×
☰ فهرست و مشخصات
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

مقدمة التحقيق ؛ ج‌1، ص : 7

 

الجزء الأول

مقدّمة التحقيق

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه على هدايته لدينه، و التوفيق لِما دعا إليه من سبيله، و الصلاة و السلام على محمّدٍ حبيبه و خليله، و على آله الهادين إلى صراط الحقّ المبين.

بين يديك أيّها القارئ الكريم كتاب روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، واحد من سلسلة آثار الشهيد الثاني زين الدين الجبعي المستشهد سنة 965 ه‍ التي قام بتحقيقها قسم إحياء التراث الإسلامي في مركز الأبحاث و الدراسات الإسلاميّة، و قد أخرج منها إلى الآن: المقاصد العليّة في شرح الرسالة الألفيّة و الفوائد المليّة لشرح الرسالة النفلية و فوائد القواعد و حاشية الإرشاد. و لا زال العمل قائماً على تحقيق و نشر آثاره و ستصدر قريباً بقيّة رسائله و كتبه إن شاء الله.

و كعادة المحقّقين في مقدّمات الكتب، فإنّا أثبتنا هنا مقدّمة مختصرة تحدّثنا فيها عن متن الكتاب ثمّ تعرّضنا للشرح الذي هو روض الجنان و لم نتعرّض لترجمة الماتن و الشارح، فإنّ فيما ورد في مقدمة منية المريد و غاية المراد غنى و كفاية.

إرشاد الأذهان

إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان، للعِمة الحلّي، الحسن بن يوسف بن عليّ بن المطهّر الحلّي، كتاب فقهي فتوائي، كامل من الطهارة إلى الديات. و يعدّ من المصادر الرئيسيّة للفقه الجعفري و من المتون المهمّة المعتمد عليها؛ لأنّه ذو عبارة سلسة و لطيفة، و جامع لأكثر المسائل الفقهيّة و تفريعاتها المفيدة، و لذلك صار محطّ أنظار العلماء من عصره إلى أيّامنا هذه شرحاً‌

 

7
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

روض الجنان ؛ ج‌1، ص : 8

و تعليقاً و تدريساً و تحشية عليه.

فقد ذكر الشيخ آقا بزرگ الطهراني في الذريعة ثمانية و ثلاثين شخصاً من شرّاحه، «1» و في موضعٍ آخَر منها عدّ ثلاث عشرة حاشية من حواشيه. «2».

و أفرد بعض العلماء رسائل مستقلّة في شرح جملة واحدة منه، كما شرح الشيخ لطف الله الميسي قولًا واحداً للعِمة في مسألة الوصيّة بالمال، و فيه فوائد جليلة و عليه تعليقات كثيرة من الشارح. «3».

و قال التنكابني: حسبوا مسائل كتاب إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان فكانت اثنتي عشرة ألف مسألة، و لكن حسبها فخر المحقّقين فكانت أربعة عشر ألف مسألة «4». و قال بعض الفضلاء: خمسة عشر ألف مسألةٍ. «5».

و طبع لأوّل مرّة سنة 1410 ه‍ بأعداد حجة الإسلام الشيخ فارس الحسّون، و قامت بنشره مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين في مدينة قم المقدّسة، ثمّ طبع محقّقةً بتحقيق أنيق ضمن غاية المراد في أربعة مجلّدات.

روض الجنان

و سُلّط الضوء عليه عبر نقاط:

الأُولى: عدم وجود اختلاف في اسم الكتاب و نسبته إلى الشهيد الثاني، فقد ذكره مؤلّفه باسم: روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، كما في آخر النسخة الخطّيّة للكتاب التي بخطّ الشهيد نفسه، المحفوظة في مكتبة الإمام الرضا برقم 2770، و كذلك في إجازته للشيخ تاج الدين ابن الشيخ هلال الجزائري، الصادرة في ليلة الجمعة في الرابع عشر من شهر ذي الحجّة سنة 964 ه‍. «6».

______________________________
(1) الذريعة 1: 510.

(2) الذريعة 6: 14- 17.

(3) الذريعة 14: 25.

(4) قصص العلماء: 386.

(5) الذريعة 1: 510.

(6) بحار الأنوار 105: 144.

8
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

روض الجنان ؛ ج‌1، ص : 8

و ذكره أيضاً بهذا الاسم مع نسبته للشهيد الثاني كلّ من ترجم له و ذكر أحواله. «1»

الثانية: أنّ كافّة المصادر صرّحت بأنّ الشهيد الثاني لم يكمّل شرحه للإرشاد، حيث توقّف في آخر بحث الصلاة، أي أنّه شرح كتابي الطهارة و الصلاة من الإرشاد فقط. و فرغ من تأليف كتاب الصلاة منه يوم الجمعة الخامس و العشرين من شهر ذي القعدة سنة 949 ه‍.

و كذلك كتب الشهيد الثاني قدّس سرّه حاشية على قطعة من عقود الإرشاد، إلا أنّنا لم نعثر على نسخة منها، و يستفاد من كلام الطهراني أنّ نسخة منها في مجموعة في خزانة الشيخ علي كاشف الغطاء. «2».

و له أيضاً حاشية أُخرى مختصرة على كافّة مباحث الإرشاد، و المأخوذ أكثرها من حاشية الإرشاد للمحقّق الكركي، و لها نسخ، و قد طبعت مؤخّراً بتحقيق الشيخ رضا المختاري بذيل غاية المراد في شرح نكت الإرشاد.

و أمّا الحاشية على فرائض الإرشاد الذي نسبها إليه الطهراني قائلًا: «الظاهر أنّه أي صاحب الرياض لم يطّلع على بعض المدوّنات له مثل: الحاشية على فرائض الإرشاد، الملحقة بآخر نسخة من الموجودة في الرضوية كما ذكر في (ج 2: 4). و ذكر إنّ أوّلها: الحمد للّه الذي هدانا لإدراك العلوم الأُصوليّة، إلى آخره «3»» فهي كما ذكره الشيخ رضا المختاري في مقدّمة غاية المراد ليست من تأليف الشهيد الثاني. «4».

الثالثة: انتهى الشهيد الثاني من تأليفه لروض الجنان في يوم دحو الأرض الخامس و العشرين من شهر ذي القعدة سنة 949 ه‍، كما هو مثبت في النسخة الخطّيّة لهذا الكتاب المحفوظة في مكتبة الإمام الرضا في مدينة مشهد المقدّسة برقم (2770) حيث جاء فيها: تمّ الجزء الأوّل من كتاب روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، و يتلوه الجزء الثاني كتاب الزكاة، و اتّفق الفراغ منه يوم الجمعة الخامس و العشرين من شهر ذي القعدة .. سنة تسع و أربعين و تسعمائة على يد مصنّفه .. زين الدين بن علي بن أحمد العاملي.

______________________________
(1) انظر أمل الآمل 1: 86؛ رياض العلماء 2: 368؛ لؤلؤة البحرين: 34؛ قصص العلماء: 278؛ تنقيح المقال 1: 473؛ أعيان الشيعة 7: 154؛ الذريعة 1: 511/ 2509 و 11: 275/ 1659؛ معجم رجال الحديث 7: 372.

(2) الذريعة 6: 15.

(3) الذريعة 6: 15.

(4) غاية المراد (مقدّمة التحقيق) 1: 317.

9
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

روض الجنان ؛ ج‌1، ص : 8

أمّا شروعه في تأليفه، و هل هو أوّل كتاب ألّفه؟ «1»؟

فإنّ بعض أصحاب التراجم و السير صرّح بذلك، و أقدمهم و أصلهم في هذا المدّعى هو ابن العودي محمَّد بن علي الجزّيني- الذي كان حيّاً سنة 975 ه- حيث قال: فأوّل ما أفرغه في قالب التصنيف الشرح المذكور [روض الجنان] خرج منه مجلّد ضخم، ثمّ قطع عنه على آخر كتاب الصلاة، و التفت إلى التعلّق بأحوال الألفيّة. «2».

و تبعه في ذلك الحرّ العاملي (ت 1104 ه‍، «3») و المحقّق التستري (ت 1237 ه) «4»، و الميرزا محمّد التنكابني (ت 1302 ه‍، «5»، و السيّد الخوانساري (ت 1313 ه‍، «6»)، و السيّد حسن الصدر (ت 1354 ه‍، «7») و السيّد محسن الأمين (ت 1371 ه) «8»، و السيّد الخوئي (ت 1413 ه‍. «9»).

و تردّد المحدّث البحراني (ت 1186 ه‍) في هذه النسبة، فنسبها إلى قيل. «10».

و على الرغم من كثرة القائلين بهذه الدعوى و علوّ منزلتهم العلميّة، فهناك عدّة مؤثّرات تعارضها:

منها: أنّ الشهيد الثاني أنهى عدداً من مؤلّفاته قبل هذا التأريخ، ككشف الريبة الذي أنهاه في الثالث عشرين شهر صفر سنة 949 ه‍، و تقليد الميّت التي أنهاها في الخامس عشر من شهر شوّال سنة 949 ه‍، و تفسير آية البسملة الذي أنهاه في شهر رمضان سنة 940 ه‍.

و منها: أنّ الشهيد الثاني ذكر بعض مؤلّفاته في روض الجنان، ففي بحث الحيض و أحكامه، قال:

و قد أفردنا لتحقيق الإجماع في حال الغيبة رسالة تنفع في هذا المقام، من أرادها وقف عليها، و إنّما‌

______________________________
(1) انظر البحثَ حولَ هذا الموضوع في منية المريد، مقدّمة التحقيق.

(2) الدرّ المنثور 2: 184.

(3) أمل الآمل 1: 86.

(4) مقابس الأنوار: 15.

(5) قصص العلماء: 278.

(6) روضات الجنّات 3: 378.

(7) أمل الآمل 1: 86.

(8) أعيان الشيعة 7: 154.

(9) معجم رجال الحديث 7: 372.

(10) لؤلؤة البحرين: 34.

10
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

عملنا في التحقيق ؛ ج‌1، ص : 11

 

أطنبنا القول في هذه المسألة لفوائد فيها، و شدّة الحاجّة إليها. «1».

و في بحث صلاة المسافر، قال:

إنّ هذه المسألة ليست من المسائل الأُصول المنصوصة .. و نحن قد أفردنا لتحقيقها و ذكر أقسامها و ما يتمّ فيه قول كلّ واحد من الأصحاب رسالة مفردة، من أراد الاطّلاع على الحال فليقف عليها. «2».

و في بحث صلاة القضاء، قال:

و قد أفردنا لتحقيق هذه المسألة رسالة مفردة من أرادها وقف عليها. «3».

عملنا في التحقيق

أ) النسخ المعتمدة:

1. مخطوطة مكتبة الروضة الرضوية بمدينة مشهد المقدّسة المرقّمة 2770، و هي نسخة الأصل بخطّ المصنّف الشهيد، أنهاها المصنّف في يوم الجمعة 25 ذي القعدة سنة 949 ه‍، و قال:

تمّ الجزء الأوّل من كتاب روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، و يتلوه في الجزء الثاني إن شاء الله تعالى كتاب الزكاة. و اتّفق الفراغ منه يوم الجمعة الخامس و العشرين من شهر ذي القعدة و هو اليوم المبارك الذي دحيت فيه الأرض من تحت الكعبة سنة تسع و أربعين و تسعمائة على يد مصنّفه العبد الفقير إلى الله تعالى، زين الدين بن علي بن أحمد العاملي الشامي، عامله الله بفضله، و عفا عنهم بمنّه، و وفّقه لإكماله، و جعله خالصاً لوجهه الكريم.

و كتب على الورقة الأُولى من النسخة:

كتاب روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان إملاء العبد الفقير إلى الله تعالى زين الدين بن علي بن أحمد عفا الله عنهم بمنّه و كرمه.

و النسخة كاملة نفيسة قيّمة، عليها تصحيحات أيضاً بخطّ الشهيد نفسه.

و رمزنا إليها ب‍ «ق».

2. مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي (فهرست سنا، ج 1، ص 293، رقم 502)

______________________________
(1) روض الجنان 1: 220.

(2) روض الجنان 2: 1062.

(3) روض الجنان 2: 950.

 

11
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

ب) تصحيح النص و تقويمه ؛ ج‌1، ص : 12

المستنسخة عن الأصل، و عليها علائم التصحيح و المقابلة، و عليها حواشٍ: «منه قدّس سرّه» و «كذا بخطّه قدّس سرّه». و على الورقة الأُولى منها تملّك بخطّ و مهر: «شرف الدين محمّد ضياء الدين بن الحسن بن زين الدين من ذرّيّة الشريف الشهيد شمس الدين محمّد بن مكّي، المؤرّخة سنة 1157 ه‍».

و ذكر مفهرس المكتبة: لعلّ النسخة من خطّ الشهيد نفسه، من ورقة 49 إلى آخر النسخة غير الصفحة الأخيرة. و الظاهر أنّه لم يصب في قوله؛ لأنّ القرائن الموجودة على النسخة لا تدلّ على ادّعائه.

و رمزنا إليها ب‍ «م».

3. النسخة المطبوعة على الحجر سنة 1307 ه‍ بالقطع الكبير الرحلي في 400 صفحة مع كتاب منية المريد في أدب المفيد و المستفيد للمصنّف.

ب) تصحيح النصّ و تقويمه

اعتمدنا في تصحيح الكتاب على نسخة الأصل المذكورة آنفاً و التي هي بخطّ الشهيد و قد استعنّا بالنسختين الأُخريين لتثبيت الصحيح، و للتأييد في تشخيص الكلمات الغريبة و المبهمة، و أشرنا أحياناً في الهامش إلى مواضع الاختلاف بين النسخ لأجل الحفاظ على الأمانة و سلامة النصّ و صحّته.

هذا، و قد ضبطنا الكلمات التي تحتاج إلى الضبط من الأعلام و الألفاظ اللغويّة و العبارات الموهمة.

ج) إرجاع المنقولات إلى المصادر

كان المعوّل عليه في تخريج الأحاديث و الآثار المنقولة- نصّاً أو مضموناً أو إشارةً المصادر الحديثيّة و الجوامع الأصليّة كالكتب الأربعة من طريق الشيعة و الصحاح و المسانيد من طريق السنّة.

و قد بذلنا الجهد التامّ للتعرّف على ما أورده المصنّف من الأقوال و الآراء و الأدلّة و الاعتراضات، و تخريجها و عَزْوها إلى مصادرها الأصليّة، و لم نركن إلى المصادر الثانويّة إلا بعد الفحص و اليأس من الوصول إلى المصدر الأصلي؛ و لم ترد هذه الحالة إلا نادراً و قد أشرنا إليها.

12
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

د) إعداد الفهارس ؛ ج‌1، ص : 13

 

و قمنا بشرح معاني اللغات الغريبة و ذلك من خلال الاستعانة بأُمّهات كتب المعاجم اللغوية.

د) إعداد الفهارس

و أخيراً عملنا فهارس عامّة للكتاب تسهيلًا لمهمّة الباحثين و المراجعين، ألحقناها بالمجلّد الثاني، تحتوي على الفهارس الفنّية.

هذا، و قد كان أملنا من عملنا هذا تقديم نصّ صحيح سليم مضبوط، خالٍ من التعقيد و الإبهام.

شكر و ثناء

و في الختام نرى لزاماً علينا أن نتقدّم بخالص الشكر و جميل الثناء إلى الإخوة الأعزّاء المحقّقين الذين ساهموا بمساعدتنا على إتمام تحقيق هذا الكتاب و نخصّ منهم بالذكر: سماحة حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ محمّد الباقري، فإنّه تصدّى لمسؤولية تقويم نصّ الكتاب، و فضيلة الشيخ غلام رضا النقي، لمساعدته في توزيع النصّ. و المساهمين في التخريج و مقابلة النسخ و تصحيح التجارب المطبعيّة، الإخوة الأعزّاء: الشيخ محمّد مهدي عادل نيا و السيّد خليل العابديني و الشيخ محمّد الرباني و الشيخ غلام حسين الدهقان و الشيخ محسن النوروزي و الأخ إسماعيل بيك المندلاوي و الأخ حسان فرادي.

و أيضاً نتقدّم بخالص شكرنا للأُستاذ الأديب البارع أسعد الطيّب لمراجعته النهائيّة للكتاب، و فضيلة الشيخ علي أوسط الناطقي، لمساعدته على تصحيح الكتاب و إرشادات علميّة و فنّيّة حتّى إخراج الكتاب.

و الله تعالى هو المسئول أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم؛ فإنّه أرحم الراحمين و هو حسبنا و نعم الوكيل.

قسم إحياء التراث الإسلامي مركز الأبحاث و الدراسات الإسلاميّة 15 شعبان 22 1421 آبان 1379‌

 

13
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

شرح الخطبة ؛ ج‌1، ص : 21

[شرح الخطبة]

بسم الله الرحمن الرحيم، و به ثقتي الحمد للّه المتفضّل بشرح معالم شريعته لإرشاد الأنام، المتطوّل بإرسال الرسل لتبريز الأحكام و تمييز الحلال عن الحرام، مكمّل من اختارهم من خلقه بالقيام بوظائف هذا المرام، و جاعل أقدامهم واطئةً على أجنحة ملائكته الكرام، و مرجّح مدادهم يوم القيام على دماء الشهداء الأعلام.

أحمده سبحانه، و أشكره و أتوب إليه و أستغفره من جميع الآثام، و أُصلّي و أُسلّم على نبيّه الذي شيّد و أحكم الأحكام أشدّ تشييد- و أحكم إحكامٍ، محمّد الذي أزاح بنور عزّته غياهب الظلام، و أدأب نفسه الشريفة في تبليغ رسالة الملك العلام، و دعا بشريعته المقدّسة إلى دار السلام، و على آله الغرّ الكرام أئمّة الإسلام، و حَفَظَة الشرع الكريم عن تطرّق الأوهام، صلاةً و سلاماً دائمين لا انقضاء لهما و لا انفصام ما تعاقب الليالي و الأيّام و تناوب الشهور و الأعوام.

و بعد، فهذا تعليق مختصر كافل بالإمداد للمشتغل «1» بكتاب الإرشاد، حقّقت فيه مقام المقال حسب مقتضى الحال، معرضاً عن تطويل العبارة بالقيل و القال، مكتفياً في الغالب بالجواب عن السؤال، راجياً في ذلك وجْهَ اللّه الكريم و ثوابه الجسيم، و التقرّب إلى نبيّه محمّد و آله عليهم أفضل الصلاة و التسليم، معترفاً بالقصور عن شَأْو هذا الشأن، و بأنّ الإنسان محلّ الخطاء و النسيان، ما خلا الذوات المقدّسة الذين هم أعيان الإنسان، و أيّ كلام لا يتأتّى عليه كلام؟ حاشا كلام الملك العلام و أنبيائه و أوصيائه عليهم السّلام.

مع أنّي أرجو ممّن اشتمل على الإنصاف إهابه، و قلّ في سبيل الحسد ذهابه و قليل ما‌

______________________________
(1) في الطبعة الحجريّة: «للمشتغلين».

21
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

شرح الخطبة ؛ ج‌1، ص : 21

هم أن يحمد منّي ما يجده في مطاويه، و يشكر سعيي عند وقوفه على دقائق مودعة فيه لا يجدها إذا أرادها في كتاب، و لا يبتهج بها إلا المتّقون من اولي الألباب، و اللّه يحقّ الحقّ بكلماته و يُبطل الباطل و لو كره المبطلون.

هذا، مع تقسّم البال و تقلقل الحال من تراكم أمواج فتن و أهوال، و على اللّه قصد السبيل و إرشاد الدليل، و هو حسبي و نعم الوكيل.

اعلم أنّ العلماء رضوان اللّه عليهم قد استقرّ أمرهم على أن يبتدئوا في مصنّفاتهم بتسمية اللّه تعالى و تحميده؛ اقتداءً بخير الكلام، كلام الملك العلام، و استدلالًا بأحاديث وردت عن رسوله و آله «، فسلك المصنّف رحمه اللّه هذا النهج القويم، و قال:

(بسم اللّه الرحمن الرحيم).

و توهّم التنافي بين مشهوري خبري «البَسْمَلة» و «الحَمْدَ له» اللّذين أحدهما: قوله عليه السلام: «كلّ أمرٍ ذي بال لم يُبدأ فيه ببسم اللّه فهو أبتر «1»» و الثاني: قوله عليه السلام: «كلّ أمرٍ ذي بال لم يُبدأ فيه بحمد اللّه فهو أجذم» «2»»- باعتبار أنّ الابتداء بمدلول أحدهما يوجب تأخير الآخر يندفع: بأنّ الابتداء هو التقديم على المقصود الذاتي، و هو مسائل الفنّ، و الخطبة بأجمعها مقصودة بالعرض، و المحلّ متّسع، أو بأنّ الابتداء حقيقيّ و إضافيّ، فالحقيقيّ حصل بالبَسْمَلَة، و الإضافيّ بالحَمْد لَه، فهو مبتدأ به بالإضافة إلى ما بعده، أو بأنّ الحمد هو الثناء بنعوت الكمال، و اسم اللّه المتعال منبئ عن صفات الإكرام و نعوت الجلال، فالابتداء بالتسمية يستلزم العمل بالخبرين جميعاً.

و المراد بالأمر ذي البال ما يخطر بالقلب من الأعمال، جليلةً كانت أم حقيرة، فإنّ أفعال العقلاء تابعة «3» لقصودهم و دواعيهم المتوقّفة على الخطور بالقلب.

و الأبتر يطلق على المقطوع مطلقاً، و على مقطوع الذنب، و على ما لا عقب و لا نتيجة له، و على ما انقطع من الخير أثره.

و المعنى على الأوّل و الأخير أنّ ما لا يبتدأ فيه من الأُمور بالتسمية مقطوع الخير و البركة، و على الثاني يراد به الغاية الحاصلة من البتر، و هي النقص و تشويه الخلقة و نقص القدر.

______________________________
(1) الكشّاف 1: 3- 4؛ التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السّلام: 25، ذيل الحديث 7.

(2) المعجم الكبير- للطبراني- 19: 72/ 141؛ سنن أبي داود 4: 261/ 4840 بتفاوت يسير.

(3) في «م»: تقع تابعة».

22
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

شرح الخطبة ؛ ج‌1، ص : 21

و في تخصيص الوصف بالآخر مع أنّ الفائت مع عدم التسمية الأوّل إشارة إلى اعتبار ما لا تسمية فيه في الجملة و إن كان ناقصاً، بخلاف ناقص الرأس مثلًا؛ فإنّه لإبقاء له.

و الكلام في الثالث نحو الكلام في الأوّل و الأخير؛ فإنّ ما لا نتيجة له و لا عقب ناقص البركة، مضمحل الفائدة، منقطع الخير.

و التعبير بالابتداء الصادق على القول و الكتابة يدخل فيه ابتداء العلماء بها كتابةً، و ابتداء الصنّاع بها قراءةً، فسقط ما قيل «1»: إنّه إن أراد بالابتداء القراءة، لم تكن فيه دلالة على الاجتزاء بالكتابة، فلا يتمّ تعليلهم ابتداء التصنيف بها؛ لأنّ الكتابة لا تستلزم القراءة. و إن أُريد الكتابة، لم يحصل امتثال النجّار و نحوه للخبر حتّى يبتدئ أوّلًا، فيكتب بسم اللّه إلى آخره؛ لاندفاع ذلك بالتعبير بالابتداء على وجهٍ كلّيّ. نعم، ربما استفيد من القرائن الحاليّة اختصاص كلّ أمرٍ بما يناسبه من فردَي الابتداء، فلا تكفي الكتابة لمريد النجارة مثلًا.

و «الباء» في «بسم اللّه» إمّا صلة فلا تحتاج «2» إلى ما تتعلّق به، أو للاستعانة أو للمصاحبة «3» متعلّقة بمحذوف اسم فاعل خبر مبتدإ محذوف، أي: ابتدائي ثابت باسم اللّه، أو فعل «4» أو حال من فاعل الفعل المحذوف، أي: ابتدئ متبرّكاً أو مستعيناً، أو مصدر مبتدإ خبره محذوف، أي: ابتدائي باسم اللّه ثابت، و نحوه. و لا يضرّ على هذا حذف المصدر و إبقاء معموله؛ لأنّه يتوسّع في الظرف و الجارّ و المجرور ما لا يتوسّع في غيرهما، و تقديم المعمول هنا أوقع، كما في قوله تعالى: بِسْمِ اللّٰهِ مَجْرٰاهٰا «5» و إِيّٰاكَ نَعْبُدُ «6» و لأنّه أهمّ و أدلّ على الاختصاص و أدخل في التعظيم و أوفق للوجود.

و إنّما كُسرت الباء و من حقّ الحروف المفردة أن تُفتح؛ لاختصاصها بلزوم الحرفيّة و الجرّ كما كسرت لام الأمر و لام الجرّ إذا دخلت على المظهر؛ للفرق بينها و بين لام التأكيد.

و «الاسم» مشتقّ من السمو، حُذفت الواو من آخره، و زِيدت همزة الوصل في أوّله؛

______________________________
(1) لم نعثر على القائل.

(2) في الطبعة الحجريّة: «لا يحتاج».

(3) في «ق، م»: «المصاحبة».

(4) كلمة «أو فعل» لم ترد في «م».

(5) هود (11): 41.

(6) الفاتحة (1): 5.

23
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

شرح الخطبة ؛ ج‌1، ص : 21

لأنّه من الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون.

و سُمّي اسماً لسموّه؛ على مسمّاه و عُلوّه على ما تحته من معناه.

و قيل: أصله وسم، «1» و هو العلامة.

و الأوّل أولى؛ بدليل تصغيره على سُمّي، و جمعه على أسماء؛ و لأنّ بينه و بين أصله على الأوّل مناسبة لفظيّة و معنويّة، بخلاف الثاني؛ فإنّها معنويّة فقط.

و إنّما علّق الجارّ على الاسم مع أنّ المعنى إنّما يراد تعلّقه بالمسمّى؛ للإشعار بعدم اختصاص التعلّق بلفظ «اللّه» لا غير؛ لأنّه أحد الأسماء، و للتحرّر من إيهام القسم، و لقيام لفظ «اللّه» مقام الذات في الاستعمال، و من ثَمّ يقال: الرحمن، و الرحيم، و غيرهما اسم من أسماء اللّه، و لا ينعكس؛ و لجريان باقي الأسماء صفة له من غير عكس.

و «اللّه» اسم للذات الواجب الوجود الخالق لكلّ شي‌ء، و هو جزئيّ حقيقيّ لا كلّيّ انحصر في فرد، و إلا لما أفاد قولنا: «لا إله إلا اللّه» التوحيد؛ لأنّ المفهوم الكلّيّ من حيث هو محتمل للكثرة.

و عُورض بقوله تعالى: قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ «2» فإنّ الله لو كان جزئيّاً حقيقيّا، لما حسن الإخبار عنه بالأحديّة؛ للزوم التكرار.

و يجاب: بأنّ الجزئي إنّما ينفي الكثرة الخارجيّة و التعدّد الذاتي مثلًا، و هو مرادف للواحد، فليس فيه إلا نفي الشريك المماثل مع جواز الكثرة بحسب أجزائه و صفاته، بخلاف الأحد؛ فإنّه يقتضي نفي التعدّد و الكثرة فيه مطلقاً حتّى في الصفات، فإنّها اعتبارات و نسب لا وجود لها في الخارج، كما قال عليّ: عليه السّلام‌

و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه

«3» سلّمنا، لكنّ المعارضة إنّما تتمّ لو جعلنا هو ضمير الشأن و الله أحد مبتدأً و خبراً في موضع خبر هو و ليس ذلك متعيّناً؛ لجواز كون هو مبتدأً بمعنى المسئول عنه؛ لأنّهم قالوا: «ربّك من نحاس أم من ذهب؟» «4»»؟ فعلى هذا يجوز أن يكون الله خبر‌

______________________________
(1) انظر الوسيط- للواحدي- 1: 63؛ و الجامع لأحكام القرآن 1: 101؛ و تهذيب اللغة 13: 117، «س م ا».

(2) الإخلاص (112): 1.

(3) نهج البلاغة: 14 (الخطبة 1).

(4) انظر مجمع البيان 9- 10: 564.

24
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

شرح الخطبة ؛ ج‌1، ص : 21

المبتدأ و أحد بدلًا، و حينئذٍ فلا يلزم من تساويهما في المعنى انتفاء كونه جزئيّاً حقيقيّا.

و «الرحمن الرحيم» اسمان بُنيا للمبالغة من «رحم» بتنزيله منزلة اللازم، أو بجَعْله لازماً و نقله إلى فَعُل بالضمّ.

و «الرحمة» لغةً: رقّة القلب و انعطاف يقتضي الإحسان، فالتفضّل غايتها، و أسماؤه تعالى، المأخوذة من نحو ذلك إنّما تؤخذ باعتبار الغاية دون المبدأ، فالرحمة في حقّه تعالى معناها إرادة الإحسان، فتكون صفةَ ذات، أو الإحسان، فتكون صفةَ فعل، فهي إمّا مجاز مرسل في الإحسان أو في إرادته، و إمّا استعارة تمثيليّة بأن مَثّلت حالَه تعالى بحالة مَلِك عَطَفَ على رعيّته و رقّ لهم، فغمرهم معروفُه، فأُطلق عليه الاسم و أُريد به غايته التي هي فعل لا مبدؤه الذي هو انفعال.

و «الرحمن» أبلغ من «الرحيم» لأنّ زيادة المباني تدلّ على زيادة المعاني، كما في «قطع» و «قطّع» و «كبار» و «كبّار».

و نُقض ب‍ «حَذِر» فإنّه أبلغ من «حاذر».

و أُجيب: بأنّ ذلك أكثريّ لا كلّيّ، و بأنّه لا تنافي أن يقع في الأنقص زيادة معنى بسببٍ آخر، كالإلحاق بالأُمور الجبلّيّة ك‍ «شَرِه» و «نَهم» و بأنّ الكلام فيما إذا كان المتماثلان في الاشتقاق متّحدَي النوع في المعنى، ك‍ «غَرِث» و «غَرثان» و «صَدٍ» «صَديان» لا ك «حَذِر» و «حاذر» للاختلاف.

و إنّما قدّم و القياس يقتضي الترقّي من الأدنى إلى الأعلى، كقولهم: «عالِم نحرير» و «جواد فيّاض؛ لأنّه صار كالعَلَم من حيث إنّه لا يوصف به غيره، أو أنّه صفة في الأصل لكنّه صار عَلَماً بالغلبة، كما اختاره جماعة من المحقّقين.

قال ابن هشام: و ممّا يُوضّح أنّه غير صفة: مجيئهُ كثيراً غير تابع، نحو: الرَّحْمٰنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ «1» قُلِ ادْعُوا اللّٰهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمٰنَ «2» وَ إِذٰا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمٰنِ «3» «4». انتهى.

______________________________
(1) الرحمن (55): 1 و 2.

(2) الإسراء (17): 110.

(3) الفرقان (25): 60.

(4) مغني اللبيب 2: 602.

25
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

شرح الخطبة ؛ ج‌1، ص : 21

و فيه: إمكان بناء ذلك على حذف الموصوف و إبقاء الصفة، كقوله تعالى أَنِ اعْمَلْ سٰابِغٰاتٍ «1» و أَرْسَلْنٰا رُسُلَنٰا بِالْبَيِّنٰاتِ «2» و يرجّح الأوّل مجازيّة الإضمار، و يبتنى على عَلَميّته أنّه بدل لا نعت، و أنّ «الرحيم» بعده نعت له لا للاسم دونه «3»؛ إذ لا يتقدّم البدل على النعت.

(الحمد) و هو لغةً: الثناء باللسان على الجميل الاختياري على جهة التعظيم، فخرج بالجميل الثناءُ على غيره على قول بعضهم: إنّ الثناء حقيقة في الخير و الشرّ، و على رأي الجمهور: إنّه حقيقة في الخير فقط، ففائدة ذِكْر ذلك تحقيق الماهيّة، أو دفع توهّم إرادة الجمع بين الحقيقة و المجاز عند مُجوّزه من الأُصوليّين.

و بالاختياري المدحُ، فإنّه يعمّ الاختياري و غيره عند الأكثر. و على القول بالأُخوّة بمعنى الترادف يحذف القيد ليعمّ.

و «على جهة التعظيم» يخرج ما كان على جهة الاستهزاء أو السخرية، ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ «4» و يتناول الظاهر و الباطن، إذ لو تجرّد عن مطابقة الاعتقاد أو خالفته أفعال الجوارح، لم يكن حمداً، بل هو تهكّم أو تمليح، و هذا لا يقتضي دخول الجوارح و الجنان في التعريف؛ لأنّهما اعتُبرا فيه شرطاً لا شطراً.

و نُقض في عكسه بالثناء على اللّه تعالى بصفاته الذاتيّة؛ فإنّها ليست اختياريّةً.

و أُجيب بأنّه يتناولها تبعاً، أو أنّها منزّلة منزلة أفعال اختياريّة حيث إنّ ذاته اقتضت وجودها على ما هي عليه، أو أنّها مبدأ أفعال اختياريّة، فالحمد عليها باعتبار تلك الأفعال، فالمحمود عليه اختياريّ في المآل؛ تنزيلًا للمسبّب منزلة السبب، و الكلّ تكلّف.

و «الحمدُ» عرفاً: فعل يُنبئ عن تعظيم المُنْعِمِ من حيث إنّه مُنعم على الحامد أو غيره، سواء كان باللسان أم بالجنان أم بالأركان.

و «الشكر» لغةً: هو هذا الحمد. و عرفاً: صرف العبد جميع ما أنعم اللّه به عليه إلى‌

______________________________
(1) سبأ (34): 11.

(2) الحديد (57): 25.

(3) في «ق، م» بدل «لا للاسم دونه»: «لا لاسم اللّه».

(4) الدخان (44): 49.

26
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

شرح الخطبة ؛ ج‌1، ص : 21

ما خلق لأجله.

