أي: كائنا من لدن آدم، أو وصفا له أي: كائن و لدن: بفتح اللام و ضمّ الدال المهملة و سكون النون من الظروف المبنيّة و هي لأوّل غاية زمان أو مكان و بنيت لشبهها بالحرف في لزومها استعمالا واحدا و هو الابتداء و عدم التصرّف و الغالب اقترانها بمن، و لم تقع في التنزيل إلاّ كذلك.
و آدم: أبو البشر، قيل: هو اسم أعجمي، و الأقرب أنّ وزنه فاعل كآزر، و قيل:
عربيّ و وزنه افعل.
قال الجواليقي: أسماء الأنبياء كلّها أعجميّة إلاّ أربعة: آدم و صالح و شعيب و محمّد عليهم السّلام «1». و اختلف في اشتقاقه فقيل: من الأدمة بالفتح بمعنى:
الاسوة.
يقال: هو أدمة أهله: أي اسوتهم الذي به يعرفون.
و قيل: من الادمة بالضمّ بمعنى: الألفة و الخلطة.
و قيل: من أديم الأرض، و هو الصحيح. لما رواه الصدوق «قدّس سرّه» في كتاب العلل بإسناده عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «إنّما سمّي آدم آدم لأنّه خلق من أديم الأرض» «2».
و أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس قال: «إنّما سمّي آدم لأنّه خلق من أديم الأرض» «3».
__________________________________________________
 (1) تهذيب الأسماء و اللغات للنووي: الجزء الأوّل من القسم الأوّل ص 96.
 (2) علل الشرائع: ج 1 ص 14 ح 1.
 (3) الدرّ المنثور: ج 1 ص 49.

90
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الرابع ص 85

.......... و قال الصدوق: اسم الأرض الرابعة أديم و خلق آدم منها فلذلك قيل: خلق من أديم الأرض «1».
و منعه من الصرف على القول الأوّل العلميّة و العجمة، و على الثاني للعلميّة و وزن الفعل.
قال ابن أبي حنتمة: عاش آدم سبعمائة سنة و ستين سنة «2».
و قال النووي: اشتهر في كتب التواريخ أنّه عاش ألف سنة «3».
و في حديث الخصال التي سأل أبو ذر عنها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قلت: «يا رسول اللّه كم النبيّون؟ قال: مائة ألف و أربعة و عشرون ألف نبيّ.
قلت: يا رسول اللّه كم المرسلون؟ قال: ثلاثمائة و ثلاثة عشر جمّ الغفير. قلت: من كان أوّل الأنبياء؟ قال: آدم. قلت: و كان من الأنبياء مرسلا؟ قال: نعم، خلقه اللّه بيده و نفخ فيه من روحه. ثمّ قال: يا أبا ذر أربعة من الأنبياء سريانيّون: آدم، و شيث، و إدريس و هو أوّل من خطّ بالقلم، و نوح، و أربعة من العرب: هود، و صالح، و شعيب، و نبيّك محمّد صلّى اللّه عليه و آله و عليهم، و أوّل الأنبياء آدم، و آخرهم محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و أوّل نبيّ من أنبياء بني إسرائيل موسى و آخرهم عيسى صلّى اللّه عليهما و بينهما ألف نبيّ عليهم السلام» «4».
قال بعض العلماء: «إنّ للّه تعالى في كلّ ألف سنة نبيّا بعثه بمعجزات غريبة و بيّنات عجيبة لوضوح دينه القويم و ظهور صراطه المستقيم و ليس نقول على رأس ألف كلّ سنة بل نقول في كلّ ألف سنة فجاز أن يكون بين النبيّين أكثر من ألف سنة أو أقلّ. فكان في الألف الأوّل أبو البشر آدم صلوات اللّه عليه، و في الثّاني شيخ‏
__________________________________________________
 (1) علل الشرائع: ج 1 ص 14 ذيل ح 1.
 (2) لم نعثر عليه.
 (3) تهذيب الأسماء و اللغات للنووي: الجزء الأوّل من القسم الأوّل ص 95.
 (4) الخصال: ص 524.

91
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الرابع ص 85

مِن أَئمَّةِ الهُدى‏، وَ قادَةِ أهْلِ التُّقى‏، عَلى‏ جَميعِهِمُ السّلامُ المرسلين نوح صلوات اللّه عليه، و في الثالث خليل اللّه إبراهيم صلوات اللّه عليه، و في الرابع كليم اللّه موسى صلوات اللّه عليه، و في الخامس نبيّ اللّه سليمان بن داود صلوات اللّه عليه، و في السادس روح اللّه عيسى صلوات اللّه عليه، و في السابع حبيب اللّه المصطفى صلوات اللّه عليه، ثمّ ختمت به النبوّة و انتهت آلاف الدنيا، لما روى سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: الدّنيا جمعة من جمعات الآخرة سبعة آلاف سنة و قد مضت ستة آلاف و مائة، و ليأتين عليها مئون «1» انته*.
 [ 267] «من»: بيانيّة ظرف مستقرّ، وصف لدليل أي: دليلا كائنا من أئمّة الهدى.
و الأئمّة: جمع إمام و هو المقتدى به في أمر الدّين و أصله أئمة كأمثلة فادغمت الميم في الميم بعد نقل حركتها إلى الهمزة، فمن القرّاء: من يبقي الهمزة مخفّفة على الأصل، و منهم من يسّهلها على القياس بين بين، و بعض النحاة يبدّلها ياء للتخفيف، و بعضهم يعدّه لحنا و يقول لا وجه له في القياس.
و الهدى: في الأصل مصدر هداه كالسرى و البكى و معناه: الدلالة بلطف على ما يوصل إلى البغية أي ما من شأنه ذلك. و قيل: الدلالة الموصلة إليها بدليل وقوع الضلالة في مقابلته في قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى‏ «2» و لا شكّ في أنّ عدم الوصول معتبر في مفهوم الضلال فيعتبر الوصول في مفهوم مقابله، و لأنّه لا يقال مهديّ إلاّ لمن اهتدى إلى المطلوب.
و القادة: جمع قائد من قاد الأمير الجيش قيادة، و يجمع على قوّاد أيضا.
و التقى: مصدر تقاه كهداه بمعنى أتقاه، و التاء مبدلة من واو، و الاسم:
التقوى، و يجوز أن تكون التقى جمع تقاة في تقدير رطبة و رطب فيكون الجمع باعتبار مراتبه، و هو في اللغة بمعنى: الوقاية و هي فرط الصيانة، و خصّ في عرف الشرع بوقاية
__________________________________________________
 (1) تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس: ج 1 ص 34.
 (2) سورة البقرة: الآية 16.

92
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الرابع ص 85

.......... النفس عمّا يضرّها في الآخرة و له ثلاث مراتب:
الأولى: التوقّي عن العذاب المخلّد بالتبريّ عن الكفر، و عليه قوله تعالى:
وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى«1».
الثانية: التجنّب عن كلّ ما يؤثم من فعل أو ترك حتّى الصغائر عند قوم، و هو المتعارف بالتقوى في الشرع، و هو المعنيّ بقوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى‏ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا «2».
الثالثة: أن يتنزّه عن كلّ ما يشغل سرّه عن الحقّ و يتبتّل إليه بكلّيّته و هو التقوى الحقيقي المأمور به في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ «3». و لهذه المرتبة عرض عريض تتفاوت فيه طبقات أصحابها «4» حسب تفاوت درجات استعداداتهم الفائضة عليهم بموجب المشيئة الإلهيّة، و المراد به هنا ما يعمّ المراتب الثلاث.
ثمّ المراد بالدليل الموصوف بكونه من أئمّة الهدى و قادة أهل التقى هو من نصبه اللّه حجّة على خلقه نبيّا كان أو وصيّا إذ لا تخلو الأرض من حجّة للّه على عباده، كما رواه رئيس المحدّثين في كتاب العلل بإسناده عن أبي جعفر عليه السّلام قال:
 «و اللّه ما ترك اللّه الأرض منذ قبض اللّه آدم إلاّ و فيها إمام يهتدى به إلى اللّه و هو حجّة اللّه على عباده، و لا تبقى الأرض بغير حجّة للّه على عباده» «5».
و روى في كتاب الخصال بإسناده عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:
خلق اللّه عزّ و جلّ مائة ألف نبيّ و أربعة و عشرين ألف نبيّ، أنا أكرمهم على اللّه و لا فخر، و خلق اللّه عزّ و جلّ مائة ألف وصيّ و أربعة و عشرين ألف وصيّ فعليّ‏
__________________________________________________
 (1) سورة الفتح: الآية 26.
 (2) سورة الأعراف: الآية 96.
 (3) سورة آل عمران: الآية 102.
 (4) في «ألف»: أصحابنا.
 (5) علل الشرائع: ج 1 ص 197 ح 11.

93
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الرابع ص 85

فاذكُرْهُمْ مِنْكَ بِمَغفِرَةٍ وَ رِضوانٍ، اللّهُمَّ وَ أصْحابُ مُحمّدٍ خاصَّةً أكرمهم على اللّه و أفضلهم «1»*.
خبر قوله «و أتباع الرسل».
قال الواحدي: أصل الذكر في اللغة: التنبيه على الشي‏ء، و من ذكّرك شيئا فقد نبّهك عليه، و إذا ذكرته فقد نبّهت له. قال: و معنى الذكر حضور المعنى في النفس ثمّ يكون تارة بالقلب و تارة بالقول، و ليس شرطه أن يكون بعد نسيان «2»، انته.
و لمّا كان الذكر بالمعنى المذكور يستلزم تخصيص الشي‏ء بحضوره في النفس، كان المراد بذكر اللّه تعالى لعباده تخصيصهم بما يتعلّق بالثواب من باب إطلاق اللازم على الملزوم، فقوله «فاذكرهم» أي: فخصّهم، نحو: هل يستطيع ربّك: أي هل يفعل، و أطلق الاستطاعة على الفعل لأنّها لازمة له.
و «من» في قوله «منك» لابتداء الغاية مجازا، و متعلّقة بالذكر أي: ابتداء منك على نهج التفضّل زائدا على ما وعدّتهم في مقابلة أعمالهم*.
أي: بخصوصهم دون غيرهم فهي حال من الأصحاب، و التاء فيها للنقل كعامّة و كافّة لا للتأنيث.
 [ 268] و الأصحاب: جمع صاحب و هو على أظهر الأقوال: من لقى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مؤمنا به و مات على الإسلام و لو تخلّلت ردّة.
و المراد باللقاء: ما هو أعمّ من المجالسة و المماشاة و وصول أحدهما إلى الآخر و إن لم يكالمه، و يدخل فيه رؤية أحدهما الآخر سواء كان ذلك بنفسه أو بغيره، كما إذا حمل شخص طفلا و أوصله إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله. و المراد رؤيته في‏
__________________________________________________
 (1) الخصال: ص 641 ح 18.
 (2) تهذيب الأسماء و اللغات للنووي الجزء الأوّل من القسم الثاني ص 111.

94
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الرابع ص 85

.......... حال حياته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فلو رآه بعد موته قبل دفنه كأبي ذويب الهذلي فليس بصحابي على المشهور، و كذا المراد رؤيته أعمّ من أن تكون مع تمييزه و عقله حتّى يدخل فيه الأطفال الّذين حنّكهم و لم يروه بعد التمييز و من رآه و هو لا يعقل.

و التعبير باللقاء أولى من قول بعضهم: الصحابي من رأى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، لأنّه يخرج حينئذ ابن أمّ مكتوم و نحوه من العميان و هم صحابة بلا تردّد.

و اللقاء في هذا التعريف كالجنس يشمل المحدود و غيره.

و قولنا: «مؤمنا» كالفصل يخرج من حصل له اللقاء المذكور، لكن في حال كونه كافرا لم يؤمن بأحد من الأنبياء كالمشركين.

و قولنا: «به»، فصل ثان يخرج من لقيه مؤمنا لكن بغيره من الأنبياء عليهم السلام لكنّه هل يخرج من لقيه مؤمنا بأنّه سيبعث و لم يدرك البعثة كبحيرا الراهب، فيه تردّد، فمن أراد اللقاء حال نبوّته حتّى لا يكون مثله صحابيّا عنده يخرج عنه، و من أراد أعمّ منه يدخل.

و قولنا: «مات على الإسلام» فصل ثالث يخرج من ارتدّ بعد أن لقيه مؤمنا و مات على الردّة كعبد اللّه بن جحش.

و قولنا: «و لو تخلّلت ردّة» أي: بين لقائه له مؤمنا و بين موته عليه السّلام بل يعده أيضا. فإنّ اسم الصحبة باق سواء رجع إلى الإسلام في حياته أم بعده، و سواء لقيه ثانيا بعد الرجوع إلى الإسلام أم لا. هذا مذهب الجمهور خلافا لبعضهم، قالوا: و يدلّ عليه قصّة الأشعث بن قيس فإنّه كان ممّن ارتدّ و أتى به إلى أبي بكر أسيرا فعاد إلى الإسلام، فقبل منه ذلك، و زوّجه أخته و كانت عوراء فأولدها ابنه محمّدا أحد قتلة الحسين عليه السّلام، و لم يتخلّف أحد عن ذكره في الصحابة و لا عن‏

95
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الرابع ص 85

.......... تخريج أحاديثه في المسانيد و غيرها.
و قيل: إنّ الصحابيّ هو من طالت مجالسته له عليه السلام على طريق التبع له و الأخذ عنه. فلا يدخل من وفد عليه و انصرف بدون مكث، و هو قول أصحاب الأصول.
و حكي عن سعيد بن المسيّب أنّه قال: لا يعدّ صحابيّا إلاّ من أقام معه عليه السّلام سنة و سنتين، و غزا معه غزوة أو غزوتين «1».
و وجهه: أنّ صحبته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم شرف عظيم فلا يظهر إلاّ باجتماع يظهر فيه الخلق المطبوع عليه الشخص كالغزو المشتمل على السفر الذي هو محكّ أخلاق الرجال، و السنة المشتملة على الفصول الأربعة التي بها يختلف المزاج.
و عورض بأنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بشرف منزلته أعطى كلّ من رآه حكم الصحبة، و أيضا يلزم أن لا يعدّ جويبر بن عبد اللّه و نحوه صحابيّا، و لا خلاف في أنهم صحابة.
ثمّ الصحابة على مراتب كثيرة بحسب التقدّم في الإسلام و الهجرة و الملازمة و القتال معه و القتل تحت رايته و الرواية عنه و مكالمته و مشاهدته و مماشاته، و إن اشترك الجميع في شرف الصحبة.
و يعرف كونه صحابيّا بالتواتر و الاستفاضة و الشهرة القاصرة عن التواتر و أخبار الثقة.
و قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن مائة و أربعة عشر ألف صحابي آخرهم موتا على الإطلاق أبو الطفيل عامر بن واثلة، مات سنة مائة من الهجرة، و اللّه أعلم*.
__________________________________________________
 (1) فتح الباري: ج 7 ص 4.

96
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الرابع ص 85

الّذينَ أَحْسَنُوا الصّحابَةَ.
بفتح الصاد مصدر صحبه بكسر الحاء، يصحبه بفتحها كالصحبة، و تأتي جمعا لصاحب، و الجملة في محلّ رفع على أنّها صفة للأصحاب مقيّدة لهم، إذ حكم الصحابة عندنا حكم غيرهم، لا يتحتّم الحكم بإيمانهم و عدالتهم و نجاتهم بمجرّد صحبتهم، بل لا بدّ مع ذلك من تحقّق إيمانهم و عدالتهم و حسن صحبتهم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بحفظهم وصيّته في أهل بيته و تمسّكهم بالثقلين بعده.
و أمّا من انقلب على عقبيه و أظهر العداوة لأهل البيت عليهم السلام فهو هالك لا محالة، بل تجب عداوته للّه تعالى و البراءة إلى اللّه منه، خلافا للعامّة و الحشويّة القائلين بوجوب الكفّ و الإمساك عن جميع الصحابة و عمّا شجر بينهم، و اعتقاد الإيمان و العدالة فيهم جميعا، و حسن الظنّ بهم كلّهم.
قال بعض العلماء من الشيعة: لو كان الإمساك عن عداوة من عادى اللّه من أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله من حفظ رسول اللّه في أصحابه و رعاية عهده لم نعادهم و لو ضربت رقابنا بالسيوف، و لكنّ محبّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ليست كمحبّة الجهّال الذين يضع أحدهم محبّته لصاحبه مع العصبيّة، و إنّما أوجب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله محبّة أصحابه لطاعتهم للّه تعالى، فإذا عصو اللّه و تركوا ما أوجب محبّتهم فليس عند رسول اللّه محاباة في ترك لزوم ما كان عليه من محبّتهم و لا تغطرس «1» في العدول عن التمسّك بموالاتهم، فلقد كان صلّى اللّه عليه و آله يحبّ أن يعادي أعداء اللّه و لو كانوا عترته، كما يحبّ أن يوالي أولياء اللّه و لو كانوا أبعد الخلق نسبا منه.
و الشاهد على ذلك إجماع الامّة على أنّ اللّه تعالى قد أوجب عداوة من ارتدّ بعد الإسلام و عداوة من نافق و إن كان من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
__________________________________________________
 (1) التغطرس: الكبر. النهاية لابن الأثير: ج 3 ص 372.

97
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الرابع ص 85

.......... فأمّا ما ورد في القرآن من قوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ «1» و قوله سبحانه: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ «2» فمشروط بسلامة العاقبة، و كيف يجوز أن نحكم حكما جزما أنّ كلّ واحد من الصحابة عدل، و من جملة الصحابة الحكم بن أبي العاص، و كفاك به عدوّا مبغضا لرسول اللّه، و من الصحابة الوليد بن عقبة الفاسق بنصّ الكتاب، و منهم حبيب بن سلمة الذي فعل ما فعل بالمسلمين في دولة معاوية، و بسر بن أرطاة عدوّ اللّه و عدوّ رسوله، و في الصحابة كثير من المنافقين لا يعرفهم الناس، و من ذا الذي يجترئ على القول بأنّ أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله لا يجوز البراءة من أحد منهم و إن أساء و عصى، بعد قول اللّه تعالى للذي شرّفوا برؤيته: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ «3» و بعد قوله سبحانه: قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ «4» و بعد قوله عزّ و جلّ: فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ « إلاّ من لا فهم له و لا نظر معه و لا تمييز عنده.
نعم من ثبت إيمانه منهم و عدالته و استقامته على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله وجبت موالاته و التقرّب إلى اللّه تعالى بمحبّته و الدعاء له، كما وقع من سيّد العابدين عليه السّلام في هذا الدعاء، و كما قال الصادق عليه السّلام: اعلم أنّ اللّه اختار لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله من أصحابه طائفة أكرمهم بأجلّ الكرامة، و حلاّهم بحلى التأييد و النصر و الاستقامة لصحبته على المحبوب و المكروه، و أنطق لسان محمّد صلّى اللّه عليه و آله بفضائلهم و مناقبهم، فاعتقد محبّتهم و اذكر فضلهم «6»*.
__________________________________________________
 (1) سورة الفتح: الآية 18.
 (2) سورة الفتح: الآية 29.
 (3) سورة الزمر: الآية 65.
 (4) سورة الزمر: الآية 13.
 (5) سورة ص: الآية 26.
 (6) مصباح الشريعة: ص 68.

98
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الرابع ص 85

وَ الّذينَ أَبْلَوا البَلاءَ الحَسَنَ في نَصْرِهِ، وَ كانَفُوه، وَ أسْرَعُوا إِلى‏ وِفادَتِهِ، وَ سابَقُوا إِلى‏ دَعوَتِهِ.
وَ استَجابُوا لَهُ حَيثُ أسْمَعَهُم حُجَّةَ رِسالاتِهِ.

أبلى في الحرب بلاء حسنا: إذا أظهر بأسه حتّى بلاه الناس، أي: خبروه، قاله الزمخشري في أساس اللغة «1».
و كأنفه: أي عاونه.
 [ 269] و الوفادة بالكسر: اسم من وفد فلان على الأمير، أي: ورد رسولا فهو وافد، و أوفدته أنا، أي: أرسلته. أي: أسرعوا إلى تصديق رسالته و الإيمان بوروده عليهم رسولا، و من قال إنّ المعنى أسرعوا إلى الوفادة عليه فقد أبعد.
و الدعوة- بالفتح-: اسم من دعوته: إذا طلبت إقباله، أي: سابقوا إلى إجابة دعوته. و إجماع الشيعة و المعتزلة على أنّ أوّل من أجاب دعوته و صدّق رسالته و أسلم أمير المؤمنين عليه السّلام.
قال بعض العامّة: و الروايات الصحيحة و الأسانيد القويّة الوثيقة كلّها ناطقة بأنّ عليّا عليه السّلام أوّل من أسلم.
و زعمت العامّة أنّ أوّل من أسلم أبو بكر.
قال أبو جعفر الإسكافي: و جمهور المحدّثين لم يذكروا إنّ أبا بكر أسلم إلاّ بعد عدّة من الرّجال منهم: عليّ بن أبي طالب و جعفر أخوه و زيد بن حارثة و أبو ذر الغفاريّ و عمر بن عنبسة السلميّ و خالد بن سعيد بن العاص و خبّاب بن الأرت «2». و اللّه أعلم*.
استجاب له: إذا دعاه إلى شي‏ء فأطاع كأجابه.
__________________________________________________
 (1) هكذا في الأصل و الصحيح أساس البلاغة ص 51.
 (2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 13 ص 224.

99
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الرابع ص 85

وَ فارَقُوا الأزواجَ وَ الأوْلادَ في إِظهارِ كَلِمَتِهِ.
و «حيث» هنا ظرف زمان أي حين أسمعهم، و فيه شاهد على ورودها له، وفاقا للأخفش و ابن هشام «1».
و الحجّة بالضمّ: الدليل و البرهان، و المراد بها هنا القرآن المجيد، و إنّما كان حجّة لإعجازه من حيث فصاحته و بلاغته و مباينته لسائر كلام الناس و عجز مدارة الفصحاء و البلغاء عن معارضة شي‏ء منه و تأثيره في النفوس و القلوب بحيث يجد سامعه من اللّذة و الحلاوة عند سماعه ما لا يجد عند سماع غيره و أحاطته بعلوم الأوّلين و الآخرين كما قال تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ «2» و إخباره بالمغيبات ممّا كان و يكون نحو: وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ «3»، إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى‏ مَعادٍ «4» أي إلى مكّة، وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ «5»، سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ «6» و غير ذلك.
 [ 270] «و الأزواج»: جمع زوج و هو كما يقال للرجل يقال للمرأة أيضا، و هي اللغة الفصيحة المشهورة التي جاء بها التنزيل قال تعالى: اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ «7». و قد يقال للمرأة زوجة بالهاء «8» و هي لغة مشهورة حكاها جماعة من أهل اللغة، قال أبو حاتم السجستاني في المذكّر و المؤنّث: لغة أهل الحجاز زوج و هي التي جاء بها القرآن، و الجمع: أزواج، قال: و أهل نجد يقولون زوجة للمرأة، قال:
و أهل مكّة و المدينة يتكلّمون بذلك أيضا «9».
و «في»: للتعليل أي: لأجل. إظهار كلمته: أي جعلها ظاهرة أي غالبة من‏
__________________________________________________
 (1) مغني اللبيب: ص 176.
 (2) سورة الأنعام: الآية 38.
 (3) سورة المائدة: الآية 67.
 (4) سورة القصص: الآية 85.
 (5) سورة الأنفال: الآية 7.
 (6) سورة القمر: الآية 45.
 (7) سورة البقرة: الآية 35.
 (8) في «ألف»: بالتاء.
 (9) تهذيب الأسماء و اللغات للنووي: الجزء الأوّل من القسم الثاني ص 137 نقلا عن كتاب المذكّر و المؤنّث.

100
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الرابع ص 85

وَ قاتَلُوا الآباءَ وَ الأَبْناءَ في تَثبِيتِ نُبُوّتِهِ، و انتَصرُوا بِهِ ظهر على عدوّه إذا غلبه أو بارزه، من ظهر الشي‏ء إذا برز و بان بعد الخفاء.
و كلمته: دعوته إلى الإسلام*.
مصداق هذا الكلام قول أمير المؤمنين عليه السّلام من خطبة له: «و لقد كنّا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نقتل آباءنا و أبناءنا و إخواننا و أعمامنا، و ما يزيدنا ذلك إلاّ إيمانا و تسليما و مضيّا على اللقم «1» و صبرا على مضض «2» الألم، و جدّا في جهاد العدوّ، و لقد كان الرجل منّا و الآخر من عدوّنا يتصاولان «3» تصاول الفحلين يتخالسان «4» أنفسهما أيّهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرّة لنا من عدوّنا و مرّة لعدوّنا منّا، فلمّا رأى اللّه صدقنا أنزل بعدوّنا الكبت «5» و أنزل علينا النصر حتّى استقرّ الإسلام ملقيا جرانه و متبوِّا أوطانه» «6».
و قوله عليه السّلام: «و انتصروا به» من باب التكميل المسمّى بالاحتراس في علم البيان و هو أن يؤتى في كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفع ذلك الوهم، فإنّه لو اقتصر على ما قبل هذه الجملة لأوهم أنّ انتصارهم كان بمجرّد حسن بلائهم و جدّهم في القتال، فدفع ذلك بقوله «و انتصروا به» إيذانا بأنّ انتصارهم إنّما كان ببركته صلّى اللّه عليه و آله و أنّه السّبب في نزول النصر عليهم من اللّه تعالى لأنّ النصر إنّما هو من عند اللّه، و قد وعد اللّه نبيّه بالنصر فأنجز له ما وعد. فانتصارهم بسبب إيمانهم به و كونهم جندا له، كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام: «إنّ هذا الأمر لم يكن نصره و لا خذلانه بكثرة و لا قلة و هو دين اللّه الذي أظهره و جنده الذي أعدّه‏
__________________________________________________
 (1) اللقم بفتحتين: الطريق الواضح. المصباح المنير: ص 765.
 (2) مضضت من الشي‏ء مضضا: تألّمت. المصباح المنير: ص 789.
 (3) صال الفحل صولا: وثب. المصباح المنير: ص 481.
 (4) خلست الشي‏ء و اختلسته: إذا سلبته. النهاية لابن الأثير: ج 2 ص 61.
 (5) كبته: أهانه و أذلّه. المصباح المنير: ص 717.
 (6) نهج البلاغة: خطبة 56 ص 91.

101
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الرابع ص 85

وَ مَنْ كانُوا مُنطَوينَ عَلى مَحَبَّتِهِ يَرجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ في مَوَدّتِهِ.
وَ الّذِينَ هَجَرَتْهُم العَشائرُ إِذْ تَعَلّقوا بِعُرْوَتِهِ، وَ انْتَفَتْ مِنْهُم القَراباتُ إِذْ سَكَنوا في ظِلِّ قَرابَتِه.

و أمدّه حتّى بلغ ما بلغ و طلع حيث طلع» «1»*.
 [ 271] «من»: موصول اسميّ يشترك فيه الواحد و غيره، تقول: جاءني من قام و من قاما و من قاموا.
و فلان منطو على كذا: مضمر له.
و الرجاء: ارتياج «2» النفس لانتظار ما هو محبوب لها و توقّعها حصوله لسبب حاصل، و استعار لفظ التجارة للثواب. و الجملة في موضع نصب على الحال.
و لن تبور ترشيح أي: لن تكسد و لن تهلك بالخسران أصلا، صفة للتجارة جي‏ء بها للدلالة على أنّها ليست كسائر التجارات الدائرة بين الربح و الخسران، بل هي تجارة لا كساد فيها و لا بوار «3».
و المودّة: اسم من ودّه يودّه من باب تعب، ودّا بفتح الواو و ضمّها بمعنى: أحبّه.
و قيل: الودّ أشدّ من الحبّ.
و «في» إمّا للتعليل متعلّقة ب «يرجون»، أو للظرفيّة مجازا و هي و مجرورها في موضع نصب إمّا صفة ثانية للتجارة أو حال منها و يحتمل تعلّقها بتبور*.
 [ 272] هجر صاحبه هجرا: من باب قتل، و الشي‏ء تركه، و الاسم: الهجران بالكسر.
و العشائر: جمع عشيرة و هي القبيلة و قيل بنو أبي الرجل الأدنون.
قال أبو علي: قال أبو الحسن: و لم يجمع بجمع السلامة «4».
__________________________________________________
 (1) نهج البلاغة: خطبة 156 ص 203.
 (2) في «ألف»: ارتباح.
 (3) بار الشي‏ء بوارا: كسد على الاستعارة. المصباح المنير: ص 91.
 (4) لسان العرب: ج 4 ص 574.

102
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الرابع ص 85

.......... و قال غيره: و يجمع على عشيرات، و قول بعضهم «العشائر المعاشرون» غلط فإنّ العشيرة بمعنى المعاشر لا يجمع على عشائر بل جمعه عشراء ككريم و كرماء.
و تعلّق بالشي‏ء: استمسك به.
و عروة: الدلو و الكوز و نحوه: مقبضه الذي يتعلّق به، و عروة القميص: مدخل زرّه.
قال الزمخشريّ في الأساس: و تستعار العروة لما يوثق به و يعوّل عليه «1».
و هي هنا استعارة للاعتقاد الحقّ الذي هو دين الإسلام. و التعلّق بها ترشيح.
و انتفى من ولده: دفع نسبه إليه و لم يثبته، و أصله من نفى الحصى نفيا من باب رمى إذا رفعه عن وجه الأرض فانتفى، ثمّ قيل: لكلّ شي‏ء تدفعه و لا تثبته نفيته فانتفى، و نفيت النسب إذا لم تثبته و الرجل منفي النسب، و قد يقول الرجل لابنه:
لست بولدي، و لا يريد به نفي النسب بل مراده نفي خلق الولد و طبعه الذي تخلّق به أبوه، فكأنّه قال: لست على خلقي و طبعي، و هذا نقيض قولهم: فلان ابن أبيه.
و المعنى هو على خلقه و طبعه.
و القرابات: جمع قرابة، و هي كما تطلق على القرب في النسب تطلق على القريب و على الأقارب.
قال الزمخشريّ في الأساس: «بينهم قربة و قربى و قرابة و هو قربيي و قرابتي و هم أقربائي و قرابتي» «2» انته.
فيكون المراد بالقرابات هنا: «الأقارب، و لا عبرة بقول صاحب القاموس: و هو قريبي و ذو قرابتي و لا تقل قرابتي» «3» بعد نقل الزمخشريّ لذلك و نصّه عليه، و هو الإمام الثبت الثقة في اللغة حتّى قال التفتازاني في شرح الكشّاف: «إن استعماله‏
__________________________________________________
 (1) أساس البلاغة: ص 418.
 (2) أساس البلاغة: ص 499.
 (3) القاموس المحيط: ج 1 ص 114.

103
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الرابع ص 85

......... بمنزلة روايته، على أنّه لم يتفرّد بذلك، بل قال الفارابي في ديوان الأدب: القرابة:
القريب في الرحم، و هي في الأصل مصدر» «1» انته. و على تسليم إنكار صاحب القاموس فإسناد الانتفاء إلى القرابات مجاز عقلي.
و «إذ»: في الفقرتين للتعليل، أي: هجرتهم العشائر لأجل تعلّقهم بعروته، و انتفت منهم القرابات لأجل سكونهم في ظلّ قرابته، مثلها في قوله تعالى: وَ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ «2» أي: و لن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب لأجل ظلمكم في الدنيا، و هل هي حرف بمنزلة لام العلّة أو ظرف؟ و التعليل مستفاد من قوّة الكلام لا من اللفظ، فإنّه إذا قيل ضربته إذ أساء و أريد الوقت اقتضى ظاهر الحال أنّ الإساءة سبب الضرب قولان: أجاز ابن مالك الأوّل «3».
و رجّحه الرضيّ حيث قال: «تجي‏ء إذ للتعليل و الأولى حرفيّتها إذا، إذ لا معنى لتأويلها بالوقت حتّى تدخل في حدّ الاسم» «4» انته.
و اختار الشلوبين الثاني «5».
و الظل: الفي‏ء الحاصل من الحاجز بينك و بين الشمس.
و قيل: هو من الطلوع إلى الزوال، و ألفي‏ء من الزوال إلى الغروب، ثمّ كنّي به عن الكنف و الناحية و الستر، فقيل: هو في ظلّ فلان أي: في كنفه و ستره. و منه الحديث: «سبعة في ظلّ العرش» «6».
فقوله: «في ظلّ قرابته» أي: في كنفها و حمايتها، و القرابة هنا بمعنى القرب.
قال الفيوميّ في المصباح: «قرب الشي‏ء منّا قربا و قرابة و قربة و قربى،
__________________________________________________
 (1) لم نعثر على هذا الكتاب.
 (2) سورة الزخرف: الآية 39.
 (3) لم نعثر عليه.
 (4) الكافية في النحو للرضيّ: ج 2 ص 115.
 (5) المغني اللبيب: ص 115.
 (6) الخصال: ص 342. و فيه: عرش اللّه.

104
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الرابع ص 85

فلا تَنْسَ لَهُمْ اللّهُمّ ما تَركُوا لكَ و فيكَ، وَ أَرْضِهِمْ مِن رِضوانِكَ، وَ بِما حاشُوا الخَلْقَ عَلَيْكَ، وَ كانُوا مَعَ رَسُولِكَ دُعاةً لَكَ إِلَيْكَ.
و يقال: القرب في المكان، و القربة في المنزلة، و القربى و القرابة في النسب» «1» انته.
و على هذا القول الأخير: فإطلاق القرابة على القرب من باب المشاكلة، و هو نوع من البديع*.
 [ 273] نسي الشي‏ء كرضي ينساه نسيانا اشترك بين معنيين:
أحدهما: الترك على تعمّد و هو المراد هنا، أي: لا تترك ما تركوا لك و فيك هملا «2» من غير جزاء و ثواب، و عليه قوله تعالى: وَ لا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ «3» أي: لا تقصدوا الترك و الإهمال.
و الثاني: ترك الشي‏ء عن ذهول و غفلة، و ذلك خلاف الذكر له. و إن حملته على هذا المعنى هنا كان المراد: لا تعاملهم معاملة الناسين لهم فيما تركوا لك لاستحالة النسيان بهذا المعنى عليه تعالى.
و الغرض، الدعاء لهم بإثابتهم و مجازاتهم على ما تركوه للّه و في سبيله من الأزواج و الأولاد و الأموال و الأوطان و نحو ذلك ممّا يعزّ تركه و فراقه. و فائدته: طلب التجاوز عنهم على كلّ حال و مكافاتهم على كلّ فعل و ترك وقع منهم له تعالى، كما يقول الإنسان إذا أراد أن يشفع لأحد عند عظيم: لا تنس له حسن بلائه في رضاك، و ما قاسى من الشدائد لأجلك. ثمّ ترقّى عليه السّلام عن ذلك إلى سؤال الرضا عنهم حتّى يرضوا، فقال: «و ارضهم من رضوانك».
و «من»: ابتدائيّة لا بيانيّة كما توهّم بعضهم.
 [ 274] قوله: «و بما حاشوا الخلق عليك» الواو: عاطفة و المعطوف عليه مقدّر يتضمّنه‏
__________________________________________________
 (1) المصباح المنير: ص 679.
 (2) في «ألف»: عملا.
 (3) سورة البقرة: الآية 237.

105
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الرابع ص 85

وَ اشْكُرهُمْ عَلى هَجْرِهمْ فيكَ دِيارَ قَومِهِمْ، وَ خُروجِهمْ مِن سَعَةِ المعاشِ إِلى‏ ضَيِّقِهِ.
الكلام السابق و التقدير: و ارضهم من رضوانك بسبب ما ذكر من جميل أعمالهم و بما حاشوا الخلق عليك.
و «ما»: مصدريّة أي: بحوشهم. يقال: حشت عليه الصيد، و أحشته إذا سقته إليه و جمعته عليه.
و في القاموس: «حاش الصيد جاءه من حواليه يصرفه إلى الحبالة و الإبل جمعها و ساقها» «1». انته.
و المعنى: بسبب جمعهم الناس على دينك و ترغيبهم لهم في طاعتك، و على هذا فحاشوا بضمّ الشين كقالوا و ناموا، و في نسخة بفتح الشين فأصله: حاشووا كفاعلوا، تحرّكت الواو و انفتح ما قبلها فقلبت ألفا فالتقى ساكنان الألف و واو الجماعة فحذفت الألف فصار حاشوا بفتح الشين أي: جانبوا الخلق، و صاروا على حاشيه كلّ شي‏ء: ناحيته و طرفه الأقصى.
و «على» من قوله: «عليك» للتعليل أي: لك، و المعنى: اعتزلوا الناس و جانبوهم لأجلك، كما قال الكوفيّون في قوله تعالى: وَ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ «2» أنّ المعنى: جانب يوسف المعصية لأجل اللّه تعالى.
و كانوا مع رسولك: أي مجتمعين و مشتركين. و اللام من قوله: «لك» للاختصاص متعلّقة بمحذوف صفة للدعاة أي: كائنين لك، فهو ظرف مستقرّ، و إليك ظرف لغو متعلّق بالدعاة أي: دعاة إلى طاعتك و الدخول في دينك*.
 [ 275] أي: جازهم بجزيل الأجر على تركهم لأجلك ديار قومهم، و لمّا كان سبحانه‏
__________________________________________________
 (1) القاموس المحيط: ج 2 ص 270. و فيه «ليصرفه إلى الحبالة كأحاشه و أحوشه».
 (2) سورة يوسف: الآية 31.

106
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الرابع ص 85

 .......... مجازيا للمطيع بجزيل الثواب جعل مجازاته شكرا لهم على سبيل المجاز، و إلاّ فالشكر هو الاعتراف بالإحسان، و اللّه سبحانه هو المحسن إلى عباده و المنعم عليهم، و قيل:
معنى شكره تعالى لعبده ثناؤه عليه إذا أطاعه. و المراد بهذا الكلام الدعاء للمهاجرين من الصحابة.
قال ابن الأثير في النهاية: «و الهجرة هجرتان: إحداهما التي وعد اللّه عليها الجنّة في قوله: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ. فكان الرجل يأتي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يدع أهله و ماله لا يرجع في شي‏ء منه، و ينقطع بنفسه إلى مهاجرة، و كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يكره أن يموت الرجل بالأرض التي هاجر منها، فمن ثمّ قال: لكن البائس سعد بن خوله يرثي له أن مات بمكّة، و قال حين قدم مكّة: صارت دار إسلام كالمدينة و انقطعت الهجرة.
و الهجرة الثانية: من هاجر من الأعراب و غزا مع المسلمين و لم يفعل كما فعل أصحاب الهجرة الأولى، فهو مهاجر، و ليس بداخل في فضل من هاجر تلك الهجرة، و هو المراد بقوله عليه السّلام: لا تنقطع الهجرة حتّى تنقطع التوبة. فهذا وجه الجمع بين الحديثين.
و إذا أطلق في الحديث ذكر الهجرتين فإنّما يراد بهما هجرة الحبشة و هجرة المدينة» «1» انته كلامه.
و السعة: خلاف الضيق، و هي مصدر وسع يسع، و الهاء فيها عوض عن الواو، و تطلق على الجدة «2» و الطاقة، قال تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ «3» أي:
على قدر غناه و سعته.
__________________________________________________
 (1) النهاية لابن الأثير: ج 5 ص 244.
 (2) وجد، يجد، جدة: أي استغنى غنى لا فقر بعده. النهاية لابن الأثير: ج 5 ص 155.
 (3) سورة الطلاق: الآية 7.

107
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الرابع ص 85

.......... و «المعاش» هنا بمعنى المعيشة و هي ما يعاش به، و يقع مصدرا يقال: عاش عيشا و معاشا، و اسم زمان قال تعالى: وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً «1». أي: وقت التقلّب في تحصيل المعاش.
و ضاق الشي‏ء ضيقا و ضيقا بالفتح و الكسر: خلاف اتّسع، و قيل: بالفتح مصدر، و بالكسر اسم. و الضيق بالفتح أيضا تخفيف الضيّق كميت و ميّت، فيجوز حمله في الدعاء على هذا المعنى في رواية الفتح.
فائدة
روى رئيس المحدّثين في كتاب الخصال بإسناده عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله اثنى عشر ألف، ثمانية آلاف من المدينة و ألفين من غير المدينة، و ألفين من الطلقاء، و لم ير فيهم قدريّ و لا مرجيّ و لا حروريّ و لا معتزليّ و لا صاحب رأي كانوا يبكون الليل و النهار، و يقولون: اقبض أرواحنا قبل أن نأكل خبز الخمير» «2».
و في خطبة لأمير المؤمنين عليه السّلام: «أين القوم الّذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه، و قرأوا القرآن فأحكموه، و هيجوا إلى الجهاد فولهوا و له اللّقاح إلى أولادها، و سلبوا السّيوف أغمادها، و أخذوا بأطراف الأرض زحفا زحفا، و صفّا صفّا، بعض هلك و بعض نجا، لا يبشّرون بالأحياء و لا يعزّون بالموتى، مره العيون من البكاء، خمص البطون من الصيام، ذيل الشّفاه من الدّعاء، صفر الألوان من السهر، على وجوههم غبرة الخاشعين، أولئك إخواني الذاهبون، فحقّ لنا أن نظمأ إليهم و نعضّ‏
__________________________________________________
 (1) سورة النبأ: الآية 11.
 (2) الخصال: ص 639.

108
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 108

وَ مَنْ كَثّرْتَ في إِعزازِ دِينِكَ مِن مَظلومِهِمْ الأيدي في فراقهم» «1».
قال ابن أبي الحديد: «فإن قلت: من هؤلاء الذين يشير عليه السّلام إليهم؟
قلت: هم قوم كانوا في نأنأة الإسلام و في زمان ضعفه و خموله أرباب زهد و عبادة و جهاد شديد في سبيل اللّه كمصعب بن عمير من بني عبد الدار، و كسعد بن معاذ من الأوس، و كجعفر بن أبي طالب و عبد اللّه بن رواحة و غيرهم ممّن استشهد من الصالحين أرباب الدين و العبادة و الشجاعة في يوم أحد و في غيره من الأيّام في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و كعمّار، و أبي ذرّ، و المقداد، و سلمان، و خبّاب، و جماعة من أصحاب الصفّة و فقراء المسلمين أرباب العبادة الذين قد جمعوا بين الزهد و الشجاعة. و قد جاء في الأخبار الصحيحة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: إنّ الجنّة لتشتاق إلى أربعة عليّ و عمّار و أبي ذر و المقداد، و جاء في الأخبار الصحيحة أيضا: أنّ جماعة من أصحاب الصفّة مرّ بهم أبو سفيان بن حرب بعد إسلامه فعضّوا أيديهم عليه فقالوا: وا أسفاه كيف لم تأخذ السيوف مأخذها من عنق عدوّ اللّه! و كان معه أبو بكر فقال لهم: أ تقولون هذا لسيّد البطحاء؟ فرفع قوله إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فأنكره، و قال لأبي بكر: انظر لا تكون أغضبتهم فتكون قد أغضبت ربّك. فجاء أبو بكر إليهم و ترضّاهم و سألهم أن يستغفروا له.
فقالوا: غفر اللّه لك» «2» انته*.
عطف على الذين هجرتهم العشائر. و قيل: على ضمير الجمع في قوله:
و اشكرهم.
و «في»: للتعليل أي: لأجل إعزاز دينك.
__________________________________________________
 (1) نهج البلاغة: خطبة 121 ص 177، و شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 7 خطبة 120 ص 291. و فيهما «على فراقهم».
 (2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 7 خطبة 120 ص 295.

109
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 108

.......... و أعزّه إعزازا: جعله عزيزا أي: رفيعا ممتنعا، و أعزّه أيضا إذا قوّاه و شدّده كعزّزه، و منه: فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ «1» أي فقوّينا و شددنا.
قال صاحب المحكم: «و في التنزيل: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ «2». أي أشدّاء عليهم، و ليس هو من عزّة النفس» «3».
و «من»: في قوله: «من مظلومهم» لبيان الموصول، مثلها في قوله تعالى:
لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ «4» و هي و مجرورها في موضع نصب على الحال، و صاحبها من الموصولة لأنّها في محلّ نصب مفعول كثرت و هو العامل فيها، و المراد بظلمهم: ما أصابهم من تعذيب المشركين لهم قبل الهجرة حتّى قالوا: رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها «5» و إخراجهم إيّاهم من ديارهم و أموالهم كما قال تعالى: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً «6» و ذلك حين اضطرّتهم كفّار مكّة و أحوجوهم إلى الخروج و ما اصيبوا به في الأنفس من القتل و الأسر و الجراح، و في الأموال من النهب و الغصب، و ما كانوا يقاسونه من سماع الأذى من أهل الكتاب و المشركين من الطعن في الدين الحنيف و القدح في أحكام الشرع الشريف و صدّ من أراد أن يؤمن و تخطئة من آمن، و نحو ذلك. كما قال تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ «7».
و من فواقر «8» التأويلات هنا قول بعضهم: يجوز أن تكون «من» ابتدائيّة، على‏
__________________________________________________
 (1) سورة يس: الآية 14.
 (2) سورة المائدة: الآية 54.
 (3) المحكم لابن سيده: ج 1 ص 33.
 (4) سورة المائدة: الآية 73.
 (5) سورة النساء: الآية 75.
 (6) سورة الحشر: الآية 8.
 (7) سورة آل عمران: الآية 186.
 (8) الفواقر: أي الدواهي. النهاية لابن الأثير: ج 3 ص 463.

110
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 108

اللّهُمّ وَ أوْصِلْ إِلَى التّابِعِينَ لَهُم بِإحْسانٍ الّذينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ خَيرَ جَزائِكَ.
أن يكون المظلوم بمعنى البلد الذي لا رعي فيه و لا مرعى للدواب و الأرض التي لم تعهد للزرع قطّ، أعني مكّة زادها اللّه تعالى شرفا و تعظيما*.
 [ 276] التابعون: هم اللاحقون بالسابقين من المهاجرين و الأنصار و فيه تلميح إلى قوله تعالى: وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ «1».
و الباء في قوله: «بإحسان» للملابسة أي: ملتبسين به، و المراد به كلّ خصلة حسنة، فيدخل في التابعين ما عدا السابقين من الفريقين صحابيّا كان أو تابعيّا، أو التابعين لهم بالإيمان و الطاعة إلى يوم القيامة، فالمراد بهم المؤمنون بعد الصحابة إلى آخر الدهر.
 [ 277] و قوله: «الّذين يقولون» إلى آخره، نعت للتابعين و هو اقتباس من قوله تعالى:
وَ الَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَ لا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ «2».
و الجملة مسوقة لمدحهم بمحبّتهم لمن تقدّمهم من المؤمنين و مراعاتهم لحقوق الأخوّة في الدين، الّذي هو أعزّ و أشرف عندهم من النسب، و الاعتراف لهم بفضل السبق بالإيمان الّذي أحرزوه دونهم.
و خير: للتفضيل، أصلها أخير، حذفت الهمزة منها كما حذفت من شرّ، و هي لغة جميع العرب فيهما ما عدا بني عامر فإنّهم يقولون: هذا أخير من ذاك و أشرّ منه بإثباتها.
و اختلف في سبب حذفها عند غيرهم، فقيل: لكثرة الاستعمال، و هو المشهور.
__________________________________________________
 (1) سورة التوبة: الآية 100.
 (2) سورة الحشر: الآية 10.

111
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 108

الّذينَ قَصَدُوا سَمْتَهُم، وَ تَحَرَّوا وِجْهَتَهُمْ، وَ مَضَوا عَلى شاكِلَتِهمْ.
و قال الأخفش: لأنّهما لمّا لم يشتقّا من فعل خولف لفظهما، فعلى هذا فيهما شذوذان حذف الهمزة و كونهما لا فعل لهما «1».
و الجزاء: المكافاة على الشي‏ء، يقال: جزاه به و عليه جزاء و جازاه مجازاة، و قد يطلق على المجازى به، و منه فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً «2»*.
 [ 278] قصدت الشي‏ء له و إليه قصدا من باب ضرب: طلبته بعينه. و قصدت قصده:
أي نحوت نحوه.
و السمت: الطريق و القصد، و حسن النحو و السكينة و الوقار، و هو حسن السمت: أي الهيئة. و تحرّى الشي‏ء: توخّاه و تعمّده و قصده، و أصل التحرّي طلب ما هو الأحرى، أي الأليق و الأخلق.
و الوجهة: بكسر الواو و تضمّ، قال المازني و المبرّد و الفارسي «3»: هي اسم ظرف بمعنى المكان المتوجّه إليه، فلا شذوذ في إثبات واوها لأنّها ليس بمصدر، و هي إنّما تحذف و يعوّض عنها الهاء إذا كانت في المصادر كعدة و زنة.
و ذهب قوم إلى أنّها مصدر بمعنى التوجّه، و هو الّذي يظهر من كلام سيبويه «4»، و نسب إلى المازني أيضا «5». و على هذا فإثبات الواو فيها شاذّ، و المسوّغ لإثباتها دون غيرها من المصادر أنّها مصدر غير جار على فعله إذ لا يحفظ وجه يجه، فلمّا فقد مضارعه لم يحذف منه الواو، و إذ لا موجب لحذفها منه إلاّ حمله على مضارعه، و لا مضارع له، و الفعل المستعمل منه توجّه و اتّجه و المصدر الجاري عليه التوجّه فحذفت زوائده و قيل: وجهة.
__________________________________________________
 (1) لم نعتر عليه.
 (2) سورة الإسراء: الآية 63.
 (3) راجع: تاج العروس: ج 9 ص 419.
 (4) راجع: تاج العروس: ج 9 ص 419.
 (5) راجع: تاج العروس: ج 9 ص 419.

112
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 108

لَمْ يَثْنِهِم رَيبٌ في بَصيرَتِهِم، وَ لَم يَختَلِجْهُمْ شَكّ في قَفْوِ آثارِهِم، وَ الائتِمامِ بِهِدايَةِ مَنارهِم.
و رجّح الشلوبين [1]. القول بأنّها مصدر فقال: لأنّ وجهة وجهة بمعنى واحد، فلا يمكن أن يقال في جهة أنّها اسم للمكان، إذ لا يبقى للحذف وجه «1».
و رجّح الرضي الأوّل، قال: و أمّا الجهة فشاذ لأنّه ليس بمصدر، فليس تاؤه بدلا من الواو «2».
و الشاكلة: النيّة و الطريقة و المذهب و ما يشاكل الإنسان، و منه قوله تعالى:
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ «3» أي: طريقته التي تشاكل حاله بالهدى و الضلالة.
و قيل: جوهر روحه و أحواله التابعة لمزاج بدنه.
و مفاد هذه الفقرات من الدعاء بيان أتباع التابعين لهم بإحسان و تقرير اقتفائهم آثارهم و سلوكهم مسالكهم و الاقتداء بهم في أعمالهم و أفعالهم*.
 [ 279] ثناه يثنيه من باب رمى: إذا عطفه و ردّه، و عن مراده صرفه عنه.
و الريب في الأصل: مصدر قولك: رابني الشي‏ء، إذا حصل فيك الريبة بالكسر، و حقيقتها: قلق النفس و اضطرابها ثمّ استعمل في معنى الشكّ مطلقا، أو مع تهمة لأنّه يقلق النفس و يزيل الطمأنينة.
__________________________________________________
 [1] هو عمر بن محمّد بن عبد اللّه الأزديّ الأندلسي الاشبيليّ، المعروف بالشلوبيني- نسبة لشلوبينية من قرى اشبيلية- (أبو علي) نحويّ لغويّ، ولد بإشبيلية عام 562 هجرية و توفي بها في العشر الأخير من صفر عام 645 هجرية. من تصانيفه: كتاب في النحو سمّاه التوطئة، و كتاب القوانين، و تعليقة على شرح فخر الدين الرازي للمفصّل للزمخشري، و تعليق على كتاب سيبويه، و شرح المقدمة الجزولية و كلّها في النحو، و له شعر. (معجم المؤلّفين: ج 7 ص 316).
__________________________________________________
 (1) راجع: الجامع لأحكام القرآن: ج 2 ص 164- 165 من دون نسبة إلى الشلوبين.
 (2) الصحاح: ج 6، ص 2255: من دون نسبة إلى الرضي.
 (3) سورة الإسراء: الآية 84.

113
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 108

.......... و في الحديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» «1» فإنّ الشكّ ريبة و الصدق طمأنينة.
و البصيرة: العقيدة و العلم و الخبرة و الفطنة و هي للنفس كالبصر للجسد.
و الاختلاج: افتعال من الخلج و هو الجذب و النزع، يقال: خلجه من باب ضرب، و اختلجه: إذا جذبه و انتزعه.
و منه الحديث: «ليردنّ على الحوض أقوام ثمّ ليختلجنّ دوني» أي: يجتذبون و يقتطعون «2». و منه خالج قلبي أمر أي: نازعني فيه فكر، و تخالجته الأشواق و الهموم: تجاذبته.
و الشكّ: خلاف اليقين، و أصله: اضطراب القلب و النفس، ثمّ استعمل في التردّد بين الشيئين سواء استوى طرفاه أو ترجّح أحدهما على الآخر، قال تعالى:
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ «3» أي: غير مستيقن، و قال الاصوليّون: هو تردّد الذهن بين الأمرين على حدّ سواء. قالوا: التردّد بين الطرفين إن كان على السواء فهو الشكّ، و إلاّ فالراجح ظنّ و المرجوح و هم.
و قفوت أثره قفوا من باب قال: تبعته.
و الآثار جمع أثر بفتحتين: و هو ما بقي من رسم الشي‏ء، و إنّما قيل لمن تبع شخصا قفا أثره و اقتفى آثاره لأنّه كالماشي على أثر أقدامه.
و الائتمام: الاقتداء من ائتمّ به أي: اقتدى، و اسم الفاعل: مؤتمّ و اسم المفعول: مؤتمّ به، فالصلة فارقة.
و الهداية: مصدر هداه الطريق يهديه هداية أي: دلّه عليه. هذه لغة الحجاز، و في‏
__________________________________________________
 (1) الوسائل: ج 18 باب 12 من أبواب صفات القاضي ص 122 حديث 38، سنن الترمذي: ج 4 ص 668 ح 2518.
 (2) النهاية لابن الأثير: ج 2 ص 59.
 (3) سورة يونس: الآية 94.