و «المدح» لغةً: الثناء باللسان على الجميل مطلقاً على جهة التعظيم. و عرفاً: ما يدلّ على اختصاص الممدوح بنوع من الفضائل، فبين كلّ من الستّة و البقيّة نسبة: إمّا تباين كالحمد اللغوي لا بالنظر إلى شرطه، و المدح اللغوي مع الشكر العرفي؛ لصدقهما بالثناء باللسان فقط، و الشكر إنّما يصدق بذلك مع غيره، أو تساوٍ كالحمد العرفي مع الشكر اللغوي، أو عموم و خصوص مطلق كالحمد اللغوي مع كلّ من المدحين؛ لصدقه بالاختياري فقط، و صدقهما به و بغيره، أو مع الشكر العرفي بالنظر إلى شمول متعلّق الحمد للّه تعالى و لغيره، و اختصاص متعلّق الشكر به تعالى، و كالشكر اللغوي مع الشكر العرفي؛ لصدقه بالنعمة فقط، و صدق العرفي بها و بغيرها، و كذا بين المدحين و بين الحمد و الشكر العرفيّين، و بين الشكر و المدح كذلك، و بين الحمد و المدح كذلك، و بين الشكر اللغوي و المدح العرفي، أو عموم من وجه كالحمد اللغوي مع العرفي؛ لصدقهما بالثناء باللسان في مقابلة نعمة، و انفراد اللغوي؛ لصدقه بذلك في غيرها، و العرفي؛ لصدقه بغير اللسان، فمورده أعمّ، و متعلّقه أخصّ، و اللغوي عكسه، أو مع الشكر اللغوي كذلك، و كالحمد العرفي و الشكر اللغوي مع المدح اللغوي؛ لاجتماعهما معه في الثناء باللسان على النعمة، و انفرادهما عنه؛ لصدقهما بغير اللسان، و انفراده عنهما؛ لصدقه بغير النعمة، فمورده أخصّ، و متعلّقه أعمّ، و هُما بالعكس.

و اعلم أنّ نقيض الحمد الذمُ، و الشكرِ الكفرانُ، و المدحِ الهجوُ، و الثناءِ النثاءُ بتقديم النون.

(للّه) الجار و المجرور ظرف مستقرّ مرفوع المحلّ على أنّه خبر لقوله: «الحمد» و هو في الأصل ظرف لغوٍ لَهُ؛ لأنّه من المصادر التي تنصب بأفعال مضمرة، كقولهم: «شكراً» و «كفراً» فكان في الأصل أحمد حمداً للّه، و إنّما عدل عن النصب إلى الرفع ليدلّ على ثبات المعنى و استقراره.

و منه قوله تعالى قٰالُوا سَلٰاماً قٰالَ سَلٰامٌ+ «1» فزاد إبراهيم عليه السّلام تحيّته بالرفع؛ لتكون أحسن.

______________________________
(1) هود (11): 69.

27
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

شرح الخطبة ؛ ج‌1، ص : 21

و اللام في «الحمد» للاستغراق عند الجمهور. و للجنس عند الزمخشري «1»، و لا فرق هنا؛ لأنّ لام «للّه» للاختصاص، فلا فرد منه لغيره، و إلا لوُجد الجنس في ضمنه، فلا يكون الجنس مختصّاً به. و للحقيقة عند بعضهم بمعنى أنّ حقيقة الحمد و طبيعته ثابتة للّه. و للعهد عن آخرين. و أجازه الواحدي «2» بمعنى أنّ الحمد الذي حَمِد اللّه به نفسه و حَمِدَه به أنبياؤه و أولياؤه مختصّ به، و العبرة بحَمْد مَنْ ذُكر.

و إنّما قدّم الحمد؛ لاقتضاء المقام مزيد اهتمام به و إن كان ذكر اللّه أهمّ في نفسه؛ و لأنّ فيه دلالةً على اختصاص الحمد به. و جملة الحمد خبريّة لفظاً، إنشائيّة معنىً؛ لحصول الحمد بالتكلّم بها، و يجوز أن تكون موضوعةً شرعاً للإنشاء.

(المتفرّد) بالتاء المثنّاة من فوق، و الراء المشدّدة بعد الفاء. و يحتمل على ضعفٍ أن تكون بالنون مع تخفيف الراء.

و إنّما رجّح الأوّل؛ ليناسب مفتتح بقيّة الفقرات، ك‍ «المتنزّه» و «المتفضّل» و «المتطوّل؛ و لأنّه يقتضي المبالغة في الوصف؛ لما مرّ من أنّ زيادة البناء تدلّ على زيادة المعنى.

(بالقِدَم) الذاتي فلا أوّل لوجوده، و لا يشركه فيه شي‌ء، و هذا الوصف يستدعي كمال قدرته و علمه؛ لأنّ مشاركة غيره له فيه موجبة لواجبيّته المنافية لذلك، و يندرج فيه باقي الصفات الثبوتيّة لزوماً.

و فيه تكذيب للقائل بِقدَم الأجسام السمائيّة، كأرسطو، و للقائل بأنّ مادّة العالم قديمة، كسقراط، على اختلافٍ في تلك المادّة.

(و الدوام) الذاتي، فلا آخر لوجوده، و لا يشركه فيه شي‌ء.

و التقييد بالذاتي يخرج أهل الجنّة؛ فإنّهم يشاركونه فيه، لكن دوامهم ليس ذاتيّاً، و هذا القيد من لوازم صفاته تعالى و إن لم يصرّح به؛ فإنّها أُمور اعتباريّة، و مرجعها حقيقةً إلى الذات المقدّسة.

و ربما يقال في دفع المشاركة أيضاً: إنّ المراد انفراده تعالى بالقِدَم و الدوام معاً بجعل الواو بمعنى «مع» و أهل الجنّة لا يشاركونه في الأُولى. و الأوّل أولى.

______________________________
(1) الكشّاف 1: 9- 10.

(2) انظر: الوسيط- للواحدي- 1: 65- 66.

28
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

شرح الخطبة ؛ ج‌1، ص : 21

و أولويّة تقديم هذه الفقرة على ما بعدها مبنيّة على أشرفيّة الصفات الثبوتيّة على السلبيّة بناءً على أنّها وجوديّة؛ و الوجود أشرف من العدم.

و فيه بحث في محلّ يليق به، و لا يخفى خلوّ افتتاح المقال من براعة الاستهلال.

(المتنزّه) من النزاهة بفتح النون و هي البُعْد، أي المتباعد (عن مشابهة الأعراض و الأجسام؛ لحدوثهما و اللّه تعالى قديم واجب الوجود، كما برهن عليه في محلّه.

و تعبيره بالبُعْد عن المشابهة كناية عن نفي المشابهة أصلًا، لا أنّ بينهما مشابهةً بعيدة، و هذه قاعدة معروفة من قواعد العرب يعبّرون بهذا و ما جرى مجراه، و مرادهم بذلك المبالغة في النفي و تأكيده.

و من القاعدة قولهم: فلان بعيد عن الخنا «1» و غير سريع إليه.

قال المرتضى رضي اللّه عنه: يريدون أنّه لا يقرب الخنا، لا نفي الإسراع إليه حسب. «2».

و هكذا القول في البُعْد عن المشابهة في كلام المصنّف يراد به عدمها أصلًا، لا حصولها على بُعْدٍ.

قال رحمه اللّه: و منها: قوله تعالى الَّذِي رَفَعَ السَّمٰاوٰاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهٰا «3» وَ لٰا تَكُونُوا أَوَّلَ كٰافِرٍ بِهِ «4» و لٰا يَسْئَلُونَ النّٰاسَ إِلْحٰافاً. «5».

و من كلامهم: فلان لا يرجى خيره، و ليس مرادهم أنّ فيه خيراً لا يرجى، و إنّما غرضهم أنّه لا خير عنده على وجه من الوجوه.

و قول بعضهم:

لا تُفْزِعُ الأرْنَبَ أهوالُها

و لا ترى الضبّ بها يَنْجَحِر

أراد ليس بها أهوال تفزع الأرنب، و لا ضبّ بها فينجحر.

و قول الآخر:

من أُناس ليس في أخلاقهم

عاجلُ الفحش و لا سوءُ الجَزعْ

______________________________
(1) الخنا: الفحش. لسان العرب 14: 244، «خ ن ا».

(2) أمالي السيّد المرتضى 1: 230.

(3) الرعد (13): 2.

(4) البقرة (2): 41.

(5) البقرة (2): 273.

29
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

شرح الخطبة ؛ ج‌1، ص : 21

لم يرد أنّ في أخلاقهم فحشاً آجلًا و لا جزعاً غير سيّ‌ء، و إنّما أراد نفي الفحش و الجزع عن أخلاقهم. «1»

و نظائر ذلك كثيرة في كلامهم.

و في هذه الفقرة إشارة إلى سائر صفاته السلبيّة إجمالًا.

(المتفضّل) أي: المحسن، «2»، و مجيئُهُ بصيغة التفعّل مبالغة فيه، كما سبق.

(بسوابغ الأنعام) أي بالأنعام السوابغ، و أضاف الصفة إلى موصوفها مراعاةً للفاصلة، و جرى في ذلك على مذهب الكوفيّين، ك‍ «جرد قطيفة» و «أخلاق ثياب» و عند المانعين من إضافة الصفة إلى الموصوف يُؤوّل هنا بما أُوّل به تلك الأمثلة بأنّهم حذفوا الأنعام هنا حتى صارت السوابغ كأنّها اسم غير صفة، فلمّا قصدوا تخصيصه بكونه صالحاً لأن يكون للأنعام و غيرها مثل خاتم في كونه صالحاً لأن يكون فضّةً و غيرها أضافوه إلى جنسه الذي يتخصّص به، كما أضافوا خاتماً إلى فضّة، فليس إضافته إليها من حيث إنّه صفة لها، بل من حيث إنّه جنس مبهم أُضيف إليها ليتخصّص، و على هذا القياس نظائر ذلك. «3».

و السوابغ جمع كثرةٍ ل‍ «سابغة» و هي التامّة الكاملة. قال الجوهري: يقال: شي‌ء سابغ، أي: كامل وافٍ، و سبغت النعمة تسبغ بالضمّ سبوغاً، أي اتّسعت. و أسبغ اللّه عليه النعمة، أي: أتمّها، و منه إسباغ الوضوء: إتمامه. «4».

و الأنعام جمع قلّة ل‍ «نعمة» و هي لغةً: اليد و الصنيعة و المنّة. و عرفاً هي: المنفعة الحسنة الواصلة إلى الغير على جهة الإحسان إليه، و هي إمّا: ظاهرة أو باطنة، قال اللّه تعالى وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظٰاهِرَةً وَ بٰاطِنَةً «5» و ربما تخصّ الباطنة باسم الآلاء. و العموم هنا أبلغ.

(المتطوّل) من الطّوْل بالفتح و هو المنّ، يقال: طال عليه و تطوّل عليه: إذا امتنّ عليه، «6»، أي: الممتنّ (بالفواضل) جمع «فاضلة» و هي الإحسان.

و أبلغ في وصفه مع إتيانه بجمع الكثرة بقوله: (الجسام) بالكسر، أي: العظام، جمع‌

______________________________
(1) أمالي السيّد المرتضى 1: 228- 230.

(2) في «م» زيادة: «و أيّ إحسان».

(3) في الطبعة الحجريّة بدل «ذلك»: «كثيرة».

(4) الصحاح 4: 1321، «س ب غ».

(5) لقمان (31): 20.

(6) في «ق» زيادة: قاله الجوهري. أنظر: الصحاح 5: 1755، «ط و ل».

30
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

شرح الخطبة ؛ ج‌1، ص : 21

جسيم، يقال: جسُم الشي‌ء، أي: عظم، فهو جسيم و جُسام بالضمّ.

و إنّما ترك ذكر المتفضّل و المتطوّل عليه؛ لكون الغرض إثبات الوصف له على الإطلاق، ثمّ مقام الخطابة يفيد العموم في أفراد مَنْ يصلح تعلّقه به، أو للاختصار مع إرادة التعميم، كما تقول: قد كان منك ما يؤلم، أي: كلّ أحد، و منه قوله تعالى وَ اللّٰهُ يَدْعُوا إِلىٰ دٰارِ السَّلٰامِ «1» أي: يدعو كلّ أحد، أو لمجرّد الاختصار، كقولك: أصغيت إليه، أي: اذني، و منه قوله تعالى أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ «2» أي: إلى ذاتك، و قوله تعالى أَ هٰذَا الَّذِي بَعَثَ اللّٰهُ رَسُولًا «3» أي: بعثه اللّه، أو لغير ذلك ممّا هو مقرّر في محلّه من فنّ المعاني.

(أحمده) بفتح الميم؛ لأنّ ماضيه «حمِد» بكسرها، كعَلِم يعلَم، و ما في قوله: (على ما) موصولة، و صلتها (فضّلنا) و العائد على الموصول الهاء في (به) و «من» في قوله: (من الإكرام) لبيان الجنس.

و أشار بذلك إلى قوله تعالى وَ لَقَدْ كَرَّمْنٰا بَنِي آدَمَ إلى قوله وَ فَضَّلْنٰاهُمْ عَلىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنٰا تَفْضِيلًا «4».

و الذي كرم به بنو آدم على ما اختاره محصّلو المفسّرين: القوّة و العقل و النطق و العلم و الحكمة و تعديل القامة و الأكل باليد، و تسليطهم على غيرهم، و تسخير سائر الحيوانات لهم، و أنّهم يعرفون اللّه، و أن جَعَل محمّداً صلّى اللّه عليه و آله منهم، و غير ذلك من النعم التي خُصّوا بها.

و يحتمل أن يريد المصنّف ما هو أخصّ من ذلك، و على هذا يجوز كون «من» تبعيضيّةً، لكنّ الأوّل أمتن و أبدع.

(و أشكره على جميع الأقسام) أي: الأحوال؛ لأنّه تعالى في جميع الحالات لا يفعل إلا لغرضٍ تعود مصلحته على العبد، فيستحقّ الشكر على جميعها.

و هاتان الفقرتان و إن كانتا خبريّتين لفظاً لكنّهما إنشائيّتان معنىً، فإنّ الإنشاء أكثر فائدةً و أعم نفعاً و أقوى حمداً و شكراً.

______________________________
(1) يونس (10): 25.

(2) الأعراف (7): 143.

(3) الفرقان (25): 41.

(4) الإسراء (17): 70.

31
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

شرح الخطبة ؛ ج‌1، ص : 21

و لمّا فرغ من حمد اللّه و الثناء عليه بما هو أهله توسّل في تحصيل مرامه بالدعاء للأرواح المقدّسة المتوسّطة بين النفوس الناقصة المنغمسة في الكدورات البشريّة، و بين المبدإ الفيّاض المتنزّه عن شوائب النقص في استفادة العنايات و الأنوار منه و إفاضتها عليها بقوله: (و صلّى اللّه) من الصلاة المأمور بها في قوله تعالى صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا «1».

و كان الأحسن أن تقرن الصلاة عليه بالسلام، كما يقتضيه ظاهر الآية، لكنّ أصحابنا جوّزوا أن يراد بقوله وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً «2» أي: انقادوا لأمره انقياداً، كما في قوله: فَلٰا وَ رَبِّكَ لٰا يُؤْمِنُونَ إلى قوله وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً «3» فلذلك سهل الخطب عندهم في إفراد الصلاة عن السلام و إن احتمل أن يراد به التحيّة المخصوصة؛ لعدم تحتّم ذلك.

و الصلاة: الدعاء من اللّه و غيره، لكنّها منه مجاز في الرحمة، كما قال بعضهم. و قال آخرون: هي منه الرحمة.

و يرجّح الأوّل أنّ المجاز خير من الاشتراك، و قوله تعالى أُولٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ «4» فإنّ العطف يقتضي المغايرة. و ربما يرد هذا على الأوّل أيضاً، لكن يمكن دفعه بأنّ التصريح بالحقيقة بعد إرادة المجاز يفيد تقوية المدلول المجازيّ، و لجأ بعضهم إلى أنّها من اللّه تعالى بمعنى الرضوان حذراً من ذلك.

و الأولى في الجواب عن ذلك: المنع من اختصاص العطف بلزوم المغايرة؛ فإنّ من أنواع «الواو» العاطفة عطف الشي‌ء على مرادفه، كما ذكره ابن هشام في المغني «5». و ذَكَر من شواهده قوله تعالى أُولٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ «6» و قوله تعالى إِنَّمٰا أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللّٰهِ «7» و نحو لٰا تَرىٰ فِيهٰا عِوَجاً وَ لٰا أَمْتاً «8» و قوله عليه السلام: صلّى اللّه عليه و آله: «لِيَلِيني منكم ذوو الأحلام و النهى» «9».

______________________________
(1) الأحزاب (33): 56.

(2) الأحزاب (33): 56.

(3) النساء (4): 65.

(4) البقرة (2): 157.

(5) مغني اللبيب 1: 467.

(6) البقرة (2): 157.

(7) يوسف (12): 86.

(8) طه (20): 107.

(9) سنن ابن ماجة 1: 312- 313/ 976؛ سنن أبي داود 1: 180/ 674؛ سنن النسائي 2: 78؛ سنن الدارمي 1: 290؛ سنن البيهقي 3: 137، ذيل ح 5161؛ المستدرك- للحاكم- 2: 8؛ مسند أحمد 5: 102/ 6653 باختلاف يسير.

32
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

شرح الخطبة ؛ ج‌1، ص : 21

و قول الشاعر:

و ألفى قولها كذباً و مَيْناً «1»

و هذه الجملة إنشائية معنىً؛ لأنّ الدعاء كلّه من قبيل الإنشاء، و وقوعه بصيغة المضي؛ للتفاؤل بحصول المسئول و الحرص على وقوعه، كما قرّر في المعاني، و لمناسبة المقام، فلا إشكال في عطفها على ما قبلها من هذا الوجه.

نعم، تخالف جملة الحمد الاولى في كونها فعليّةً. و في عطفها على الاسميّة كلام، و الحقّ جوازه و إن كان مرجوحاً، و لو جُعلت الواو للاستئناف صحّ أيضاً إلا أنّه لا ضرورة إليه.

(على سيّدنا محمّد) عطف بيان على «سيّدنا» أو بدل منه على ما اختاره ابن مالك «2» من أنّ نعت المعرفة إذا تقدّم عليها أُعرب بحسب العوامل، و أُعيدت المعرفة بدلًا، و صار المتبوع تابعاً، كقوله تعالى إِلىٰ صِرٰاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللّٰهِ «3» على قراءة الجرّ.

و «محمد» عَلَم منقول من اسم المفعول المضعّف للمبالغة، سُمّي بِه نبيّنا عليه الصلاة و السلام؛ إلهاماً من اللّه تعالى؛ و تفؤلًا بأنّه يكثر حمد الخلق له لكثرة خصاله الحميدة.

و قال الجوهري: المحمّد: الذي كثرت خصاله المحمودة «4».

و قد ورد أنّه قيل لجدّه عبد المطلب و قد سمّاه في سابع ولادته لموت أبيه قبلها: لِمَ سمّيْتَ ابنك محمداً و ليس من أسماء آبائك و لا قومك؟ قال: رجوت أن يُحْمد في السماء و الأرض «5». و قد حقّق اللّه رجاءه.

(النبي‌ء) بالهمز من النبإ، و هو الخبر؛ لأنّ النبيّ مُخبر عن اللّه تعالى، و يجوز ترك الهمز و هو الأكثر إمّا تخفيفاً من المهموز بقلب همزته ياءً، و إمّا لأنّ أصله من النّبوة بفتح النون و سكون الباء، أي: الرفعة؛ لأنّ النبيّ مرفوع الرتبة على غيره من الخلق.

______________________________
(1) عجز بيت لعدي بن زيد العبادي من شعراء الجاهليّة، و صدره:

فقدّدت الأديم لراهشيه

مغني اللبيب 1: 467؛ الصحاح 6: 2210؛ لسان العرب 13: 425، «م ى ن».

(2) حاشية الصبّان على شرح الاشموني على الفيّة ابن مالك 3: 72.

(3) إبراهيم (14): 1 و 2.

(4) الصحاح 2: 466، «ح م د».

(5) البداية و النهاية- لابن كثير- 2: 325.

33
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

شرح الخطبة ؛ ج‌1، ص : 21

و هو إنسان أوحى إليه بشرع و إن لم يؤمر بتبليغه، فإن أُمر بذلك فرسول أيضاً.

و قيل: و أُمر بتبليغه و إن لم يكن له كتاب أو نَسْخ لبعض شَرع مَنْ قبله، فإن كان له ذلك فرسول أيضاً. «1» فهارون رسول، على الأوّل دون الثاني، و يوشع غير رسولٍ، عليهما.

و قيل: إنّهما بمعنى «2».

و إطلاق الرسول على المَلَك غير مستعمل هنا، فعموم الرسول من هذه الجهة غير مراد.

(المبعوث) أي: المرسل (إلى الخاصّ) و هُم أهله و عشيرته، أو العلماء، أو مَنْ كان في زمانه (و العامّ) و هو في مقابلة الخاصّ بالاعتبارات الثلاثة، و هي مترتّبة في القوّة ترتّبها في اللفظ.

(و على عترته) و هُم الأئمّة الاثنا عشر، و فاطمة «.

قال الجوهري: عترة الرجل: نسله و رهطه الأدنون «3». فيدخل في الأوّل مَنْ عدا عليّ عليه السّلام، و يدخل هو في الثاني.

(الأماجد) جمع أمجد؛ مبالغة في ماجد. يقال: مجُد الرجل بالضمّ، فهو مجيد و ماجد، أي: كرم.

(الكرام) قال ابن السكّيت: الشرف و المجد يكونان في الآباء، يقال: رجل شريف ماجد: له آباء متقدّمون في الشرف.

قال: و الحسب و الكرم يكونان في الرجل و إن لم يكن له آباء لهم شرف «4».

(أمّا بعد) ما سبق من الحمد و الصلاة. و آثر هذه الكلمة؛ للأحاديث الكثيرة أنّ رسول اللّهُ يقولها في الخُطبة و شبهها، رواه عنه اثنان و ثلاثون صحابيّاً. و فيه «5» إشارة إلى الباعث على التصنيف، كما هو دأبهم.

و «أمّا» كلمة فيها معنى الشرط، و التقدير: مهما يكن من شي‌ء بعد الحمد و الصلاة فهو كذا، كما نصّ عليه سيبويه «6»، و لذلك كانت الفاء لازمةً لها.

______________________________
(1) أنظر الكشّاف 3: 164؛ و التفسير الكبير- للرازي- 12: 50.

(2) مجمع البيان 7- 8: 91.

(3) الصحاح 2: 735، «ع ت ر».

(4) نقله عنه الجوهري في الصحاح 2: 536- 537، «م ج د».

(5) قوله: «ما سبق من الحمد .. و فيه» لم يرد في «م».

(6) كما في شرح ابن عقيل 2: 390.

34
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

شرح الخطبة ؛ ج‌1، ص : 21

قال الشيخ الرضي رحمه اللّه:

أصل «أمّا زيد فقائم» مهما يكن من شي‌ء فزيد قائم، أي إن يقع في الدنيا شي‌ء يقع قيام زيد، فهذا جزم بوقوع قيامه و قطع به؛ لأنّه جعل حصول قيامه لازماً لحصول شي‌ء في الدنيا و ما دامت الدنيا، فلا بدّ من حصول شي‌ء فيها.

ثمّ لمّا كان الغرض الكلّي من هذه الملازمة المذكورة لزوم القيام لزيدٍ حُذف الملزوم الذي هو الشرط، أعني «يكن من شي‌ء» و أُقيم ملزوم القيام و هو زيد مقام ذلك الملزوم، و بقي الفاء بين المبتدأ و الخبر؛ لأنّ فاء السببيّة ما بعدها لازم لما قبلها، فحصل لهم من حذف الشرط و إقامة بعض الجزاء موقعه شيئان مقصودان، أحدهما: تخفيف الكلام بحذف الشرط، و الثاني: قيام ما هو الملزوم حقيقة في قصد المتكلّم مقام الملزوم في كلامهم، أعني الشرط، و حصل أيضاً من قيام بعض الجزاء موضع الشرط ما هو المتعارف من شغل حيّز واجب الحذف بشي‌ء آخر، و حصل أيضاً بقاء الفاء متوسّطةً في الكلام كما هو حقّها «1». انتهى.

و إنّما حكيناه ملخّصاً مع طوله؛ لعظم قدره و محصوله.

و «بعد» من الظروف الزمانيّة، و كثيراً ما يحذف منه المضاف إليه و ينوى معناه. و تُبنى على الضمّ. و يجوز في ضبطها «2» هنا أربعة أوجه: ضمّ الدال، و فتحها، و رفعها منوّنةً، و كذا نصبها. و مجموع الكلمتين يُسمّى بفصل الخطاب.

و قد اختلف فيمن تكلّم «3» بهذه الكلمة أوّلًا، فقيل: داوُد عليه السّلام «4» و قيل «5» نبيّنا محمّدُ صلّى اللّه عليه و آله. و قيل: عليّ عليه السّلام «6». و قيل: قُسّ بن ساعدة «7». و قيل: كعب بن لُؤيّ «8». و قيل: يَعْرب بن قحطان «9». و قيل: سحبان بن وائل «10». و لا فائدة مهمّة في هذا الخلاف.

______________________________
(1) شرح الكافية في النحو 2: 396.

(2) في «م»: «و في تجويز ضبطها» بدل «و يجوز في ضبطها».

(3) في «م»: «في المتكلّم» بدل «فيمن تكلّم».

(4) الأوائل- للعسكري-: 45؛ الأوائل- للطبراني-: 68/ 40؛ الأوائل- لابن أبي عاصم النبيل-: 67/ 191؛ الوسائل إلى مسامرة الأوائل: 21/ 117؛ الجامع لأحكام القرآن 15: 162.

(5) لم نعثر على القائل فيما بين أيدينا من المصادر.

(6) كما في كشف الالتباس 1: 7.

(7) الأوائل- للعسكري-: 45؛ الوسائل إلى مسامرة الأوائل: 21/ 118؛ الأغاني 15: 246.

(8) الوسائل إلى مسامرة الأوائل: 21/ 119.

(9) الوسائل إلى مسامرة الأوائل: 21/ 119.

(10) خزانة الأدب 10: 369.

35
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

شرح الخطبة ؛ ج‌1، ص : 21

(فإنّ اللّه سبحانه كما أوجب على الولد طاعة أبويه) بقوله وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسٰانَ بِوٰالِدَيْهِ+ «1» و نظائرها.

و المراد بالأبوين: الأب و الأُمّ، و جمعهما باسم أحدهما؛ تغليباً و مراعاةً لجانب التذكير، كما يراعى جانب الأخفّ مع التساوي فيه، كالحسنين و العمرين، و لو تساويا خفّةً و ثقْلًا، جاز جمعهما باسم أيّهما كان، كالكسوفين و الظهرين.

(كذلك أوجب عليهما) أي على الأبوين (الشفقة عليه بإبلاغ مراده) حذف المفعول في الإبلاغ إيجازاً و مبالغةً و تفخيماً لشأن المريد، أي بإبلاغه مراده (في الطاعات و تحصيل مآربه) جمع إرب. و فيه خمس لغات، و هي: الحاجة (من القُرُبات) واحدها قُربة، و هي ما يطلب بها التقرّب إلى اللّه تعالى قرب الشرف لا الشرف.

(و لمّا) حرف وجود لوجود، و عند جماعة «2» ظرف بمعنى «حين» أو بمعنى «إذ» استعمل استعمال الشرط، يليه فعل ماضٍ مقتضٍ جملتين وجدت ثانيتهما عند وجود الأُولى، و الفعل الماضي هنا قوله (كثر طلب الولد العزيز) و هو هنا «الكريم» تقول: عززتُ على فلان: إذا كَرُمتَ عليه (محمّد) بدل من الولد، أو عطف بيان عليه.

(أصلح اللّه له أمر دارَيْه) دنياه و آخرته (و وفّقه للخير) التوفيق: جَعْل الأسباب متوافقة، و حاصله توجيه الأسباب بأسرها نحو المسبّبات، و يقال: هو اجتماع الشرائط و ارتفاع الموانع (و أعانه عليه، و أمدّ) أي: أمهل و طوّل (له في العمر السعيد) أي: الميمون، خلاف النحس.

و إذا كان الوصف للإنسان، قابلَ الشقيّ، لكن يختلف فيهما الفعل الماضي، فإنّه في الأوّل مفتوح العين، و في الثاني مكسورها، قاله الجوهري. «3».

(و العيش الرغيد) أي: الطيّب الواسع، يقال: عيشَة رَغد و رَغَد: أي طيّبة واسعة.

(لتصنيف) متعلّق ب‍ «طلب» و التصنيف جَعل الشي‌ء أصنافاً، و تمييز بعضها من بعض.

(كتاب) فعال من الكَتب، و هو الجمع بمعنى المكتوب، إلا أنّه خصّ استعماله بما فيه كثرة المباحث.

______________________________
(1) العنكبوت (29): 8؛ لقمان (31): 14؛ الأحقاف (46): 15.

(2) أنظر: مغني اللبيب 1: 369.

(3) الصحاح 2: 487، «س ع د».

36
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

شرح الخطبة ؛ ج‌1، ص : 21

(يحوي النكت) جمع نكتة، و هي الأثر في الشي‌ء يتميّز به بعض أجزائه عن بعض، و يوجب له التفات الذهن إليه، كالنقطة في الجسم و الأثر فيه الموجب للاختصاص بالنظر، و منه رُطَبَة مُنكِتة: إذا بدا إرطابها، ثمّ عُدّي إلى الكلام و الأُمور المعقولة التي يختصّ بعضها بالدقّة الموجبة لمزيد العناية و الفكر فيها، فيسمّى ذلك البعض نكتة.

(البديعة) و هي فعيلة بمعنى مفعولة، و هي: الفعل على غير مثالٍ، ثمّ صار يستعمل في الفعل الحسن و إن سُبق إليه مبالغةً في حسنه، فكأنّه لكمال حسنه لم يسبق إليه.

(في مسائل) جمع مسألة، و هي القول من حيث إنّه يُسأل عنه، و يسمّى ذلك القول أيضاً مبحثاً من حيث إنّه يقع فيه البحث، و مطلوباً من حيث يطلب بالدليل، و نتيجةً من حيث يستخرج بالحجّة، و مدّعىً من حيث إنّه يدّعى، فالمسمّى واحد و إن اختلفت العبارات باختلاف الاعتبارات.

(أحكام) واحدها: حكم، و هو بإضافته إلى (الشريعة) خطاب اللّه المتعلّق بأفعال المكلّفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع.

و يدخل في الاقتضاء ما عدا المباح من الأحكام الخمسة، و يدخل هو في التخيير، و في الوضع: السبب و الشرط و العلّة و المانع و غيرها من الأحكام الوضعيّة، و بسطه في محلّه.

و «الشريعة» فعيلة بمعنى مفعولة: ما شرعه اللّه لعباده من الدين.

و في بعض النسخ: «في مسائل الشريعة» بغير توسّط الأحكام.

(على وجه الإيجاز و الاختصار) و المعنى واحد، و هو: أداء المقصود بأقلّ من العبارة المتعارفة بين الأوساط الذين ليسوا في مرتبة البلاغة و لا في غاية الفهاهة. «1».

(خالٍ عن التطويل و الإكثار) و هُما أيضاً بمعنى، و هو: أداء المعنى المقصود بلفظ أزيد من المتعارف بين مَنْ ذُكر، و ليس مطلق التطويل و الإطناب واقعاً على وجه ينبغي العدول عنه، بل مع خلوّه من النكتة و الفائدة الموجبة له حسب مقتضى الحال، و إلا فقد يكون مقتضى البلاغة استعماله، كما قرّر في محلّه.

و لمّا كان الغرض من التصنيف إيصال المعنى إلى فهم المكلّف كان التطويل زيادةً على ما تحصل به التأدية خالياً عن البلاغة، فلا جرم حسُن خُلوّ الكتاب من الإطناب.

______________________________
(1) الفهّة و الفهاهة: العيّ. الصحاح 6: 2245، «ف ه ه».

37
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

شرح الخطبة ؛ ج‌1، ص : 21

(فأجبت) جواب «لمّا» أي: كان ما تقدّم سبباً لإجابة (مطلوبه) و في جَعل المجاب هو المطلوب ضرب من التعظيم للمجاب.

(و صنّفت هذا الكتاب) و «هذا» إشارة إلى المدوّن في الخارج، و يناسبه قوله: «فأجبت و صنّفت» فتكون الديباجة بعد التصنيف، أو إلى المرتّب الحاضر في الذهن.

و الإتيان بصيغة الماضي؛ تفؤّلًا بلفظه على أنّه من الأُمور الحاصلة التي من حقّها أن يخبر عنها بأفعال ماضية، أو لإظهار الحرص على وقوعه؛ لأنّ الإنسان إذا عظمت رغبته في شي‌ء كثر تصوّره إيّاه، فيورده بلفظ الماضي تخييلًا لحصوله. و من هذا القبيل الدعاء بلفظ الماضي مع أنّه من قبيل الإنشاء، كما هو مقرّر في المعاني.

و التحقيق أنّه إشارة إلى المرتب الحاضر في الذهن، سواء كان وضع الديباجة قبل التصنيف أم بعده؛ إذ لا حضور للألفاظ المرتّبة و لا لمعانيها في الخارج.

و توضيح ذلك أنّ الكتاب المؤلّف لا يخلو إمّا أن يكون عبارةً عن الألفاظ المعيّنة أي العبارات التي من شأنها أن يلفظ بها الدالّة على المعاني المخصوصة، و هو الظاهر، و إمّا عن النقوش الدالّة عليها بتوسّط تلك الألفاظ، و إمّا عن المعاني المخصوصة من حيث إنّها مدلولة لتلك العبارات أو النقوش، فهذه ثلاثة احتمالات بسيطة و تتركّب منها ثلاثة أُخرى «1» ثنائيّة، و رابع ثلاثي، فالاحتمالات سبعة.