114
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 108

مُكانِفينَ وَ مُوازِرينَ لَهمْ، يَدينُونَ بِدينِهِمْ، وَ يَهتَدُونَ بِهَدْيِهم.
لغة غيرهم يتعدّى بالحرف فيقال: هديته إلى الطريق و للطريق.
و المنار: بفتح الميم، قال الجوهري: «علم الطريق، و ذو المنار ملك من ملوك اليمن و اسمه أبرهة بن الحرث الرائش، و إنّما قيل له ذو المنار لأنّه أوّل من ضرب المنار على طريقه في مغازيه ليهتدي بها إذا رجع» «1» انته.
و في القاموس: «المنار: العلم و ما يوضع بين الشيئين من الحدود و محجّة الطريق» «2» انته.
و قال ابن الأثير في النهاية: و فيه «لعن اللّه من غيّر منار الأرض» المنار: جمع منارة، و هي العلامة تجعل بين الحدّين، و منار الحرم: أعلامه الّتي ضربها الخليل عليه السّلام على أقطاره و نواحيه، و الميم زائدة. و منه حديث أبي هريرة: «إنّ للإسلام صوى و منارا» أي: علامات و شرائع يعرف بها «3» انته.
و قال الزمخشريّ في الأساس: «اهتدوا بمنار الأرض: بأعلامها، و هدم فلان منار المسجد جمع منارة» «4» انته.
و على هذا فقوله: بهداية منارهم يجوز أن يكون مفردا بمعنى العلم، و أن يكون اسم جنس بمعنى الاعلام، و جملة لم يثنهم في محلّ نصب على الحال من الّذين أو ضميره*.
 [ 280] كانفه: عاونه، و في النهاية في حديث الدعاء: مضوا على شاكلتهم، مكانفين:
أي: يكنف بعضهم بعضا «5» أي: يعين، يقال: كنف صاحبه إذا أعانه.
و الموازرة: التقوية و المساعدة من الأزر بالفتح بمعنى القوّة و الشدّة، و واوها منقلبة عن همزة يقال: آزره يوازره موازرة. و أمّا و ازره بمعنى صار له وزيرا فهو من الوزر بالكسر بمعنى الثقل لأنّ الوزير يحمل أثقال الملك مع الملك فواوه أصليّة.
__________________________________________________
 (1) الصحاح للجوهري: ج 2 ص 839.
 (2) القاموس المحيط: ج 2 ص 149.
 (3) النهاية لابن الأثير: ج 5 ص 127.
 (4) أساس البلاغة: ص 657 و فيه «المساجد».
 (5) النهاية لابن الأثير: ج 4 ص 205.

115
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 108

يَتّفِقُونَ عَلَيهِم وَ لا يَتَّهِمُونَهُم فيما أدَّوْا إِلَيهم.
و يدينون بدينهم أي: يتّبعونهم و يوافقونهم على دينهم.
قال ابن الأثير في حديث الحج: «كانت قريش و من دان بدينهم» أي: اتّبعهم في دينهم و وافقهم عليه فاتّخذ دينهم له دينا و عبادة «1».
و الهدي: بفتح الهاء و سكون الدال على وزن فلس: مصدر بمعنى الهدى بضمّ الهاء و فتح الدال.
قال في القاموس: «هداه هدى و هديا و هداية و هدية بكسرهما أرشده فتهدى و اهتدى» «2» انته.
و الهدي على وزن فلس: الطريقة و السيرة و الهيئة أيضا، يقال: هدى هدي فلان، إذا سار سيرته، و منه الحديث: «و اهدوا هدي عمّار» «3»: أي سيروا سيرته و تهيّئوا بهيئته.
فقوله عليه السّلام: يهتدون بهديهم، يجوز أن يكون بمعنى الهداية، أي يهتدون بهدايتهم و إرشادهم، و أن يكون بمعنى الطريقة أي: يهتدون بطريقتهم و سيرتهم.
و الهدى بهذا المعنى أشهر منه بمعنى الهداية.
و نصب مكانفين و موازرين على الحال. و جملة يدينون إمّا حال متداخلة أو مستأنفة على وجه التعليل أي: لأنّهم يدينون بدينهم*.
أي: يجتمعون عليهم و لا يختلفون في أمرهم بأن يقول بعضهم فيهم قولا، و يقول آخرون خلافه، بل كلمتهم مجتمعة عليهم.
و الاتّفاق: افتعال من الوفق بمعنى الموافقة، و أصله: اوتفاق، إلاّ أنّ الواو قلبت ياء لانكسار ما قبلها و هي ساكنة و ادغمت في تاء الافتعال بعد قلبها تاء لأجل‏
__________________________________________________
 (1) النهاية لابن الأثير: ج 2 ص 149.
 (2) القاموس المحيط: ج 4 ص 405.
 (3) سنن الترمذي: ج 5 ص 672 ح 3805.

116
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 108

اللّهُمَّ وَ صَلِّ عَلى التّابِعينَ مِنْ يَومِنا هذا و إِلى‏ يَومِ الدّينِ.
الإدغام فتولّدت التشديدة لذلك، و هكذا الكلام في يتّفقون أصله: يوتفقون، جرى فيه نحو الإعلال المذكور من قلب الواو تاء و إدغامها في تاء الافتعال فصار يتّفقون.
و قس على ذلك الاتّهام و يتّهمون و نحوه، و اتّهمه بكذا كافتعله: أدخل عليه التهمة كرطبة أي: ما يتّهم عليه، و اتّهمه في كذا: شكّ في صدقه.
و أدّى إليه الشي‏ء: أوصله، و منه أداء الأمانة، أي لا يشكّون في صدقهم و صحّة ما أوصلوه إليهم من الآثار و الأحوال و الأحكام التي سمعوها و شاهدوها من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.
و جملة يتّفقون عليهم مستأنفة استئنافا بيانيّا كأنّه سئل كيف يكانفونهم و يوازرونهم و يدينون بدينهم فقال: يتّفقون عليهم إلى آخره، و لهذا لم يعطفها على ما قبلها*.
 [ 281] من يومنا هذا: أي من وقتنا، و اليوم: و إن كان في اللغة عبارة عن الزمن الّذي يقع ما بين طلوع الشمس إلى غروبها إلاّ أنّ العرب قد تطلقه و تريد به مطلق الوقت و الحين، نهارا كان أو ليلا فيقولون: ذخرتك لهذا اليوم أي: لهذا الوقت الّذي افتقرت فيه إليك، و منه تلك أيّام الهرج: أي وقته، و لا يكادون يفرّقون بين قولهم:
يومئذ، و حينئذ، و ساعتئذ.
و من: لابتداء الغاية في الزمان عند من أثبتها له و هو الصحيح نحو:
تخيّرن من أزمان يوم حليمة             إلى اليوم قد جربن كلّ التجارب‏
 و يجوز أن تكون بمعنى في، نحو: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ «1» و هي متعيّنة لذلك عند من أنكر ورودها لابتداء الغاية في الزمان، و على التقديرين فهي متعلّقة ب «التابعين» لا بقوله «صلّ» كما توهّم بعضهم‏
__________________________________________________
 (1) سورة الجمعة: الآية 9.

117
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 108

.......... و «الواو» من قوله: «و إلى يوم الدين» ثابتة في النسخ المشهورة و هي عاطفة، و الظرف بعدها متعلّق بمحذوف دلّ عليه ما قبله، و التقدير: «و على التابعين من بعد يومنا هذا إلى يوم الدين» على كون «من» ابتدائيّة أو: «و على التابعين في كلّ يوم إلى يوم الدين» على كونها ظرفيّة. و فائدة إيراد الواو: إدخال من تجدّد من التابعين في كلّ وقت إلى يوم القيامة.
و أمّا ما قيل من أنّ الإتيان بها لإرادة التابعين الّذين بقيت متابعتهم إلى ما يترتّب لهم على المتابعة من الثواب إلى يوم الدين و لا يعتريهم تغيّر و لا تبدّل فغير ظاهر، بل لو قيل: إنّ عدمها يدلّ على هذا المعنى كان أظهر، و يحتمل احتمالا بعيدا أن تكون «من» في قوله: «من يومنا هذا» لانتهاء الغاية بمعنى إلى، كما ذهب إليه الكوفيّون و تبعهم ابن مالك من إثبات هذا المعنى لها «1» و استدلّ له ابن مالك بصحّة قولك: «تقرّبت منه» و هو بمعنى تقرّبت إليه «2».
و على هذا فيكون المعنى و صلّ على التابعين إلى يومنا هذا و إلى يوم الدين، فإيراد الواو حينئذ متحتّم و مفادها ظاهر، و اليوم المضاف إلى الدين مراد به مطلق الوقت أيضا.
و الدين هنا بمعنى الجزاء خيرا كان أو شرا و منه: الثاني، في المثل السائر: كما تدين تدان «3»، و الأوّل في بيت الحماسة:
 و لم يبق سوى العدوان             دنّاهم كما دانوا
 و أمّا الأوّل في الأوّل، و الثاني في الثاني فليس بجزاء حقيقة و إنّما سمّي به مشاكلة، أو تسمية للشي‏ء باسم مسبّبه كما سمّيت إرادة القيام و القراءة باسمهما في‏
__________________________________________________
 (1) شرح التصريح على التوضيح: ج 2 ص 8.
 (2) شرح التصريح على التوضيح: ج 2 ص 8.
 (3) لسان العرب: ج 13 ص 169.

118
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 108

وَ عَلَى أزواجِهِم، وَ عَلى ذُرِّيّاتِهِم، وَ عَلَى مَنْ أطاعَكَ مِنهُم قوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ «1». و قوله سبحانه: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ «2» و لعلّه هو السرّ في بناء المفاعلة من الأفعال الّتي تقوم أسبابها بمفعولاتها نحو: عاقبت اللصّ، و نظائره، فإنّ قيام السرقة الّتي هي سبب للعقوبة باللصّ نزل منزلة قيام المسبّب به و هي العقوبة، فصارت كأنّها قامت بالجانبين و صدرت عنهما فبنيت صيغة المفاعلة الدالّة على المشاركة بين الاثنين و إضافة اليوم إليه لأدنى ملابسة كإضافة سائر الظروف الزمانيّة إلى ما وقع فيها من الحوادث كيوم الأحزاب و عام الفتح و تخصيصه من بين سائر ما يقع فيه من القيامة و الجمع و الحساب، لكونه أدخل في الترغيب و الترهيب، فإنّ ما ذكر من القيامة و غيرها من مبادي الجزاء و مقدّماته*.
إعادة الجار للتأكيد و إفادة تعدّد الصلوات لتكون الصلاة على كلّ منهم مستقلّة لا بطريق التبعيّة.
و زوج الرجل: امرأته، و زوج المرأة: بعلها أيضا، و الجمع فيهما أزواج، هذه اللغة العالية و بها جاء التنزيل.
قال أبو حاتم: «و أهل نجد يقولون في المرأة زوجة بالهاء، و أهل الحرم يتكلّمون بها» و عكس ابن السكّيت فقال: «و أهل الحجاز يقولون زوج بغير هاء، و سائر العرب زوجة بالهاء، و جمعها زوجات» «3» و الفقهاء يقتصرون في الاستعمال عليها للإيضاح و خوف لبس الذكر بالانثى إذ لو قيل: تركه فيها زوج و ابن، لم يعلم أذكر أم انثى.
و الذرّيّات: جمع ذرّيّة مثلّثة الأوّل و الضمّ أشهر و هي نسل الرجل قيل: هي فعولة من ذرّوت أو ذريت و الأصل ذرووة أو ذروية فاجتمع في الأولى واوان‏
__________________________________________________
 (1) سورة المائدة: الآية 6.-
 (2) سورة النحل: الآية 98.
 (3) تاج العروس: ج 2 ص 54.

119
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 108

صَلاةً تَعصِمُهُمْ بِها مِن مَعصِيَتِكَ، وَ تَفْسَحُ لَهُمْ في رِياضِ جَنَّتِكَ.
زائدة و أصليّة، فقلبت الأصليّة ياء فصارت كالثانية فاجتمعت ياء و واو و سبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء و ادغمت الياء في الياء فصارت ذرّيّة.
و قيل: فعلية منهما و الأصل في الأولى ذريوة فقلبت الواو ياء لما سبق من اجتماعهما بالسكون فصارت ذرية كالثانية فادغمت الياء في مثلها فصارت ذرّية.
و قيل: فعلية من الذرء بالهمز بمعنى الخلق، و الأصل ذريّة فخففت الهمزة بإبدالها ياء كهمزة خطيئة ثمّ ادغمت الياء الزائدة في المبدلة.
و قيل: فعلية من الذرّ بمعنى التفريق و الأصل ذرّيرة قلبت الراء الأخيرة ياء لتوالي الأمثال كما في تقصّي و تظنّي فادغمت الياء في الياء كما مرّ.
و قيل: فعولة منه و الأصل ذرورة، فقلبت الراء الأخيرة ياء فجاء الإدغام.
و قوله عليه السّلام: «و على من أطاعك منهم» من عطف الخاص على العام إظهارا لشرف الطاعة و إبانة لخطرها و اهتماما بشأن أهلها بتخصيصهم بالذكر بعد العموم، و الدعاء لهم ضمنا و استقلالا، و الضمير في «منهم» إمّا للأولاد أو للأزواج و الأولاد معا، فتذكيره على سبيل التغليب*.
 [ 282] تعصمهم: في محلّ نصب على النعت لا صلاة و هي منصوبة على المفعوليّة المطلقة، و عصمه اللّه من المكروه و نحوه: يعصمه من باب ضرب حفظه و وقاه، و الاسم: العصمة.
و الباء من «بها» للسببيّة، و الضمير للصلاة.
و المعصية مفعلة من العصيان، يقال: عصاه يعصيه عصيا و عصيانا، و معصية: لم يطعه.
قال سيبويه: «لا يجي‏ء هذا الضرب على مفعل إلاّ و فيه الهاء لأنّه إن جاء على مفعل بغير هاء اعتلّ فعدلوا إلى الأخف» «1».
__________________________________________________
 (1) كتاب سيبويه: ص 297 و 298 نقلا بالمضمون.

120
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 108

وَ تَمْنَعُهُمْ بِها مِنْ كَيْدِ الشّيطانِ، وَ تُعِينُهمْ بِها عَلى ما اسْتَعانُوكَ عَلَيهِ مِنْ بِرٍّ.
و فسح له في المكان: من باب نفع و وسّع، و الاسم: الفسحة بالضمّ بمعنى السعة.
و الرياض: جمع روضة و الأصل رواض، قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها، و هي الموضع المعجب بالزهور.
و قيل: كلّ أرض ذات نبات و ماء و رونق و نضارة.
و قيل: سمّيت بذلك لاستراضة المياه السائلة فيها أي: لسكونها بها، قال تعالى:
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ «1» أي: يسرّون أو ينعّمون*.
المنع: تحجير الشي‏ء، و فلان يمنع الجار: يحميه من أن يضام.
و كاده كيدا: من باب باع: خدعه و مكر به.
و في الشيطان: قولان (أحدهما) أنّه من شطن إذا بعد فإنّه بعيد عن الخير و الرحمة فتكون نونه أصليّة، و وزنه: فيعال.
 (الثاني) إنّ الياء أصليّة و النون زائدة عكس الأوّل و هو من شاط يشيط: إذا بطل و احترق، فوزنه: فعلان.
 [ 283] و استعانه و استعان به: طلب معونته، يتعدّى بنفسه و بالحرف.
و البرّ بالكسر: التوسّع في الخير من البرّ بالفتح الّذي هو الفضاء الواسع يتناول جميع أصناف الخيرات، و لذلك قيل: البرّ ثلاثة: برّ في عبادة اللّه تعالى، و برّ في مراعات الأقارب، و برّ في مسالمة الأجانب.
و «من»: بيان لما. و تنكير «البرّ» هنا للاستغراق، و النكرة في الإيجاب و إن كانت ظاهرة في عدم الاستغراق إلاّ أنّها قد تستعمل فيه مجازا كثيرا في المبتدأ، نحو:
__________________________________________________
 (1) سورة الروم: الآية 15.

121
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 108

وَ تَقِيهِمْ من طوارق الليلِ وَ النّهارِ إِلاّ طارِقاً يَطْرُقُ بِخَيرٍ.
تمرة خير من جرادة، و قليلا في غيره نحو: عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ «1».
و قول الحريري: يا أهل ذا المغني وقيتم شرّا «2»، و ما نحن فيه من هذا القبيل.
و إنّما قدّم طلب المنع من كيد الشيطان على طلب الإعانة على البرّ جريا على القاعدة المشهورة من تقديم التخلية على التحلية*.
وقاه اللّه السوء: يقيه وقاية بالكسر: حفظه منه و صانه عنه.
و الطوارق: جمع طارقة و هي في الأصل اسم فاعل من طرق طرقا و طروقا: إذا جاء ليلا. قال الماوردي: «و أصل الطرق: الدقّ، و منه سمّيت المطرقة، و إنّما سمّي قاصد الليل طارقا لاحتياجه إلى طرق الباب غالبا، ثمّ اتّسع في كلّ ما ظهر بالليل كائنا ما كان، ثمّ اتّسع في التوسّع حتّى أطلق على الصور الخياليّة فقالوا: طرق الخيال» «3» و المراد هاهنا مطلق الحوادث ليلا كانت أو نهارا لإضافتها إليهما، و الإضافة بمعنى في نحو «مكر الليل»، و «تربّص أربعة أشهر» على الصحيح وفاقا لابن الحاجب «4» و ابن مالك «5» و قال الجمهور: ما أوهم معنى في، فهو على معنى اللام مجازا، و هو تكلّف لا داعي إليه.
و قوله: «إلاّ طارقا» أي حادثا.
و «الباء» في «بخير» للملابسة أي ملتبسا بخير، مثلها في قوله تعالى: اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا «6» قال الرضي: قيل و لا تكون بهذا المعنى إلاّ مستقرّا، و الظاهر: أنّه لا منع من كونها لغوا «7»*.
__________________________________________________
 (1) سورة التكوير: الآية 14. راجع شرح الكافية في النحو: ج 2 ص 145.
 (2) لم نعثر عليه.
 (3) لم نعثر عليه بل وجدنا ما بمعناه من دون نسبة إلى الما وردي في النهاية لابن الأثير: ج 3 ص 121.
 (4) شرح الكافية في النحو: ج 1 ص 272.
 (5) شرح ابن عقيل: ج 2 ص 43.
 (6) سورة هود: الآية 48.
 (7) شرح الكافية في النحو للرضي: ج 2 ص 327.

122
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 108

وَ تَبعَثُهُم بِها عَلى اعْتِقادِ حُسْنِ الرّجاءِ لَكَ، وَ الطَّمَعِ فِيما عِندَكَ، وَ تَرْكِ التُّهْمَةِ فيما تَحْويهِ أيْدِي العِباد.

[ 284] بعثه على الشي‏ء: حمله على فعله.

و اعتقدت كذا: عقدت عليه القلب و الضمير، حتّى قيل: العقيدة ما يدين الإنسان به.

و الرجاء بالمدّ: الأمل.

قال بعض المحقّقين: و حقيقته ارتياح النفس لانتظار ما هو محبوب عندها فهو حالة لها تصدر عن علم و تقتضي عملا، بيان ذلك: إنّ ما تتصوّره النفس من محبوب أو مكروه: إمّا أن يكون موجودا في الماضي أو الحال أو يوجد في الاستقبال، و الأوّل يسمّى ذكرا و تذكّرا، و الثاني يسمّى وجدا لوجدان النفس له في الحال، و الثالث و هو أن يغلب على ظنّك وجود شي‏ء في الاستقبال لنفسك به تعلّق فيسمّى ذلك انتظارا و توقّعا فإن كان مكروها حدث منه في القلب تألّم يسمّى خوفا، و إن كان محبوبا حصل من انتظاره و تعلّق القلب به لذّة للنفس و ارتياح بإخطار وجوده بالبال يسمّى ذلك الارتياح رجاء، و لكن ذلك المتوقّع لا بدّ أن يكون لسبب، فإن كان توقّعه لأجل حصول أكثر أسبابه فاسم الرجاء صادق عليه، و إن كان انتظاره مع العلم بانتفاء أسبابه فاسم الغرور و الحمق عليه أصدق، و إن كانت أسبابه غير معلومة الوجود و لا الانتفاء فاسم التمنّي أصدق على انتظاره.

و اعلم: أنّ الرجاء لثواب اللّه و رحمته و الفوز بالسعادات الاخرويّة مقام شريف مستلزم لمقامات عالية لأنّه يستلزم الصبر على المكاره و فعل الطاعات و ترك المنهيّات لعلمه بأنّ الجنّة حفّت بالمكاره و النار حفّت بالشهوات، و مقام الصبر يؤدّي إلى مقام المجاهدة و التجرّد لذكر اللّه تعالى و دوام الفكر فيه، و مقام المجاهدة يؤدّي إلى مقام كمال المعرفة المؤدّي إلى مقام الانس المؤدّي إلى مقام المحبّة المستلزم لمقام الرضا و التوكّل، إذ من ضرورة المحبّة الرضا بفعل المحبوب و تفويض نفسه و أمره إليه‏

123
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 108

.......... و الوثوق بعنايته، و لذلك قيل: الرجاء لا ينفكّ عن الأعمال الصالحة.
و قيل: الرجاء مادّة الاستهتار بلزوم الطاعة، و يدلّ عليه ما روي عن الصادق عليه السّلام: قيل له: إنّ قوما من مواليك يلمّون بالمعاصي و يقولون نرجو فقال:
كذبوا ليسوا لنا بموال، أولئك قوم ترجّحت بهم الأمانيّ، من رجا شيئا عمل له، و من خاف من شي‏ء هرب منه «1».
و في خطبة لأمير المؤمنين عليه السّلام: «زعم أنّه يرجو اللّه، كذب و العظيم، ما له لا يتبيّن رجاؤه في عمله، و كلّ من رجا عرف رجاؤه في عمله» «2».
و من ثمّ قالوا: الرجاء من الفضائل إذا قارنه خوف، لأنّ كلّ واحد منهما من دون الآخر من الملكات الردية المهلكة كما يرشد إليه قوله تعالى: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً «3».
و قول الباقر عليه السّلام: إنّه ليس من عبد مؤمن إلاّ و في قلبه نوران: نور خيفة و نور رجاء، لو وزن هذا لم يزد على هذا، و لو وزن هذا لم يزد على هذا «4».
و قول بعض العارفين: من حمل نفسه على الرجاء تعطّل، و من حمل نفسه على الخوف قنط، و لكنّه ينبغي أن يخاف العبد راجيا و يرجو خائفا. و تقييده (عليه السّلام) الرجاء بالحسن في قوله: «حسن الرجاء» إشارة إلى ذلك.
و قوله: «لك» أي: لثوابك أو لرحمتك كقوله تعالى: لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ* «5» أي: رحمته، بدليل قوله سبحانه: وَ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ «6».
قوله عليه السّلام: «و الطمع فيما عندك» طمع فيه و به: من باب فرح طمعا و طماعا و طماعيّة مخفّفة: حرص عليه و رجاه، و أكثر ما يستعمل فيما يقرب حصوله.
__________________________________________________
 (1) الكافي: ج 2 ص 68 ح 6.
 (2) نهج البلاغة: ص 225 خطبة 160.
 (3) سورة السجدة: الآية 16.
 (4) الكافي: ج 2 ص 67 ح 1.
 (5) سورة الممتحنة: الآية 6.
 (6) سورة الإسراء: الآية 57.

124
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 108

.......... و المراد بما عنده سبحانه خزائن رحمته الدنيويّة و الاخرويّة كما قال تعالى: إِنّ ما عند اللّه هو خير لكم إِن كنتم تعلمون، ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ «1». أمّا الأخرويّة فبقاؤها ظاهر، و أمّا الدنيويّة فحيث كانت موصولة بالاخرويّة و مستتبعة لها فقد انتظمت في سمط الباقيات الصالحات، و بهذا يظهر أنّ هذه الفقرة ليست تكرارا للأولى لاختصاص الأولى بالرحمة الاخرويّة و عموم هذه للدنيويّة و الاخرويّة معا، فهي من قبيل عطف العامّ على الخاصّ.
قوله: «و ترك التهمة فيما تحويه أيدي العباد» التهمة: على وزن رطبة، اسم من اتّهمته بكذا: إذا ظننت به. و سكون الهاء لغة حكاها الفارابي، و أصل التاء واو «2» كما مرّ بيانه.
و حواه يحويه: ضمّه و استولى عليه، و حواه أيضا: ملكه و جمعه كاحتواه و احتوى عليه.
و أيدي: جمع قلّة، و لامها محذوفة، و الأصل يدي. قيل: بفتح الدال، و قيل:
بسكونها، و جمع الكثرة: الأيادي. و لمّا كانت اليد من بين جوارح الإنسان مناط عامّة صنائعه و مدار أكثر منافعه عبّر بها تارة عن النفس كما يقال: هو ملك يده أي: ملكه، و تارة عن القدرة كما يقال: أخذته عن يد أي عن قدرة عليه، و تارة عن الملك كما يقال: الدار في يد فلان أي: في ملكه، و تارة عن التصرّف كما يقال:
الأمر بيده أي: في تصرّفه.
و المراد بترك التهمة: إمّا ترك التهمة للّه سبحانه في قضائه بسبب ما تحويه أيدي الناس من متاع الدنيا بأن يتّهموه بعدم العدل في القسمة إذا نظروا إلى خلوّ أيديهم عمّا جمعه و ملكه غيرهم. كما رواه ثقة الإسلام في الكافي بإسناده عن أبي‏
__________________________________________________
 (1) سورة النحل: الآية 95 و 96.
 (2) المصباح المنير: ص 929.

125
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 108

لِتَرُدَّهُمْ إِلى الرَّغبَةِ إِلَيكَ وَ الرّهْبَة مِنْكَ.
الحسن الأوّل عليه السّلام قال: «ينبغي لمن عقل عن اللّه أن لا يستبطئه في رزقه، و لا يتّهمه في قضائه» «1».
و في ذلك يقول الشاعر:
         من لم يكن للّه متّهما             لم يمس محتاجا إلى أحد
 و قال آخر:
         لا أقول اللّه يظلمني             كيف أشكو غير متّهم‏
 أو ترك التهمة للعباد فيما جمعوه و ملكوه بأن يسيئوا الظنّ فيهم إذا منعوهم ما في أيديهم. كما رواه في الكافي أيضا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «من صحّة يقين المرء المسلم أن لا يرضي الناس بسخط اللّه، و لا يلومهم على ما لم يؤته اللّه» «2».
قال بعض العلماء: و النهي عن لومهم لوجوه:
الأوّل: أنّ لومهم ظلم لهم، لأنّهم لم يمنعوه بل اللّه لم يؤته ما سأل منهم.
الثاني: أنّ لومهم ينتهي إلى اللّه، لأنّه إنّما يلام المانع من الإعطاء، و لا معطي و لا مانع إلاّ اللّه، فيرجع اللوم إليه.
الثالث: أنّ لومه للمانع من الخلق شرك، لأنّه اعتقد أنّه مانع له، فلامه و أشرك في المنع مع اللّه غيره.
و في رواية ترك النهمة بفتح النون و سكون الهاء أي: الشهوة.
قال في الأساس: «له في هذا الأمر نهمة أي: شهوة» «3». و المعنى على هذه الرواية ظاهر*.
 [ 285] «اللام» للتعليل. قال ابن هشام: «و انتصاب الفعل بعدها بأن مضمرة بعينها وفاقا للجمهور، لا ب «أن» مضمرة أو ب «كي» مصدريّة مضمرة خلافا للسيرافي‏
__________________________________________________
 (1) الكافي: ج 2 ص 61 ح 5.
 (2) الكافي: ج 2 ص 57 ح 2.
 (3) أساس البلاغة: ص 661.

126
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 108

.......... و ابن كيسان، و لا ب «اللام» بطريق الأصالة خلافا لأكثر الكوفيّين، و لا بها لنيابتها عن أنّ خلافا لثعلب» «1» انته. و متعلّقها قوله و تبعثهم.
و ردّه ردّا: بمعنى صرفه، أي: لتصرفهم إلى الرغبة إليك، أي: الضراعة و المسألة لك. يقال: رغب إلى اللّه رغبة: إذا دعاه و سأله. و إذا عدّيت ب «في» فهي بمعنى الإرادة، يقال: رغب فيه أي: أراده. أو ب «عن» فهي بمعنى الكراهة، يقال: رغب عنه: إذا كرهه و لم يرده.
و الرهبة: الخوف.
قال المحقّق الطوسي في أوصاف الأشراف: «هو تألّم النفس من العقاب بسبب ارتكاب المنهيّات و التقصير في الطاعات، كما في أكثر الخلق. و قد يحصل بمعرفة عظمة الحقّ و مشاهدة هيبته كما في الأنبياء و الأولياء» «2».
و فرّق بعض العارفين بين الخوف و الرهبة فقال: «الخوف هو توقّع الوعيد، و هو سوط اللّه يقوّم به الشاردين عن بابه و يسيّر بهم على صراطه حتّى يستقيم به أمر من كان مغلوبا على رشده، و من علامته قصر الأمل، و طول البكاء. و الرهبة: هي انصباب إلى وجهة الهرب بل هي الهرب.
رهب و هرب: مثل جبذ و جذب، فصاحبها يهرب أبدا لتوقّع العقوبة. و من علاماتها: حركة القلب إلى الانقباض من داخل و هربه و انزعاجه عن انبساطه حتّى أنّه يكاد أن يبلغ الرهابة في الباطن مع ظهور الكمد و الكآبة على الظاهر» انته.
و الرهابة كسحابة: عظم في الصدر مشرف على البطن*.
__________________________________________________
 (1) مغني اللبيب: ص 277.
 (2) أوصاف الأشراف: ص 25، اعلم أنّ الكتاب فارسي فالمؤلّف ترجم قول الطوسي قدّس سرّه باللغة العربيّة.

127
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 108

وَ تُزَهِّدَهُمْ في سَعَةِ العاجِلِ، وَ تُحَبِّبَ إِلَيْهِمُ العَمَلَ لِلآجِلِ وَ الاسْتِعداد لِما بَعْدَ المَوْتِ.
وَ تُهَوِّنَ عَلَيْهِم كُلَّ كَرْبٍ يَحِلُّ بِهمْ يَوْمَ خُروجِ الانفُسِ مِن أبدانِها.

زهد في الشي‏ء و زهد عنه أيضا زهدا و زهادة: تركه و أعرض عنه فهو زاهد، و الجمع: زهّاد، و يتعدّى بالتضعيف فيقال: زهّدته فيه.
و العاجل: اسم فاعل من عجل عجلا من باب تعب إذا أسرع و حضر، و منه:
العاجلة للساعة الحاضرة و هو صفة لموصوف محذوف أي: سعة المعاش العاجل، كما ورد في دعاء آخر: «و لا تشغل قلبي بدنياي و عاجل معاشي عن آجل ثواب آخرتي» «1» و تحبّب إليهم العمل: أي تجعله محبوبا لهم، و لمّا كان في التحبيب معنى إنهاء المحبّة و إيصالها إليهم، استعمله بكلمة إلى.
و الآجل: فاعل من أجل الشي‏ء أجلا من باب تعب، و أجل اجولا من باب قعد لغة بمعنى تأخّر، و منه: أجل الشي‏ء لمدّته و وقته الّذي يحلّ فيه.
و «اللام»: للتعليل متعلّقة بالعمل، و الموصوف محذوف أي: للثواب الآجل.
و الاستعداد للأمر: التهيّؤ له، و المراد به هنا ترك المعاصي و فعل الطاعات ليصيروا بذلك بعد الموت ناجين من العذاب فائزين بجزيل الثواب، و فيه إشعار بتجرّد النفس الإنسانيّة و بقائها بعد الموت كما وردت به نصوص كثيرة عنهم عليهم السلام «2»*.
 [ 286] تهوّن: أي تسهّل، من هان يهون هونا بالفتح إذا لان و سهل فهو هيّن، و يعدّى بالتضعيف فيقال: هوّنته.
و الكرب: الحزن و الغمّ يأخذ بالنفس، و كربه الأمر من باب قتل: شقّ عليه،
__________________________________________________
 (1) الكافي: ج 2 ص 588 ح 26.
 (2) بحار الأنوار: ج 6 ص 124.

128
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 108

.......... و الكربة بالضمّ اسم منه.
و حلّ العذاب يحلّ حلولا من باب ضرب و قعد: أي نزل، و أمّا حلّ بالبلد حلولا فهو من باب قعد لا غير.
و يوم خروج الأنفس: أي وقت خروجها، فالمراد باليوم: مطلق الوقت كما تقدّم بيانه.
و أراد بكلّ كرب يحلّ بهم: غمرات الموت و سكراته التي هي أفظع من أن يحيط بها وصف أو يقوم ببيانها شرح، كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام في خطبة له:
 «و إنّ للموت لغمرات هي أفظع من أن تستغرق بصفة أو تعتدل على عقول أهل الدنيا» «1» أي: لا تستقيم على العقول فلا تصدّق بها لهولها و عظمها.
و روي أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله كان يقول في سكرات الموت: «اللّهمّ أعنّي على سكرات الموت» «2».
قال بعض المحقّقين: و أمر يستعين عليه الرسول صلّى اللّه عليه و آله مع كمال اتّصاله بالعالم الأعلى فلا شكّ في شدّته، و اللّه المستعان.
تنبيه‏
ظاهر قوله عليه السّلام: «يوم خروج الأنفس من أبدانها» أنّ النفس داخلة في البدن فهي عند الموت تخرج منه، و هو بظاهره يؤيّد قول المنكرين لتجرّد النفس كالنظام [1] القائل بأنّها أجسام لطيفة سارية في البدن سريان ماء الورد في‏
__________________________________________________
 [1] هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار بن هاني البصري ابن اخت أبي الهذيل العلاف شيخ المعتزلة، و كان النظام صاحب المعرفة بالكلام، أحد رؤساء المعتزلة، أستاذ الجاحظ و أحمد بن الخالط، كان في أيّام‏
__________________________________________________
 (1) نهج البلاغة: خطبة 221 ص 341.
 (2) الدرّ المنثور: ج 6 ص 105.

129
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 129

.......... الورد «1». و جمهور المعتزلة القائلين بأنّها جسم لطيف بخاريّ يتكوّن من ألطف أجزاء الأغذية ينفذ في العروق الضوارب، و الحياة عرض قائم بالنفس و حالّ فيها.
قالوا: و كيفيّة قبض ملك الموت للنفس أنّه يلج في فم الإنسان إلى قلبه لأنّه جسم لطيف هوائي لا يتعذّر عليه النفوذ في المخارق الضيّقة فيخالط النفس التي هي كالشبيهة به لأنّها جسم لطيف بخاريّ ثمّ يخرج من حيث دخل و النفس معه، و إنّما يكون ذلك في الوقت الذي يأذن اللّه تعالى له فيه و هو حضور الأجل و هؤلاء نافون للنفس الناطقة، لكن أعاظم الحكماء الإلهيّين، و أكابر الصوفيّة العارفين «2» كلّهم قائلون: بإثبات النفس الناطقة و تجرّدها عن عالم الأجسام، و وافقهم من متكلّمي الإسلام قدماء أصحابنا الإمامية رحمهم اللّه كابن بابويه «3» و الشيخ المفيد «4» و المرتضى علم الهدى «5» و بني نوبخت «6» حسب ما استفادوه من أئمّتهم المعصومين عليهم السّلام. و من الأشاعرة: الغزالي «7» و الفخر الرازي «8»، فذهبوا إلى أنّ النفس الناطقة موجود ليس بجسم و لا جسماني أي: حالّ في الجسم و هي التي يشير إليها كلّ واحد منّا بقوله أنا، و إنّها ليست بداخلة في البدن‏
__________________________________________________
هارون الرشيد، و قد ذكر جملة من كلماته و عقائده في كتاب الحسنية المعروف، و إيّاه عنى أبو نؤاس بقوله:
         فقل لمن يدّعي في العلم فلسفة             حفظت شيئا و غابت عنك أشياء
 و النظام: كشداد لقّب به أبو إسحاق به لأنّه كان ينظم الخرز في سوق البصرة و يبيعها.
و قالت المعتزلة: إنّما سمّي ذلك لحسن كلامه نثرا و نظما.
 (الكنى و الألقاب: ج 3 ص 211)
__________________________________________________
 (1) بحار الأنوار: ج 61 ص 74.
 (2) بحار الأنوار: ج 61 ص 84.
 (3) بحار الأنوار: ج 61 ص 78- 79 نقلا عن رسالة العقائد.
 (4) بحار الأنوار: ج 61 ص 79 و 80 نقلا عن شرح العقائد.
 (5) بحار الأنوار: ج 61 ص 84 و 86.
 (6) بحار الأنوار: ج 61 ص 84 و 86.
 (7) بحار الأنوار: ج 61 ص 84 و 86.
 (8) التفسير الكبير: ج 21 ص 38.

130
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 129

.......... و لا خارجة عنه بالمباينة و لا متّصلة به و لا منفصلة عنه لأنّ مصحّح الاتّصاف بهذه الأمور الجسميّة و التحيّز و قد انتفيا عنها.

و ليست أيضا في جهة من الجهات بل منزّهة عن الاختصاص بالجهات و الاتّصال بالأجسام و الحلول فيها.

و لا هي عرض مطلقا لأنّ العرض لا يتّصف بصفة لأنّه نفس الصفة فلا يقبل صفة أخرى سيّما الصفة المقابلة كالعلم و الجهل و الشجاعة و الجبن، و تعلّقها بالبدن إنّما هو كتعلّق العاشق بالمعشوق عشقا جبلّيّا إلهاميّا لا يمكن العاشق بسببه مفارقة معشوقه ما دامت مصاحبته ممكنة، و لذلك يكره مفارقته و لا يملّه مع طول مصاحبته إيّاه، و كتعلّق الصانع بالآلات التي يحتاج إليها في أفعاله فكان من الواجب أن يكون لها بحسب كلّ فعل آلة مناسبة لذلك الفعل، فلذلك خلق في البدن قوى مختلفة كلّ واحدة منها آلة لفعل مخصوص كقوّة البصر للإبصار و السمع للسماع، فتبارك اللّه أحسن الخالقين.

و حقيقة الموت عند هؤلاء: هو انقطاع تعلّق النفس بالبدن و تصرّفها فيه لخروجه عن حدّ الانتفاء به، و كيفيّة قبض ملك الموت لها أنّه يتولى إفاضة العدم على قوى هذا البدن حال انقطاع تعلّق النفس به، و على هذا فيكون خروج الأنفس عن أبدانها كناية عن مفارقتها لها و انقطاع تعلّقها بها.

و لمّا كانت النفس منغمسة منغمرة في عوارض البدن و علائقه الماديّة و ملاحظتها إيّاه دائما لا تنفكّ عن الالتفات إليه ما دامت متعلّقة به لسعيها في مصالح هذا المزاج و إصلاحه، و إعدادها إيّاه لتمام التصريف و الاستعمال كانت كأنّها حالّة فيه حلول الساكن في الدار القائم بمصالحها، فعبّر عن إلقائها إيّاه و طرحها له و تخلّيها عنه بالخروج عنه، و فيه دلالة على أنّ النفس الإنسانيّة شي‏ء غير هذا الهيكل المحسوس، لأنّ الخارج يجب أن يكون مغائرا للمخروج منه خلاف‏

131
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 129

وَ تُعافِيَهُم مِمّا تَقَعُ بِهِ الفِتْنَةُ مِن مَحذوُراتِها.
وَ كَبَّةِ النّارِ وَ طُولِ الخُلودِ فيها.

الجمهور المتكلّمين القائلين بأنّ النفس هي الهيكل المخصوص، و اللّه أعلم*.
 [ 287] عافاه اللّه من المكروه معافاة و عافية: وهب له العافية، و هي دفاع اللّه عن العبد. تكون اسما و تكون مصدرا و هو الأصل فيها، جاءت على فاعله، و مثله ناشئة الليل بمعنى نشوء الليل. و الخاتمة بمعنى الختم، و العاقبة بمعنى العقب و منه: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ «1» أي كذب.
و وقع الشي‏ء: حصل و وجد و المكروه نزل، و أوقعه: أوجده و أحدثه كوقع به مثل: أذهبه و ذهب به، فالباء للتعدية و هي المعاقبة للهمزة في تصيير الفاعل مفعولا.
قال صاحب المحكم: «وقع بالأمر: أحدثه و أنزله» «2».
و «من» بيان لما. و المعنى ممّا توقعه الفتنة من محذوراتها أي: تحدثه و تنزله، و من جعل الباء للسببيّة و من بيان للفتنة فقد أخطأ أو تعسّف.
و الفتنة بالكسر: اسم عن فتنه يفتنه من باب ضرب، فتنا و فتونا إذا امتحنه و اختبره، و قد كثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار للمكروه، ثمّ كثر حتّى استعمل بمعنى الضلال و الإثم و الكفر و الفضيحة و العذاب و الجنون و القتال و الإحراق و الإزالة و الصرف عن الشّي‏ء، و المراد بها هنا المحنة.
و المحذورات: المخوفات، من حذر الشي‏ء من باب تعب إذا خافه، فالشي‏ء محذور أي مخوّف*.
كبّة الشي‏ء بالفتح: شدّته و صدمته، يقال: جاءت كبّة الشتاء أي: شدّته.
و قال الزمخشريّ في الفائق: «كبّة النار: معظمها» «3».
__________________________________________________
 (1) سورة الواقعة: الآية 2.
 (2) المحكم لابن سيده: ج 2 ص 197.-
 (3) الفائق: ج 1 ص 338.-

132
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 129

وَ تُصَيِّرهُم إِلى أمنٍ مِن مَقيلِ المتَّقينَ.
و في النهاية: «كبّة النار: صدمتها» «1».
و طال الشي‏ء طولا بالضمّ: امتدّ، و منه طال الجلوس: إذا امتدّ زمانه.
و خلد بالمكان خلودا من باب قعد: أقام فيه، و خلد في النعيم خلودا أيضا: بقى فيه أبدا، و هذا من قبيل نفي الشي‏ء بنفي لازمه لأنّ الخلود يلزمه امتداد الزمان، فإذا نفاه فقد انتفى مطلق الخلود. و المراد: معافاتهم من الكون في النار مطلقا*.
 [ 288] أي تنقلهم، من صار زيد غنيّا إذا انتقل إلى حالة الغنى بعد أن لم يكن عليها، أو تجعل مصيرهم أي عاقبتهم و مآلهم من صار الأمر إلى كذا إذا آل إليه و رجع، يقال: مصبره إلى كذا: أي مرجعه و مآله.
و الأمن: ضدّ الخوف، و المراد محلّ ذو أمن، جعله نفس الأمن مبالغة كقولهم:
رجل عدل، فحذف الموصوف و أقام الوصف مقامه، نحو: وَ عِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ «2» أي: حور قاصرات الطرف، أو هو على حذف المضاف أي: محلّ أمن نحو: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها «3» أي: أهل القرية و أهل العير.
و قوله: «من مقيل المتّقين» صفة له، أي: كائن من مقيل المتّقين.
و المقيل: اسم مكان من القيلولة و هي الاستراحة نصف النهار و إن لم يكن معها نوم.
و قيل: هي نوم نصف النهار، يقال: قال يقيل قيلا و قيلولة فهو قائل، ثمّ أطلق على المكان الّذي يؤوي إليه راحة للاسترواح إلى الأزواج و التمتّع بمغازلتهنّ، لأنّ التّمتّع به يكون وقت القيلولة غالبا، قال تعالى: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا
__________________________________________________
 (1) النهاية لابن الأثير: ج 4 ص 138.
 (2) سورة الصافّات: الآية 48.
 (3) سورة يوسف: الآية 82.

133
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 129

.......... وَ أَحْسَنُ مَقِيلًا «1» قال المفسّرون: المقيل: المكان الّذي يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم و الاستمتاع بمغازلتهنّ و ملامستهنّ كحال المترفين في الدنيا و لا نوم في الجنّة، و إنّما سمّي مكان دعتهم و استرواحهم إلى الحور مقيلا على طريق التشبيه.
و عن ابن عبّاس: «لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتّى يقيل أهل الجنّة في الجنّة و أهل النار في النار» «2».
و عن سعيد بن جبير: «إنّ اللّه تعالى إذا أخذ في فصل القضاء قضى بينهم كقدر ما بين صلاة الغد «3» إلى نصف النهار فيقيل أهل الجنّة في الجنّة و أهل النار في النار» «4».
و قال مقاتل: يخفّف الحساب على أهل الجنّة حتّى يكون بمقدار نصف يوم من ايّام الدنيا ثمّ يقيلون يومهم ذلك في الجنّة «5».
و إنّما ذكر المتّقين دون سائر أوصاف أهل الجنّة تلميحا إلى الآية المذكورة، فإنّ أصحاب الجنّة فيها هم المتّقون المشار إليهم في الآية التي قبلها بآيات من سورة الفرقان، و هي قوله تعالى: قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَ مَصِيراً «6» كما نبّه عليه بعض متأخّري المفسّرين.
و المتّقون: هم الّذين وقوا أنفسهم عمّا يضرّها في الآخرة من اعتقاد و خلق و عمل. و قد تقدّم الكلام على حقيقة التقوى، و اللّه أعلم. [] هذا آخر الروضة الرابعة من رياض السالكين في شرح صحيفة سيّد العابدين و قد وفّق اللّه لإتمامه عصر يوم الأربعاء لسبع خلون من شهر ربيع الثاني سنة ستّ و تسعين و ألف، و الحمد للّه ربّ العالمين.
__________________________________________________
 (1) سورة الفرقان: الآية 24.
 (2) مجمع البيان: ج 7- 8 ص 167.
 (3) في «ألف»: الغداة.
 (4) التفسير الكبير للرازي: ج 24 ص 73.
 (5) التفسير الكبير للرازي: ج 24 ص 73.
 (6) سورة الفرقان: الآية 15.

134
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

الروضة الخامسة ص 135

الروضة الخامسة

135
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

و كان من دعائه عليه السلام لنفسه و أهل ولايته ص 137

و كان من دعائه عليه السّلام لنفسه و أهل ولايته‏

يا مَنْ لا تَنْقَضى‏ عَجائِبُ عَظَمَتِهِ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ احْجُبْنا عَنِ الْإِلْحادِ في‏ عَظَمَتِكَ وَ يا مَنْ لا تَنْتَهى‏ مُدَّةُ مُلْكِهِ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ اعْتِقْ رِقابَنا مِنْ نَقَمِتِكَ وَ يا مَنْ لا تَفْنى‏ خَزائِنُ رَحْمَتِهِ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ اجْعَلْ لَنا نَصيباً في رَحْمَتِكَ وَ يا مَنْ تَنْقَطِعُ دُونَ رُؤْيَتِهِ الْأَبْصارُ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ ادْنِنا إلى‏ قُرْبِكَ يا مَنْ تَصْغُرُ عِنْدَ خَطَرِهِ الْأَخْطارُ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ كَرِّمْنا عَلَيْكَ وَ يا مَنْ تَظْهَرُ عِنْدَهُ بَواطِنُ الْأَخْبارِ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ لا تَفْضَحْنا لَدَيْكَ اللَّهُمَّ اغْنِنا عَنْ هِبَةِ الْوَهّابينَ بِهِبَتِكَ وَ اكْفِنا وَحْشَةَ الْقاطِعينَ بِصِلَتِكَ حَتَّى لا نَرْغَبَ الى‏ احَدٍ مَعَ بَذْلَكَ وَ لا نَسْتَوْحِشَ مِنْ أَحَدٍ مَعَ فَضْلِكَ اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ كِدْ لَنا وَ لا تَكِدْ عَلَيْنا وَ امْكُرْ لَنا وَ لا تَمْكُرْ بِنا وَ ادِلْ لَنا وَ لا تُدِلْ مِنَّا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ قِنا مِنْكَ وَ احْفَظْنا بِكَ وَ اهْدِنا الَيْكَ وَ لا تُباعِدْنا عَنْكَ انَّ مَنْ تَقِهِ يَسْلَمْ وَ مَنْ تَهْدِهِ يَعْلَمْ وَ مَنْ تُقَرِّبْهُ الَيْكَ يَغْنَمْ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ اكْفِنا ..........

137
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

و كان من دعائه عليه السلام لنفسه و أهل ولايته ص 137

 حَدَّ نَوائِبِ الزَّمانِ وَ شَرَّ مَصائِدِ الشَّيْطانِ وَ مَرارَةَ صَوْلَةِ السُّلْطانِ اللَّهُمَّ إِنَّما يَكْتَفِى الْمُكْتَفُونَ «1» بِفَضْلِ قُوَّتِكَ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ اكْفِنا وَ انَّما يُعْطِى الْمُعْطُونَ مِنْ فَضْلِ جِدَتِكَ فصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ اعْطِنا وَ انَّما يَهْتدِى الْمُهْتَدُونَ بِنُورِ وَجْهِكَ فصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ اهْدِنَا اللَّهُمَّ انَّكَ مَنْ وَالَيْتَ لَمْ يَضْرُرْهُ خِذْلانُ الْخاذِلينَ وَ مَنْ اعْطَيْتَ لَمْ يَنْقُصْهُ مَنْعُ الْمانِعِينَ وَ مَنْ هَدَيْتَ لَمْ يُغْوِهِ اضْلالُ الْمُضِلّينَ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ امْنَعْنا بِعِزِّكَ مِنْ عِبادِكَ وَ اغْنِنا عَنْ غَيْرِكَ بِارْفادِكَ وَ اسْلُكْ بِنا سَبيلَ الْحَقِّ بِارْشادِكَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ اجْعَلْ سَلاْمَةَ قُلُوبِنا في‏ ذِكْرِ عَظَمَتِكَ وَ فَراغَ أَبْدانِنا في‏ شُكْرِ نِعْمَتِكَ وَ انْطِلاقَ الْسِنَتِنا في‏ وَصْفِ مِنَّتِكَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ اجْعَلْنَا مِنْ دُعاتِكَ الدَّاعينَ الَيْكَ وَ هُداتِكَ الدّالّينَ عَلَيْكَ وَ مِنْ خاصَّتِكَ الْخاصّينَ لَدَيْكَ يا ارْحَمَ الرَّاحِمينَ ..........
__________________________________________________
 (1) يَكْفِى الْكُفاةُ خ ل‏

138
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

و كان من دعائه عليه السلام لنفسه و أهل ولايته ص 137

.......... [] بسم اللّه الرحمن الرحيم و به نستعين الحمد للّه الّذي دعا إلى الطاعة لنفسه و أهل ولايته، و الصلاة و السّلام على من انقذ عباده من الضلال بهدايته، و على أهل بيته القائمين بأعباء وصايته، العاملين برواية حكمه الشريف و درايته.
و بعد: فهذه الروضة الخامسة من رياض السالكين تتضمّن شرح الدعاء الخامس من أدعية صحيفة سيّد العابدين إملاء العبد الفقير إلى ربّه الغني علي الصدر الحسينيّ الحسنيّ، أصلح اللّه أعماله، و بلّغه في الدارين آماله.

139
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

شرح الدعاء الخامس‏
وَ كانَ مِن دُعائِهِ عَليه السَّلامُ لِنَفسِه وَ أهلِ ولايته:
يا مَنْ لا تَنقَضي عَجائِبُ عَظَمَتِه صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَ الِهِ، وَ احْجُبنا عَن الإلحادِ في عَظَمَتِكَ.

النفس: ذات الشي‏ء و حقيقته، و قد يقال للروح لأنّ نفس الحيّ به، و للقلب أيضا لأنّه محلّ الروح أو متعلّقه، و للدم أيضا لأنّ قوامها به، و للماء أيضا لشدّة حاجتها إليه. و المراد هنا هو المعنى الأوّل لأنّ المقصود أنّ الدعاء مختصّ به عليه السّلام و بأهل ولايته الذين أشركهم معه فيه.
و أصل الأهل: القرابة ثمّ أطلق على من اختصّ بشي‏ء و اتّصف به كأهل البلد و أهل العلم، و هو هنا كذلك، إذ المراد بأهل ولايته من اتّصف بها.
و الولاية بالفتح و الكسر: المحبّة و النصرة.
و قيل: هي بهذا المعنى بالفتح و أمّا بالكسر فهي بمعنى الإمارة.
 [ 289] انقضى الشي‏ء: فنى و تصرّم كتقضّى.
و العجائب: إمّا جمع عجيبة اسم من العجب. قال صاحب المحكم: «العجب و العجب إنكار ما يرد عليك لقلّة اعتياده. و الاسم: العجيبة و الأعجوبة» «1».
__________________________________________________
 (1) المحكم لابن سيده: ج 1 ص 205.

141
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

.......... و إمّا جمع عجيب، بمعنى معجب عند من قال إنّه يجمع على عجائب. و قيل:
لا يجمع.
قال الجوهري: «العجيب» الأمر يتعجّب منه، و لا يجمع عجب و لا عجيب، و قيل: جمع عجيب عجائب مثل أفيل و أفائل و تبيع و تبائع «1». انته.
و عرّف العجب بأنّه تحيّر النفس فيما خفى سببه و خرج عن العادة مثله.
و قال الراغب: «العجب» حيرة تعرض للإنسان عند جهل سبب الشي‏ء و ليس هو شيئا له في ذاته حالة بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب و إلى من لا يعرفه، و لهذا قال قوم: كلّ شي‏ء عجب، و قال قوم: لا شي‏ء بعجب «2».
انته.
و عظمته تعالى: عبارة عن كمال ذاته و علوّ شأنه و جلالة قدره و كمال شرفه و شدّة غنائه عن الخلق و نهاية افتقارهم إليه في كلّ حال، و دوام تسلّطه و جريان حكمه على جميع ما سواه لكونه مبدأ شأن كلّ ذي شأن، و منته سلطان كلّ ذي سلطان، فلا شأن أرفع من شأنه و لا سلطان أعظم من سلطانه.
و اعلم: إنّ العظيم يطلق على كلّ كبير محسوسا كان أو معقولا عينا كان أو معنى، و إذا استعمل في الأعيان فأصله أن يقال في الأجزاء المتّصلة، و الكبير يقال في المنفصلة.
ثمّ قد يقال: في المنفصل عظيم نحو قولهم: جيش عظيم و مال عظيم. و العظيم المطلق هو اللّه سبحانه لاستيلائه على جميع الممكنات بالايجاد و الافناء، و ليست عظمته عظمة مقداريّة و لا عظمة عدديّة لتنزّهه عن المقدار و المقداريّات و الكمّ و الكمّيّات، بل هي عبارة عن كمال الذات و الصفات، و معنى عدم انقضاء
__________________________________________________
 (1) الصحاح للجوهري: ج 1 ص 177.
 (2) المفردات للراغب: ص 322.