و أنت خبير بأنّه لا حضور في الخارج للألفاظ المرتّبة و لا لمعانيها و لا لما يتركّب منهما و لا لما يتركّب من النقوش معهما أو مع أحدهما، و هذا كلّه واضح.

و أمّا النقوش الدالّة على الألفاظ فيحتمل أن يشار إليها بذلك. لكن فيه أنّ الحاضر من المنقوش لا يكون إلا شخصاً، و لا ريب في أنّه ليس المراد تسمية ذلك الشخص باسم الكتاب، بل تسمية نوعه، و هو النقش الكتابي الدالّ على تلك الألفاظ المخصوصة بإزاء المعاني المخصوصة أعمّ من أن يكون ذلك الشخص أو غيره ممّا يشاركه في ذلك المفهوم، و لا حضور لذلك الكلّي في الخارج، فالإشارة إلى الحاضر المرتّب في الذهن أصوب على جميع التقديرات، فكأنّه نزّل العبارات الذهنيّة التي أراد كتابتها منزلة الشخص المشاهد المحسوس، فاستعمل لفظ «هذا» الموضوع لكلّ مشار إليه محسوس.

______________________________
(1) في «ق، م»: «احتمالات أخرى».

38
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

شرح الخطبة ؛ ج‌1، ص : 21

(الموسوم) أي المسمّى، يقال: وسمت الشي‌ء وَسماً و سِمَةً، إذا أثّرت فيه أثراً. و الهاء عوض من الواو، و لمّا كانت السمة علامةً و الاسم علامةً على مسمّاه اشتقّ له منه لفظ، و هو أحد القولين في الاسم (بإرشاد الأذهان) جمع ذهن، و هو قوّة للنفس مُعدّة لاكتساب الآراء (إلى أحكام الإيمان) المراد به هنا مذهب الإماميّة دامت بركاتهم (مستمدّاً) حال من الضمير في «صنّفت» أي: صنّفت هذا الكتاب في حال «1» كوني مستمدّاً (من اللّه حسن التوفيق) و قد تقدّم تعريفه (و هداية الطريق) إليه سبحانه.

و المراد بها الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب.

و قيل: الدلالة الموصلة إلى المطلوب «2».

و يؤيّد الأوّل إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ «3».

و يرد عليه إِنَّكَ لٰا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ «4» و على الثاني وَ أَمّٰا ثَمُودُ فَهَدَيْنٰاهُمْ «5».

و أُجيب عن الإيراد الأوّل بأنّ الهداية المنفيّة في الآية محمولة على الفرد الكامل، و هو ما يكون موصلًا بالفعل لمن له الهداية، أو يقال: الآية من قبيل وَ مٰا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ رَمىٰ «6» في تنزيل وجود الشي‌ء منزلة عدمه؛ فإنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لمّا لم يكن مستقِلا بالهداية و الدلالة، بل دلالته بإقدار اللّه تعالى و تمكينه و توفيقه فكأنّه ليس بهادٍ، بل الهادي هو اللّه تعالى، و الحاصل يرجع إلى نفي الاستقلال في الهداية.

و أُورد عليه: بأنّه يلزم أنّ مَنْ يكون عارفاً بالشريعة، متقاعداً عن العمل بمقتضاها مُهتدٍ، و ليس كذلك.

و أُجيب: بالتزام أنّه مُهتدٍ بالمعنى اللغوي، أو مُهتدٍ بالنسبة إلى العلم و ضالّ بالنسبة إلى مطلوبٍ آخر، و هو نيل الثواب و الفوز بالسعادة الأُخرويّة حيث لم يعمل بمقتضى علمه، فيصدق الاسمان بالحيثيّتين.

و قد اتّسع مسلك الكلام بين العلماء الأعلام من الجانبين، و لا يبعد القول بالاشتراك،

______________________________
(1) في الطبعة الحجريّة: «حالة».

(2) الكشّاف 1: 35.

(3) الشورى (42): 52.

(4) القصص (28): 56.

(5) فصّلت (41): 17.

(6) الأنفال (8): 17.

39
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

شرح الخطبة ؛ ج‌1، ص : 21

و أولى منه أنّها حقيقة في الأوّل مجاز في الثاني؛ لأرجحيّته على الاشتراك، و كثرة استعمالها فيه. و تحقيقه في غير هذا المحلّ.

و اعلم أنّ المصنّف رحمه اللّه أضاف الهداية إلى مفعولها الثاني، و هي تتعدّى بنفسها إلى المفعول الأوّل و إلى الثاني بنفسها أيضاً، و ب‍ «إلى» و باللام. و من الأوّل قوله تعالى اهْدِنَا الصِّرٰاطَ «1» و من الثاني هَدٰانِي رَبِّي إِلىٰ صِرٰاطٍ «2» و من الثالث الَّذِي هَدٰانٰا لِهٰذٰا «3».

(و التمست منه) أي: طلبت. و يُطلق على الطلب من المساوي حقيقةً أو ادّعاءً حسب ما يقتضيه المقام (المجازاة على ذلك) التصنيف، و في الإشارة إليه بصيغة البعيد توسّع (بالترحّم عليّ عقيب الصلوات، و الاستغفار) و هو سؤال المغفرة (لي في الخلوات) فإنّها مظنّة إجابة الدعوات و نزول البركات (و إصلاح ما يجده) في هذا الكتاب بمقتضى السياق. و يحتمل أن يريد الأعمّ منه و من غيره، كما صرّح به في وصيّته له في آخر القواعد «4» (من الخلل و النقصان) بينهما عموم و خصوص مطلق؛ فإنّ كلّ نقصان خلل و لا ينعكس.

(فإنّ السهو) و هو زوال الصورة عن القوّة الذاكرة، أو عدم العلم بعد حصوله عمّا من شأنه أن يكون عالماً (كالطبيعة الثانية للإنسان).

و توضيح ذلك: أنّ الطبيعة الأُولى للشي‌ء هي ذاته و ماهيّته، كالحيوان الناطق بالنسبة إلى الإنسان، و ما خرج عن ماهيّته من الصفات و الكمالات الوجوديّة اللاحقة لها تسمّى «5» طبيعة ثانية، سواء كانت لازمةً، كالضحك و التنفّس بالقوّة للإنسان، أم مفارقةً، كهُما بالفعل له، و سواء كانت لاحقةً بلا واسطة، كالتعجّب اللاحق للإنسان، أم بواسطة أمرٍ خارج عنه مساوٍ له، كالضحك اللاحق له بواسطة التعجّب، أم بواسطة جزئه، كالحركة الإراديّة اللاحقة له بواسطة أنّه حيوان.

ثمّ لمّا كان السهو ليس طبيعةً أُولى و هو ظاهر، و لا ثانيةً؛ لأنّه أمر عدميّ فإنّ العدم‌

______________________________
(1) الفاتحة (1): 6.

(2) الأنعام (6): 161.

(3) الأعراف (7): 43.

(4) قواعد الأحكام 2: 347.

(5) في الطبعة الحجريّة: «سمّي».

40
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

شرح الخطبة ؛ ج‌1، ص : 21

جزء مفهومه؛ لأنّه زوال الصورة العلميّة عن القوّة الذاكرة، أو عدم العلم بعد حصوله عمّا من شأنه أن يكون عالماً، كما تقدّم، لكنّه أشبه الطبيعة الثانية في العروض و الكثرة التي تشبه اللزوم، كان كالطبيعة الثانية للإنسان خصوصاً على التعريف الثاني؛ فإنّ العدم المنسوب إلى الملكة له حظّ من الوجود بافتقاره إلى محلّ وجوديّ، كافتقار الملكة إليه؛ فإنّه عبارة عن عدم شي‌ء مع إمكان اتّصاف الموضوع بذلك الشي‌ء، كالعمى؛ فإنّه عدم البصر لا مطلقاً بل عن شي‌ء من شأنه أن يكون بصيراً، فهو يفتقر إلى الموضوع الخاصّ المستعدّ للملكة، كما تفتقر الملكة إليه، بخلاف باقي الأعدام. ثمّ أكّد الاعتذار عمّا يجده من الخلل بقوله (و مثلي) ممّن لم يتّصف بالعصمة من بني آدم، و التعبير بالمثل كناية عن أنّي لا أخلو من ذلك من قبيل قولهم: «مثلك لا يبخل» و «مثلك مَنْ يجود» فإنّه كناية عن ثبوت الفعل أو نفيه عمّن أُضيف إليه لفظ «مثل» لأنّه إذا ثبت الفعل لمن يسدّ مسدّه و مَنْ هو على أخصّ أوصافه أو نُفي عنه، كان من مقتضى القياس و العرف أن يفعل هو كذا أو أن لا يفعل، و من لازم هذه الكناية تقديم لفظ «مثل» كما قرّر في المعاني.

و لفظة «يخلو» من قوله (لا يخلو) ليس بعدها ألف؛ لأنّ الواو فيها لام الفعل المعتلّ، و إنّما أثبتوا الألف بعد الواو المزيدة و هي واو الجماعة فرقاً بينها و بين الأصليّة، كهذه و نظائرها، فإتيانه بعدها خطأ (من تقصير في اجتهاد) لابتنائه على مقدّمات متعدّدة و قواعد متبدّدة يحتاج إلى استحضارها في كلّ مسألة يجتهد فيها، و ذلك مظنّة التقصير، و لهذا اختلفت الأنظار في الفروع التي لم ينصّ على عينها، كما هو معلوم.

(و اللّه الموفّق للسداد) و هو الصواب و القصد من القول و العمل، قاله في الصحاح. «1».

(فليس المعصوم) من بني آدم كما يقتضيه الاستثناء من النفي المستلزم لحصر الإثبات في المستثنى مع الإجماع على عصمة الملائكة عليهم السّلام مع خروجهم عن الأنبياء و الأوصياء، فلو لا التقييد ببني آدم، أشكل الحصر (إلا مَنْ عصمه اللّه).

و «من» في قوله (من أنبيائه و أوصيائه) لبيان الجنس، لاتّفاقنا على عصمة الجميع، و التقدير: ليس المعصوم من نوع الإنسان إلا الأنبياء و أوصياءهم (عليهم أفضل الصلوات

______________________________
(1) الصحاح 2: 458، «س د د».

41
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

شرح الخطبة ؛ ج‌1، ص : 21

و أكمل التحيّات) جمع تحيّة و الأصل: تحيية، نُقلت كسرة الياء إلى ما قبلها و أُدغم الياء في الياء. و اشتقاقها من الحياة؛ لأنّ المحيّي إذا حيّا صاحبه فقد دعا له بالسلامة من المكاره، و الموت من أشدّها، فدخل في ضمنها. و اختصّت بالاشتقاق منها؛ لقوّتها. و المراد هنا ما هو أعمّ من ذلك.

(و نبدأ في الترتيب) و هو جمع الأشياء المختلفة و جَعلها بحيث يطلق عليها اسم الواحد، و يكون لبعضها نسبة إلى بعضٍ بالتقدّم و التأخّر في النسبة العقليّة و إن لم تكن مؤتلفةً، و هو أعمّ من التأليف من وجه؛ لأنّه ضمّ الأشياء مؤتلفة، سواء كانت مرتّبة الوضع أم لا، و هُما معاً أخصّ من التركيب مطلقاً؛ لأنّه ضمّ الأشياء مؤتلفةً كانت أم لا، مرتّبة الوضع أم لا. و منهم مَنْ جَعَل الترتيب أخصّ مطلقاً من التأليف. و منهم مَنْ جَعَلهما مترادفين. و منهم مَنْ جَعَل التركيب و التأليف مترادفين. فهذه ألفاظ ثلاثة موضوعة للدلالة على ضمّ شي‌ء إلى آخر يحسن التنبيه عليها (بالأهمّ فالأهمّ).

أي: نبدأ بالأهمّ أوّلًا، فإذا فرغنا منه، ذكرنا الأهمّ بالنسبة إلى الباقي. فبدأ بالعبادات أوّلًا؛ إذ الأحكام الأُخرويّة أهمّ من الدنيويّة؛ لأنها المقصودة بالذات من خلق المكلّفين. و أتبعها بالعقود؛ لتوقّف نظام النوع و قوامه على معرفتها، ثمّ بالإيقاعات؛ لأنّها بالنسبة إلى العقود كالفروع، فإنّ الطلاق و توابعه فرع النكاح، و العتق و توابعه فرع الملك الحاصل بالابتياع و نحوه، و هكذا القول في نظائرها.

و أُخّرت الأحكام؛ لأنّها خارجة عن حقيقة مستحقّ التقدّم، كالفرائض و الجنايات، أو لازمة للعقود و الإيقاعات معاً، كالقضاء و الشهادات، و اللازم متأخّر عن الملزوم طبعاً، فأُخّر وضعاً ليطابق الطبع الوضع.

ثمّ بدأ من العبادات بالصلاة؛ لأنّها أفضل و أكثر تكرّراً، و قدّم عليها الطهارة؛ لكونها شرطاً فيها، و الشرط مقدّم على المشروط، و كان من حقّها أن تجعل باباً من أبواب الصلاة، كباقي شروطها، كما فعل الشهيد رحمه اللّه في الذكرى، لكن لكثرة مسائلها و تشعّب أنواعها أفردها عن باقي الشروط في كتابٍ، و قدّم منها الوضوء؛ لعموم البلوى به و تكرّره ضرورة في كلّ يوم، بخلاف الغسل و التيمّم. و قدّم بعده الغسل على التيمّم؛ لأصالته عليه، و التيمّم طهارة ضروريّة، و قدّم على إزالة النجاسات؛ لأنّها تابعة للطهارة بالمعنى‌

42
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

شرح الخطبة ؛ ج‌1، ص : 21

المعتبر عند علماء الخاصّة.

ثمّ أتى بالزكاة بعد الصلاة؛ لاقترانها معها في الآيات «1» الكريمة، و تكرّرها في كلّ سنة بالنسبة إلى الخمس و الحجّ، و الخمس و الاعتكاف تابعان للزكاة و الصوم من وجه، فناسب ذكرهما معهما، ثمّ بالصوم؛ لاختصاصه ببعض هذه العلل، ثمّ بالحجّ؛ لوقوعه في العمر مرّة. و أخّر الجهاد؛ لخلوّ وقتنا منه غالباً. و هكذا قرّر ما يرد عليك من بقيّة أجزاء الكتاب لا زلت موفّقاً لصوب الصواب.

______________________________
(1) البقرة (2): 43 و 110 و 277؛ النساء (4): 162؛ المائدة (5): 12؛ التوبة (9): 5 و 11 و 18 و 71؛ مريم (19):

31؛ الأنبياء (21): 73؛ الحجّ (22): 41 و 78؛ النور (24): 37 و 56؛ النمل (27): 3؛ لقمان (31): 3؛ الأحزاب (33): 33؛ المجادلة (58): 13؛ المزّمّل (73): 20؛ البيّنة (98): 5.

43
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

[كتاب الطهارة] ؛ ج‌1، ص : 45

[كتاب الطهارة]

45
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

[كتاب الطهارة] ؛ ج‌1، ص : 45

كتاب الطهارة خبر مبتدأ محذوف، أي هذا كتاب الطهارة، و كذا القول في بقيّة الفصول و الأبواب.

و الكتاب اسم مفرد، و جمعه كتب بضمّ التاء و سكونها. و هو فعال من الكتب بفتح الكاف، سمّي به المكتوب، كالخلق بمعنى المخلوق، و كقولهم: هذا درهم ضرب الأمير، و ثوب نسج اليمن.

و قد صرّح الجوهري و غيره من أهل اللغة بأنّه نفسه مصدر، تقول: كَتَبتُ كَتباً و كِتاباً و كِتابَةً. «1».

و استشكل ذلك جماعة من المحقّقين بأنّ المصدر لا يشتقّ من المصدر، بل الخلاف منحصر في أنّ الفعل هل يشتقّ من المصدر أو بالعكس كما هو المعلوم؟

و أسدّ ما يقال في الجواب: إنّ الكلام إنّما هو في المصدر المجرّد، و أمّا المزيد فإنّه مشتقّ منه؛ لموافقته إيّاه بحروفه و معناه، و قد نصّ على ذلك العلامة التفتازاني «2».

و الكتب معناه: الجمع، تقول: كتبتُ البغلَةَ: إذا جمعت بين شُفريها بحَلقةٍ أو سيرٍ. و كتبتُ القِربةَ أيضاً كَتباً: إذا خرزتها. و منه: تكتّب بنو فلان: إذا تجمّعوا. و منه سُمّي الكتاب؛ لأنّه يجمع أُموراً من علمٍ يُعبّر عنها تارة بالأبواب، و أُخرى بالفصول و غيرها.

و الطهارة مصدر طهر بضمّ عين الفعل و فتحها، و الاسم: الطهر، و هي لغةً: النظافة و النزاهة، و قد نقلت في الاصطلاح الشرعي إلى معنى آخر بناءً على وجود الحقائق الشرعيّة.

______________________________
(1) الصحاح 1: 208؛ لسان العرب 1: 698، «ك ت ب».

(2) شرح التصريف (ضمن جامع المقدّمات) 1: 211.

47
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

[كتاب الطهارة] ؛ ج‌1، ص : 45

و قد اختلف الأصحاب في تعريفها؛ لاختلافهم في المعنى المنقول إليه، فكلّ عرّفها بحسب «1» ما ذهب إليه، و لا تكاد تجد تعريفاً سليماً عن الطعن حتى لجأ بعضهم «2» إلى أنّ المراد بتعريفها اللفظي على قانون اللغة، و هو تبديل لفظ بلفظ آخر أجلى منه من دون اشتراط الاطّراد و الانعكاس.

و حاصل الخلاف: أنّ منهم مَنْ يُطلقها على المبيح دون إزالة الخبث. و منهم مَنْ يُطلقها عليه و على إزالة الخبث. و علماؤنا الأكثرون على الأوّل بناءً على أنّ إزالة الخبث في الحقيقة أمر عدميّ، فلا حظّ له في المعاني الوجوديّة.

ثمّ هُم مختلفون في إطلاقها على الصورة غير المبيحة حقيقةً أو ظاهراً، كوضوء الحائض و المجدّد: و المصنّف لم يتعرّض لتعريفها في هذا الكتاب، لكن قد استقرّ أمره تبعاً لغيره على تقييدها بالمبيحة و لو بالصلاحيّة.

و من الإشكال العامّ أنّهم يُخرجون من التعريف وضوءَ الحائض إمّا لعدم الإباحة به، أو للحديث «3» الدالّ على عدم تسميته طُهراً.

ثمّ يقسّمون الطهارة إلى واجبٍ و ندبٍ، و الندب إلى المجدّد و إلى وضوء الحائض، و غسل الجمعة، و التيمّم لصلاة الجنازة و نحوها، فاللازم إمّا فساد التقسيم أو خلل التعريف.

و ربما اعتذر بأنّ المقسم غير المعرّف، أو بأنّ ذكر هذه الأشياء في التقسيم لضربٍ من المجاز و الاستطراد، و مثله يجوز ارتكابه في التقسيم بعد سلامة التعريف. و لا يخفى بُعْدهما.

و قد ناقش شيخنا الشهيد رحمه اللّه في إخراج وضوء الحائض و إدخال المجدّد: بأنّ التعريف إن كان للطهارة المبيحة للصلاة، فينبغي إخراج المجدّد منه عند مَنْ لا يكتفي بنيّة التقرّب منفردة؛ لأنّه غير صالح للتأثير. و إن أُريد بالصلاحيّة ما يعمّ البعيدة و هو أنّه لو اقترن به ما يجب اقتران غيره به لأثّر فيدخل «4» وضوء الحائض؛ إذ الصلاحيّة حاصلة‌

______________________________
(1) في «ق، م»: «حسب».

(2) المحقّق الحلّي في الرسائل التسع: 200- 201.

(3) الكافي 3: 100- 101/ 1.

(4) في «ق، م» و الطبعة الحجريّة: «دخل». و ما أثبتناه من المصدر.

48
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

[كتاب الطهارة] ؛ ج‌1، ص : 45

لكلّ وضوء من حيث هو، و ما بالذات لا يزيله ما بالعرض. و إن كان لما يقع عليه لفظ الطهارة صحيحاً أم لا، مبيحاً أم لا، فلا معنى للتقييد بالمبيح للصلاة أو بالصالح لها. «1»

و اعتذر عن ذلك بالفرق بين ما اقترن به ما يمنع الإباحة بحالٍ، كما في وضوء الحائض، و بين ما أخلّ فيه بشرط لو أتى به لكان مبيحاً، فكأنّه صالح بالقوّة، و من ثَمَّ قال جمع بإباحة المجدّد. و منهم مَنْ يرى الاكتفاء بالقربة.

و أنت خبير بأنّ هذا الاعتذار اقتضى اختلافهما، و أنّ أحدهما أقوى من الآخر، أمّا جواب ما نحن بصدده فلا؛ لأنّ الكلام إنّما هو على القول بعدم رفعه و عدم الاجتزاء بالقربة، و حينئذٍ فلا دَخْلَ له في الإباحة على وجه الحقيقة، و إلا فنحن لا ننازع في أنّه أقوى و أقرب إلى الإباحة، لكن تعريفهم لا يجتزئ بذلك.

اللّهمّ إلا أن ترتكب في التعريف ضرباً من التجوّز. بأن تحمل الإباحة أو الصلاحيّة لها على ما يعمّ القوّة القريبة على معنى أنّه لو أتى ببقيّة الشروط المعتبرة حصلت، فيندرج في ذلك المجدّد و الأغسال المسنونة، و يخرج عنه وضوء الحائض، لكن يبقى الكلام في إدخال وضوء الحائض في التقسيم، و قد مرّ الكلام فيه.

(و النظر) يقع في الطهارة من ستّة أوجه على وجه الحصر الجعلي الاستحساني، لا العقلي و الاستقرائي (في أقسامها و أسبابها) و يندرج فيها واجباتها و كيفيّتها و أحكامها. و يقع النظر فيها من ثلاثة أوجه بحسب تعدّد أنواعها (و ما تحصل به) و هو الماء المطلق، و التراب على ما يأتي (و توابعها) و هي إزالة النجاسات و تعدادها، و بقيّة المطهّرات، و أحكام الأواني.

و وجه ما اختاره من الحصر أنّ البحث إمّا عن المقصود بالذات أولا، و الأوّل إمّا عن تقسيمه و تفصيله على وجه يصير الشارع فيه على بصيرةٍ منه، و هو النظر الأوّل، أو عن كيفيّته و ما معه من السبب و الحكم، و هو الثاني و الثالث و الرابع حسب تعدّد أنواعه. و تقديم الثاني و الثالث على الرابع ظاهر؛ لأنّه طهارة اضطراريّة مشروطة بفقد الاختياريّة التي هي المائيّة. و المائيّة قسمان: وضوء و غسل، و قدّم الوضوء على الغسل؛ لزيادة الحاجة إليه. و الثاني إمّا أن يتوقّف عليه المقصود بالذات أولا، و الأوّل هو الخامس، و هو‌

______________________________
(1) غاية المراد 1: 26- 27 و فيه: بالصالح له.

49
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

[كتاب الطهارة] ؛ ج‌1، ص : 45

البحث عن المياه و أقسامها و أحكامها، و إنّما أخّره عمّا سبق مع أنّه مادّته و هي متقدّمة على الصورة؛ لأنّ ما بالذات أولى ممّا بالعرض و لما ذكرناه من العلّة قدّم غيره البحثَ عن المياه أوّلًا حتّى المصنّف في غير هذا الكتاب و الثاني هو السادس، و هو التابع، و رتبته التأخّر عن متبوعه. و لأنّه طهارة لغويّة عنده، و إنّما بحث عنه في كتاب الطهارة؛ لأنّ النجاسة مانعة من الصلاة.

و لمّا بحث عن الطهارة الشرعيّة التي هي شرط الصلاة بحث عن المانع منها؛ ليتمّ للمكلّف معرفة ما به يخرج عن التكليف بها. و لأنّه عند بعضهم طهارة شرعيّة حقيقةً، و مجازاً عند الباقين، فالمناسبة حاصلة على التقديرين.

و ربما نظر بعضهم إلى أنّه يتوقّف عليه استعمال ما يتطهّر به ليتحقّق الخروج عن العهدة باستعماله، فقدّم البحث عنه على المقصود بالذات؛ لذلك، كما فَعَل المصنّف في القواعد، و لكلٍّ وجه. و المرجّح ما يقع في الخَلَد «1» وقت التصنيف.

______________________________
(1) الخَلَد: البال. الصحاح 2: 469، «خ ل د».

50
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

النظر الأول في أقسامها ؛ ج‌1، ص : 51

[النظر الأوّل في أقسامها]

(النظر الأوّل: في أقسامها) (و هي) أي الطهارة منقسمة انقسام الكلّي إلى جزئيّاته لا الكلّ إلى أجزائه إلى ثلاثة أنواع (وضوء و غسل و تيمّم) و لمّا كان هذا الكلّي لا وجود له في الخارج إلا في ضمن جزئيّاته صدق على كلّ جزئيّ من الثلاثة أنّه طهارة.

و ينساق إلى هذا و نظائره شكّ لطيف، و هو أنّ الانقسام لازم لمطلق الطهارة، و هو لازم لكلّ واحد من أقسامها، فيلزم أن يكون الانقسام لازماً لكلّ واحد من أقسامها، و يلزم منه انقسام الشي‌ء إلى نفسه و مباينه أو مساواة الجزئي لكلّيّة، و كلاهما فرض محال.

و جوابه: أنّ المنقسم إلى الثلاثة هو الطهارة المطلقة، أي مقيّدة بقيد العموم، لا مطلق الطهارة، و فرق بين الصيغتين؛ فإنّ الطهارة من حيث إنّها عامّ موصوفة بالانقسام، كما أنّ الحيوان من حيث إنّه عامّ موصوف بالجنسيّة، و هي قسم من المطلق، و ما هو ملزوم للانقسام هو مطلق الطهارة، بل الطهارة المطلقة. و فيه بحث.

أو نقول: الانقسام المذكور لازم للطهارة بحسب وجودها الذهني، و هي لازمة لأقسامها من حيث حصولها العينيّ لأمن تلك الحيثيّة، و لازم الشي‌ء باعتبارٍ لا يلزم أن يكون لازماً لملزومه باعتبارٍ آخر، كالكلّيّة اللازمة لمفهوم الحيوان، اللازم لزيدٍ مثلًا.

و اعلم أنّ الظاهر من هذا الانقسام أنّ مقوليّة الطهارة على أنواعها الثلاثة بطريق الحقيقة لا بالمجاز، و لا ريب في ذلك بالنسبة إلى المائيّة.

و يؤيّده بالنسبة إلى الترابيّة: قوله عليه السلام: صلّى اللّه عليه و آله‌

الصعيد طهور المسلم «1»

و‌

جُعلت لي الأرض

______________________________
(1) سنن الترمذي 1: 212/ 124.

51
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

أما الوضوء ؛ ج‌1، ص : 52

 

مسجداً و ترابها طهوراً «1»

إلى غير ذلك من الأحاديث الدالّة على إطلاق الطهارة على التيمّم؛ لأنّ السياق لإباحة الصلاة بالنسبة إلى الحدث، و لصدق التعريفات بأسرها عليه.

ثمّ على تقدير الحقيقة فهل تلك المقوليّة بطريق الاشتراك اللفظي أو التواطؤ أو التشكيك؟ الظاهر انتفاء الأوّل؛ لاشتراك الثلاثة في معنى مشترك بينها، و هو صلاحيّة الإباحة للصلاة و لو بالقوّة القريبة على ما تقرّر، و هو ينفي الاشتراك. و مُحتمِل الاشتراك ينظر إلى اختلاف ذاتَي المائيّة و الترابيّة، فهي كالعين.

و هو ضعيف؛ إذ لا جامع لأفراد العين غير اللفظ، بخلافه هنا.

نعم، يقع الشكّ بين الأخيرين؛ لاشتراكهما في هذا الوجه.

و ليس ببعيد مقوليّتها على الثلاثة بالتشكيك، و على الوضوء و الغسل بالتواطؤ؛ فإنّ إطلاقها على المائيّة أقوى من الترابيّة، و فردا المائيّة متساويان.

و تظهر فائدة الخلاف في نذر الطهارة، و سيأتي.

(و كلّ منها) أي الثلاثة التي هي الوضوء و الغسل و التيمّم (واجب) إمّا بأصل الشرع أو بالعرض، كالنذر و شبهه (و ندب) بالأصالة أو بالعرض أيضاً. فالأقسام أربعة، و يخرج من ضربها في الأنواع الثلاثة اثنا عشر قسماً ذكر المصنّف رحمه اللّه منها تسعة الواجبة بأصل الشرع و العارض، و الثلاثة المندوبة بأصل الشرع، و ستراها مفصّلةً. و بقي ثلاثة أقسام، و هي المندوب من الثلاثة بسببٍ من المكلّف، و ذلك حيث يكون أحدها متعلّقاً بما يستحبّ الوفاء به، كالنذر المنوي غير المتلفّظ به.

[أما الوضوء]

[فمنه الواجب]

(فالوضوء يجب) بأصل الشرع (للصلاة و الطواف الواجبين).

إمّا للصلاة: فلقوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا «2» و لقوله عليه السلام: صلّى اللّه عليه و آله‌

لا صلاة إلا بطهور «3»

و للإجماع.

و يلحق بالصلاة أجزاؤها المقضيّة منفردةً، كالسجدة و التشهّد و سجود السهو و الاحتياط إن لم نجعله صلاةً مستقلّة، لا سجود التلاوة.

______________________________
(1) صحيح مسلم 1: 371/ 522؛ سنن البيهقي 1: 328/ 1023.

(2) المائدة (5): 6.

(3) التمهيد- لابن عبد البرّ- 8: 215.

 

52
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و منه المستحب ؛ ج‌1، ص : 53

و أمّا للطواف: فلقوله عليه السلام: صلّى اللّه عليه و آله‌

الطواف بالبيت صلاة «1»

فيشترط فيه ما يشترط فيها إلا ما أخرجه الدليل.

(و) يجب الوضوء أيضاً بالأصالة ل‍ (مسّ كتابة القرآن إن وجب) المسّ بنذرٍ و شبهه على الأصحّ من توقّف المسّ على الطهارة؛ للآية. «2»

و الضابط في وجوب الوضوء ما كانت غايته واجبةً، و لمّا كان الصلاة و الطواف واجبين بأصل الشرع جعل الوجوب معهما وصفاً، و لمّا لم يجب المسّ بالأصل «3» جعل الوجوب فيه شرطاً.

و ربما أُعيد ضمير «وجب» إلى الوضوء إشارة إلى الخلاف في وجوب الوضوء على المحدث للمسّ.

و فيه بُعْد؛ لحكم «4» المصنّف بوجوبه، فلا وجه لتردّده هنا، بل الوجه ما قلناه.

[و منه المستحبّ]

(و يستحبّ) الوضوء بأصل الشرع (لمندوبَي الأوّلين) و هُما: الصلاة و الطواف؛ فإنّ الغاية لمّا لم تجب لم يجب شرطها؛ لجواز تركها، فكان الشرط كإلغائه؛ إذ لا يتصوّر وجوب الشرط لمشروطٍ غير واجب، لكن مع الشرطيّة في الصلاة فلا تصحّ بدونه.

و قد يطلق عليه هنا الوجوب؛ لمشابهته الواجب في أنّه لا بدّ منه بالنسبة إلى مشروطه، و يعبّر عنه بالوجوب الشرطي. و كذا القول في مسّ خطّ المصحف مع عدم وجوبه.

و أمّا الطواف المندوب فهو من كماله على الأصحّ، فيصحّ الطواف بدونه. و اشترطها فيه المصنّف في النهاية. «5»

(و دخول المساجد) للخبر، «6» و لاستحباب التحيّة، و هي متوقّفة على الوضوء (و قراءة القرآن، و حمل المصحف، و النوم، و صلاة الجنائز، و السعي في حاجة، و زيارة المقابر) كلّ ذلك للنصّ. «7»

______________________________
(1) سنن النسائي 5: 222؛ سنن البيهقي 5: 141- 142/ 9304؛ سنن الدارمي 2: 44؛ المعجم الكبير- للطبراني- 11:

34/ 10955؛ المستدرك للحاكم- 1: 459، و 2: 267.

(2) الواقعة (56): 79.

(3) في «م»: «بالأصالة».

(4) في «ق، م»: «و لحكم».

(5) نهاية الإحكام 1: 20.

(6) التهذيب 3: 263/ 743.

(7) انظر: الكافي 3: 468/ 5؛ و الفقيه 1: 296/ 1353، و 3: 95/ 365؛ و التهذيب 1: 127/ 344، 359/ 1077، و 2: 116/ 434، و 3: 203/ 476؛ و الاستبصار 1: 113- 114/ 378؛ و قرب الإسناد: 395/ 1386؛ و الخصال 2: 627. و لم نعثر على نصّ بالخصوص لاستحباب الوضوء لزيارة المقابر. نعم، قال الشهيد في الذكرى 1: 193: و يستحبّ لندبي الصلاة و الطواف .. و لصلاة الجنازة و زيارة قبور المؤمنين .. كلّ ذلك للنصّ.

53
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و منه المستحب ؛ ج‌1، ص : 53

و في كلّ هذه ينوي الاستباحة أو الرفع، و يحصلان له عدا النوم ففيه نظر.

أمّا نيّة الرفع: فلا إشكال فيها بعد ثبوت إيقاع هذه الأشياء على طهارة.

و أمّا الاستباحة: فذكرها الشهيد رحمه اللّه في بيانه «1» ساكتاً عليها. و أمرها مشكل فيما عدا الصلاة المندوبة؛ لإباحة هذه الأشياء بدونها، فكيف ينوي استباحتها بها!؟ و الأولى في النيّة رفع الحدث أو إيقاع هذه الأشياء على الوجه الأكمل؛ لتوقّفه على رفع الحدث.

و أمّا النوم: فالوضوء له غايته الحدث فكيف يرفعه!؟

و ألحقه في المعتبر «2» بالصحيح؛ لأنّه قصد النوم على أفضل أحواله، و لما في الحديث من استحباب النوم على طهارة، و هو مشعر بحصولها.

و اعترضه شيخنا الشهيد رحمه اللّه بأنّه لا يلزم من استحباب النوم على الطهارة صحّة الطهارة للنوم؛ إذ الموصل إلى ذلك وضوء رافع للحدث، فلينو رفعه أو استباحة مشروط به لا منافٍ له.

قال: و التحقيق أنّ جَعْل النوم غايةً مجاز؛ إذ الغاية هي الطهارة في آن قبل النوم بحيث يقع النوم عليها، فيكون من باب الكون على طهارة، و هي غاية صحيحة. «3»

(و نوم الجنب) و إنّما خصّه بالذكر مع دخوله في استحباب الوضوء للنوم؛ لمزيد الاهتمام به، و لورود النصّ «4» عليه بخصوصه، و لدفع توهّم عدم شرعيّة الوضوء للجنب. (و جماع المحتلم) قبل الغسل. و عُلّل في الخبر «5» بأنّه لا يؤمن أن يجي‌ء الولد مجنوناً لو حملت من ذلك الجماع. و هو يقتضي تخصيص الكراهة بوقت احتمال الحمل، فتنتفي بدونه.

و الأولى تعميم الحكم؛ إذ لا يلزم من تأثيره في الحمل على تقدير كونه مسبّباً عنه انتفاء‌

______________________________
(1) البيان: 37.

(2) المعتبر 1: 140.

(3) الذكرى 2: 111- 112.

(4) الكافي 3: 51/ 10؛ الفقيه 1: 47/ 179؛ التهذيب 1: 370/ 1127.

(5) الفقيه 3: 256/ 1212؛ علل الشرائع 2: 229/ 3، الباب 289؛ التهذيب 7: 412/ 1646.

54
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و منه المستحب ؛ ج‌1، ص : 53

الكراهة لو لم يكن، و الكراهة منوطة بالاحتلام، فلا يكره الجماع من غير وضوء؛ للأصل.

(و ذِكْر الحائض) للّه تعالى في وقت كلّ صلاة. و الخبر «1» ورد في الحائض. و الظاهر إلحاق النفساء بها؛ لأنّها حائض في المعنى.

و هذه الثلاثة لا يتصوّر فيها رفع الحدث؛ لمصاحبته لها، و عدم صلاحيّته للارتفاع به في هذه الحالة.

(و الكون) بالجرّ عطفاً على ما قبله، أي: و يستحبّ الوضوء أيضاً للكون (على طهارة) أي: للبقاء على حكمها، فاندفع توهّم التكرار حيث يصير التقدير: تستحبّ الطهارة للكون على طهارةٍ؛ لأنّ البقاء على حكمها ليس هو نفسها، بل لازمها، و ليس الكون غايةً مستقلّة، بل مستلزمة للرفع أو الاستباحة؛ إذ لا تحصل إلا بأحدهما، فكأنّ المنوي أحدهما، و من ثَمَّ صحّ الوضوء المنوي به ذلك، كما قرّبه في الذكرى، «2» مع أنّ ذلك وارد في بقيّة الغايات المستحبّة، و الجواب واحد.

و يجوز رفع «الكون» عطفاً على الضمير المستتر في قوله: «و يستحبّ» أو على الابتداء، و الخبر محذوف، و تقديره: مستحبّ.

و ربما توهّم التكرار على التقدير الأوّل من هذين بناءً على أنّه في قوّة: يستحبّ الوضوء و يستحبّ الكون على وضوء.

و لا وجه له؛ لأنّ المعطوف عليه ليس هو استحباب الوضوء مطلقاً، بل للمذكور من الصلاة و الطواف المندوبين و غيرهما ممّا عُدّ.

ثمّ إنّ المكلّف إذا أراد الكون، فإن نوى رفع الحدث، فلا ريب في الصحّة و حصول ما نواه؛ إذ لا يحصل الكون عليها إلا مع ارتفاعه مع الاختيار، و هو إحدى الغايتين. و إن نوى الاستباحة لشي‌ء ممّا يتوقّف على الوضوء، حصل المقصود أيضاً لزوماً، لكن يكون الكون حينئذٍ تابعاً. و إن نوى الكون على طهارةٍ، فقد قرّب الشهيد رحمه اللّه الإجزاء كما حكيناه عنه، «3» و هو حسن؛ لأنّه إحدى الغايات المطلوبة للشارع، و لأنّه يستلزم الرفع؛ لأنّ الكون على طهارةٍ لا يتحقّق إلا معه.

______________________________
(1) الكافي 3: 101/ 4؛ التهذيب 1: 159/ 456.

(2) الذكرى 2: 111.

(3). آنفا

55
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و أما الغسل ؛ ج‌1، ص : 56

 

(و التجديد) بالجرّ أيضاً عطفاً على ما سبق. و لا ينوي هنا الرفع و لا الاستباحة. و لا يرفع الحدث على المشهور؛ لعدم نيّته.

و حُكي عن الشيخ في المبسوط الرفعُ، «1» و قوّاه الشهيد في الدروس «2» لأنّ شرعيّة المجدّد لتدارك الخلل و كماليّة الطهارة، مع أنّهما يشترطان في الوضوء الواجب الاستباحةَ أو الرفع. «3» و سيأتي في ذلك بحث آخر إن شاء اللّه.

و لو اكتفينا في الوضوء بالقربة، فلا إشكال حينئذٍ في رفع المجدّد على تقدير الحاجة إليه.

ثمّ إنّ تجديد الوضوء إن كان بعد أن صلّى بالأوّل و لو نافلةً، فلا ريب في استحبابه.

و ألحق المصنف في التذكرة الطوافَ و سجودَ الشكر و التلاوة بها. «4»

و رجّح الشهيد عدمَ اللّحاق. «5»

و هل يستحبّ قبل الصلاة أو ما يلحق بها؟ جزم به المصنّف في التذكرة «6» للعموم.؛ و توقّف الشهيد. «7»

و يقوى الإشكال في تعدّده لصلاة واحدة؛ لعدم النصّ على الخصوص. و توقّف فيه المصنّف في المختلف. «8»

و يمكن دخوله في عموم الإذن فيه من غير تقييدٍ.

و رجّح العدم في الذكرى محتجّاً بأصالة عدم المشروعيّة، و أدائه إلى الكثرة المفرطة. «9»

و يضعّف الأوّل ما ذكرناه، و الثاني لا يصلح للدلالة.

[و أما الغسل]

[فمنه الواجب]

(و الغسل يجب) بأصل الشرع (لما وجب له الوضوء) و هو الصلاة و الطواف الواجبان، و المسّ إن وجب؛ للآية «10» و الحديث «11» و الإجماع، فيشترك مع الوضوء في هذه الثلاثة.

______________________________
(1) حكاه عنه الشهيد في الذكرى 2: 112.

(2) الدروس 1: 86.

(3) المبسوط 1: 19؛ الدروس 1: 90.

(4) تذكرة الفقهاء 1: 203- 204، الفرع «ه».

(5) الذكرى 2: 196.

(6) تذكرة الفقهاء 1: 204.

(7) الذكرى 2: 195- 196.

(8) مختلف الشيعة 1: 141، المسألة 92.

(9) الذكرى 2: 196.

(10) الواقعة (56): 79.

(11) التهذيب 1: 127/ 344؛ الاستبصار 1: 113- 114/ 378.

 

56
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

فمنه الواجب ؛ ج‌1، ص : 56

(و) يجب أيضاً زيادةً على الوضوء لأربعة أشياء (لدخول المساجد) مع اللبث في غير المسجدين، و فيهما يكفي في الوجوب مجرّد الدخول (و قراءة) سور (العزائم) الأربع أو شي‌ء منها حتّى البسملة إذا قصدها لأحدها.

و المراد بالعزائم نفس السجدات الواجبة، فإطلاقها على السور من باب حذف المضاف، أي: سور العزائم، و تسميتها عزائم بمعنى إيجاب اللّه تعالى لها على العباد، كما هو أحد معنيي العزيمة.

و في تسميتها عزائم احتراز عن باقي السجدات المستحبّة، لا بالمعنى المشهور للأُصوليّين من أنّ العزيمة ما وجب فعله مع عدم قيام المانع، و هو المعنى المقابل للرخصة؛ إذ لا وجه لاختصاصها بذلك من بين نظائرها هنا من الواجبات و إن كان التعريف صادقاً عليها.

و مستند الحكم فيهما النصّ و الإجماع.

و إنّما يجب الغسل لهما إذا كانا واجبين بنذرٍ و شبهه؛ إذ لا وجوب لأحدهما بأصل الشرع، كما نبّه عليه المصنّف بقوله (إن وجبا) أي كلّ واحد من الدخول و القراءة بانفراده.

و إطلاق الغسل يشمل بظاهره تحريم هذه الأشياء على محدثٍ يجب عليه الغسل بجنابةٍ أو غيرها، فيدخل فيه حدث مسّ الأموات، و هو على إطلاقه في الغاية «1» التي شارك فيها الوضوء.

و أمّا دخول المساجد و قراءة العزائم فعمّم المصنّف الحكمَ فيها في التذكرة. «2»

و استثنى الشهيد رحمه اللّه ماسّ الميّت من تحريم دخول المساجد. «3» و ادّعى عليه ابنُ إدريس الإجماع. «4» و المنقول منه بخبر الواحد حجّة مع اعتضاده بأصالة البراءة و خُلوّ الأخبار من الدلالة عليه نفياً و إثباتاً.

و أمّا قراءة العزائم له فليس فيها تصريح لأحد من الأصحاب. و الظاهر أنّ الحكم فيه كذلك؛ لأصالة البراءة و عدم الدليل المحرّم.

و أمّا حدث الاستحاضة، الموجب للغسل: فظاهر عبارة جماعة أنّه كالحيض في منع‌

______________________________
(1) في «ق، م»: «الغايات».

(2) تذكرة الفقهاء 1: 235 و 238، المسألتان 68 و 70.

(3) الدروس 1: 117.

(4) السرائر 1: 163.

57
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

فمنه الواجب ؛ ج‌1، ص : 56

دخول المساجد و قراءة العزائم مع عدم فعل ما يلزمها من الأغسال و الوضوءات، أمّا لو فعلَت ذلك، استباحت ما يستبيحه المتطهّر.

و في الدروس جوّز لها دخول المسجد مع أمن التلويث من غير تقييدٍ، محتجّاً بخبر زرارة عن الباقر «1» عليه السّلام «2»، و سيأتي الكلام فيه.

(و) يجب الغسل أيضاً (لصوم الجنب) إذا بقي من الليل مقدار فعله؛ للأخبار و الإجماع. و خلاف ابن بابويه «3» لا يقدح فيه.

و يلحق به الحائض و النفساء إذا انقطع دمهما قبل الفجر، دون ماسّ الميّت؛ للأصل و عدم النصّ، كما اعترف به الشهيد في الذكرى. «4»

قيل «5» عليه: إنّ مطلق صوم الجنب لا يكون مشروطاً بالغسل؛ لأنّ مَنْ نام بنيّة الغسل حتى أصبح لا يفسد صومه، و كذا مَن لم يعلم بالجنابة حتى طلع الفجر أو تعذّر عليه الغسل.

و جوابه: أنّ الحكم بوجوب الغسل أعمّ من كونه شرطاً. و يؤيّده ما ذكر من الصور إذ لو كان شرطاً، لم يصحّ الصوم على وجه. نعم، هو واجب موسّع قبل النوم، و بعده لا تكليف. و لأنّ شرطيّة الطهارة قويّة لا يعذر فيها الناسي. و مقتضى كلامهم أنّه شرط على بعض الوجوه لا مطلقاً، فسقط الإيراد. «6»

و قد يجاب بأنّ المفرد المحلّى باللام لا يعمّ عند المصنّف، فيصدق بجُنبٍ ما من غير أن يندرج فيه ما ذُكر.

و أورد العلامة قطب الدين الرازي على المصنّف أنّ قوله: «و لصوم الجنب» يدلّ على أنّ غسل الجنابة واجب لغيره، و هو لا يقول به.

و أجاب المصنّف: بأنّ المراد تضيّق الوجوب، و معناه أنّ الصوم ليس موجباً للغسل، بل يتضيّق وجوبه بسببه، و إنّما الموجب له الجنابة، فذكره لبيان كيفيّة الوجوب لا لبيان ماهيّته، كذا قرّره الشهيد رحمه اللّه و أقرّه. و زُيّف بأنّ الغسل شرط للصوم قطعاً،

______________________________
(1) علل الشرائع 1: 334/ 1، الباب 210.

(2) الدروس 1: 99.

(3) المقنع: 189.

(4) الذكرى 1: 193.

(5) لم نعثر على القائل فيما بين أيدينا من المصادر.

(6) في الطبعة الحجريّة زيادة: «كما مرّ».

58
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و منه المستحب ؛ ج‌1، ص : 59

و وجوب المشروط يقتضي وجوب الشرط.

و يمكن الجواب عن الإيراد و إن قلنا بالشرطيّة بعدم المنافاة بين وجوبه لنفسه و وجوبه لكونه شرطاً للصوم؛ لأنّ الواجب في نفسه لا يمتنع جعله شرطاً لواجبٍ آخر، كستر العورة مع وجود الناظر؛ فإنّه واجب في نفسه و شرط للصلاة، و كصوم رمضان بالنسبة إلى الاعتكاف المنذور فيه، و حينئذٍ فيجب لوجوبه، قضيّةً للاشتراط، و لهذا يتعلّق به حكم الوجوب اللاحق، كتضيّقه بتضيّق مشروطه.

(و) يجب الغسل أيضاً لصوم (المستحاضة مع غمس) دمها (القطنة) سواء سال أم لم يسل، فيشمل حالتيها: الوسطى و العليا، و تخرج القليلة.

و المستند بعد الأخبار الإجماعُ.

و لا إشكال في الحكم إذا كان الغمس بعد انتصاف الليل و قبل الفجر بالنسبة إلى اليوم المستقبل، و كذا إذا كان بعد الفجر قبل الصلاة على الظاهر؛ لعموم توقّف الصوم على الأغسال.

و يحتمل ضعيفاً عدم وجوبه للصوم هنا و إن وجب للصلاة؛ لسبق انعقاده.

أمّا لو كان بعد صلاة الفجر، لم يجب الغسل للصوم قطعاً؛ لعدم وجوبه بالنسبة إلى صلاة الفجر.

ثمّ إن استمرّ إلى صلاة الظهر و كان كثيراً توقّف عليه الصوم؛ لوجوبه لصلاة الظهر.

أمّا لو كثر و انقطع قبل الظهر، ففي إيجابه الغسل خلاف يأتي تحقيقه إن شاء اللّه.

و لو تجدّدت الكثرة بعد صلاة الظهرين، لم يتوقّف صوم اليوم الحاضر على الغسل و إن استمرّت إلى وقت العشاءين، مع احتماله. و الظاهر توقّف صوم اليوم المستقبل عليه، للعموم.

و كذا إذا تجدّدت الكثرة بعد صلاة العشاء، سواء انقطعت قبل الانتصاف أم استمرّت. و الظاهر الاكتفاء حينئذٍ بغسلٍ واحد قبل الفجر و إن وجب في السابق أكثر.

و لو كان متوسّطاً، فإن استمرّ إلى الفجر، فتوقُف الصوم عليه ظاهر. و إن انقطع قبله، فالأجود وجوب الغسل له، و توقّف الصوم عليه؛ للعموم.

[و منه المستحبّ]

(و يستحبّ) الغسل بأصل الشرع (للجمعة) على المشهور؛ لقوله عليه السلام صلّى اللّه عليه و آله‌

مَنْ توضّأ

59
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و منه المستحب ؛ ج‌1، ص : 59

يوم الجمعة فبها و نِعمَت، و من اغتسل فالغسل أفضل «1»

و قول الكاظم عليه السّلام‌

إنّه سُنّة و ليس بفريضة. «2»

و الأخبار الدالّة على الوجوب محمولة على تأكّد الاستحباب جمعاً بين الأخبار.

و وقته للمختار من طلوع الفجر، و يمتدّ إلى الزوال؛ لقول الصادق عليه السّلام‌

كانت الأنصار تعمل في نواضحها و أموالها، و إذا كان يوم الجمعة جاؤوا المسجد «3» فيتأذّى الناس بأرواح آباطهم و أجسادهم، فأمرهم رسول اللّهُ صلّى اللّه عليه و آله بالغسل يوم الجمعة، فجرت بذلك السّنّة. «4»

و كلّما قرب من الزوال كان أفضل؛ لزيادة المعنى عند الحاجة إليه في الأصل.

و لو فاته قبل الزوال لعذرٍ و غيره على الأصحّ، استحبّ قضاؤه إلى آخر السبت ليلًا و نهاراً، مع احتمال عدمه ليلًا، لظاهر النصّ. «5»

و يستحبّ تعجيله يوم الخميس مع خوف فوت الأداء و إن علم التمكّن من القضاء.

و احتمل المصنّف هنا تحتّم القضاء، كصلاة الليل.

و أفضل وقتي التعجيل و القضاء الأقرب إلى وقت الأداء، و هو آخر الأوّل و أوّل الثاني.

(و) يستحبّ الغسل أيضاً (أوّل ليلة من شهر رمضان) و هو إجماع، و رواه عثمان بن عيسى عن سماعة عن أبي عبد الله عليه السّلام «6» و هُما واقفيّان، لكن أُيّدت الرواية بعمل الأصحاب.

(و ليلة نصفه) و هي ليلة الخامس عشر. و لم نعلم فيها نصّاً على الخصوص.

قال المحقّق في المعتبر: و لعلّه لشرف تلك الليلة، فاقترانها بالطهر حسن. «7»

و يظهر من المصنّف في النهاية «8» أنّ به روايةً.

(و) ليلة (سبع عشرة، و) ليلة (تسع عشرة، و) ليلة (إحدى و عشرين، و) ليلة‌

______________________________
(1) سنن أبي داود 1: 97/ 1354؛ سنن الترمذي 2: 369/ 497؛ سنن النسائي 3: 94؛ سنن ابن ماجة 1: 347/ 1091؛ سنن البيهقي 1: 441- 442/ 1410؛ مسند أحمد 5: 644- 645/ 19661 و 19664.

(2) التهذيب 1: 112/ 295؛ الاستبصار 1: 102/ 333.

(3) كلمة «المسجد» لم ترد في «ق، م» و العلل و التهذيب.

(4) الفقيه 1: 62/ 230؛ علل الشرائع 1: 331/ 3، الباب 203؛ التهذيب 1: 366/ 1112.

(5) انظر: الكافي 3: 43/ 7.

(6) الكافي 3: 40/ 2؛ التهذيب 1/ 104/ 270.

(7) المعتبر 1: 335.

(8) نهاية الإحكام 1: 177.

60
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و منه المستحب ؛ ج‌1، ص : 59

(ثلاث و عشرين) من شهر رمضان، و هو إجماع.

و رواه محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام، قال‌

الغسل في سبعة عشر موطناً: ليلة سبع عشرة، و هي ليلة التقى الجمعان، و تسع عشرة فيها يكتب وفد السنة، و ليلة إحدى و عشرين، و هي الليلة التي أُصيب فيها أوصياء الأنبياء، و فيها رُفع عيسى بن مريم عليه السّلام و قُبض موسى عليه السّلام و ثلاث و عشرين يرجى فيها ليلة القدر. «1»

(و ليلة الفطر) ذكره الشيخان. «2»

و رواه الحسن بن راشد، قال‌

إذا غربت الشمس ليلة العيد فاغتسل «3»

الحديث، و الحسن بن راشد ضعّفه النجاشي. «4»

و لم يذكر هذا الغسل جماعة، لكن أحاديث السنن يتسامح فيها.

(و يومي العيدين) و هو إجماعنا، و مذهب الجمهور.

و حكي عن أهل الظاهر وجوبه فيهما. «5»

و وقته مجموع النهار، عملًا بإطلاق اللفظ، لكنّ الأفضل فعله عند الصلاة؛ للتعليل المذكور في الجمعة. و لو فات، لم يقض؛ لعدم النصّ.

(و ليلة نصف رجب) و هو مشهور، لكن لم يعلم فيه خبر، و ربما كان ذلك لشرف الوقت، كما تقدّم.

(و) ليلة نصف من (شعبان) رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال‌

صوموا شعبان، و اغتسلوا ليلة النصف منه «6»

و في بعض رجالها ضعف.

و ذكر الشيخ في المصباح روايةً عن سالم مولى [أبي «7»] حذيفة عن رسول اللّهُ صلّى اللّه عليه و آله قال‌

مَنْ تطهّر ليلة النصف من شعبان فأحسن الطهر

و ساق الحديث إلى قوله‌

قضى اللّه له ثلاث حوائج، ثمّ إن سأل أن يراني في ليلته رآني. «8»

______________________________
(1) التهذيب 1: 114/ 302.

(2) المقنعة: 51؛ المبسوط 1: 40.

(3) الكافي 4: 167/ 3؛ التهذيب 1: 115/ 303.

(4) رجال النجاشي: 38/ 76.

(5) كما في المعتبر 1: 356.

(6) التهذيب 1: 117/ 308.

(7) ما بين المعقوفين من المصدر.

(8) مصباح المتهجّد: 838- 839.

61
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و منه المستحب ؛ ج‌1، ص : 59

و هذه الرواية أيضاً ضعيفة، و المعوّل على الاستحباب اتّباعاً.

(و يوم المبعث) و هو السابع و العشرون من رجب، ذكره الشيخ في الجُمل و المصباح، «1» و لم يثبت فيه خبر، و الكلام فيه كنصف رجب.

(و) يوم (الغدير) و هو إجماع منّا.

و رواه علي بن الحسين العبدي، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول‌

مَنْ صلّى فيه ركعتين يغتسل عند زوال الشمس من قبل أن تزول بمقدار نصف ساعة

إلى قوله‌

ما سأل اللّه حاجةً من حوائج الدنيا و الآخرة إلا قُضيت له كائناً ما كانت. «2»

(و) يوم (المباهلة) و هو الرابع و العشرون من ذي الحجّة على المشهور.

و قيل: الخامس و العشرون، و اختاره المحقّق. «3»

و روى سماعة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال‌

غسل المباهلة واجب «4»

و المراد تأكيد الاستحباب؛ للإجماع على عدم وجوبه.

(و) يوم (عرفة) عند الزوال.

(و غسل الإحرام) على الأصحّ.

و أوجبه ابن أبي عقيل. «5» و نقله المرتضى عن كثير منّا. «6»

و الأولى حمل لفظ «الفرض» في الحديث «7» به على تأكيد الاستحباب، أو أنّ ثوابه ثواب الفرض، كما ذكره الشيخ رحمه اللّه في التهذيب «8»؛ جمعاً بين الأخبار، مع أنّ في الرواية ضعفاً.

(و) غسل (الطواف، و) غسل (زيارة النبي و الأئمّة عليهم السّلام) للرواية «9» في ذلك كلّه.

(و) غسل (قضاء) صلاة (الكسوف) العارض للشمس و القمر (للتارك عمداً مع

______________________________
(1) الجُمل و العقود (ضمن الرسائل العشر): 167؛ مصباح المتهجّد: 12.

(2) التهذيب 3: 143- 144/ 317.

(3) المعتبر 1: 357.

(4) الفقيه 1: 45/ 176؛ التهذيب 1: 104/ 207.

(5) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 152، المسألة 102.

(6) مسائل الناصريّات: 147، المسألة 44.

(7) التهذيب 1: 271105؛ الاستبصار 1: 98/ 316.

(8) التهذيب 1: 105 ذيل الحديث 271؛ و كذا في الاستبصار 1: 98 ذيل الحديث 316.

(9) التهذيب 1: 114/ 302.

62
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و منه المستحب ؛ ج‌1، ص : 59

استيعاب الاحتراق) للقرص كلّه؛ للخبر. «1»

و اقتصر المفيد و المرتضى على تركها متعمّداً. «2»

و أوجبه سلّار. «3»

و استقرب المصنّف رحمه اللّه استحبابه لجاهل وجوب الصلاة أيضاً. «4»

(و) غسل (المولود) حين ولادته، لأنّه خرج من محلّ الخبث، و للخبر. «5»

و أوجبه ابن حمزة «6» محتجّاً برواية «7» ضعيفة.

(و) غسل (السعي إلى رؤية المصلوب) مع الرؤية (بعد ثلاثة) من صلبه.

و قيل: من موته. «8» و لا شاهد له.

و لا فرق بين مصلوب الشرع و غيره، عملًا بالإطلاق.

و ربما قيل باستحباب الغسل برؤية مصلوب غير الشرع من أوّل يوم؛ لمساواته الأوّل بعدها في تحريم وضعه على الخشبة.

و كذا لا فرق بين المصلوب على الهيئة المعتبرة شرعاً و غيره.

و لو قُتل بغير الصلب، لم يستحبّ الغسل؛ للأصل.

و أوّل وقته الرؤية.

و نُقل عن أبي الصلاح القول بوجوبه. «9»

(و للتوبة) من فسق أو كفر و إن كان ارتداداً.

و وقته بعد التوبة و الإسلام؛ لتضيّقهما.

و تقييدهم بالفسق يقتضي عدم الاستحباب للتوبة من صغيرةٍ لا توجبه.

و يمكن دخوله في العموم و التعليل بالتفاؤل بغسل الذنب و الخروج من دنسه.

______________________________
(1) انظر: التهذيب 1: 117- 118/ 309.

(2) المقنعة: 51؛ و حكاه عنه و عن السيّد المرتضى المحقّق في المعتبر 1: 358.

(3) انظر: المراسم: 52.

(4) نهاية الإحكام 1: 178.

(5) الكافي 3: 40/ 2؛ الفقيه 1: 45/ 176؛ التهذيب 1: 104/ 270.

(6) الوسيلة: 54.

(7) نفس المصادر في الهامش (5).

(8) نقله العاملي في مفتاح الكرامة 1: 18 عن بعض الناس في حاشية البيان.

(9) الكافي في الفقه: 133- 135.

63
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و منه المستحب ؛ ج‌1، ص : 59

(و) غسل (صلاة الحاجة، «1» و) صلاة (الاستخارة) للخبر. و ضعفه معتضد بعمل الأصحاب.

(و) غسل (دخول الحرم و المسجد الحرام و مكة و الكعبة و المدينة و مسجد النبي صلى الله عليه و آله صلّى اللّه عليه و آله) للنصّ «2» في ذلك كلّه.

(و لا تتداخل) هذه الأغسال عند اجتماع أسبابها؛ لأنّ كلّ واحد منها سبب مستقلّ في استحباب الغسل، و الأصل عدم تداخلها. و إن تداخلت في بعض الصور، فعلى خلاف أصلها، لأمرٍ عرضيّ من نصّ أو غيره. و لاعتبار نيّة السبب و خصوصاً مع انضمام واجبٍ إليها، لتضادّ وجهَي الوجوب و الندب، فإنّه إمّا أن ينوي الندب أو الوجوب أو هُما، و يلزم من الأوّل عدمُ ارتفاع الحدث؛ لعدم رفع هذه الأغسال المندوبة الحدثَ بل قد تُجامعه، كما يصحّ غسل الإحرام من الحائض. و من الثاني نيّةُ وجوب ما ليس بواجب. و من الثالث الجمعُ بين الضدّين، فإن اجتمعا، فظاهر بطلانه. و إن حصل أحدهما، فهو ترجيح بلا مرجّح.

و الحقّ: التداخل مطلقاً و خصوصاً مع انضمام الواجب؛ لما رواه زرارة عن أحدهما عليهما السّلام‌

إذا اجتمعت للّه عليك حقوق أجزأك عنها غسل واحد

قال‌

و كذلك المرأة يجزئها غسل واحد لجنابتها و إحرامها و جمعتها و غسلها من حيضها و عيدها. «3»

و الأوّل شامل لاجتماع المسنونة خاصّة و الواجبة خاصّة و اجتماعهما معاً، و الآخر صريح في الاجتزاء بغسلٍ واحد مع انضمام الواجب لكن مع اجتماع الأسباب المندوبة.

و الأولى اشتراط نيّة الجميع؛ لأنّ نيّة السبب في المندوب مطلوبة، إذ لإيراد به رفع الحدث، بخلاف الواجبة.

و لو نوى البعض، فالوجه: اختصاصه بما نواه.

و مع انضمام الواجب يكفي أحد الأمرين: نيّة الواجب أو نيّة الجميع، صرّح به‌

______________________________
(1) الكافي 3: 476/ 1، و 477/ 3؛ الفقيه 1: 353/ 1551؛ التهذيب 1: 116/ 305، 117/ 306.

(2) الكافي 3: 40/ 1 و 2؛ الفقيه 1: 44/ 172، و 45/ 176؛ الخصال 2: 498- 499/ 5، و 603/ 9؛ عيون اخبار الرضا عليه السّلام 2: 123؛ التهذيب 1: 104/ 270، و 105/ 272، و 110- 111/ 290، و 114/ 302.

(3) التهذيب 1: 107/ 279؛ و في الكافي 3: 41 (باب ما يجزئ الغسل منه إذا أجمع) الحديث 1 مضمرا.

64
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و أما التيمم ؛ ج‌1، ص : 65

جماعة. «1» و لا يخلو من إشكال؛ لتضادّ الوجه، و اعتبار نيّة السبب.

و يمكن سقوط اعتبار السبب هنا و دخوله تحت الوجوب، كما في الأذكار المندوبة خلال الصلاة الواجبة، و الصلاة على جنازتي مَنْ زاد عن الستّ و نقص عنها، مع أنّ بعض «2» مشايخنا المعاصرين مع حكمه بالتداخل مطلقاً أسقط اعتبار السبب، عملًا بظاهر الرواية. قال: و لأنّه حكم شرعيّ، فلا يتوقّف على اختيار المكلّف، فيكون معناه سقوط الاستحباب و زيادة ثواب هذا الغسل على غيره. و هو قريب.

[و أما التيمّم]

(و التيمّم يجب) بأصل الشرع (للصلاة و الطواف الواجبين) بل الصواب أنّه يجب لما تجب له الطهارتان (و) يزيد عليهما (لخروج الجنب من المسجدين) ليدخل فيه التيمّم لمسّ كتابة القرآن إن وجب، و للصوم إن قلنا بوجوب التيمّم مع تعذّر الغسل لئلا يدخل في قوله‌

و المندوب ما عداه.

و شمل قوله: «لخروج الجنب» مَنْ أجنب في المسجد باحتلام كما ورد به النصّ «3» و بغيره، و مَنْ دخل مجنباً؛ لاشتراك الجميع في العلّة، و هو قطع شي‌ء من المسجدين جنباً، فإنّه محرّم بدون الطهارة مع الإمكان.

و إطلاق الحكم بالتيمّم مبنيّ على الغالب من عدم وجود ماءٍ في المسجدين يصلح للغسل من غير تلويث المسجد بالنجاسة خصوصاً في مورد النصّ، و هو الاحتلام فيهما، فإنّه يستلزم النجاسة، أو على الغالب من نقصان زمانه عن «4» زمان الغسل.

و لو فرض تساوي زمانيهما أو نقصان زمان الغسل و أمكن الغسل في المسجد، وجب الغسل. و إطلاق الخبر بالتيمّم مقيّد بعدم ذلك، جمعاً بينه و بين ما دلّ على اشتراط عدم الماء في جواز التيمّم، مع احتمال التيمّم مطلقاً؛ لظاهر النصّ في تخصيص التيمّم بالذكر مع حرمة الكون في المسجد.

و يؤيّده ما رُوي‌

أنّ الحائض إذا أصابها الحيض تفعل ذلك. «5»

و هو دليل على عدم‌

______________________________
(1) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 40؛ و الخلاف 1: 221، المسألة 189.

(2) هو السيّد حسن بن السيد جعفر الأعرجي رحمه الله، كما في هامش «م». و انظر: الدرّ المنثور 2: 159.

(3) الكافي 3: 73/ 14؛ التهذيب 1: 407/ 1280.

(4) في «ق، م» و الطبعة الحجرية: «على» بدل «عن» و الصحيح ما أثبتناه.

(5) الكافي 3: 73/ 14.

65
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و أما التيمم ؛ ج‌1، ص : 65

اعتبار الطهر في هذا التيمّم.

و في المعتبر نفى الوجوب عن الحائض و إن استحبّ؛ لأنّه لا سبيل لها إلى الطهارة، بخلاف الجنب. «1» و ردّه الشهيد «2» رحمه اللّه بأنّه اجتهاد في مقابلة النصّ، ثمّ عارضه باعترافه بالاستحباب.

و يشكل بأنّ المحقّق «3» طعن فيه في الرواية بالقطع، «4» فلا حجّة فيها، فيرجع إلى الاجتهاد. و يصحّ استناد الاستحباب إلى الرواية؛ للتسامح في دلائل السنن.

و يمكن كون التيمّم مبيحاً لهذا الجواز و إن كان الحدث باقياً.

و الظاهر إلحاق النفساء بالحائض هنا؛ لأنّها حائض في المعنى، دون المستحاضة المخاطَبة بالغسل؛ لعدم النصّ.

و إنّما قيّدنا جواز الغسل في المسجد مع إمكانه بمساواة زمانه لزمان التيمّم أو قصوره عنه مع أنّ الدليل يقتضي تقديمه مطلقاً مع إمكانه؛ لعدم العلم بالقائل بتقديمه مطلقاً، و إلا كان القول به متوجّهاً.

بقي هنا بحث، و هو: أنّ هذا التيمّم للخروج من المسجدين هل يُبيح الصلاة و نحوها؟ قيل «5» لا؛ لوجوب الخروج عقيبه بغير فصلٍ متحرّياً أقرب الطرق، فعلى هذا لا ينوي فيه البدليّة.