142
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

.......... عجائبها أنّ كلّما تأمّلها الإنسان و أجال فيها النظر يجد في كمال قدرته و آثار حكمته الدّالة على جليل عظمته أمورا معجبّة لم يكن وجدها في بادي النظر، فإنّ عظمته جلّ شأنه لا تتناهى قدرا و عرفانا، بل كلّما غاص العارف المتقرّب إليه في البحر الزاخر من عظمته، و عبر منزلا من منازلها ازدادت عظمته في نفسه، و علم منها فوق ما علم أوّلا، و هكذا حتّى يكمل عقد يقينه بذلك، و يبلغ إلى غاية ما يتصوّر له من منازلها فينادي بالعجز عن معرفته مقرّا بعلوّ عظمته كما نطق به لسان سيّد الأنبياء و أشرف الأوصياء صلوات اللّه عليهما و على أبنائهما الطاهرين.
و بدأ الدعاء بالصلاة على النبيّ و آله صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين لما روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال: «إذا كانت لك إلى اللّه حاجة فابدأ بمسألة الصلاة على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ثمّ سل حاجتك، فإنّ اللّه أكرم من أن يسأل حاجتين فيقضي إحداهما و يمنع الأخرى» «1».
و حجبه حجبا- من باب قتل-: منعه، و منه قيل للستر: حجاب لأنّه يمنع من المشاهدة. و قيل للبوّاب: حاجب لأنّه يمنع من الدخول. أي: امنعنا عن الإلحاد بحسم أسبابه و عدم الإعداد له و إلاّ فقد وقع المنع عنه بالنواهي. و أصل الإلحاد:
الميل و العدول عن الشي‏ء، و منه: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ «2» أي:
يميلون و يشيرون إليه، ثمّ خصّ بالطعن في الدين يقال: لحد الرجل في الدين لحدا و ألحد إلحادا: إذا طعن كأنّه مال و عدل إلى غيره فطعن فيه.
و قال أبو عبيدة: «ألحد إلحادا»: جادل و مارى. و «لحد» «3»: جار و ظلم.
و «ألحد في الحرم» بالألف: استحلّ حرمته و انتهكها «4».
__________________________________________________
 (1) نهج البلاغة: الحكمة 361 ص 538.
 (2) سورة النحل: الآية 103.
 (3) في «ألف»: أو لحد.
 (4) المصباح المنير: ص 755........... عجائبها أنّ كلّما تأمّلها الإنسان و أجال فيها النظر يجد في كمال قدرته و آثار حكمته الدّالة على جليل عظمته أمورا معجبّة لم يكن وجدها في بادي النظر، فإنّ عظمته جلّ شأنه لا تتناهى قدرا و عرفانا، بل كلّما غاص العارف المتقرّب إليه في البحر الزاخر من عظمته، و عبر منزلا من منازلها ازدادت عظمته في نفسه، و علم منها فوق ما علم أوّلا، و هكذا حتّى يكمل عقد يقينه بذلك، و يبلغ إلى غاية ما يتصوّر له من منازلها فينادي بالعجز عن معرفته مقرّا بعلوّ عظمته كما نطق به لسان سيّد الأنبياء و أشرف الأوصياء صلوات اللّه عليهما و على أبنائهما الطاهرين.
و بدأ الدعاء بالصلاة على النبيّ و آله صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين لما روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال: «إذا كانت لك إلى اللّه حاجة فابدأ بمسألة الصلاة على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ثمّ سل حاجتك، فإنّ اللّه أكرم من أن يسأل حاجتين فيقضي إحداهما و يمنع الأخرى» «1».
و حجبه حجبا- من باب قتل-: منعه، و منه قيل للستر: حجاب لأنّه يمنع من المشاهدة. و قيل للبوّاب: حاجب لأنّه يمنع من الدخول. أي: امنعنا عن الإلحاد بحسم أسبابه و عدم الإعداد له و إلاّ فقد وقع المنع عنه بالنواهي. و أصل الإلحاد:
الميل و العدول عن الشي‏ء، و منه: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ «2» أي:
يميلون و يشيرون إليه، ثمّ خصّ بالطعن في الدين يقال: لحد الرجل في الدين لحدا و ألحد إلحادا: إذا طعن كأنّه مال و عدل إلى غيره فطعن فيه.
و قال أبو عبيدة: «ألحد إلحادا»: جادل و مارى. و «لحد» «3»: جار و ظلم.
و «ألحد في الحرم» بالألف: استحلّ حرمته و انتهكها «4».
__________________________________________________
 (1) نهج البلاغة: الحكمة 361 ص 538.
 (2) سورة النحل: الآية 103.
 (3) في «ألف»: أو لحد.
 (4) المصباح المنير: ص 755.

143
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

وَ يا مَن لا تَنْتَهي مُدَّةُ مُلْكِهِ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ وَ اعْتِقْ رِقابَنا مِن نَقِمَتِكَ.
و الإلحاد في عظمته تعالى: إمّا بمعنى الميل و العدول عن الحقّ فيها، أو بمعنى المماراة و المجادلة فيها، أو انتهاك حرمتها بارتكاب المعاصي و الإعراض عن مراقبتها، و اللّه أعلم*.
 [ 290] انته الأمر: بلغ النهاية و هي أقصى ما يمكن أن يبلغه.
و المدّة- بالضمّ-: البرهة من الزمان، تقع على القليل و الكثير، و الجمع: مدد كغرفة و غرف.
و الملك- بضمّ الميم-: اسم من ملك على الناس أمرهم إذا تولّى السلطنة فهو ملك بكسر اللام، و تخفّف بالسكون، و الجمع: ملوك.
و ملكه سبحانه: عبارة عن سلطانه القاهر و استيلائه الباهر و غلبته التامّة و قدرته على التصرّف الكلّي في الأمور العامّة بالأمر و النهي. و نفي الانتهاء عن مدّته من باب نفي الشي‏ء بنفي لازمه مبالغة في النفي، أي لا مدّة لملكه فلا انتهاء لها، كقوله:
و لا ترى الضبّ بها ينجحر أي: لا ضبّ فلا انجحار. و قد تقدّم بيان ذلك في دعاء التحميد عند قوله عليه السّلام: «حمدا لا منته لحدّه، و لا حساب لعدده» «1» فليرجع إليه.
و اعتق العبد اعتاقا: حرّره فهو معتق على قياس الباب، و لا يتعدّى بنفسه فلا يقال: عتقته، و لا يجوز عبد معتوق لأنّ مجي‏ء مفعول من أفعلت شاذّ مسموع لا يقاس عليه.
و الرقاب: جمع رقبة و هي مؤخّر أصل العنق.
و قيل: إنّ اشتقاقها من المراقبة، و ذلك أنّ مكانها من البدن مكان الرقيب‏
__________________________________________________
 (1) رياض السالكين: ج 1 ص 401.

144
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

و يا مَن لا تَفنى‏ خَزائِنُ رَحمتِهِ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ اجْعَلْ لَنا نَصيباً في رَحْمَتِكَ.
المشرف على القوم، و لهذا يقال للمملوك رقبة كأنّه يراقب العذاب، و لا يقال له عنق.
و قال ابن الأثير: «قد تكرّرت الأحاديث في ذكر الرقبة و عتقها و تحريرها و فكّها، و هي في الأصل العنق فجعلت كناية عن جميع ذات الإنسان تسميّة للشي‏ء ببعضه، فإذا قال: اعتق رقبة فكأنّه قال: أعتق عبدا أو أمة، و منه قولهم:
 «دينه في رقبته» «1» انته.
قال الزمخشري في الأساس: «و من المجاز هذا الأمر في رقابكم و في رقبتك، و الموت في الرقاب، و أعتق اللّه رقبته و أوصى ماله في الرقاب» «2» انته.
قال بعضهم: و إنّما أقيمت الرقبة مقام جميع ذات الإنسان لموته بضربها، كما اقيم الرأس مقامه في قولهم: فلان يملك كذا رأسا من الرقيق لموته بقطعه أيضا، و لا يلزم من ذلك إطلاق العنق عليه لأنّه من قبيل وجه المناسبة للتسمية و هو لا يلزم اطّراده.
و النقمة: على وزن كلمة و تخفّف بإسكان العين مع كسر الفاء فيقال: نقمة كسدرة: و هي اسم من انتقمت منه إذا عاقبته و المراد بإعتاق الرقاب منها: إطلاقها و تخليصها منها كما يطلق العبد من قيد الرق بتحريره، و اللّه أعلم*.
 [ 291] فنى المال يفنى من باب تعب، و في لغة من باب منع: عدم، و يعدّى بالهمزة فيقال: أفنيته.
و الخزائن: جمع خزانة و هي ما يخزن فيه الشي‏ء كالمخزن، و خزنت الشي‏ء خزنا من باب قتل: أحرزته بحيث لا تصل إليه الأيدي و جعلته في المخزن.
__________________________________________________
 (1) النهاية لابن الأثير: ج 2 ص 249.
 (2) أساس البلاغة: ص 244.

145
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

وَ يا مَن تَنْقَطِعُ دُونَ رُؤيَتِه الأبْصارُ صَلِّ عَلى مُحمَّدٍ وَ آلِهِ وَ أدْنِنا إِلى‏ قُربكَ.
شبّه رحمته تعالى بالشي‏ء النفيس الذي يحرز و يخزن استعارة بالكناية فأثبت له الخزائن استعارة تخييليّة، و جاء بالخزائن بلفظ الجمع اشعارا بأنّ رحمته لوفورها لا يكفي في إحرازها خزانة واحدة، بل لا بدّ فيه من خزائن متعدّدة.
قال المفسّرون في تفسير قوله تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي «1» أي: أرزاقه و سائر نعمه على خلقه، و قد تقدّم معنى الرحمة لغة و وجه إطلاقها عليه سبحانه في شرح الدعاء الأوّل «2» فليرجع إليه.
و النصيب: الحصّة و الجمع: أنصبة و أنصباء و نصب أيضا بضمّتين أي: اجعل لنا حصّة في رحمتك و إنّما سأل نصيبا منها لحصول الغرض به إذا أدنى حصّة منها يستغرق العالم نعمة و عفوا كما قيل:
  قليل منك يكفيني و لكن             قليلك لا يقال له قليل‏
 و «في»: من قوله عليه السلام «في رحمتك» إمّا للظرفيّة المجازيّة أو بمعنى «من»، نحو قوله تعالى: وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً «3» أي: منهم بدليل الآية الأخرى*.
 [ 292] تنقطع: أي تقف فلم تمض. قال صاحب المحكم: «انقطع كلامه»: وقف فلم يمض «4».
و دون رؤيته أي: قبل الوصول إليها، و منه: إذا ركع المصلّي دون الصف: أي قبل وصوله إلى الصف كره.
و قد تقدّم الكلام على امتناع رؤيته سبحانه، في شرح الدعاء الأوّل عند قوله‏
__________________________________________________
 (1) سورة الإسراء: الآية 100.
 (2) رياض السالكين: ج 1 ص 378.
 (3) سورة النحل: الآية 89.
 (4) المحكم لابن سيده: ج 1 ص 90.

146
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

وَ يا مَن تَصْغُر عِنْدَ خَطَرِهِ الأخْطارُ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ وَ كَرِّمْنا عَلَيكَ.
عليه السّلام: «الذي قصرت عن رؤيته أبصار الناظرين» «1» فليرجع إليه.
و دنا منه و دنا إليه يدنو دنوّا: قرب، و يتعدّى بالهمزة فيقال: أدناه يدنيه.
و قربك أي: القرب منك، و ليس المراد القرب المكاني لتنزّهه تعالى عن المكان بل قرب المنزلة و الرتبة منه. و في الحديث: «من تقرّب إليّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا» «2».
قال ابن الأثير: «المراد بقرب العبد إلى اللّه تعالى: القرب بالذكر و العمل الصالح لا قرب الذات و المكان لأنّ ذلك من صفات الأجسام، و اللّه يتعالى عن ذلك و يتقدّس. و المراد بقرب اللّه من العبد: قرب نعمه و ألطافه منه و برّه و إحسانه إليه و ترادف مننه عنده و فيض مواهبه عليه» «3» انته*.
 [ 293] صغر الشي‏ء على وزن كرم صغرا وزان عنب: خلاف عظم، و صغر في عيون الناس ككرم أيضا ذهبت مهابته فهو صغير، و منه يقال: جاء الناس صغيرهم و كبيرهم أي: من لا قدر له و لا منزلة و من له قدر و جلالة، و هذا المعنى هو المراد هنا.
و أمّا المعنى الأوّل فهو مختصّ بالجرم، و أمّا الصغار بمعنى الذلّ و الهوان فهو و إن ناسب معناه في هذا المقام إلاّ أنّ المسموع في فعله صغر من باب تعب. و الرواية في الدعاء تصغر بالضمّ فلا تساعد هذا المعنى.
و خطر الرجل بالتحريك: قدره و منزلته، و الجمع: أخطار كسبب و أسباب، يقال منه: خطر الرجل خطرا كشرف شرفا إذا ارتفع قدره و منزلته فهو خطير، و الخطر أيضا: الإشراف على الهلاك و خوف التلف، و الجمع: أخطار أيضا، و يأتي بمعنى العوض، و منه الحديث: «الجنّة لا خطر لها» «4» أي: لا عوض لها. و المراد
__________________________________________________
 (1) رياض السالكين: ج 1 ص 244.
 (2) سنن ابن ماجة: ج 2 كتاب الأدب ص 1255.
 (3) النهاية لابن الأثير: ج 4 ص 32.
 (4) سنن ابن ماجة: ج 2 ص 1448 ح 4332.

147
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

وَ يا مَنْ تَظْهَرُ عِنْدَهُ بَواطِنُ الأخبارِ صَلِّ عَلى مُحمَّدٍ وَ آلِهِ وَ لا تَفْضَحْنا عِنْدَكَ.
- هنا: المعنى الأوّل، و القول باحتمال غيره تعسّف لا داعي إليه.
و كرّمه: عظّمه و عزّزه، يقال: كرّم علينا فلان كرامة. أي: عزّ، و له علينا كرامة أي: عزازة أي: و اجعلنا مكرمين عليك عزيزين لديك.
و «على»: للاستعلاء مجازا، إذ الحقيقي إنّما هو الحسّي، مثلها في قوله تعالى:
كَتَبَ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ «1». أي: أوجبها بطريق التفضّل و الإحسان على ذاته المقدّسة، فكأنّه عليه السّلام قال: و أوجب كرامتنا عليك تفضّلا و إحسانا.
و الظاهر انّ هذا التكريم المطلوب غير التكريم المذكور في قوله تعالى: وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ «2» إذ ذلك واقع بل المراد به تكريم أخصّ منه عاجلا و آجلا، أو هو من قبيل بسط الكلام مع المحبوب، فليس الغرض حصول مضمونه فلا يضرّ كون مضمونه واقعا كما في قوله تعالى: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا «3» فإنّه حاصل بقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها «4» و حيث إنّ الكلام مع المحبوب أمر لذيذ مطلوب اقتضى الكلام تطويله كما قاله علماء المعاني في قول موسى عليه السّلام: هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَ أَهُشُّ بِها عَلى‏ غَنَمِي وَ لِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى‏ «5»*.
 [ 294] ظهر الشي‏ء يظهر ظهورا: تبيّن.
و البواطن: جمع باطن اسم فاعل من بطن الشي‏ء يبطن من باب قتل خلاف ظهر.
و الأخبار: جمع خبر و هو اسم لما ينقل و يتحدّث به.
__________________________________________________
 (1) سورة الأنعام: الآية 12.
 (2) سورة الإسراء: الآية 70.
 (3) سورة البقرة: الآية 286.
 (4) سورة البقرة: الآية 286.
 (5) سورة طه: الآية 18.

148
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

.......... قال بعض العلماء: ظهور الأشياء: هو انكشافها للحسّ أو للعقل انكشافا بيّنا، و يقابله بطونها أي: خفاؤها عن أحدهما.
و لمّا ثبت أنّه تعالى منزّه عن الجسميّة و لواحقها علم أنّ المراد بظهور الأشياء عنده علمه بها، إذ كلّ ممكن و إن خفي على غيره فهو ظاهر في علمه. فظهور البواطن عنده عبارة عن علمه سبحانه بخفيّات الأمور و مضمرات السرائر، فعلمه نافذ في كلّ مستتر و غائب بحيث لا يستره ساتر و لا يحجبه حاجب حتّى أنّه يعلم ما دقّ من عقائد القلوب و أسرار الصدور و خطرات الخواطر.
و إنّما عبّر عن علمه تعالى بعدم الخفاء في قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى‏ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ «1» و قوله: وَ ما يَخْفى‏ عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ «2» إيذانا بأنّ علمه تعالى بمعلوماته و إن كانت، في أقصى الغايات الخفيّة ليس من شأنه أن يكون على وجه يمكن أن يقارنه شائبة خفاء بوجه من الوجوه كما في علوم المخلوقين بل هو في غاية الوضوح و الجلاء.
و إنّما خصّ البواطن بالذكر دون الظواهر لأنّ من ظهر عنده الباطن فظهور الظاهر أولى، أو لأنّ ما من شي‏ء يظهر إلاّ و هو أو مباديه قبل ذلك باطن، فكان الباطن أصلا للظاهر، فذكر الأصل و إن كان علمه تعالى بهما في الحقيقة على السواء فإنّ علمه تعالى بمعلوماته ليس بطريق حصول صورها بل وجود كلّ شي‏ء في نفسه علم بالنسبة إليه تعالى، فإذا كان علمه بهذا المعنى لا تختلف الحال بين الأشياء البارزة و الكامنة.
و فضحته فضحا من باب نفع: كشفته.
قال الفيّومي في المصباح: و في الدعاء: «لا تفضحنا بين خلقك» أي: استر
__________________________________________________
 (1) سورة آل عمران: الآية 5.
 (2) سورة إبراهيم: الآية 38.

149
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

اللّهُمّ اغْنِنا عَن هِبَةِ الوَهّابِينَ بِهِبَتِكَ. وَ اكْفِنا وَحْشَةَ القاطِعينَ بِصِلَتِكَ.
عيوبنا و لا تكشفها، و يجوز أن يكون المعنى: اعصمنا حتّى لا نعصي فنستحقّ الكشف «1» انته.
و في القاموس: «فضحه كمنعه: كشف مساويه فافتضح، و الاسم:
الفضيحة» «2».
و لا شك أنّ المراد بسؤال عدم الفضيحة هنا سؤال العصمة عنها و حسم أسبابها و عدم الإعداد لها، و قوله: «عندك» يعيّن هذا المعنى*.
 [ 295] أغننا: من الغناء بالفتح و المدّ على وزن كلام بمعنى الاكتفاء يقال: غنيت بكذا عن غيره من باب تعب إذا استغنيت به، و الاسم: الغنية بالضمّ فأنا غنيّ به، و يتعدّى بالهمزة فيقال: أغنيته.
و الهبة: العطيّة بلا عوض، أصلها وهب، حذفت الواو و عوّضت الهاء عنها.
قال بعض العلماء: الهبة هي العطيّة الخالصة عن الأعواض و الأغراض، فإذا كثرت العطايا و الصلات سمّي صاحبها وهّابا. و لا يتحقّق معنى الهبة إلاّ في اللّه تعالى لأنّه وهب كلّ محتاج ما يحتاج من غير عوض*.
 [ 296] كفى: تستعمل متعدّية لواحد و متعدّية لاثنين، فالأولى بمعنى: أجزأ و أغنى تقول: كفاني الشي‏ء أي: أغناني، و الثانية بمعنى: وقى كقوله تعالى: وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ «3» أي: وقاهم.
و قيل: هي في الآية بمعنى أغنى أيضا أي: أغناهم عن القتال، و تستعمل بهذا المعنى متعدّية لواحد و متعدّية لاثنين، و كلا المعنيين صحيحان هنا، إذ يصحّ أن يفسّر قوله عليه السّلام: «اكفنا» بمعنى: أغننا عن وحشة القاطعين، و بمعنى: قنا وحشة القاطعين.
__________________________________________________
 (1) المصباح المنير: ص 650.
 (2) القاموس المحيط: ج 1 ص 240.
 (3) سورة الأحزاب: الآية 25.

150
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

حَتّى لا نَرْغَبَ إِلى أحَدٍ مَعَ بَذْلِكَ، وَ لا نَسْتَوْحِشَ مِن أَحَدٍ مَعَ فَضْلِكَ.
و الوحشة: الانقطاع و بعد القلوب من المودّات، و هو المراد هنا.
و قال الجوهري: «الوحشة: الخلوة و الهم» «1».
و المعنى الثاني صحيح هنا أيضا دون الأوّل و هي من الوحش و هو ما لا يستأنس من دوابّ البرّ.
و القاطعين: جمع قاطع من القطيعة ضدّ الصلة، يقال: قطع فلان صديقه قطيعة: إذا هجره، و قطع رحمه قطيعة: إذا هجرها و صدّ عنها، و ذلك بترك البرّ و الإحسان إليها.
و الصلة: ضدّ القطيعة. و الباء في الفقرتين من قوله عليه السّلام: «بهبتك و بصلتك»: للسببيّة. و المراد بصلته تعالى: برّه و إحسانه، و رحمته مأخوذ من صلة الرحم.
قال ابن الأثير: «و هي كناية عن الإحسان إلى الأقربين، من ذوي النسب و الأصهار، و التعطّف عليهم و الرفق بهم، و الرعاية لأحوالهم، و كذلك إن بعدوا أو أساءوا، و قطع الرحم ضدّ ذلك كلّه يقال: وصل رحمه يصلها وصلا و صلة، و الهاء فيها عوض من الواو المحذوفة، فكأنّه بالإحسان إليهم قد وصل ما بينه و بينهم من علاقة القرابة و الصهر» «2» انته*.
 «حتّى» هذه بمعنى «كي» التعليليّة أي: كي لا نرغب، مثلها في قوله تعالى:
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى‏ مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا «3» و قولك:
أسلم حتّى تدخل الجنّة.
و رغب إليه رغبا محرّكة: سأله.
__________________________________________________
 (1) الصحاح للجوهري: ج 3 ص 1025.
 (2) النهاية لابن الأثير: ج 5 ص 191.
 (3) سورة المنافقون: الآية 7.

151
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحمّدٍ وَ آلِهِ وَ كِدْ لَنا وَ لا تَكِدْ عَلينا، وَ امْكُرْ لَنا وَ لا تَمكُرْ بِنا و البذل: العطاء.
 [ 297] و استوحش: وجد الوحشة. و مع بذلك: متعلّق بنرغب و مع فضلك: متعلّق بنستوحش.
و الفضل: الخير و الإحسان و الإفضال*.
 [ 298] الكيد و المكر: الخديعة و هي أن تري غيرك أنّك تفعل شيئا ثمّ تفعل خلافه.
قال بعض العلماء: «الكيد إرادة مضرّة الغير خفيّة و هو من الخلق الحيلة السيّئة، و من اللّه تعالى التدبير بالحق بمجازات أعمال الخلق، و المكر من جانب العبد إيصال المكروه إلى الإنسان من حيث لا يشعر، و من جانب الحقّ هو إرداف النعم مع المخالفة و إبقاء الحال مع سوء الأدب و إظهار الكرامات من غير جهد» انته.
و قيل: المراد بكيده تعالى و مكره: صرف الكيد و المكر أو جزاء أهلهما.
و التسمية من باب المشاكلة.
و قال المفسّرون في قوله تعالى: كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ «1» أي: علّمناه الكيد و أوحينا به إليه.
قال بعضهم: و الكيد مبدأه السعي في الحيلة و الخديعة، و نهايته إلقاء الإنسان من حيث لا يشعر في أمر مكروه لا سبيل إلى دفعه. و أمثال هذه الألفاظ في حقّه تعالى محمولة على النهايات لا على البدايات، انته.
و قال ابن الأثير في حديث الدعاء «اللّهم امكر لي و لا تمكر بي»: مكر اللّه:
إيقاع بلائه بأعدائه دون أوليائه، و قيل: هو استدراج العبد بالطاعات فيتوهّم أنّها مقبولة و هي مردودة و المعنى: ألحق مكرك بأعدائي لابي «2» انته.
__________________________________________________
 (1) سورة يوسف: الآية 76.
 (2) النهاية لابن الأثير: ج 4 ص 349.

152
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

وَ أدِلْ لَنا وَ لا تُدِلْ مِنّا.
و كلّ من هذه المعاني المذكورة للكيد و المكر منه سبحانه يمكن حمل معنى الدعاء عليه كما لا يخفى.
و «على»: من قوله: «علينا» للاستعلاء المعنوي.
قال ابن مالك: «و منه المقابلة للام المفهمة ما يحبّ «1» كقوله: فيوم علينا و يوم لنا» انته*.
أدل لنا: من الدولة بالفتح.
قال الجوهري: «الدولة في الحرب: أن تدال إحدى الفئتين على الأخرى، يقال: كانت لنا عليهم الدولة، و الجمع: الدول، و الدولة بالضمّ، في المال. يقال:
صار الفي‏ء دولة بينهم يتداولونه يكون مرّة لهذا و مرّة لهذا، و الجمع: دولات و دول، و قال أبو عبيد: الدولة بالضم: اسم الشي‏ء الذي يتداول به بعينه، و الدولة بالفتح:
الفعل، و قال بعضهم: الدولة و الدولة لغتان بمعنى. و قال محمّد بن سلام الجمحي:
سألت يونس عن قول اللّه تعالى: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ «2» فقال: قال أبو عمرو بن العلاء: الدولة بالضمّ في المال، و الدولة بالفتح في الحرب.
و قال عيسى بن عمر: كلتاهما تكون في الحرب و المال سواء، و قال يونس: أمّا أنا فو اللّه ما أدري ما بينهما. و أدالنا اللّه من عدوّنا من الدولة. و الإدالة: الغلبة، يقال:
اللّهم أدلني على فلان و انصرني عليه» «3» انته كلام الجوهري.
و قال ابن الأثير: الإدالة: الغلبة، يقال: أديل لنا على أعدائنا أي: نصرنا عليهم، و كانت الدولة لنا. و الدولة: الانتقال من حال الشدّة إلى حال الرخاء، و منه حديث أبي سفيان و هرقل: «ندال عليه و يدال علينا» أي نغلبه مرّة و يغلبنا
__________________________________________________
 (1) في «ألف»: ما يجب.
 (2) سورة الحشر: الآية 7.
 (3) الصحاح للجوهري: ج 4 ص 1699.

153
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحمّدٍ وَ آلِهِ وَ قِنا مِنكَ، وَ احْفَظْنا بِكَ، وَ اهْدِنا إِلَيكَ، وَ لا تُباعِدْنا عَنْكَ.
أخرى «1» انته.
قال الزمخشري في الفائق في حديث الحجّاج: «يوشك أن تدال الأرض منّا» أي: يجعل للأرض الكرّة علينا، تقول: أدال اللّه زيدا من عمرو مجازه نزع اللّه الدولة من عمرو فآتاها زيدا و في أمثالهم: «يدال من البقاع كما يدال من الرجال» أي: تؤخذ منها الدول «2» انته.
و قال في الأساس: «أدال اللّه بني فلان من عدوّهم»: جعل الكرّة لهم عليه «3».
إذا عرفت ذلك، فمعنى الدعاء: اجعل الدولة و الكرّة لنا على عدوّنا، و لا تنزعها منّا فتؤتيها غيرنا، و اللّه أعلم*.
 [ 299] وقيت الشي‏ء أقيه وقيا و وقاية: إذا صنته و حفظته من الأذى.
قيل: معناه و قنا من عذابك و سخطك، و هو مثل قوله صلّى اللّه عليه و آله:
 «أعوذ بك منك» «4».
و قال بعض العارفين في قوله عليه السّلام في سجوده: «أعوذ بعفوك من عقابك، و أعوذ برضاك من سخطك، و أعوذ بك منك» إنّه حين أمر بالقرب في قوله تعالى: وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ «5» قال في سجوده: «أعوذ بعفوك من عقابك» و هو كلام عن مشاهدة فعل اللّه، فاستعاذ ببعض أفعاله من بعض، و العفو كما يراد به صفة العافي قد يراد به الأثر الحاصل عن صفة العفو في المعفوّ عنه كالخلق و الصنع، ثمّ لمّا قرب فغنى عن مشاهدة الأفعال و ترقّى إلى مصادرها و هي‏
__________________________________________________
 (1) النهاية لابن الأثير: ج 2 ص 141.
 (2) الفائق: ج 1 ص 446.
 (3) أساس البلاغة: ص 198.
 (4) سنن الترمذي: ج 5 ص 561 ح 3566.
 (5) سورة العلق: الآية 19.

154
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

إِنّ مَن تَقِهِ يَسْلَمْ، وَ مَنْ تَهْدِهِ يَعْلَمْ، وَ مَن تُقَرِّبْهُ إِلَيكَ يَغنَم الصفات قال: «و أعوذ برضاك من سخطك» و هما صفتان متضادّتان، ثمّ لمّا رأى ذلك نقصانا في التوحيد اقترب و ترقّى عن مشاهدة الصفات إلى ملاحظة الذات فقال: «و أعوذ بك منك» و هذا فرار إليه منه مع قطع النظر عن الأفعال و الصفات فهذه ثلاث مراتب و المرتبة الثالثة هي أوّل مقام الوصول إلى ساحة العزّة ثمّ للسباحة في لجّة الوصول درجات أخر لا تتناهى، و لذلك لمّا ازداد صلّى اللّه عليه و آله قرباً قال: «لا أحصى ثناء عليك» فكان ذلك حذفا لنفسه عن درجة الاعتبار في ذلك المقام، و اعترافا منه بالعجز عن الإحاطة بما له من صفات الجلال و نعوت الكمال، و كان قوله بعد ذلك: «أنت كما أثنيت على نفسك» كمالا للإخلاص، و تجريدا للكمال المطلق الّذي به هو هو، عن أن يلحقه حكم لغيره و همّي أو عقلي «1» انته.
فعلى هذا ليس هناك مضاف مقدّر كسخطك و عقابك، بل هو من باب الترقّي إلى المرتبة الثالثة من المراتب الثلاث المذكورة التي هي ملاحظة الذات دون الأفعال و الصفات، و اللّه أعلم.
و قس على ذلك قوله عليه السّلام: «و احفظنا بك و اهدنا إليك و لا تباعدنا عنك» فلا حاجة إلى تقدير مضاف في شي‏ء من ذلك، كما قيل إنّ معناه:
و احفظنا بحفظك و اهدنا إلى صراطك المستقيم المدلول عليه بالأوامر الشرعيّة، و لا تباعدنا عن رحمتك، و إن كان هذا المعنى في نفسه صحيحا ظاهرا إلاّ أنّ حمله على ذلك التحقيق أليق بمقام الداعي صلوات اللّه عليه*.
 [ 300] هذا تعليل لما قبله من طلب الوقاية و الحفظ و الهداية و القرب على طريقة اللفّ و النشر المرتّب، و أدرج الحفظ في الوقاية لأنّهما بمعنى.
__________________________________________________
 (1) تفسير القرآن الكريم لصدر المتألهين: ج 4 ص 59.

155
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

.......... و بيان التعليل: أنّه لمّا كان حصول الوقاية و الحفظ مانعا من دواعي التفريط و الإفراط كان العبد مستقيم الحركات على سواء الصراط، و ذلك هو السلامة من الزيغ و الوقوع في هوى المهالك، و كذلك لمّا كان حصول الهداية مانعا من الضلالة عن الصراط المستقيم كان العبد عالما بسلوك جادّة سبيل الحقّ و ذلك هو العلم.
و كذلك لمّا كان حصول القرب مستلزما للفوز بالسعادة الأبديّة كان العبد فائزا بالغنى الحقيقي و الملك الأبدي، و ذلك هو الغنيمة التي لا يقاس بها مغنم، فكأنّه قال: «أسألك الوقاية و الحفظ» المستلزمين للسلامة و الهداية المستلزمة للعلم و القرب المستلزم للغنم.
و «من» هنا شرطيّة، مثلها في قوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ «1» و محلّها الرفع على الابتداء فيكون اسم إنّ ضمير شأن محذوفا و الأصل: إنّه من تقه يسلم، كقوله: «إنّ من يدخل الكنيسة يوما يلق فيها جاذرا و ظباء»، و إنّما لم نجعل «من» اسمها لأنّها شرطيّة بدليل جزمها الفعلين، و الشرط له الصدر فلا يعمل فيه ما قبله.
و سلّم يسلم من باب تعب سلامة: خلص من الآفات و المراد: السلامة من الآفات النفسانيّة و الآراء الفاسدة و العقائد الباطلة مثل: الكفر و الكبر و الحسد و النفاق في الدنيا و من العقوبات في الآخرة.
و الهداية: مطلق الإرشاد و الدلالة على المطلوب بلطف، سواء كان معها وصول إليه أو لا، و سواء تعدّت إلى ثاني المفعولين بنفسها أو بالحرف. هذا هو الحقّ في تفسير الهداية. و هدايته جلّ شأنه للعباد على أربعة أنواع مرتّبة:
الأوّل: الهداية إلى جلب المنافع و دفع المضارّ بإفاضة المشاعر الظاهرة و المدارك الباطنة، و إليه الإشارة بقوله تعالى: أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى«2».
__________________________________________________
 (1) سورة النساء: الآية 123.
 (2) سورة طه: الآية 50.

156
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

.......... و ثانيها: نصب الدلائل العقليّة الفارقة بين الحقّ و الباطل، و إليه يشير قوله تعالى: وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ «1».
و ثالثها: الهداية بإرسال الرسل، و إليه ينظر قوله تعالى: وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى‏ عَلَى الْهُدى«2».
و رابعها: الهداية إلى حظائر القدس و مقامات الانس بانطماس آثار التعلّقات البدنيّة و اندراس أكدار التعلّقات الهيولانيّة، و الاستغراق في ملاحظة أسرار الجلال و مطالعة أنوار الجمال، و هذا النوع من الهداية يختصّ به الأولياء و من يحذو حذوهم، و هو المقصود هنا كما يدلّ عليه قوله عليه السّلام: «و اهدنا إليك» على ما مرّ تحقيقه، و لأنّ هذه الهداية هي التي يترتّب عليها العلم ترتّب الجزاء على الشرط إذ المعنى: و من تهده يحصل له العلم.
فإن قلت: ما المراد بهذا العلم الذي يحصل بهدايته إليه سبحانه؟
قلت: المراد به العلم الإلهي و الحكمة اللدنيّة المشار إليها في الذكر الحكيم بقوله تعالى: وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً «3» فمن حصل له هذا العلم انتقش قلبه بالأسرار الغيبيّة و الصور الكلّيّة و الجزئيّة و كيفيّة انشعابها و تفاصيلها، و استفاد بذلك الأحكام و الوقائع و الأخلاق و أحوال المبدأ و المعاد و غيرها من الفضائل الشرعيّة و مقاصدها من الكتاب و السنّة. و كان المتّصف به هو العالم الذي هو على هدى من ربّه المالك للحقيقة الإنسانيّة بالعقل و هي الوصول إلى ما خلق الإنسان لأجله من المعارف الإلهيّة و الطاعات البدنيّة و الطهارة القلبيّة الموجبة لكمال قربه و رفع درجته عنده تعالى و الخلوص عن كلّ ما يوجب البعد عنه جلّ شأنه.
و قرّبه- بالتضعيف-: أدناه.
__________________________________________________
 (1) سورة البلد: الآية 10.
 (2) سورة فصّلت: الآية 17.-
 (3) سورة البقرة: الآية 269.

157
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

اللّهُمَّ صَلِّ على مُحمّدٍ وَ آلِهِ وَ اكْفِنا حَدَّ نَوائب الزّمانِ.
و غنمت الشي‏ء: أغنمه كعلمته أعلمه، غنما بالضمّ: فزت به بلا مشقّة.
و الغنيمة: اسم لما يغنم.
و في التهذيب: الغنيمة في اللغة: الفائدة «1».
و قيل: هي في الأصل ما أصيب من أموال أهل الحرب و أوجف عليه المسلمون بالخيل و الركاب، يقال: غنم يغنم إذا أصاب غنيمة و مغنما، ثمّ استعمل في كلّ أمر نفيس شريف.
و منه الحديث: «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة» «2».
قال ابن الأثير: «إنّما سمّاه غنيمة لما فيه من الأجر و الثواب» «3».
و المعنى: إنّ من تقرّبه إليك تحصل له الغنيمة أو يتّصف بكونه غانما، فإنّ «غنم» و إن كان متعدّيا و لكنّه نزل منزلة ما لا مفعول له، لأنّ القصد الإعلام بمجرّد إسناد الفعل إلى الفاعل لا بإيقاعه على مفعول.
و كذلك قوله: «يعلم» من قوله عليه السّلام: «و من تهده يعلم» فهو مثل قوله تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ «4» أي: من يتّصف بالعلم و من ينتف عنه العلم.
قال بعض المحقّقين: و القرب المذكور ليس بالمكان و لا بالزمان بل إنّما هو بحسب الذات قربا معنويّا لأجل الشرافة و البراءة عن الدنيا و سرورها و نقائص المواد و آفاتها. و اللّه أعلم*.
 [ 301] حدّ الشي‏ء و حدّته: بأسه و شدّته.
و النوائب: النوازل جمع نائبة و هي ما ينوب الإنسان أي: ينزل به من الحوادث‏
__________________________________________________
 (1) تهذيب الأسماء و اللغات للنووي: الجزء الثاني من القسم الثاني ص 64.
 (2) سنن الترمذي: ج 3 ص 162 ح 797.
 (3) النهاية لابن الأثير: ج 3 ص 390.
 (4) سورة الزمر: الآية 9.

158
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

وَ شَرَّ مَصائدِ الشّيطانِ.
و المصائب نابه ينوبه نوبا: إذا نزل به، و إضافة النوائب إلى الزمان يحتمل أن تكون بمعنى في نحو: مَكْرُ اللَّيْلِ «1» و تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ «2» أي: النوائب الواقعة في الزمان أي: في زماننا، و إلاّ فكلّ نائبة لا بدّ لها من زمان تقع فيه. و الأظهر أنّها بمعنى اللام أي: النوائب التي للزمان.
قال بعض العلماء: إنّ نسبة الشرّ إلى بعض الأزمنة كالخير إلى بعض آخر نسبة صحيحة لما أنّ الزمان من الأسباب المعدّة لحصول ما يحصل في هذا العالم من الامتزاجات و ما يتبعها ممّا يعدّ خيرا أو شرّا. و اللّه أعلم*.
الشر: السوء و الفساد.
و المصايد بغير همز: جمع مصيدة بكسر الميم و سكون الصاد و فتح الياء، أو مصيد بحذف الهاء، و هي آلة الصيد، و إنّما لم تهمز لأنّ الياء فيها أصليّة كما تقدّم بيانه في ضابط هذا الجمع في شرح السند عند ذكر الخزائن. و وقع في بعض نسخ الصحيفة همزها، فإن صحّ فهو على لغة من همز معائش و منائر تشبيها للأصلي بالزائد.
و المراد ب «مصايد»: الشهوات و اللّذات الدنيويّة التي يغرّ الشيطان بها الخلق فيوقعهم بها في الهلاك، و استعار لها لفظ المصايد لمشابهتها إيّاها في استلزام الحصول فيها للبعد عن السلامة و الحصول في العذاب، و هي استعارة تبعيّة.
و يمكن أن يقال: إنّه شبّه الشيطان بالمصايد في احتياله و اغتياله و هي استعارة بالكناية ثمّ أثبت له المصايد التي لا يكمل الاحتيال و الاغتيال إلاّ بها تحقيقا للمبالغة في التشبيه و هي استعارة تخييليّة كقوله:
و إذا المنيّة أنشبت أظفارها و إضافة الشرّ إلى المصايد الشيطانيّة من باب إضافة النتيجة إلى المقدّمات.
__________________________________________________
 (1) سورة سبأ: الآية 33.
 (2) سورة البقرة: الآية 226.

159
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

وَ مَرارَةَ صَولَةِ السُّلطانِ.
اللّهُمَّ إِنّما يَكتَفي المُكتَفُونَ بِفَضْلِ قُوَّتِكَ، فَصَلِّ على مُحمّدٍ وَ آلِهِ وَ اكْفِنا.

و في مواعظ أبي عبد اللّه عليه السّلام لعبد اللّه بن جندب: «يا ابن جندب إنّ للشيطان مصائد يصطاد بها فتحاموا شباكه و مصائده، قلت: يا ابن رسول اللّه: و ما هي؟ قال: أمّا مصائده فصدّ عن برّ الإخوان، و أمّا شباكه فنوم عن قضاء الصلاة التي فرضها اللّه تعالى» «1» و الحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة*.
المرارة: اسم من مرّ الشي‏ء يمرّ من باب تعب و قتل ضدّ حلا، و هي حقيقة في الكيفيّة المخصوصة للأجسام استعارها عليه السّلام لما يوجد من التألّم بسبب صولة السلطان.
و الصولة: الحملة و الوثبة و السطوة و الاستطالة، يقال: صال الفحل يصول صولا: وثب، و صال على قرنه: سطا و استطال.
قال السرقسطي، و من العرب من يقول: «صؤل» مثل قرب بالهمزة للبعير، و «صال» بغير همز على قرنه «2».
و المراد بصولة السلطان: قهره و بأسه و سطوته، و السلطان هنا بمعنى الملك أي:
صاحب السلطنة و الولاية، و قد يطلق على الولاية نفسها، و يحتمل حمله هنا على هذا المعنى أيضا، و الأوّل أظهر*.
 [ 302] إنّما: للحصر أي: لا يكتفي المكتفون إلاّ بفضل قوّتك.
و الفضل: هنا بمعنى الزيادة، يقال: فضل فضلا من باب قتل أي: زاد.
و القوّة: تطلق على كمال القدرة و على شدّة الممانعة و الدفع و يقابلها الضعف.
و لمّا كان سبحانه مستند جميع الموجودات و المفيض على كلّ قابل ما يستعدّ له‏
__________________________________________________
 (1) تحف العقول: ص 222 و فيه «قضاء الصلوات».
 (2) المصباح المنير: ص 481 مع اختلاف يسير.

160
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

وَ إِنّما يُعطِي المُعطُونَ مِن فَضْلِ جِدَتِكَ، فَصَلِّ على مُحمّدٍ وَ آلِهِ وَ اعْطِنا.
و يستحقّه كان هو المعطي لكلّ مكتف كماله و قوّته، فصحّ أنّ كلّ مكتف إنّما يكتفي بسبب قوّته الزائدة على كلّ قوّة بالمعنيين المذكورين لها.
و روي أنّ الحسن قال: وا عجبا لنبيّ اللّه لوط إذ قال: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ «1» أ تراه أراد ركنا أشدّ من اللّه تعالى «2»* [ 303] المعطون: جمع معطي: اسم فاعل من أعطى يعطي إعطاء و الأصل: المعطيّون بكسر الطاء و ضمّ الياء، حذفت ضمّة الياء للاستثقال ثمّ حذفت الياء لالتقاء الساكنين، و حذفت الكسرة التي كانت قبل الياء لئلا يلزم قلب الواو ياء لوقوعها ساكنة أثر كسرة، ثمّ عوّض من الكسرة الضمّة لمناسبة الواو. و إن شئت قلت:
استثقلت الضمّة على الياء فنفلت منها إلى ما قبلها بعد سلب حركة ما قبلها ثمّ حذفت الياء لالتقاء الساكنين، و قس على ذلك كلّ اسم منقوص يجمع جمع المذكّر السالم.
و الجدة: بكسر الجيم و فتح الدال المهماة مخفّفة كهبة الغني.
قال ابن الأثير: «في أسمائه تعالى الواجد هو الغنيّ الذي لا يفتقر، و قد وجد يجد جدة: أي استغنى غنّى لا فقر بعده» «3» انته.
و أصلها: وجد بالواو حذفت الواو و عوّض منها الهاء كما في عدة و هية. صلة.
و إنّما حصر إعطاء المعطين في كونه فضل جدته لما علمت أنّه تعالى مستند جميع الموجودات، و كلّ ممكن فهو مفتقر في طرفيه، منته في سلسلة الحاجة إليه، فكلّ معط غيره مجاز لا حقيقة*.
__________________________________________________
 (1) سورة هود: الآية 80.
 (2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 7 ص 195.
 (3) النهاية لابن الأثير: ج 5 ص 155.

161
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

وَ إِنّما يَهتَدي المُهتَدونَ بِنورِ وَجْهِكَ، فَصَلِّ على مُحمّدٍ وَ آلِهِ وَ اهْدِنَا.
اللّهُمَّ إِنّكَ مَن وَالَيْتَ لَم يَضْرُرْهُ خِذْلانُ الخاذِلينَ.

 [ 304] النور: هو ما تنكشف به الأشياء، و يظهر وجودها عند الحسّ، و هو إمّا جسم كما ذهب إليه جماعة من المحقّقين، أو عرض كما قيل. و على التقديرين فليس هو المراد هنا، بل المراد: إمّا الهداية أو العلم على سبيل الاستعارة و تشبيه المحسوس بالمعقول لجامع عقلي و هو الإيصال إلى المطلوب.
و في كلام أمير المؤمنين عليه السّلام: «و مضيت بنور اللّه حين وقفوا» قال شارحوا كلامه أي: كان سلوكي لسبيل الحقّ على وفق العلم و هو نور اللّه الذي لا يضلّ من اهتدى به انته «1».
و الوجه: بمعنى الذات. و المعنى: لا يهتدي المهتدون إلاّ بهدايتك أو بعلمك كما قاله سبحانه: قُلْ إِنَّ الْهُدى‏ هُدَى اللَّهِ «2» و قال سبحانه: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي «3».
و في الحديث القدسي: «يا عبادي كلّكم ضالّ إلاّ من هديته، فاستهدوني أهدكم» «4»*.
 [ 305] والاه ولاء و موالاة: نصره. قال الفيّومي في المصباح: الولاء: النصرة لكن خصّ في الشرع بولاء العتق. و يقال: والاه أيضا بمعنى تابعه «5».
و قال الفارابي في ديوان الأدب: «و الموالاة نقيض المعادات» «6».
و الخذلان بالكسر: اسم من خذله يخذله من باب قتل أي: ترك نصره و إعانته و تأخّر عنه، و مفعول «واليت» محذوف أي: واليته، و حذف المفعول يكثر عائدا على‏
__________________________________________________
 (1) شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني: ج 2 ص 94.
 (2) سورة آل عمران: الآية 73.
 (3) سورة الأعراف: الآية 178.
 (4) سنن ابن ماجة: ج 2 ص 1422 ح 4257 مع اختلاف يسير في العبارة.
 (5) المصباح المنير: ج 2 ص 927.
 (6) ديوان الأدب للفارابي: ج 3 ص 279.

162
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

وَ مَن أعْطَيْتَ لَم يَنْقُصْهُ مَنْعُ المانِعِينَ.
وَ مَن هَدَيْتَ لَم يُغْوِهِ إِضْلالُ المُضِلِّينَ.

الموصول نحو: وَ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ «1» أي: يهده. و نحو: أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا «2» أي: بعثه.
و المعنى: إنّ من تنصره لا يبال بمن تأخّر عنه و ترك نصره و لم يعنه، و هذا يستلزم تمام قدرة اللّه جلّ شأنه و كمال سلطانه تعالى لأنّ أمره و قضاءه واقع لا محالة إذ كان ما علم وجوده فلا بدّ من وجوده سواء كان مكروها للخلق أو محبوبا لهم كما قال اللّه تعالى: وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ «3» وَ إِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَ إِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ «4»*.
أي: من أعطيته كما مرّ.
و نقص: يأتي لازما و متعدّيا فيقال: نقص الشي‏ء من باب قتل نقصا و نقصانا بالضمّ أي: ذهب منه شي‏ء بعد تمامه، و نقصه أي: أذهبت منه شيئا، هذه اللغة الفصيحة و بها جاء القرآن في قوله تعالى: نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها «5». و في لغة ضعيفة يتعدّى بالهمزة و التضعيف و لم يأت في كلام فصيح. و يتعدّى أيضا إلى مفعولين فيقال: نقّصت زيدا حقّه.
و منعه يمنعه بفتح النونين منعا: ضدّ أعطاه. و المعنى: إنّ من جدت عليه و أنلته فضلك لم ينقص من حظّه حرمان غيرك له إذ لا مانع لما أعطيت و لا معطي لما منعت*.
 [ 306] غوى يغوي غيّا من باب ضرب، و أغواه: غيّره. و الاسم: الغواية بالفتح أي:
من هديته لم يضلّه مضلّ يصرفه عن مقصده، أو يصيبه بسوء يخلّ بسلوكه إذ لا رادّ.
__________________________________________________
 (1) سورة الزمر: الآية 37.
 (2) سورة الفرقان: الآية 41.
 (3) سورة التوبة: الآية 32.
 (4) سورة الأنعام: الآية 17.
 (5) سورة الرعد: الآية 41، و سورة الأنبياء: الآية 44.

163
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

فَصَلِّ على مُحمّدٍ وَ آلِهِ وَ امْنَعْنا بِعزِّكَ مِن عِبادِكَ.
وَ أغْنِنا عَنْ غَيْرِكَ بإرْفادِكَ.

لفضله و لا معارض لإرادته سبحانه كما قال تعالى: وَ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَ لَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ «1»، أي: أ ليس هو بغالب لا يغالب، منيع لا يمانع و لا ينازع*.
 [ 307] «الفاء»: فصيحة، أي: إذا ثبت إنّك من واليت لم يضرره خذلان الخاذلين، و هذا الوصف يقتضي إنّك لعزّك تمنع من تشاء من كلّ أحد، و لا يمنع منك أحد، فامنعنا بعزّك من عبادك. و المنع و إن كان في الأصل تحجير الشي‏ء إلاّ أنّه يستعمل بمعنى الحماية.
قال الزمخشريّ في الأساس: «و من المجاز فلان يمنع الجار: يحمينه من أن يضام» «2».
و العزّ و العزّة: الامتناع و الشدّة و الغلبة، و رجل عزيز: منيع لا يغلب و لا يقهر.
أي: احمنا بغلبتك و شدّتك من عبادك الذين يريدون بنا سوءا.
و الباء في «بعزّك»: للسببيّة، و يحتمل أن تكون للاستعانة.
و أغرب من قال إنّ المعنى: امنعنا بإفاضة عزّ منك نستغني به عن الالتجاء بعبادك*.
الإرفاد: الإعطاء و الإعانة، يقال: أرفده و رفده كضربه بالهمزة و بدونها بمعنى.
قال الجوهري: الرّفد بالكسر: العطاء و الصّلة، و الرّفد بالفتح: المصدر، تقول:
رفدته أرفده أي: أعطيته، و كذلك إذا أعنته. و الإرفاد: الإعطاء و الإعانة «3» انته.
و قال الزمخشريّ في الأساس: رفد فلانا و أرفده: أعانه بعطاء أو قول أو غير ذلك «4».
__________________________________________________
 (1) سورة الزمر: الآية 37.
 (2) أساس البلاغة: ص 605.
 (3) الصحاح للجوهري: ج 2 ص 475.
 (4) أساس البلاغة: ص 240.

164
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

وَ اسْلُكْ بِنا سَبيلَ الحَقِّ بِإرْشادِكَ.
و هذه الفقرة مرتبة على قوله عليه السّلام: «و من أعطيت لم ينقصه منع المانعين» «1» أي: إذا كان الأمر هكذا فأغننا عن غيرك بإعطائك لأنّها معطوفة على مدخول الفاء الفصيحة.
و ممّا يناسب إيراده هنا من الحكايات ما حكي عن بعضهم قال: كنت جالسا في جماعة، فوقف علينا سائل و سأل شيئا، فلم يعطه أحد شيئا، فبكى ذلك الرجل بكاء شديدا، فرقّ له قلبي فقلت له: تعالى حتى أعطيك شيئا. فقال: إنّي لم أبك لما توهّمت و لكنّي تذكّرت ذلّ من يفتقر إلى رحمة اللّه كيف يكون حاله! فلمّا كان بعد أيّام إذا نحن بإنسان عليه ثياب حسنة فوقف علينا و قال: أ تعرفوني؟
فقلنا: و لا ننكرك فمن أنت؟ قال: أنّا السائل الذي رددتموه ذلك اليوم رجعت بمسألتي إلى ربّي فوهب لي أنعاما و أغناني عن غيره*.
سلكت الطريق سلوكا، من باب قعد: ذهبت فيه، يتعدّى بنفسه، و بالباء أيضا، و هو الأكثر استعمالا، فيقال: سلكت زيدا الطريق، و سلكت به الطريق.
و السبيل: الطريق، يذكّر و يؤنّث.
و الإرشاد: خلاف الإضلال، و منه الحديث: «و إرشاد الضالّ» «2» أي:
هدايته الطريق و تعريفه.
و هذه الفقرة مرتّبة على قوله عليه السّلام: «و من هديت لم يغوه إضلال المضلّين» «3» أي: إذا كان من شأنك ذلك فاجعلنا ممّن يسلك طريق الحقّ بهدايتك و تعريفك.
و المراد ب «سبيل الحقّ»: الطريق الموصلة إليه تعالى، و هي التي تطابقت على‏
__________________________________________________
 (1) كما تقدم في هذه الروضة قبل صفحتين.
 (2) النهاية لابن الأثير: ج 2 ص 225.
 (3) كما تقدم في هذا الدعاء: ص 163.

165
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحمّدٍ وَ آلِهِ وَ اجْعَلْ سَلامَةَ قُلوبِنا في ذِكْرِ عَظَمَتِكَ.
الهداية إليها ألسنة الرسل و الأنبياء*.
 [ 308] السلامة: الخلوص من الآفات، و المراد بسلامة القلوب: سلامتها من الأمراض الروحانيّة كالجهل و سائر الأخلاق الذميمة، و يندرج في سلامة القلب سلامة سائر الجوارح لأنّه رئيسها.
و «في»: إمّا للظرفيّة المجازيّة كقوله تعالى: وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ «1» و إنّما سأل أن يجعل سلامة قلوبهم في ذكر عظمته فيكون ذكر عظمته ظرفا لها، لأنّ المظروف إذا احتواه الظرف لا يصيبه ما يفرّقه، و لا هو بنفسه يتفرّق، و يتلاشى خصوصا إذا كان الظرف حصينا منيعا، فيكون ذكر عظمته حينئذ حاميا لسلامة القلوب من الآفات التي تتطرق إليها. أو يكون المعنى إذا سلّمت قلوبنا من الآفات فاجعل سلامتها في ذكر عظمتك لا في غيره لتتوفّر على ذكرها و الاشتغال به دون غيره.
أو للسببيّة كقوله تعالى: لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ «2». و في الحديث: «إنّ امرأة دخلت النار في هرّة» «3» أي: اجعل سلامة في قلوبنا متسبّبة عن ذكر عظمتك بحيث كلّما ذكرت عظمتك سلمت من كلّ آفة، حتى يكون ذكر عظمتك حجّة لها لا عليها.
و الذكر باللسان و القلب، يكسر و يضمّ، يقال: ذكرته بلساني و بقلبي، ذكري بالتأنيث و كسر الذال، و الاسم: الذكر بالضمّ و الكسر، نصّ عليه جماعة منهم أبو عبيدة و ابن قتيبة. و أنكر الفراء الكسر في القلب و قال: اجعلني على ذكر منك، بالضمّ لا غير، و لهذا اقتصر عليه جماعة «4».
__________________________________________________
 (1) سورة البقرة: الآية 179.
 (2) سورة النور: الآية 14.
 (3) سنن ابن ماجة: ج 2 ص 1421 ح 4256 مع اختلاف يسير في العبارة.
 (4) المصباح المنير: ص 284.

166
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء الخامس ص 141

.......... و الصحيح ما ذكرناه أولا، و كفاه شاهدا وروده في كلام سيّد العابدين عليه السلام، فإنّ نسخ الصحيفة متطابقة على ضبطه بالكسر هنا، و اللّه أعلم.
و قد تقدم بيان معنى عظمته سبحانه فليرجع إليه.
تنبيه‏
القلب: في اللغة صرف الشي‏ء إلى عكسه، و منه القلب، سمّي به لكثرة تقلّبه. قال الشاعر:
  قد سمّي القلب قلبا من تقلّبه             فاحذر على القلب من قلب و تحويل‏
 و له ظاهر: و هو المضغة الصنوبريّة المودعة في التجويف الأيسر من الصدر، و هو محلّ اللطيفة الإنسانيّة، و لذا ينسب إليه الصلاح و الفساد.
و باطن: و هو اللطيفة الربّانيّة النورانيّة العالمة التي هي مهبط الأنوار الإلهيّة و بها يكون الإنسان إنسانا، و بها يستعدّ لامتثال الأحكام، و بها صلاح البدن و فساده، و يعبّر عنها بالنفس الناطقة وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها* فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها «1»، و بالروح قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي «2».
و لذا كانت معرفته كما هي متعذّرة، و الإشارة إلى حقيقته على أرباب الحقائق متعسّرة، و هو مقرّ الإيمان أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ «3»، كما أنّ الصدر محلّ الإسلام أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ «4»، و الفؤاد مقرّ المشاهدة ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى‏ «5»، و اللبّ مقام التوحيد إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ «6» أي:
__________________________________________________
 (1) سورة الشمس: الآية 8.
 (2) سورة الإسراء: الآية 85.
 (3) سورة المجادلة: الآية 22.
 (4) سورة الزمر: الآية 22.
 (5) سورة النجم: الآية 11.
 (6) سورة الرعد: الآية 19.

167
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 167

وَ فَراغَ أبْدانِنا في شُكرِ نِعمَتِكَ. وَ انْطِلاقَ ألْسِنَتِنا في وَصْفِ مِنَّتِكَ.
الذين خرجوا من قشر الوجود المجازي و بقوا بلبّ الوجود الحقيقي، فافهم فإنّه من نفائس الرموز و بدائع الكنوز.
تتمّة
قال بعض العارفين: القلوب هدف سهام القهر و اللطف و هي متقلّبة «1» في قبضة خالقها، فإذا وقعت في بحار النكرات مالت من تأثير القهريّات إلى عالم الشهوات و أفاضت على الجوارح مباشرة الآثام، و إذا وقعت في بحار المعارف مالت ببعث المحبّة و الشوق إلى مشاهدة اللّه فاستنارت بنورها فنوّرت العقل و الحسّ و الروح و الصورة، و يتولّد من حسن جوارحها خشوع الصورة و صلاح الجوارح في خدمته*.
الفراغ: اسم من فرغ من الشغل فروغا من باب قعد: إذا تخلّى منه، أي:
و اجعل فراغ أبداننا إذا تخلّت عن كلّ ما يشغلها مصروفا في شكر نعمتك لا في غيره.
و الشكر: يحتمل أن يكون المراد به هنا اللغوي، و هو الوصف بالجميل على جهة التعظيم و التبجيل من اللسان و الجنان و الأركان، و يحتمل أن يراد به العرفي، و هو صرف العبد جميع ما أنعم اللّه عليه من السمع و البصر و غيرهما إلى ما خلق اللّه لأجله.
و بين الشكرين عموم و خصوص مطلق، و ذكر الأبدان يرجّح إرادة الثاني، و اللّه أعلم*.
يقال: رجل طلق اللسان و طلقه و طليقه أي: ماضي القول سريع النطق،
__________________________________________________
 (1) في «ألف»: متعلّقة.

168
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تتمة ص 168

اللّهُمَّ صَلِّ على مُحمّدٍ وَ آلِهِ وَ اجْعَلْنا مِن دُعاتِكَ الدّاعِينَ إِلَيْكَ.
كذا في النهاية «1».
و في المصباح: «طلق لسانه» بالضمّ طلوقا و طلوقة فهو طلق اللسان و طليقه أي:
فصيح عذب المنطق «2».
و في الأساس: رجل منطلق اللسان و طلقه و طليقه «3» انته.
و الحاصل: أنّه متى وصف اللسان بالانطلاق فالمراد: جريانه و إمضاؤه و ذلاقته بحيث لا يعترضه لكنة، و لا تقف به حبسة عند الكلام و بسط المقال، و هو من لوازم الفصاحة.
و وصفته وصفا: من باب وعد: نعتّه بما فيه. و الوصف و الصفة مترادفان عند أهل اللغة، و الهاء عوض من الواو كالوعد و العدة.
و عند بعض المتكلّمين: الوصف هو الكلام الواصف، و الصفة هي المعنى القائم بالموصوف.
قال بعضهم: و التحرير أنّ الوصف لغة كما ذكر في الموصوف من الصفة، و الصفة هي ما فيه، و لا ينكر أنّه يطلق الوصف و يراد الصفة، و بهذا لا يلزم الاتّحاد لغة، إذ لا شكّ في أنّ الوصف مصدر، و صفة إذا ذكر ما فيه. انته، فتأمّل.
و المنّة: النعمة الثقيلة، منّ عليه: أثقله بالنعمة، و منه لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ «4».
و المعنى: اجعل جريان ألسنتنا و ذلاقة منطقنا مصروفة في ذكر ما في نعمتك الجليلة من الصفات الجميلة. و اللّه أعلم*.
 [ 309] الدعاة بالضمّ: جمع داع، من دعاه يدعوه بمعنى: ناداه و طلب إقباله، و أصله:
__________________________________________________
 (1) النهاية لابن الأثير: ج 3، ص 134.
 (2) المصباح المنير: ج 2، ص 515.
 (3) أساس البلاغة: ص 394.
 (4) سورة آل عمران: الآية 164.

169
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تتمة ص 168

وَ هُداتِكَ الدّالِّينَ عَلَيكَ.

دعوة بضمّ أوّله و فتح ثانيه، قلبت الواو ألفا لتحرّكها و انفتاح ما قبلها.

و قيل: أصله فعلة بفتح الفاء، و أنّ الفتحة حوّلت ضمّة للفرق بين معتلّ اللام و صحيحها، و هذا الجمع مطّرد في وصف العاقل على زنة فاعل معتلّ اللام كهاد و قاض و غاز.

و الداعين: جمع داع أيضا بالمعنى المذكور إلاّ أنّ الأوّل جمع تكسير و هذا جمع سلامة، و قد سبق إعلال نظيره فليقس عليه.

و وصف دعاته بالدّاعين إليه:

إمّا للتخصيص إن أراد بالدعاة طالبي إحسانه من دعا اللّه: إذا طلبه و ابتهل إليه بالسؤال.

أو للتوضيح إن أراد بهم معنى الداعين إليه فوصفهم بذلك لرفع احتمال إرادة المعنى الأوّل.

و المعنى: اجعلنا من المبتهلين إليك بالسؤال، الطالبين إقبال الناس إلى طاعتك و عبادتك، و اجعلنا من طالبي إقبال الخلق إلى جنابك.

و إضافة الدعاة إلى كاف الخطاب على المعنى الأوّل من إضافة الفاعل إلى المفعول فهي لفظيّة، و على الثاني معنويّة كغلام زيد*.

[ 310] وصف الهداة بالدالّين عليه: إمّا للتخصيص أو للتوضيح أيضا كما مرّ آنفا.

و على الأوّل فالمعنى: و اجعلنا من الهداة المنسوبين إليك الدّالين على طاعتك.

و على الثاني: اجعلنا من الهداة إليك الدالّين على سبيلك. و الإضافة على الوجهين معنويّة.

و الفرق بين المعنيين: أنّ الهداة على الأوّل أعمّ منه على الثاني.

و يحتمل أن يكون «الهداة» جمع هاد من هدى بمعنى اهتدى.

170
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تتمة ص 168

وَ مِن خاصَّتِكَ الخاصِّينَ لَدَيكَ. يا أرْحَمَ الرّاحِمينَ.
قال الجوهري: هدى و اهتدى بمعنى «1».
و قرأ حمزة و الكسائي: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ بفتح الياء و سكون الهاء و كسر الدال من يهدي الأوّل، و الثاني لازم بمعنى يهتدي «2».
و على هذا فالمعنى و اجعلنا من المهتدين المنسوبين إليك الهادين غيرهم إلى سبيلك، فيكون الوصف للتخصيص على هذا المعنى أيضا*.
الخاصّة: خلاف العامّة، من خصّ الشي‏ء يخصّ من باب قعد، خلاف عمّ فهو خاص، و الهاء فيها للتأكيد.
و عن الكسائي: «الخاصّ و الخاصّة» واحد «3».
و في الأساس للزمخشريّ: له بي خصوص و خصوصيّة و هذا خاصّتي و هم خاصّتي «4».
و المراد بخاصّته تعالى: أولياؤه المخلصون له في المحبّة «5» و الطاعة، الّذين لهم به خصوصيّة دون غيرهم لاختصاصه إيّاهم لنفسه. و وصفهم بقوله: «الخاصّين لديك» للتخصيص أو الإيضاح أو المدح لما فيه من الإشارة إلى الاعتناء بهم إذ المراد عنديّة الشرف و الرتبة*.
ختم الدعاء عليه السّلام بهذا النداء توقّعا لحصول المطلب و استعطافا بوصفه «6» الدالّ على أنّه الجواد المطلق الذي لا يرحم لمنفعة تعود إليه و لا لمضرّة يدفعها عنه، و كلّ رحيم سواه فرحمته لغرض من الأغراض: إمّا ثناء دنيويّا، أو ثوابا اخرويّا، أو للرقّة الناشئة من الجنسيّة أو نحو ذلك، على أنّ تلك الرحمة أيضا تتوقّف على داعية
__________________________________________________
 (1) الصحاح للجوهري: ج 6 ص 2533.
 (2) الجامع لأحكام القرآن: ج 8 ص 342.
 (3) المصباح المنير: ص 234.
 (4) أساس البلاغة: ص 164.
 (5) في «ألف»: الحب.
 (6) في «ألف»: بوضعه.

171
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تتمة ص 168

.......... يخلقها اللّه تعالى فيه. و الآفات و الآلام الّتي تراها في هذا العالم لا تنافي رحمته سبحانه لأنّ كلّها مستتبعة لمصالح و غايات لا يعلمها إلاّ هو، و أنّها ضروريّة في الوجود لاشتمالها على خيرات أكثر من الشرور.
ثمّ إطلاق الراحم عليه تعالى و على غيره إنّما هو من باب الاشتراك اللفظي دون المعنى، إذ لا شركة بينه و بين غيره في المعنى أصلا، فإنّ رحمته تعالى تناسب ذاته المقدّسة «1»، أو هي عبارة عن إحسانه و لطفه بعباده. و رحمة غيره رقّة و انعطاف يقتضي الشفقة و اللطف بالخلق. و هو سبحانه منزّه عن هذا المعنى، و قد سبق بيان ذلك في الروضة الأولى «2» فلا وجه لإعادته.
و ممّا يناسب إيراده هنا ما رواه أصحاب السير أنّه اوقف صبيّ في بعض الغزوات ينادى عليه بمن يزيد في يوم صائف شديد الحر، فبصرت به امرأة و هو ينادى عليه، فعدت مسرعة إليه و أخذته و ألصقته إلى بطنها، ثمّ ألقت ظهرها على البطحاء و أجلسته على بطنها تقيه الحرّ و تقول: ابني ابني، فبكى الناس و تركوا ما هم فيه. فأقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حتّى وقف «3» عليهم فأخبروه فقال:
أعجبتم من رحمة هذه ابنها، إنّ اللّه أرحم بكم جميعا من هذه بابنها. فتفرّق المسلمون و هم فرحون مستبشرون «4».
اللّهمّ إنّا نسألك يا أرحم الراحمين برحمتك الّتي وسعت العالمين أن ترحمنا رحمة تغنينا بها عن رحمة من سواك، و أن تجعلنا ممّن وسعه رحمتك و رضاك، إنّك أجود مسئول و أكرم مأمول. [] قال مؤلّفه عفا اللّه عنه: وفّق اللّه لإتمام هذه الروضة صبح يوم الجمعة الأغرّ لستّ بقين من شوّال المبارك أحد شهور سنة سبع و تسعين، و الحمد للّه ربّ العالمين.
__________________________________________________
 (1) في «ألف»: القدسيّة.
 (2) ج 1 ص 378.
 (3) في «ألف»: وقعت.
 (4) المحجّة البيضاء: ج 8 ص 389.

172
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

الروضة السادسة ص 173

الروضة السادسة

173
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

و كان من دعائه عليه السلام عند الصباح و المساء ص 175

و كان من دعائه عليه السّلام عند الصّباح و المساء
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذى‏ خَلَقَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ بِقُوَّتِهِ وَ مَيَّزَ بَيْنَهُما بِقُدْرَتِهِ وَ جَعَلَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُما حَدًّا مَحْدُودًا وَ امَدًا مَمْدُودًا يُولِجُ كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما في‏ صَاحِبِهِ وَ يُولِجُ صاحِبَهُ فيهِ بِتَقْديرٍ مِنْهُ لِلْعِبادِ فيما يَغْذُوهُمْ بِهِ وَ يُنْشِئُهُمْ عَلَيْهِ فَخَلَقَ لَهُمْ اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فيهِ مِنْ حَرَكاتِ التَّعَبِ وَ نَهَضاتِ النَّصَبِ وَ جَعَلَهُ لِباساً لِيَلْبَسُوا مِنْ راحَتِهِ وَ مَنامِهِ فَيَكُونَ ذلِكَ لَهُمْ جَماماً وَ قُوَّةً وَ لِيَنالُوا بِهِ لَذَّةً وَ شَهْوَةً وَ خَلَقَ لَهُمُ النَّهارَ مُبْصِراً لِيَبْتَغُوا فيهِ مِنْ فَضْلِهِ وَ لِيَتَسَبَّبُوا الى‏ رِزْقِهِ وَ يَسْرَحُوا في‏ أَرْضِهِ طَلَبًا لِما فيهِ نَيْلُ الْعاجِلِ مِنْ دُنْياهُمْ وَ دَرَكُ الأجِلِ في‏ اخْريهُمْ بِكُلِّ ذلِكَ يُصْلِحُ شَاْنَهُمْ وَ يَبْلُو اخْبارَهُمْ وَ يَنْظُرُ كَيْفَ هُمْ في‏ أَوْقاتِ طاعَتِهِ وَ مَنازِلِ فُرُوضِهِ وَ مَواقِعِ احْكامِهِ لِيَجْزِىَ الَّذينَ أَساءوا بِما عَمِلُوا او يَجْزِىَ الَّذينَ احْسَنُوا بِالْحُسْنى‏ اللَّهُمَّ فَلَكَ الْحَمْدُ عَلى‏ ما فَلَقْتَ لَنا مِنَ الْإصباحِ وَ مَتَّعْتنا بِهِ مِنْ ضَوْءِ النَّهارِ وَ بَصَّرْتَنا مِنْ مَطالِبِ الْأَقْواتِ وَ وَقَيْتَنا فيهِ مِنْ طَوارِقِ الْافاتِ اصْبَحْنا وَ اصْبَحَتِ ..........

175
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

و كان من دعائه عليه السلام عند الصباح و المساء ص 175

الْأَشْياءُ كُلُّها بِجُمْلَتِها لَكَ سَماؤُها وَ ارْضُها وَ ما بَثَثْتَ في‏ كُلِّ واحِدٍ مِنْهُما ساكِنُهُ وَ مُتَحَرِّكُهُ وَ مُقيمُهُ وَ شاخِصُهُ وَ ما عَلا في الْهَواءِ وَ ما كَنَّ تَحْتَ الثَّرى‏ اصْبَحْنا في قَبْضَتِكَ يَحْوينا مُلْكُكَ وَ سُلْطانُكَ وَ تَضُمُّنا مَشِيَّتُكَ وَ نَتَصَرَّفُ عَنْ امْرِكَ وَ نَتَقَلَّبُ في‏ تَدْبيرِكَ لَيْسَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ الاَّ ما قَضَيْتَ وَ لا مِنَ الْخَيْرِ الاَّ ما اعْطَيْتَ وَ هذا يَوْمٌ حادِثٌ جَديدٌ وَ هُوَ عَلَيْنا شاهِدٌ عَتيدٌ إنْ احْسَنَّا وَدَّعَنا بِحَمْدٍ وَ انْ اسَاْنا فارَقَنا بِذَمٍّ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ ارْزُقْنا حُسْنُ مُصَاحَبَتِهِ وَ اعْصِمْنا مِنْ سُوءِ مُفارَقَتِهِ بِارْتِكابِ جَريرَةٍ اوِ اقْتِرافِ صَغيرَةٍ اوْ كَبيرَةٍ وَ اجْزِلْ لَنا فيهِ مِنَ الْحَسَناتِ وَ اخْلِنا فيهِ مِنَ السَّيِئاتِ وَ امْلَأْ لَنا ما بَيْنَ طَرَفَيْهِ حَمْدًا وَ شُكْرًا وَ اجْرًا وَ ذُخْرًا وَ فَضْلاً وَ احْساناً اللَّهُمَّ يَسِّرُ عَلَى الْكِرامِ الْكاتِبينَ مَؤُنَتَنا وَ امْلَأْ لَنا مِنْ حَسَناتِنا صَحائِفنا وَ لا تُخْزِنا عِنْدَهُمْ بِسوءِ اعْمالِنا اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَنا في‏ كُلِّ ساعَةٍ مِنْ ساعاتِهِ حَظًّا مِنْ عِبادِكَ وَ نَصيباً مِنْ شُكْرِكَ وَ شاهِدَ صِدْقٍ مِنْ مَلائِكَتِكَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ احْفَظْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِينا وَ مِنْ خَلْفِنا وَ عَنْ ايْمانِنا وَ عَنْ .........

176
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

و كان من دعائه عليه السلام عند الصباح و المساء ص 175

شَمائِلِنا وَ مِنْ جَميعِ نَواحينا حِفْظاً عاصِماً مِنْ مَعْصِيَتِكَ هادِياً إِلى‏ طاعَتِكَ مُسْتَعْمِلاً لِمَحَبَّتِكَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ وَفِّقْنا في‏ يَوْمِنا هذا وَ لَيْلَتِنا هذِهِ وَ في‏ جَميعِ ايَّامِنا لاسْتعْمالِ الْخَيْرِ وَ هِجْرانِ الشَّرِّ وَ شُكْرِ النِّعَمِ وَ اتِّباعِ السُّنَنِ وَ مُجانَبَةِ الْبِدَعِ وَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوْفِ وَ النَّهْىِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ حِياطَةِ الْاسْلامِ وَ انْتِقاصِ الْباطِلِ وَ إِذْلالِهِ وَ نُصْرَةِ الْحَقِّ وَ اعْزازِهِ وَ ارْشادِ الضّالِّ وَ مُعاوَنَةَ الضَّعيفِ وَ ادْراكِ اللّهيفِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ اجْعَلْهُ ايْمَنَ يَوْمٍ عَهِدْناهُ وَ افْضَلَ صاحِبٍ صَحِبْناهُ وَ خَيْرَ وَقْتٍ ظَلِلْنا فيهِ وَ اجْعَلْنا مِنْ ارْضى‏ مَنْ مَرَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وَ النَّهارُ مِنْ جُمْلَةِ خَلْقِكَ اشْكَرَهُمْ لِما اوْلَيْتَ مِنْ نِعَمِكَ وَ اقْوَمَهُمْ بِما شَرَعْتَ مِنْ شَرائِعِكَ وَ اوْقَفَهُمْ عَمَّا حَذَّرْتَ مِنْ نَهْيِكَ اللَّهُمَّ انّى‏ اشْهِدُكَ وَ كَفى‏ بِكَ شَهيداً وَ اشْهِدُ سَماءَكَ وَ ارْضَكَ وَ مَنْ اسْكَنْتَهُما مِنْ مَلائِكَتِكَ وَ سائِرِ خَلْقِكَ في‏ يَوْمى‏ هذا وَ ساعَتى‏ هذِهِ وَ لَيْلَتى‏ هذِهِ وَ مُسْتَقَرّى‏ هذا انّى‏ اشْهَدُ انَّكَ انْتَ اللَّهُ الّذَى‏ لا الهَ الاَّ انْتَ قائِمٌ بِالْقِسْطِ عَدْلٌ فِى الْحُكْمِ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ مالِكُ الْمُلْكِ رَحيمٌ بِالْخَلْقِ وَ انَ‏ ..........

177
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

و كان من دعائه عليه السلام عند الصباح و المساء ص 175

مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَ رَسُولُكَ وَ خِيَرَتُكَ مِنْ خَلْقِكَ حَمَّلْتَهُ رسِالَتَكَ فَادَّاها وَ امَرْتَهُ بِالنُّصْحِ لِأُمَّتِهِ فَنَصَحَ لَها اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ الِهِ اكْثَرَ ما صَلَّيْتَ عَلى‏ احَدٍ مِنْ خَلْقِكَ وَ اتِهِ عَنَّا افْضَلَ ما اتَيْتَ احَدًا مِنْ عِبادِكَ وَ اجْزِهِ عَنَّا افْضَلَ وَ اكْرَمَ ما جَزَيْتَ احَدًا مِنْ انْبِيائِكَ عَنْ امَّتِهِ انَّكَ انْتَ الْمَنَّانُ بِالْجَسيمِ الْغافِرُ لِلْعَظيمِ وَ انْتَ ارْحَمُ مِنْ كُلِّ رَحيمٍ فَصَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ الِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرينَ الْأَخْيارِ الْأَنْجَبينَ‏ ..........

178
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

و كان من دعائه عليه السلام عند الصباح و المساء ص 175

.......... [] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و به نستعين الحمد للّه فالق الإصباح و جاعل الليل سكنا، و سبحان اللّه حين تمسون و حين تصبحون سرّا و علنا، و الصلاة و السلام على نبيّه الذي شرّع بملّته فروضا و سننا، و على أهل بيته الذين نهج بولايتهم لسلوك الحقّ سننا.

و بعد: فهذه الروضة السادسة من رياض السالكين في شرح صحيفة سيّد العابدين، إملاء راجي فضل ربّه السنيّ علي صدر الدين الحسينيّ الحسنيّ، وفّقه اللّه لمراضيه و جعل مستقبله خيرا من ماضيه.

179
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء السادس ص 181

شرح الدعاء السادس‏
و كان من دعائه عليه السّلام عند الصباح و المساء.
الصباح: أوّل النهار إذا جاء ضياؤه و هو الفجر، و مثله الصبح، و قد يطلق على منتصف الليل إلى آخر الزوال.
و المساء. مجي‏ء ظلام الليل أيّ أوّله، و قد يطلق على منتصف النهار إلى آخر نصف الليل.
قال ابن الجواليقي: الصباح عند العرب من نصف الليل إلى آخر الزوال، ثمّ المساء إلى آخر نصف الليل الأوّل «1».
و قال ابن القوطية: المساء ما بين الظهر إلى المغرب «2». و المراد بهما هنا أوّل النهار و أوّل الليل، و بذلك فسّر قوله تعالى: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ «3» لأنّه لو فسّر بالمعنى الذي ذكره ابن الجواليقي عن العرب لكان قوله:
وَ عَشِيًّا داخلا في المساء، و قوله: حِينَ تُظْهِرُونَ داخلا في الصباح.
و قد روي عن ابن عبّاس: أنّ الآية جامعة للصلوات الخمس، تُمْسُونَ صلاة المغرب و العشاء، و تُصْبِحُونَ صلاة الفجر، وَ عَشِيًّا صلاة العصر،
__________________________________________________
 (1) مجمع البحرين: ج 2 ص 382.
 (2) المصباح المنير: ص 788.
 (3) سورة الروم: الآية 17.

181
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء السادس ص 181

الحَمْدُ لِلَّهِ الّذي خَلَقَ الّليلَ وَ النَّهارَ بِقُوّتِهِ.
و تُظْهِرُونَ صلاة الظهر «1».
ثمّ الذي يدلّ عليه متن هذا الدعاء، أنّه مختصّ بالصباح، لا به و بالمساء، كما وقع في عنوانه، و لذلك خصّصه شيخ الطائفة قدّس سرّه و غيره بالصباح «2»، و اللّه أعلم.
 [ 311] قال صلوات اللّه عليه:
الخلق: إحداث الشي‏ء من غير احتذاء على مثال، و لذلك لا يجوز إطلاقه إلاّ في صفات اللّه سبحانه، إذ لا أحد سواه تكون أفعاله. من غير احتذاء على مثال.
و الليل: هو الزمان الذي يقع ما بين غروب الشمس و طلوعها عند أهل اللغة، و ما بين غروبها و طلوع الفجر الصادق عند أهل الشرع.
و النهار: مأخوذ من النهر بمعنى السعة لاتّساع ضوئه، و هو من طلوع الشمس إلى غروبها عند أرباب اللغة.
قال النضر بن شميل: و لا يعدّ ما قبل طلوعها من النهار «3».
و في عرف الشرع من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، و هو حقيقة شرعية في ذلك.
و في الحديث: إنّما هو بياض النهار و سواد الليل «4».
و قال الفيّومي في المصباح المنير: النهار في اللغة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس «5»، و هو مرادف لليوم، و لا واسطة بين الليل و النهار، و ربما توسّعت‏
__________________________________________________
 (1) الدرّ المنثور: ج 5 ص 154 مع اختلاف يسير في العبارة.
 (2) المصباح المتهجّد للطوسي: ص 75. و مصباح الكفعمي: ص 84 و فيهما: «الصباح و المساء».
 (3) الجامع لأحكام القرآن: ج 2 ص 193.
 (4) المصباح المنير: ص 862.
 (5) المصباح المنير: ص 862.

182
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء السادس ص 181

.......... العرب فأطلقت النهار من وقت الإسفار إلى الغروب، و هو في عرف الناس من طلوع الشمس إلى غروبها، و إذا أطلق النهار في الفروع انصرف إلى اليوم، نحو:
صم نهارا و اعمل نهارا، لكن قالوا: إذا استأجره أن يعمل له نهار يوم الأحد مثلا فهل يحمل على الحقيقة اللغوية حتى يكون أوّله من طلوع الفجر؟ أو يحمل على العرف حتى يكون أوّله من طلوع الشمس لإشعار الإضافة به، لأنّ الشي‏ء لا يضاف إلى مرادفه؟ و الأوّل هو الراجح دليلا، لأنّ الشي‏ء قد يضاف إلى نفسه عند اختلاف اللفظين نحو: و لدار الآخرة و حقّ اليقين و ما أشبه ذلك، و نقل: فيه وجهان، و قياس هذا اطّراده في كلّ صورة يضاف فيها النهار إلى اليوم، كما لو حلف لا يأكل أو لا يسافر نهار يوم كذا «1» انته كلامه.
قالوا: و لا يثنّى النهار و لا يجمع، لأنّه بمنزلة المصدر يقع على القليل و الكثير، و ربّما جمع على نهر و أنهرة.
و قوّته سبحانه عبارة عن كمال قدرته، و لذلك قيل: القوّة و القدرة متقاربتان.
تنبيه‏
قيل: قدّم الليل على النهار في الذكر، لأنّ الليل مخلوق قبل النهار، لأنّ الظلمة هي الأصل و النور طار عليها يسترها.
__________________________________________________
 (1) المصباح المنير: ص 862 و فيه تقديم و تأخير.

183
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 183

.......... و استدلّ بعضهم بقوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما «1» أي كانتا مظلمتين فتقهما اللّه بإظهار النور فيهما، إذ لا يكون مع الرتق إلاّ الظلام، فهو سابق على النور.
و قال الجلال السيوطي: قد ثبت أن القيامة لا تقوم إلاّ نهارا، فدلّ على أنّ ليلة اليوم سابقة على نهاره، إذ كلّ يوم له ليلة، فكان الليل قبل النهار «2».
و الصحيح: أن النهار خلق قبل الليل، لما رواه العيّاشي في تفسيره بإسناده عن الأشعث بن حاتم، قال: كنت بخراسان حيث اجتمع الرضا عليه السلام و الفضل بن سهل، و المأمون في الإيوان بمرو، فوضعت المائدة، فقال الرضا عليه السلام: إنّ رجلا من بني إسرائيل سألني بالمدينة، النهار خلق قبل أم الليل فما عندكم؟ قال: فأداروا الكلام فلم يكن في ذلك شي‏ء، فقال الفضل للرضا عليه السلام: أخبرنا بها أصلحك اللّه، قال: نعم، من القرآن أم من الحساب؟
قال الفضل: من جهة الحساب، قال: قد علمت يا فضل أنّ طالع الدنيا السرطان، و الكواكب في مواضع شرفها: زحل في الميزان، و المشتري في السرطان، و الشمس في الحمل، و القمر في الثور، فذلك يدلّ على كينونة الشمس في الحمل في العاشر من الطالع في وسط السماء، فالنهار خلق قبل الليل «3» انته.
و على هذا: فالنكتة في تقديم الليل في الذكر إمّا لأنّ الشهور غررها الليالي، أو لأنّه وقت العبادة و الخلوة، فقدّم لشرفه.
و قال النيسابوري في تفسيره: قال أهل البرهان: قدّم الليل على النهار، لأنّ‏
__________________________________________________
 (1) سورة الأنبياء: الآية 30.
 (2) لم نعثر عليه.
 (3) مجمع البيان نقلا عن تفسير العيّاشي: ج 7- 8 ص 425.

184
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 183

وَ مَيّزَ بَيْنَهُما بِقدْرَتِه.
ذهاب الليل بطلوع الشمس أكثر فائدة من ذهاب النهار بدخول الليل «1».
 [ 312] ماز الشي‏ء من الشي‏ء: من باب باع، فرّق بينهما و فصّل، و التثقيل مبالغة، فيقال: ميّزه تمييزا، و ميّز بينهما، و منه سنّ التمييز و هي: السنّ التي إذا بلغ إليها الإنسان عرف مضارّه و منافعه، و ميّز بينهما.
و بين: ظرف مبهم لا يبيّن معناه إلاّ باضافته إلى متعدّد أو ما يقوم مقامه، كقوله تعالى: عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ «2» إشارة إلى ما ذكر من الفارض و البكر، و لذلك اختصّ بالإضافة إلى متعدّد.
قال الزنجاني: و هي بحسب ما تضاف إليه، فإن أضيفت إلى مكان كانت ظرف مكان، أو إلى زمان فظرف زمان «3».
و قيل: أصلها أن تكون ظرفا للزمان، و قيل بالعكس.
و معنى التمييز بينهما: جعل كلّ منهما منفصلا عن الآخر بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر، فجعل الليل مظلما و النهار مضيئا، حتّى انّ انشقاق ظلمة الليل بظهور الصبح المستطير، و هو أثر ضوء الصبح يرى كأنّه جدول ماء صاف يسيل في بحر كدر، بحيث لا يتكدّر الصافي بالكدر و لا يختلط الكدر بالصافي. و مساق الكلام يقتضي أن يكون لخلق الليل و النهار و التمييز بينهما إلى غير ذلك ممّا سيأتي مدخل في اقتضاء الحمد، لأنّ ترتيب الوصف على الحكم مشعر بالعلّيّة، كما تقرّر في الأصول، و هو كذلك، و وجهه ظاهر فإنّ خلق الليل و النهار و التمييز بينهما و تخصيص كلّ منهما بحدّ و أمد من المنح الجليلة، التي لا يحيط نطاق البيان بما فيها،
__________________________________________________
 (1) تفسير غرائب القرآن و رغائب الفرقان: ج 3 في ذيل آية 73 من سورة القصص.
 (2) سورة البقرة: الآية 68.
 (3) لم نعثر عليه.

185
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 183

وَ جَعَلَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُما حدّاً مَحْدُوداً وَ أمَداً مَمْدُوداً.
من المصالح و المنافع، و لذلك تمدّح سبحانه و امتنّ على عباده بذلك مكرّرا في كتابه الكريم، فقال عزّ من قائل: وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ «1».
و قال سبحانه: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ النَّهارَ مُبْصِراً، إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ «2». و قال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ «3». إلى غير ذلك من الآيات.
و قد تقدّم الكلام على معنى «قدرته تعالى» في أوائل شرح الدعاء الأوّل «4».
و قرن الخلق بالقوّة و التمييز بالقدرة لمناسبة ظاهرة، فإنّ إحداث الشي‏ء من غير احتذاء على مثال يستدعي كمال القدرة بخلاف التمييز.
 [ 313] حدّ كلّ شي‏ء: غايته و منتهاه، و منه: حدّدت الدار حدّا من باب قتل: إذا ذكرت نهايتها لتمييزها عن مجاوراتها.
و محدودا: أي مميّزا معيّنا لا اشتباه فيه.
و الأمد: يطلق على معنيين:
أحدهما: الغاية، و منه قوله تعالى: تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً «5».
الثاني: الوقت و الزمان كالمدّة، و منه قوله تعالى: فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ «6» أي: طال عليهم الزمان.
__________________________________________________
 (1) سورة القصص: الآية 73.
 (2) سورة غافر: الآية 61.
 (3) سورة آل عمران: الآية 190.
 (4) ج 1 ص 260.
 (5) سورة آل عمران: الآية 30.
 (6) سورة الحديد: الآية 16.

186
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 183

.......... و هذا المعنى هو المراد هنا، أي: جعل لكلّ واحد من الليل و النهار وقتا مبسوطا لمصالح العباد و منافعهم التي لا تحصى.
تبصرة
مجموع زمان الليل و النهار عند الجميع أربع و عشرون ساعة من غير زيادة و لا نقصان، و كلّ ما نقص من الليل زاد في النهار و بالعكس.
و أطول ما يكون من النهار يوم سابع. عشر حزيران عند حلول الشمس آخر الجوزاء، فيكون النهار حينئذ خمس عشرة ساعة، و الليل تسع ساعات، و هو أقصر ما يكون من الليل.
ثمّ يأخذ النهار في النقصان، و الليل في الزيادة إلى ثامن عشر ايلول، و هو عند حلول الشمس آخر السنبلة، فيستوي الليل و النهار، و يسمّى الاعتدال الحريفي، فيصير كلّ منهما اثنتي عشرة ساعة، ثمّ ينقص النهار و يزيد الليل إلى سابع عشر من كانون الأوّل عند حلول الشمس آخر القوس، فيصير الليل خمس عشرة ساعة، و النهار تسع ساعات، فيكون الليل في غاية الطول و النهار في غاية القصر، ثمّ يأخذ الليل في الزيادة و النهار في النقصان إلى سادس عشر آذار، عند حلول الشمس آخر الحوت، فيستوي الليل و النهار، و يصير كلّ واحد منهما اثنتي عشرة ساعة، و يسمّى الاعتدال الربيعي، ثمّ يستأنف الدور و يرجع إلى الأوّل، كما قال تعالى: وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ «1».
__________________________________________________
 (1) سورة يس: الآية 38.

187
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 187

يُولِجُ كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما في صاحِبِهِ وَ يُولِجُ صاحِبَه فيهِ.

تتمّة

كلّما ازداد البلد عرضا عن خطّ الاستواء، و هو الموضع المحاذي لمنطقة الفلك الأعظم المسمّاة معدّل النهار، ازداد نهاره في الصيف طولا و في الشتاء قصرا، و بالعكس في الليل.

و قد يرتقي طول النهار بحسب تزايد ارتفاع القطب إلى حيث يصير اليوم بليلته نهارا كلّه و بإزائه الليل، ثمّ إلى أكثر من ذلك إلى حيث يكون نصف السنة نهارا و نصفها الآخر ليلا، فتكون السنة كلّها يوما و ليلة، و ذلك إذا صار قطب الفلك الأعظم محاذيا لسمت الرأس و لا عمارة هناك و لا فيما يقرب منه، إذ لا يتمّ به النضج لشدّة البرد اللازم من انخفاض الشمس، و لا يصلح المسكن للحيوان، و لا يتهيّأ فيه شي‏ء من أسباب المعيشة.

و أمّا البلاد التي هي تحت خطّ الاستواء، فالليل و النهار فيها في جميع السنة متساويان، كلّ واحد منهما اثنتي عشرة ساعة متساوية، و اللّه أعلم*.

[ 314] ولج الشي‏ء في غيره يلج ولوجا، من باب وعد: دخل فيه، و أولجه إيلاجا:

أدخله أي: يدخل كلّ واحد من الليل و النهار في الآخر، بأن يقلب بعض أجزاء الليل المظلمة بأجزاء النهار المنيرة و يدخله فيه و بالعكس، فيكون قد نقص من أحدهما شيئا و زاده في الآخر، كنقصان ليل الصيف و زيادة نهاره، و زيادة ليل الشتاء و نقصان نهاره.

188
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تتمة ص 188

.......... قال العلاّمة البهائي في مفتاح الفلاح: فإن قلت: هذا المعنى يستفاد من قوله عليه السلام: «يولج كلّ واحد منهما في صاحبه»، فأيّ فائدة في قوله عليه السلام: «و يولج صاحبه فيه»؟ قلت: مراده عليه السلام التنبيه بالواو الحالية على أمر مستغرب، و هو حصول الزيادة و النقصان معا في كلّ من الليل و النهار في آن واحد، و ذلك بحسب اختلاف البقاع كالشمالية عن خطّ الاستواء و الجنوبية عنه، سواء كانت مسكونة أم لا، فإنّ صيف الشمالية شتاء الجنوبية و بالعكس، فزيادة النهار و نقصانه واقعان في وقت واحد لكن في بقعتين، و كذلك زيادة الليل و نقصانه، و لو لم يصرّح عليه السلام بقوله: «و يولج صاحبه فيه» لم يحصل التنبيه على ذلك، بل كان الظاهر من كلامه عليه السلام وقوع زيادة النهار في وقت و نقصانه في آخر، و كذا الليل كما هو محسوس معروف للخاصّ و العامّ، فالواو في قوله عليه السلام: «و يولج صاحبه فيه». واو الحال بإضمار مبتدأ، كما هو المشهور بين النحاة «1». انته كلامه رفع مقامه.
و يحتمل أن تكون الواو عاطفة، كما هو المتبادر من ظاهر العبارة، و يكون المراد بأحد الإيلاجين: إيجاد كلّ عقيب الآخر باعتبار إيلاجه في مكانه، و بالإيلاج الآخر: الزيادة و النقص كما مرّ، فقد فسّر بعضهم قوله تعالى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ، وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ «2» بالإتيان بأحدهما في مكان الآخر.
قال الشيخ الجليل أمين الإسلام الطبرسي [1] في مجمع البيان: قيل في معناه‏
__________________________________________________
 [1] هو فخر العلماء و الأعلام، أمين الملّة و الإسلام، أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي، الفقيه النبيه، الثقة الوجيه العالم الكامل، المفسر العظيم، صاحب كتاب مجمع البيان الذي قال في حقّه الشيخ الشهيد- رحمه‏
__________________________________________________
 (1) مفتاح الفلاح للبهائي: ص 107.
 (2) سورة فاطر: الآية 13.

189
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تتمة ص 188

بِتَقْديرٍ مِنْهُ لِلعِبادِ فيما يَعْذُوهُمْ بِهِ وَ يُنْشِؤهُمْ عَلَيْهِ.
قولان:
أحدهما: أنّ معناه ينقص من الليل، فيجعل ذلك النقصان زيادة في النهار، و ينقص من النهار، فيجعل ذلك النقصان زيادة في الليل على قدر طول النهار و قصره، عن ابن عباس و الحسن و مجاهد.
و الآخر: معناه: يدخل أحدهما في الآخر بإتيانه بدلا في مكانه. عن أبي علي الجبائي «1» انته.
و على هذا المعنى اقتصر الزمخشري في الكشاف «2» و قال البيضاوي: إيلاج الليل في النهار: إدخال أحدهما في الآخر بالتعقيب «3»، أو الزيادة و النقص «4» انته.
فكأنّه عليه السلام قصد المعنيين معا، فان حملت الإيلاج في الفقرة الأولى على معنى الزيادة و النقص كان في الفقرة الثانية، بمعنى المعاقبة، و إلاّ فبالعكس، فيكون المستفاد من الجملة المعطوفة غير ما يستفاد من الجملة المعطوف عليها، و اللّه أعلم بمقاصد أوليائه*.
التقدير: تعيين ذات الشي‏ء و صفاته و حدوده و كيفيّاته و سائر ما يدخل في خصوصيّاته.
__________________________________________________
اللّه-: هو كتاب لم يعمل مثله في التفسير، و له الوسيط و الوجيز، و الجوامع، و اعلام الورى، و غيرها. كان من أجلاء الطائفة الاماميّة، انتقل من المشهد الرضوي على صاحبه أفضل الصلاة و السلام إلى سبزوار سنة 523 هجريّة و توفي فيها سنة 548 هجريّة، و حمل نعشه إلى المشهد الرضوي و دفن في مغتسل الرضا عليه السلام و قبره مزار معلوم الآن بمقبرة قتلگاه. الكنى و الألقاب: ج 2 ص 403).
__________________________________________________
 (1) مجمع البيان: ج 1- 2، ص 428.
 (2) تفسير الكشّاف: ج 1 ص 350.
 (3) في «الف»: بالعقيب.
 (4) تفسير أنوار التنزيل و أسرار التأويل: ج 2 ص 97 و 98.

190
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تتمة ص 188

.......... و قيل: هو عبارة عن تصوير الأشياء المعلومة على الوجه العقلي الكلّي، جزئية مقدّرة بأقدار معيّنة، متشكّلة بأشكال و هيئات شخصية، مقارنة لأوقات مخصوصة، على الوجه الذي يظهر في الخارج قبل إظهارها و إيجادها.
و الباء: للسببيّة، متعلّقة ب «يولج» إن جعلت جملة مستأنفة، و ب «خلق» أوّل الدعاء إن جعلت جملة حاليّة.
و منه: متعلّق بمحذوف صفة لتقدير، أي: كائن من عنده تعالى، و هي صفة مبيّنة لفخامة التقدير.
و اللام في «للعباد»: للتعليل، أي: لأجلهم متعلّقة بتقدير.
و في من قوله «فيما» ظرفية مجازية متعلّقة بمحذوف صفة أخرى لتقدير، أي:
تقدير منه كائن فيما يغذو العباد به، و يحتمل أن تكون للتعليل كقوله تعالى:
لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ «1»، أي: لأجل ما يغذوهم به.
و غذوته بالشي‏ء: جعلته له غذاء ككتاب، و هو ما يغتذى به من طعام و شراب. تقول: غذوته باللبن فاغتذى، و غذّيته بالتثقيل تغذيّة مبالغة.
و ينشئهم: أي يربّيهم، و منه قوله تعالى: أَ وَ مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَ هُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ «2». أي: يربّى في الزينة، و انشئ و نشّئ بالهمزة و التثقيل:
بمعنى واحد.
و على من قوله «عليه»: متعلّقة بينشئهم، و هي للاستعلاء المعنوي، و يحتمل أن تكون بمعنى الباء، كقولهم: إركب على اسم اللّه.
__________________________________________________
 (1) سورة النور: الآية 14.
 (2) سورة الزخرف: الآية 18.

191
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تتمة ص 188

.......... و في هذا الكلام إشارة إلى حكمة اختلاف الليالي و الأيّام، و تفاوت زمان النور و الظلام، و هو من لطائف صنع اللّه تعالى و عجائب رحمته للعباد، كما قال سبحانه: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ، لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ «1».
فإنّ من الغرائب تعاون المتنافيين على أمر واحد، و هو إصلاح مزاج الحيوان و معاشه.
قال بعض العارفين من أصحابنا: انظر أيّها العارف المتعمّق في أسرار حكمة اللّه تعالى وجوده، أنّه لو لم يخلق هذه الأجرام النيّرات على الوضع الذي يقع به التفاوت بين الليل و النهار، بأن تلج مدّة من هذا في ذلك و مدّة أخرى بالعكس، و يقدّر التعاقب بينهما على نظام محكم و نسق مضبوط، لما صلحت أحوال الخلائق و البلاد، و لأدّت أمزجة الحيوان و النبات- الذي به قوامه- الى الفساد، ألم تر كيف خلق اللّه تعالى أوضاع النيّرات العلوية و مناطق حركاتها و مدارات سيرها، على نحو تنتظم به أحوال الكائنات، و تنتفع به السفليّات، فلو ثبت أنوارها، أو تحرّكت و لكن لزمت دائرة واحدة، لأثرت بإفراط فيما قابلها و تفريط فيما وراء ذلك، و لو لم تكن لها حركة لفعلت ما يفعله السكون و اللزوم، و لو لم تكن تارة سريعة و أخرى بطيئة، و لم تجعل دوائر الحركات البطيئة و سموتها مائلة عن سمت الحركة السريعة، لما مالت تلك الأنوار إلى النواحي شمالا و جنوبا، فلم تنتشر آثارها و منافع ضوئها على بقاع الأرض، و لو لا حركة الشمس على هذا المنوال، من مخالفة سمت حركتها الذاتية لسمت حركتها العرضية، لما حصلت الفصول‏
__________________________________________________
 (1) سورة آل عمران: الآية 190.

192
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تتمة ص 188

فَخَلَقَ لَهُمُ الّليلَ لِيَسْكُنُوا فيهِ مِن حَرَكاتِ التَّعَبِ وَ نَهَضاتِ النَّصَبِ.
الأربعة، التي يوجبها تفاوت أزمنة الليالي و الأيّام، و لو لا حصولها لما تمّ النظام و لا صلحت أمزجة العباد، و فسد الحرث و النسل في البلاد، و قد علمت أنّ نشأة الآخرة من الدنيا و أنّ الدنيا قنطرة الآخرة، و في فساد القنطرة قبل العبور بطلان العبور و الحرمان عن الوصول إلى دار السرور.
فإذن قد تحقّق و تبيّن عند أولي الألباب غاية الحكمة في اختلاف الليل و النهار، و توالجهما على هذا الوجه المؤدّي، للنتائج و الآثار، و اللّه أعلم*.
 [ 315] الفاء هنا: للترتيب الذكري، و هو عطف مفصّل على مجمل، نحو: توضّأ فغسل وجهه و يديه و مسح رأسه و رجليه. فإنّه عليه السّلام لمّا ذكر خلق الليل و النهار، و إيلاج أحدهما في الآخر بتقدير منه للعباد، أخذ يفصّل بعض المنافع المخصوصة بالليل، و بعض المصالح المخصوصة بالنهار، و بدأ بذكر منافع الليل على الترتيب السابق.
و السكون: ذهاب حركة المتحرّك، سكن يسكن من باب قتل سكونا، و سيأتي بيان معنى الحركة في هذه الروضة إن شاء اللّه تعالى.
و التعب: الإعياء و الكلال.
و النهضات: جمع نهضة، من نهض بمعنى قام.
و قال الفيومي في المصباح: كان منه نهضة إلى كذا أي: حركة، و الجمع نهضات «1».
__________________________________________________
 (1) المصباح المنير: ص 863.

193
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تتمة ص 188

.......... و النصب: التعب، نصب نصبا كتعب تعبا وزنا و معنى.
و في القاموس: نصب كتعب: أعيا، و الرجل: جدّ، و عيش ناصب: فيه كدّ و جهد «1» انته.
فلك حمل النصب هنا على معنى الجدّ و الكدّ و الجهد، ليكون تأسيسا لا تأكيدا، فيكون معنى حركات التعب الحركات الموجبة للتعب، و معنى نهضات النصب الحركات التي أوجبها الجدّ و الجهد في تحصيل المآرب.
و في بعض النسخ: بهضات النصب، بالباء الموحّدة و الظاء المشالة، من بهضه الحمل إذا أثقله.
و من في قوله عليه السلام: «من حركات التعب»: للبدل، أي: ليسكنوا فيه بدلا و عوضا من حركات التعب، مثلها في قوله تعالى: أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ «2».
أي: بدلا منها، أو ابتدائية بتضمين السكون معنى الخلاص، أي: ليسكنوا فيه خالصين من حركات التعب و نهضات النصب، و فيه إشارة إلى قوله تعالى:
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ النَّهارَ مُبْصِراً «3».
و إنّما خصّ الليل بالسكون لخلقه باردا مظلما، ليؤدّي إلى ضعف الحركات و هدوء الحواسّ، ليستريحوا فيه من متاعب الأشغال، و لا كذلك النهار، و إن كان السكون فيه ممكنا*.
__________________________________________________
 (1) القاموس المحيط: ج 1 ص 132 و فيه «كفرح».
 (2) سورة التوبة: الآية 38.
 (3) سورة غافر: الآية 61.

194
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تتمة ص 188

وَ جَعَلَهُ لِباساً لِيَلْبَسُوا مِنْ راحَتِهِ وَ مَنامِهِ فَيَكُونَ ذلِكَ لَهم جَماماً وَ قُوّةً.
 [ 316] اللباس: على وزن كتاب، ما يلبس، لبس الثوب من باب تعب، لبسا بضمّ اللام، و أمّا اللبس بالكسر فبمعنى اللباس، شبّه الليل باللباس لستره بظلامه كما يستر اللباس. قال تعالى: وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً «1»، و قال:
وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً «2».
قال المفسرون: أي غطاء يستتر بظلمته من أراد الاختفاء.
في تفسير علي بن إبراهيم قال: يلبس على النهار «3» أي: يغطّي عليه، يقال:
ألبسه أي: غطّاه، و هو معنى قوله تعالى: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ «4» أي: يغطّيه به.
و قوله: «ليلبسوا من راحته و منامه» استعارة مكنيّة تخييلية، شبّه الراحة و المنام بالثوب في شموله للبدن، و الجامع الشمول، و هي استعارة بالكناية، و أثبت لهما اللبس الذي لا يكمل شمول الثوب للبدن إلاّ به، و هي استعارة تخييلية.
و من من قوله «من راحته»: للابتداء مثلها في قوله تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ «5» عند الجمهور، و قال الأخفش: إنّها في الآية زائدة «6»، بدليل قوله تعالى: وَ حُلُّوا أَساوِرَ «7». و لو قيل بزيادتها هنا لم يكن بعيدا، لصحّة المعنى بدونها.
و الضمير في «راحته و منامه»: لليل، و الإضافة إمّا بمعنى «في» مثل مَكْرُ
__________________________________________________
 (1) سورة الفرقان: الآية 47.
 (2) سورة النبأ: الآية 10.
 (3) تفسير القمّي: ج 2 ص 401.
 (4) سورة الأعراف: الآية 54.
 (5) سورة الكهف: الآية 31.
 (6) تفسير روح المعاني: ج 22 ص 198.
 (7) سورة الإنسان: الآية 21.

195
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تتمة ص 188

وَ لِينالُوا بِهِ لَذَةً وَ شَهْوَةً.
اللَّيْلِ «1»، أو بمعنى اللام الاختصاصية، و أجاز بعضهم عود الضمير فيهما إلى اللّه سبحانه باعتبار خلقه لهما.
و الفاء من قوله «فيكون»: عاطفة سببية، و ذلك إشارة إلى لبس الراحة و المنام.
و الجمام بفتح الجيم: الراحة و النشاط، و يقال: جمّ الفرس جمّا و جماما: إذا ترك فلم يركب فذهب إعياؤه و تعبه.
فقوله: «جماما» إشارة إلى استراحة القوى النفسانية.
و قوله: «قوّة» إلى تقوّي القوى الطبيعية*.
نال الشي‏ء- من باب تعب- يناله نيلا: أصابه.
و اللذّة: قيل: إدراك المشته، و قيل: إدراك الملائم من حيث إنّه ملائم، كطعم الحلاوة عند حاسّة الذوق، و النور عند البصر، و حضور المرجو عند الوهمية، و الأمور الماضية عند القوّة الحافظة تلتذّ بتذكّرها.
و قيد الحيثية للاحتراز عن إدراك الملائم لا من حيث ملائمته فإنّه ليس بلذّة، كالدواء النافع المرّ، فإنّه من حيث إنّه نافع يكون ملائما لا من حيث إنّه مرّ.
و الشهوة: انبعاث النفس و حركتها طلبا للملائم، و المراد بها هنا المشته، إذ الشهوة نفسها لا اختصاص لها بالليل.
و عبّر عليه السلام بالشهوة عن المشته، كما عبّر سبحانه بالشهوات عن المشتهيات في قوله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ «2».
__________________________________________________
 (1) سورة سبأ: الآية 33.
 (2) سورة آل عمران: الآية 14.

196
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تتمة ص 188

وَ خَلَقَ لهم النهار مبصراً لِيَبْتَغُوا فيهِ مِن فَضْلِهِ وَ لِيَتَسبَّبُوا إِلى‏ رِزقِهِ.
قال المفسرون: جعل الأعيان المشتهيات شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصا على الاستمتاع بها، و ذلك للتعلّق و الاتّصال، كما يقال للمقدور قدرة و للمرجوّ رجاء «1»، انته.
و الباء من قوله «به»: ظرفية بمعنى «في»، و الضمير عائد إلى الليل.
و المراد باللّذة و الشهوة اللتين تنالان في الليل: الرفث إلى النساء، و إنّما خصّ ذلك باللّيل لأنّه أستر من النهار، و الفعل فيه أخفى منه في النهار، و قد جاء النصّ على إخفاء هذا الفعل، و لأنّه أحمد أوقاته.
قالت الأطبّاء: أجود أوقاته النصف الأخير من الليل و قد انهضم الطعام و سخن باطن الرحم*.
 [ 317] مبصرا: أي ذا إبصار، باعتبار أصحابه لإبصارهم بما فيه من الضياء طرق التقلّب في أمور المعاش.
فبولغ فيه حيث جعل الإبصار الذي هو حال الناس حالا له و وصفا من أوصافه التي خلق عليها بحيث لا ينفكّ عنها، و لم يسلك في الليل هذا المسلك لما أنّ تأثير الظلام في السكون ليس بمثابة تأثير ضوء النهار في الإبصار.
و بغى الشي‏ء يبغيه و يبتغيه: طلبه.
و في الابتغاء مزيد اعتمال ناشي‏ء من اعتناء النفس بتحصيل الفضل و سعيها في طلبه.
__________________________________________________
 (1) تفسير الكشاف: ج 1 ص 342، و التفسير الكبير للفخر الرازي: ج 7 ص 195.

197
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تتمة ص 188

وَ يَسْرَحُوا في أَرْضِهِ طَلَباً لِما فيهِ نَيْلُ العَاجِلِ مِنْ دُنْياهُمْ وَ دَرَكُ الآجِلِ في أُخراهُم.
و فيه اقتباس من قوله تعالى: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ «1».
و تسبّب إليه: توصّل، مأخوذ من السبب و هو الحبل، و هو ما يتوصّل به إلى الاستعلاء، ثمّ استعير لكلّ شي‏ء يتوصّل به إلى الأمر من الأمور، فقيل: هذا سبب هذا، و هو مسبّب عنه، و قد تسبّب إليه: أي توصّل، و اتخذ إليه أسبابا، توصّله إليه.
و قد تقدّم الكلام على الرزق في الروضة الأولى، فليرجع إليه «2»*.
 [ 318] سرحت الإبل- من باب نفع- سرحا و سروحا: خرجت بالغداة «3» إلى المرعى، و سرحتها أنا بالتخفيف يتعدّى و لا يتعدّى، و سرّحتها بالتثقيل للمبالغة و التكثير، و إذا رجعت بالعشيّ قيل: راحت.
و منه قوله تعالى: وَ لَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَ حِينَ تَسْرَحُونَ «4».
شبّه عليه السلام انتشار الناس لطلب المعاش في أوّل النهار بخروج الإبل إلى مراعيها، و هي استعارة تبعيّة.
و قوله عليه السلام: «طلبا» مفعول له، أو مصدر في موقع الحال، أي: لأجل الطلب، أو طالبين.
و ما: موصولة أو موصوفة.
و نيل الشي‏ء: إصابته و إدراكه.
__________________________________________________
 (1) سورة القصص: الآية 73.
 (2) ج 1 ص 373.
 (3) في «ج»: الغذاء.
 (4) سورة النحل: الآية 6.