و التحقيق أن يقال: إن كان الغسل ممكناً في المسجد و لم نقل بتقديمه على التيمّم، فلا إشكال في عدم إباحة هذا التيمّم؛ للإجماع على عدم إباحة الصلاة بالتيمّم مع إمكان الغسل.

و إن لم يكن في المسجد، فلا يخلو إمّا أن يكون الغسل ممكناً خارجه، «6» كما لو كان الماء موجوداً و لا مانع لهذا المتيمّم من الغسل من مرضٍ و لا غيره، و هنا يتوجّه أيضاً عدم‌

______________________________
(1) المعتبر 1: 222- 223.

(2) الذكرى 1: 207.

(3) المعتبر 1: 222.

(4) أي: انّها مقطوعة.

(5) القائل هو المحقّق الكركي في حاشية الشرائع، الورقة 4.

(6) في الطبعة الحجريّة: «خارجا».

66
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و أما التيمم ؛ ج‌1، ص : 65

إباحته للصلاة «1»؛ لأنّ وقوعها في المسجد ممتنع، لوجوب المبادرة إلى الخروج، و بعد الخروج يتمكّن من الغسل، فيفسد التيمّم، و إنّما شُرّع التيمّم هنا مع إمكان الغسل خارجاً، لتحريم المرور في المسجدين من دون الغسل أو التيمّم، فإذا تعذّر الغسل داخله، قام التيمّم مقامه في إباحة قطع مسافته.

و إن كان الغسل غير مقدور خارج المسجد، فالوجه: كون هذا التيمّم مبيحاً؛ لعدم المانع، فإنّ التيمّم مع تعذّر الطهارة المائيّة يبيح ما تبيحه، إلا على قول ولد المصنّف رحمه الله من عدم إباحة دخول المساجد مطلقاً بالتيمّم. «2»

و سيأتي بطلانه.

و يمنع حينئذٍ وجوب المبادرة إلى الخروج و تحرّي أقرب الطرق؛ لأنّ ذلك مشروط بإمكان الغسل خارج المسجد، جمعاً بين قولهم هنا كذلك و قولهم في باب التيمّم: إنّه يبيح ما تبيحه المائيّة، و من جملة ما تبيحه المائيّة اللبث في المسجدين و غيرهما، فيصحّ اللبث و الصلاة.

و لا يلحق باقي المساجد بالمسجدين في شرعيّة التيمّم؛ لعدم النصّ.

و قرّب في الذكرى استحبابه لها، للقرب إلى الطهارة، و عدم زيادة الكون فيها على الكون له في المسجدين. «3»

و الفرق واضح بعد ورود النصّ، و لأنّ قطع المسجدين مشروط بالغسل مع إمكانه، بخلاف غيرهما من المساجد. و استحباب قطعها بالغسل مع عدم اللبث لا يقتضي جوازه هنا، مع استلزامه اللبث المحرّم، لأنّ ذلك يحصل مع الغسل خارجها، فلا يعارض ما دلّ على تحريم اللبث فيها للجنب. و لو سلّم فتركه أولى؛ لأنّ ترك ما هو عرضة للتحريم أولى من الطمع في تحصيل المندوب.

(و) التيمّم (المندوب) بأصل الشرع (ما عداه) فيستحبّ بدلًا من الوضوء المستحبّ في كلّ موضع يكون الوضوء رافعاً، لتحقّق البدليّة.

______________________________
(1) في «ق، م»: «الصلاة».

(2) قال فخر المحقّقين في إيضاح الفوائد 1: 66: لا يبيح- أي التيمّم- للجنب الدخول في المسجدين و لا الاستقرار في باقي المساجد، إلى آخره.

(3) الذكرى 1: 207.

67
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و أما التيمم ؛ ج‌1، ص : 65

و هل يستحبّ بدلًا من غير الرافع، كنوم الجنب و ذِكْرِ الحائض؟ يحتمله؛ لحلوله محلّ الرافع، فغيره أولى. و العدم؛ لعدم النصّ.

و يستحبّ أيضاً بدلًا من غسل الإحرام مع تعذّره.

و هل يستحبّ بدلًا من غيره؟ وجهان أرجحهما: العدم؛ لعدم النصّ.

و على القول برفع الغسل المندوب الحدث كما هب إليه المرتضى «1»- لا إشكال في الاستحباب، و يكون مبيحاً للصلاة.

و يستحبّ أيضاً للنوم مع وجود الماء. و لصلاة الجنازة على المشهور. و ادّعى عليه الشيخ «2» الإجماعَ. و حجّيّة المنقول منه بخبر الواحد كما قرّر في الأُصول يدفع منع المحقّق له في المعتبر «3» بعدم معرفته.

و الظاهر في نيّتهما البدليّة، كغيرهما؛ لعدم المانع.

و رجّح بعضُ «4» المحقّقين عدمَها فيهما.

فهذه ستّة أقسام من الاثني عشر واجبة و مندوبة بأصل الشرع.

ثمّ أشار إلى الثلاثة الواجبة بسببٍ من المكلّف بقوله (و قد تجب الثلاثة بالنذر و شبهه) كالعهد و اليمين.

و يشترط في انعقاد نذر كلّ منها أن يكون راجحاً لولا النذر، سواء كان واجباً أم مندوباً على الأصحّ في الأوّل، فالوضوء ينعقد نذره دائماً؛ لرجحان فعله دائماً.

و هل ينصرف النذر إلى الرافع للحدث أو المبيح للصلاة أم الأعمّ؟ وجهان، و الثاني لا يخلو من قوّة.

ثمّ إن أطلق، كان وقته العمر، و يتضيّق عند ظنّ الوفاة، كنظائره من أفراد النذر المطلق. و إن قيّده بوقتٍ و اتّفق فيه محدثاً، فالأمر واضح، و إلا بني على الوجهين. فإن لم نعتبر أحد الأمرين، وجب التجديد. و إن اعتبرناه، لم يجب الوضوء؛ لامتناع تحصيل‌

______________________________
(1) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 196؛ و العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 178، المسألة 124؛ و الشهيد في الدروس 1: 87؛ و الذكرى 1: 202.

(2) الخلاف 1: 160- 161، المسألة 112.

(3) المعتبر 1: 405.

(4) لم نتحقّقه.

68
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و أما التيمم ؛ ج‌1، ص : 65

الحاصل، و لا الحدث؛ لعدم وجوب تحصيل شرط الواجب المشروط.

و يجي‌ء على القول برفع المجدّد احتمال وجوبه؛ لإمكان أن يظهر بعد ذلك الخلل في الأوّل، بل يحتمل وجوبه و إن لم يظهر.

و يضعّفان معاً بأنّه الآن غير رافع؛ لاستحالة تحصيل الحاصل، فلا يخاطب به.

و لو اتّفقت المرأة حائضاً في الوقت المعيّن و حضر وقت صلاة، بُني على الوجهين أيضاً.

و أمّا الغسل فإن قيّده في نذره بأحد أسبابه الراجحة، انعقد. و إن أطلق، أوقعه على أحد تلك الأسباب. و في إجزاء الواجب حينئذٍ منه و من الوضوء وجه.

ثمّ إن عيّن زماناً و لم يوجد السبب فيه، بطل النذر.

و أمّا التيمّم فلمّا كانت مشروعيّته مشروطةً بعدم الماء أو عدم التمكّن من استعماله اشترط ذلك في انعقاد نذره، فيتوقّع مع الإطلاق، و يبطل مع التعيين حيث لا يتعذّر استعمال المائيّة و لا يجب عليه تحصيل سببه بالحدث، كما مرّ.

و يشترط في صحّة نذره إطلاقه أو تعليقه بأحد أسبابه الراجحة، ففي الواجبِ الحكمُ ظاهر، و في بدل المندوب من الوضوء يشترط كونه رافعاً، كما تقدّم، و من الغسل يختصّ بغسل الإحرام.

هذا كلّه إذا نذر كلّ واحد من الثلاثة على حدته أو نذرها بلفظ يشملها، كأن نذر الطهارة ملاحظاً إطلاقها على الأنواع الثلاثة، أمّا لو نذر الطهارة مطلقاً، ففي تخييره بين الثلاثة أو حمله على المائيّة خاصّة أو على الترابيّة أوجُه مبنيّة على ما سلف من الكلام على أنّ مقوليّة الطهارة على الثلاثة هل هو بطريق الاشتراك أو التواطؤ أو التشكيك أو الحقيقة و المجاز؟

فعلى الأوّلين يبرّ بكلّ واحد من الثلاثة، لكن يشترط في التيمّم تعذّر الآخَرَين. و على الثالث يحتمل قويّاً ذلك أيضاً. و يحتمل انصرافه إلى الفرد الأقوى، و هو المائيّة مخيّراً بين فرديها؛ لأنّه المتيقّن، و إلى الأضعف و هو التيمّم لأصالة البراءة. و هو أضعفها. و على الرابع ينصرف إلى المائيّة خاصّة قطعاً، و قد سبق تحقيقه.

69
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

النظر الثاني: في أسباب الوضوء و كيفيته ؛ ج‌1، ص : 71

[النظر الثاني: في أسباب الوضوء و كيفيته]

(النظر الثاني: في أسباب الوضوء) بضمّ الواو اسم للفعل مأخوذ من الوضاءة بالمدّ. و هي: النظافة و النظارة، و هو اسم مصدر؛ لأنّ قياس المصدر: التوضّؤ، كالتعلّم و التكلّم، و تقول: «توضّأت» بالهمزة. و يجوز على قلّة «توضّيت» بالياء. و كذا «قرأت» و نحوهما. و الوضوء بفتح الواو اسم للماء الذي يتوضّأ به.

و قيل: هُما جميعاً بالفتح. «1» و قيل بالضمّ. «2»

و إطلاق الأسباب على الأحداث المعهودة باعتبار استلزامها الطهارة إمّا وجوباً أو ندباً، فإنّ السبب عند الأُصوليّين هو كلّ وصفٍ ظاهرٍ منضبطٍ دلّ الدليل على كونه معرّفاً لإثبات حكمٍ شرعيّ لذاته، و هو هنا عبارة عن الوصف الدالّ على المخاطبة بالطهارة وجوباً أو ندباً.

و لا يرد حدث الصبي و المجنون و الحائض، فإنّ حدثهم بحسب ذاته دالّ عليها مستلزم لها، و إنّما تخلّف الحكم لعارضٍ، و هو فَقدُ الشرط في الأوّلين و وجود المانع في الأخير، و تخلّف الحكم لفقد الشرط أو وجود المانع لا يقدح في السببيّة، كما قرّر في محلّه. و عدم تكليفهما لا يدلّ على عدم ترتّب حكم السببيّة و لو بالقوّة، و لهذا تجب عليهما الطهارة عند الكمال بالسبب الحاصل قبله، كما صرّح به الشهيد «3» رحمه اللّه و غيره.

و يعلم من ذلك أنّ التعبير عن الأحداث بالأسباب أولى من التعبير بالنواقض و الموجبات،

______________________________
(1) انظر: الصحاح 1: 81، «و ض أ».

(2) انظر: الصحاح 1: 81، «و ض أ».

(3) انظر: الحاشية النجّاريّة، الورقة 3.

71
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

القول في مبطلات الوضوء ؛ ج‌1، ص : 72

كما فَعَله غيره؛ لأنّ تسميتها نواقض باعتبار تعقّبها لطهارةٍ سابقة، و ظاهر أنّ الحدث أعمّ من ذلك. و تسميتها موجباتٍ باعتبار وجودها عند تكليف المكلّف بما يشترط فيه الطهارة، أو عند وجود السبب فيما وجب منها لنفسه، كغسل الجنابة عند المصنّف، «1» و غسل الأموات، و ظاهر أيضاً أنّ الأحداث أعمّ من ذلك، فالأسباب أعمّ منهما مطلقاً.

أمّا من النواقض: فلاجتماعهما في حدثٍ تعقّب طهارةً و تخلّف الأسباب فيما عدا ذلك، و لا يتصوّر ناقض غير سبب بعد ما تلوناه.

و أمّا من الموجبات: فلأنّه يصدق على الأحداث السببيّة عند وجودها حال براءة ذمّة المكلّف من مشروطٍ بالطهارة، و لا تصدق الموجبيّة حينئذٍ.

و أمّا النواقض: فبينها و بين الموجبات عموم من وجه؛ لصدق الناقض بدون الموجب في حدثٍ تعقّب طهارةً صحيحة مع خلوّ ذمّة المكلّف من مشروطٍ بها، و يصدق الموجب بدون الناقض في الحدث الحاصل عقيب التكليف بصلاةٍ واجبة من غير سبق طهارة.

و لا يرد أنّ الوجوب حاصل من قبلُ حيث لم يكن متطهّراً، فيلزم تحصيل الحاصل أو اجتماع علّتين أو عِلَل على معلولٍ شخصيّ.

لأنّا نقول: إنّ كلّ واحد من الحدث السابق و المفروض لو انفرد كان موجباً، و ليس للاجتماع مدخل في نفي هذا الحكم، و الأحداث كلّها معرّفات شرعيّة للأحكام لا علل عقليّة.

و يصدقان معاً في الحدث المتعقّب لطهارةٍ شرعيّة مع اشتغال ذمّة المكلّف بمشروطٍ بها.

(و) نبحث في هذا النظر أيضاً عن (كيفيّته) أي الوضوء. و إطلاق الكيفيّة على الذات من حيث إنّه يُسأل عنها بكيف هي؟.

[القول في مبطلات الوضوء]

(إنّما يجب الوضوء) خاصّةً (من) خروج (البول و الغائط و الريح من) الموضع (المعتاد) لخروج هذه الثلاثة منه، و هو المخرج الطبيعيّ. و إطلاق المعتاد عليه باعتبار التعريف، لا لملاحظة اشتراط اعتياد الخروج منه، فيجب الوضوء بالخارج منه بأوّل مرّة بمعنى كون الخروج سبباً فيه و إن تخلّف تأثيره لفقد شرطٍ، كالصغر.

و لو خرجت الثلاثة من غير الموضع الطبيعيّ، أوجبت إن اعتيد، و إلا فلا و يمكن‌

______________________________
(1) مختلف الشيعة 1: 159، المسألة 107.

72
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

القول في مبطلات الوضوء ؛ ج‌1، ص : 72

دخوله في العبارة أيضاً سواء كان فوق المعدة أم تحتها.

هذا مع عدم انسداد الطبيعيّ، و معه لا يعتبر في غيره الاعتياد، و يصير معتاداً بالخروج منه مرّتين متواليتين عادةً.

و يعلم من الحصر المستفاد ب‍ «إنّما» عدم الوجوب بالخارج غير الثلاثة من حبّ و دود و غيرهما مع عدم مصاحبته لشي‌ء من الثلاثة، و معها ينقض لا باعتباره، بل باعتبار ما خرج معه منها.

و يستفاد أيضاً عدم الوجوب من الريح الخارج من القُبُل، سواء الرجل و المرأة على الأصحّ.

و المتعارف من الخروج ما كان معه انفصال، فلو خرجت المقعدةُ ملطّخةً بالغائط ثمّ عادت و لمّا ينفصل، لم يجب الوضوء على الأصحّ.

(و) من (النوم الغالب) غلبة مستهلكة معطّلة للحاسّتين لا مطلق الغلبة (على الحاسّتين) و هُما: السمع و البصر.

و إنّما خصّهما بالذكر من بين الحواسّ مع اشتراط زوال الجميع قطعاً؛ لأنّهما أقوى الحواسّ، فغلبته عليهما تقتضي غلبته على باقي الحواسّ من غير عكسٍ.

و المعتبر في غلبته عليهما التحقيق على تقدير سلامتهما من الآفة، أو التقدير مع عدمها.

(و) يجب الوضوء ممّا يغلب على العقل من (الجنون و الإغماء و السكر).

و استدلّ على ذلك بقول الباقر و الصادق عليه السّلام» حين عدّدا موجبات الوضوء‌

و النوم حتى يذهب العقل «1»

فيعلم منه حكم مزيل العقل.

و بقول الصادق «2» عليه السّلام‌

إذا خفي عليه الصوت وجب الوضوء. «3»

و في الاستدلال بهما بحث.

(و) من (الاستحاضة القليلة) خلافاً لابن أبي عقيل، فإنّه لم يوجبه بها. «4»

______________________________
(1) الكافي 3: 36/ 6؛ الفقيه 1: 37/ 137؛ التهذيب 1: 8/ 12.

(2) كذا في «ق، م» و الطبعة الحجريّة و الذكرى 1: 210؛ و في الكافي و التهذيب عن أبي الحسن عليه السّلام.

(3) الكافي 3: 37/ 14؛ التهذيب 1: 9/ 14.

(4) حكاه عنه المحقّق في المعتبر 1: 242.

73
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

القول في أحكام التخلي ؛ ج‌1، ص : 74

 

و إنّما خصّ القليلة بالذكر؛ لأنّ المتوسّطة و الكثيرة توجبان الغسل في الجملة و إن أوجبتا الوضوء خاصّةً على بعض الوجوه.

و لا «1» يرد ما قيل: إنّه إن أراد ما يوجب الوضوء خاصّةً، فكان عليه أن يذكر مع الاستحاضة القليلة قسمَي المتوسّطة، أعني ما عدا الصبح. و إن أراد موجب الوضوء في الجملة، فكان عليه أن يذكر الموجبات الأحد عشر. «2»

لأنّا قد بيّنّا أنّ المتوسّطة من حيث هي موجبة للغسل و إن كانت بالنظر إلى بعض أحوالها موجبةً للوضوء خاصّةً.

و أيضاً فما ذُكر لو تمّ، لورد في الكثيرة أيضاً؛ لإيجابها الوضوء خاصّةً على بعض الوجوه، و هو لصلاة العصر و صلاة العشاء، فلا وجه للنقض بالمتوسّطة خاصّة، و الجواب عنهما واحد.

ثمّ أكّد الحصر ب‍ «إنّما» في إيجاب الوضوء خاصّةً بهذه الأشياء بقوله (لا غير) أي: لا غير هذه الأشياء الثمانية موجب للوضوء خاصّةً.

و يحتمل ضعيفاً أن يتعلّق بالاستحاضة القليلة، أي: لا غيرها من حالتيها المتوسّطة و الكثيرة.

و هذا المعنى يحصل على التقدير الأوّل مع إفادة ما هو أعمّ منه، فكان الأوّل أولى.

[القول في أحكام التخلي]

و لمّا كان من ضرورات بعض هذه الأسباب موضع خاصّ و تلحقه أحكام خاصّة انجرّ البحث منه إليه هنا، فقال‌

[يجب على المتخلّي أمور]

(و يجب على المتخلّي) للبول أو الغائط (ستر العورة) عن ناظرٍ بشريّ محترم؛ لقول النبي صلى الله عليه و آله صلّى اللّه عليه و آله‌

احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك. «3»

و خرج بالمحترم الطفلُ غير المميّز و مَنْ ذُكر في الرواية و ما ساواه، كالزوج.

و المراد بملك اليمين الأُنثى غير المزوّجة، و المعتدّة، و أمة المرأة بالنظر إليها.

(و عدم استقبال القبلة) على حدّ ما يعتبر في الصلاة؛ لاتّحاد المعنى و الدليل.

و معنى وجوب عدم الاستقبال إيجاد ضدّه، فإنّ الأعدام غير مقدورة و التكليف‌

______________________________
(1) في «ق، م»: «فلا» بدل «و لا».

(2) الحاشية النجارية، و الورقة 3 و 4.

(3) سنن ابن ماجة 1: 418/ 1920؛ سنن أبي داود 4: 40- 41/ 4017؛ سنن الترمذي 5: 110/ 2794؛ سنن البيهقي 1:

306- 307/ 960؛ المستدرك- للحاكم- 4: 180؛ مسند أحمد 5: 624/ 19530، و 625/ 19536.

 

74
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

يجب على المتخلي أمور ؛ ج‌1، ص : 74

مقدور، كما حقّق في الأُصولَين.

(و) عدم (استدبارها) بالمعنى المذكور في الاستقبال؛ لقوله عليه السلام صلّى اللّه عليه و آله‌

إذا دخلت المخرج فلا تستقبل القبلة و لا تستدبرها و لكن شرّقوا أو غرّبوا «1»

و النهي للتحريم، و الأمر للوجوب.

و هذا الحكم و الخبر مطلقان يتناولان الفعل (في الصحاري) بفتح الراء على الأفصح، جمع صحراء، كعذراء و عذارى. و ربما كُسرت في لغة قليلة. و هي البرّيّة، و المراد بها هنا ما خرج عن البنيان (و) في (البنيان) فيحرم فيهما؛ لعدم دليلٍ يقيّد المطلق.

و خالف ابنُ الجنيد فيهما معاً، و إنّما استحبّ ترك الاستقبال في الصحراء خاصّة، «2» و سِرُ في البنيان، و إنّما جعل تجنّبه أفضل. «3»

و اختلف النقل عن المفيد في ذلك، فنقل عنه المصنّف في المختلف كراهة الاستقبال و الاستدبار معاً في الصحاري و المواضع التي يتمكّن فيها من الانحراف عن القبلة، و عدمها في دارٍ قد بُني فيها المقعد على استقبال القبلة أو استدبارها. «4»

قال المصنّف بعد حكاية ذلك عنه: و هذا الكلام يُعطي الكراهة في الصحاري، و الإباحة في البنيان. «5»

قلت: و في إعطائه ذلك نظر واضح.

و نقل الشهيد رحمه اللّه في الذكرى عن المفيد الكراهة في الصحاري، دون البنيان، «6» و أطلق.

و يفهم من الدروس «7» أنّ المفيد إنّما خالف في التحريم في الأبنية خاصّةً. و الظاهر أنّه سهو إلا بتقدير حمله على أنّه عمل بالمفهوم، فمخالفته في الأبنية لا تدلّ على عدم مخالفته في الصحاري؛ فإنّ العمل بالمفهوم ضعيف، لكن لا يخفى أنّه خلاف الظاهر.

______________________________
(1) التهذيب 1: 25/ 64؛ الاستبصار 1: 47/ 130.

(2) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 122؛ و العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 99، المسألة 56.

(3) المراسم: 32.

(4) مختلف الشيعة 1: 99، المسألة 56؛ و انظر: المقنعة: 41.

(5) مختلف الشيعة 1: 99، المسألة 56.

(6) الذكرى 1: 163.

(7) الدروس 1: 88.

75
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

يجب على المتخلي أمور ؛ ج‌1، ص : 74

و نقل المحقّق في المعتبر عن سلار و المفيد الكراهةَ في البنيان، «1» و أطلق. و هو يقتضي الكراهة في الصحاري بطريق أولى «2» بل التحريم؛ للاتّفاق على أنّ حكم الصحاري أغلظ من البنيان، فحينئذٍ يوافق ما نقله عنه في الدروس.

و يؤيّد التحريم أنّ سلار مصرّح بعدم الترخّص في الصحاري؛ فإنّه قال بعد النهي عن الاستقبال و الاستدبار: هذا إذا كان في الصحاري و الفلوات، و قد رخص ذلك في الدُّور، و تجنّبه أفضل. «3»

تنبيه: قال المصنّف رحمه اللّه في المختلف بعد أن حكى كلام ابن الجنيد بمعنى ما حكيناه عنه: و هو موافق لكلام المفيد. «4» و أنت خبير باختلافهما من وجهين:

أحدهما: أنّ المفيد شرّك في الكراهة بين الصحاري و بين المواضع التي يتمكّن فيها من الانحراف عن القبلة، و المراد بها البنيان؛ لأنّها قسيمة للصحارى، فلا تكون قسماً منها. و ابن الجنيد خصّ الاستحباب بالصحراء.

و الثاني: أنّ المفيد رحمه اللّه عمّم الحكم بالكراهة فيما ذكر في الاستقبال و الاستدبار، و ابن الجنيد رحمه اللّه إنّما ذكر الاستقبال خاصّةً، كما حكاه المصنّف عنه. و هو لفظه في كتاب الأحمدي «5» مختصر التهذيب.

و إنّما أطنبنا القول في تحرير هذا الخلاف؛ لكثرة ما قد رأيت فيه من الاختلاف، و ما ذكره المصنّف في المختلف كلّه منقول بعباراتهم. و لا يرد احتمال اختلاف مواضع النقل مع بُعد إطلاق النقل عن أحد بقولٍ له في المسألة خلافه من غير بيان.

(و) يجب (غَسل موضع البول بالماء خاصّة) عند علمائنا أجمع؛ للأصل من بقاء حكم النجاسة الشرعيّة إلى أن يرد المزيل شرعاً.

و لقول الباقر عليه السّلام‌

و أمّا البول فلا بدّ من غسله. «6»

و إطلاق الوجوب هنا باعتبار توقّف الصلاة و نحوها على إزالة النجاسة، فيكون واجباً‌

______________________________
(1) المعتبر 1: 123.

(2) في «ق، م»: «الأولى».

(3) المراسم: 32.

(4) مختلف الشيعة 1: 99، المسألة 56.

(5) هذا الكتاب مفقود.

(6) التهذيب 1: 49- 50/ 144؛ الاستبصار 1: 55/ 160.

76
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

يجب على المتخلي أمور ؛ ج‌1، ص : 74

موسّعاً يتضيّق بتضيّق عبادة متوقّفة على ذلك. و إطلاق الوجوب قبل الوقت مجاز.

(و كذا) يجب الماء في غسل (مخرج الغائط) و هو لغةً: ما انخفض من الأرض. و سُمّي الحدث المعلوم غائطاً باسم ما كان يفعل فيه؛ لأنّ الرجل كان إذا أراد الحاجة قصد الغائط، و لذلك قال تعالى أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ+ «1» (مع التعدّي) للمخرج، و هو حواشي الدُّبُر و إن لم يبلغ التعدّي إلى الأليين.

و هذا الحكم إجماعيّ من الكلّ.

و لقوله عليه السلام‌

يكفي أحدكم ثلاثة أحجار إذا لم يتجاوز محلّ العادة. «2»

و غاية الغسل فيهما (حتى تزول العين و الأثر) و هو الرسم الدالّ عليها.

قيل: و هو اللون؛ لأنّه عَرَض لا يقوم بنفسه، فلا بدّ له من محلّ جوهريّ يقوم به؛ إذ الانتقال على الأعراض محال، فوجود اللون دليل على وجود العين، فتجب إزالته، و لا يلزم مثل ذلك في الرائحة؛ لأنّها قد تحصل بتكيّف الهواء، فوجودها لا يستلزم وجود العين. «3»

و فيه نظر؛ لأنّ اللون معفوّ عنه في سائر النجاسات ففي الاستنجاء أولى. و لأنّه لا يلزم من عرضيّته و استحالة الانتقال عليها نجاسته؛ إذ لا تلازم «4» بين عدم قيامه بنفسه و قيامه بالنجاسة؛ لأنّ هنا قسماً ثالثاً، و هو: قيامه بمحلّ طاهر، و هو الجسم. و لانتقاضه بالرائحة؛ فإنّها من جملة الأعراض و لا تقوم بنفسها، و الهواء إنّما يتكيّف بوصف النجاسة، و الكلام فيهما واحد.

(و يتخيّر مع عدمه) أي التعدّي (بين ثلاثة أحجار طاهرة و شبهها) من كلّ جسمٍ طاهرٍ جافّ صلب غير صقيل و لا لزج و لا محترم. فخرج النجس ذاتاً و عرضاً؛ لأنّ النجاسة لا تُزال بالنجس، و حينئذٍ يتحتّم الماء؛ لأنّ الحجر رخصة و تخفيف فيما تعمّ به البلوى، فيقف على موردها، و هي نجاسة الغائط المختصّ بالمحلّ، فلا يلحق به غيره.

و احتمل المصنّف بقاءَ الرخصة؛ لأنّ النجس لا يتأثّر بالنجاسة، و التفصيل، فإن كانت‌

______________________________
(1) النساء (4): 3؛ المائدة (5): 6.

(2) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.

(3) القائل هو السيوري في التنقيح الرائع 1: 72.

(4) في «ق، م»

لا ملازمة.

77
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

يجب على المتخلي أمور ؛ ج‌1، ص : 74

نجاسته بغير الغائط، تعيّن الماء، و إلا اكتفى بثلاثة غيره. «1»

و يدخل في إطلاق العبارة الحجرُ الثاني و الثالث على تقدير النقاء بدونهما، فيجوز استعمالهما مرّة أُخرى؛ لحصول الشرط. و قطع به المصنّف في غير «2» هذا الكتاب.

و خرج بالجافّ الرطبُ؛ لأنّ البلل الذي عليه ينجس بإصابة النجاسة له و نفوذ شي‌ء منه إلى محلّ النجو، فيحصل عليه نجاسة أجنبيّة، فيكون قد استعمل الحجر النجس، كذا قرّره المصنف في النهاية «3» و اختاره.

و ردّه الشهيد رحمه اللّه- بأنّ النجاسة العارضة للبلل من نجاسة المحلّ، فلا يؤثّر. و بأنّه كالماء لا ينجس حتى ينفصل. «4» و سيأتي جوابه.

و بالصلبِ الرخوُ، كالتراب و الفحم الرخو؛ لالتصاقه بالنجاسة، فلا يسقط الفرض به لكن يجزئ بعده الحجر ما لم ينقل النجاسة و ينشرها.

و لو اتّفق نقاء العين به هل يجزئ أم لا؟ قطع المصنّف في النهاية «5» بعدمه. و يحتمله؛ لحصول الفرض و إن ندر.

و كذا القول في الصقيل الذي يزلق عن النجاسة و اللزج.

و المحترم أقسام ما كُتب عليه شي‌ء من كلام اللّه تعالى، أو العلم، كالحديث و الفقه، و التربة المقدّسة الحسينيّة، و في هذه يحكم بكفر الفاعل بها مع علمه، فلا تتصوّر حينئذٍ الطهارة بها، و أمّا مع جهله فالظاهر أنّها مطهّرة، و قد صرّح به جماعة «6»؛ لعدم المنافاة بين التطهير و بينه، و دليل المانع لا يتناول الجاهل بأصل هذه الأشياء.

و من المحترم: المطعوم؛ لأنّ له حرمةً تمنع من الاستهانة به. و لأنّ طعام الجنّ منهيّ عنه، فطعام أهل الصلاح أولى، و منه العظم و الروث بإجماع علمائنا و أكثر مَنْ خالفنا؛ لقوله عليه السلام‌

لا تستنجوا بالعظم و لا بالروث فإنّه زاد إخوانكم من الجنّ. «7»

______________________________
(1) نهاية الإحكام 1: 88.

(2) نهاية الإحكام 1: 89.

(3) نهاية الإحكام 1: 88.

(4) الذكرى 1: 174.

(5) نهاية الإحكام 1: 88.

(6) حكاه العاملي في مفتاح الكرامة 1: 48 عن شرح الألفية؛ و انظر: رسائل المحقّق الكركي 3: 217.

(7) سنن الترمذي 1: 29/ 18؛ المعجم الكبير- للطبراني- 10: 77/ 10010؛ مسند أحمد 2: 7/ 4138.

78
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

يجب على المتخلي أمور ؛ ج‌1، ص : 74

و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام‌

أنّهما طعام الجنّ، و ذلك ممّا اشترطوا على رسول اللّهُ صلّى اللّه عليه و آله. «1»

و لو استعمل هذه الأشياء، فَعَل حراماً، و طهر المحلّ على الأصحّ؛ لما تقدّم. و مَنَعه المحقّق في المعتبر، «2» و الشيخ في المبسوط «3» و ابن إدريس. «4»

و إنّما يكتفى بالثلاثة الأحجار و شبهها مع اتّصافها بكونها (مزيلةً للعين).

و لا يشترط هنا زوال الأثر، كالرائحة، بخلاف الرطوبة، قاله في الذكرى. «5» و هو يشعر بأنّ الرائحة من الأثر.

و يشكل بأنّ الرائحة لا يعتبر إزالتها بالماء مع اشتراط إزالة الأثر به، إلا أن يريد بذلك أنّه لا تجب إزالة الأثر بالأحجار، كما أنّه لا تجب إزالة الرائحة بها. و هو بعيد؛ لما عرفت من عدم اشتراط زوالها بما هو أقوى من الأحجار.

و قوله (و بين الماء) تتمّة الفردين المخيّر بينهما مع عدم التعدّي، لكن هذا الفرد أفضل من الآخر؛ لأنّه أقوى المطهّرين؛ لإزالته العينَ و الأثرَ.

و لمّا نزل قوله تعالى فِيهِ رِجٰالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا «6» الآية، قال رسول اللّهُ‌

يا معشر الأنصار قد أحسن اللّه عليكم الثناء، فماذا تصنعون

قالوا: نستنجي بالماء، «7» و روى أنّهم قالوا: نتبع الغائط بالأحجار ثمّ نتبع الأحجار بالماء. «8» فيكون حينئذٍ دليلًا على استحباب الجمع، كما يأتي.

(و لو لم ينق) المحلّ من عين النجاسة (بالثلاثة، وجب الزائد) عليها، و لا حدّ له، بل ما يحصل به النقاء، لكن يستحبّ أن لا يقطع إلا على وترٍ؛ للخبر. «9»

و لا فرق في وجوب الزائد بين تحقّق عدم البقاء و عدم تحقّق النقاء، فيجب مع الشكّ فيه‌

______________________________
(1) التهذيب 1: 354/ 1053.

(2) المعتبر 1: 133.

(3) المبسوط 1: 17.

(4) السرائر 1: 96.

(5) الذكرى 1: 170.

(6) التوبة (9): 108.

(7) التبيان 5: 300، مجمع البيان 5- 6: 73.

(8) الكشّاف 2: 311.

(9) التهذيب 1: 45/ 126؛ الاستبصار 1: 52/ 148؛ سنن ابن ماجة 1: 121/ 337؛ سنن أبي داود 1: 9/ 35؛ سنن البيهقي 1: 167- 168/ 504- 507.