198
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تتمة ص 188

.......... و العاجل: اسم فاعل من عجل بمعنى حضر، لا بمعنى أسرع.
قال الفيّومي [1] في المصباح: عجل عجلا- من باب تعب- و عجلة: أسرع و حضر فهو عاجل، و منه العاجلة للساعة الحاضرة «1».
و الدنيا: تأنيث الأدنى، و وزنها- فعلى كصغرى و كبرى، تأنيث الأصغر و الأكبر. و قد وردت على خلاف القياس لانسلاخها عن معنى الوصفيّة و إجرائها مجرى الأسماء، و هي اسم هذه الحياة.
قيل: سمّيت بها لدنوّها من الآخرة، و قيل: لبعد الآخرة عنها.
و الدرك بفتح الراء: الإدراك، و هو اللحاق و الوصول. و تسكين الراء لغة.
قال الفارابي في ديوان الأدب: الدرك لغة في الدرك و هو إدراك الشي‏ء «2».
انته.
و قيل: هو بالتحريك اسم، و بالسكون مصدر.
و الآجل خلاف العاجل، اسم فاعل من أجل- من باب تعب- بمعنى تأخّر.
و الأخرى: بمعنى الآخرة، اسم لدار البقاء، سمّيت بها لتأخّرها عن الدنيا.
و هي في الأصل صفة فأجريت مجرى الأسماء، كالآخرة و الدنيا، بدليل قوله‏
__________________________________________________
 [1] هو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ كمال الدين محمد بن أبي الحسن علي المصري الحموي، شيخ فاضل أديب لغوي مقري، صاحب المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، و الشرح الكبير هو شرح الرافعي على كتاب الوجيز في الفروع للغزالي، و المصباح في شرح غريب ذلك الشرح و ممّا ذكر في حقه أنه ذهب إلى حليّة المتعة مستدلا بقوله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بأنّها محكمة غير منسوخة.
و فيّوم- كقيّوم اسم ناحية بمصر، و توفّى في نيّف و سبعين و سبعمائة هجرية. (الكنى و الألقاب: ج 3 ص 34).
__________________________________________________
 (1) المصباح المنير: ص 538.
 (2) ديوان الأدب: ج 1 ص 225.

199
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تتمة ص 188

......... تعالى: وَ أَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى‏ «1»، ثمّ اللّه ينشئ النشأة الآخرة «2».
فإن قلت: إذا كانت الأخرى بمعنى الآخرة فكيف منعوا أن يقال: جمادى الأخرى مع قولهم جمادى الآخرة؟ قلت: إنّما منعوا ذلك لخوف اللبس، فإنّ الأخرى كما تكون بمعنى الآخرة تكون مؤنّث الآخر- بفتح الخاء- بمعنى المغائر لمتقدّم «3» ذكره و إن كان متقدّما في الوجود، و كذلك مؤنّثه و مجموعه، فلو قيل:
جمادى الأخرى احتمل أن يراد بها هذا المعنى، فيتناول المتقدّمة و المتأخّرة فيحصل اللبس، بخلاف الآخرة، فإنّها نصّ في التأخّر الوجودي.
و المراد بنيل العاجل في الدنيا: نيل المنافع الدنيوية و المطالب المتعلّقة بهذه النشأة، و يدرك الأجل من الأخرى: إدراك ثمرات الأعمال الصالحة الموجبة للسعادة الأبدية في النشأة الأخروية.
تنبيه‏
دلّ هذا الكلام منه عليه السلام على أنّ اللّه جلّ جلاله خلق الليل و النهار لعباده ليراعوا أمر دنياهم و اخراهم معا، دون الاقتصار على مراعاة أحدهما من غير التفات إلى الأخرى.
و الناس في ذلك ثلاثة أصناف: صنف هم المنهمكون في الدنيا بلا التفات منهم إلى الأخرى، و هم المسمّون عبدة الطاغوت و شرّ الدوابّ، و ما شاكل ذلك‏
__________________________________________________
 (1) سورة النجم: الآية 47.
 (2) سورة العنكبوت: الآية 20.
 (3) في «الف»: لتقدّم.

200
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 200

.......... من الأسماء. و صنف مخالفون لهم غاية المخالفة، يراعون الأخرى من غير التفات منهم إلى مصالح الدنيا. و صنف متوسّط وفّوا الدارين حقّهما، و هذا الصنف هم عند الحكماء الأفضلون، لأنّ بهم قوام أسباب الدنيا و الآخرة، و منهم عامّة الأنبياء، لأنّ اللّه تعالى بعثهم لإقامة مصالح المعاد و المعاش، و لأنّ أمورهم مبنيّة على الاعتدال الذي هو أشرف الأحوال.
قال بعض العلماء: أجدر أن تكون هذه الأصناف الثلاثة داخلة في عموم قوله تعالى: وَ كُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً. فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ. وَ أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ. وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ «1» الآية. فالمراعي للدنيا و الآخرة- على ما يحسن و كما يحسن- من السابقين.
قال: و جعل قوم السابقين هم النسّاك الذين رفضوا الدنيا و زهدوا فيها بالكليّة، محتجّين بقوله تعالى: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ «2». و خفي على هذا أنّ أعظم عبادة اللّه ما يكون عائدا بمصالح عباده.
روى ابن مسعود عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال: «الخلق كلّهم عيال اللّه و أحبّ الناس إليه أنفعهم لعياله» «3».
و قال بعض المحقّقين من أصحابنا رضوان اللّه عليهم: إنّ ترك الدنيا بالكليّة ليس هو مطلوب الشارع من الزهد فيها و التخلّي عنها، لأنّ الشارع يراعي نظام العالم باشتراك الخلق في عمارة الدنيا، و تعاونهم على المصالح، ليتمّ بقاء النوع‏
__________________________________________________
 (1) سورة الواقعة: الآية 7 إلى 10.
 (2) سورة الذاريات: الآية 56.
 (3) قرب الأسناد. ص 57 و وسائل الشيعة: ج 11 ص 566 ح 9 و فيهما: «فأحبّهم إلى اللّه عزّ و جلّ».a

201
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 200

بِكُلِّ ذلِكَ يُصلِحُ شَأنَهُمْ وَ يَبْلُو أخْبارَهُمْ.
الإنساني، و ترك الدنيا و إهمالها بالكليّة يهدم ذلك النظام و ينافيه، بل الذي تأمر به الشريعة القصد في الدنيا و استعمال متاعها على القوانين التي وردت به الرسل، و الوقوف فيها عند الحدود المضروبة في شرائعهم دون تعدّيها.
و قد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و عليّ عليه السلام و جماعة من أكابر الصحابة رضوان اللّه عليهم أميل إلى طريق التقشّف، لكن مع مشاركتهم لأهل الدنيا في تدبير أحوال المدن و صلاح العالم، غير منقطعين عن أهلها و لا منعزلين.
و أمّا السالكون من الصوفيّة بعد عصر الصحابة، فمنهم من اختار التقشّف و ترك الطيّبات و هجر اللذات رأسا، و منهم من آثر الترف.
و الذي يفعله المحقّقون من السالكين من التقشّف لا ينافي الشريعة، لعلمهم بأسرارها، و طريقتهم أقرب إلى السلامة من طريق المترفين «1»، لكون الترف محالّ الشيطان. و اللّه أعلم*.
 [ 319] الباء: للاستعانة متعلّقة ب «يصلح»، قدّمت مع مجرورها عليه لتأكيد الشمول.
و ذلك: إشارة إلى خلق الليل لباسا و النهار مبصرا، و إعدادهما لمصالحهم من لبس الراحة و المنام، و نيل اللذّة و الشهوة، و الابتغاء من فضله، و التسبّب إلى رزقه، و السروح في أرضه لطلب منافعهم الدنيوية و الأخروية.
و الشأن: الأمر بمعنى الحال. و هو مهموز العين. و قد تسهل الهمزة، فيقال:
شان بالألف.
__________________________________________________
 (1) المترف: المتنعّم المتوسّع في ملاذّ الدنيا و شهواتها. (النهاية لابن الأثير: ج 1 ص 187).

202
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 200

وَ يَنْظَرُ كَيْفَ هُمْ في أوْقاتِ طاعَتِهِ وَ مَنازِلِ فُروضِهِ وَ مَواقِعِ أحْكامِهِ.
و بلاه يبلوه: بمعنى اختبره، و يقال: ابتلاه يبتليه أيضا.
و الأخبار: جمع خبر محرّكة و هو اسم ما ينقل و يتحدّث به.
و المراد بأخبارهم ما يخبر به من أعمالهم فيظهر حسنها و قبيحها.
و اعلم أنّه لمّا كانت حقيقة الابتلاء و الاختبار طلب الخبر بالشي‏ء، و معرفته لمن لا يكون عارفا به، و كان هو تعالى عالما بما كان و ما يكون قبل كونه، كما قال تعالى: وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ «1»، و قال تعالى:
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ «2»، لم يكن إطلاق هذا اللفظ في حقه سبحانه حقيقة، بل على وجه الاستعارة، باعتبار أنّه لمّا كان ثوابه و عقابه موقوفين على تكليفهم بما كلّفهم به، فإن أطاعوه فيما أمرهم به أثابهم، و إن عصوه عاقبهم، أشبه ذلك اختبار الإنسان لعبيده، و تمييزه لمن أطاعه منهم ممّن عصاه، فاطلق عليه لفظه.
فقوله عليه السلام: «و يبلو أخبارهم» كقوله تعالى: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِينَ وَ نَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ «3». و المعنى: يعاملهم معاملة المبتلي و المختبر فيما يخبر به عن أعمالهم*.
أي: يرى كيف هم.
و إطلاق «النظر» عليه سبحانه من باب الاستعارة، و إلاّ فالنظر حقيقة لا يجوز عليه تعالى، لأنّه إنّما يكون بالقلب، و هو ملاحظة معقول لتحصيل مجهول،
__________________________________________________
 (1) سورة النمل: الآية 75.
 (2) سورة الحديد: الآية 22.
 (3) سورة محمّد (ص): الآية 31.

203
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 200

.......... أو بالعين، و هو تقليب الحدقة السالمة نحو المرئي التماسا لرؤيته. و كلّ من هذين المعنيين لا يجوز عليه سبحانه، و إنّما يستعمل ذلك في صفاته العليا على وجه المجاز و الاتّساع.
فيقال: استعير «النظر» للعلم الحقيقي الذي لا يتطرّق إليه شكّ، و يعنى به العلم الذي يتعلّق به الجزاء، فإنّ النظر إنّما هو لطلب العلم، و هو تعالى يعامل عباده معاملة المختبر الذي لا يعلم ما يكون منهم، فيطلب العلم بما يكون منهم ليجازيهم على ما يظهر منهم، دون ما قد علم أنّهم يفعلونه، مظاهرة في العدل.
قال الزّجاج: إنّ اللّه تعالى لا يجازيهم على ما يعلمه منهم قديما، و إنّما يجازيهم على ما يعلمه منهم حديثا، فيتعلّق النظر الأزليّ به «1».
و قال بعض العلماء: قد وقع في مواضع من القرآن ما يوهم أنّ علمه تعالى ببعض الأشياء حادث، كقوله تعالى: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِينَ «2» و قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى‏ لِما لَبِثُوا أَمَداً «3» و أمثال ذلك.
و التفصّي عن هذا الإشكال، إمّا بما ذهب إليه المتكلّمون من أنّ علمه سبحانه قديم و متعلّقه حادث، فمعنى حَتَّى نَعْلَمَ حتّى يتعلّق علمنا القديم بالمجاهدين منكم و الصابرين، و إمّا بأنّ المراد بالعلم الشهود، فإنّ الأشياء قبل وجودها العينيّ معلومة للحقّ سبحانه و بعده مشهودة له، فالشهود خصوص نسبة للعلم، فإنّه قد يلحق العلم بواسطة وجود متعلّقة نسبة باعتبارها نسمّيه شهودا
__________________________________________________
 (1) مجمع البيان: ج 3- 4 ص 465.
 (2) سورة محمّد (ص): الآية 31.
 (3) سورة الكهف: الآية 12.

204
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 200

.......... و حضورا، إلاّ أنّه حدث هناك علم، فمعنى حَتَّى نَعْلَمَ حتّى نشاهد، و اللّه أعلم.
قوله عليه السلام: «كيف هم» جملة اسمية ف «هم» مبتدأ و «كيف» خبره، قدّم عليه لتضمّنه ما يقتضي صدر الكلام و هو الاستفهام «1»، و الجملة في موضع مفعول مقيّد بالجارّ، لأنّه يقال: نظرت فيه أو إليه، و لكن علّق الفعل بالاستفهام عن الوصول في اللفظ إلى المفعول، و هو من حيث المعنى طالبة له على معنى ذلك الحرف، هذا على مذهب ابن خروف «2» و ابن عصفور «3» و ابن مالك «4» من إلحاق نظر قلبيّة كانت نحو «فانظري ما ذا تأمرين»، أو بصريّة نحو «فلينظر أيّها أزكى طعاماً» بأفعال القلوب في التعليق «5».
و لك جعل «كيف» حالا و خبر المبتدأ الظرف بعده، و قدّمت الحال لما تقدّم.
و المعنى على الأوّل: ينظر على أيّ حال هم حال كونهم في أوقات طاعته.
و على الثاني: ينظر كونهم في أوقات طاعته على أيّ حال، لأنّ مفعول «النظر» إنّما هو مضمون الجملة.
قوله عليه السلام: «في أوقات طاعته» إمّا حال من ضمير الجمع، أو خبر له على ما ذكرنا.
و الأوقات: جمع وقت، و هو مقدار من الزمان مفروض لأمر ما.
__________________________________________________
 (1) هذه العبارة وجدناها في شرح الشذور لابن هشام: ص 365.
 (2) الحدائق النديّة في شرح الصمديّة: ص 454.
 (3) الحدائق النديّة في شرح الصمديّة: ص 454.
 (4) الحدائق النديّة في شرح الصمديّة: ص 454.
 (5) الحدائق النديّة في شرح الصمديّة: ص 454.

205
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 200

لِيَجْزِيَ الّذينَ أساؤا بِما عَمِلوا وَ يَجزِيَ الّذينَ أحسنُوا بِالحُسنى‏.

و الطاعة: موافقة الأمر. و قيل: هي الانقياد لأمر الآمر و نهيه، و المراد:

الأوقات التي وقّتها سبحانه لطاعته مستحبّة كانت، كأوقات النوافل و زمان الصوم المندوب، أو واجبة، كأوقات الصلاة و شهر الصيام و أشهر الحجّ و نحو ذلك.

قوله عليه السلام: «و منازل فروضه» المنازل: جمع منزل، و هو موضع النزول.

و الفروض: جمع فرض و هو هنا بمعنى الإيجاب، من فرض اللّه الأحكام فرضا- من باب ضرب-: أوجبها. و إنّما جمعه لتنوّعه و يكون بمعنى المفروض، و هو هنا بمعنى الإيجاب إلى ما أمر اللّه عباده أن يفعلوه، كالصلاة و الزكاة. و يرادفه الأمر و المكتوب و الواجب.

و فرّق أصحاب أبي حنيفة بين الفرض و الواجب، فالفرض عندهم ما يثبت وجوبه بدليل مقطوع به، و الواجب ما يثبت وجوبه بدليل مجتهد فيه.

و المراد بمنازل الفروض: متعلّقاتها- أعني المفروضات- جعل ما تعلّق به الفرض كالمنزل له.

قوله عليه السلام: «و مواقع أحكامه». المواقع: جمع موقع، و هو المحلّ الذي يقع فيه الشي‏ء. و الحكم لغة: القضاء، و اصطلاحا: خطاب اللّه تعالى المتعلّق بالمكلّفين. و المراد بموقعه: مناطه و متعلّقه.

و المعنى: و يرى على أيّ حال هم في أوقات طاعته، أ يطيعونه فيها أم لا؟ و فيما فرضه عليهم و أمرهم به، أ يؤدّونه و يمتثلون الأمر بالقيام به أم لا؟ و فيما حكم به من التكاليف، أ يعملون بأحكامه و يؤثرون طاعته فيها أم لا؟*.

[ 320] أي: ليجزي الذين أساءوا بعقاب ما عملوا، و يجزي الذين أحسنوا بالمثوبة

206
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 200

اللّهُمّ فَلَكَ الحَمْدُ عَلى‏ ما فَلَقْتَ لَنا مِنَ الإِصباحِ وَ مَتَّعْتَنا بِهِ مِن ضَوْءِ النَّهارِ.
الحسني أو المنزلة و المرتبة الحسني و هي الزلفى و الجنّة.
و في جعل جزاء الإساءة ما عملوا و جزاء الإحسان الحسني تنبيه على أنّ جزاء السيئة لا يضاعف و جزاء الحسنة يضاعف، لأنّ الحسنى مؤنّث الأحسن و هو يقتضي الزيادة، كما صرّح سبحانه بذلك في قوله تعالى في سورة الأعراف: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى‏ إِلَّا مِثْلَها وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ «1»، و قد تقدّم الكلام على هذه الآية في الروضة الأولى «2»، فليرجع إليه*.
 [ 321] هذا التفات من الغيبة إلى الخطاب، و تلوين للنظم من باب إلى باب، جار على نهج البلاغة في افتنان «3» الكلام، و مسلك البراعة حسب ما يقتضيه المقام.
قالوا: و فائدته العامّة أنّ التنقّل من اسلوب إلى اسلوب أدخل في استجلاب النفوس و استمالة القلوب، حتى أنّ نفس المتكلّم لتجد في ذلك ما لا تجده في إجراء الكلام كلّه على نمط واحد و حركة على منوال مطّرد، و قد يختصّ كلّ موقع بنكت و لطائف باختلاف محلّه.
فممّا يمكن أن يقال هنا من النكت الرائقة أمور:
أحدها: الإشارة إلى أنّ حقّ الكلام أن يجري من أوّل الأمر على طريق الخطاب، لأنّ اللّه تعالى حاضر لا يغيب، بل هو أقرب من حبل الوريد، لكن إنّما
__________________________________________________
 (1) ليست الآية في سورة الأعراف بل في سورة الأنعام: الآية 160.
 (2) ج 1 ص 504.
 (3) في «الف»: افتتان.

207
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 200

.......... اجري على طريق الغيبة و البعد عن مقام الحضور و القرب رعاية للأدب الذي هو دأب السالكين و شعار المحبّين، فلمّا حصل القيام بهذه الوظيفة جرى الكلام على ما كان حقّه أن يجري عليه في ابتداء الذكر، ففي الحديث القدسيّ: «أنا جليس من ذكرني» «1».
الثاني: التنبيه على أنّ الدعاء ينبغي أن يكون عن قلب حاضر و توجّه كامل، بحيث كلّما أجرى الداعي صفة من تلك الصفات العظمى على لسانه، و نقشه على صفحة جنانه، حصل للمدعوّ مزيد انكشاف و انجلاء، و للداعي زيادة قرب و اعتلاء، و هكذا شيئا فشيئا إلى أن يترقّى إلى درجة الحضور و يفوز بمرتبة العيان فيناجيه بصيغة الخطاب.
الثالث: أنّه لمّا شرع في الدعاء نوى القربة، فأثنى على اللّه تعالى بما ناسب الوقت بطريق الغيبة، فكأنّه استشعر إجابة دعائه في حصول القربة، فانتقل من مقام الغيبة إلى مقام الحضور.
الرابع: أنّه لمّا أخذ يدعو كان ذاكرا مفكّرا فحمد اللّه بلفظ الغيبة، ثمّ صار واصلا فحمده بصيغة الخطاب.
الخامس: أنّه لمّا ابتدأ الدعاء كان ناظرا و ملاحظا عظمة مخلوقاته تعالى، ثمّ التفت إلى عظمة الخالق فناجاه مخاطبا.
و الفاء من قوله «فلك الحمد»: فصيحة، أي: اللّهمّ إذا كان خلق الليل و النهار لهذه المصالح العظيمة و المنافع الجليلة فلك الحمد.
__________________________________________________
 (1) الجواهر السنية في الأحاديث القدسية: ص 66.

208
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 200

.......... و تقديم الظرف للتخصيص، أي: لك الحمد خاصّة.
و فلقت الشي‏ء فلقا- من باب ضرب-: شققته.
و الإصباح: مصدر سمّي به الصبح، قال تعالى: فالِقُ الْإِصْباحِ «1». قيل:
المراد فالق ظلمة الإصباح، و هي الغبش «2» في آخر الليل. و كأنّ الأفق كان بحرا مملوء من الظلمة، ثمّ إنّه تعالى شقّ ذلك البحر المظلم بأن أجرى فيه جدولا من النور. فالمعنى: فالق ظلمة الإصباح بنور الإصباح. و حسن الحذف للعلم به، أو المراد فالق الإصباح بضياء النهار و إسفاره، و منه قولهم: انشقّ عمود الفجر و انصدع الفجر، أو المراد مظهر الإصباح بواسطة فلق الظلمة. فذكر السبب و أراد المسبّب. أو الفالق بمعنى الخالق، و عن ابن عباس و الضحّاك: الفلق بالسكون بمعنى الخلق «3».
و أمّا الفلق بالتحريك فهو ضوء الصبح، لأنّه بمعنى مفعول.
و من من قوله «من الإصباح»: مبيّنة ل «ما».
و مفعول «فلقت» محذوف. أي: على ما فلقته لنا.
و متّعته بالتثقيل و أمتعته به بالهمزة: جعلته له متاعا، و هو اسم لما ينتفع به.
و الضوء: النور، و هو ما انتشر من الأجسام النيّرة. و قيل: هو أقوى من النور، فهو فرط الإنارة.
و قال المتكلّمون: القائم بالمضي‏ء لذاته هو الضوء، كما في الشمس،
__________________________________________________
 (1) سورة الأنعام: الآية 96.
 (2) غبش الليل و أغبش: إذا أظلم ظلمة يخالطها بياض (النهاية لابن الأثير: ج 3، ص 339).
 (3) الدر المنثور: ج 3 ص 33.

209
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 200

.......... و بالمضي‏ء بغيره هو النور، كما في القمر و وجه الأرض. قال تعالى: جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً «1» و قد يتعاوران.
 «تبصرة»
اعلم أنّ ضوء الصبح إنّما هو من ضياء الشمس قطعا. و بيان ذلك- على ما حرّره أرباب الهيئة-: أنّ المستضي‏ء بالشمس من الأرض أكثر من نصفها دائما، لأنّ الشمس أعظم من الأرض، كما قام عليه البرهان في محلّه، و متى استضاءت كرة صغرى من كرة عظمى كان المستضي‏ء من الصغرى أكثر من نصفها، و المظلم أقلّ منه، و يكون ظلّها مخروطيّا، فظلّ الأرض على هيئة مخروط يلازم رأسه مدار الشمس و ينتهي في فلك الزهرة، كما علم بالحساب، و النهار مدّة كون المخروط تحت الأفق، و الليل مدّة كونه فوقه، فإذا ازداد قرب الشمس من شرقيّ الأفق ازداد ميل المخروط إلى غربيّه، و لا يزال كذلك حتّى يرى الشعاع المحيط به، و أوّل ما يرى منه هو الأقرب إلى موضع الناظر، لأنّه أصدق رؤية، و هو موضع خطّ يخرج من بصره عمودا على الخطّ المماسّ للشمس و الأرض، فيرى الضوء مرتفعا عن الأفق مستطيلا، و ما بينه و بين الأفق مظلما، لقربه من قاعدة المخروط الموجب لبعد الضوء هناك عن الناظر و هو الصبح الكاذب. ثمّ إذا قربت الشمس جدّا يرى الضوء معترضا منبسطا و هو الصبح الصادق. فسبحان‏
__________________________________________________
 (1) سورة يونس: الآية 5.

210
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 210

وَ بَصّرْتَنا بِهِ «1» مِنْ مَطالِبِ الأقْواتِ وَ وَقَيْتَنا فيهِ مِنْ طَوارِقِ الآفاتِ.
فالق الإصباح، و هذا لا ينافي كونه تعالى فالقه بالحقيقة، كما أنّ وجود النهار بسبب طلوع الشمس لا ينافي كونه تعالى خالقه.
و الفخر الرازي أراد أن يبيّن أنّ ذلك بقدرة الفاعل المختار، فنفى كون الصبح بسبب ضوء الشمس بحجج اخترعها من عند نفسه «2»، و كلّها خلاف المعقول و المنقول من علم الرياضة، فكانت ساقطة عن درجة الاعتبار، زائفة عند أولي الأبصار*.
 [ 322] بصّره إيّاه و بصّره به تبصيرا: عرّفه و أوضحه له حتى كأنّه مبصر له، أو هو من البصيرة بمعنى العلم و الخبرة، أي: أعلمتنا.
و الباء من «به» إن جعلت للتعدية كان الضمير المجرور بها راجعا إلى «ما»، و التقدير: و على ما بصّرتنا به من مطالب الأقوات، و إن جعلت ظرفيّة كان راجعا إلى ضوء النهار.
و مفعول «بصّرتنا» محذوف، و التقدير: و على ما بصّرتناه في ضوء النهار من مطالب الأقوات، و حذف المفعول كثير في مثل هذا المقام.
و من على الوجهين بيانيّة.
و المطالب: جمع مطلب، يكون مصدرا أو اسم مكان، أي: موضع الطلب.
و كلّ من المعنيين محتمل هنا، أي: عرّفتناه من طلب الأقوات، أو أماكن طلبها.
و الأقوات جمع قوت بالضمّ: و هو ما يؤكل ليمسك الرمق.
__________________________________________________
 (1) كلمة «به» غير موجودة في بعض النسخ‏
 (2) التفسير الكبير للفخر الرازي: ج 13 ص 95- 99 ذيل الآية 96 من سورة الأنعام.

211
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 210

أصْبَحْنا وَ أصْبَحَتِ الأشياءُ كُلّها بِجُملَتِها لَكَ.
و وقاه اللّه يقيه وقاية بالكسر: حفظه.
و الطوارق: جمع طارق أو طارقة، بمعنى حادث أو حادثة، أي: حوادث الآفات.
و إنّما سمّيت الحوادث طوارق تشبيها لها بالآتي ليلا، لاحتياجه غالبا إلى طرق الباب- أي: دقّه- و لذلك أضيفت في بعض الأدعية إلى الليل، و منه: «أعوذ من طوارق الليل» «1»، ثمّ توسّع فيها فاطلقت على مطلق الحوادث ليلا كانت أو نهارا.
و الآفات: جمع آفة، و هي عرض يفسد ما أصابه، و هي العاهة.
و إيف الشي‏ء- كقيل، بالبناء للمفعول-: أصابته الآفة، و هو مئوف- كرسول- و الأصل: مأووف على مفعول، لكنّه استعمل على نقص العين فوزنه «مفول»*.
 [ 323] أصبحنا: جملة مستأنفة لا محلّ لها من الإعراب، أي: دخلنا في الصباح.
و الأشياء: جمع شي‏ء، و هو في اللغة عبارة عن كلّ موجود إمّا حسا كالأجسام، أو حكما كالأقوال. و قد أسلفنا الكلام على اختلافهم في إطلاقه على المعدوم في أوائل الروضة الثانية، فليرجع إليه.
و كلّها: تأكيد للأشياء، أفادت عموم أفرادها.
و بجملتها: حال مؤكّدة لصاحبها، و الجملة بالضمّ: جماعة الشي‏ء أي:
و أصبحت الأشياء كلّها جميعا. فهو كقوله تعالى: وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي‏
__________________________________________________
 (1) تفسير غرائب القرآن و رغائب الفرقان: ج 3 ذيل الآية 1 و 2 من سورة الطارق و بهامش تفسير الطبري: ج 30 ص 65.
و فيه (التعوذ) و ليس (اعوذ)

212
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 210

.......... الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً «1».
و الباء في «بجملتها»: للملابسة متعلّقة بمحذوف وجوبا، أي: متلبّسة بجملتها. و إنّما لم تجعلها متعلّقة ب «أصبحت»، لأنّ الظرف و الجار و المجرور إذا وقعا حالا وجب تعلّقهما بمحذوف.
و لك: حال من «الأشياء». و المعنى: دخلنا في الصباح و دخلت فيه الأشياء كلّها بجملتها كائنة لك، أي: عرفنا الأشياء كلّها لك، كذا قال شارح الحصن الحصين «2» في نظير هذا الموضع.
و الظاهر أنّ «لك» حال من الضمير في «أصبحنا» و من «الأشياء» معا، أي: مملوكين لك.
و هذا الكلام إنشاء في صورة الخبر، كقولك: بعت و اشتريت، لأنّ المقصود به الإقرار للّه سبحانه بالمملوكية و التضرّع إليه تعالى، لا الإخبار عن ذلك، فهو لا يحتمل التصديق و التكذيب، فتعيّن كونه إنشاء.
لا يقال: كيف يكون إنشاء و لنسبته خارج، و قد قالوا: إن الكلام إمّا أن يكون لنسبته خارج أو لا، فالأوّل الخبر و الثاني الإنشاء؟ لأنّا نقول: إنّما يكون لنسبته خارج إذا أريد به الإخبار، و أمّا حال الدعاء فلا ملاحظة لنسبته الخارجية أصلا، بل الغرض مجرّد الاعتراف و الإقرار.
فإن قلت: فليكن الغرض من ذلك إفادة لازم الحكم، كما أشار إليه شارح الحصن بقوله: «أي عرفنا الأشياء كلّها لك». قلت: إنّما يفاد الحكم أو لازمه‏
__________________________________________________
 (1) سورة يونس: الآية 99.
 (2) لم نعثر عليه.

213
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 210

سَماؤها وَ أَرْضُها.
من لا يكون عالما بأحدهما، و اللّه سبحانه لا يخفى عليه شي‏ء، فلم يبق إلاّ أن يكون الغرض إنشاء الإقرار و التضرّع كما ذكرنا، و قس على ذلك ما يرد عليك في الدّعاء من أمثاله.
قال المحقّق التفتازاني في شرح التخليص: كثيرا ما تورد الجملة الخبرية لأغراض أخرى سوى إفادة الحكم أو لازمه، كقوله تعالى حكاية عن امرأة عمران: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى‏ «1» إظهارا للتحسّر على خيبة رجائها و عكس تقديرها و التحزّن إلى ربّها، لأنّها كانت ترجو و تقدّر أن تلد ذكرا، و قوله تعالى حكاية عن زكريّا رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي «2» إظهارا للضعف و التخشّع «3». انته.
قال بعضهم: و هو جار في كلّ خبر يخاطب به من يستحيل عليه الجهل، كقول الداعي: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ «4».
قال بعض المحقّقين: إنّ الكلام الذي أريد به مثل هذه المعاني ليس بخبر بل إنشاء، فالمتكلّم بهذا الكلام ليس بمخبر. و يدلّ عليه قول الإمام المرزوقي في قوله:
         قومي هم قتلوا أميم أخي‏

 هذا الكلام تفجّع و تحزّن و ليس بإخبار «5». انته.
بدل بعض من «الأشياء»، و الغرض التفصيل بعد الإجمال بسطا للكلام حيث الإصغاء مطلوب.
__________________________________________________
 (1) سورة آل عمران: الآية 36.
 (2) سورة مريم: الآية 4.
 (3) شرح التلخيص للتفتازاني: ج 1 ص 193.
 (4) و هو اقتباس من قوله تعالى في سورة آل عمران: الآية 193.
 (5) لم نعثر عليه.

214
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 210

.......... و السماء: اسم جنس يطلق على الواحد و المتعدّد. و قيل: جمع سماوة كسحاب و سحابة، و في تقديم السماء على الأرض في الذكر مع تقدّم خلق الأرض على خلق السماء- كما ورد عن أبي جعفر عليه السلام [1]، و عليه إطباق أكثر المفسّرين- إيماء إلى شرفها و أفضليّتها.
و المسألة محلّ خلاف، فقال بعضهم: السماء أفضل، لأنّها متعبّد الملائكة و ما فيها بقعة عصي اللّه فيها، و قال تعالى: وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً «1»، و ورد في الأكثر ذكر السماء مقدّما على الأرض، و السماويّات مؤثّرة و السفليّات متأثرة، و المؤثّر أشرف من المتأثر.
و قال آخرون: بل الأرض أفضل، لأنّه تعالى وصف بقاعا من الأرض بالبركة، فقال: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً «2»، فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ «3»، إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ «4»، مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها «5»، يعني أرض الشام، و وصف جملة الأرض بالبركة:
وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ «6».
فان قيل: و أيّ بركة في المفاوز المهلكة؟
قلنا: إنّها مساكن الوحوش و مرعاها، و مساكن الناس إذا احتاجوا إليها، و مساكن خلق لا يعلمهم إلاّ اللّه تعالى، فلهذه البركات قال تعالى: وَ فِي الْأَرْضِ
__________________________________________________
 [1] بحار الأنوار: ج 57 ص 89 ح 75، و إليك نصّه: عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: إنّ اللّه جلّ ذكره و تقدّست أسماؤه خلق الأرض قبل السماء ثمّ استوى على العرش لتدبير الأمور.
__________________________________________________
 (1) سورة الأنبياء: الآية 32.
 (2) سورة آل عمران: الآية 96.
 (3) سورة القصص: الآية 30.
 (4) سورة الإسراء: الآية 1.
 (5) سورة الأعراف: الآية 137.

215
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 210

.......... آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ «1» تشريفا لهم، لأنّهم هم المنتفعون بها، كما قال: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ «2». و خلق الأنبياء من الأرض مِنْها خَلَقْناكُمْ «3» و أودعهم فيها:
وَ فِيها نُعِيدُكُمْ «4»، و أكرم نبيّه المصطفى فجعل الأرض كلّها له مسجداً و طهوراً «5». هكذا ذكر بعض المفسّرين.
و قال ابن أبي الحديد. في شرح نهج البلاغة: لا شبهة أنّ السماء أشرف من الأرض على رأي الملّييّن و على رأي الحكماء. أمّا أهل الملّة: فلأنّ السماء مصعد الأعمال الصالحة، و محلّ الأنوار، و مكان الملائكة، و فيها العرش و الكرسيّ، و الكواكب المدبّرات أمرا. و أمّا الحكماء: فلأمور أخرى تقتضيها أصولهم «6».
انته.
قلت: و ممّا يدلّ على أنّ السماء أشرف من الأرض قول أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه في خطبة له: «من ملائكة أسكنتهم سماواتك و رفعتهم عن أرضك، هم أعلم خلقك بك و أخوفهم لك و أقربهم منك» «7»، فقوله عليه السلام: «و رفعتهم عن أرضك» صريح في أشرفيّة السماء، إذ المعنى: شرّفتهم و أعليت أقدارهم عن سكنى أرضك، لخساستها بالنسبة إلى شرف أقدارهم، كما تقول لمن يعزّ عليك إذا زاول أمرا خسيسا: «أنا أرفعك عن هذا» أي: اجلّ شأنك عنه.
ثمّ التفضيل بين السماء و الأرض إنّما يتمّ على قول من زعم أنّ الفلك جماد غير ذي روح و نطق، و أنّ الكواكب كالدر و اليواقيت و سائر الأحجار جمادات. و أمّا
__________________________________________________
 (1) سورة الذاريات: الآية 20.
 (2) سورة البقرة: الآية 2.
 (3) سورة طه: الآية 55.
 (4) سورة طه: الآية 55.
 (5) بحار الأنوار: ج 60 ص 60.
 (6) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 10 ص 85.
 (7) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 7 ص 200.

216
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 210

وَ ما بَثَثْتَ في كُلِّ واحِدٍ مِنهما، ساكِنُه و مُتَحَرِّكُه.
على القول بأنّ السماوات و ما فيها كلّها حيّة ناطقة مطيعة للّه تعالى في حركاتها و أنّ حركاتها عبادة ملكيّة- كما ذهب إليه جمع كثير من محقّقي الحكماء الإسلاميّين، و استدلّوا على ذلك ببراهين عقليّة و دلائل نقليّة- فلا مجال للتفضيل بينهما. و اللّه أعلم*.
 [ 324] بثّ اللّه الخلق بثا- من باب قتل-: خلقهم. و بثّ السلطان الجند في البلاد:
نشرهم.
و ما: موصولة بمعنى «الذي». أي: و الذي خلقت أو نشرت في كلّ واحد من السماء و الأرض كالملائكة و الكواكب في السماء و أصناف الحيوان و النبات و الجماد في الأرض. و إنّما قال: في كلّ واحد منهما دون فيهما تنصيصا على أنّ المبثوث في كلّ منهما غير ما في الآخر، رفعا لتوهم أنّ المبثوث انّما هو في الأرض، و نسب إليهما لأنّ ما يكون في أحد الشيئين يصدق أنّه فيهما في الجملة، كما هو في قوله تعالى: وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ «1».
قال المفسرون: إنّما قال فيهما من دابة مع أنّ الدواب في الأرض وحدها، لأنّ ما يختصّ بأحد الشيئين المتجاورين يصحّ نسبته إليهما، و منه قوله: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ «2» و إنّما يخرج من الملح «3» و لم يقل «كلّ واحدة منهما»- بالتأنيث- مع أنّ كلاّ منهما مؤنّث سماعيّ، لأنّه أراد النوع أو الفرد*.
بالضمّ- على الرواية المشهورة-: بدل بعض من الموصول، و بالكسر قيل: بدل من «كلّ واحد»، و لا يصحّ معنى إلاّ أن يجعل «ساكنه» و ما عطف عليه من‏
__________________________________________________
 (1) سورة الشورى: الآية 29.
 (2) سورة الرحمن: الآية 22.
 (3) الكشّاف للزمخشري: ج 4 ص 224.

217
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 210

......... باب «نهر جار»، ممّا اسند فيه معنى الفعل إلى المكان، و لا يخفى تعسّفه، و الصواب ما وقع في نسخة قديمة من إثبات «من» في رواية الكسر، و صورته:
 «و ما بثثت في كلّ منهما من ساكنه و متحرّكه و مقيمه و شاخصه» و هي بيان ل «ما»، و كأنّ الجامع بين الروايتين أغفل من هذه الرواية إثبات «من»، فتوهّم أنّها رواية بدون «من».
و السكون عند الحكماء: عدم الحركة عمّا من شأنه أن يتحرّك، و بهذا القيد احترزوا عن المفارقات- أعني الجواهر المجرّدة عن المادة القائمة بأنفسها- فإنّ الحركة مسلوبة عنها لكن ليس من شأنها الحركة، فلا تتّصف بحركة و لا سكون. و عند المتكلّمين: حصول الجسم في المكان أكثر من زمان واحد، و بين المعنيين تلازم في الوجود و تغاير في المفهوم. و على الأوّل التقابل بين الحركة و السكون تقابل العدم و الملكة، و على الثاني تقابل الضدّين.
قال في الملخّص «1»: مأخذ الخلاف أنّ الجسم إذا لم يكن متحرّكا عن مكانه كان هناك أمران:
أحدهما: حصوله في ذلك المكان المعيّن.
و الثاني: عدم حركته عنه مع أنّ من شأنه أن يتحرّك، و الأوّل أمر ثبوتيّ من مقولة الأين، و الثاني عدميّ بالاتّفاق. و المتكلّمون أطلقوا لفظ السكون على الأوّل، و الحكماء على الثاني، فالنزاع لفظي.
و الحركة قيل: هي الخروج من القوّة إلى الفعل على سبيل التدريج. و بهذا
__________________________________________________
 (1) لم نعثر على هذا الكتاب.

218
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 210

وَ مُقيمُه وَ شاخِصُه.
القيد احترز عن الكون و هو ما حدث دفعة. كانقلاب الهواء ماء، فإنّ الصورة الهوائية كانت للماء بالقوّة فخرجت منها إلى الفعل دفعة.
و قيل: هي انتقال المتحيّز من حيّز إلى حيّز آخر.
و قيل: هي حصول المتحيّز في حيّز بعد أن كان في حيّز آخر. ثمّ المتحرّك هنا يشمل ما كان حركته كميّة، و هي انتقال الجسم من كميّة إلى أخرى، كالنمو و الذبول، أو كيفيّة، كانتقال الجسم من البرودة إلى الحرارة على التدريج و بالعكس، و تسمّى هذه الحركة استحالة أو أينيّة، و هي حركة الجسم من مكان إلى آخر، و تسمّى نقلة «1» أو وضعية، و هي الحركة المستديرة التي يلازم الجسم معها مكانه، كحركة الرحى و الكرة في مكانها و ما كانت حركته إرادية، و هي ما يكون مبدؤها بسبب أمر خارج مقارنا بشعور و إرادة، كالحركة الصادرة من الحيوان بإرادته، أو قسريّة، و هي ما يكون مبدؤها بسبب ميل مستفاد من خارج، كالحجر المرميّ إلى فوق، أو طبيعيّة، و هي ما لا تحصل بسبب أمر خارج و لا تكون مع شعور و إرادة، كحركة الحجر إلى أسفل، أو عرضيّة، و هي ما يكون عروضها للجسم بواسطة عروضها لشي‏ء آخر بالحقيقة، كحركة الدرّة المتحرّكة بحركة الحقّة.
إذا عرفت ذلك فتقديم «الساكن» على «المتحرك» في الذكر لكون السكون مقدّما على الحركة*.
أقام بالمكان إقامة: دام، فهو مقيم.
__________________________________________________
 (1) في «الف» نقليّة.

219
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 210

.......... و شخص يشخص- من باب منع- شخوصا: خرج من موضع إلى غيره فهو شاخص. و يتعدّى بالهمزة فيقال أشخصته، و أغرب من فسّر الشاخص هنا بمعنى المرتفع من شخص شخصوا أيضا بمعنى ارتفع.
فإن قلت: ما المراد بالمقيم و الشاخص ممّا بثّه اللّه سبحانه في السماء؟
قلت: يحتمل أن يراد بالمقيم الملائكة الذين لا يبرحون من السماء، و هم أرباب العبادة، فمنهم من هو ساجد أبدا لا يقوم من سجوده ليركع، و منهم من هو راكع أبدا لم ينتصب قط، و منهم الصافّون بالصلاة بين يدي خالقهم لا يتزايلون، كما ورد في كلام أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه حيث قال: ثمّ فتق ما بين السماوات العلى فملأهنّ أطوارا من ملائكته، منهم سجود لا يركعون و ركوع لا ينتصبون و صافّون لا يتزايلون «1».
و يكون المراد بالشاخص الملائكة الذين يخرجون من السماء بامر ربّهم، و يهبطون إلى الأرض لأمور و كلّوا بها، كالمعقّبات و هم الملائكة الذين ينزلون بالبركات و يصعدون بأرواح بني آدم و أعمالهم، و كالملائكة الذين يكتبون الصلاة على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، كما روي عن أبي عبد اللّه عليه السلام أنه إذا كان يوم الخميس عند العصر أهبط اللّه تعالى ملائكة من السماء إلى الأرض، معها صحائف من فضّة، بأيديها أقلام من ذهب تكتب الصلاة على محمّد في ذلك اليوم و تلك الليلة إلى الغد إلى غروب الشمس «2».
و كالملائكة الموكّلين بقبره صلّى اللّه عليه و آله، فقد ورد: ما من فجر يطلع إلاّ
__________________________________________________
 (1) نهج البلاغة: ص 41 الخطبة 1.
 (2) بحار الأنوار: ج 94 ص 50.

220
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 210

وَ ما عَلا في الهَواءِ وَ ما كَنَّ تَحْتَ الثّرى‏.
نزل سبعون ألف ملك حتّى يحفو بقبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، حتّى إذا أمسوا عرجوا و هبط مثلهم فصنعوا مثل ذلك، حتى إذا انشقّت الأرض خرج في سبعين ألف ملك يوقّرونه «1»، و اللّه أعلم*.
علا الشي‏ء يعلو علوّا- من باب قعد-: ارتفع، يقال: علوت في الجبل و علوته و علوت عليه: أي رقيته.
و علي في المكارم، يعلى- من باب تعب- علاء بالفتح و المدّ. و بالمضارع سمّي، و منه: يعلى بن أميّة.
و الهواء بالمدّ: الجوّ. و هو المسخّر بين السماء و الأرض. و الجمع: أهوية. و يطلق أيضا على الخلاء الذي لم تشغله الأجرام.
و كنّ- بالفتح على الرواية المشهورة-: بمعنى استكنّ أي: استتر و اختفى. و على هذا فيستعمل لازما و متعدّيا. يقال: كننته، أكنّه- من باب قتل- بمعنى: سترته فكنّ هو.
و أمّا أكننته بالألف فبمعنى: أضمرته.
قال الكسائي: كننت الشي‏ء: سترته في الكنّ بالكسر و هو السترة. و أكننته في نفسي: أسررته «2».
و قال أبو زيد: كننته و أكننته بمعنى في الكنّ و في النفس جميعا «3».
و في نسخة ابن إدريس: «و ما كنّ تحت الثرى» بضمّ الكاف على البناء
__________________________________________________
 (1) سنن الدارمي: ج 1 ص 44 و فيه: «يوم ... ألفا من الملائكة ... ألفا من الملائكة يزفّونه».
 (2) الصحاح في اللغة: ج 6 ص 2189.
 (3) تاج العروس: ج 9 ص 323.

221
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 210

أصْبَحْنا في قَبضَتِكَ.
للمفعول، من كننت الشي‏ء بمعنى: سترته.
و الثرى بالقصر: التراب النديّ. و عن محمد بن كعب: أنّه ما تحت الأرضين السبع «1».
و عن السدي: أنّ الثرى هو الصخرة التي عليها الأرض السابعة «2».
و قيل: الثور أو الحوت.
و قيل: هو الطبقة الترابية من الأرض و هو آخر طبقاتها.
و قال بعض المفسّرين: التحقيق أنّ الثرى هو التراب النديّ، و هو ما جاور البحر من جرم الأرض، فالذي تحته هو ما بقي من جرم الأرض إلى المركز.
فيحتمل أن يكون هناك أشياء لا يعلمها إلاّ اللّه تعالى من المعادن و غيرها، و لا ريب أنّ الكلّ له سبحانه.
و يؤيّده قول أهل اللغة: الثرى: التراب النديّ، فإن لم يكن نديّا فهو تراب و لا يقال حينئذ: «ثرى».
و الحاصل: أنّ له سبحانه و تعالى ما علا و ما سفل و ما توسّط و ما نزل*.
 [ 325] قبض الشي‏ء قبضا- من باب ضرب-: أخذه بكفّه، و هو في قبضه و في قبضته بالفتح أي: في ملكه. و أمّا القبضة بالضمّ فاسم للمقبوض، كالغرفة بمعنى المغروف، و قد تفتح بهذا المعنى أيضا.
قال في القاموس: و القبضة: ما قبضت عليه من شي‏ء، و بالضمّ أكثر «3».
أي: أصبحنا في ملكك و تحت قدرتك، تتصرّف فينا كيف تشاء بلا مانع‏
__________________________________________________
 (1) تفسير الكشّاف: ج 3 ص 52.
 (2) تفسير الكشّاف: ج 3 ص 52.
 (3) القاموس المحيط: ج 2 ص 341.

222
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 210

.......... و لا دافع.
و عبّر عن ذلك بالكون في القبضة، جريا على سنن التمثيل الذي يسمّيه أهل البيان تمثيلا تخييليّا، أي الإيقاع في الخيال بتصوير المعاني العقلية بصور الأعيان الحسّية، لكونها أظهر حضورا و أكثر خطورا.
و هذا ما قال الحكماء: إنّ الناس للتخييل أطوع منهم للتصديق، فأكثروا من استعمال القضايا المخيّلة في مقام الترغيب و التنفير و الاستماحة و الاستعطاف و نحو ذلك. و هي و إن كانت ترى بحسب الظاهر كاذبة فليست بكاذبة، لأنّ القصد منها تشبيه تلك الحال بحال من تفرض له تلك الصورة الحسّية مثلا، مثّل حال تسلّطه تعالى على عباده، و إحاطته بامورهم، و قدرته على التصرّف فيهم كيف يشاء، بحال من تكون له قبضة تحتوي عليهم و يكونون فيها، من غير أن يذهب بها إلى جهة حقيقة بالنسبة إلى اللّه تعالى، كما يذهب إليه المجسّمة، أو مجاز بأن يراد بالقبضة الملك. و إنّما المراد بالمفردات في مثل ذلك حقائقها في نفسها، كما في قولهم: أراك تقدّم رجلا و تؤخّر أخرى، لكن لا بالنسبة إلى الممثّل له، بل بالنسبة إلى الممثّل به، و هو باب جليل في علم البيان، عليه يحمل كثير من متشابهات القرآن، كقوله تعالى: وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ «1»، و قوله تعالى: وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ «2».
قال صاحب الكشّاف: إنّ ذلك تمثيل و تصوير لعظمته تعالى، و توقيف على كنه جلاله، من غير ذهاب بالقبضة و اليمين و الأيدي إلى جهة حقيقة أو مجاز «3».
__________________________________________________
 (1) سورة الزمر: الآية 67.
 (2) سورة الذاريات: الآية 47.
 (3) تفسير الكشّاف: ج 4 ص 143.

223
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 210

يَحْوينا مُلكُكَ وَ سُلْطانُكَ وَ تَضُمُّنا مَشِيَّتُكَ وَ نَتَصَرَّفُ عَنْ أمْرِكَ وَ نَتَقَلَّبُ في تَدبِيرِكَ.
بل يذهب إلى آخر الزبدة و الخلاصة من الكلام من غير أن يتمحّل بمفرداته حقيقة أو مجاز، كقوله تعالى: وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ «1» أي: هو بخيل، بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ «2» أي: هو جواد من غير تصوّر يد و لا غلّ و لا بسط.
و شدّد النكير على من تأوّل القبضة بالملك، و اليمين و اليد بالقدرة، و قال: إنّه من ضيق العطن و المسافرة من علم البيان مسافة أعوام. قال: و كم من آية من آيات اللّه في التنزيل، و حديث من أحاديث الرسول، قد ضيم و سيم الخسف بالتأويلات الغثة و الوجوه الرثة «3».
و اعتذر الشيخ عبد القاهر [1] من تأويلهم القبضة بالملك و اليد بالقدرة و نحو ذلك بأنّ الغرض منه أن لا يقع السامع في التشبيه و التجسيم ريثما ينبّه على كون الكلام للتصوير و التمثيل «4»*.
حوى الشي‏ء يحويه: إذا ضمّه و استولى عليه.
و الملك بالضمّ: اسم من ملك على الناس أي: تولّى أمرهم.
__________________________________________________
 [1] هو أبا بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني النحوي اللغوي، مؤسس علم البيان، صاحب أسرار البلاغة و دلائل الاعجاز و العوامل المائة و من شعره:
         تذلل لمن إن تذللت له             يرى ذاك للفضل لا للبله‏
             و جانب صداقة من لا يزال             على الأصدقاء يرى الفضل له‏
 توفي سنة 471 ه. الكنى و الألقاب: ج 2 ص 128.
__________________________________________________
 (1) سورة المائدة: الآية 64.
 (2) سورة المائدة: الآية 64.
 (3) تفسير الكشّاف: ج 4 ص 143.
 (4) أسرار البلاغة: ص 331.

224
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 210

.......... و جملة «يحوينا ملكك» حال مؤكّدة لمضمون الجملة قبلها.
و السلطان هنا بمعنى: الولاية، و عطفه على الملك من عطف الشي‏ء على مرادفه، نحو إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللَّهِ «1».
و زعم بعض أهل البيان أنّ التطويل لا لفائدة من طرق التعبير عن المراد ممّا لا يقبل. و اعترض بأنّ ذكر الشي‏ء مرّتين فيه فائدة التأكيد. و قد قال النحاة: إنّ الشي‏ء يعطف على نفسه تأكيدا، و الفائدة التأكيديّة معتبرة في الإطناب.
و ضمّ الشي‏ء ضمّا- من باب قتل-: جمعه.
و ضمّ المشيئة: كناية عن جريانها في جميع مخلوقاته سبحانه و اجتماعهم تحتها، فكأنّها جمعتهم جميعا بحيث لا يشذّ عنها منهم شاذّ.
و اتّفقت النسخ هنا على ترك الهمزة من المشيئة و تشديد الياء منها. و قد سبق الكلام على توجيهه في الروضة الأولى «2».
قوله عليه السلام: «و نتصرّف عن أمرك» التصرّف و التقلّب بمعنى: صرّفته في الأمر، تصريفا فتصرّف: قلّبته فتقلّب.
و عن: يحتمل أن يكون سببية، أي: بسبب أمرك، مثلها في قوله تعالى: وَ ما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ «3»، فالظرف لغو متعلّق ب «نتصرّف». و يحتمل أن يكون مستقرّا على أنّه حال من الضمير، أي: نتصرّف صادرين عن أمرك.
قيل: المراد به الأمر التكويني، و قيل: أمر المخلوق بالتوجّه إلى وجهته على وفق إرادة اللّه تعالى و سوق الحكمة الإلهيّة كلاّ إلى غايته. و هو إشارة إلى توجيه أسبابه‏
__________________________________________________
 (1) سورة يوسف: الآية 86.
 (2) ج 1 ص 263.
 (3) سورة هود: الآية 53.

225
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 210

لَيسَ لَنا مِنَ الأَمْرِ إِلاّ ما قَضَيْتَ وَ لا مِنَ الخَيرِ إِلاّ ما أعطيْتَ.
بحسب القضاء الإلهيّ عليه بذلك.
قوله عليه السلام: «و نتقلّب في تدبيرك» التقلّب: الصيرورة من حال إلى حال. و أصله من التقلّب ظهرا لبطن.
و التدبير: فعل الشي‏ء عن فكر و رويّة و نظر إلى دبره و هو عاقبته و آخره.
و المراد به هنا تعلّق العلم بصلاح آخره كتعلّقه بصلاح أوّله من غير رويّة و فكر. و قيل: إيجاده على وفق المصلحة*.
 [ 326] ما قضيت: اسم ليس، و لنا: خبرها، قدّم وجوبا لاقتران الاسم ب «إلاّ».
و من: بيانيّة.
و الأمر هنا بمعنى: الشأن و الحالة. و الألف و اللام فيه جنسية لاستغراق الأفراد، أي: ليس لنا من كلّ أمر إلاّ ما قضيته. و يحتمل أن تكون لتعريف الماهيّة.
قال العلاّمة البهائي قدّس سرّه في المفتاح: المراد بالأمر هنا النفع، فالمعطوفة عليها كالمفسّرة لها «1». انته.
و إنّما فسّره بالنفع لما يدلّ عليه بحسب الظاهر من الجبر و سلب اختيار العبد، لو أريد بالأمر مطلقه، فتكون أفعال العباد كلّها خيرها و شرّها بقضائه تعالى.
و بطلانه معلوم عندنا عقلا و نقلا، فوجب التأويل. فإذا أوّل الأمر بالنفع كان من فعله تعالى، و فعله لا يكون إلاّ بقضائه سبحانه، فكانت أفعال العباد خارجة عنه.
__________________________________________________
 (1) مفتاح الفلاح للبهائي: ص 108.

226
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 210

.......... و قال بعض المحقّقين من أصحابنا: و قد يفسّر القضاء بمعنى العلم الملزوم، و الإيجاد الواجب على وفقه، و هو أنّ القضاء عبارة عن إبداع الأوّل تعالى لصور الموجودات الكلّية و الجزئية، الّتي لا نهاية لها من حيث هي معقولة في العالم العقليّ. ثمّ لما كان إيجاد ما يتعلّق منها بموادّ الأجسام في موادّها، و إخراج المادّة من القوّة إلى الفعل، غير ممكن إلاّ على سبيل التعاقب، لامتناع قبول المادّة الصور الكثيرة دفعة، و كان الجود الإلهيّ مقتضيا لإيجادها، و لتكميل المادّة بإيداعها فيها، و إخراج ما فيها من قبول تلك الصورة من القوّة إلى الفعل، قدّر بلطيف حكمته وجود الزمان المديد، لتخرج فيه تلك الأمور من القوّة إلى الفعل واحدا بعد واحد، فتصير في جميع ذلك الزمان موجودة في موادّها، و تكون المادّة كاملة بها. فالقدر عبارة عن وجود هذه الأشياء مفصّلة «1» واحدا بعد واحد في موادّها السفليّة الخارجيّة، بعد أن كانت مقدّرة في صحائفها العلويّة، كما قال تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ «2». و القضاء بالمعنى المذكور لا ينافي اختيار العبد و حسن تكليفه و ثوابه و عقابه، لأنّ معنى الاختيار أن يكون للعبد قوّة فاعليّة صالحة للفعل و الترك يقال لها: القدرة، و قوّة أخرى علميّة مدركة للنفع و الضرر و الآفة و الشرّ في جانبي ما يقدّر عليه، و قوّة أخرى إراديّة باعثة تطيعها القوّة المسمّاة بالقدرة، بحيث متى انبعثت الإرادة لفعل أو تزك، بحسب ما أدركته النفس بقوّتها الإدراكيّة، أطاعتها تلك القوّة ففعلت أو تركت. و ذلك أمر لا ينافي علم اللّه تعالى بما يقع أو لا يقع من الطرفين. فإن حصل وجوب بعد تصور نفع‏
__________________________________________________
 (1) في «الف»: متّصلة.
 (2) سورة الحجر: الآية 21.

227
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 210

وَ هَذا يَومٌ حادِثٌ جَديدٌ وَ هُوَ عَلَينا شاهِدٌ عَتيدٌ.
مظنون أو مجزوم و انبعاث إرادة عازمة، فذلك وجوب عارض لا حق لا ينافيه إمكان سابق انته.
إذا عرفت ذلك فبقاء معنى الأمر على عمومه لا محذور فيه.
قوله عليه السلام: «و لا من الخير إلاّ ما أعطيت» الخير: لفظ جامع لجميع الأمور الحسنة، كما أنّ الشرّ جامع لجميع الأمور القبيحة، فهو مفهوم كلّي يندرج تحته أفراد كثيرة.
و قيل: الخير هو الوجود، و إطلاقه على غيره إنّما هو بالعرض، و هو ينقسم إلى خير مطلق، كوجود العقل، و إلى خير مقيّد، كوجود كلّ واحدة من الصفات المرضيّة و الشرائع النبويّة.
و الأوّل هو الحقّ، و هو معنى قول بعض العلماء، الخير ما يرغب فيه الكلّ، كالعقل مثلا و العدل و الشي‏ء النافع، و الشرّ ضدّه.
و المال سمّي بالخير تارة و بالشرّ أخرى، نحو إِنْ تَرَكَ خَيْراً «1»، و أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَ بَنِينَ. نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ «2»، لأنّه خير لشخص و شرّ لآخر، فمن أنفقه في سبيل اللّه تعالى و أمسكه عن سبيل الشيطان كان له خيرا، و من عكس كان له شرّا*.
 [ 327] اليوم في اللغة: عبارة عن الزمن الذي يقع ما بين طلوع الشمس إلى غروبها، و في الشرع عبارة عمّا يقع بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، و في عرف المنجّمين: عبارة عن مفارقة الشمس دائرة نصف النهار إلى عودها إليها
__________________________________________________
 (1) سورة البقرة: الآية 180.
 (2) سورة المؤمنون: الآية 55 و 56.

228
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 210

.......... بحركة الكلّ.
و حدث الشي‏ء حدوثا- من باب قعد-: وجد بعد عدمه.
و شهد على الشي‏ء: اطّلع عليه و عاينه، فهو شاهد و شهيد.
و شهد عليه بكذا: أخبر بما اطّلع عليه منه، و منه قوله تعالى: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ «1».
و كثيرا ما يحذف متعلّق الشهادة، أعني الإخبار بما قد شوهد، فيقال: شهد فلان على فلان، أي: أخبر بما شاهده منه، فهو شاهد عليه و شهيد أيضا، و منه قوله تعالى: وَ قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا «2»، و يمكن أن يكون هذا المعنى هو المراد هنا.
و في معناه ما رواه ثقة الإسلام في الكافي بسنده عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال: «ما من يوم يأتي على ابن آدم إلاّ قال له ذلك اليوم: يا بن آدم أنا يوم جديد، و أنا عليك شهيد، فقل فيّ خيرا، و اعمل فيّ خيرا، اشهد لك يوم القيامة، فإنّك لن تراني بعدها أبدا» «3». قال بعض العلماء: هذا القول بلسان الحال، و ينبغي للمؤمن أن يسمعه باذن قلبه و يعمل بمقتضاه.
قلت: و هذه الشهادة أيضا بلسان الحال و النطق به، فإنّ اليوم لمّا كان ظرفا لمباشرة الفعل كان حضور ذلك اليوم و ما صدر فيه في علم اللّه تعالى بمنزلة الشهادة بين يديه و آكد في الدلالة.
و العتيد: فعيل بمعنى فاعل، من عتد الشي‏ء، كعظم، عتادا بالفتح بمعنى:
__________________________________________________
 (1) سورة النور: الآية 24.
 (2) سورة فصلت: الآية 21.
 (3) الكافي: ج 2 ص 523 ح 8.

229
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 210

إِنْ أحْسَنّا وَدَّعَنا بِحَمدٍ، وَ إِنْ أسَأنا فارَقَنا بِذَمٍّ.
حضر. فهو عتد بفتحتين و عتيد. و يتعدّى بالهمزة و التضعيف، فيقال: أعتده صاحبه و عتّده، إذا أعدّه و هيّأه، فهو معتدّ، و منه قوله تعالى: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً «1»*.
أحسن: فعل الحسن، كما يقال: أجاد إذا فعل الجيّد.
و أساء: فعل سوء.
و ودّع المسافر الناس توديعا: خلّفهم خافضين في دعة و هم يودّعونه إذا سافر، تفاؤلا بالدعة التي يصير إليها إذا قفل «2». و الاسم الوداع بالفتح. فهو على هذا مأخوذ من الدعة بمعنى الخفض و السعة في العيش. و قيل مأخوذ من الودع بمعنى الترك، و وجهه ظاهر.
و الباء من قوله: «بحمد» و «بذمّ» للملابسة، أي: ودّعنا ملتبسا بحمد و فارقنا ملتبسا بذمّ.
و إسناد التوديع و المفارقة لليوم مجاز عقليّ، و لك جعله من باب الاستعارة المكنيّة التخييليّة، أو من باب الاستعارة التمثيليّة، بأن يعتبر تشبيه التلبّس الغير الفاعليّ بالتلبّس الفاعليّ، و يستعمل فيه اللفظ الموضوع لإفادة التلبّس الفاعليّ، كما في: «أراك تقدّم رجلا و تؤخّر أخرى». و يمكن أن يكون ذلك على وجه التقدير، أي: لو كان اليوم عاقلا ثمّ أراد الذهاب عنّا لكان إن أحسنّا مودّعا لنا بحمد، و إن أسأنا مفارقا لنا بذمّ. و إنّما جي‏ء بلفظ الواقع لأنّ الواقع أبلغ من المقدّر*.
__________________________________________________
 (1) سورة الكهف: الآية 29.
 (2) قفل من سفره: رجع، و الاسم قفل (المصباح المنير: ص 702).

230
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 210

اللّهُمّ صَلِّ عَلى‏ مُحمّدٍ وَ آلِهِ وَ ارْزُقْنا حُسْنَ مُصَاحَبَتِه وَ اعْصِمْنا مِنْ سُوءِ مُفارَقَتِه.
بِارْتِكابِ جَريرَةٍ أوِ اقْتِرافِ صَغيرَةٍ أوْ كَبيرَةٍ.

 [ 328] رزقه اللّه، رزقا بالفتح: أعطاه و وهبه، أي: وهب لنا حسن مصاحبته.
و المصاحبة: مفاعلة من الصحبة بمعنى المعاشرة. و تطلق على مطلق الملازمة.
قال ابن فارس: كلّ شي‏ء لازم شيئا فقد اصطحبه «1».
و حسن مصاحبته: كناية عن الكون فيه بالطاعات، و اجتناب المعاصي، و السلامة فيه من الآفات الدينيّة و الدنيويّة.
 [ 329] و عصمه اللّه من المكروه يعصمه- من باب ضرب-: حفظه و وقاه.
أي: احفظنا و قنا من سوء مفارقته بحسم أسباب المعاصي و عدم الإعداد لها، إذ كان ارتكابها هو الموجب لسوء مفارقته، كما أشار إليه عليه السلام بقوله: «2»*.
الباء: للسببيّة، متعلّقة بسوء مفارقته.
و ارتكاب الذنب و اقترافه بمعنى، أي: اكتسابه.
و الجريرة: ما يجرّه الإنسان من ذنب. فعيلة بمعنى مفعولة.
و الصغيرة و الكبيرة: من الصفات الغالبة. قيل: الصغيرة هي الزلة التي لا تكسب النفس هيئة رديّة باقية، بل حالة يسرع زوالها، و الكبيرة بخلافها.
و قد اختلفت أقوال الأكابر في تحقيق الكبائر، فروى ثقة الإسلام في الكافي بإسناده عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال: «الكبائر: التي أوجب اللّه‏
__________________________________________________
 (1) معجم مقاييس اللغة: ج 3 ص 335.
 (2) أي في الدعاء «بارتكاب جريرة» الى آخره.

231
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 210

.......... عزّ و جلّ عليها النار» «1».
و قال قوم: هي كلّ ذنب رتّب عليه الشارع حدّا، أو صرّح فيه بالوعيد.
و قيل: هي كلّ معصية يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنصّ من كتاب أو سنّة.
و قال بعضهم: هي كلّ جريرة تؤذن بقلّة اكتراث صاحبها بالدين.
و قالت طائفة: كلّ ذنب علمت حرمته بدليل قاطع.
و عن ابن مسعود أنّه قال: أقرءوا من أوّل سورة النساء إلى قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ «2» فكلّما نهي عنه في هذه السورة إلى هذه الآية فهو كبيرة «3».
و ضعّف بأنّه تعالى ذكر الكبائر في سائر السور، فلا وجه للتخصيص.
و قال جماعة: هي الذنوب التي نصّ عليها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بأعيانها، فقال: «اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك باللّه، و السحر، و قتل النفس التي حرّم اللّه إلاّ بالحقّ، و أكل الربا، و أكل مال اليتيم، و التولّي يوم الزحف، و قذف المحصنات الغافلات المؤمنات» «4».
و ضعّف بأنّه ذكر عند ابن عبّاس أنّها سبعة فقال: هي إلى السبعين، و في رواية إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع «5».
و في رواية عن الرضا عليه السلام: أنّها السبع المذكورة، و اليأس من روح‏
__________________________________________________
 (1) الكافي: ج 2 ص 276 ح 1.
 (2) سورة النساء: الآية 31.
 (3) الدرّ المنثور: ج 2 ص 148.
 (4) الدرّ المنثور: ج 2 ص 146.
 (5) مجمع البيان: ج 3- 4 ص 39.

232
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 210

.......... اللّه، و الأمن من مكر اللّه، و عقوق الوالدين، و الزنا، و اليمين الغموس، و الغلول، و منع الزكاة المفروضة، و شهادة الزور، و كتمان الشهادة، و شرب الخمر، و ترك الصلاة متعمّدا أو شي‏ء ممّا فرض اللّه عزّ و جلّ، و نقض العهد، و قطيعة الرحم «1».
و زاد بعضهم اللواط، و الغيبة، و استحلال الكعبة، و التعرّب بعد الهجرة.
و زاد بعض أكل الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهلّ لغير اللّه به من غير ضرورة، و السحت، و القمار، و البخس في الكيل و الوزن، و معاونة الظالمين، و حبس الحقوق من غير عسر، و السعاية إلى الظالم، و تأخير الحجّ عن عام الوجوب اختيارا، و الظهار، و الإسراف، و التبذير، و الخيانة، و الاشتغال بالملاهي، و الإصرار على الذنوب، و الرشوة، و المحاربة بقطع الطريق، و القيادة، و الدياثة، و النميمة، و الغصب، و الكذب- خصوصا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله-، و ضرب المسلم بغير حقّ، و تأخير الصلاة عن وقتها.
و قال قوم: جميع الذنوب و المعاصي كبائر. قال الشيخ أمين الإسلام الطبرسيّ في تفسيريه الكبير و الصغير: و إلى هذا ذهب أصحابنا رضوان اللّه عليهم، فإنّهم قالوا: المعاصي كلّها كبائر من حيث كانت قبائح، لكن بعضها أكبر من بعض، و ليس في الذنوب صغير، و إنّما يكون صغيرا بالإضافة إلى ما هو منه أكبر، و يستحقّ عليه العقاب أكثر «2». انته كلامه.
__________________________________________________
 (1) عيون أخبار الرضا: ج 1 ص 223 ح 33 مع اختلاف يسير في بعض ألفاظ الحديث.
 (2) مجمع البيان: ج 3- 4 ص 38، و جوامع الجامع: ج 1 ص 252.

233
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 210

.......... و لا يخفى أنّه مشعر بأنّ هذا القول متّفق عليه بين الإماميّة. لكن قال شيخنا الشهيد الثاني قدّس سرّه في شرح الشرائع: اختلف الأصحاب و غيرهم في أنّ الذنوب هل هي كلّها كبائر؟ أم تنقسم إلى كبائر و صغائر؟ فذهب جماعة منهم المفيد و ابن البرّاج و أبو الصلاح و ابن إدريس و الطبرسي إلى الأوّل، نظرا إلى اشتراكها في مخالفة أمره و نهيه تعالى، و جعلوا الوصف بالكبر و الصغر إضافيّا، فالقبلة المحرّمة صغيرة بالنسبة إلى الزنا و كبيرة بالنسبة إلى النظر، و كذلك غصب الدرهم كبيرة بالنسبة إلى غصب اللقمة و صغيرة بالإضافة إلى غصب الدينار، و هكذا.
و ذهب المصنّف و أكثر المتأخّرين إلى الثاني، عملا بظاهر قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ «1»، دلّ بمفهومه على أنّ اجتناب بعض الذنوب- و هي الكبائر- يكفّر السيئات، و هو يقتضي كونها غير كبائر، و قال تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ* «2»، مدحهم على اجتناب الكبائر من غير أن يضايقهم في الصغائر، و في الحديث: إنّ الأعمال الصالحة تكفّر الصغائر. إذا تقرّر ذلك فعلى القول الأوّل يقدح في العدالة مواقعة أيّ معصية كانت، و لا يخفى ما في هذا من الحرج و الضيق، لأنّ غير المعصوم لا ينفكّ عن ذلك، و قد قال تعالى: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ «3».
و أجاب ابن إدريس: بأنّ الحرج ينتفي بالتوبة، و أجيب: بأنّ التوبة تسقط الكبائر و الصغائر، و لا يكفي في الحكم بالتوبة مطلق الاستغفار و إظهار الندم‏
__________________________________________________
 (1) سورة النساء: الآية 31.
 (2) سورة النجم: الآية 32.
 (3) سورة الحج: الآية 78

234
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تبصرة ص 210

.......... حتّى يعلم من حاله ذلك، و هذا قد يؤدّي إلى زمان طويل يفوت معه الغرض من الشهادة و نحوها، فيبقى الحرج. و على الثاني: يعتبر اجتناب الكبائر كلّها، و عدم الإصرار على الصغائر، فإنّ الإصرار عليها يلحقها بالكبيرة، و من ثمّ ورد:
لا صغيرة مع الإصرار و لا كبيرة مع الاستغفار. و المراد بالإصرار: الإكثار منها، سواء كان من نوع واحد أو أنواع مختلفة. و قيل: المداومة على نوع واحد منها، و لعلّ الإصرار يتحقّق بكلّ منها. و في حكمه العزم على فعلها ثانيا و إن لم يفعل، و أمّا من فعل الصغيرة و لم يخطر على باله بعدها العزم على فعلها و لا التوبة منها فهذا الذي لا يقدح في العدالة، و إلاّ لأدّى إلى أن لا تقبل شهادة أحد، و لعلّ هذا ممّا تكفّره الأعمال الصالحة من الصلاة و الصيام و غيرهما كما جاء في الخبر «1». انته كلام الشهيد طاب ثراه.
تنبيهان‏
الأوّل:
قال بعضهم: إنّ تكفير الصغائر باجتناب الكبائر على القول بأنّ كلاّ منها أمور مخصوصة معقول، فما معناه على القول بأنّ الوصف بالكبر و الصغر إضافيّ؟
و أجيب: بأنّ معناه أنّ من عنّ له أمران منها، و دعته نفسه إليهما بحيث لا يتمالك، فكفّها عن أكبرهما مرتكبا أصغرهما، فإنّه يكفّر عنه ما ارتكبه، لما
__________________________________________________
 (1) مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام: ج 2 ص 402.

235
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيهان ص 235

.......... استحقّه من الثواب على اجتناب الأكبر، كمن عنّ له التقبيل و النظر بشهوة فكفّ عن التقبيل و ارتكب النظر.
و فيه: أنّه يلزم منه أنّ من كفّ نفسه عن قتل شخص و قطع يده مثلا يكون مرتكبا للصغيرة و تكون مكفّرة، اللّهمّ إلاّ أن يراد بقوله: «مرتكبا أصغرهما» ما لا أصغر منه في نوعه، و هو في المثال أقلّ ما يصدق عليه الضرر. و فيه ما فيه.
الثاني:
قال العلاّمة البهائي قدّس سرّه في شرح الأربعين: الظاهر أنّ قولهم: العدل من يجتنب الكبائر و لا يصرّ على الصغائر، ينبغي أن يراد به أنّه إذا عنّ له أمران كفّ عن الأكبر و لم يصرّ على الأصغر. و هذا المعنى و إن كان غير مشهور فيما بينهم، و لا مسطور في مصنّفاتهم، بل المتعارف بينهم خلافه، لكنّه هو الذي يقتضيه النظر- بناء على القول بأنّ الذنوب كلّها كبائر- فما في كلام بعض الأعلام بأنّه يلزمهم أن يكون كلّ معصية مخرجة عن العدالة محلّ نظر «1» انته.
تذنيب‏
قال العلاّمة النيسابوري في تفسيره: الحقّ في هذه المسألة- و عليه الأكثر بعد إثبات تقسيم الذنب إلى الصغير و الكبير- أنّه تعالى لم يميّز جملة الكبائر عن جملة الصغائر، لما بيّن في قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ‏
__________________________________________________
 (1) كتاب الأربعين: ص 135.

236
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تذنيب ص 236

وَ أجْزِلْ لَنا فيهِ مِنَ الحَسَناتِ وَ أخلِنا فيهِ مِنَ السّيِئاتِ.
سَيِّئاتِكُمْ أنّ اجتناب الكبائر يوجب تكفير الصغائر. فلو عرف المكلّف جميع الكبائر اجتنبها فقط و اجترأ على الإقدام على الصغائر، أمّا إذا عرف أنّه لا ذنب إلاّ و يجوز كونه كبيرا، صار هذا المعنى زاجرا له عن الذنوب كلّها. و نظير هذا في الشرع إخفاء ليلة القدر في ليالي شهر رمضان، و ساعة الإجابة في ساعات الجمعة، و وقت الموت في جملة الأوقات، هذا. و لا مانع أن يبيّن الشارع في بعض الذنوب أنّه كبيرة، كما روي أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: اجتنبوا السبع الموبقات ... إلى غير ذلك «1»*.
 [ 330] جزل الحطب بالضمّ جزالة: إذا عظم و غلظ، فهو جزل.
أنشد سيبويه:
         متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا             تجد حطبا جزلا و نارا تأجّجا «2»
 ثمّ استعير في العطاء، فقيل: أجزل له في العطاء إذا أوسعه و أكثر منه، أي:
و أكثر لنا فيه من الحسنات.
و الغرض سؤال إفاضة قوّة تستعدّ بها النفوس و تقوى على الإكثار من كسب الحسنات.
و من: إمّا زائدة، نحو يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ «3» على رأي الأخفش «4»، أو ابتدائيّة و المفعول محذوف، و التقدير: و أجزل لنا فيه العطاء من الحسنات.
و عرّفت الحسنة بأنّها ما تكون متعلّق المدح في العاجل و الثواب في الآجل،
__________________________________________________
 (1) تفسير غرائب القرآن و رغائب الفرقان: ج 1 ص 425.
 (2) كتاب سيبويه: ج 1 ص 521.
 (3) سورة الأحقاف: الآية 31.
 (4) المغني اللبيب: ص 428.

237
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تذنيب ص 236

وَ امْلأ لَنا ما بَينَ طَرَفَيْهِ حَمْداً وَ شُكْراً وَ أجْراً وَ ذُخْراً وَ فَضْلاً وَ إِحْساناً.
و السيّئة خلافها.
و قيل: الحسنة ما ندب إليه الشارع، و السيئة ما نهى عنه، و أصلها سيوءة، من ساء يسوء سوا و مساءة، قلبت الواو ياء و ادغمت.
و أخلاه: جعله خاليا، أي: فارغا. أي: اجعلنا فارغين من السيئات بحسم أسبابها و عدم الإعداد لها.
و حاصل ذلك كلّه سؤال التوفيق و الالطاف الداعية إلى كسب الحسنات، و الألطاف الصارفة عن اكتساب السيئات.
و لك حمل كلّ من الحسنات و السيئات على معناه اللغوي، فتعمّ الدينيّة و الدنيويّة*.
 [ 331] ملأ الإناء ملأ- من باب نفع-: أنعمه.
و طرف الشي‏ء بالتحريك: جانبه، و المراد بطرفيه: أوّله و آخره و هو كناية عن جميعه، و الغرض طلب الكثرة من الحمد و الشكر و ما بعدهما، بحيث لا يخلو أن من آناء اليوم من شي‏ء من ذلك، حتى لو قدر أن يكون اليوم اناء و الحمد و ما بعده أجساما لبلغت من كثرتها أن تملأه.
و لكلّ من الحمد و الشكر معنيان لغوي و عرفي، فالحمد لغة: هو الثناء باللسان على الجميل، سواء تعلّق بالفضائل أو بالفواضل.
و عرفا: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم على النعمة باللسان أو الجنان أو الأركان.
و الشكر لغة: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب الإنعام من اللسان أو الجنان أو الأركان.

238
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تذنيب ص 236

اللّهُمَّ يَسِّرْ عَلى‏ الكِرامِ الكاتِبينَ مَئونَتَنا، وَ امْلأ لَنا مِن حَسَناتِنا صَحائِفَنا، وَ لا تُخْزِنا عِنْدَهُمْ بِسُوءِ أعْمالِنا.
و عرفا: صرف العبد جميع ما أنعم اللّه عليه من السمع و البصر و غيرهما إلى ما خلقه اللّه لأجله، فبين الحمد اللغوي و الحمد العرفي عموم و خصوص من وجه، كما أنّ بين الحمد اللغوي و الشكر اللغوي أيضا كذلك. و بين الحمد العرفي و الشكر العرفي عموم و خصوص مطلقا، كما أنّ بين الشكر اللغوي و الشكر العرفي أيضا كذلك. و بين الشكر العرفي و الحمد اللغوي عموم و خصوص من وجه.
و لا فرق بين الشكر اللغوي و الحمد العرفي، ثمّ الحمد و الشكر و إن كانا من فعل العبد، لكنّ التوفيق لهما و الإقدار عليهما من فعله سبحانه، و لذلك سألهما.
و الأجر: الثواب، اجره اللّه أجرا- من بابي ضرب و قتل-، و آجره بالمد لغة ثالثة: إذا أثابه.
و ذخرته ذخرا- من باب نفع- و الاسم الذخر بالضمّ: إذا أعددته لوقت الحاجة إليه، و الذخر ما أذخرته أيضا كالذخيرة، و هو المراد هنا.
و عنى به الأعمال الصالحة التي تعدّ ليوم الفاقة إليها، و استعار لها لفظ الذخر باعتبار أنّ تحصيلها في الدنيا لغاية الانتفاع بها في العقبى كالذخيرة، و ما أحسن ما قال القائل:
         و إذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد             ذخرا يكون كصالح الأعمال‏
 و الفضل: الزيادة و الخير.
و الإحسان لغة: ما ينبغي أن يفعل من الخير، و في الشرع: أن تعبد اللّه كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك*.
 [ 332] يسر الشي‏ء يسرا- من باب قرب-: سهل فهو يسير، و يسّره اللّه تيسيرا: سهّله.

239
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تذنيب ص 236

.......... و المئونة على فعولة بفتح الفاء: الثقل.
و قال الفراء: هي مفعلة من الأين و هو التعب و الشدّة «1».
قال الخليل: لو كان مفعلة لكان مئينة «2»، مثل معيشة. و يقال: فيها موونة بواوين بلا همز، و مؤنة بهمزة ساكنة، و مونة بواو من دون همز.
و الكرام الكاتبون: هم الملائكة الذين يحصون أعمال العباد و هم الحافظون، قال تعالى: وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ. كِراماً كاتِبِينَ «3»، و قد تقدّم الكلام على ذلك مبسوطا في الروضة الثالثة.
قال العلاّمة البهائي قدّس سرّه في المفتاح: تيسير المئونة عليهم كناية عن طلب العصمة عن إكثار الكلام، و الاشتغال بما ليس فيه نفع دنيوي و لا اخروي، إذ يحصل به التخفيف على الكرام الكاتبين بتقليل ما يكتبونه من أقوالنا و أفعالنا «4».
انته.
و في الحديث: عجبت لابن آدم و ملكاه على عاتقيه و لسانه قلمهما و ريقه مدادهما كيف يتكلّم فيما لا يعنيه «5».
و نظر بعض السلف إلى رجل يفحش، فقال: يا هذا إنّك تملي على حافظيك كتابا فانظر ما ذا تقول.
و سمع بعض الأكابر رجلا يكثر الكلام فيما لا يعنيه، فقال: إنّ حفظة هذا منه في مئونة.
__________________________________________________
 (1) لسان العرب: ج 13 ص 396.
 (2) لسان العرب: ج 13 ص 370.
 (3) سورة الانفطار: الآية 10 و 11.
 (4) مفتاح الفلاح للشيخ البهائي: ص 109.
 (5) ربيع الأبرار للزمخشري: مخطوط ص 49.

240
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تذنيب ص 236

......... و قال بعض العلماء: ليس على الكرام الكاتبين في كتابة الحسنات مئونة و كلفة، و إنّما الكلفة عليهم كتابة السيّئات.
و قد ورد في بعض الأخبار: أنّهم إذا كتبوا الحسنات صعدوا بها فرحين و عرضوها على ربّهم مسرورين، و إذا كتبوا سيّئة صعدوا بها وجمين «1» محزونين، فيقول اللّه عزّ و جلّ: ما فعل عبدي؟ فيسكتون، حتى يسألهم ثانيا و ثالثا، فيقولوا:
إلهنا أنت الستّار على عبادك، و قد أمرت بستر العيوب، فاستر عيوبهم، و أنت علاّم الغيوب. و لهذا يسمّون كراما كاتبين «2».
قوله عليه السلام: «و أملأ لنا من حسناتنا صحائفنا». الحسنات هنا:
ما يتعلّق به الثواب و القربة.
و هذه الصحائف: هي صحف الأعمال المشار إليها بقوله تعالى: وَ إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ «3».
قال الطبرسي: يعني صحف الأعمال التي كتبت فيها الملائكة أعمال أهلها من خير و شرّ، تنشر ليقرأها أصحابها، و لتظهر الأعمال فيجاوزا بحسبها «4».
و عن قتادة: هي صحيفتك يا بن آدم، تطوى على عملك حين موتك، ثمّ تنشر يوم القيامة، فلينظر رجل ما يملي في صحيفته «5».
و قال بعض أرباب المعقول: كلّ ما يدركه الإنسان بحواسّه يرتفع منه أثر إلى روحه، و يجتمع في صحيفة ذاته و خزانة مدركاته، و كذلك كلّ مثقال ذرّة من خير
__________________________________________________
 (1) وجم، يجم وجوما: أمسك عنه و هو كاره (المصباح المنير: ص 893).
 (2) تفسير الصافي: ج 5 ص 296 ذيل الآية 11 من سورة الانفطار مع اختلاف يسير في العبارة.
 (3) سورة التكوير: الآية 10.
 (4) مجمع البيان: ج 9- 10 ص 444.
 (5) تفسير الكشّاف: ج 4 ص 709.

241
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تذنيب ص 236

.......... أو شرّ يعمله يرى أثره مكتوبا ثمّة، و لا سيّما ما رسخت بسببه الهيئات، و تأكّدت به الصفات، و صار خلقا و ملكة، فالأفاعيل المتكرّرة و الاعتقادات الراسخة في النفوس هي بمنزلة النقوش الكتابيّة في الألواح، كما قال اللّه تعالى: أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ «1»، و هذه الألواح النفسية يقال لها: صحائف الأعمال، و هو كتاب منطو اليوم عن مشاهدة الأبصار، و إنّما ينكشف بالموت عند كشف الغطاء، كما قال اللّه تعالى: وَ إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ «2»، و قال عزّ و جلّ: وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً «3» و قال تعالى: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ «4».
قوله عليه السلام: «و لا تخزنا عندهم بسوء أعمالنا» خزى كرضى خزيا بالكسر: وقع في بليّة و شهرة فافتضح بها، و أخزاه اللّه: فضحة. أي: لا تفضحنا عندهم.
و المراد طلب العصمة عن المعاصي بل عن الهمّ بها، لأنّهم يطّلعون على ذلك.
كما رواه ثقة الإسلام في الكافي بسنده عن عبد اللّه بن موسى بن جعفر عن أبيه عليهم السلام قال: سألته عن الملكين هل يعلمان بالذنب إذا أراد العبد أن يعمله أو الحسنة؟ فقال: ريح الكنيف و ريح الطيب سواء؟ فقلت: لا، قال: إنّ العبد إذا همّ بالحسنة خرج نفسه طيّب الريح، فقال صاحب اليمين لصاحب‏
__________________________________________________
 (1) سورة المجادلة: الآية 22.
 (2) سورة التكوير: الآية 10.
 (3) سورة الإسراء: الآية 13.
 (4) سورة الجاثية: الآية 29.

242
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تذنيب ص 236

اللّهُمَّ اجْعَلْ لَنا في كُلِّ ساعَةٍ مِن ساعاتِهِ حَظّاً مِنْ عِبادِكَ، وَ نَصيباً مِنْ شُكْرِكَ، وَ شاهِدَ صِدْقٍ مِنْ مَلائِكَتِكَ.
الشمال: قف، فإنّه قد همّ بالحسنة، فإذا هو عملها كان لسانه قلمه و ريقه مداده فأثبتها له، و إذا همّ بالسيئة خرج نفسه منتن الريح، فيقول صاحب الشمال لصاحب اليمين: قف، فإنّه قد همّ بالسيّئة، فإذا فعلها كان ريقه مداده و لسانه قلمه فاثبتها عليه «1».
قال بعض العلماء: إنّما جعل الريق و اللسان آلة لإثبات الحسنة و السيّئة، لأنّ بناء الأعمال إنّما هو على ما عقد عليه في القلب من التكلّم بها، و إليه الإشارة بقوله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ «2»، و هذا الريق و اللسان الظاهر صورة لذلك المعنى «3» انته.
و في الحديث: ليستحي أحدكم من ملكيه اللذين معه كما يستحي من رجلين صالحين من جيرانه و هما معه بالليل و النهار «4»*.
 [ 333] الساعة: أصلها سوعة بفتح الواو، ثم صارت ألفا لانفتاح ما قبلها، و هي في اللغة: جزء قليل من ليل أو نهار، و منه قوله تعالى: لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ «5» و هو المراد هنا، إذ المعنى اجعل لنا في كلّ جزء من أجزاء هذا اليوم. و في اصطلاح أهل التنجيم: جزء من أربعة و عشرين جزء من يوم بليلته، و ذلك أنّهم قسّموا اليوم بليلته على أربعة و عشرين قسما متساوية، و سمّوا كلّ قسم ساعة، و قسّموا كلّ ساعة بستّين قسما، و سمّوا كلّ قسم دقيقة، و ساعات‏
__________________________________________________
 (1) الكافي: ج 2 ص 429.
 (2) سورة فاطر: الآية 10.
 (3) الوافي: ج 1 ص 422.
 (4) الجامع الصغير: ج 2 ص 134.
 (5) سورة الأعراف: الآية 34.

243
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تذنيب ص 236

.......... النهار تزيد من وقت انتقال الشمس إلى الجدي إلى وقت انتقالها إلى السرطان، و تنقص في النصف الآخر، و ساعات الليل بعكس ذلك، فيكون أطول أيّام السنة و أقصر لياليها وقت انتقال الشمس إلى السرطان، و أقصر أيّام السنة و أطول لياليها وقت انتقالها إلى الجدي، و يتساويان عند انتقالها إلى الحمل و الميزان، و تسمّى الساعات المذكورة المستويات، لتساويها في المقدار أبدا، طال كلّ من الليل و النهار أم قصر، لكنّها تختلف في العدد بحسب طول كلّ منهما و قصره. و قد يقسّمون كلّ يوم و كلّ ليلة باثني عشر قسما متساوية، و يسمّونها الساعات الزمانيّات و المعوجة، لعدم تساويها في المقدار و إن استوت في العدد، فإنّ مقدار كلّ ساعة يزيد و ينقص بحسب طول كلّ من الليل و النهار و قصره، لكنّها لا تختلف في العدد، فهي عكس المستويات.
و قد ورد في الحديث: قسمة النهار إلى اثنتي عشرة ساعة قسمة مخصوصة، و نسبة كلّ ساعة إلى واحد من الأئمّة الاثني عشر صلوات اللّه عليهم و تخصيصها بدعاء يدعى به فيها، و هي مذكورة في كتب الأدعية لأصحابنا رضوان اللّه عليهم «1».
قوله عليه السلام: «حظّا من عبادك».
الحظّ: النصيب. و قيل: خاصّ بالنصيب من الخير و الفضل.
و عبادك- على الرواية المشهورة-: جمع عبد.
قيل: معناه اجعل لنا نصيبا منهم لنستضي‏ء بأنوارهم و نقتدي بآثارهم.
__________________________________________________
 (1) مصباح المتهجّد: ص 461.

244
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تذنيب ص 236

.......... و يحتمل أن يكون على حذف مضاف، أي: من صفات عبادك الذين وصفتهم بقولك: وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً. وَ الَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَ قِياماً «1» إلى آخر ما نعتهم به.
أو عبادك المتّصفين بالعبوديّة التي لا مقام أشرف منها، إذ هي عبارة عن صيرورة العبد عبدا خالصا مفتقرا محضا، لم يبق له جهة أنانيّة، أو نظر و التفات إلى ما سوى المعبود الحقّ الأوّل، و ذلك بعد انسلاخات عن نسبة الوجودات الكونيّة، و عقيب رياضات علمية و عملية، و تجرّدات من نشأة إلى نشأة و صورة إلى صورة، حق يصير عبدا محضا فانيا عن نفسه و عن كلّ شي‏ء سوى الحقّ، مستغرقا في عبوديّته و فقره إلى اللّه، بل فنى عن ملاحظة هذا الاستغراق، قاصرا نظره على مطالعة الجلال و مشاهدة الجمال، و هذا هو غاية إيجاد الخلق، و رتبة هذا العبوديّة المحضة أفضل من رتبة الرسالة، و لهذا قدّمت في التشهد على الرسالة، فيقال:
أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، و أوثر لفظ العبد في قوله: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ «2» دون نبيّه أو رسوله.
و في نسخة ابن إدريس «حظّا من عبادتك» و هو أنسب بقوله عليه السلام:
 «و نصيبا من شكرك».
و العبادة: فعل المكلّف على خلاف هوى نفسه تعظيما لربّه. و قال الحكماء:
عبادة اللّه تعالى ثلاثة أنواع:
__________________________________________________
 (1) سورة الفرقان: الآية 63، 64.
 (2) سورة الإسراء: الآية 1.

245
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تذنيب ص 236

.......... الأوّل: ما يجب على الأبدان، كالصلاة و الصيام و السعي إلى المواقف الشريفة لمناجاته جلّ ذكره.
الثاني: ما يجب على النفوس، كالاعتقادات الصحيحة من العلم بتوحيد اللّه تعالى، و ما يستحقّه من الثناء و التحميد، و الفكر فيما أفاضه اللّه سبحانه على العالم من جوده و حكمته، ثم الاتّساع في هذه المعارف.
الثالث: ما يجب عند مشاركات الناس في المدن، و هي في المعاملات، و المزارعات، و المناكح، و تأدية الأمانات، و نصح البعض للبعض بضروب المعاونات، و جهاد الأعداء، و الذبّ عن الحريم، و حماية الحوزة.
قوله عليه السلام: «و نصيبا من شكرك». النصيب: الحصّة، و الجمع أنصبة و أنصباء و نصب بضمّتين. و فيه إشارة إلى العجز عن القيام بجميع الشكر، كما قيل:
 و لو أنّ لي في كلّ منبت شعرة             لسانا يقول الشكر فيك لقصّرا
 قوله عليه السلام: «و شاهد صدق من ملائكتك» أي: شاهد صادق كامل في الشهادة، كما يقال: رجل صدق أي: صادق في الرجوليّة كامل فيها، و العرب إذا مدحت شيئا أضافته إلى الصدق، ليعلم أنّ كلّ ما يظنّ به من الخير و يطلب منه فإنّه يصدق ذلك الظنّ و يوجد فيه، و منه في التنزيل: قَدَمَ صِدْقٍ «1» و لِسانَ صِدْقٍ* «2» و مُبَوَّأَ صِدْقٍ «3» و مَقْعَدِ صِدْقٍ «4».
__________________________________________________
 (1) سورة يونس: الآية 2.
 (2) سورة مريم: الآية 50.
 (3) سورة يونس: الآية 93.
 (4) سورة القمر: الآية 55.

246
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تذنيب ص 236

.......... قال الرضي: و المراد بالصدق في مثل هذا المقام مطلق الجودة لا الصدق في الحديث، و ذلك مستحسن جيّد عندهم، حتى صاروا يستعملونه في مطلق الجودة، فيقال: ثوب صدق و خلّ صادق الحموضة.
قال: و الإضافة في نحو رجل صدق و رجل سوء للملابسة، و هم كثيرا ما يضيفون الموصوف إلى مصدر الصفة نحو خبر السوء، أي: الخبر السي‏ء، فمعنى رجل صدق رجل صادق «1». انته.
و قال غيره: هو من باب إضافة الموصوف إلى صفته، فوصف في الأصل بالمصدر مبالغة، ثمّ أضيف إلى صفته، كقوله تعالى: ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ «2».
و قيل: الإضافة بمعنى «من» كخاتم حديد، أي: رجل من صدق كأنّه خلق منه مبالغة.
و في القاموس: الصدق بالكسر الشدّة، و هو رجل صدق و صديق صدق مضافين و كذا امرأة صدق و حمار صدق وَ لَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ أنزلنا هم منزلا صالحا، و يقال: هذا الرجل الصدق بالفتح، فإذا أضفت إليه كسرت الصاد «3».
و في شرح المشكاة للطّيبي «4» في حديث «و جعل له وزير صدق» أي: وزيرا صادقا، و يعبّر عن كلّ فعل فاضل ظاهرا و باطنا بالصدق. انته.
__________________________________________________
 (1) شرح الكافية في النحو للرضي: ج 1 ص 305.
 (2) سورة مريم: الآية 28.
 (3) القاموس المحيط: ج 3 ص 252.
 (4) لم نعثر على هذا الكتاب.

247
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تذنيب ص 236

.......... ثم المراد بالشاهد الصدق من الملائكة هنا الشاهد بالحسنات، فكان طلبه كناية عن طلب التوفيق لها.
تذكرة
في قوله عليه السلام: «و اجعل لنا في كلّ ساعة من ساعاته» إشارة إلى ما ورد في الخبر: أنّه يفتح للعبد يوم القيامة أربع و عشرون خزانة لساعات اليوم و الليلة، فيفتح له منها خزانة فيراها مملوءة نورا من حسناته التي عملها في تلك الساعة، فيناله من الفرح و الاستبشار بمشاهدة تلك الأنوار ما لو قسّم على أهل النار لألهاهم عن الإحساس بآلامها، و تفتح له خزانة أخرى فيراها سوداء مظلمة يفوح نتنها و يغشاه ظلامها، و هي الساعة التي عصى اللّه تعالى فيها، فيناله من الهول و الفزع ما لو قسّم على أهل الجنّة لنغّص عليهم نعيمها، و تفتح له خزانة أخرى فارغة ليس فيها ما يسوؤه و لا ما يسّره، و هي الساعة التي نام فيها أو غفل في شي‏ء من مباحات الدنيا، فيتحسّر على خلوّها، و يناله من الغبن الفاحش ما ينال من قدر ربح كثير ثمّ ضيّعه «1»، و إليه الإشارة بقوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ «2».
فسؤاله عليه السلام في كلّ ساعة من ساعات اليوم حظّا من عبادته تعالى، و نصيبا من شكره، و شاهد صدق من ملائكته، طلب لمل‏ء تلك الخزائن من‏
__________________________________________________
 (1) المحجّة البيضاء: ج 8 ص 152.
 (2) سورة التغابن: الآية 9.

248
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تذكرة ص 248

اللّهُمّ صلّ على محمد و آله، وَ احفَظْنا مِن بَينِ أيْدينا وَ مِن خَلفِنا وَ عَنْ أيمانِنا وَ عَنْ شَمائِلنا وَ مِن جَميعِ نَواحِينا.
الحسنات، حتى لا يكون شي‏ء منها خاليا من تلك الكنوز العظيمة و الفوائد الجسيمة.
و على هذا فيحتمل أن يكون المراد بالساعات، الساعات التنجيميّة التي هي أربع و عشرون ساعة لليوم بليلته، كما وقع في متن الحديث، و اللّه أعلم*.
 [ 334] من بين أيدينا: أي من قدّامنا، لأنّ ما بين يدي الإنسان قدّامه.
و من خلفنا: أي من ورائنا.
و الأيمان بالفتح: جمع يمين و هو ضدّ الشمال.
و الشمائل: جمع شمال بالكسر، و تجمع على أشمل أيضا.
سأل عليه السلام الحفظ أوّلا من الجهات الأربع التي أقسم إبليس لعنه اللّه تعالى ليأتينّ بني آدم منها، حيث قال: فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ* ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ «1»، و قد ذكروا في ذكرها وجوها:
أحدها: إجمالا أنّها الجهات الأربع التي يعتاد هجوم العدوّ منها، مثّل قصده إيّاهم للتسويل و الإضلال من أيّ وجه تيسّر بإتيان العدوّ من الجهات الأربع، و لذلك لم يذكر الفوق و التحت.
الثاني: ما روي عن أبي جعفر عليه السلام قال: ثمّ لآتينّهم من بين أيديهم معناه: أهوّن عليهم أمر الآخرة، و من خلفهم: آمرهم بجمع الأموال و البخل بها
__________________________________________________
 (1) سورة الأعراف: الآية 16 و 17.

249
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تذكرة ص 248

.......... عن الحقوق لتبقى لورثتهم، و عن أيمانهم: افسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضلالة و تحسين الشبهة، و عن شمائلهم: بتحبيب اللذات إليهم و تغليب الشهوات على قلوبهم «1».
الثالث: ما روي عن ابن عباس: من بين أيديهم: من قبل الآخرة، و من خلفهم: من جهة الدنيا، و عن أيمانهم و عن شمائلهم: من جهة حسناتهم و سيّئاتهم «2».
الرابع: من بين أيديهم: أنفّرهم عن الرغبات في سعادات الآخرة، و من خلفهم: أقوّي رغبتهم في لذات الدنيا و طيّباتها، فالآخرة بين أيديهم، لأنّهم يردّون إليها و يقبلون عليها، و الدنيا خلفهم، لأنهم يخلفونها، و عن أيمانهم: افتّرهم عن الحسنات، و عن شمائلهم: اقوّي دواعيهم إلى السيّئات.
قال ابن الأنباري: و هذا قول حسن، لأنّ العرب تقول: اجعلني في يمينك أي: من المقدّمين، و لا تجعلني في شمالك أي: من المؤخّرين «3».
و لا يخفى أنّ هذا القول كالشرح لما روي عن ابن عباس، و لا مغايرة بينهما في أصل المعنى.
الخامس: من بين أيديهم: الشبهات المبنيّة على التشبيه، إمّا في الذات، أو في الصفات، لأنّ الإنسان يشاهد هذه الجسمانيّات فهي بين يديه و بمحضر منه، فيعتقد أنّ الغائب مثل الشاهد، و من خلفهم: شبهات أهل التعطيل، لأنّ هذه‏
__________________________________________________
 (1) مجمع البيان: ج 3- 4 ص 404.
 (2) مجمع البيان: ج 3- 4 ص 404 مع اختلاف يسير في العبارة.
 (3) التفسير الكبير للفخر الرازي: ج 14، ص 40 و 41.

250
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تذكرة ص 248

.......... بازاء الأولى، و عن أيمانهم: الترغيب في ترك المأمورات، و عن شمائلهم: الترغيب في فعل المنهيّات.
و قال حكماء الإسلام: إنّ في البدن قوى أربعا هي الموجبة لفوات السعادة الروحانيّة.
أحدها: القوّة الخيالية التي تجتمع فيها مثل المحسوسات، و موضعها البطن المقدّم من الدماغ، و إليها الإشارة بقوله: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ «1».
و ثانيها: القوّة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات، و محلّها البطن المؤخّر من الدماغ، و هو قوله: وَ مِنْ خَلْفِهِمْ «2».
و ثالثها: الشهوة، و محلّها الكبد عن يمين البدن.
و رابعها: الغضب، و منشأه القلب الذي هو في الشقّ الأيسر. فالشياطين الخارجيّة ما لم تستعن بشي‏ء من هذه القوى الأربع لم تقدر على إلقاء الوسوسة، و لم يذكر الفوق و التحت لأنّ القوى التي منها يتولّد ما يوجب تفويت السعادة الروحانيّة هي هذه الموضوعة في الجوانب الأربعة من البدن.
و عن شقيق: ما من صباح إلاّ قعد الشيطان لي على أربعة مراصد: من بين يديّ، و من خلفي، و عن يميني، و عن شمالي.
أمّا من بين يديّ فيقول: لا تخف إنّ اللّه غفور رحيم، فاقرأ وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً.
و أمّا من خلفي: فيخوّفني الضيعة على من أخلفه بعدي، فاقرأ وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي‏
__________________________________________________
 (1) سورة يس: الآية 9.
 (2) سورة يس: الآية 9.

251
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تذكرة ص 248

.......... الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها.
و أمّا عن يميني فيأتيني من قبل الثناء، فاقرأ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ*.
و أمّا عن شمالي: فيأتيني من قبل الشهوات، فاقرأ وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ما يَشْتَهُونَ «1».
و إنّما عدّي الفعل في الدعاء و في الآية إلى الأوّلين بحرف الابتداء، لأنّ الآتي منهما يتوجّه إلى الإنسان، و إلى الآخرين بحرف المجاوزة، لأنّ الآتي منهما كالمنحرف المتجافي عنه المارّ على عرضه، و نظيره جلست عن يمينه.
و قال الزمخشري: كلمة «من» هنا تبعيضيّة، لأنّ الفعل يقع في بعض الجهتين:
قال في الكشّاف: فإن قلت: كيف قيل: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ بحرف الابتداء، و عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ بحرف المجاوزة؟
قلت: المفعول فيه عدّي إليه الفعل نحو تعديته إلى المفعول به، فكما اختلفت حروف التعدية في ذلك اختلفت في هذا، فكانت لغة تؤخذ و لا تقاس، و إنّما يفتّش عن صحّة موقعها فقط، فلمّا سمعناهم يقولون: جلس عن يمينه و على يمينه، و عن شماله و على شماله، قلنا: معنى على يمينه أنّه تمكّن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى عليه، و معنى عن يمينه: أنّه جلس متجافيا عن صاحب اليمين منحرفا عنه غير ملاصق له، ثمّ كثر حتّى استعمل في التجافي و غيره، و نحوه من المفعول به رميت عن القوس و على القوس و من القوس، لأنّ السهم يبعد عنها
__________________________________________________
 (1) تفسير الكشّاف: ج 2 ص 93.

252
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تذكرة ص 248

حِفْظاً عاصِماً مِنْ مَعْصِيَتِكَ هادِياً إِلى‏ طاعَتِكَ مُسْتَعمِلاً لِمَحَبَّتِكَ.
و يستعليها إذا وضع على كبدها للرمي و يبتدأ منها، و كذلك قالوا: جلس بين يديه و خلفه بمعنى في، لأنّهما ظرفان للفعل، و من بين يديه و من خلفه، لأنّ الفعل يقع في بعض الجهتين، كما تقول جئته من الليل تريد بعض الليل «1» انته.
قوله عليه السلام: «و من جميع نواحينا». النواحي: جمع ناحية و هي الجانب فاعلة بمعنى مفعولة، لأنّك نحوتها أي: قصدتها، أي: من جميع جوانبنا، و هذا تعميم بعد التخصيص، فدخل فيه الفوق و التحت، لاحتمال إتيان المكروه منهما.
قال بعضهم: السالك إلى اللّه تعالى خائف من قطع الطريق من الشيطان، و هو لا يألو جهدا في أن يأتيه من أيّ جهة أمكنه الإتيان منها، فليس للتخلّص منه مساغ إلاّ بأن يلتجأ إلى اللّه سبحانه، و يسأله الحفظ من جميع الجهات*.
 [ 335] حفظا: مصدر منصوب على المفعوليّة المطلقة، و هو بنفسه مفيد لتقوية عامله و تقرير معناه، و بوصفه بكونه عاصما مفيد لبيان نوعه.
و عاصما: أي مانعا.
و الطاعة: موافقة الأمر أو الإرادة.
و قدّم العصمة من المعصية على الهداية إلى الطاعة، لأنّ التخلية مقدّمة على التحلية، ثمّ ترقّى إلى سؤال المحبّة.
و مستعملا: يروى بفتح الميم اسم مفعول، و بكسرها اسم فاعل. فعلى‏
__________________________________________________
 (1) تفسير الكشاف: ج 2 ص 93.

253
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تذكرة ص 248

.......... الأوّل معناه: حفظا نستعمله لمحبّتك. و على الثاني: حفظا يستعملنا لمحبّتك.

إلاّ أنّ الأوّل من استعملت الثوب و نحوه إذا اعملته فيما يعدّ له. و الثاني من استعملته إذا جعلته عاملا.

و إضافة المحبّة إلى كاف الخطاب من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: لمحبّتنا إيّاك، أو إلى الفاعل، أي: لمحبّتك إيّانا.

قيل: محبّة العباد لربّهم محبّة طاعته، و ابتغاء مرضاته، و اجتناب ما يوجب سخطه و عقابه. و محبّة اللّه تعالى لعباده إرادة إكرامهم، و أن يثيبهم أحسن الثواب، و يرضى عنهم، و يصونهم عن العاصي.

و هذا التفسير لمحبّة العباد لربّهم مبنيّ على ما ذهب إليه جمهور المتكلّمين من أنّ المحبّة نوع من الإرادة، و الإرادة لا تعلّق لها إلاّ بالحوادث، فيستحيل تعلّق المحبّة بذات اللّه تعالى و صفاته، و لأنّها تستدعي الجنسيّة بين المحبّ و المحبوب.

قال بعض المحقّقين: و المنع عن الأوّل أنّ المحبّة ليست نوعا من الإرادة، لتعلّقها بالأعيان و تعلّق الإرادة بالأفعال، بل لو عكس لكان صوابا.

و عن الثاني أنّ المحبّة قد تتعلّق بالأعراض، و لا جنسيّة بين الجوهر و العرض.

و التحقيق: أنّها من الوجدانيّات التي لا تحتاج إلى تعريف حقيقي، بل إلى شرح مستقيم لتمتاز عن باقي المعاني الوجدانيّة، بأن يقال: هي إدراك الكمال من حيث إنّه مؤثّر، و كلّما كان الإدراك أتمّ و المدرك أشدّ كمالية مؤثّرة كانت المحبّة أكمل.

و لذلك قال العارفون: نحن نحبّ اللّه تعالى لذاته لا لغرض، و لو كان كلّ شي‏ء محبوبا لأجل شي‏ء آخر دار أو تسلسل، و إذا كنّا نحبّ الرجل العالم‏

254
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تذكرة ص 248

.......... لعلمه، و الرجل الشجاع لقوّته و غلبته، و الرجل الزاهد لبراءة ساحته عن المثالب، فاللّه تعالى أحقّ بالمحبّة، لأنّ كلّ كمال بالنسبة إلى كماله نقص، و الكمال مطلوب لذاته محبوب لنفسه، و كلّما كان الاطلاع على دقائق حكمة اللّه و قدرته و صنعه أكثر كان حبّه له أتمّ، و بحسب الترقي في درجات العرفان تزداد المحبّة، إلى أن يستولي سلطان الحبّ على قلب المؤمن، فيشغله عن الالتفات إلى غيره و يغني عن حظوظ نفسه، فبه يسمع و به يبصر و به ينطق و به يبطش و به يمشي، فلا يفعل إلاّ ما أحبّه و أراده، و لا يختار إلاّ ما أمره و رضيه، و لا يثق إلاّ به، و لا يسكن إلاّ إليه، و لا يتكلّم إلاّ عنه، و لا يتفكّر إلاّ فيه، و لا يتنفّس إلاّ معه، و هذه أحوال تلطف عن العبارة و تدقّ عن الإشارة.
و لنذكر نبذة من كلام المحبّين في المحبّة، تبرّكا بأنفاسهم، و اقتباسا من نبراسهم «1».
قال بعضهم: المحبّة هي إمحاء القلب عمّا سوى المحبوب.
و قال آخر: هي نار تحرق ما سوى المراد المحبوب.
و قال آخر: هي الموافقة في جميع الأحوال.
و قال آخر: المحبّة بذل المجهود و الحبيب يفعل ما يريد.
و قال آخر: المحبّة ميلك إلى الشي‏ء بكلّيّتك، ثمّ إيثارك له على نفسك و روحك، ثمّ موافقتك له سرّا و جهرا فيما سرّك أو ساءك، ثمّ علمك بتقصيرك في حقّه.
__________________________________________________
 (1) النبراس بالكسر: المصباح. القاموس المحيط: ج 2 ص 253.

255
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تذكرة ص 248

.......... و قال آخر: المحبّة ما لا تنقصه الإساءة، و لا يزيده الإحسان، و لا ينسيه القرب،- و لا يسليه البعد.
قالوا: و للمحبّة خصائص.
فمن خصائصها: تقديم أمور الآخرة في كلّ ما يقرّب إلى اللّه تعالى على أمور الدنيا من كلّ ما تهوي الأنفس، و التذلّل لأولياء اللّه من العلماء و العبّاد، و التعزّز على أبناء الدنيا، و المجاهدة في طريق المحبوب بالمال و النفس جميعا، و الانقطاع عن كلّ شي‏ء إليه، و وجود الانس بالوحدة، و الروح بالخلوة، و الالتذاذ بحلاوة الخدمة، و أن لا يسكن إلاّ إليه، و لا يعتمد إلاّ عليه.
و في قصة برخ، العبد الأسود الذي استسقى به موسى عليه السلام أنّ اللّه تعالى أوحى إليه أنّ برخ نعم العبد لي إلاّ أنّ فيه عيبا، قال: يا ربّ و ما ذاك؟
قال: يعجبه نسيم الأسحار و من أحبّني لا يسكن إلى شي‏ء و لا يأنس بشي‏ء «1».
و من خصائصها: الخروج إلى اللّه تعالى من الدنيا بالزهد فيها، و الخروج إليه من النفس بايثار الحقّ على الهوى، و الخروج من العمل بإسقاط المثوبة و إطراح الأجر و الجزاء.
و عليه قول سيّد العارفين صلوات اللّه عليه: «ما عبدتك خوفا من نارك و لا طمعا في جنّتك ...» الحديث «2».
و من خصائص المحبّة: أنّ المحبّ هشّ بشّ بسّام، يحسن لمن يعاشره خلقه، و يعذوذب لمن يلقاه شربه، يحنو على الصغير، و يبجّل الكبير، و كيف لا يهش و هو
__________________________________________________
 (1) إحياء علوم الدين: ج 4 ص 333.
 (2) بحار الأنوار: ج 41 ص 14.