79
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

يجب على المتخلي أمور ؛ ج‌1، ص : 74

حتى يتيقّن.

(و لو نقي) المحلّ منها (بالأقلّ) من الثلاثة (وجب الإكمال) لها؛ لقوله عليه السلام صلّى اللّه عليه و آله‌

إذا جلست لحاجة فامسح ثلاث مسحات. «1»

و قول سلمان رضي اللّه عنه: نهانا رسول اللّهُ صلّى اللّه عليه و آله أن نستنجي بأقلّ من ثلاثة أحجار. «2»

و قول أبي جعفر عليه السّلام‌

جرت السّنة في أثر الغائط بثلاثة أحجار. «3»

و اختار المصنّف في المختلف الاكتفاء بالواحد لو نقي المحلّ به، «4» تبعاً للمفيد «5» و ظاهر الشيخ «6» رحمهما اللّه.

(و يكفي ذو الجهات الثلاث) على المشهور؛ لأنّ المراد ثلاث مسحات بحجرٍ، كما لو قيل: اضربه عشرة أسواط، فإنّ المراد عشر ضربات و لو بسوطٍ. و لأنّ المقصود إزالة النجاسة و قد حصل. و لأنّها لو انفصلت لأجزأت فكذا مع الاتّصال، و أيّ عاقلٍ يفرق بين الحجر متّصلًا بغيره و منفصلًا. و لأنّ ثلاثة لو استجمروا بهذا الحجر، لأجزأ كلّ واحد عن حجرٍ.

و في الكلّ نظر.

أمّا الأوّل: فلأنّه ليس بين المشبّه و المشبّه به تطابق، فإنّ قوله عليه السّلام‌

جرت السّنّة بثلاثة أحجار «7»

و نظائرها لا يطابق‌

اضربه ثلاثة أسواط

بل‌

اضربه بثلاثة أسواط

و فرق بين الصيغتين؛ إذ لو كان كذلك، لمنع أنّ المراد به ثلاث ضربات بسوط.

و قوله: إنّ المقصود إزالة النجاسة، إن أراد إزالتها على الوجه المعتبر شرعاً، فمسلّم، لكنّه محلّ النزاع؛ لعدم تحقّق نقله شرعاً، أو مطلقاً، فهو ممنوع؛ لأنّها حكم شرعيّ، فيتوقّف زوالها على الإذن الشرعيّ.

و قياس الاتّصال على الانفصال استبعاد غير مسموع، مع أنّه لا ملازمة بينهما؛ فإنّ‌

______________________________
(1) أورده الشهيد في الذكرى 1: 170 بتفاوت يسير؛ و انظر: مسند أحمد 4: 291/ 14198.

(2) صحيح مسلم 1: 223/ 262؛ سنن ابن ماجة 1: 115/ 316؛ سنن أبي داود 1: 3/ 7؛ سنن الترمذي 1: 24/ 16؛ سنن النسائي 1: 38- 39؛ سنن البيهقي 1: 181/ 545.

(3) التهذيب 1: 46/ 129.

(4) مختلف الشيعة 1: 102، المسألة 60.

(5) حكاه عنه ابن إدريس في السرائر 1: 96.

(6) انظر: النهاية 10؛ و الخلاف 1: 104، المسألة 50.

(7) التهذيب 1: 46/ 129.

80
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و يستحب أمور ؛ ج‌1، ص : 81

حكم الشارع بإجزاء أجزاء الشي‌ء في حالٍ لا يقتضي إجزاءها في كلّ حال.

و الفرق بين استجمار كلّ واحد بالحجر و استجمار الواحد به واضح؛ لصدق العدد في كلّ واحد، فامتثل الأمر الوارد بالثلاثة، المقتضي للإجزاء، بخلاف الواحد؛ لعدم صدق العدد عليه، كما قال العلامة قطب الدين الرازي تلميذ المصنّف: أيّ عاقل يحكم على الحجر الواحد أنّه ثلاثة «1»؟

و استدلّ الشهيد- رحمه اللّه- على الإجزاء بحديث المسحات، «2»- «3» بناءً على أنّ المراد بالأحجار في تلك الأخبار المسحات. و لا يخفى ما فيه.

و يمكن أن يعكس الحكم؛ إذ لا منافاة بين المسح بثلاثة أحجار و بين المسح ثلاث مسحات، بخلاف المسحات بالواحد؛ فإنّه لا يصدق عليها المسح بثلاثة أحجار.

و ربما يقال: لو كان حديث الأحجار على ظاهره، لم يجزئ ما شابهه من الخرق و نحوها، لكن جواز العدول إلى المشابه قطعاً يدلّ على عدم إرادة الأحجار حقيقةً، بل المسحات.

و يجاب: بأنّ المشابه خرج بنصٍ خاصّ، كرواية زرارة، قال‌

يستنجي من البول ثلاث مرّات، و من الغائط بالمدر و الخرق «4»

و غيرها، فيبقى الباقي على حقيقته.

و التزم المانع من إجزاء الحجر الواحد- كالمحقّق في المعتبر- «5» بعدم إجزاء الخرقة الطويلة من جهاتها الثلاث إلا بعد قطعها.

[و يستحبّ أمور]

(و يستحبّ تقديم) الرِّجل (اليسرى دخولًا، و) تقديم الرِّجل (اليمنى خروجاً) عكس المسجد؛ لأنّ اليسرى للأدنى، و اليمنى لغيره.

و لا يختصّ ذلك بالبنيان على الأصحّ، فيقدّم اليسرى إذ بلغ موضع جلوسه في الصحراء، فإذا فرغ ابتدأ بنقل اليمنى.

(و) يستحبّ (تغطية الرأس) حال التخلّي إن كان مكشوفاً؛ لأنّه من سنن النبي صلى الله عليه و آله صلّى اللّه عليه و آله‌

______________________________
(1) لم نعثر عليه في مظانّه من المصادر المتوفّرة لدينا.

(2) تقدّمت الإشارة إلى مصدره في ص 80، الهامش (1).

(3) الذكرى 1: 170.

(4) التهذيب 1: 209/ 606.

(5) المعتبر 1: 129 و 132.

81
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و يستحب أمور ؛ ج‌1، ص : 81

، و ليأمن من وصول الرائحة الكريهة إلى دماغه. و روى: التقنّع فوق العمامة «1» أيضاً.

(و الاستبراء) من البول.

و أوجبه الشيخ- رحمه اللّه- في الاستبصار. «2»

و هو الاستظهار في إخراج بقاياه بأن يمسح بيده من عند المقعدة إلى أصل القضيب ثلاثاً ثمّ يمسحه ثلاثاً و ينتره ثلاثاً.

و الأفضل في ذلك وضع الوسطى في الأولى تحت المقعدة و المسح بها إلى أصله ثمّ يوضع المسبّحة تحته و الإبهام فوقه و ينتره باعتماد.

و الاستبراء ثابت للذكر إجماعاً، و للأُنثى عند جماعة، فتستبرئ عَرضاً، و يلحقها حكم الاستبراء.

و نفاه المصنّف «3»؛ للأصل، فلا حكم للخارج المشتبه منها.

(و الدعاء دخولًا) بقوله: بسم اللّه و باللّه، اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الخبث المخبث الرجس النجس الشيطان الرجيم. (و خروجاً) بقوله: الحمد للّه الذي رزقني لذّته، و أبقى في جسدي قوّته و أخرج منّي أذاه يا لَها نعمة- ثلاثاً- لا يقدر القادرون قدرها.

(و عند الاستنجاء) و هو استفعال من النجو، و هو الحدث الخارج. و المراد به غسل الموضع أو مسحه، كما نصّ عليه في الصحاح، «4» فيستحبّ الدعاء عنده في الحالين بقوله: اللّهمّ حصّن فرجي، و استر عورتي، و حرّمهما على النار، و وفّقني لما يقربني منك يا ذا الجلال و الإكرام.

(و) عند (الفراغ منه).

و الظاهر أنّه الدعاء المذكور عند مسح بطنه؛ لأنّه الأقرب إلى الفراغ من التخلّي، و هو: الحمد للّه الذي أماط عنّي الأذى، و هنّأني طعامي، و عافاني من البلوى.

و قال المحقّق في المعتبر بعد قوله: و الدعاء عند الدخول و الاستنجاء و عند الفراغ: و أمّا دعاء الفراغ فروى معاوية بن عمّار، قال‌

إذا توضّأت فقُلْ: أشهد أن لا إله إلا اللّه، اللّهمّ

______________________________
(1) انظر: الفقيه 1: 17/ 41؛ و التهذيب 1: 24/ 62.

(2) الاستبصار 1: 48 باب (28) وجوب الاستبراء قبل الاستنجاء من البول.

(3) قواعد الأحكام 1: 4.

(4) الصحاح 6: 2502، «ن ج ا».

82
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و يكره أمور ؛ ج‌1، ص : 83

اجعلني من التوّابين، و اجعلني من المتطهّرين، و الحمد للّه رب العالمين «1»

و «2» ثمّ عقّبه بدعاء الخروج المذكور، فتأمّل.

(و) يستحبّ (الجمع بين الماء و الأحجار) سواء تعدّى أم لا.

أمّا مع التعدّي: فللمبالغة في الاستظهار. و لقول الصادق عليه السّلام‌

جرت السّنّة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار، و يتبع بالماء «3»

و لما تقدّم «4» في حديث أهل قبا من الأنصار.

و يقدّم الأحجار إذا اختار الجمع؛ إذ لا فائدة فيها بعد إزالة النجاسة.

و أمّا مع عدمه: فلجمعه بين المطهّرين، فالحجر يزيل العين، و الماء يزيل الأثر. و يمكن شمول الخبر لهما.

[و يكره أمور]

(و يكره الجلوس) للبول و الغائط (في المشارع) جمع مشرعة، و هي موارد المياه، كشطوط الماء و رؤوس الآبار؛ لما فيه من أذى الواردين (و) في (الشوارع) جمع شارع، و هو الطريق الأعظم، قاله الجوهري. «5»

و المراد هنا ما هو أعمّ منه، و خصّها في الرواية بالطرق النافذة. «6» و هي المستند.

(و) في (في‌ء النزّال) و هو مرجعهم و مجتمعهم.

(و تحت) الأشجار (المثمرة) و هي ما من شأنها الثمر و إن لم تكن مثمرةً بالفعل؛ لإطلاق الخبر. و لأنّ بقاء المعنى المشتقّ منه غير شرط في صحّة الاشتقاق عندنا.

و هذا في المملوك و المباح، و أمّا ملك الغير فلا يجوز تحته بغير إذنه مطلقاً.

(و) في (مواضع اللعن) و هي أبواب الدُّور؛ لما روي عن أبي عبد اللّه قال‌

قال رجل لعليّ بن الحسين: أين يتوضّأ الغرباء؟ فقال: يتّقى شطوط الأنهار و الطرق النافذة و تحت الأشجار المثمرة و مواضع اللعن، قيل له: و أين مواضع اللعن؟ قال: أبواب الدور. «7»

و روى أنّ أبا حنيفة خرج من عند أبي عبد اللّه عليه السّلام و أبو الحسن موسى عليه السّلام قائم و هو‌

______________________________
(1) الكافي 3: 16/ 1؛ التهذيب 1: 25/ 63.

(2) المعتبر 1: 135- 136.

(3) التهذيب 1: 46/ 130.

(4) في ص 79.

(5) الصحاح 3: 1236، «ش ر ع».

(6) الكافي 3: 15/ 2؛ التهذيب 1: 30/ 78.

(7) الكافي 3: 15/ 2؛ التهذيب 1: 30/ 78.

83
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و يكره أمور ؛ ج‌1، ص : 83

غلام، فقال له أبو حنيفة: يا غلام أين يضع الغريب ببلدكم؟ فقال‌

اجتنب أفنية المساجد و شطوط الأنهار و مساقط الثمار و منازل النزّال، و لا تستقبل القبلة بغائط و لا بول، و ارفع ثوبك و ضَعْ حيث شئت. «1»

(و استقبال) جرمي ( «2» النيّرين): الشمس و القمر، لا جهتهما؛ لنهي النبي صلى الله عليه و آله عنه. «3»

و تزول الكراهة بالحائل.

و لا فرق بين حالتي ظهور نورهما و استتاره بالكسف.

و لا يكره استدبارهما، مع احتماله؛ للمساواة في الاحترام.

(و) استقبال (الريح بالبول) و الجارّ متعلّق بالمصدر، فيشمل الثلاثة، و إنّما خصّ البول؛ لما روي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال‌

نهى رسول اللّهُ صلّى اللّه عليه و آله أن يستقبل الرجل الشمس و القمر بفرجه و هو يبول. «4»

و حمل بعضهم الغائط عليه؛ لأنّه أغلظ.

و أمّا الريح: فالرواية به عن الحسن عليه السّلام حين سُئل ما حدّ الغائط؟ قال‌

لا تستقبل الريح و لا تستدبرها «5»

شاملة لهما، فلا وجه لاختصاصه بالبول، و أراد بالغائط التخلّي.

و التعليل بخوف ردّه عليه يخصّ البول.

و لا فرق بين استقبال الريح و استدبارها؛ للخبر. «6»

و خصّ المصنّف في النهاية حالة استدباره بخوف الردّ عليه. «7» و لا وجه له مع عموم الخبر.

(و البول في) الأرض (الصّلبة) بضمّ الصاد و سكون اللام، أي: الشديدة؛ لئلا تردّه عليه.

قال الصادق عليه السّلام‌

كان رسول اللّهُ صلّى اللّه عليه و آله أشدّ الناس توقّياً من البول، كان إذا أراد البول يعمد إلى مكان مرتفع من الأرض أو إلى مكان من الأمكنة يكون فيه التراب الكثير كراهة

______________________________
(1) الكافي 3: 16/ 5، التهذيب 1: 30/ 79.

(2) في الطبعة الحجريّة: «جرم».

(3) الفقيه 4: 3/ 1؛ التهذيب 1: 34/ 91.

(4) التهذيب 1: 34/ 91.

(5) الفقيه 1: 18/ 47؛ التهذيب 1: 26/ 65، و 33/ 88؛ الاستبصار 1: 47/ 131.

(6) الفقيه 1: 18/ 47؛ التهذيب 1: 26/ 65، و 33/ 88؛ الاستبصار 1: 47/ 131.

(7) نهاية الإحكام 1: 82.

84
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و يكره أمور ؛ ج‌1، ص : 83

أن ينضح عليه البول. «1»

(و) في (ثقوب الحيوان) و هي جحرتها بكسر الجيم و فتح الحاء؛ لنهي النبي صلى الله عليه و آله صلّى اللّه عليه و آله عنه «2» خوفاً من الأذى.

و قيل: لأنّها مساكن الجنّ. «3»

(و في الماء) جارياً و راكداً، و الثاني أشدّ كراهةً؛ لقوله عليه السلام صلّى اللّه عليه و آله‌

لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم. «4»

و قول علي عليه السّلام‌

نهي أن يبول الرجل في الماء الجاري إلا من ضرورة، و قال: إنّ للماء أهلًا. «5»

و ما روي عن الصادق عليه السّلام‌

لا بأس به في الجاري «6»

لا ينافي الكراهة، فيضعف قول عليّ بن بابويه «7» بعدم الكراهة فيه.

و النصّ ورد في البول، فلذلك خصّه المصنّف رحمه اللّه، و أُلحق به الغائط بطريق أولى.

و لا فرق في ذلك بين الليل و النهار و إن كان الليل أشدّ كراهةً؛ لما قيل: إنّ الماء للجنّ ليلًا، فلا يبال فيه و لا يفسد حذراً من إصابة آفةٍ من جهتهم. «8»

(و الأكل و الشرب) في وقت التخلّي؛ لتضمّنه مهانة النفس.

و لفحوى ما روي عن الباقر عليه السّلام أنّه وجد لقمةً في القذر لمّا دخل الخلاء، فأخذها و غسلها و دفعها إلى مملوكٍ معه، و قال‌

تكون معك لآكلها إذا خرجت

فلمّا خرج عليه السّلام قال للمملوك‌

أين اللقمة؟

قال: أكلتها يا ابن رسول اللّه، قال‌

إنّها ما استقرّت في جوف أحد إلا وجبت له الجنّة، فاذهب فأنت حُرٌّ لوجه اللّه، فإنّي أكره أن استخدم رجلًا من أهل الجنّة «9»

فإنّ تأخيره عليه السّلام أكلَها إلى الخروج مع ما فيه من الثواب يدلّ بفحواه على كراهة‌

______________________________
(1) الفقيه: 1: 16/ 36؛ علل الشرائع 1: 278/ 1، الباب 186؛ التهذيب 1: 33/ 87.

(2) سنن أبي داود 1: 8/ 29؛ سنن النسائي 1: 33- 34؛ سنن البيهقي 1: 160/ 479؛ مسند أحمد 6: 83/ 20251.

(3) سنن أبي داود 1: 8/ 29؛ سنن النسائي 1: 33- 34؛ سنن البيهقي 1: 160/ 479؛ مسند أحمد 6: 83/ 20251.

(4) صحيح مسلم 1: 235/ 282؛ سنن أبي داود 1: 18/ 69 و 70؛ سنن الترمذي 1: 100/ 68؛ سنن النسائي 1: 49 و 197؛ مسند أحمد 2: 511/ 7473.

(5) التهذيب 1: 34/ 90؛ الاستبصار 1: 13/ 25.

(6) التهذيب 1: 31/ 81، و 43/ 120- 122؛ الاستبصار 1: 13/ 22- 24.

(7) كما في الذكرى 1: 165.

(8) كما في نهاية الإحكام 1: 83.

(9) الفقيه 1: 18 19/ 49.

85
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و يكره أمور ؛ ج‌1، ص : 83

الأكل حينئذٍ.

و يلحق به الشرب؛ لاشتراكهما في المعنى.

(و السواك) لما روي أنّه يورث البَخَر ( «1» و الاستنجاء باليمين) لقوله عليه السّلام‌

إنّه من الجفاء. «2»

و لا كراهة في الاستعانة باليمين لصبّ الماء و غيره؛ لعدم تناول النهي له، و لا مع الحاجة، كتعذّره باليسرى لمرضٍ و نحوه.

(و باليسار) بفتح الياء (و فيها خاتم) بفتح التاء و كسرها، مكتوب (عليه اسم اللّه تعالى و) اسم أحد من (أنبيائه و) اسم أحد من (الأئمّة عليهم السّلام).

و المراد باسم الأنبياء و الأئمّة عليهم السّلام ما قصد به أحدهم، لا ما قصد به اسم موافق لهم في الاسم، و لا ما أُطلق و لم يقصد به أحد إن اتّفق.

و إنّما كره ذلك؛ لاشتماله على ترك التعظيم.

هذا مع عدم ملاقاته النجاسة، و إلا حرم.

و كره بعضهم «3» استصحاب ذلك في الخلاء مطلقاً.

و يلحق بذلك ما كان فصّه حجر زمزم؛ للخبر. «4» و روى بدله من حجارة زمرّذ، «5» بفتح الزاي المعجمة و ضمّها و ضمّ الميم و الراء المشدّدة المهملة و الذال المعجمة، و هو الزبرجد معرّب، قاله الجوهري. «6»

(و الكلام) في حال التخلّي؛ لنهي النبي صلّى اللّه عليه و آله عنه، «7» و إنّما يكره (بغير ذكر اللّه تعالى و الحاجة و آية الكرسي) لقول الصادق عليه السّلام‌

لم يرخّص في الكنيف في أكثر من آية الكرسي و حَمد الله أو آية. «8»

______________________________
(1) الفقيه 1: 32/ 110؛ التهذيب 1: 32/ 85.

(2) الفقيه 1: 19/ 51.

(3) لم نتحقّقه.

(4) التهذيب 1: 355/ 1059.

(5) الكافي 3: 17/ 6.

(6) الصحاح 2: 565، «ز م ر ذ».

(7) الفقيه 1: 21 ذيل الحديث 60؛ التهذيب 1: 27/ 69.

(8) الفقيه 1: 19/ 57؛ التهذيب 1: 352/ 1042.

86
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

القول في كيفية الوضوء ؛ ج‌1، ص : 87

 

و أمّا الذكر على الخصوص: فروي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال‌

إنّ موسى عليه السّلام قال: يا ربّ تمرّ بي حالات أستحي أن أذكرك فيها، فقال: يا موسى ذكرى حسن على كلّ حال. «1»

و أمّا الحاجة: فلما في الامتناع من الكلام عندها من الضرر المنفيّ بالآية. «2»

و التقييد بالحاجة يخرج ما لو حصل الغرض بالتصفيق و شبهه؛ لانتفائها حينئذٍ.

و يلحق بذلك ردّ السلام؛ لعموم الأمر «3» به، و كذا حمد الله على العطسة؛ لأنّه ذكر، و كذا تسميت العاطس.

و استثنى المصنّف أيضاً حكاية الأذان. «4» و هو حسن في فصلٍ فيه ذِكر، دون الحيعلات؛ لعدم النّص عليه على الخصوص، إلا أن يبدّل بالحوقلة، كما ذكر في حكايته في الصلاة.

[القول في كيفية الوضوء]

[يجب في الوضوء أمور]

[الأول النيّة]

(و يجب في الوضوء النيّة، و هي) لغةً: مطلق العزم و الإرادة. و شرعاً بالنسبة إلى الوضوء (إرادة الفعل) أي: الوضوء، فاللام للعهد (لوجوبه أو ندبه) حال كون الفاعل المدلول عليه بالإرادة التزاماً- (متقرّباً) بالفعل إلى اللّه تعالى، فالإرادة بمنزلة الجنس يدخل فيها إرادة الفعل و الترك و ما اشتمل على الوجوه المذكورة و غيره، و خرج بالفعل المعهود غيرُه من الطهارات و الأفعال، و شمل الوضوء الواجبَ و المندوب، و يمتاز أحدهما عن الآخر بنيّة الوجوب أو الندب.

و يحتمل أن يريد تعريف مطلق النيّة، و يريد بالفعل الأعم من الوضوء، و غاية الجميع التقرّب إلى اللّه تعالى بمعنى موافقة إرادته، أو طلب الرفعة عنده تعالى بواسطة نيل الثواب تشبيهاً بالقرب المكاني، و كلتاهما محصّلة للامتثال، مخرجة عن العهدة و إن كان بين المنزلتين بُعد المشرقين.

و في حكم الثانية الخوفُ من العقاب. و إلى الاولى أشار أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام بقوله‌

ما عبدتك خوفاً من نارك و لا طمعاً في جنّتك و لكن وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك. «5»

و يدلّ على الثانية ظواهر الآي «6» و الأخبار المشتملة على الترغيب و الترهيب، كقوله‌

______________________________
(1) التهذيب 1: 27/ 68.

(2) الحجّ (22): 78.

(3) النساء (4) 86.

(4) نهاية الإحكام 1: 84.

(5) شرح نهج البلاغة- لابن ميثم البحراني- 5: 361.

(6) في الطبعة الحجريّة: «الآيات».

 

87
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

الأول النية ؛ ج‌1، ص : 87

تعالى وَ يَدْعُونَنٰا رَغَباً وَ رَهَباً «1» و قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. «2»

أي: راجين الفلاح، أو لكي تفلحوا، و الفلاح هو الفوز بالثواب، قاله الطبرسي «3» رحمه اللّه. و يحتمل غير ذلك. و نقل الشهيد- رحمه اللّه- في قواعده عن الأصحاب بطلان العبادة بهاتين الغايتين. «4» و به قطع السيّد رضي الدين ابن طاوُس- رحمه اللّه- محتجّاً بأنّ قاصد ذلك إنّما قصد الرشوة و البِرطيل، «5» و لم يقصد وجه الربّ الجليل، و هو دالّ على أنّ عمله سقيم و أنّه عبد لئيم. «6»

و اختار فيها و في الذكرى الصحّة؛ محتجّاً بأنّ قصد الثواب لا يخرج عن ابتغاء اللّه بالعمل؛ لأنّ الثواب لمّا كان من عند اللّه فمُبتغيه مُبتغٍ وجهَ اللّه، و بأنّ الغرض بها اللّه في الجملة.

و لا يقدح كون تلك الغاية باعثةً على العبادة؛ لأنّ الكتاب و السّنّة مشتملان على المرهّبات من الحدود و التعزيرات و الذمّ و الإيعاد بالعقوبات، و على المرغّبات من المدح و الثناء في العاجل، و الجنّة و نعيمها في الآجل.

قال: و لو قصد المكلّف الطاعةَ للّه و ابتغاء وجه الله، كان كافياً، و يكفي عن الجميع قصد الله سبحانه الذي هو غاية كلّ مقصد. «7»

إذا تقرّر ذلك، فوجوب نيّة القربة في الوضوء بل في كلّ عبادة لا ريب فيه و لا شبهة تعتريه.

و ممّا استدلّ به عليه قوله تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ «8» و لا يتحقّق الإخلاص إلا بها. و الضمير لأهل الكتاب، و يدلّ على ثبوت حكمها في حقّنا‌

______________________________
(1) الأنبياء (21): 90.

(2) الحجّ (22): 77.

(3) مجمع البيان 7- 8: 98.

(4) القواعد و الفوائد 1: 77.

(5) البرطيل: الرشوة. القاموس المحيط 3: 344.

(6) لم نعثر عليه في مظانّه.

(7) القواعد و الفوائد 1: 77؛ الذكرى 2: 104.

(8) البيّنة: (98): 5.

88
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

الأول النية ؛ ج‌1، ص : 87

قوله تعالى بعدُ وَ ذٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ «1» قال الإمام الطبرسي: القيّم هي المستمرّة في جهة الصواب. «2» و حينئذٍ فلا يصلح «3» النسخ عليها.

و قوله تعالى قُلِ اللّٰهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي «4» و الأمر للنبيّ، فيجب علينا ذلك؛ للاتّباع و التأسّي.

و أمّا نيّة الوجوب: فلم يعتبرها الشيخ في النهاية و جماعة، منهم: المحقّق في المعتبر، «5» بل اكتفى الشيخ بالقربة «6» لمفهوم الحصر في قوله تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ «7» فلو زِيدَ عليه، لكان نسخاً؛ لمنافاة الزيادة له.

و هو ضعيف؛ لمنع أنّ مطلق الزيادة مُنافٍ للإخلاص، بل إنّما ينافي الحصر ما ينافي الإخلاص، و باقي قيود النيّة ليست كذلك.

و الأولى الاستدلال في نصرة هذا القول بأصالة عدم الوجوب حتى يدلّ دليل معتبر على مجامعة شي‌ء آخر، و سيأتي ما يدلّ على متمسّك مَنْ زاد على ذلك.

و قد قال السيّد السعيد جمال الدين أحمد بن طاوُس: لم أعرف نقلًا متواتراً و لا آحاداً يقتضي القصد إلى رفع الحدث أو استباحة الصلاة لكن علمنا أنّه لا بدّ من نيّة القربة، و إلا كان هذا من باب‌

أُسكتوا عمّا سكت اللّه عنه. «8»

و جزم المصنّف في هذا الكتاب و قَبله المحقّق في الشرائع «9» بوجوب نيّة الوجوب إمّا لوجوب إيقاع الفعل على وجهه، و لا يتمّ إلا بذلك، كمااستدلّ لهم به الشهيد رحمه اللّه في الشرح، «10» أو لوجوب التعرّض في النيّة لتشخيص الفعل الواقع على جهات متعدّدة بنيّة أحدها، و لمّا كان الوضوء تارة يقع على وجه الندب و أُخرى على وجه الوجوب اشترط‌

______________________________
(1) البيّنة: (98): 5.

(2) مجمع البيان 9- 10: 522.

(3) في «ق، م»: فلا يصحّ».

(4) الزمر (39): 14.

(5) المعتبر 1: 139.

(6) النهاية: 15.

(7) البيّنة (98): 5.

(8) حكاه عنه الشهيد في الذكرى 2: 108 نقلا عن كتابه «البشري».

(9) شرائع الإسلام 1: 12.

(10) غاية المراد 1: 32- 33.

89
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

الأول النية ؛ ج‌1، ص : 87

تشخيصه بأحدهما حيث يكون ذلك هو المطلوب.

و لا يخفى ضعف الأوّل و عدم صلاحيّته للدلالة و تأسيس حكم شرعيّ حتى قيل: إنّه كلام شعريّ. «1»

و أمّا الثاني فلا يتمّ في الوضوء و إن تمّ في غيره من العبادات؛ لعدم اجتماع الوضوء الواجب و الندب في وقتٍ واحد حتى يحتاج المكلّف في نيّته إلى تمييز أحدهما عن الآخر؛ لأنّه إن كان المكلّف مخاطباً بمشروط بالوضوء، فليس له إلا نيّة الوجوب، و إلا فليس له إلا نيّة الندب.

و لا ينتقض بالمجدّد بتقدير جوازه قبل الصلاة حيث إنّه غير واجب، مع أنّ المجدّد مخاطب بمشروطٍ بالطهارة؛ لأنّه في وقت إيقاع أحدهما لا يمكن وقوع الآخر؛ إذ قبل الوضوء الأوّل الواجب لا يتصوّر الندب المجدّد، و عند وضوء التجديد لا يتصوّر نيّة الوجوب، فلم يقع أحدهما على وجهين.

و ربما ذكر في بعض عبارات شيخنا الشهيد- رحمه اللّه- أنّ الوجوب لإخراج عبادة الرياء. «2» و هو موضع تأمّل. و ربما أخرجها أيضاً بنيّة القربة، فلا وجه للجمع حينئذٍ.

و يمكن أن يقال: إنّ الوجوب المذكور هنا- و هو «لوجوبه»- علّة غائيّة للفعل، لا لإخراج شي‌ء تحقيقاً لقول المتكلّمين: إنّه ينبغي إيقاع الواجب لوجوبه أو لوجه وجوبه، و كذا القربة غاية أُخرى، و هو الحصول على رضاه و الوصول إلى ثوابه، كما تقدّم، و هو موافق للدليل الأوّل من دليلي الموجبين، لكن لا دليل على وجوب ذلك إلا ما نقل عن المتكلّمين، و هو غير صالح للدلالة على توقّف الفعل عليه و إن أمكن جَعْل الكمال منسوباً إليه.

و بالجملة، فمشخّصات النيّة غير القربة لم يرد بها نصّ على الخصوص، فلا بدّ لمثبت شي‌ء منها «3» من دليلٍ صالح.

و قد ذكر شيخنا الشهيد- رحمه اللّه- في خلاصة مناسك الحجّ «4» أنّ الوجوب الغائي قيد في النيّة لتميز الفعل عن إيقاعه لندبه، فالإشكال باقٍ، فتأمّل.

______________________________
(1) القائل هو المحقّق الحلّي في المسائل الطبريّة (ضمن الرسائل التسع): 317.

(2) لم نعثر عليه في مظانّها.

(3) في «ق، م»: «شرعيّتها» بدل «شي‌ء منها».

(4) المنسك الكبير (ضمن رسائل الشهيد الأوّل). المقالة الأولى/ الإحرام.

90
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

الأول النية ؛ ج‌1، ص : 87

(و في وجوب) نيّة (رفع الحدث أو) نيّة (الاستباحة) للصلاة أو لمشروط بالطهارة (قولان):

أحدهما: العدم، و إليه ذهب الشيخان حيث اكتفيا بالقربة، «1» و المحقّق في الشرائع. «2» و وجهه قد عُلم ممّا سلف.

و الثاني: الوجوب، كما هب إليه المصنّف في المختلف «3» و غيرِه، «4» و المحقّقُ في المعتبر إلا أنّه أسقط نيّة الوجوب، و اكتفى بالقربة و أحد الأمرين «5»؛ لقوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا «6» أي: لأجل الصلاة؛ إذ هو المفهوم لغةً من قولهم: إذا لقيت الأسد فخُذ سلاحك، و إذا لقيت الأمير فخُذ أُهبتك، أي: لأجل لقاء الأسد و الأمير، و لا معنى لفعله لأجل الصلاة إلا إرادة استباحتها.

و فيه نظر؛ لمنع إرادة ذلك لغةً، بل الظاهر أنّ المعنى: لا تلق الأسد إلا بسلاح، «7» و الأمير إلا بأُهبة، و كذا الآية تقدير الجملة فيها: لا تقوموا إلى الصلاة إلا متطهّرين، و إنّما كان هذا هو الظاهر؛ لأنّه لو كان متطهّراً في المثال أو آخذاً سلاحه و أُهبته، كفى ذلك في امتثال الأمر، و لو كان المطلوب إيقاعه لأجله، لم يكف.

و لا يقال: إذا حصل سبب الفعل مع استصحابه، يصير حينئذٍ كأنّه واقع لأجله؛ لأنّا نمنع ذلك، بل ربما كانت الغاية الأُولى منافيةً للغاية الأُخرى، كما لو كان قد قصد بأخذ السلاح تأهّبه للعدوّ، فإنّه يكفي ذلك عن أخذه للأسد مع عدم صدق الأخذ لأجله. و كذا لو نوى بالوضوء إباحة الطواف مثلًا.

و لا يكفي اللزوم؛ لأنّ الآية إنّما دلّت على وقوعه لأجلها، و ظاهر أنّ اللزوم غير بيّن، فلا يلزم من نيّة أحدهما نيّة الآخر.

و أيضاً فإنّ اللازم من الآية تحتّم استباحة الصلاة- كما هو مذهب السيّد المرتضى «8»- لا التخيير بينها و بين الرفع، الذي هو المدّعى، فما تدلّ عليه لا تقولون به، و ما تقولون به‌

______________________________
(1) المقنعة: 46؛ النهاية: 15.

(2) شرائع الإسلام 1: 12.

(3) مختلف الشيعة 1: 107، المسألة 65.

(4) قواعد الأحكام 1: 9- 10.

(5) المعتبر 1: 139.

(6) المائدة (5): 6.

(7) في الطبعة الحجريّة: «بسلاحك».

(8) حكاه عنه المحقّق الحلّي في الرسائل التسع: 317؛ و الشهيد في غاية المراد 1: 32- 33.

91
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

الأول النية ؛ ج‌1، ص : 87

لا تدلّ عليه.

و اعتذر المصنّف- رحمه اللّه- في المختلف عن ذلك بأنّ الاستباحة عنده أحد الأمرين الواجبين، و أحد أفراد الواجب المخيّر يصدق عليه الوجوب بقولٍ مطلق، و بأنّ نيّة رفع الحدث تستلزم الاستباحة؛ لأنّها نيّة لإزالة المانع من الدخول في الصلاة ليدخل المكلّف فيها، فإنّه الغاية الحقيقيّة، فإنّ إزالة الحدث ليس غايةً ذاتيّة، و إنّما هو مراد بالعرض لأجل استباحة الصلاة. «1»

و فيه نظر؛ فإنّا لا ندّعي أنّ نيّة الرفع [لا] ترفع وجوب الاستباحة أو تنافيها، بل نقول: إنّ الرفع لا دليل عليه، و إنّ الآية إنّما تستلزم على ما قرّرتم الاستباحةَ لا الرفع.

و أمّا استلزام الرفع الاستباحةَ فحقّ في حقّ المختار، لكن لا يلزم من نيّته نيّتها إلا إذا كان اللزوم بيّناً بحيث يلزم من تصوّر الملزوم تصوّر اللازم، و ظاهر أنّ استلزام رفع الحدث لاستباحة الصلاة ليس كذلك، و إنّما يعلم اللزوم مع اقتران وسطٍ، و هو آية غير البيّن، كما إذا قيل: إنّ المراد بالاستباحة رفع المنع من الصلاة، و برفع الحدث رفع المانع، و رفع المانع يستلزم رفع المنع و بالعكس في غير المتيمّم و دائم الحدث. لكنّ المفهوم من لزوم أحدهما للآخر كون تصوّر ماهيّة كلّ منهما من حيث هي يستلزم تصوّر الأُخرى، و خروج الفردين يستلزم عدم الاستلزام كذلك، إلا أن ينظر إلى التلازم بينهما بعد إخراج الفردين المذكورين، و مع ذلك لا بدّ من اقتران وسط.

و من هنا ذهب جماعة «2» من أصحابنا إلى وجوب الجمع بين الأمرين محتجّين على ما حكاه الشهيد- رحمه اللّه- في الشرح بالجمع بين أدلّة الأقوال، و نيّة كلّ من الرفع و الاستباحة بالمطابقة؛ لأنّ اللزوم غير بيّن، و الاتّحاد غير حاصل.

ثمّ أورد عليهم منع عدم اللزوم البيّن لو سُلّمت المغايرة، «3» و لم يذكر للمنع سنداً.

و التحقيق أنّ اللازم البيّن له معنيان:

أحدهما: ما يلزم تصوّره من تصوّر الملزوم، ككون الاثنين ضِعف الواحد؛ فإنّ مَنْ‌

______________________________
(1) مختلف الشيعة 1: 108، المسألة 65.

(2) منهم: القاضي ابن البرّاج في المهذّب 1: 43؛ و أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 132؛ و ابن حمزة في الوسيلة: 51؛ و قطب الدين الراوندي و معين الدين المصري كما في غاية المراد 1: 37.

(3) غاية المراد 1: 37.

92
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

الأول النية ؛ ج‌1، ص : 87

صوّر الاثنين أدرك أنّهما ضِعف الواحد، و يقال له: البيّن بالمعنى الأخصّ.

و الثاني: ما يلزم من تصوّره مع الملزوم و النسبة بينهما الجزم باللزوم، و هو البيّن بالمعنى الأعمّ.

فعلى المعنى الأوّل اللزوم بينهما غير بيّن، كما تقدّم؛ لأنّ تصوّر أحدهما لا يلزم منه تصوّر الآخر.

و على الثاني يثبت المطلوب؛ فإنّه متى تصوّر رفع المانع و رفع المنع و النسبة بينهما علم لزوم أحدهما للآخر.

هذا كلّه على تقدير دلالة الآية على اعتبار الاستباحة، و قد عرفت ما فيه، و الكلام في نيّة استباحة غير الصلاة من المشروط بالطهارة قريب من الكلام في رفع الحدث.

(و) تجب (استدامتها) أي: النيّة (حكماً) لا فعلًا (إلى) وقت (الفراغ) من الفعل بمعنى أن لا ينوي نيّةً تنافي النيّة الاولى إمّا لجميعها، كما لو نوى إبطال العمل أو ما يبطله، أو لجزئها، كما لو نوى ببقيّة الأعضاء في الوضوء الواجب الندبَ أو غير ذلك ممّا ينافي قيود النيّة، فحينئذٍ الاستدامة الحكميّة من الأُمور العدميّة؛ لأنّها عدم الإتيان بنيّة تنافي الاولى.

و ربما فسّرت بأمرٍ وجوديّ، و هو البقاء على حكم النيّة الأُولى و العزم على مقتضاها؛ استدلالًا بأنّ مقتضى الدليل الدالّ على اعتبار النيّة في العبادات- كقوله عليه السّلام‌

إنّما الأعمال بالنيّات- «1»

وجوب استصحاب النيّة فعلًا لكن لمّا تعذّر في العبادة البعيدة المسافة أو تعسّر في غيرها اكتفي بالاستمرار الحكميّ. «2»

و في دلالة الحديث على ذلك نظر؛ لأنّ المراد بالنيّة أمّا العزم على الفعل و إن تقدّم، كما ذكره أهل اللغة، أو إرادته عند الشروع فيه، كما اختاره الفقهاء.

و المراد بالأعمال المعهودةُ عند الشارع، كالصلاة و الصيام و نحوهما، أمّا إطلاق ذلك على أجزائها فليس حقيقيّا بل من حيث التسمية لغةً، و هي غير مرادة هنا؛ للاكتفاء في كلّ واحد ممّا ذكرناه بنيّة واحدة.

مع أنّ مقتضى الدليل وجوب الإتيان بالقدر الممكن، سواء كان مع استصحاب الأُولى‌

______________________________
(1) التهذيب 1: 83/ 218، و 4: 186/ 519؛ سنن ابن ماجة 2: 1413/ 4227؛ سنن البيهقي 1: 68/ 181.

(2) انظر: القواعد و الفوائد 1: 93.

93
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

الأول النية ؛ ج‌1، ص : 87

فعلًا، أم الرجوع إليها مع إمكانه؛ لعدم الدليل الدالّ على الاكتفاء بالاستدامة الحكميّة بهذا المعنى حتى يقال: إنّه بدل مخصوص فلا ينتقل إلى غيره و إن أمكن.

بل الحقّ في توجيه الاستدامة الحكميّة أنّ إرادَتي الضدّين لمّا كانتا متنافيتين إمّا لذاتيهما أو لأمرٍ عرَضيّ كما قرّر في الكلام و كان الواجب إيقاع الفعل بجملته على الوجه المخصوص اقتضى ذلك عدم إيجاد نيّةٍ تنافي النيّة الأُولى، فمتى لم ينو ما ينافي النيّة حصل له ما نواه، و لا يفتقر إلى تجديد العزم المذكور؛ لعدم الفائدة فيه. و الدلالة عليه؛ لأنّ دلالة الخبر على الشي‌ء الأقوى- و هو النيّة- لا يدلّ على الاكتفاء بالأضعف، و هو العزم على مقتضاها من غير إحضارها في الذهن.

و بنى شيخنا الشهيد- رحمه اللّه- التفسيرين على أنّ الباقي هل هو مستغن عن المؤثّر أو محتاج إليه؟ و هي مسألة كلاميّة، «1» فعلى الأوّل الأوّلُ، و نَقَله عن الشيخ- رحمه اللّه- في المبسوط، «2» و على الثاني الثاني، و اختاره.

و هو محلّ نظر حكماً و بناءً؛ فإنّ ذلك إنّما يتّجه أن لو كانت النيّة بعد إحضارها يحصل منها أثر خارجي يستغني عن الموجد أو يحتاج إليه و ليست كذلك، بل عند عزوبها عن القلب تلحق بالأعدام المفتقرة إلى المؤثّر قطعاً.

مع أنّ اللازم من الاحتياج إلى المؤثّر وجوب إحضار النيّة بجميع مشخّصاتها، لا العزم المذكور؛ فإنّه غير الوجود الأوّل، و غير مستلزم له و إن دخل ضمناً، لكنّ الدلالة التضمّنيّة ملغاة في هذه الأحكام و نظائرها.

و على كلا التفسيرين لو نوى ما ينافي النيّة الأُولى، بطل الوضوء (فلو نوى) المكلّف بوضوئه بعد النيّة المعتبرة (التبرّد خاصّة) من غير ضمّ نيّة الوجوب و القربة (أو ضمّ الرياء) إلى الوجوب و القربة (بطل) وضوؤه؛ للمنافاة للنيّة الأُولى و الإخلاص. و لأنّ الأُولى قد عدمت حقيقةً بالذهول عنها و حصل غيرها حقيقةً، فتكون أقوى.

و إنّما قيّدنا النيّة المذكورة ببعديّة النيّة الأُولى المعتبرة و إن كان اللفظ أعمّ من ذلك بل هو ظاهر في مصاحبة المنافي للنيّة الأُولى؛ لأنّه فرّعها على الاستدامة حكماً، و إنّما يتمّ‌

______________________________
(1) كما في جامع المقاصد 1: 200؛ و انظر المنسك الكبير (ضمن رسائل الشهيد الأوّل) المقالة الأولى/ الإحرام.

(2) الذكرى 2: 110؛ و انظر: المبسوط 1: 19.

94
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

الأول النية ؛ ج‌1، ص : 87

التفريع على التفسيرين بفرض طروء النيّة المنافية على المعتبرة، مع أنّ الحكم في الطارئ و المصاحب واحد و إن كان الأوّل أوفق لسياق الكلام.

و ظاهر المرتضى- رحمه اللّه- أنّه لو نوى الرياء بصلاة، لم تبطل بمعنى عدم إعادتها، لا بمعنى حصول الثواب. «1» و هو يستلزم الصحّة مع ضمّ الرياء إلى القربة «2» بطريق أولى.

و هو مبنيّ على قاعدته من عدم الملازمة بين قبول الأعمال و صحّتها، فبالصحّة يحصل الامتثال، و بالقبول يستحقّ الثواب.

و في الأصل و الفرع منع.

و اعلم أنّ قطع الاستدامة الحكميّة بنيّةٍ مخالفه إنّما يؤثّر في بطلان الوضوء مع فعل شي‌ء منه كذلك، أمّا لو جدّد النيّة الأُولى قبل أن يفعل شيئاً بعد القطع، أو بعده و أعاده قبل جفاف ما سبق على قطع الاستدامة، صحّ الوضوء؛ لأنّ أفعال الوضوء بمنزلة عبادات متعدّدة لا تتوقّف صحّة بعضها على بعض، و لهذا لو نكس وضوءه، أعاد على ما يحصل معه الترتيب و لا يبطل، بخلاف الصلاة؛ فإنّها تبطل بمنافاة الاستدامة و إن أعاد النيّة قبل فعل شي‌ء منها بغير نيّة معتبرة.

و هذا كلّه (بخلاف ما لو ضمّ التبرّد) بعد النيّة المعتبرة إليها، فإنّه لا يضرّ عند المصنّف؛ لحصوله و إن لم ينوه، فنيّته لاغية، كما لو كبّر الإمام و قصد مع التحرّم إعلام القوم.

و اختار المصنّف في غير «3» هذا الكتاب- تبعاً لجماعة- «4» البطلان هنا؛ للمنافاة أيضاً. و لأنّه لا يلزم من حصوله ضرورة جواز نيّة حصوله، و هل الكلام إلا فيه؟ و هذا أجود.

و يجوز كون قوله: «فلو نوى» إلى آخره، تفريعاً على النيّة المذكورة سابقاً، المشتملة على التقرُّب، و جعل الاستدامة الحكمية معترضةً، و وجه التفريع منافاة ذلك كلّه للقربة.

(و) يجوز أن (يقارن بها) أي بالنيّة (غَسل اليدين) المستحبّ له على المشهور؛ لأنّه من جملة الوضوء الكامل. و أولى منه عند المضمضة و الاستنشاق؛ لقربهما إلى الواجب.

و جوّز ابن إدريس تقديمها عند غَسل اليدين في الغُسل دون الوضوء. «5» و هو تحكّم.

______________________________
(1) الانتصار: 100، المسألة 9.

(2) في الطبعة الحجريّة: «التقرّب».

(3) نهاية الإحكام 1: 29.

(4) منهم: فخر المحقّقين في إيضاح الفوائد 1: 36؛ و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 203.

(5) السرائر 1: 98.

95
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

الأول النية ؛ ج‌1، ص : 87

و توقّف بعض «1» المحقّقين في الجميع؛ لعدم صدق الوضوء الحقيقي عليها. «2»

و لا يجوز تقديمها عند غيرها من مسنونات الوضوء، كالسواك و التسمية إجماعاً.

و المراد بالغَسل المستحبّ للوضوء ما كان لوضوءٍ من حدث النوم أو البول أو الغائط لأمن الريح.

و لا يجوز إيقاعها عند غَسلهما من غير ذلك إمّا مع استحبابه لا له، كما إذا وقع الوضوء عقيب الأكل أو بعد مباشرة مَنْ يتّهم بالنجاسة، أو مع وجوبه، كغَسلهما من النجاسة؛ إذ لا يعدّ من أفعال الوضوء، مع احتماله؛ لأنّه أولى بالمراعاة من الندب خصوصاً على ما ورد من التعليل في النائم بأنّه‌

لا يدري أين باتت يده «3»

فإنّه يقتضي أنّه لدفع نجاسة موهومة، فالمحقّقة أولى.

و أولى بعدم الجواز ما لو كان غَسلهما لغير الواجب و الندب من باقي الأحكام الخمسة إمّا الإباحة كغَسلهما من الريح، أو التحريم، كفعله مع قصر الماء عن الغسلات الواجبة، أو الكراهة، كالقصور بسببه عن الغسلات المستحبّة؛ إذ لا يعدّ من السنن فضلًا عن سنن الوضوء، كلّ ذلك للخبر.

و اشترط المصنّف- «4» رحمه اللّه- أيضاً كون الغَسل من ماءٍ قليل في إناء واسع الرأس بحيث يغترف منه، فلو توضّأ من نهر أو مصنع أو من إناء لا يمكن الاغتراف منه، لم تجز النيّة عنده بل لم يستحبّ غَسلهما حينئذٍ؛ لمفهوم قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله‌

إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها الإناء ثلاثاً؛ فإنّ أحدكم لا يدري أين باتت يده. «5»

و استوجه الشهيد- رحمه اللّه- القول بالاستحباب في الأخير؛ لأنّ النجاسة الموهومة تزول بالنسبة إلى غَسل باقي الأعضاء و إن لم يكن لأجل الماء. «6»

و يؤيّده إطلاق الروايات، كرواية حريز عن الباقر عليه السّلام‌

يغسل الرجل يده من النوم مرّة،

______________________________
(1) في هامش «ق، م»: هو السيّد جمال الدين ابن طاوس رحمه اللّه.

(2) حكاه عنه الشهيد في الذكرى 2: 108.

(3) صحيح مسلم 1: 233/ 278؛ سنن أبي داود 1: 25- 26/ 105؛ سنن النسائي 1: 99؛ مسند أحمد 2: 477- 478/ 7240.

(4) منتهى المطلب 1: 296.

(5) المصادر في الهامش (3).

(6) الذكرى 2: 109.

96
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

الثاني غسل الوجه ؛ ج‌1، ص : 97

و من الغائط و البول مرّتين، و من الجنابة ثلاثاً «1»

و نحوها.

و اعلم أنّه متى قدّم النيّة عند غسل اليدين دخلت نيّة المندوب تحت الواجب، فلا يفتقر في تحصيل الثواب إلى نيّة أُخرى. و إن أخّرها إلى أوّل الفرض أو ما بعده من السنن، فلا بدّ للمتقدّم منها عليها من نيّةٍ على الخصوص، و إلا لم يُثَب عليها.

(و تتضيّق) النيّة (عند) أوّل (غَسل الوجه) فلا يجوز تأخيرها عنه؛ لئلا يخلو أوّل الفرض عن النيّة فيبطل؛ إذ ليس للمرء من عمله إلا ما نوى.

[الثاني غَسل الوجه]

(و) يجب (غَسل الوجه بما يسمّى غَسلًا) و هو في اللغة: إمرار الماء على الشي‌ء على وجه التنظيف و التحسين و إزالة الوسخ و نحوها. و المراد هنا ما يحصل معه الجريان على جميع أجزاء ما يجب غَسله. و أقلّه أن يجري جزء من الماء على جزءين من البشرة و لو بمعاونٍ، فمتى وصل بلل الماء إلى حدّ لا يقبل الانتقال من محلّه إلى محلّ آخر لم يصدق عليه حينئذٍ الغَسل، بل يصير دهناً لا غَسلًا.

و أمّا تمثيل مَنْ بالغ في وصف تقليل الغسل بالدهن فهو ضرب من المبالغة في جواز تقليل الجريان، و لا يريد جواز عدمه أصلًا؛ لعدم صدق مسمّى الغَسل حينئذٍ.

و لا يجب الدلك؛ لصدق الغَسل بدونه لغةً و عرفاً. و ربما استحبّ؛ لما فيه من الاستظهار.

و أوجبه ابن الجنيد «2» رحمه اللّه.

فلو غمس الأعضاء في الماء أو صبّ عليها من غير مسّ، أجزأ.

و حدّ الوجه (من قصاص) مثلّث القاف، و الضمّ أفصح (شعر الرأس) و الشعر بفتح العين و إسكانه. و المراد بقصاصه: منتهى نبته (إلى محادر شعر الذقن) بالذال المعجمة المفتوحة و فتح القاف. و المراد إلى طرف الذقن (طولًا، و ما دارت عليه الإبهام) بكسر الهمزة، و هي الإصبع العظمى، و الجمع الأباهيم (و) الإصبع (الوسطى عَرضاً) كلّ ذلك (من مستوى الخلقة، و غيره) من الأغمّ و الأنزع و طويل الأصابع و قصيرها (يحال عليه) فيغسل ما يغسله.

(و لا يجزئ) غسل الوجه (منكوساً) بل تجب البدأة بالأعلى؛ لوصف الباقر عليه السّلام وضوءَ‌

______________________________
(1) التهذيب 1: 36/ 97؛ الاستبصار 1: 50/ 142.

(2) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 119، المسألة 72.

97
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

الثاني غسل الوجه ؛ ج‌1، ص : 97

رسول الله صلى الله عليه و آله صلّى اللّه عليه و آله، و أنّه غسل وجهه من أعلاه. «1»

و لأنّ الوضوء البياني الصادر من النبيّ- الذي قال عنه‌

إنّ هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلّا به «2»

أي بمثله- يمنع أن تكون البدأة فيه بغير الأعلى، و إلا لما جازت البدأة بالأعلى مع إجماع المسلمين على جوازه.

و هذا الوجه مطّرد في جميع المسائل المختلف فيها من نظائر ذلك؛ إلا ما دلّ الدليل على خروجه، كما تراه مفصّلًا.

و استحبّ السيّد المرتضى و ابن إدريس البدأة بالأعلى «3»؛ لإطلاق الآية. «4»

و قول الصادق عليه السّلام‌

لا بأس بمسح الوضوء مقبلًا و مدبراً. «5»

و لا دلالة في الخبر على مطلوبهما؛ لتغاير حقيقتي الغَسل و المسح. و مطلق الآية مقيّد بفعله صلّى اللّه عليه و آله؛ لأنّه المبيّن للناس.

(و لا يجب تخليل اللحية و إن خفّت) سواء كانت للرجل (أو كانت للمرأة) لأنّ الوجه اسم لما يواجه به ظاهراً، و لا يتبع غيره، و لا يلزم الانتقال إلى الشعر؛ لعدم صدق الوجه عليه عرفاً، و الخفيف و إن لم يمنع رؤية الجميع لكنّه يستر ما تحته فيزول عنه الاسم.

و لعموم قول الباقر عليه السّلام‌

كلّ ما أحاط به الشعر فليس على العباد أن يطلبوه و لا أن يبحثوا عنه لكن يجري عليه الماء «6»

فإنّه شامل للخفيف و الكثيف. و غيره من الأخبار الشاملة بعمومها لهما.

و أوجب المصنّف- رحمه اللّه- في غير هذا الكتاب تخليل اللحية الخفيفة؛ محتجّاً بأنّ الوجه ما تقع به المواجهة، و إنّما ينتقل الاسم إلى اللحية مع الستر لا مع عدمه، فإنّ الوجه مرئيّ، و هو المواجه، دون اللحية، فلا ينتقل الاسم إليها. و حَمَل الأخبار الدالّة على عدم الوجوب على الساتر دون غيره. «7»

______________________________
(1) التهذيب 1: 55/ 157؛ الاستبصار 1: 58/ 171.

(2) الفقيه 1: 25/ 76؛ سنن البيهقي 1: 130/ 380.

(3) الانتصار: 99، المسألة 9؛ رسائل الشريف المرتضى 1: 213؛ السرائر 1: 99 و 100.

(4) المائدة (5): 6.

(5) التهذيب 1: 58/ 161؛ الاستبصار 1: 57/ 169.

(6) الفقيه 1: 28/ 88.

(7) مختلف الشيعة 1: 133- 114، المسألة 69.

98
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

الثالث غسل اليدين من المرفقين إلى أطراف الأصابع ؛ ج‌1، ص : 99

و أنت خبير بأنّ هذه الحجّة- مع مخالفة مدلولها للأصحاب- إنما تستلزم غَسل ما لا شعر فيه من الوجه؛ لعدم انتقال الاسم عنه، لا وجوب غسل ما تحت الشعر الساتر الذي هو المتنازع، فدليله لا يطابق مدّعاه.

و اعلم أنّ الخلاف إنّما هو في وجوب تخليل البشرة التي تحت الشعر الخفيف، المستورة به، أمّا ما كان منها مرئيّاً بين الشعر فيجب غَسله قطعاً؛ لعدم انتقال اسم الوجه عنه.

[الثالث غَسل اليدين من المرفقين إلى أطراف الأصابع]

(و) يجب (غَسل اليدين) مبتدئاً فيهما وجوباً (من المرفقين) بكسر الميم و فتح الفاء و بالعكس، سُمّيا بذلك؛ لأنّه يرتفق بهما في الاتّكاء و نحوه (إلى أطراف الأصابع) لما تقدّم في الوجه.

(و يُدخل المرفقين في الغَسل) إجماعاً منّا و من أكثر مخالفينا إمّا لأنّ إلى في الآية «1» بمعنى «مع» و هو كثير، كقوله تعالى مَنْ أَنْصٰارِي إِلَى اللّٰهِ «2»+ أو لأنّ الغاية تدخل في المغيّا حيث لا مفصل محسوس، أو لدخول الحدّ المجانس في الابتداء و الانتهاء، مثل‌

بعت الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف.

و الوضوء البيانيّ أوضح دلالةً في ذلك؛ فإنّهُ صلّى اللّه عليه و آله أدار الماء على مرفقيه مبتدئاً بهما ثمّ قال‌

هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلا به. «3»

و بالجملة، فوجوب غسل المرفق لا خلاف فيه، إنّما الخلاف في سبب الوجوب هل هو النصّ؟ كما تقدّم، أو الاستنباط من باب مقدّمة الواجب بجَعل إلى للغاية؟ و هي لا تقتضي دخول ما بعدها فيما قبلها و لا خروجه؛ لورودها معهما.

أمّا الدخول: فكقولك‌

حفظت القرآن من أوّله إلى آخره

و منه سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى. «4»

و أمّا الخروج: فك‍ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ «5» و فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ «6» و حينئذٍ‌

______________________________
(1) المائدة (5): 6.

(2) آل عمران (3): 52.

(3) أورده الشهيد في الذكرى 2: 131.

(4) الإسراء (17): 1.

(5) البقرة (2): 178.

(6) البقرة (2): 280.

99
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

الثالث غسل اليدين من المرفقين إلى أطراف الأصابع ؛ ج‌1، ص : 99

لا دلالة على دخول المرفق من الآية نصّاً، و البيانيّ أعمّ منه و من الاستنباط.

و تظهر الفائدة في وجوب غَسل جزء من العضد فوق المرفق فيما لو قُطعت اليد من المرفق، و سيأتي الكلام فيه.

(و لو نكس) الغَسل بأن ابتدأ فيه بالأصابع (بطل) الغسل، فإن لم يُعِده على الوجه المعتبر، بطل الوضوء، خلافاً للسيّد المرتضى و ابن إدريس. «1» و الكلام فيه كالكلام في البدأة بأعلى الوجه حجّةً و جواباً.

(و لو كان له يد زائدة، وجب غَسلها) إن كانت تحت المرفق مطلقاً أو فوقه و لم تتميّز عن الأصليّة، و هذا كلّه لا خلاف فيه.

أمّا لو كانت فوقه و تميّزت، فالأمر فيه كذلك عند المصنّف، و لذا أطلق القول هنا، و صرّح به في المختلف؛ محتجّاً بصدق اسم اليد، و بصحّة تقسيمها إلى الزائدة و الأصليّة، و مورد التقسيم مشترك بين الأقسام التي قسّم إليها، و بالمعارضة بما تحت المرفق. «2»

و فيه نظر؛ لوجوب حمل الأيدي على المعهود المتعارف. و الاحتجاج باشتراك مورد التقسيم بين جميع أفراد الأقسام مع اشتهاره بين القوم قد أُورد عليه أنّه غير لازم، فإنّا نقسّم الحيوان إلى الأبيض و غير الأبيض- مثلًا- مع أنّ في كلّ منهما غيرَ الحيوان.

و اعتذر عنه بأنّ التقسيم عبارة عن ضمّ القيود المتخالفة إلى مورد القسمة ليحصل بانضمام كلّ قيد إليه قسم منه، فالقسم عبارة عن مجموع مورد القسمة مع القيد، و لا يتحقّق بدون مورد القسمة، فلا بدّ أن يكون المورد مشتركاً بين جميع أفراد أقسامه. و القسم في المثال المذكور هو الحيوان الأبيض و الحيوان الغير الأبيض. و فيه بحث.

سلّمنا، لكن صحّة التقسيم إنّما هو باعتبار الصورة لا باعتبار المتعارف الحقيقي، و إلا لكان لمانعٍ أن يمنع صحّته.

و المعارضة ليست لازمةً؛ لأنّ ما تحت المرفق لم يوجب غَسله لكونه يداً، بل لأنّه في محلّ الفرض، فكان من جملته، كغير اليد من الأجزاء التي لا يصدق اسمها عليها حقيقةً و لا مجازاً.

______________________________
(1) انظر الهامش (3) من ص 98.

(2) مختلف الشيعة 1: 121، المسألة 74.

100
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

الثالث غسل اليدين من المرفقين إلى أطراف الأصابع ؛ ج‌1، ص : 99

و لو كانت في نفس المرفق، فكذلك عند المصنّف «1» أيضاً بطريق أولى، و كذا عند مَنْ أوجب غَسل المرفق نصّاً.

أمّا مَنْ أوجبه تبعاً من باب مقدّمة الواجب فيمكن القول بوجوب غَسلها عنده؛ لأنّها في محلّ الفرض ظاهراً. و عدمه؛ لعدم كونه كذلك في نفس الأمر، و غَسل المرفق لاشتباه حدّ اليد، و هو منتفٍ في الخارج عنها و عن مسمّاها. و هو ضعيف.

(و كذا) يجب غَسل (اللحم الزائد) الكائن (تحت المرفق) أو فيه لا فوقه؛ لخروجه عن محلّ الفرض، و منه ما يتدلّى من اللحم و الجلد من غير محلّ الفرض إليه؛ لوجود العلّة فيه (و) كذا (الإصبع) بمثلّث الهمزة مع مثلّث الباء (الزائدة) في محلّ الفرض.

(و مقطوع اليد) من دون المرفق (يغسل الباقي) لوجوب غَسل الجميع على تقدير وجوده، فإذا زال البعض، لم يسقط الآخر.

(و يسقط) وجوب غَسل اليد (لو قُطعت من المرفق) بناءً على أنّ غَسل المرفق إنّما وجب تبعاً من باب المقدّمة لا أصالةً، كما يجب غَسل جزء من الرأس تبعاً للوجه ليتحقّق غَسل جميعه، و كما في ستر جزء من البدن مع العورة ليتحقّق سترها، فإذا زال الاشتباه بالقطع من المفصل، سقط الوجوب؛ لظهور خروجه عن محلّ الفرض، فيلحق بباقي أجزاء البدن.

و لو جعلنا «إلى» بمعنى «مع» وجب غَسل رأس العضد أصالةً؛ لأنّه جزء من محلّ الفرض.

و ممّا يرجّح هذا الوجه- مع ما تقدّم- أنّ حملها على الانتهاء يوهم ابتداء الغَسل من رؤوس الأصابع، فالحمل على ما لا يُوهم شيئاً أولى، و على هذا لا يسقط غَسل موضع القطع؛ لأنّ المرفق هو العظمان المتداخلان، فإذا ذهب أحدهما، وجب غَسل الآخر؛ إذ لا يسقط الميسور بالمعسور.

و يزيد الوجوب ما احتجّ به المصنّف «2» على استحباب غَسل العضد من الروايات:

كقول أبي الحسن الكاظم عليه السّلام في مقطوع اليد من المرفق‌

يغسل ما بقي من عضده. «3»

و الظاهر أنّ المراد به رأس العضد الذي كان يغسل قبل القطع، و أطلق عليه العضد‌

______________________________
(1) نهاية الإحكام 1: 39.

(2) مختلف الشيعة 1: 120، المسألة 73.

(3) الكافي 3: 29/ 9؛ الفقيه 1: 30/ 99؛ التهذيب 1: 360/ 1086.

101
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

الرابع مسح بشرة مقدم الرأس ؛ ج‌1، ص : 102

لعدم اللّبس؛ للإجماع على عدم وجوب غَسل جميع العضد في حالٍ، و هو أولى من حمله على الاستحباب؛ لأنّه خبر معناه الأمر، و هو حقيقة في الوجوب.

و أوضح دلالةً ما روي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في الأقطع اليد أو الرّجْل كيف يتوضّأ؟ قال‌

يغسل ذلك المكان الذي قطع منه. «1»

و كذا القول فيما لو قُطعت رِجْله من الكعب، و قد ذُكر أيضاً في هذه الرواية.

و لو قُطعت اليد من فوق المرفق أو الرّجْل من فوق الكعب، لم يجب الغسل و لا المسح إجماعاً.

و هل يستحبّ مسح باقي العضد؟ أثبته جماعة، منهم: المصنّف و الشهيد «2» رحمهما اللّه؛ استناداً إلى الرواية السابقة عن الكاظم عليه السّلام، مع أنّها إنّما وردت في القطع من المرفق. و على ما ذكرناه من توجيهها يسقط الاحتجاج بها رأساً.

و أمّا الرّجْل فلا نصّ معتبر على مسح ما خرج عن محلّ الفرض، غير أنّ الصدوق- رحمه اللّه- لمّا روى عن الكاظم عليه السّلام ما تقدّم قال: و كذلك روي في أقطع الرِّجْلين. «3» و مثل هذا لا يصلح للاحتجاج.

[الرابع مسح بشرة مقدّم الرأس]

(و) يجب (مسح بشرة مقدّم الرأس) دون وسطه أو خلفه أو أحد جانبيه؛ لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مسح في الوضوء البيانيّ بناصيته. «4» و عليه إجماع الإماميّة (أو شعره) أي: شعر المقدّم (المختصّ به) فلا يجزئ المسح على شعر غير المقدّم و إن كان موضوعاً عليه، و لا على شعره غير المختصّ به، كالطويل بحيث لو استرسل لخرج عن حدّ المقدّم.

و المراد بالممنوع منه هنا الجزء الخارج بمدّه عن حدّه دون أصله و ما يتّصل به ممّا لا يخرج به عنه.

و قوله (بأقلّ اسمه) أي: يجب المسح المذكور بأقلّ اسم المسح، و هو إجراء جزء من الإصبع على المحلّ الممسوح.

و تخصيص الإصبع في كلامهم بناءً على أنّ أقلّ ما يمسح به المكلّف بحسب الواقع‌

______________________________
(1) التهذيب 1: 359/ 1078.

(2) مختلف الشيعة 1: 120، المسألة 73؛ منتهى المطلب 2: 37- 38؛ نهاية الإحكام 1: 38؛ الذكرى 2: 133- 134.

(3) الفقيه 1: 30/ 99.

(4) صحيح مسلم 1: 230/ 81؛ سنن أبي داود 1: 38/ 150؛ سنن البيهقي 1: 100/ 280.

102
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

الرابع مسح بشرة مقدم الرأس ؛ ج‌1، ص : 102

إذا قلّل هو الإصبع، فكأنّها آلة للمسح لا ملحوظة بالتقدير.

و هذا هو اختيار جماعة «1» من المتأخّرين.