256
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تذكرة ص 248

.......... فرحان بالحقّ و بكلّ شي‏ء، فإنّه يرى فيه لطف الحقّ.
و من خصائصها: أنّ الذكر لا يكون عن نسيان، و الرؤية لا تكون عن عيان، فلا يكون في نفسه موضع إلاّ و هو معمور به متهالك عليه، و لا من قلبه موقع إلاّ و هو موشّئ بذكره مطرّزا باسمه، و أنشدوا:
  لا لأنّي أنساك أكثر ذكراك             و لكن بذاك يجري لساني‏
  أنت في القلب و الجوانح و النفس             و أنت الهوى و أنت الأماني‏
 كلّ جزء منّي يراك من الوجد             بعين غنية عن عيان‏
 فإذا غبت عن عياني أبصر             تك منّي بعين كلّ مكان‏
 كان الفضيل بن عياض يقول: إذا قيل لك: تحبّ اللّه؟ فاسكت، فان قلت: نعم، فليس وصفك وصف المحبين فاحذر المقت، و إن قلت: لا، كفرت «1».
و أمّا محبّته تعالى لعباده، فقال بعض العارفين: هي راجعة إلى محبّته ذاته، لأنّه تعالى ما أحبّ شيئا بالذات غير ذاته المقدّسة و إن أحبّ غيره فإنّما أحبّه بتبعيّة محبّة ذاته، لأنّه من توابعها، فكلّ ما هو أقرب إليه كان أحبّ عنده، فترجع محبّته لما سواه إلى محبّته لذاته. كما يدلّ عليه ما ورد في الحديث: إنّ اللّه جميل يحبّ الجمال «2».
و لهذا لمّا قرأ القاري في مجلس الشيخ أبي سعيد بن أبي الخير قوله تعالى:
يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ «3»، قال: لعمري يحبّهم و يحقّ انه يحبّهم، لأنّه إنّما يحبّ نفسه.
__________________________________________________
 (1) إحياء علوم الدين: ج 4 ص 332.
 (2) وسائل الشيعة: ج 3 ص 340 ح 2.
 (3) سورة المائدة: الآية 54.

257
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تذكرة ص 248

.......... إشارة إلى أنّه لا نظر له إلى غيره من حيث إنّه غيره، بل نظره إلى ذاته و إلى أفعاله فقط، و ليس في الوجود إلاّ نفسه و أفعال نفسه و صنائعه و آثاره، و كلّها راجع إليه، و هو غاية كلّ شي‏ء، فلا تجاوز محبّته ذاته و تابع ذاته من حيث هو متعلّق بذاته، فهو إذا لا يحبّ إلاّ نفسه «1».
و ما ورد في الأخبار «2» من حبّه لعباده فهو مؤوّل بما ذكرناه، و يرجع معناه إلى أنّه جعله قريبا منه، و كشف عن قلبه الحجاب حتى راه بقلبه، فمحبّته تعالى لمن أحبّه أزليّة مهما أضيفت إلى الإرادة الأزليّة، و إذا أضيفت إلى فعله و صنعه في حقّ عبده، من تمكينه إيّاه من القرب منه و إلى مشيئته و إرادته المخصوصة التي اقتضت تمكّن هذا العبد من سلوك طريق القرب إليه، فهي حادثة بحدوث السبب المقتضي له.
كما ورد في الحديث القدسي: لا يزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه «3».
فيكون تقرّبه بالنوافل سببا لصفاء باطنه، و ارتفاع الحجاب عن قلبه، و حصوله في درجة القرب، و صيرورته من جملة المقرّبين، فصار قريبا بعد ما كان بعيدا كائنا في مقام المبعدين كالبهائم و السباع و أبناء الشياطين، فقد تجدّدت له درجة القرب و المحبوبيّة بالمعنى الذي علمت من كونها على وجه التبعيّة، و لم تتجدّد فيه تعالى صفة لم تكن، و لكن ربّما يظنّ لهذا أنّه لمّا تجدّد له القرب و صار محبوبا
__________________________________________________
 (1) إحياء علوم الدين: ج 4 ص 328 مزجا مع توضيح المؤلّف.
 (2) إحياء علوم الدين: ج 4 ص 327.
 (3) مسند أحمد بن حنبل: ج 6 ص 256.

258
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تذكرة ص 248

.......... له تعالى بعد أن لم يكن فقد تغيّر وصف العبد و الربّ جميعا، و هذا ظنّ باطل، إذ البرهان قائم على أنّ التغيّر «1» عليه تعالى محال، بل لا يزال من نعوت الكمال و الجمال على ما كان عليه في أزل الآزال، و هذا ممّا ينكشف لك بمثال في قرب الأشخاص، فإنّ الشخصين قد يتقاربان بتحرّكهما جميعا، و قد يكون أحدهما ثابتا فيتحرّك الآخر، فيحصل القرب بينهما معتبرا في أحدهما فقط. و كذا في القرب المعنوي، فإنّ التلميذ يطلب القرب من درجة أستاذه في كمال العلم و قوّة اليقين، و الأستاذ ثابت في كمال علمه غير متحرّك بالنزول إلى درجة التلميذ، و التلميذ متحرّك من حضيض الجهل إلى ذروة العلم و بقاع الكمال، فلا يزال دائبا في التغيّر و الترقّي إلى أن يقرب من أستاذه، و الأستاذ ثابت غير متغيّر.
فكذلك ينبغي أن يفهم ترقّي العبد في درجات القرب من اللّه عزّ و جلّ و صيرورته من جملة المقرّبين المحبوبين بعد ما لم يكن.
تتمّة
قال بعض أرباب العرفان: كما أنّ لمحبّة المحبّ مراتب متفاضلة، كذلك لمحبّة المحبوب درجات متفاوتة، فمحبّته للعوامّ باختصاصهم بالرحمة و الغفران، و التجلّي عليهم بالأفعال و الآيات، و محبّته للخواصّ باختصاصهم بتجلّي صفات الجمال، و ستر ظلمة صفاتهم بأنوار صفاته، و محبّته لأخصّ الخواصّ باختصاصهم‏
__________________________________________________
 (1) في «الف»: التغيير.

259
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تتمة ص 259

اللّهُمَّ صَلِّ عَلى‏ مُحمّدٍ وَ آلِهِ وَ وَفِّقْنا في يَومِنا هذا وَ لَيْلَتِنا هذِهِ وَ في جَميعِ أيّامِنا لاسْتِعمالِ الخَيْرِ وَ هِجْرانِ الشّرِّ وَ شُكْرٍ النِّعَمِ.
بالجذبات، و ستر ظلمة وجودهم بأنوار الوجود الحقيقي، فيتجلّى أوّلا بنار الجلال فيحرق عن قلبهم جميع ما كان فيه «1»، ثمّ يتجلّى بنور الجمال فيمحوهم عنهم و يثبتهم به، و يسلب عنهم السمع و البصر و النطق.
كما ورد في الحديث المشهور بين الخاصّة و العامّة: فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، و بصره الذي يبصر به، و لسانه الذي ينطق به، و يده التي يبطش بها، إن دعاني أجبته، و إن سألني أعطيته «2».
قال العلاّمة البهائي في شرح الأربعين: المراد- و اللّه أعلم-: أنّي إذا أحببت عبدي جذبته إلى محلّ الانس، و صرفته إلى عالم القدس، و صيّرت فكره مستغرقا في أسرار الملكوت، و حواسّه مقصورة على اجتلاء أنوار الجبروت، فتثبت حينئذ في مقام القرب قدمه، و يمتزج بالمحبّة لحمه و دمه، إلى أن يغيب عن نفسه، و يذهل عن حسّه، فتتلاشى الأغيار في نظره، حتّى أكون بمنزلة سمعه و بصره.
كما قال من قال:
جنوني فيك لا يخفى             و ناري منك لا تخبو
 فأنت السمع و الابصار             و الأركان و القلب «3»
*
 [ 336] التوفيق: جعل الأسباب متوافقة في التأدّي إلى المسبّب الذي هو المطلوب خيرا كان أو شرّا، ثمّ خصّ بالخير، هذا معناه اللغوي.
و أمّا معناه العرفي، فعند بعض المتكلّمين: هو الدعوة إلى الطاعة، و عند
__________________________________________________
 (1) في «الف»: منه.
 (2) المحاسن للبرقي: ص 291 ح 443.
 (3) كتاب الأربعين للبهائي: ص 148.

260
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تتمة ص 259

.......... بعضهم: خلق إرادة الطاعة.
و قيل: هو جعل اللّه فعل عبده موافقا لما يحبّه و يرضاه.
و هذا و هذه: صفتان لليوم و الليلة بتأويل الحاضر و الحاضرة.
و استعمال الخير: أي العمل به.
قال ابن سيدة في محكم اللغة: استعمله: عمل به «1».
و الهجران بالكسر: اسم من هجره هجرا- من باب قتل-: بمعنى تركه و رفضه.
و قد أسلفنا الكلام على معنى الخير و الشرّ.
و عن أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه: افعلوا الخير و لا تحقّروا منه شيئا، فإنّ صغيره كبير، و قليله كثير، و لا يقولنّ أحدكم إنّ أحدا أولى بفعل الخير منّي فيكون و اللّه كذلك، إنّ للخير و للشرّ أهلا، فمهما تركتموه منهما كفاكموه أهله «2».
و عنه عليه السلام: الشرّ جامع لمساوي العيوب «3».
فظهر أنّ الخير كلّي يندرج تحته جميع الأعمال الصالحة، و الشرّ كلّي يندرج تحته جميع القبائح.
قوله عليه السلام: «و شكر النعم» الألف و اللام: لاستغراق الأفراد، أي:
شكر كلّ نعمة ظاهرة كانت أو باطنة، و قد علمت أنّ الشكر عمل يتعلّق بالقلب و اللسان و الجوارح.
فشكر النعم بالقلب: القصد إلى تعظيمه تعالى و تمجيده و تحميده عليها،
__________________________________________________
 (1) محكم اللغة: ج 2 ص 127.
 (2) شرح نهج البلاغة لابن ميثم: ج 5 ص 447 ح 397.
 (3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 19 ص 301 ح 377.

261
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تتمة ص 259

وَ إتّباعِ السُّنَنِ وَ مُجانَبةِ البِدَعِ.
و التفكّر في آثار لطفه بإيصالها و نحو ذلك.
و باللسان: إظهار ذلك المقصود بالتحميد و التمجيد و التهليل و التسبيح.
و بالجوارح: استعمالها في طاعته و عبادته، و الاحتراز من الاستعانة بها في معصيته و مخالفته.
و سيأتي تمام الكلام على الشكر في الروضة السابعة و الثلاثين إن شاء اللّه تعالى*.
 [ 337] الاتّباع: الاقتداء، و المراد باتّباعها: العمل بها.
و السنن: جمع سنّة، و هي لغة: الطريقة، و تطلق شرعا على الأحاديث المرويّة عنه صلّى اللّه عليه و آله، و على الطريقة النبويّة و هي ما سنّه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، أي: شرعه من مفروض أو مندوب و غير ذلك، و هو المراد هنا.
و على الطريقة المسلوكة في الدين من غير افتراض و لا وجوب، و هي نوعان:
سنّة يتعلّق بتركها كراهة كالأذان و الإقامة، و يسمّيها بعضهم سنّة الهدى.
و سنّة فعلها خير و لا حرج في تركها، كسنن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في قيامه و قعوده و أكله و شربه، و يسمّيها بعضهم سنن الزوائد.
و قد تطلق السنّة على ما يتعلّق به الوجوب، و عليه قول أبي جعفر عليه السلام:
كلّ من تعدّى السنّة ردّ إلى السنّة «1».
و قول أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه، السنّة سنّتان سنّة في فريضة الأخذ بها هدى و تركها ضلالة، و سنّة في غير فريضة الأخذ بها فضيلة و تركها إلى غير
__________________________________________________
 (1) الكافي: ج 1 ص 71 ح 11.

262
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تتمة ص 259

.......... خطيئة «1».
و جانب الشي‏ء مجانبة: باعده كأنّه تركه جانبا.
و البدع: جمع بدعة بالكسر، و هي اسم من ابتدع الأمر إذا ابتدأه و أحدثه، كالرفعة من الارتفاع، و الخلفة من الاختلاف، ثمّ غلبت على ما هو زيادة في الدين أو نقصان منه.
و قيل: كلّ ما لم يكن في زمن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فهو بدعة.
و ردّه الفاضل الأردبيلي يمنع الشرطيّة، و قال: البدعة: كلّ عبادة لم تكن مشروعة ثمّ أحدثت بغير دليل شرعي، أو دلّ دليل شرعي على نفيها، فلو صلّى أو دعا أو فعل غير ذلك من العبادات، مع عدم وجودها في زمانه صلّى اللّه عليه و آله، فإنّه ليس بحرام، لأنّ الأصل كونها عبادة، و لغير ذلك مثل الصلاة خير موضوع و الدعاء حسن «2» انته.
و في تخصيصها بالعبادة نظر ظاهر.
و قال العامّة: البدعة في الشرع: إحداث ما لم يكن في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. و هي منقسمة إلى واجبة و محرّمة و مندوبة و مكروهة و مباحة و الطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فان دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، أو في قواعد التحريم فمحرّمة، أو الندب فمندوبة، أو الكراهة فمكروهة، أو الإباحة فمباحة.
و للبدع الواجبة أمثله، منها: الاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام اللّه‏
__________________________________________________
 (1) الكافي: ج 1 ص 71 ح 12.
 (2) منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: ج 3 ص 252.

263
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تتمة ص 259

......... عزّ و جلّ و كلام رسوله صلّى اللّه عليه و آله، و ذلك واجب، لأنّ حفظ الشريعة واجب، و لا يتأتّى حفظها إلاّ بذلك، و ما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب.
و منها: حفظ غريب الكتاب و السنّة من اللغة.
و منها: تدوين أصول الفقه. و منها: الكلام في الجرح و التعديل و تمييز الصحيح من السقيم، و قد دلّت قواعد الشريعة على أنّ حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد على المتعيّن، و لا يتأتّى ذلك إلاّ بما ذكرناه.
و للبدع المحرّمة أمثلة، منها: مذاهب القدريّة و الجبريّة و المرجئة و المجسّمة، و الردّ على هؤلاء من البدع الواجبة.
و للبدع المندوبة أمثلة، منها: إحداث الربط و المدارس، و كلّ إحسان لم يعهد في العصر الأوّل.
و للبدع المكروهة أمثلة: كزخرفة المساجد و تزويق «1» المصاحف.
و للبدع المباحة أمثلة، منها: التوسّع في اللذيذ من المآكل و المشارب و الملابس و المساكن و لبس الطيالسة و توسيع الأكمام.
و قال شيخنا الشهيد قدّس سرّه في القواعد الاصوليّة: محدثات الأمور بعد عهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله تنقسم أقساما، لا يطلق اسم البدعة عندنا إلاّ على ما هو محرّم منها.
أوّلها: الواجب، كتدوين القرآن و السنّة إذا خيف عليهما التفلّت من الصدور، فإنّ التبليغ للقرون الآتية واجب إجماعا و للآية، و لا يتمّ إلاّ بالحفظ،
__________________________________________________
 (1) زوّقته تزويقا: مثل زيّنته و حسنته. (المصباح المنير: ص 354).

264
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تتمة ص 259

.......... و هذا في زمان الغيبة واجب، أمّا في زمان ظهور الإمام عليه السلام فلا، لأنّه الحافظ لهما حفظا لا يتطرّق إليه خلل.
و ثانيها: المحرّم، و هو كلّ بدعة تناولتها قواعد التحريم و أدلّته من الشريعة، كتقديم غير المعصومين عليهم و أخذهم مناصبهم، و استئثار ولاة الجور بالأموال و منعها مستحقّها، و قتال أهل الحقّ و تشريدهم و إبعادهم، و القتل على الظنّة، و الإلزام ببيعة الفسّاق و المقام عليها و تحريم مخالفتها، و الغسل في المسح، و المسح على غير القدم، و شرب كثير من الأشربة، و الجماعة في النوافل، و الأذان الثاني يوم الجمعة، و تحريم المتعتين، و البغي على الإمام، و توريث الأباعد و منع الأقارب، و منع الخمس أهله، و الإفطار في غير وقته، إلى غير ذلك من المحدثات المشهورات، و منها بالإجماع من الفريقين المكس «1»، و تولية المناصب غير الصالح لها ببذل أو إرث أو غير ذلك.
و ثالثها: المستحب، و هو ما تناولته أدلّة الندب، كبناء المدارس و الربط، و ليس منه اتّخاذ الملوك الأهبّة ليعظموا في النفوس، اللّهمّ إلاّ أن يكون ذلك مرهبا للعدوّ.
و رابعها: المكروه، و هو ما شملته أدلّة الكراهيّة، كالزيادة في تسبيح الزهراء عليها السلام و سائر الموظفات، أو النقيصة منها، و التنعّم في الملابس و المآكل بحيث يبلغ الإسراف بالنسبة إلى الفاعل، و ربّما أدّى إلى التحريم إذا استضرّ به و عياله.
__________________________________________________
 (1) المكس: الضريبة التي يأخذها الماكس و هو العشار. (النهاية لابن الأثير: ج 4 ص 349).

265
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تتمة ص 259

وَ الأمْرِ بِالمَعْروفِ وَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
و خامسها: المباح، و هو الداخل تحت أدلّة الإباحة كنخل الدقيق، فقد ورد أوّل شي‏ء أحدثه الناس بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله اتّخاذ المناخل، لأنّ لين العيش و الرفاهيّة من المباحات فوسيلته مباحة «1» انته.
و قال بعضهم: البدعة تطلق على مفهومين:
أحدهما: ما خولف به الكتاب أو السنة أو الإجماع، فهذه البدعة الضلالة.
و الثاني: ما لم يرد فيه نصّ بل سكت عنه فاحدث بعد، فهذه ما كان منها خيرا فلا خلاف من أحد في كونه غير مذموم.
و ما ورد في الخبر من: كلّ بدعة ضلالة و كلّ ضلالة في النار «2». فالمراد به المفهوم الأوّل. و اللّه أعلم*.
المراد بالمعروف هنا: الواجب و المندوب.
و بالمنكر: الحرام و المكروه.
و هما واجبان في الواجب و الحرام، و مستحبّان في المندوب و المكروه.
و دليل الوجوب قوله تعالى: وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ «3».
و قوله صلّى اللّه عليه و آله: لتأمرنّ بالمعروف و لتنهنّ عن المنكر، أو ليسلّطنّ اللّه شراركم على خياركم، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم «4».
و من طرق أهل البيت عليهم السلام في هذا المعنى ما يقصم الظهور، فليقف‏
__________________________________________________
 (1) القواعد و الفوائد الاصولية: ج 2 ص 144 إلى 146.
 (2) الكافي: ج 1 ص 56 ح 12.
 (3) سورة آل عمران: الآية 104.
 (4) مسند أحمد بن حنبل: ج 5 ص 390 مع اختلاف يسير في العبارة.

266
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تتمة ص 259

.......... عليه من أراده في الكافي «1» و غيره.
و هنا مسائل لا بأس بالتعرض لها تتميما للفائدة و تعميما للعائدة:
أحدها: اختلف أصحابنا هل الوجوب في هذا الباب عيني أو كفائي؟
فشيخ الطائفة «2» و ابن إدريس «3» و جماعة من المتأخّرين على الأوّل، و علم الهدى «4» و أبو الصلاح «5» و العلاّمة «6» و بعض المتأخّرين على الثاني.
و الحقّ في المسألة أنّه إن كان المطّلع منفردا تعيّن عليه، و إن كانوا جماعة، فإن شرع أحدهم فيه، و ظنّ الباقون تأثير مشاركتهم في الردع وجب عليهم، فيكون الوجوب عينيّا، و إلاّ كان على الكفاية.
الثانية: للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر شروط، و المشهور منها أربعة:
أحدها: علم الآمر و الناهي و تمييزه بين المعروف و المنكر، فإنّ الجاهل ربّما أمر بمنكر و نهى عن معروف.
و الثاني: تجويز التأثير، فإن علم عدمه سقط الوجوب دون الجواز. و هل يكفي ظنّ العدم؟. قيل: نعم، و قيل: لا، لأنّ التجويز قائم مع الظنّ. و هو حسن، إذ لا يترتّب عليه ضرر، فإن نجع «7» و إلاّ فقد أدى فرضه، و الفرض انتفاء الضرر.
__________________________________________________
 (1) الكافي: ج 5 ص 55، باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
 (2) الاقتصاد: ص 147.
 (3) المستفاد من السرائر لابن إدريس ص 160: كون الوجوب وجوبا كفائيّا لا عينيّا كما أفاد المصنّف «قدّس سرّه».
 (4) السرائر: ص 160.
 (5) الكافي في الفقه: ص 265.
 (6) تذكرة الفقهاء: ج 1 ص 458.
 (7) نجع فيه لخطاب و الوعظ و الدواء: أي دخل و أثّر. (الصحاح للجوهري: ج 3 ص 1288) هكذا في القاموس:
ج 3 ص 87.

267
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تتمة ص 259

.......... الثالث: الأمن من الضرر على المباشر أو على بعض المؤمنين، نفسا أو ما لا أو عرضا، فبدونه يحرم أيضا على الأقوى، و لا يجب في السقوط العلم بالضرر بل يكفي ظنّه.
الرابع: إصرار المأمور أو المنهي على الذنب، فلو علم منه الإقلاع و الندم سقط الوجوب بل حرم، و اكتفى الشهيد في الدروس و جماعة في السقوط بظهور أمارة الندم، و هو في محلّه «1».
و زاد بعضهم شرطا خامسا، و هو عدم كون الآمر و الناهي مرتكبا للمحرّمات، و اشترط فيه العدالة، بدليل قوله تعالى: أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ «2».
و الحقّ أنّه غير شرط، إذ لا يسقط بترك أحد الواجبين الواجب الآخر، و الإنكار في الآية على عدم العمل لا على الأمر.
الثالثة: للإنكار مراتب:
أوّلها: بالقلب، و هو أن يبغضه عليه، و هو البغض في اللّه المأمور به في السنّة المطهّرة، و هو مشروط بعلم الآمر و الناهي و إصرار المنهي، دون الشرطين الآخرين، ثمّ بإظهار الكراهة بغير قول و فعل، فإن ارتدع اكتفى به، و إلاّ اعرض عنه و هجره، و إلاّ أنكره باللسان بالوعظ و الزجر مرتّبا الأيسر فالأيسر.
و غيره باليد ككسر الملاهي و إراقة الخمر مثلا مع التهديد، و لو لم ينزجر إلاّ بالضرب و شبهه فعل مع القدرة، و لو افتقر إلى الجرح توقّف على أمر الحاكم‏
__________________________________________________
 (1) الدروس: ص 165.
 (2) سورة البقرة: الآية 44.

268
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تتمة ص 259

وَ حِياطَةِ الإسْلامِ.
و إذنه، إلاّ أن يتعرّض، لنفسه أو حرمه فيجب الدفاع بما أمكن، فإن قتل كان هدرا و إن قتل كان شهيدا، فكذا إذا رأى مع امرأته رجلا يزني بها، فإنّ له قتلهما من غير إثم، و لكن في الظاهر عليه القود في الصورتين، إلاّ أن يأتي ببيّنة أو يصدّقه الولي، و له الإنكار ظاهرا و الحلف عليه مع التورية، و له زجر المطّلع على داره، فلو أصرّ فرماه بما جنى عليه كان هدرا، إلاّ أن يكون رحما لنسائه.
الرابعة: لا يشترط في المأمور و المنهي أن يكون مكلّفا، بل إذا علم إصرار غير المكلّف منع من ذلك، و كذا الصبيّ ينهى عن المحرّمات لئلاّ يتعوّدها، و يؤمر بالطاعات ليتمرّن عليها.
تنبيه‏
علم ممّا مرّ أنّ في إطلاق الأمر و النهي عن كلّ من مراتب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر سوى بعض أفراد الأمر و النهي اللساني تجوزا، و كذا في إطلاق النهي على الإنكار القلبي، لأنّ الأمر و النهي حقيقة استدعاء الفعل و تركه بالقول.
قال العلاّمة البهائي: و كأنّ ذلك صار حقيقة شرعية «1». و اللّه أعلم*.
حاط الشي‏ء يحوطه حوطا و حيطة و حياطة: حفظه و ذبّ عنه و تعهّده.
و المراد بالإسلام هنا: جميع ما جاء به النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من الدين الحقّ، المشار إليه بقوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ «2»، و قوله: الْيَوْمَ‏
__________________________________________________
 (1) كتاب الأربعين للشيخ البهائي: ص 73.
 (2) سورة آل عمران: الآية 19.

269
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 269

وَ انْتِقاصِ الْباطِلِ وَ إِذْلالِهِ، وَ نُصْرَةِ الحَقِّ وَ إِعْزازِهِ.
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً «1» و قوله: وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ «2».
و المراد بحياطته: نصرته، و القيام بأمره، و الذبّ عنه، و صيانته عن وصمات الشياطين و تبديلهم و تحريفهم، و تأييده بإظهار حججه و إقامة براهينه و نفي الشبهات عنه و هداية الناس إليه، إلى غير ذلك*.
 [ 338] النقيصة: العيب.
قال في الأساس: انتقصه و تنقّصه: عابه «3».
و الذلّ بالضمّ و الذلّة بالكسر و المذلّة: الضعف و الهوان، و يتعدّى بالهمزة فيقال: أذلّة اللّه إذلالا.
و النصرة بالضمّ: اسم من نصره على عدوّه نصرا أي: أعانه و قوّاه.
و عزّ الرجل عزّا- من باب ضرب-: قوى، و أعززته إعزازا: قوّيته.
و الحقّ في اللغة: هو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، من حقّ الشي‏ء يحقّ- من بابي ضرب و قتل- إذا وجب و ثبت.
و في اصطلاح أهل المعاني: الحكم المطابق للواقع ينطلق على الأقوال و العقائد و الأديان و المذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك، و يقابله الباطل.
و أمّا الصدق: فقد شاع في الأقوال خاصّة، و يقابله الكذب. و قد يفرّق بينهما بأن المطابقة تعتبر في الحقّ من جانب الواقع و في الصدق من جانب الحكم، فمعنى صدق الحكم: مطابقته للواقع، و معنى حقّيّته: مطابقة الواقع إيّاه. و قد يطلق الحقّ‏
__________________________________________________
 (1) سورة المائدة: الآية 3.
 (2) سورة آل عمران الآية 85.
 (3) أساس البلاغة: ص 651.

270
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 269

وَ إِرشادِ الضّالِّ، وَ مُعاوَنَةِ الضَّعيفِ وَ إِدْراكِ اللّهِيفِ.
على الموجد للشي‏ء على الحكمة و لما يوجد عليها، كما يقال: اللّه تعالى حقّ و كلمته حقّ.
و قد يراد به: الإقبال على اللّه تعالى بلزوم الأعمال الصالحة المطابقة للعقائد المطابقة للواقع، و بالباطل: الالتفات عنه إلى غير ذلك ممّا لا يجدي نفعا في الآخرة.
ثمّ المراد بانتقاص الباطل و إذلاله: تزييفه، و إظهار بطلانه، و الردّ على أصحابه، و بيان ضلالهم.
و بنصرة الحقّ و إعزازه: تأييده، و إظهار حقّيّته «1»، و ترغيب الناس في اتّباعه و اعتقاده، و نحو ذلك*.
الرشد بالضمّ: خلاف الغيّ و الضلال و هو الاهتداء، رشد يرشد رشدا و رشدا- من بابي قتل و تعب- فهو راشد و الاسم الرشاد، و يتعدّى بالهمزة فيقال:
أرشدته إرشادا.
و الضلال: قيل: هو الفقدان لما يوصل إلى المطلوب.
و قيل: هو سلوك طريق لا يوصل إلى المطلوب.
و قيل: هو العدول عن الطريق السويّ و لو خطأ.
و الحقّ شموله للمعاني الثلاثة.
و من الأوّل قوله تعالى: وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى‏ «2» على بعض الأقوال في معناه، أي: فاقدا لما يوصلك إلى ما أنت عليه الآن من النبوّة و الشريعة، فهداك‏
__________________________________________________
 (1) في «الف»: حقيقته.
 (2) سورة الضحى: الآية 7.

271
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 269

.......... إليه بنصب الأدلّة و الألطاف حتّى وصلت إلى المطلوب.
و على المعنيين الأخيرين فأدناه أصغر الصغائر، و أعلاه أكبر الكبائر.
إذا عرفت ذلك فالمراد بالإرشاد: الدلالة على المطلوب بلطف، سواء كان معها وصول إليه أم لا، فلا ينافيه قوله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ «1»، إذ المراد بالهداية هنا: الإيصال إلى المطلوب و هو بيده تعالى.
فإن قلت: قد ورد في الحديث عن أبي عبد اللّه عليه السلام: كفّوا عن الناس و لا تدعوا أحدا إلى أمركم «2». و هو ينافي سؤال التوفيق لإرشاد الضالّ، مع أنّه من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
قلت: أجيب بأن الأمر بالكفّ و النهي عن الدعاء، إمّا: لأجل ما كان في ذاك الزمان من شدّة التقية من أهل الجور و العدوان.
و إمّا: لأنّ القصد منه ترك المبالغة في الدعاء، و عدم المخاصمة في أمر الدين، كما يدلّ عليه قول أبي عبد اللّه عليه السلام في حديث آخر: لا تخاصموا الناس لدينكم فانّ المخاصمة ممرضة للقلب «3». فلا منافاة.
و في إرشاد الضالّ و هدايته من الثواب ما لا يحصى، فعن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه: لمّا وجّهني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى اليمن، قال: يا علي لا تقاتل أحدا حتى تدعوه إلى الإسلام، و أيم اللّه‏
__________________________________________________
 (1) سورة القصص: الآية 56.
 (2) الكافي: ج 2 ص 213 ح 2.
 (3) الكافي: ج 2 ص 213 ح 4 و فيه: «و لا تخاصموا بدينكم الناس».

272
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 269

.......... لأن يهدي اللّه عزّ و جلّ على يديك رجلا خير لك ممّا طلعت عليه الشمس و غربت و لك ولاؤه «1».
قوله عليه السّلام: «و معاونة الضعيف» عاونه معاونة أي: أعانه، فهو فاعل بمعنى أفعل.
و الضعف بفتح الضاد في لغة تميم و بضمّها في لغة قريش: خلاف القوّة و الصحّة، فالمفتوح مصدر ضعف ضعفا- من باب قتل- و المضموم مصدر ضعف مثال قرب قربا. و منهم من يجعل المفتوح في الرأي، و المضموم في الجسد، و هو ضعيف، و ضعف عن الشي‏ء: عجز عن احتماله فهو ضعيف أيضا.
و قد يطلق الضعيف على المهين الذي لا عزّة له و لا قوّة، فلا يقدر على الامتناع ممّن يريد ظلمه و هضمه أو يريد به مكروها، و لعلّ هذا المعنى هو المراد هنا.
و عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:
عونك الضعيف من أفضل الصدقة «2».
قوله عليه السّلام: «و إدراك اللهيف» أدركته: إذا طلبته فلحقته.
و اللهيف و الملهوف و اللهفان و اللاهف: المظلوم المضطرّ يستغيث و يتحسّر.
و المراد بإدراكه: إغاثته، عبّر عنها بذلك لضيق خناقه و شدّة اضطراره، حتّى كان إغاثته إدراك له قبل فواته.
و لهذا كتب عثمان بن عفّان إلى أمير المؤمنين عليه السلام حين ضاق به الخناق في الدار قول الشاعر:
__________________________________________________
 (1) الكافي: ج 5 ص 36 ح 2.
 (2) وسائل الشيعة: ج 11 ص 108 باب 59 من أبواب جهاد العدو ح 2.

273
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 269

اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحمّدٍ وَ آلِهِ، وَ اجْعَلْهُ أيْمَن يَومٍ عَهِدْناهُ، وَ أفضَلَ صاحبٍ صَحِبْناهُ، وَ خَيْرَ وَقتٍ ظَلِلْنا فِيهِ.
  فان كنت مأكولا فكن خير آكل             و إلاّ فأدركني و لمّا أمزّق «1»
 و قد ورد في إغاثة الملهوف أخبار جمّة، فعنه صلّى اللّه عليه و آله: أنّه كان يحبّ إغاثة اللهفان «2».
و عن أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه: من كفّارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف و التنفيس عن المكروب «3».
و عن زيد الشحّام قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام يقول: من أغاث أخاه المؤمن اللهفان عند جهده، فنفّس كربته، و أعانه على نجاح حاجته، كانت له بذلك عند اللّه اثنان و سبعون رحمة من اللّه، يعجّل له منها واحدة يصلح بها معيشته، و يدخر له إحدى و سبعين رحمة لأفزاع يوم القيامة و أهوالها «4»*.
 [ 339] اليمن بالضمّ: البركة و السعادة، يمن كعلم، و يمن بالبناء للمفعول فهو ميمون، و قدّم على أيمن اليمنى، أي: اليمن.
و عهدناه: أي عرفناه أو لقيناه، تقول: الأمر كما عهدت أي: عرفت، و عهدته بمكان كذا: لقيته، و عهدي به قريب أي: لقائي.
و الفضل: الخير أي: خير صاحب، و إطلاق الصاحب على اليوم مجاز.
و الوقت: المقدار من الزمان، و أكثر ما يستعمل في الماضي كما وقع هنا.
__________________________________________________
 (1) الإمامة و السياسة لابن قتيبة: ج 1 ص 35.
 (2) سنن أبي داود: ج 4 ص 256 كتاب الأدب باب 12 عنه صلّى اللّه عليه و آله: «و تغيثوا الملهوف».
 (3) نهج البلاغة: ص 472 رقم 24.
 (4) الكافي: ج 2 ص 199 ح 1 مع اختلاف يسير في العبارة.

274
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 269

وَ اجْعَلْنا مِنْ أرْضى‏ مَنْ مَرَّ عَلَيهِ الليلُ وَ النّهارُ مِن جُملَة خَلْقِكَ.
و ظلّ يظلّ ظلا و ظلولا- من باب تعب-. قال الفارابي في ديوان الأدب «1».
الظلول بالنهار بمنزلة البيتوتة بالليل.
سأل عليه السّلام أن يكون يومه أكثر يمنا و فضلا و خيرا من أيّامه الماضية، و أراد بذلك أن يكون طاعته و عمله أكثر ممّا كان في سالف أيّامه، طلبا للترقّي في معارج القدس و مدارج الانس يوما فيوما، فإنّ من استوى يوماه فهو مغبون، فهو من باب سؤال اللازم و إرادة الملزوم*.
 [ 340] أرضى: اسم تفضيل يجوز أن يكون من رضي بالبناء للفاعل، أي: اجعلنا من أعظم الراضين بقضائك، و أن يكون من رضي بالبناء للمفعول على ما مرّ بيانه في الروضة الأولى «2»، أي: اجعلنا من أعظم المرضيّين عندك.
قال العلاّمة البهائي قدّس سرّه في الحديقة الهلالية: و في كلام بعض أصحاب القلوب أنّ علامة رضا اللّه سبحانه عن العبد رضا العبد بقضائه، و هذا يشعر بنوع من اللزوم بين الأمرين، و لو أريد باسم التفضيل هنا ما يشملهما، من قبيل استعمال المشترك في معنييه، لم يكن فيه كثير بعد، و مثله في كلام البلغاء غير قليل «3» انته.
و «من» من قوله عليه السلام: من جملة خلقك بيانية.
و الجار و المجرور حال من اسم التفضيل، أي: كائنا من بين جملة خلقك، كما تقول: أنت منهم الفارس البطل، أي: أنت من بينهم، و هذا الفرس من بين الخيل كريم*.
__________________________________________________
 (1) لم نعثر على هذا الكتاب.
 (2) ج 1 ص 328.
 (3) الرسالة الهلالية للبهائي: ص 24.

275
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 269

أشْكَرَهُمْ لِما أوْلَيْتَ مِنْ نِعَمِكَ.
وَ أقوَمَهُمْ بما شَرَعْتَ مِن شَرائعِكَ.

أشكرهم: بالنصب حال من أرضى، على الصحيح من جواز تعدّد الحال في الفصيح.
و ما قيل من أنّه معطوف على أرضى بتقدير حرف العطف فخطأ، لأنّه لو كان كذلك كان مجرورا. إلاّ أن يقال: إنّه عطف على محلّه.
و فيه: أنّ حذف حرف العطف بابه الشعر، كما نصّ عليه ابن هشام في المغني «1».
و في رواية ابن إدريس: أشكرهم بالجرّ، و هو إمّا بدل من أرضى، أو عطف بيان.
و أوليته معروفا: منحته إيّاه.
سئل بعض العارفين: من أشكر الناس؟ فقال: أربعة هم أشكر الناس و أسعدهم: الطاهر من الذنب يعدّ «2» نفسه من المذنبين، و الراضي بالقليل يعدّ نفسه من الراغبين، و القاطع دهره بذكر اللّه يعدّ نفسه من الغافلين، و الدائب نفسه من العمل يعدّ نفسه من المقلّين، فهذا هو أشكر الشاكرين و أفضل المؤمنين*.
 [ 341] الشرائع: جمع شريعة و هي ما شرّع اللّه من الفرائض و السنن، مأخوذ من الشريعة و هي مورد الناس للاستقاء، سمّيت بذلك لوضوحها و ظهورها، و شرّع اللّه لنا كذا: أظهره و أوضحه. أي: أشدّهم قياما بما أظهرته لنا من أحكام دينك، فرضا كان أو سنّة.
__________________________________________________
 (1) مغني اللبيب: ص 831.
 (2) في «الف»: بعدّ.

276
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 269

وَ أوقَفَهُمْ عَمّا حَذَّرْتَ مِن نَهيِكَ.
و وقع في كلام بعض المترجمين من العجم: أنّ حرف العلّة و هو الياء من شرائع لا تقلب همزة، بل تبقى ياء على حالها البتّة. و علّل ذلك بأنّ حرف العلّة المذكور لم يقع قبله واو أو ياء كأوائل و خيائر حتّى تقلب همزة، و هو خطأ واضح و غلط فاضح، بل الياء من شرائع يجب قلبها همزة من غير خلاف، فرقا بين الزائدة و الأصلية، كما بيّناه في شرح السند عند قوله: «و يدّخروه في خزائنهم».
و أعجب لعجميّ هذا مبلغه في العربية كيف سوّلت له نفسه التعرّض لشرح كلام المعصوم، و اللّه المستعان*.
أوقفهم: اسم تفضيل من وقف عن الشي‏ء بمعنى توقّف، أي: أمسك عنه و لم يدخل فيه.
و التحذير: التخويف.
و نهى اللّه عن الشي‏ء: أي حرّمه. و المراد بنهيه هنا منهيّه، أي: ما حرّمه، إطلاقا للمصدر على المفعول كالشرط بمعنى المشروط.
و لمّا كان للتوقّف عن المنهيّات مراتب أتى باسم التفضيل الدالّ على الزيادة طلبا لأعلى درجاته، و قد رتّبوه على أربع درجات:
الأولى: التوقّف عمّا يوجب ارتكابه التفسيق و سقوط العدالة، و هذه هي الأدنى في الدرجات.
الثانية: الحذر عمّا تتطرّق إليه شبهة الحرمة، و إن ساغ ذلك في الفتوى، و هو الذي قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك «1». و هذه‏
__________________________________________________
 (1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 124 ح 47 و ص 122 ح 38 و ص 127 ح 56.

277
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 269

.......... الدرجة للصالحين.
الثالثة: وقوف المتّقين و ورعهم.
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لا يبلغ الرجل درجة المتّقين حتّى يترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس «1».
فربّما توقّف المتّقي عن الأطعمة الشهيّة و الملابس البهيّة خيفة أن تجمح «2» به النفس الأمّارة بالسوء إلى مواقعة محظور، و ربّما لا يمدّ العين إلى ما متّع به الناس لئلاّ تتحرّك دواعي الرغبة فيه، على ما قال اللّه تعالى: وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى‏ ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا «3».
الرابعة: الوقوف عمّا لا يراد بتناوله القوّة على الطاعة، أو يلمّ بصاحبه بعض خواطر المعصية، و هذه درجة الصدّيقين.
كما يحكى عن بعضهم أنّه شرب دواء و أشير عليه بالمشي، فقال: إنّي لم أمش قط في غير طاعة، و لا أعرف لمشيتي هذه وجها فيها.
و كان بعضهم يتجنّب شرب ماء الأنهار الكبار التي تحتفرها السلاطين.
و أطفأ بعضهم سراجا أشعله غلامه من دار ظالم.
و أمثال هذه الأفعال إنّما توجد في عشّ انفس وفت بقول اللّه تعالى: قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ «4»، فرأت كلّ ما لم يكن للّه حراما عليها، فتوقّفت عنه، و قصرت أعينها عن النظر إليه، فكانت أوقف خلق اللّه عمّا حذّر من منهيّاته، و أبعدهم عن‏
__________________________________________________
 (1) سنن ابن ماجة: ج 2 ص 1409 ح 4215 مع اختلاف يسير في العبارة.
 (2) جمح الفرس براكبه: استعصى حتّى غلبه. (المصباح المنير: ص 147).
 (3) سورة طه: الآية 131.
 (4) سورة الأنعام: الآية 91.

278
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 269

اللّهُمّ إِنّي أشهِدُكَ وَ كَفى‏ بِكَ شَهِيداً.
الجموح إلى مواقعة محظوراته*.
 [ 342] أشهدك أي: أسألك أن تشهد، و الشهيد و الشاهد.
قال ابن الأثير في النهاية: في أسمائه تعالى الشهيد هو الذي لا يغيب عنه شي‏ء، و الشاهد: الحاضر، و فعيل من أبنية المبالغة، فإذا اعتبر العلم مطلقا فهو العليم، و إذا أضيف إلى الأمور الباطنة فهو الخبير، و إذا أضيف إلى الأمور الظاهرة فهو الشهيد، و قد يعتبر مع هذا أن يشهد على الخلق يوم القيامة بما علم «1». انته.
و في «كفى بك» قولان:
أحدهما: أنّ ضمير المخاطب هو فاعل كفى، و الباء زائدة غلبت زيادتها في فاعل هذا الفعل لتضمّنه معنى اكتف، و الأصل كفيت شهيدا، فلمّا زيدت الباء قيل: كفى بك، و مثله قوله تعالى: وَ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً* و كَفى‏ بِاللَّهِ حَسِيباً*، و هو قول الزّجاج «2».
قال ابن هشام: و هو من الحسن بمكان. و يصحّحه قولهم اتّقى اللّه إمرء فعل خيرا يثب عليه أي: ليتّق، بدليل جزم يثب، و يوجبه قولهم: كفى بهند بترك التاء «3».
و تعقّب بعضهم ما استحسنه فقال: إنّه غير صحيح، لأنّه يلزم عليه أن يكون فاعل كفى ضمير المخاطب، و الفعل الماضي لا يرفع ضمير المخاطب المستتر.
الثاني: أنّ الفاعل ضمير الاكتفاء، و التقدير: كفى الاكتفاء بك، أو باللّه.
__________________________________________________
 (1) النهاية لابن الأثير: ج 2 ص 513.
 (2) إعراب القرآن للزجاج: ج 2 ص 669.
 (3) مغنى اللبيب: ص 144.

279
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 269

......... و هو قول ابن السرّاج قال ابن هشام: و صحّة قوله موقوفة على جواز تعلّق الجارّ بضمير المصدر، و هو قول الفارسي و الرّماني، أجازا: مروري بزيد حسن و هو بعمرو قبيح.
و منع جمهور البصريّين إعماله مطلقا «1».
و قال ابن الصائغ «2»: لا نسلّم توقّف الصّحة على ذلك، لجواز أن تكون الباء للحال، أي: كفى الاكتفاء في حال كونه ملتبسا بك أو باللّه، و هو في محلّه «3».
قال الدماميني في شرح التسهيل: و لم أر من أفصح عن معنى كفى التي تغلب زيادة الباء في فاعلها، و في كلام بعضهم ما يشير إلى أنّها قاصرة لا متعدّيّة، و في كلام بعضهم خلاف ذلك «4». انته.
قلت: قال المرادي «5» في الجني الداني: هي بمعنى حسب «6»، و فيه مسامحة ظاهرة.
ثم مقتضى كلام ابن هشام في المغني: اشتراط كونها لازمة في زيادة الباء،
__________________________________________________
 (1) مغني اللبيب: ص 144.
 (2) هو محمد بن عبد الرحمن الحنفي النحوي المعروف بابن الصائغ، له شرح على ألفيّة ابن مالك و القصيدة البردة و الحواشي على المغني، توفّي سنّة 776 أو 777 هجرية. (الكنى و الألقاب: ج 1 ص 323 و 324).
 (3) المنصف من الكلام على المغني: ج 1 ص 224.
 (4) شرح التسهيل: لا يوجد لدينا هذا الكتاب. بل وجدنا قوله في كتابه تحفة الغريب بهامش المنصف من الكلام: ج 1 ص 224.
 (5) هو الحسن بن قاسم المصري، الفقيه النحوي اللغوي المعروف بابن أمّ قاسم، صاحب شرح المفصّل و شرح التسهيل و شرح الألفيه، توفّي يوم عيد الفطر سنة 749 هجرية. (الكنى و الألقاب: ج 3 ص 145- 146).
 (6) الجني الداني: لا يوجد لدينا هذا الكتاب، بل وجدنا هذا المعنى في لسان العرب: ج 15 ص 225.

280
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 269

.......... حيث قال: و لا تزاد في فاعل كفى التي بمعنى أجزأ و أغنى، و لا التي بمعنى وفى، و الأولى متعدّية لواحد، كقوله (قليل منك يكفيني)، و الثانية متعدّية لاثنين، كقوله تعالى: وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ «1». انته.
و صرّح كلّ من مكّي و أبي البقاء في إعرابه بأنّها متعدّية.
قال مكّي: في قوله تعالى: وَ كَفى‏ بِاللَّهِ حَسِيباً* أي: كفاك اللّه حسيبا، فالكاف المفعول محذوف، و الباء زائدة، و الجار و المجرور في موضع رفع فاعل كفى، و التقدير: كفاك اللّه حسيبا «2».
و جعلها أبو البقاء متعدّية إلى مفعولين، فإنّه قال: و كفى تتعدّى إلى مفعولين و قد حذفناهما، و التقدير: و كفاك اللّه شرّهم حال كونه حسيبا، و يجوز ذلك، و الدليل عليه فسيكفيكهم اللّه «3». انته.
و على هذا فالتقدير في و كفى بك شهيداً و «كفيتني شهيداً» أو «و كفيتني شهادة غيرك»: حال كونك شهيدا.
و يحتمل أن يكون شهيدا تمييزا رافعا لإجمال النسبة.
و قال أبو حيّان: كفى في هذا التركيب في معنى فعل غير متصرّف و هو فعل التعجّب، فمعنى قولك: كفى بزيد ناصرا، ما أكفى زيدا ناصرا، و لذلك لا يجوز تقديم التمييز عليه إجماعا لا يقال ناصرا كفى بزيد و لا شهيدا كفى باللّه «4». انته*.
__________________________________________________
 (1) مغني اللبيب: ص 145.
 (2) مشكل إعراب القرآن: ج 1 ص 380 و فيه «شهيدا» بدل «حسيبا».
 (3) راجع روح المعاني: ج 4 ص 208 و 209.
 (4) راجع الحدائق النديّة: ص 229.

281
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 269

وَ اشهِدُ سَماءَكَ وَ أرضَكَ وَ مَن أسكَنتَهما مِن مَلائكَتِكَ وَ سائرِ خَلقِكَ، في يَومي هذا وَ ساعَتي هذِه وَ لَيلَتي هذهِ وَ مُستَقَرِّي هذا.
إشهاد السماء و الأرض، إمّا على طريق التقدير، أي: اشهدهما إن كانا ممّن له أهليّة الإشهاد، بناء على القول بأنّ كلاّ منهما جماد، أو على سبيل التمثيل لعموم الإشهاد، بناء على ذلك أيضا.
أو على وجه التحقيق، إمّا لأنّ اللّه تعالى سينطقهما فيشهدان، أو لأنّ لكلّ منهما شعورا و نطقا.
أمّا السماء فقد تقدّم أنّ الحكماء يدّعون أنّها حيوان ناطق يتحرّك بالإرادة دائما طاعة للّه تعالى، و له جسم و نفس و لنفسه عقل.
و أمّا الأرض فقال بعض أهل العرفان: للعرفاء فيها آيات خفيّة يعرفونها من كونها ذات شعور و نطق و ذكر و تسبيح، و لها جوهر شريف عقليّ نورانيّ، كما أشير إليه بقوله تعالى: وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها «1».
و في بعض الأخبار: أنّ رجلا أخذ في كفّه حصيات، و قال: أشهدك أيّتها الحصيات أنّي أشهد أن لا إله إلاّ اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه، و إذا كان يوم القيامة أمر به إلى النار، فتأتي تلك الحصيات فتشهد له بما أشهدها، فيؤمر به إلى الجنّة بشهادتها «2».
قوله عليه السلام: «و سائر خلقك» أي: باقي مخلوقاتك. يروى بالجرّ عطفا على «ملائكتك»، و بالنصب عطفا على «من أسكنتهما»*.
الظرف متعلّق باشهدك و اشهد سماءك على سبيل التنازع.
__________________________________________________
 (1) سورة الزمر: الآية 69.
 (2) لم نعثر عليه.

282
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 269

أَنّي أشهَدُ أنّكَ أنتَ اللّهُ الّذي لا إِله إِلاّ أنتَ.

و أسماء الإشارة صفات بتأويل الحاضر و الحاضرة.

و المستقرّ: مكان الاستقرار.

و الإشارة إلى الليلة باعتبار حضورها في الذهن، إن كان الدعاء مخصوصا بالصباح أو قرئ فيه، و إن قرئ بالمساء فالإشارة إلى اليوم باعتبار حضوره في الذهن.

و فائدة هذا القيد التنصيص على إنشاء الإشهاد للمبالغة، مع ما فيه من بسط الكلام حيث الإصغاء مطلوب*.

[ 343] أي: على أنّي أشهد بأنّك، و حذف الجار يكثر و يطّرد مع أنّ و أن.

و اختار الجملة الفعلية لإفادة التجدّد، و المضارع لإفادة الاستمرار، و اختار صيغة المتكلّم إظهارا للتوحيد و اهتماما بشأنه.

و الشهادة: هي الإخبار بصحّة الشي‏ء الناشئ عن العلم، و هي أخصّ من العلم و الإقرار، إذ العلم قد يخلو عن الإقرار و الإقرار عن العلم، و الشهادة جامعة لهما.

و أنت: ضمير فصل يفصل بين الخبر و التابع بالإعلام من أوّل الأمر بأنّ ما بعده خبر لا تابع، و لهذا سمّي فصلا، و يؤكّد النسبة و يفيد اختصاص المسند بالمسند إليه، و هو حرف على الأصحّ لا محلّ له من الإعراب.

و قيل: هو اسم لا محلّ له.

و قيل: محلّه بحسب ما قبله، و قيل: بحسب ما بعده.

و يحتمل أن يكون توكيدا، و أن يكون مبتدأ خبره اسم الجلالة، و الجملة خبر أنّ.

283
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 269

.......... و قوله: «إلاّ أنت» حمل على المعنى إيثار للخطاب على الغيبة، و لو حمل على اللفظ لقال: إلاّ هو، و هذا و إن كان هو الغالب في الاستعمال، إلاّ أنّه لمّا كان ما قبله خطابا، و الداعي في مقام الحضور و الشهود، طوى عن الغيبة كشحا، و أجرى الكلام على سنن واحد استلذاذا بالخطاب.
قال النحويّون: إذا كان الموصول أو موصوفه خبرا عن متكلّم أو مخاطب جاز أن يكون العائد إليه غائبا، و هو الأكثر، لأنّ المظهرات كلّها غيّب، نحو: أنا الذي قال كذا، و أنت الرجل الذي فعل كذا، و جاز أن يكون متكلّما أو مخاطبا، نحو:
أنا الذي قلت كذا، و أنت الرجل الذي فعلت كذا.
و عليه قول أمير المؤمنين عليه السلام:
         أنا الذي سمّتني أمّي حيدرة «1»
تنبيه‏
ينبغي أن يراد بالإله المنفيّ في كلمة التوحيد المعبود بالحقّ، أي: لا معبود بالحقّ إلاّ اللّه أو إلاّ أنت، إذ لو أريد به مطلق المعبود لزم الكذب، لكثرة المعبودات الباطلة.
فإن قلت: ما إعراب إلاّ أنت أو إلاّ اللّه؟
قلت: زعم الأكثرون أنّ المرتفع بعد «إلاّ» في ذلك بدل من محلّ اسم لا،
__________________________________________________
 (1) من الشعر المنسوب إلى الإمام علي عليه السلام لشارحه عبد العزيز سيد الأهل: ص 70.

284
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 284

.......... كما في قولك: ما جاءني من أحد إلاّ زيد، و استشكل بأنّ البدل لا يصلح هنا لحلول محلّ الأوّل.
و قال ابن هشام: و قد يجاب بأنّه بدل من الاسم مع لا، فإنّهما كالشي‏ء الواحد، و يصحّ أن يخلفهما، و لكن يذكر الخبر حينئذ فيقال: اللّه موجود.
و قيل: هو بدل من ضمير الخبر المحذوف «1».
ها هنا سؤال مشهور، و هو إن قدّر الخبر المحذوف «موجود» لم يلزم نفي إمكان إله معبود بالحق غير اللّه تعالى، غايته نفي وجود إله كذلك، و إن قدّر ممكن لم يلزم إلاّ إثبات إمكان الوجود له تعالى لا إثبات وجوده، تعالى اللّه عن ذلك.
قال بعض المحقّقين: و تحقيق الجواب على التقديرين إنّ المعبود بالحقّ لا يكون إلاّ واجب الوجود، و محال أن يبقى واجب الوجود في عالم الإمكان.
فان قلنا: لا إله موجود إلاّ اللّه لزم نفي إمكان إله غيره.
و إن قلنا: لا إله ممكن إلاّ اللّه لزم وجود اللّه تعالى، لاستحالة بقاء واجب الوجود في رتبة الإمكان، و هو دقيق لطيف جدّا. انته.
و قال بعض العلماء: الحقّ أنّ كلّ تقدير يقدّر ها هنا فهو مخرج لهذه الكلمة ممّا يفيده إطلاقها، و يفيدها تخصيصا لم يكن، و هو ممّا يجده الإنسان من نفسه عند الاعتبار، فالأولى أن يكون خبر «لا» هو قولنا: إلاّ اللّه، و حينئذ لا حاجة إلى أمر زائد. انته.
و كأنّه أراد أنّه خبر ل «لا» مع اسمها، فانهما في موضع رفع عند سيبويه «2»
__________________________________________________
 (1) مغني اللبيب: ص 745.
 (2) مغني اللبيب: ص 745.

285
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 284

......... و إلاّ لزم عمل «لا» في غير نكرة منفيّة، و هو غير صحيح.
و نعم ما قال بعضهم: إنّ كلمة الشهادة تامّة في أداء معنى التوحيد، الذي هو نفي إمكان الوجود عمّا سوى اللّه تعالى من الآلهة، و إثبات الوجود له تعالى، لأنّها صارت عليه علما شرعا من غير نظر إلى المعنى اللغوي.
هداية
اعلم أنّ كلمة الشهادة أشرف كلمة تنطبق على معنى التوحيد، لما تضمّنه تركيبها من حسن الوضع المؤدّي للمقصود التامّ منها.
و بيان ذلك: أنّه قد ثبت في علم السلوك إلى اللّه تعالى أنّ التوحيد المحقّق و الإخلاص المطلق لا يتقرّر إلاّ بنفض «1» كلّ ما عداه عنه، و تنزيهه عن كلّ لاحق له، و طرحه عن درجة الاعتبار، و هو المسمّى في عرف أهل العرفان بمقام التخلية و النفض «2» و التفريق، و ما لا يتحقّق الشي‏ء إلاّ به كان اعتباره مقدّما على اعتباره، و قولنا: لا إله إلاّ اللّه مشتمل على هذا الترتيب، إذ كان الجزء الأوّل منها مشتملا على سلب كلّ ما عدا الحقّ سبحانه، مستلزما لغسل درن كلّ شبهة لخاطر سواه، و هو مقام التنزيه و التخلية، حتى إذا انزاح كلّ ثان عن محلّ عرفانه استعدّ بجوده للتحلية بنور وجوده، و هو ما اشتمل عليه الجزء الثاني من هذه الكلمة، فكانت أجلّ كلمة نطق بها في التوحيد*.
__________________________________________________
 (1) و في «الف»: بنقص.
 (2) و في «الف»: و النقض.

286
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

هداية ص 286

قائِمٌ بِالقِسْطِ عَدْلٌ في الحُكْمِ رَءوفٌ بِالعِبادِ مالِكُ المُلْكِ رَحيمٌ بِالخَلْقِ.

القسط بالكسر: اسم من أقسط بالألف بمعنى عدل.

و يجوز أن يكون قائم بالقسط و ما بعده أخبارا مترادفة بعد خبر أنّ. و أخلاها عن العاطف لإيرادها على طريق التعديد، و أن يكون أخبارا لمبتدأ محذوف، أي: أنت قائم بالقسط إلى آخره.

و لك جعلها إبدالا من اسم الجلالة، ك «أحد» من‏ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.

و معنى قائم بالقسط: قائم بالعدل، كما يقال: فلان قائم بالتدبير، أي: يجريه على سنن الاستقامة، أو مقيما للعدل فيما يقسّم من الأرزاق و الآجال، و يثيب و يعاقب، و فيما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض، و العمل على السوية فيما بينهم.

إذا عرفت ذلك فقوله «عدل في الحكم» كالمفسّر له، إذ العدل هو الذي لا يجور في الحكم، و هو في الأصل مصدر سمّي به فوضع موضع العادل، و هو أبلغ منه، لأنّه جعل المسمّى نفسه عدلا، و قد يخصّ قيامه بالقسط بعدله في أفعاله تعالى، و عدله في الحكم بعدله في أوامره و نواهيه.

قال بعض العلماء: اعلم أنّ واجب الوجود يلزمه الغنى المطلق، و العلم التامّ، و الفيض العامّ، و الحكمة الكاملة، و الرحمة الشاملة، و عدم الانقسام بجهة من الجهات، و عدم الافتقار بوجه من الوجوه إلى شي‏ء من الأشياء، و عدم النقص في شي‏ء من الأفعال و الأحكام، إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى و الصفات العليا، و مركوز في العقل السليم أنّ من هذا شأنه لا يصدر منه شي‏ء إلاّ على وفق العدالة، و قضيّة السويّة، و رعاية الأصلح عموما أو خصوصا، فكلّ ما يخيّل إلى المكلّف أنّه خارج عن قانون العدالة أو يشبه الجور أو القبيح وجب أن ينسب ذلك إلى قصور

287
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

هداية ص 286

.......... فهمه، و عدم إحاطته التامّة بسلسلة الأسباب و المسبّبات و المبادي و الغايات، فانظر في كيفيّة خلقة أعضاء الإنسان حتّى تعرف عدل اللّه و حكمته فيها، ثمّ انظر إلى اختلاف أحوال الخلق في الحسن و القبح و الغنا و الفقر و الصحّة و السقم و طول العمر و قصره و اللذّة و الالم، و اقطع بأنّ كلّ ذلك عدل و صواب، ثمّ انظر إلى كيفيّة خلقة العناصر و أجرام الأفلاك و الكواكب، و تقدير كلّ منها بقدر معيّن و خاصيّة معيّنة، فكلّها حكمة و عدل، و انظر إلى تفاوت الخلائق في العلم و الجهل و الفطانة و البلادة، و اقطع بأنّ كلّ ذلك عدل و قسط، فإنّ الإنسان بل كلّ ما سوى اللّه تعالى لم يخلق مستعدّا لإدراك تفاصيل كلمات اللّه، فالخوض في ذلك خوض فيما لا يعنيه بل لا يسعه، و لا ينفعه إلاّ العلم الإجمالي بأنّه تعالى واحد في ملكه، و ملكه لا منازع له و لا مضادّ و لا مانع لقضائه و لا رادّ، و في كلّ واحد من مصنوعاته، و لكلّ شي‏ء من أفعاله حكم و مصالح، لا يحيط بذلك علما إلاّ موجده و خالقه، يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد قسطا و عدلا، هذا هو الدين القويم و الاعتقاد المستقيم، و العدول عنه مراء، و الجدال فيه هراء، فمن نسبه سبحانه إلى الجور في فعل من الأفعال فهو الجائر لا على غيره بل على نفسه، إذ لا يعترف بجهله و قصوره، و لكن ينسب ذلك إلى علاّم الغيوب، العالم بالخفيّات، و المطّلع على الكليّات و الجزئيّات، من أزل الآزال إلى أبد الآباد.
و إلى ذلك يشير قول أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه: التوحيد أن لا تتوهّمه، و العدل أن لا تتّهمه «1».
__________________________________________________
 (1) نهج البلاغة: ص 558 رقم 470.

288
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 289

..........
تنبيه‏
في قوله عليه السلام: «أنّي أشهد أنّك أنت اللّه الذي لا إله إلاّ أنت قائم بالقسط» تلميح إلى قوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ «1»، فكأنّه عليه السّلام قال: إنّي أشهد بما شهدت به على نفسك و ما شهد به ملائكتك و أولوا العلم من عبادك.
روى الشيخ الجليل أبو علي الطبرسي في تفسيره الكبير عن غالب القطان، قال: أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريبا من الأعمش، فكنت أختلف إليه، فلمّا كنت ذات ليلة أردت أن أنحدر إلى البصرة قام من الليل يتهجّد، فمرّ بهذه الآية شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الآية، ثمّ قال الأعمش: و أنا أشهد بما شهد اللّه به، و استودع اللّه هذه الشهادة، و هي لي عند اللّه وديعة، قالها مرارا. قلت: لقد سمع فيها شيئا، فصلّيت معه و ودّعته، ثم قلت: آية سمعتك تردّدها، قال: لا أحدّثك بها إلى سنة، فكنت على بابه ذلك اليوم و أقمت سنة، فلمّا مضت السنة قلت: يا أبا محمد قد مضت السنة، فقال: حدّثني ابن وائل عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول اللّه: إنّ لعبدي هذا عهدا عندي و أنّا أحقّ من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي هذا الجنّة «2».
قوله عليه السلام: «رءوف بالعباد» الرأفة أقوى في الكيفيّة من الرحمة، لأنّها
__________________________________________________
 (1) سورة آل عمران: الآية 18.
 (2) مجمع البيان: ج 1- 2 ص 421.

289
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 289

.......... عبارة عن إيصال النعم الصافية عن الآلام، و الرحمة إيصال النعمة مطلقا، و قد تكون مع الألم كالضرب للتأديب، قال اللّه تعالى: وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ* «1».
قال بعضهم: من كمال رأفته تعالى و رحمته بالعباد أن بعث إليهم مائة و أربعة و عشرين ألف نبيّ، ليدلّوهم على الطريق الموصل إلى السعادة الأبديّة، و يصرفوهم عن السبيل المؤدّي إلى الشقاوة السرمديّة، و قد تمدّح سبحانه بهذا الإرسال بقوله:
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ «2».
قوله عليه السلام: «مالك الملك» أي: مالك جنس الملك فيتصرّف فيه تصرّف الملاّك فيما يملكون.
قيل: المراد به كلّ ملك و ملك، فكلّ مالك دونه هالك، و كلّ ملك دونه يهلك.
و قيل: أي مالك العباد و ما ملكوا.
و قيل: مالك أمر الدنيا و الآخرة.
قال بعض أرباب القلوب: إنّ العبد إذا تحقّق أنّ الملك للّه، و هو مالك كلّ شي‏ء، تنكّب عن وصف الدعوى، و تبرأ من الحول و القوى، فسلّم الأمر لمالكه، و لم يفزع إلى احتياله عند طلب الخلاص من مهالكه، فلا يقول: بي، و لا يقول: لي، و لا يقول: منّي.
و لهذا قال بعضهم: التوحيد إسقاط الياءات.
قوله عليه السلام: «رحيم بالخلق». الرحيم: صفة مشبّهة من رحم بالكسر بعد
__________________________________________________
 (1) سورة البقرة: الآية 207.
 (2) سورة الجمعة: الآية 2.

290
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 289

وَ أنّ مُحمّداً عَبدُكَ وَ رَسولُكَ.
نقله إلى رحم بالضمّ، لأنّ الصفة المشبّهة لا تشتقّ من المتعدّي إلاّ بعد جعله لازما.
بمنزلة الغرائز، فتنقل إلى فعل بضمّ العين فتشتقّ منه الصفة المشبّهة، و هذا مطّرد في باب المدح و الذمّ، نصّ عليه السكّاكي في تصريف المفتاح «1»، و جار اللّه في الفائق «2».
و قيل: الرحيم ليس بصفة مشبّهة، بل هي صيغة مبالغة، نصّ عليه سيبويه «3» في قولهم: هو رحيم فلانا.
و عدّاه بالباء لتضمينه معنى الرأفة.
و رحمته تعالى بالخلق أنّ كلّ نعمة أو نقمة، دنيويّة أو اخرويّة، فإنّما تصل إلى العبد أو تندفع عنه برحمته سبحانه و فضله، من غير شائبة غرض و لا ضميمة علّة، لأنّه الجواد المطلق و الغني الذي لا يفتقر، فينبغي أن لا يرجى إلاّ رحمته و لا يخشى إلاّ نقمته*.
 [ 344] جمع بينهما ليدفع الإفراط و التفريط الذي وقع في شأن عيسى عليه السلام، و قدّم العبد ترقّيا من الأدنى إلى الأعلى.
و في كلام أرباب العرفان أنّه لا مقام أشرف من العبوديّة، إذ بها ينصرف من الخلق إلى الحقّ، و ينعزل عن التصرّفات، و بالرسالة من الحقّ إلى الخلق، و يقبل على التصرّفات و لذا قال: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ «4» و لم يقل: برسوله، فلا يكون ترقّيا، و العبد الحقيقي من يكون حرّا عن الكونين، و هو نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله، إذ
__________________________________________________
 (1) لم نعثر على هذا الكتاب.
 (2) الفائق في اللغة: ج 2 ص 49.
 (3) روح المعاني: ج 1 ص 59.
 (4) سورة الإسراء: الآية 1.

291
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 289

وَ خِيرَتُكَ مِن خَلْقِكَ.
يقول: أمّتي أمّتي و كلّ نبي يقول: نفسي نفسي «1»، و لأنّه هو الذي صحّح نسبة العبوديّة كما ينبغي، فاطلق عليه اسم العبد في القرآن، و قيّد لسائر الأنبياء.
و هو من قولهم طريق معبّد، أي: مذلّل بكثرة الوطء، فسمّي به لذلّته و انقياده.
و إنّما قرنت هذه الكلمة بكلمة التوحيد لأنّ كلمة التوحيد يعتبر فيها الإخلاص، و لا يحصل الإخلاص إلاّ بسلوك مراتبه و درجاته، و لن يحصل ذلك إلاّ بمعرفة كيفيّة السلوك، و لا تحصل تلك المعرفة إلاّ بالبيان النبويّ القائم بتعريف كيفيّة السلوك في درجات الإخلاص، فكانت الشهادة و الإقرار بصدق المبيّن أجلّ كلمة بعد كلمة الإخلاص، لأنّها بمنزلة الباب لها، فلأجل ذلك قرنت بها و صارتا كلمتين متقارنتين لا يصح انفكاك أحدهما عن الأخرى*.
الخيرة بكسر الخاء المعجمة و سكون الياء المثناة من تحت: اسم من الاختيار، مثل الفدية من الافتداء، و بكسر الخاء و فتح الياء بمعنى: الخيار و هو الاختيار.
و يقال: هي اسم من تخيّرت الشي‏ء، مثل الطيرة اسم من تطيّر.
و يقال: هما بمعنى واحد، و الخيرة بالكسر و السكون: ما يختار أيضا.
قال في البارع: خرت الرجل على صاحبه- من باب باع- أخير خيرا و زان عنب و خيرا و خيرة: إذا فضّلته عليه، و هذه خيرتي بالسكون و هو ما يختار «2» انته.
و محمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله خيرة اللّه من خلقه، يروى بالكسر و بفتح الياء و سكونها، إمّا من باب إطلاق المصدر على المفعول مبالغة، كالرضا بمعنى المرضيّ، أو بمعنى مختاره، و اختيار اللّه سبحانه له عليه السلام يعود إلى إكرامه باعداد
__________________________________________________
 (1) سنن الترمذي: ج 4 ص 624.
 (2) المصباح المنير: ص 225 نقلا عن البارع.

292
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 289

حَمَّلتَه رِسالَتَكَ فَأدّاها.
نفسه الشريفة لقبول أنوار النبوّة.
و في الحديث عنه صلّى اللّه عليه و آله: أنّ اللّه اختار خلقه فاختار منهم بني آدم، ثمّ اختار بني آدم فاختار منهم العرب، ثمّ اختار العرب فاختار منهم قريشا، ثمّ اختار قريشا فاختار منهم بني هاشم، ثمّ اختار بني هاشم فاختارني منهم، فلم أزل خيارا من خيار «1».
و عن المطلّب بن أبي وداعة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أنا محمّد ابن عبد اللّه بن عبد المطّلب، إنّ اللّه خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثمّ جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم، ثمّ جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم، فأنا خيركم بيتا و خيركم نفسا «2»*.
جملة استئنافيّة. و الرسالة: لغة بالكسر: اسم من الإرسال بمعنى التوجيه، و عرفا: أمر اللّه تعالى بعض عباده، بواسطة ملك يظهر له عيانا و يخاطبه شفاها، بدعوة الخلق إليه و تبليغهم أحكامه، و هي أرفع درجة من النبوّة، كما يظهر من الأحاديث الواردة عن أهل البيت عليهم السلام في الفرق بين الرسول و النبيّ «3».
و عبّر عن تكليفه بها بالتحميل لتحقيق معنى الصعوبة المعتبرة فيها، بجعلها من قبيل الأجسام الثقيلة التي تستعمل فيها القوى الجسمانيّة التي أشدّها و أعظمها ما فيهنّ من القوّة و الشدّة.
و التأدية: الإيصال، أي: فأوصلها إلى المرسل إليهم، بمعنى تأدية مقتضاها من‏
__________________________________________________
 (1) الشفاء للقاضي العياض: ج 1 ص 82.
 (2) الشفاء للقاضي العياض: ج 1 ص 82.
 (3) الكافي: ج 1 ص 176.

293
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 289

وَ أمَرتَه بِالنّصْحِ لِأُمّتِهِ فَنَصَحَ لَها.
اللّهُمّ فَصَلِّ عَلَيه أكثَر ما صَلَّيْتَ عَلى‏ أحَدٍ مِن خَلقِكَ.

الشرائع و الأحكام.
و قد يراد بالرسالة نفس المرسل به، كما في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ «1».
و على هذا فالمراد بتأديتها: تبليغها بنفسها*.
نصحت لزيد أنصح- من باب منع- نصحا بالضمّ و نصيحة: هذه اللغة الفصيحة، و عليها قوله تعالى: إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ «2» و في لغة يتعدّى بنفسه، فيقال: نصحته.
و النصيحة: كلمة جامعة، و معناها الدعاء إلى ما فيه الصلاح و النهي عمّا فيه الفساد.
و المراد ب «أمّته» هنا: أمّة الدعوة، و هم من بعث إليهم من مسلم و كافر، و لا شكّ أنّه صلّى اللّه عليه و آله أمر بالنصح لهم عامّة فنصح بل بالغ في النصيحة لهم، إذ أمرهم بالمعروف، و نهاهم عن المنكر، و دفع عنهم الضرّ، و أحسن لهم الخلق، و دعا لهم بالمغفرة على جهلهم، و بذل لهم المعروف، فقبل نصيحته من قبل، و صدّ عنها من خذل.
 [ 345] الفاء: فصيحة كما مرّ مرارا، أي: إذا كان الأمر كذلك فصلّ عليه، لأنّه جهة استحقاق، و لمّا كان الجزاء من الحكيم العدل ينبغي أن يكون مناسبا للفعل المجزي عنه طلب ما يناسبه من الجزاء.
__________________________________________________
 (1) سورة المائدة: الآية 67.
 (2) سورة هود: الآية 34.

294
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 289

وَ آتِهِ عَنّا أفضَلَ ما آتَيْتَ أَحَداً مِن عِبادِكَ.
وَ اجْزِهِ عَنّا أفضَلَ وَ أكرَمَ ما جَزَيتَ أحَداً مِن أنبِيائِكَ عن امّتِهِ.

و أكثر: نائب عن المصدر في الانتصاب على المفعول المطلق.
و ما: مصدريّة، و الأصل: فصلّ عليه صلاة مثل أكثر صلاتك على أحد من خلقك، فحذف الموصوف و هو صلاة، ثمّ المضاف و هو مثل، و صحّ وقوعه نعتا للنكرة و إن أضيف لمعرفة، لأنّه لم يكتسب التعريف لتوغّله «1» في الإبهام*.
آتيته مالا بالمدّ: أي أعطيته، و منه وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ «2»، أي: يعطون ما أعطوا.
 [ 346] و أفضل: منصوب على المفعول به، و الأصل و آته مثل أفضل ما آتيت، فحذف المضاف و أقام المضاف إليه مقامه.
و ما: موصولة أو موصوفة، و مفعول آتيت محذوف، أي: أفضل الذي آتيته، أو أفضل شي‏ء آتيته.
و أحدا: أصله وحدا، فابدلت الواو همزة، و يقع على الذكر و الأنثى، و في التنزيل يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ «3»*.
جزاه الله خيرا: أي أعطاه جزاء ما أسلف من طاعته، و جزيته على فعله: إذا فعلت معه ما يقابل فعله.
و عن: في الموضعين للبدلية، أي: بدلنا و بدل أمّته، مثلها في قوله تعالى:
__________________________________________________
 (1) أو غل في البلاد و العلم: ذهب و بالغ و أبعد، كتوغّل. (القاموس المحيط: ج 4 ص 66).
 (2) سورة المؤمنون: الآية 60.
 (3) سورة الأحزاب: الآية 32.

295
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 289

إِنّكَ أنتَ المنّانُ بِالجَسيمِ الغافِرُ لِلعَظيمِ.
لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ* «1» أي: بدل نفس.
و في الحديث: صومي عن أمّك، أي: بدلها «2».
و لمّا كان إحسان الرسول صلّى اللّه عليه و آله على أمّته عظيما، و كان جزاء الإحسان إحسانا بنصّ هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ «3»، و كانت الامّة عاجزة عن جزاء إحسانه العظيم، لا جرم أنّها فزعت بالتوسّل إلى من هو على كلّ شي‏ء قدير في طلب جزائه عنها.
و المراد من أكثر صلاته و أفضل مأتيّه و أكرم جزائه: ما جلّ و عظم من رحمته، و كمال جوده على النفوس المستعدّة لذلك.
ثمّ هذه الاعتبارات و إن اختلفت مفهوماتها ترجع إلى مطلوب واحد، و هو طلب زيادة كماله عليه السلام و قربه من اللّه تعالى، إذ مراتب استحقاق نعم اللّه عزّ و جلّ غير متناهية*.
 [ 347] المنّان: من أبنية المبالغة كالوهّاب و الغفّار، و هو من المنّ بمعنى العطاء و الإنعام، لا من المنّة بمعنى الاعتداد بالصنيعة.
قال في النهاية: كثيرا ما يرد المنّ في كلامهم بمعنى الإحسان إلى من لا يستثيبه «4» و لا يطلب الجزاء عليه «5».
و الجسيم: صفة مشبّهة من جسم بالضمّ بمعنى عظم جسمه، ثمّ استعمل في كلّ عظيم مجازا.
__________________________________________________
 (1) سورة البقرة: الآية 48.
 (2) سنن الترمذي: ج 3 ص 55 كتاب الزكاة باب 31.
 (3) سورة الرحمن: الآية 60.
 (4) في «الف»: يستثيبه، و كذا في النهاية لابن الأثير.
 (5) النهاية لابن الأثير: ج 4 ص 365.

296
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 289

وَ أنتَ أرحَمُ مِن كُلِّ رَحيمٍ.
فَصَلِّ عَلى‏ مُحمّدٍ وَ آلهِ الطَّيِّبينَ الطّاهِرينَ الأخيارِ الأْنجَبينَ.

قال الزمخشري في الأساس: و من المجاز أمر جسيم و هو من جسيمات الخطوب «1».
و الغافر: من الغفر بمعنى الستر، ثمّ أطلق على الصفح عن الذنب، يقال: غفر اللّه له غفرا- من باب ضرب- و غفرانا: صفح عنه، و المغفرة اسم منه.
و موصوفا الجسيم و العظيم محذوفان، أي: المنّان بالعطاء الجسيم و الغافر للذنب العظيم.
 [ 348] و أنت: ضمير فصل، أتى به للتخصيص، أي: أنّ كثرة المنّة بالجسيم و الغفران للعظيم مقصوران عليك لا يتجاوزانك إلى غيرك، و هذا تعليل لطلب الأكثر من الصلاة، و الأفضل من الإيتاء، و الأكرم من الجزاء، إذ كان تعالى بالغا غاية المنّ و الإحسان لا يتكأّده عظيم انعام و امتنان، و إن منع من إجابة هذا الدعاء و نجاح هذا المطلب و قبول هذا التوسّل عظيم ذنب، فهو الغافر للعظيم من الذنوب و إن كان فظيعا، بنصّ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً «2»*.
استعطاف و ترقّب للرحمة بقبول الدعاء، إذ خوان «3» مغفرته مبسوط للمذنبين، و فيض رحمته معدّ للعالمين، فلا تبلغ أعظم رحمة من غيره أدنى رحمة منه، كيف و هو الذي سبقت رحمته غضبه، و برحمته نال كلّ طالب طلبه؟*.
أعاد طلب الصلاة عليه صلّى اللّه عليه و آله لقصد الاهتمام بشأنه، و المبالغة
__________________________________________________
 (1) أساس البلاغة: ص 94.
 (2) سورة الزمر: الآية 53.
 (3) الخوان: ما يؤكل عليه، معرّب و فيه ثلاث لغات (المصباح المنير: ص 252).

297
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 289

......... في الدعاء له، و التعظيم لجنابه صلّى اللّه عليه و آله، و لتكون الصلاة عليه و على آله ختاما للدعاء فيكون ختامه مسكا، و لإشراك «1» آله في الصلاة عليه، إذ كانت الصلاة الأولى مخصوصة به صلّى اللّه عليه و آله، و فيه تعليم أنّه ينبغي ذكر آله معه في الصلاة، بل ورد في بعض الأخبار ما يدلّ على وجوب ذلك.
و هو ما رواه ثقة الإسلام في الكافي باسناده إلى أبي عبد اللّه عليه السلام، قال: سمع أبي رجلا متعلّقا بالبيت و هو يقول: اللّهمّ صلّ على محمّد، فقال له أبي: لا تبترها لا تظلمنا حقّنا، قل: اللّهمّ صلّ على محمّد و أهل بيته «2».
فنهى فيه عن البتر، و هو قطع الشي‏ء قبل تمامه، و عدّ ذلك ظلما، و لا شكّ في أنّ ظلم أهل البيت عليهم السلام حرام، و نهج الاحتياط ظاهر.
و طاب الشي‏ء يطيب: إذا لذّ للحاسّة و النفس، فأصل الطيّب ما تستلذّه الحواسّ و النفوس، و الطيّب من الناس من تزكّى عن نجاسة الجهل و الفسق، و تحلّى بزينة العلم و محاسن الأفعال.
و الطهارة: النقاء من الدنس و النجس، و الطاهر: النقيّ منهما.
و في اصطلاح أرباب العرفان الطاهر: من عصمه اللّه عن المخالفات و هو ينقسم إلى: طاهر الظاهر و هو: من عصمه اللّه عن المعاصي، و إلى طاهر الباطن و هو: من عصمه عن الوسواس و الهواجس «3»، و طاهر السرّ و هو: من لا يزيغ «4»
__________________________________________________
 (1) في «الف»: لاشتراك.
 (2) الكافي: ج 2 ص 495 ح 21.
 (3) هجس يهجس: ما يخطر بالضمائر و يدور فيها من الأحاديث و الأفكار. (النهاية لابن الأثير: ج 5 ص 247).
 (4) في حديث الدعاء: لا تزغ قلبي: أي لا تمله عن الايمان. يقال: زاغ عن الطريق، بزيغ: إذا عدل عنه.
 (النهاية لابن الأثير: ج 2 ص 324).

298
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 289

.......... عن اللّه تعالى طرفة عين، و طاهر السرّ و العلانية و هو: من قام بتوفية حقوق الحقّ و الخلق جميعا لسعته برعاية حقوق الجانبين.
و لا خفاء في أنّ المراد به هنا ما يعمّ جميع هذه الأقسام.
و الأخيار: جمع خير مخفّفا كعين و أعيان، أو جمع خيّر مشدّدا ككيّس و أكياس، و هما بمعنى واحد، أي: كثير الخير.
و قيل: المخفّف في الجمال و الميسم «1»، و المشدّد في الدين و الصلاح، و الأوّل هو الأشهر.
قال الجوهري: رجل خيّر و خير مشدّد و مخفّف «2».
و الأنجبين: جمع أنجب اسم تفضيل من نجب بالضمّ نجابة إذا صار نجيبا، أي:
كريما فاضلا في الحسب.
و هذه النعوت لهم عليهم السلام عين الحقّ و نفس الواقع، كيف لا و هم الذين قال اللّه تعالى في شأنهم: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً «3»؟
و ما أحسن و أصدق ما قال الجاحظ فيهم: هم سنام العالم، و صفوة الأمم، و غرّة العرب، و لباب البشر، و مصاص «4» بني آدم، و زينة الدنيا، و حلية الدهر، و الطينة البيضاء، و المغرس المبارك، و النصاب الوثيق، و معدن المكارم، و ينبوع الفضائل، و أعلام العلم، و ايمان الايمان، صلوات اللّه عليهم أجمعين. و الحمد للّه‏
__________________________________________________
 (1) الميسم بكسر الميم و الوسامة: أثر الحسن (القاموس المحيط: ج 4 ص 186).
 (2) الصحاح للجوهري: ج 2 ص 651.
 (3) سورة الأحزاب: الآية 33.
 (4) في «الف»: مساس.

299
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

تنبيه ص 289

.......... ربّ العالمين. [] قال مؤلّفه عفى اللّه عنه: هذا آخر الروضة السادسة من رياض السالكين في شرح صحيفة سيّد العابدين، وفّق اللّه لإتمامه، و شفّع حسن ابتدائه بحسن ختامه. و قد وافق الفراغ من تبييضه قبل الزوال من يوم الاثنين لعشر خلون من شهر رمضان المعظّم، أحد شهور سنة ثمان و تسعين و ألف و للّه الحمد.

300
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

الروضة السابعة ص 301

الروضة السابعة

301
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

و كان من دعائه عليه السلام إذا عرضت له مهمة او نزلت به ملمة و عند الكرب ص 303

و كان من دعائه عليه السّلام إذا عرضت له مهمّة او نزلت به ملمّة و عند الكرب‏

يا مَنْ تُحَلُّ بِهِ عُقَدُ الْمَكارِهِ وَ يا مَنْ يُفْثَأُ بِهِ حَدُّ الشّدائِدِ وَ يا مَنْ يُلْتَمَسَ مِنْهُ الْمَخْرَجُ الى‏ رَوْحِ الْفَرَجِ ذَلَّتْ لِقُدْرَتِكَ الصِّعابُ وَ تَسَبَّبَتْ بِلُطْفِكَ الْأَسْبابُ وَ جَرى‏ بِقُدْرَتِكَ الْقَضاءُ وَ مَضَتْ عَلى‏ ارادَتِكَ الْأَشْياءُ فَهِىَ بِمَشِيَّتِكَ دُونَ قَوْلِكَ مُؤْتَمِرَةٌ وَ بِارادِتِكَ دُونَ نَهْيِكَ مُنْزَجِرَةٌ انْتَ الْمَدْعُوُّ لِلْمُهِمّاتِ وَ انْتَ الْمَفْزَعُ فِى الْمُلِمَّاتِ لا يَنْدِفِعُ مِنْها إلاَّ ما دَفَعْتَ وَ لا يَنْكَشِفُ مِنْها الاّ ما كَشَفْتَ وَ قَدْ نَزَلَ بي‏ يا رَبِّ ما قَدْ تَكَاَّدَنى‏ ثِقْلُهُ وَ الَمَّ بي‏ ما قَدْ بَهَظَنى‏ حَمْلُهُ وَ بِقُدْرَتِكَ اورَدْتَهُ عَلىَّ وَ بِسُلْطانِكَ وَجَّهْتَهُ الَىَّ فَلا مُصْدِرَ لِما اوْرَدْتَ وَ لا صارِفَ لِما وَجَّهْتَ وَ لا فاتِحَ لِما اغْلَقْتَ وَ لا مُغْلِقَ لِما فَتَحْتَ وَ لا مُيَسِرَّ لِما عَسَّرْتَ وَ لا ناصِرَ لِمَنْ خَذَلْتَ فَصَلِّ عَلى‏ مُحَمَّدٍ وَ الِهِ وَ افْتَحْ لي يا رَبِّ بابَ الْفَرَجِ بِطَوْلِكَ وَ اكْسِرْ عَنّى‏ سُلْطانَ الْهَمِّ بِحَوْلِكَ وَ انِلْنى‏ حُسْنَ النَّظَرِ فيما شَكَوْتُ وَ اذِقْنى‏ حَلاوَةَ الصُّنْعِ فيما سَأَلْتُ وَ هَبْ لي‏ مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَ فَرَجاً هَنيئًا وَ اجْعَلْ لي‏ مِنْ عِنْدِكَ مَخْرَجاً وَحِيًّا وَ لا تَشْغَلْنى بِالْاهْتِمامِ عَنْ‏ ..........

303
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

و كان من دعائه عليه السلام إذا عرضت له مهمة او نزلت به ملمة و عند الكرب ص 303

تُعاهُدِ فُرُوضِكَ وَ اسْتِعْمالِ سُنَّتِكَ فَقَدْ ضِقْتُ لِما نَزَل بي‏ يا رَبِّ ذَرْعاً وَ امْتَلَأْتُ بِحَمْلِ ما حَدَثَ عَلَىَّ هَمًّا وَ انْتَ الْقادِرُ عَلى‏ كَشْفِ ما مُنيتُ بِهِ وَ دَفْعِ ما وَقَعْتُ فيهِ فَافْعَلْ بي‏ ذلِكَ وَ انْ لَمْ اسْتَوْجِبْهُ مِنْكَ يا ذَا الْعَرْشِ «الْعَظيمِ» ..........

304
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

و كان من دعائه عليه السلام إذا عرضت له مهمة او نزلت به ملمة و عند الكرب ص 303

.......... [] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و به نستعين الحمد للّه دافع كلّ مهمّة و رافع كلّ ملمّة، و الصلاة على نبيه كاشف الغمّة و على آله الهداة الأئمّة.
و بعد، فيقول العبد علي صدر الدين المدني بن أحمد «1» نظام الدين الحسينيّ الحسنيّ أنا لهما اللّه من فضله السنيّ: هذه الروضة السابعة من رياض السالكين، تتضمّن شرح الدعاء السابع من أدعية صحيفة سيّد العابدين صلوات اللّه عليه و على آبائه و أبنائه الطاهرين آمين.
__________________________________________________
 (1) في «الف»: أحمد بن نظام.

305
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

شرح الدعاء السابع ص 307

شرح الدعاء السابع‏
و كان من دعائه عليه السّلام إذا عرضت له مهمّة أو نزلت به ملمّة و عند الكرب.
عرض له الشي‏ء يعرض- من باب ضرب-: أي ظهر، و عرض له خطب: أي اعترض، من قولهم: سرت فعرض لي في الطريق عارض من جبل و نحوه، أي:
مانع يمنع من المضيّ. و اعترض لي: بمعناه.
و في المحكم: العرض محرّكة و العارض: الآفة تعرض في الشي‏ء، و عرض لك الشك و نحوه: من ذلك «1».
و المهمّ و المهمّة: الأمر الشديد و الحالة الشديدة، من أهمّه الأمر: إذا أقلقه و حزنه و أوقعه في الهمّ.
و الملمّة: النازلة من نوازل الدهر، من الإلمام و هو النزول.
يقال: ألمّ به، أي: نزل به.
و الكرب: الغمّ الذي يشتدّ على صاحبه.
__________________________________________________
 (1) المحكم لابن سيده: ج 1 ص 244.

307
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

مقدمة ص 308

..........
مقدّمة
لا ريب في استحباب الدعاء عند نزول البلاء، ففي الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام: إذا اشتدّ الفزع فإلى اللّه المفزع «1».
و روى ثقة الإسلام في الصحيح عن أبي الحسن موسى عليه السلام: ما من بلاء ينزل على عبد مؤمن فيلهمه اللّه عزّ و جلّ الدعاء إلاّ كان كشف ذلك البلاء وشيكا، و ما من بلاء ينزل على عبد مؤمن فيمسك عن الدعاء إلاّ كان ذلك البلاء طويلا، فإذا نزل البلاء فعليكم بالدعاء و التضرّع إلى اللّه عزّ و جلّ «2».
و في الحسن عن أبي عبد اللّه عليه السلام: هل تعرفون طول البلاء من قصره؟
قلنا: لا، قال: إذا الهم أحدكم الدعاء عند البلاء فاعلموا أن البلاء قصير «3».
و في الصحيح عن أبي الحسن موسى عليه السلام، قال: الدعاء للّه و الطلب إلى اللّه يرد البلاء و قد قدّر و قضي و لم يبق إلاّ إمضاؤه، فإذا دعي اللّه عزّ و جلّ و سئل صرف البلاء صرفه «4».
فائدة
روى ثقة الإسلام في الكافي بسند صحيح عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال:
__________________________________________________
 (1) الكافي: ج 2 ص 468 ح 2.
 (2) الكافي: ج 2 ص 471 ح 2.
 (3) الكافي: ج 2 ص 471 ح 1.
 (4) الكافي: ج 2 ص 470 ح 8.

308
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 308

يا مَنْ تُحلُّ بِهِ عُقَدُ المَكارِهِ وَ يا مَنْ يَفثَأ بِهِ حَدُّ الشّدائِد وَ يا مَنْ يُلتَمسُ مِنهُ المَخرجُ إِلى‏ رَوْحِ الفَرَجِ.
إذا نزلت برجل نازلة أو شديدة أو كربه أمر، فليكشف عن ركبتيه و ذراعيه و ليلصقهما بالأرض و ليلزق جؤجؤه «1» بالأرض، ثمّ ليدع بحاجته و هو ساجد «2».
قلت: رأيت بخطّ بعض علمائنا المعتبرين: إنّ ذلك مجرّب في كشف الكرب وشيكا.
و أمّا الأدعية في هذا المعنى فكثيرة جدّا، و قد عقد لها في الكافي بابا «3»، و في مهج الدعوات ما فيه كفاية إن شاء اللّه تعالى.
 [ 349] قال سيّد العابدين و إمام الساجدين صلوات اللّه و سلامه عليه «4»:
حلّ العقدة- من باب قتل-: نقضها فانحلّت.
و العقد: جمع عقدة بالضمّ كغرفة و غرف، و هي موضع العقد الذي يظهر فيه حجمه، و العقد: الشدّ.
و المكاره: جمع مكرهة بفتح الميم، و هو ما يكره الشخص و يشقّ عليه، و هو في الأصل مصدر بمعنى الكره بالفتح و هو المشقّة.
قال في الأساس: لقيت دونه كرائه الدهر و مكارهه، و جئته على كره و مكره «5».
و في الكلام استعارة مكنيّة تخييليّة، شبّه في نفسه الصعاب من المكاره‏
__________________________________________________
 (1) جؤجؤ الطائر و السفينة: صدرهما، و الجمع الجآجي (الصحاح: ج 1 ص 39).
 (2) الكافي: ج 2 ص 556 ح 3.
 (3) الكافي: ج 2 ص 556 باب الدعاء للكرب و الهم و الحزن و الخوف.
 (4) أي أول الدعاء «يا من تحلّ به عقد المكاره».
 (5) أساس البلاغة: ص 542.

309
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 308

ذَلّتْ لِقُدرتِكَ الصِّعابُ وَ تَسبَّبتْ بِلُطفِكَ الأسْبابُ.
بالأشياء المتعقّدة بجامع الالتواء و الصعوبة، و دلّ عليه بإثبات العقد التي هي من خواصّ المشبّه به و هو المتعقّدات، و هذا هو التخييل لتخييل أنّ المشبّه من جنس المشبّه به.
و فثأ الغضب و نحوه- من باب منع-: سكّنه و كسره.
و حدّ كلّ شي‏ء: حدّته «1» و سورته «2».
و الشدائد: ما اشتدّ من الخطوب، و الباء في الموضعين للاستعانة.
و التمست الشي‏ء: طلبته.
و المخرج: مصدر ميمي بمعنى المخلص.
يقال: وجدت للأمر مخرجا، أي: مخلصا، و منه قوله تعالى: وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً «3»، أي: مخلصا من عموم الدنيا و الآخرة.
و الروح بالفتح: الراحة.
و الفرج بفتحتين: اسم من فرّج اللّه الغمّ بالتشديد: كشفه*.
 [ 350] ذلّ ذلاّ- من باب ضرب- أي ضعف و هان، و الاسم الذلّ بالضمّ.
و الصعاب: جمع صعب كسهم و سهام و صعب الشي‏ء- من باب كرم-: أي عسر، و هي صفة لمحذوف، أي: الأمور الصعاب.
و قدرته تعالى تعود إلى اعتبار كونه مصدر الإثارة.
و ذلّ الصعاب لها يعود إلى انفعالها عنها، و مطاوعتها لها، و خضوعها في رقّ‏
__________________________________________________
 (1) حدّ، يحدّ حدّا و حدّة: إذا غضب. النهاية لابن الأثير: ج 1 ص 353.
 (2) سار يسور: إذا غضب، و السورة اسم منه. المصبّاح المنير: ص 400.
 (3) سورة الطلاق: الآية 2.

310
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 308

وَ جَرى‏ بِقُدرَتِكَ القَضاءُ وَ مَضَتْ عَلى‏ إِرادَتِكَ الأشْياءُ.
الجريان على وفق القضاء.
و لطفه تعالى قيل: هو إجراء القضاء على وفق الإرادة، و إيصال نفع فيه دقّة.
و قيل: هو عبارة عن تصرّفه في الذوات و الصفات تصرّفا خفيّا بفعل الأسباب المعدّة لها لإفاضة كمالاتها*.
و قيل: هو عبارة عن علمه تعالى بدقائق المصالح و غوامضها و ما دقّ منها و لطف، ثمّ إيصاله لها إلى المستصلح بالرفق دون العنف.
و أما المعنى العرفي المشهور و هو: ما يقرب به العبد من الطاعة و يبعد من المعصية فليس مرادا هنا.
و الأسباب: جمع سبب و هو اسم لما يتوصّل به إلى المقصود، و في الأصل اسم للحبل الذي يتوصّل به إلى الماء، فاستعير لكلّ ما يتوصّل به إلى شي‏ء.
و معنى تسبّب الأسباب بلطفه تعالى: صيرورتها أسبابا بخفيّ تصرّفه و إعداده لها، حتّى صارت أشياء يتوصّل بها إلى المسبّبات، و هذا معنى ما ورد في بعض الأدعيّة أيضا: يا مسبّب الأسباب من غير سبب «1»*.
جرى يجري: خلاف وقف، و أصله من جريان الماء و هو سيلانه.
و القضاء: يحتمل أن يراد به هنا الأمور المقضيّة، إذ يقال: هذا قضاء اللّه، أي:
مقضيّه.
و يحتمل أن يراد به الأمر و الحكم و الخلق على وفق التقدير الأزلي.
و يحتمل أن يراد به إبداعه سبحانه لصور الموجودات الكلّية و الجزئية، التي‏
__________________________________________________
 (1) مصباح الكفعمي: ص 170.

311
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 308

فَهِيَ بِمشيَّتِكَ دُونَ قَولِكَ مُؤتَمِرَة، وَ بِإِرادَتِكَ دُونَ نَهيِكَ مُنْزَجِرَةٌ.
لا نهاية لها من حيث هي معقولة في العالم العقلي، و هو المسمّى بالقضاء الازلي، و قد يعبّر عنه بسطر ما كان و ما يكون في اللوح المحفوظ بالقلم الإلهي.
و مضى الأمر مضيّا: نفذ، أي: نفذت على وفق إرادتك الأشياء، و المراد بمضيّها و نفاذها على وفق إرادته سبحانه: إمّا تحقّق وجودها على غاية السرعة بلا تخلّف و لا تلكّؤ و لا بطؤ، بل يكون كلمح البصر، كما قال اللّه تعالى: وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ «1».
و إمّا توجّهها إلى وجهتها على وفق إرادته تعالى بسوق الحكمة الإلهية كلاّ منها إلى غايته، بحيث لا يتعدّاها و لا يقصر عنها، و هذا كقول أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة له: قدّر ما خلق فأحسن تقديره، و دبّره فألطف تدبيره، و وجّهه لوجهته فلم يتعد حدود منزلته، و لم يقصر دون الانتهاء إلى غايته، و لم يستصعب إذ أمر بالمضي على إرادته، و كيف و إنّما صدرت الأمور عن مشيئته «2»* [ 351] أمرته فائتمر: أي امتثل الأمر.
و زجرته فانزجر: أي نهيته فانته.
و المراد بمشيته و إرادته تعالى هنا: علمه بما في وجود الأشياء من الحكمة و المصلحة.
و دون هنا: إمّا بمعنى قبل، أي: هي بمجرّد مشيئتك و إرادتك لائتمارها و انزجارها قبل قولك و نهيك مؤتمرة و منزجرة، فيكون المراد بقوله و نهيه: كلامه‏
__________________________________________________
 (1) سورة القمر: الآية 50.
 (2) نهج البلاغة: ص 127 خطبة 91.

312
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 308

أنتَ المَدعُوُّ لِلْمُهِمّاتِ وَ أنتَ المفزَع في المُلِمّاتِ، لا يَنْدَفِعُ مِنها إِلاّ ما دَفَعتَ، وَ لا يَنْكَشِفُ مِنها إِلاّ ما كَشَفتَ.
المحدث، الذي هو عبارة عن خلق أصوات مخصوصة في جسم يجعلها دليلا على أنّه تعالى مريد لشي‏ء أو كاره له.
و إمّا بمعنى عند، أي: هي لمشيئتك عند قولك مؤتمرة و بإرادتك عند نهيك منزجرة، فيكون القول و النهي عبارة عن حكم قدرته الإلهيّة على الأشياء بما يريد منها من ائتمار و انزجار، كما في قوله تعالى: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «1»، إذ المراد بقوله «كن»: حكم قدرته الأزلية عليه بالكون و وجوب الصدور عن تمام مؤثّريّته من غير لفظ و لا نطق، كما ورد في الحديث و عليه عامّة المفسّرين.
و حاصل المعنى: أنّ طاعة كلّ شي‏ء له سبحانه ليس متوقفا إلاّ على تعلّق الإرادة بها.
و رويت المشيئة هنا بالهمزة و بدونها، و الأصل الهمزة، و حذفها للتخفيف كما مرّ بيانه في الروضة الأولى «2»*.
 [ 352] فزع إليه: لجأ، و المفزع: الملجأ و المستغاث به، و تعريف المسند هنا بلام الجنس لإفادة القصر تحقيقا باعتبار تقييده بالظرف، إذ ليس غيره تعالى مدّعوّا للمهمّات و لا مفزعا في الملمّات، و إن دعي غيره لها أو فزع إليه، فيها، فهو جهل محضر. أو شرك خفي أو صريح. على أنّ دعاءه سبحانه عند نزول الملمّات، و الفزع إليه حين حلول المهمّات دون غيره، أمر فطري، كما قال تعالى: وَ إِذا
__________________________________________________
 (1) سورة يس: الآية 82.
 (2) ج 1 ص 263.

313
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 308

.......... مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ «1».
و قال تعالى: قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «2»، بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَ تَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ «3».
و في أحاديث أهل البيت عليهم السلام: أن معنى «اللّه» هو الذي يتألّه إليه عند الحوائج و الشدائد كلّ مخلوق، عند انقطاع الرجاء من كلّ من دونه، و تقطّع الأسباب من جميع ما سواه «4».
و قال رجل للصادق عليه السلام: يا بن رسول اللّه دلّني على اللّه ما هو؟ فقد أكثر عليّ المجادلون و حيّروني، فقال له: يا عبد اللّه هل ركبت سفينة قطّ؟ قال:
نعم، قال: فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك و لا سبّاحة تغنيك؟ قال: نعم، قال: فهل تعلّق قلبك هنالك أنّ شيئا من الأشياء قادر على تخليصك من ورطتك؟ قال: نعم، قال الصادق عليه السلام: فذلك الشي‏ء هو اللّه القادر على الإنجاء حيث لا منجي، و على الإغاثة حيث لا مغيث «5».
و دفعت الشي‏ء دفعا- من باب منع-: نحّيته فاندفع هو.
و كشفته كشفا- من باب ضرب- فانكشف. و المعنى: أنّ اندفاع شي‏ء من المضارّ لا يكون إلاّ بقدرته تعالى، لأنّ كلّ ما عداه فإنّما هو تحت قهره و تسخيره، كما قال سبحانه و تعالى: وَ إِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَ إِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ. وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ «6»*
__________________________________________________
 (1) سورة الإسراء: الآية 67.
 (2) سورة الأنعام: الآية 40.
 (3) سورة الأنعام: الآية 41.
 (4) معاني الأخبار: ص 4.
 (5) معاني الأخبار: ص 4.
 (6) سورة الأنعام: الآية 17 و 18.a

314
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 308

وَ قَد نَزَلَ بي يا رَبِّ ما قَدْ تَكَأدَني ثِقْلُهُ وَ ألَمَّ بي ما قَد بَهَظَني حَملُهُ.
 [ 353] نزل بالمكان و به الأمر: حلّ به.
و تكأده الأمر- على تفاعل و تفعّل-: صعب عليه و شقّ، و منه عقبة كئود.
و الثقل: كعنب ضدّ الخفّة، و يسكن للتخفيف، ثقل ككرم ثقلا و ثقالة فهو ثقيل.
و ألمّ الرجل بالقوم إلماما: أتاهم فنزل بهم.
و بهظه الحمل يبهظه بهظا- من باب منع-: أثقله و عجز عنه، و هذا أمر باهظ أي: شاق. استعار الثقل و الحمل اللذين هما حقيقة في الأجسام لشدّة ما حلّ به، لتحقيق معنى المشقّة التي نالته منه.
و الربّ في الأصل: مصدر بمعنى التربية، و هي تبليغ الشي‏ء إلى كماله شيئا فشيئا، وصف به الفاعل مبالغة كالعدل.
و قيل: صفة مشبّهة من ربه يربه مثل تمه يتمه، بعد جعله لازما بنقله إلى فعل بالضمّ كما هو المشهور سمّي به المالك لأنّه يحفظ ما يملكه و يربيه، و لا يطلق على غيره تعالى إلاّ مقيّدا كربّ الدار «1» و ربّ الدابّة، و إنّما تعرّض عليه السلام لوصف التربية المنبئة عن التبليغ إلى الكمال لتحريك سلسلة الإجابة، بإظهار أنّ ما نزل به من الشدائد الذي بلغ به حدّ الاضطرار ربّما اقتطعه قبل بلوغ غاية التكميل، أو المعنى: يا من ربّاني بالعلم و الولاية و سائر الكمالات إنها صارت كالتالفة عند نزول هذا النازل و إلمام هذا الملمّ، و هو تمهيد لاستكشافه و استدعاء الرحمة و استجلاب الرأفة، مع إظهاره لتمام الاضطرار و شدّة الافتقار*.
__________________________________________________
 (1) في «الف»: و ربّ البستان.

315
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 308

وَ بِقُدرَتِكَ أورَدتَهُ عَليَّ وَ بِسُلطانِكَ وَجَّهْتَهُ إِلَىّ.
فَلا مُصْدِرَ لِما أَوْرَدْتَ، وَ لا صارِفَ لِما وَجَّهْتَ، وَ لا فاتِحَ لِما أغْلَقْتَ، وَ لا مُغلِقَ لِما فَتَحْتَ، وَ لا مُيَسِّر لِما عَسَّرْتَ، وَ لا ناصِرَ لِمنْ خَذَلْتَ.

 [ 354] السلطان: قدرة الملك، فهو أخصّ من مطلق القدرة، و لمّا كانت الأمور كلّها مربوطة بأسبابها تحت تصريف قدرته تعالى و أسبابها القريبة منتهية إليه سبحانه، صرّح عليه السلام بأنّ ما نزل به من المكروه إنّما هو بإيراده و توجيهه تعالى إليه بقدرته و سلطانه. قطعا للنظر عن غيره في جميع أحواله و توجّها إلى قبلته الحقيقية*.
 [ 356* 355] الإصدار: خلاف الإيراد، تقول: أصدرت القوم: إذا صرفتهم، و الإبل صرفتها بعد الإيراد.
و الفاء: للسببيّة كما هو ظاهر، أي: فلا أحد يصدر ما أوردت، على طريق نفي الجنس لنفي جميع أفراد المصدر ذاتا و صفة، و لو قيل: فلا يصدر أحد لدلّ على نفي الصفة فقط. و حاصل هذه الفقرات: أنّ الأمر كلّه لك، فلا رادّ لقضائك و لا دافع لبلائك، لكنّه عليه السلام بسط الكلام حيث الإصغاء مطلوب، و في هذا المعنى من القرآن المجيد: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ «1». ثمّ لمّا أعدّ نفسه عليه السلام بهذا الإقرارات لقبول الرحمة شرع في المطلب، فقال:*.
__________________________________________________
 (1) سورة آل عمران: الآية 160.

316
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 308

فَصَلِّ عَلى‏ مُحمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ افتَحْ لي يا رَبِّ بابَ الفَرَجِ بِطولِكَ، وَ اكْسِرْ عَنّي سُلْطانَ الهَمَّ بِحَولِكَ.

وَ أنِلْني حُسْنَ النّظَرِ فيما شَكَوْتُ، وَ أذِقْني حَلاوَةَ الصُّنْعِ فيما سَأَلْتُ.

[ 357] بدأ بمسألة الصلاة على النبيّ و آله عليهم السلام، لأنّ اللّه تعالى أكرم من أن يسأل حاجتين فيقضي إحداهما و يمنع الأخرى، كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام، و قد ذكرنا الحديث بلفظه فيما تقدّم.

و التعرّض لوصف الربوبيّة المبنيّة على رعاية ما فيه صلاح المربوب، مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام، قرع لباب الإجابة بالمبالغة في التضرّع، و لذلك قيل: إذا أراد العبد أن يستجاب له فليدع اللّه بما يناسبه من أسمائه الحسنى و الأمثال العليا. و استعار لفظ الباب لسبب الفرج، و رشحه بذكر الفتح، و هي استعارة مكنيّة تخييليّة. و كذلك استعار لفظ السلطان لغلبة الهمّ، و رشحه بذكر الكسر، من كسرت القوم بمعنى هزمتهم.

و الطول بالفتح: الفضل.

و المنّة و الغنى و السعة و الحول: القدرة على التصرّف*.

[ 358] أناله: أي أعطاه، و الاسم: النوال بالفتح.

و حسن النظر: كناية عن كمال الاعتناء و مزيد الإحسان في حق من يجوز عليه النظر، لأنّ من اعتنى بإنسان التفت إليه و أعاره نظر عينيه، ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتناء و الإحسان و إن لم يكن ثمّة نظر، ثمّ جاء فيمن لا يجوز عليه النظر، مجرّدا لمعنى الإحسان مجازا عمّا وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر، و إنّما

317
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين2

فائدة ص 308

وَ هَبْ لي مِنْ لَدُنكَ رَحْمَةً وَ فَرَجاً هَنيئاً، وَ اجْعَلْ لي مِن عِندِكَ مَخْرَجاً وَحِيّاً.
لم يجعل كناية فيه أيضا لأنّ الكناية يعتبر فيها صلوح «1» إرادة الحقيقة و إن لم ترد، كما قرّر في محلّه من علم البيان. و استعار لفظ الحلاوة، التي هي حقيقة في الكيفيّة المخصوصة للأجسام، لما يوجد من انبساط النفس بسبب صنعه تعالى أي:
معروفه، و الجامع اللذّة، و رشحه بذكر الإذاقة، التي هي من خواصّ المشبّه به تخييلا، لأنّ الذوق و هو إدراك طعم الشي‏ء بواسطة الرطوبة المنبثّة بالعصب المفروش على عضل اللسان، فهو من خواصّ الأجسام. و مفعولا «شكوت و سألت» محذوفان، أي: شكوته و سألته، و كثر حذف المفعول إذا كان ضميرا عائدا إلى الموصول، نحو: أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا «2»*.
 [ 359] كلا الجارّين في كلّ من الفقرتين متعلّقان بالفعل قبلهما، و يجوز تعلّق الثاني فيهما بمحذوف هو حال من المفعول، أي: رحمة كائنة من لدنك و مخرجا كائنا من عندك.
و من: لابتداء الغاية المجازية، و لذلك صحّ تعاقب «لدن» و «عند»، كما في قوله تعالى: آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً «3»، فلو جي‏ء ب «عند» فيهما أو ب «لدن» لص