و أوجب المرتضى- رضي اللّه عنه- في مسائل الخلاف و ابن بابويه- رحمه اللّه- ثلاث أصابع مضمومة. «2» و تبعهما الشيخ- رحمه اللّه- في النهاية. «3»

و إنّما أجزأ ذلك كلّه؛ لمكان الباء في قوله تعالى بِرُؤُسِكُمْ. «4»

أمّا عندنا فظاهر؛ للنصّ عليه في خبر زرارة، قال: قلت لأبي جعفر عليه السّلام: أ لا تخبرني من أين علمت و قلت: إنّ المسح ببعض الرأس و بعض الرِّجْلين؟ فضحك، ثمّ قال‌

يا زرارة قاله رسول اللّهُ صلّى اللّه عليه و آله، و نزل به الكتاب من اللّه عزّ و جلّ يقول فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ فعلمنا أنّ الوجه كلّه ينبغي أن يغسل، ثمّ قال وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ ثمّ فصل بين الكلام فقال وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ فعرفنا حين قال بِرُؤُسِكُمْ أنّ المسح ببعض الرأس؛ لمكان الباء، ثمّ وصل الرِّجْلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه، فقال وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ فعرفنا حين وصلها بالرأس أنّ المسح على بعضها. «5»

و إنّما نقلتُ الحديث بأسره؛ لكثرة الاختلاف في هذه الباء بين الأُصوليّين، و حيث هي منصوصة عندنا عن أئمّة الهدى فلا يلتفت حينئذٍ إلى مَنْ مَنَع من ذلك من الأُصوليّين، و لا إلى إنكار سيبويه «6» إفادتها التبعيض في سبعة عشر موضعاً من كتابه، و تبعه على ذلك ابن جنّي «7»، مع أنّها شهادة على النفي، و معارضة بإقرار الأصمعي و أبي علي الفارسي و ابن كيسان و القتيبي «8» و ابن مالك من المتأخّرين، «9» و أكثر عليها من الآيات الإلهية و الشواهد الشعريّة، كقوله تعالى يَشْرَبُ بِهٰا عِبٰادُ اللّٰهِ. «10»

______________________________
(1) منهم: ابن إدريس في السرائر 1: 101؛ و المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 144؛ و الفاضل الآبي في كشف الرموز 1: 66.

(2) الفقيه 1: 28؛ و حكاه عنهما المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 145.

(3) النهاية: 14.

(4) المائدة (5): 6.

(5) الكافي 3: 30/ 4؛ الفقيه 1: 56/ 212؛ علل الشرائع 1: 324/ 1، الباب 190؛ التهذيب 1: 61/ 168؛ الاستبصار 1: 62- 63/ 186.

(6) انظر على سبيل المثال: الكتاب 4: 217.

(7) كما في الذكرى 2: 136.

(8) في مغني اللبيب: القتبيّ.

(9) مغني اللبيب 1: 142؛ الذكرى 2: 136.

(10) الإنسان (76): 6.

103
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

الرابع مسح بشرة مقدم الرأس ؛ ج‌1، ص : 102

و قول الشاعر:

شربن بماء البحر ثمّ ترفّعت «1»

و قوله:

شرب النزيف ببرد ماء الحشرج «2»

و نُقل عن جميع الكوفيّين. «3» و حُمل النفي المتقدّم على أنّه عن أهل بلد النافي لا غير، كما صرّح به ابن جنّي. «4»

و لما ذكره محقّقو الأُصول من أنّها إذا دخلت على المتعدّي بنفسه، أفادت التبعيض، و إلا لزم عدم فائدتها، و للفرق بين‌

مسحت المنديل

و‌

مسحت بالمنديل.

و هذه الحجّة قرّرها المصنّف أيضاً في كتب الأُصول، «5» لكن مع ثبوت النصّ عندنا لا يحتاج إلى ذلك.

و أمّا عند غيرنا ممّن لم يوجب استيعاب الرأس بالمسح: فلما نقلناه عن أهل العربيّة و الأُصول.

و يدلّ على عدم وجوب الثلاث: قول الباقر عليه السّلام في حديث الأخوين‌

«6» إذا مسحت بشي‌ءٍ من رأسك أو بشي‌ءٍ من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك

«7» فالشي‌ء كما يتناول أقلّ من الثلاث يتناول أيضاً ما هو أقلّ من قدر الإصبع عَرضاً، و هو معنى أقلّ الاسم كما قلنا.

إذا تقرّر ذلك، فإن اقتصر المكلّف على الأقلّ، فهو الواجب. و إن زاد عليه، فلا ريب‌

______________________________
(1) صدر بيت لأبي ذؤيب الهذلي، و عجزه:

متى لجج خضر لهنّ نئيج

الخصائص- لابن جني- 2: 85؛ شرح ابن عقيل 2: 6.

(2) عجز بيت، و صدره:

فلَثَمْتُ فاها آخذاً بقرونها

و الحشرج: كوز صغير لطيف. تهذيب اللغة- للأزهري- 5: 310؛ لسان العرب 2: 237، «ح ش ر ج».

(3) كما في مغني اللبيب 1: 105؛ و الذكرى 2: 136.

(4) كما في الذكرى 2: 136.

(5) منها: نهاية الوصول، المقصد الثاني: في اللغات، الفصل الثامن: في تفسير حروف، البحث الثالث: في باقي الحروف، المسألة الرابعة: الباء للإلصاق و الاستعانة.

(6) هما: زرارة و بكير ابنا أعين.

(7) التهذيب 1: 90/ 237؛ الإستبصار 1: 61/ 182.

104
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

الرابع مسح بشرة مقدم الرأس ؛ ج‌1، ص : 102

في استحبابه عيناً، لكن هل يوصف مع ذلك بالوجوب تخييراً أم لا؟ الذي يظهر من المصنّف- رحمه اللّه- هنا و صرّح به في الأُصول «1» عدم الوصف بالوجوب محتجّاً بأنّه «2» يجوز تركه لا إلى بدلٍ، و لا شي‌ء من الواجب كذلك، فلا شي‌ء من الزائد بواجبٍ. و بأنّ الكلّي قد وُجد فخرج المكلّف به عن العهدة، فلم يكن شي‌ء مطلوب منه حتماً حتى يوصف بالوجوب.

و فيه نظر؛ إذ لا مانع من إلحاقه بالواجبات الكلّيّة، كأفراد الواجب المخيّر.

و الاستدلال بجواز تركه إن أراد به مطلق الواجب، مُنعت الصغرى؛ لجواز ترك بعض أفراد الواجب المخيّر مع الإتيان بالفرد الآخر، و ظاهر إطلاق اسم الواجب على كلّ واحد منها أو فرداً خاصّاً لم يستلزم المدّعى؛ لعدم كلّيّة الكبرى.

و قد وقع مثل ذلك في التخيير بين القصر و التمام في أماكن التخيير عندنا، و مطلقاً عند غيرنا؛ فإنّ الركعتين الأخيرتين من هذا القبيل، و لا امتناع في أن يكون الشي‌ء مطلوباً وجوباً على وجهين أحدهما أكمل من الآخر، كمثال القصر «3» و التمام. و من هذا الباب تكرار التسبيحات الأربع في الأخيرتين، و تكرار التسبيح في الركوع و السجود و نحوها.

و استقرب شيخنا الشهيد- رحمه اللّه- استحباب الزائد عن أقلّ الواجب، محتجّاً بجواز تركه، كما مرّ. قال في الذكرى: هذا إذا أوقعه دفعةً، و لو أوقعه تدريجاً، فالزائد مستحبّ قطعاً. «4»

و هذا التفصيل حسن؛ لأنّه مع التدريج يتأدّى الوجوب بمسح جزء، فيحتاج إيجاب الباقي إلى دليلٍ، و الأصل يقتضي عدم الوجوب، بخلاف ما لو مسحه «5» دفعةً؛ إذ لم يتحقّق فعل الفرد الواجب إلا بالجميع.

و اعلم أنّ الخلاف المتقدّم في تقدير المسح إنّما هو في الرأس، أمّا في الرِّجْلين: فقال المحقّق في المعتبر: يكفي المسح من رؤوس الأصابع إلى الكعبين و لو بإصبع واحدة، و هو‌

______________________________
(1) نهاية الوصول، المقصد الرابع: في الأمر و النهي، الفصل الخامس: في أحكام الوجوب، البحث الأوّل: فيما يتوقّف عليه الواجب، الفرع السادس.

(2) أي: بأنّ الزائد على الواجب.

(3) في «م»: «كما في القصر» بدل «كمثال القصر».

(4) الذكرى 2: 142.

(5) في «م»: «مسح».

105
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

الرابع مسح بشرة مقدم الرأس ؛ ج‌1، ص : 102

إجماع فقهاء أهل البيت عليهم السّلام «1». فافهم ذلك، فإنّ الإجماع المنقول بخبر الواحد حجّة، مع أنّه لم يدّع خلاف ذلك.

(و لا يجزئ الغَسل عنه) أي: عن المسح؛ لأنّهما حقيقتان مختلفتان لا تدخل إحداهما تحت الأمر بالأُخرى، و لتحريم الماء الجديد، و للخبر. «2»

و هل اختلاف حقيقتي الغَسل و المسح على وجه العموم و الخصوص من وجه أم على وجه التباين بحيث لا تجتمعان في مادّة؟

يحتمل الأوّل؛ لأنّ المراد بالغَسل إجراء الماء على العضو، و بالمسح إمرار اليد عليه مع وجود بلل الوضوء عليها، و هو أعمّ من كونه مع ذلك جارياً على العضو و عدمه، و حينئذٍ فيصدق الغَسل بدون المسح في إجراء الماء على العضو من دون إمرار اليد، و المسح بدونه مع إمرارها ببلل غير جارٍ، و يجتمعان في إمرارها ببللٍ يجري على العضو.

و يحتمل الثاني؛ لدلالة الآية و الأخبار على اختصاص أعضاء الغَسل به و أعضاء المسح به، و التفصيل قاطع للشركة، فلو أمكن اجتماعهما في مادّة، أمكن غَسل الممسوح، فيتحقّق الاشتراك.

و لأنّ المصنّف نقل في التذكرة الإجماع على أنّ الغَسل لا يجزئ عن المسح. «3» و لا شكّ أنّ الماء الجاري على العضو على ذلك الوجه غَسل، فلا يجزئ إجماعاً، و لا اعتبار بعدم نيّة الغسل به؛ لأنّ الاسم تابع للحقيقة لا للنيّة.

و تظهر الفائدة فيما لو مسح على العضو الممسوح ببللٍ كثير بحيث جرى عليه، فعلى الأوّل يجزي دون الثاني.

و ممّن صرّح بالإجزاء الشهيدُ- رحمه اللّه- في الذكرى، قال فيها: و لا يقدح قصد إكثار الماء لأجل المسح؛ لأنّه من بلل الوضوء. و كذا لو مسح بماء جارٍ على العضو و إن أفرط الجريان؛ لصدق الامتثال. و لأنّ الغسل غير مقصود. «4»

و في تحقّق الامتثال ما مرّ من المنع. و عدم قصد الغَسل مع وجوده لا يُخرجه عن كونه‌

______________________________
(1) المعتبر 1: 150.

(2) الكافي 3: 31/ 9؛ علل الشرائع 1: 336/ 2، الباب 212؛ التهذيب 1: 65/ 184؛ الاستبصار 1: 64/ 191.

(3) تذكرة الفقهاء 1: 168، المسألة 50.

(4) الذكرى 2: 143.

106
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

الخامس مسح بشرة الرجلين ؛ ج‌1، ص : 107

غَسلًا، فالمتّجه حينئذٍ عدم الإجزاء.

(و يستحبّ المسح مُقبِلًا) تفصّياً من الخلاف، فيحصل القطع برفع الحدث معه، و ليس بواجب على الأصحّ، خلافاً للأكثر «1»؛ لإطلاق الآية «2» و الأخبار.

و لصحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال‌

لا بأس بمسح الوضوء مُقبلًا و مُدبراً. «3»

و ما تقدّم من الاستدلال بالوضوء البياني من أنّه إن كان عليه السّلام مسح رأسه منكوساً، تعيّن ذلك، لكنّ الإجماع على خلافه، بل غايته الجواز، فدلّ على مسحه مُقبِلًا فيجب، يندفع هنا بدليلٍ خارجي، و هو الخبر المتقدّم. و حاصله: أنّه حجّة فيما لا يثبت خلافه؛ لاشتماله على مقطوعٍ بعدم وجوبه.

و العجب! أنّ المرتضى- رحمه اللّه- مَنَع من استقبال الشعر هنا مع تجويزه الاستقبال في الوجه و اليدين؛ محتجّاً هنا بتوقّف القطع برفع الحدث عليه. «4»

(و لا يجوز) المسح (على حائلٍ، كعمامة و غيرها) و لو حنّاء- و ما ورد من نفي البأس عنه «5» محمول على أثره، و هو اللون- لإفادة الباء في الآية «6» الإلصاقَ مع التبعيض؛ إذ لا منافاة، فلا يخرج عن العهدة بدونه.

و لقول الصادق عليه السّلام حين سُئل عن رجل يتوضّأ و ثقل عليه نزع العمامة، قال‌

يدخل إصبعه. «7»

[الخامس مسح بشرة الرِّجْلين]

(و) يجب (مسح بشرة الرِّجْلين) بإجماعنا، و تواتر الأخبار به عن أئمّتنا عليهم السّلام و روى عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من طريق العامّة في جملة أخبار. «8»

______________________________
(1) كما في الذكرى 2: 138؛ و منهم: الشيخ الصدوق في الفقيه 1: 28؛ و الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 83، المسألة 31؛ و النهاية: 14؛ و ابن حمزة في الوسيلة: 50.

(2) المائدة (5): 6.

(3) التهذيب 1: 58/ 161؛ الاستبصار 1: 57/ 169.

(4) الانتصار: 99 و 103، المسألتان 9 و 11؛ و كما في الذكرى 2: 138.

(5) التهذيب 1: 359/ 1079 و 1081 و الاستبصار 1: 75/ 232 و 233.

(6) المائدة (5): 6.

(7) الكافي 3: 30/ 3؛ التهذيب 1: 90/ 239؛ الاستبصار 1: 61- 62/ 183.

(8) سنن أبي داود 1: 41/ 160؛ سنن البيهقي 1: 429/ 1360.

107
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

الخامس مسح بشرة الرجلين ؛ ج‌1، ص : 107

و لقوله تعالى وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ «1» بالجرّ عطفاً على الرؤوس لفظاً، أو بالنصب على المحلّ؛ لأنّ الرؤوس في محلّ نصب بامسحوا و هو أولى من عطف الأرجل على تقدير النصب على الأيدي؛ للقرب، و الفصل، و الإيهام المخلّ بالفصاحة من الانتقال من جملةٍ إلى أُخرى قبل إكمالها، كقولك‌

ضربت زيداً و عمرواً، و أكرمت خالداً و بكراً

و يجعل بكراً معطوفاً على زيد و عمرو المضروبين.

و حَملُ الجرّ في الأرجل على المجاورة للمجرور- كقوله تعالى عَذٰابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ «2»+ و قراءة حمزة وَ حُور عين «3» إذ ليس معطوفاً على لَحْمِ طَيْرٍ «4» لعدم كون الحور معطوفاً بهنّ- ضعيف؛ لإنكار أكثر أهل العربيّة الجرّ بالمجاورة، فيضعف جدّاً إن لم يمنع، و لا يليق بكتاب اللّه عزّ و جلّ، مع أنّه مشروط عند مجوّزة بعدم الالتباس و عدم العطف، و هُما مفقودان هنا.

و ما ورد ممّا يوهم خلاف الشرطين مقرّر على وجه يدفع التوهّم، و جرّ أليم لا يلبسه بيوم و حور عين مجرور عطفاً على جنات «5» أي: المقرّبون في جنّاتٍ و مصاحبة حور عين؛ لمنع الجوار مع العطف بالواو.

و اعلم أنّه يستفاد من قوله‌

بشرة الرِّجلين

مع قوله في الرأس كذلك أو شعره المختصّ: أنّه لا يجزئ المسح على الشعر في الرِّجْلين، بل يتحتّم البشرة، و الأمر فيه كذلك.

(بأقلّ اسمه) كما تقدّم في مسح الرأس؛ لعطف الأرجل على الرؤوس، فشاركه في الحكم، إلا أنّه لا خلاف هنا في إجزاء المسمّى، كما ذكره المحقّق- رحمه اللّه- في المعتبر. «6»

و حدّه (من رؤوس الأصابع إلى الكعبين) و لا بدّ من إدخال جزء من الحدّين؛ لعدم المفصل المحسوس، كنظائره.

(و هُما) أي: الكعبان (مجمع القدم و أصل الساق) على المختار عند المصنّف رحمه اللّه-

______________________________
(1) المائدة (5): 6.

(2) هود (11): 26.

(3) الواقعة (56): 22.

(4) الواقعة (56): 21.

(5) الواقعة (56): 12.

(6) المعتبر 1: 150.

108
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

الخامس مسح بشرة الرجلين ؛ ج‌1، ص : 107

و تبعه الشهيد- رحمه اللّه- في الألفيّة، «1» و المقدادُ في الكنز، «2» مع أنّ الشهيد رحمه اللّه في الذكرى ادّعى إجماعنا و كثير ممن خالفنا- كسائر الحنفيّة و بعض الشافعيّة على أنّهما قبّتا القدم عند معقد الشراك. «3»

و لاشتقاقه من قولهم: كعب: إذا ارتفع. و منه: كعب ثدي الجارية: إذا علا.

قال:

قد كعب الثدي على نحرها

في مُشرق ذي صَبَح نائِر «4»

فهو بالاشتقاق أنسب.

و كذلك المحقّق في المعتبر «5» ادّعى أيضاً إجماع فقهاء أهل البيت عليهم السّلام على ذلك، و قَبله الشيخ- رحمه اللّه- في التهذيب. «6»

و للنقل المتواتر عن أهل البيت عليهم السّلام، كما روي عن أبي جعفر عليه السّلام أنّه وصف الكعب في ظهر القدم. «7»

و عنه عليه السّلام في وصف وضوء رسول اللّهُ صلّى اللّه عليه و آله‌

ثمّ وضع يده على ظهر القدم ثمّ قال: هذا هو الكعب. قال: و أومأ بيده إلى أسفل العُرقُوب و قال: هذا هو الظنبوب. «8»

«9» و لا ريب أنّ الكعب الذي يدّعيه المصنّف ليس في ظهر القدم، و إنّما هو المفصل بين الساق و القدم، و المفصل بين شيئين يمتنع كونه في أحدهما.

و احتجّ المصنّف على مذهبه بما رواه زرارة و بكير ابنا أعين عن أبي جعفر عليه السّلام حيث سألاه عن الكعبين، فقال: «ها هنا» يعني المفصل دون عظم الساق. «10»

______________________________
(1) الألفيّة: 44.

(2) كنز العرفان 1: 18.

(3) الذكرى 2: 149.

(4) البيت ورد في الذكرى 2: 149 كما في المتن؛ و في ديوان الأعشى: 189 هكذا:

قد نهد الثدي على صدرها

(5) المعتبر 1: 151.

(6) التهذيب 1: 75.

(7) الكافي 3: 26- 27/ 7؛ التهذيب 1: 75/ 189؛ الاستبصار 1: 69/ 210.

(8) الظنبوب: العظم اليابس من قدم الساق. الصحاح 1: 175، «ظ ن ب».

(9) التهذيب 1: 75/ 190.

(10) الكافي 3: 25- 26/ 5؛ التهذيب 1: 76/ 191.

109
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

الخامس مسح بشرة الرجلين ؛ ج‌1، ص : 107

و بما تقدّم من وصف الباقر عليه السّلام لوضوء رسول اللّهُ صلّى اللّه عليه و آله، إلى أن قال‌

و مسح على مقدّم رأسه و ظهر قدميه «1»

و هو يعطي استيعاب المسح لجميع ظهر القدم.

و بأنّه أقرب إلى ما حدّده أهل اللغة. «2»

و أنت خبير بعدم دلالة الحديث الثاني، و قد تقرّر.

و أمّا حديث الأخوين: فهو و إن لم يناف مدّعاه لا ينافي مدّعى الجماعة أيضاً، فيجب حمله على ما يوافق الحديثين المتقدّمين؛ جمعاً بين الأخبار، و موافقةً للإجماع، مع أنّ الشهيد- رحمه اللّه- جَعَله أوّل الأدلّة النقليّة على قول جماعة الأصحاب. «3»

و أمّا استدلاله بقربه إلى ما حدّده أهل اللغة: فقد أجاب عنه في الذكرى بأنّه إن أراد بأهل اللغة لغويّة العامّة، فهُم مختلفون. و إن أراد لغويّة الخاصّة، فهُم متّفقون على ما قرّرناه أوّلًا حتى أنّ العلامة اللغوي عميد الرؤساء صنّف في الكعب كتاباً مفرداً، و أكثر فيه من الشواهد على أنّه قبّة القدم. «4»

و الظاهر أنّ تفسير الشهيد- رحمه اللّه- له في الألفيّة بأنّه ملتقى الساق و القدم «5» على سبيل الاحتياط لا الوجوب، كما ذكره في البيان «6»؛ لكثرة تشنيعه على الفاضل في القول بذلك حتى ألزمه خرق إجماع الكلّ و إحداث قولٍ ثالث مستلزم رفعَ ما أجمع عليه الأُمّة؛ لأنّ الخاصّة على ما ذُكر، و العامّة على أنّ الكعب ما نتأ عن يمين الرّجْل و شمالها. «7»- «8»

و العجب من المصنّف حيث قال في المختلف: إنّ في عبارة أصحابنا اشتباهاً على غير المحصّل «9»؛ مشيراً إلى أنّ المحصّل لا يشتبه عليه أنّ مرادهم بالكعب المفصل بين الساق و القدم، و أنّ مَنْ لم يفهم ذلك من كلامهم لا يكون محصّلًا. ثمّ حكى كلام جماعة منهم، و الحال أنّ المحصّل لو حاول فهم ذلك من كلامهم، لم يجد إليه سبيلًا و لم يقم عليه دليلًا.

______________________________
(1) الكافي 3: 25/ 4؛ الفقيه 1: 24/ 74.

(2) مختلف الشيعة 1: 125- 126، المسألة 78.

(3) انظر: الذكرى 2: 150.

(4) الذكرى 2: 149- 151.

(5) الألفيّة: 44.

(6) البيان: 48.

(7) في «ق، م» و الطبعة الحجريّة: «شماله». و الأنسب ما أثبتناه.

(8) الذكرى 2: 151.

(9) مختلف الشيعة 1: 125، المسألة 78.

110
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

الخامس مسح بشرة الرجلين ؛ ج‌1، ص : 107

و كأنّه تعرّض في ذلك لشيخه أبي القاسم حيث ادّعى إجماع علماء أهل البيت عليهم السّلام على خلاف مدّعاه، كما تقدّم «1» النقل عنه، و اللّه أعلم بحقيقة الحال.

(و يجوز) المسح على الرِّجْلين (منكوساً) بأن يبتدئ بالكعب و يختم بالأصابع (كالرأس)؛ لرواية حمّاد- المتقدّمة- «2» عن أبي عبد اللّه عليه السّلام‌

لا بأس بالمسح في الوضوء مُقبِلًا و مُدبراً

و هو شامل بإطلاقه للجميع. و في عبارة أُخرى له عنه عليه السّلام‌

لا بأس بمسح القدمين مُقبلًا و مُدبراً «3»

و غير ذلك من الأخبار، و هي مخصّصة أيضاً لدليل الوضوء البياني، كما تقدّم.

و الكلام في إلى في الآية «4» هنا كما مرّ في احتمال المعيّة و الغاية، فعلى الأوّل لا دلالة فيها على الابتداء، و كذا على الثاني إذا جُعلت الغاية للممسوح.

و أوجب جماعة «5» الابتداء برؤوس الأصابع، و وافقهم المرتضى «6» هنا- مع مخالفته في غَسل الوجه و اليدين- جَعلًا لإلى على بابها من الانتهاء، و أرادوا به انتهاء المسح. و لأنّ في وصف الباقر عليه السّلام وضوء رسول اللّهُ صلّى اللّه عليه و آله‌

مسح قدميه إلى الكعبين «7»

و لأنّ الوضوء البياني لم ينكس فيه، و إلا لما أجزأ خلافه مع جوازه إجماعاً، و التقريب ما تقدّم. و لا ريب أنّه أولى و أحوط لتحقّق الخروج عن العهدة بفعله.

(و لا يجوز) المسح (على حائلٍ، كخُفّ و غيره اختياراً) إجماعاً منّا؛ لعدم مسمّى الرّجْل فيه. و لإفادة الباء المقدّرة في المعطوف الإلصاقَ. و لعدم المسح في الوضوء البياني- المحكوم بأنّه لا تقبل الصلاة إلا به- على حائلٍ بين البشرة و بينه من خُفّ و غيره إجماعاً.

و قد روي عن عليّ عليه السّلام‌

ما أُبالي أمسح على الخُفين أو على ظهر عير بالفلاة «8»

بالعين المهملة ثمّ الياء المثنّاة من تحت، ثمّ الراء المهملة، و هو الحمار. و مثله عن أبي هريرة و عائشة. «9»

______________________________
(1) تقدّم في ص 109.

(2) تقدّمت في ص 107.

(3) التهذيب 1: 83/ 217.

(4) المائدة (5): 6.

(5) منهم: الشيخ الصدوق في الفقيه 1: 28؛ و ابن إدريس في السرائر 1: 99.

(6) الانتصار: 115، المسألة 16.

(7) التهذيب 1: 56/ 158؛ الإستبصار 1: 57/ 168.

(8) أورده المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 153.

(9) المصنّف- لابن أبي شيبة- 1: 213- 214/ 9؛ الفقيه 1: 30/ 97؛ أمالي الصدوق: 515؛ و كما في المعتبر 1: 153.

111
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

الخامس مسح بشرة الرجلين ؛ ج‌1، ص : 107

و عنها عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال‌

أشدّ الناس حسرةً يوم القيامة مَنْ رأى وضوءه على جلد غيره. «1»

و عنها: لأن تقطع رِجْلاي بالمواسي أحبّ إليّ من أن أمسح على الخُفّين. «2»

و إنكار هؤلاء يدلّ على عدم فعل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إيّاه.

و أمّا الروايات عن أهل البيت عليهم السّلام في ذلك فكثيرة غنيّة عن الإيراد هنا.

(و يجوز) ذلك (للتقيّة و الضرورة) كالبرد. و لا يختصّ بكيفيّة عندهم، كاللّبس على طهارةٍ، و لا كمّيّة، كاليوم و الليلة للحاضر، و الثلاثة للمسافر.

و لا يبطل الوضوء بزوال التقيّة و الضرورة ما لم يحدث على الأصحّ؛ لأنّها طهارة شرعيّة، و لم يثبت كون ذلك ناقضاً. و يحتمله؛ لزوال المشروط بزوال شرطه. و قرّبه المصنّف- رحمه اللّه- في التذكرة، «3» و توقّف في غيرها. «4»

و لا يشترط في جواز ذلك و نحوه للتقيّة عدم المندوحة، و هو يؤيّد بقاء الطهارة مع زوال سبب التقيّة.

و لو تأدّت التقيّة بأحد الأمرين: إمّا المسح على الخُفّ أو غَسل الرِّجْلين، تعيّن الغَسل؛ لأنّه أقرب إلى المفروض بالأصل.

(و لو غسل) رِجْليه (مختاراً، بطل وضوؤه) لاختلاف الحقيقة، و مخالفة الأمر، و للإجماع. و احترز بالاختيار عن التقية، فيجوز الغَسل لها. و لا يجب الاستيعاب حينئذٍ، بل لو تأدّت بغَسل موضع المسح خاصّةً، أجزأ.

و لو انعكس الحكم بأن مسح في موضع التقيّة، بطل وضوؤه أيضاً؛ للنهي المقتضي للفساد في العبادة، مع احتمال الصحّة؛ لأنّ النهي لوصفٍ خارج.

و اعلم إنّ الحالة الموجبة للتقيّة أن يحصل للمكلّف العلم أو الظنّ بنزول الضرر بتركها به أو ببعض المؤمنين قريباً أو بعيداً، سواء كان ذلك في واجبٍ عندهم أم مستحبّ أم مباح.

و لو لم يخف ضرراً عاجلًا و يتوهّم ضرراً آجلًا أو ضرراً سهلًا، استحبّت. و كذا‌

______________________________
(1) الفقيه 1: 30/ 96؛ أمالي الصدوق: 515.

(2) المعتبر 1: 153، المصنّف- لابن أبي شيبة- 1: 213/ 1 و 214/ 10.

(3) تذكرة الفقهاء 1: 174، الفرع «ب».

(4) قواعد الأحكام 1: 11؛ نهاية الإحكام 1: 45.

112
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

الخامس مسح بشرة الرجلين ؛ ج‌1، ص : 107

لو كانت التقيّة في المستحبّ، كغَسل الوجه باليدين معاً حيث لا ضرر معلوماً و لا مظنوناً، و لا يبطل الفعل بتركها هنا قطعاً.

و قد تكره، كالتقيّة في المستحبّ حيث لا ضرر عاجلًا و لا آجلًا مع خوف الالتباس على عوام المذهب.

و قد تحرم حيث يتحقّق الأمن من الضرر بفعل الواجب عاجلًا و آجلًا. و لا يتصوّر إباحتها في العبادة و إن أمكنت في الجملة، كالتقيّة في بعض المباحات التي ترجّحها العامّة و لا يحصل بتركها ضرر، فهي إذَن منقسمة بانقسام الأحكام الخمسة، و لا اختصاص لها بهذا الباب و إن أمكن فرض الأربعة فيه.

(و يجب مسح الرأس و الرّجْلين ببقيّة نداوة الوضوء) لوصف وضوء رسول اللّهُ صلّى اللّه عليه و آله، و فيه‌

ثمّ مسح ببقيّة ما بقي في يده رأسه و رِجْليه «1»

و غيره من الأخبار.

و هذا الحكم قد استقرّ عليه إجماعنا بعد ابن الجنيد مع أنّه لم يُجوّز الاستئناف مطلقاً، بل مع جفاف أعضاء الوضوء أو مع غَسل الأعضاء مرّتين مرّتين. «2» مع أنّ الحكم الأوّل يأتي عندنا على بعض الوجوه، كشدّة الحرّ و قلّة الماء.

(فإن استأنف ماءً جديداً، بطل وضوؤه) لعدم مماثلته للوضوء المحكوم عليه بأنّه لا تُقبل الصلاة إلا به.

(فإن جفّ) البلل عن يديه (أخذ من لحيته و أشفار عينيه) و حاجبيه (و مسح به).

و يجوز الأخذ من هذه المواضع و غيرها من غير جفاف؛ لاشتراك الجميع في كونه بلل الوضوء، و لا يصدق عليه الاستئناف.

و لإطلاق قول الصادق عليه السّلام فيما رواه مالك بن أعين عنه عليه السّلام‌

مَنْ نسي مسح رأسه ثمّ ذكر أنّه لم يمسح رأسه فإن كان في لحيته بلل فليأخذ منه و ليمسح به «3»

فجوّز عليه السّلام الأخذ من اللّحية من غير تقييدٍ بجفاف اليد.

(فإن جفّ) جميع ذلك أو لم يمكن أن ينفصل عنه ما يتحقّق به المسح (بطل) الوضوء إلّا مع الضرورة، كإفراط الحرّ و قلّة الماء، فيجوز حينئذٍ استئناف الماء، لكن لو أمكن إبقاء جزء‌

______________________________
(1) الكافي 3: 12/ 1؛ التهذيب 1: 55- 56/ 157؛ الاستبصار 1: 58/ 171.

(2) حكاه عنه المحقّق في المعتبر 1: 147؛ و الشهيد في الذكرى 2: 138- 139.

(3) التهذيب 2: 201/ 788.

113
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

السادس الترتيب ؛ ج‌1، ص : 114

من اليد اليسرى ثمّ الصبّ عليه أو غمسه في الماء و تعجيل المسح به، وجب مقدّماً على الاستئناف.

[السادس الترتيب]

(و يجب) في الوضوء (الترتيب) بين الأعضاء المغسولة و الممسوحة (يبدأ بغَسل الوجه ثمّ باليد اليمنى ثمّ باليسرى ثمّ بمسح الرأس ثمّ بالرّجْلين) عند علمائنا أجمع؛ لترتيب الوضوء البياني. و لأنّ الفاء في فَاغْسِلُوا «1» تفيد الترتيب بين إرادة القيام و بين غَسل الوجه، فتجب البدأة بغَسل الوجه، و كلّ مَنْ قال بوجوب البدأة به قال بالترتيب بين باقي الأعضاء؛ لأنّ أبا حنيفة و مالكاً لا يريان الترتيب فيه و لا في غيره، بل يُجوّزان تأخيره عن الجميع «2»، و صوره مع النكس عندهما سبعمائة و عشرون كلّها مجزئة، و عندنا لا تجزئ منها إلا واحدة.

و الروايات عندنا على وجوبه و توقّف صحّة الوضوء عليه متظافرة.

و المعتبر في الترتيب تقديم المقدّم لا عدم تأخيره، فلا تجزئ المعيّة، بل يحصّل الوجه دخولًا و اليمنى خروجاً. فإن أعادها فاليسرى. و يجوز المسح بمائها؛ لعدم صدق التجديد عليه. و لو أخرجها مرتّباً، صحّ غَسل الجميع. و لو كان في جارٍ و تعاقبت عليه ثلاث جريات أو في واقفٍ و طال المكث، صح غَسل الوجه و اليدين أيضاً.

(و لا ترتيب) واجب (بينهما) أي: بين الرِّجْلين؛ للأصل. و لقوله تعالى وَ أَرْجُلَكُمْ «3» فيصدق مع الترتيب و عدمه؛ إذ لا دلالة للكلّيّ على الجزئيّ المعيّن.

و أوجبه جماعة «4»؛ لتقريب الدليل في الوضوء البياني، و هو أنّه لو قدّم فيه اليسرى أو مسحهما معاً، تعيّن ذلك، و هو خلاف الإجماع، فتعيّن كون اليمنى فيه مقدّمةً.

و هذا الدليل لا معارض له هنا كما في صورتي نكس المسح، فيعمل عليه. و الآية كما أنّها لا تدلّ عليه لا تنافيه، كجمع الأيدي مع وجوب الترتيب فيها، و هذا هو الأجود.

[السابع الموالاة]

(و تجب) فيه (الموالاة) و لا خلاف عندنا في وجوبها، و لكن اختلف في معناها على‌

______________________________
(1) المائدة (5): 6.

(2) الهداية- للمرغيناني- 1: 13؛ المبسوط- للسرخسي- 1: 55؛ بدائع الصنائع 1: 18 و 21- 22؛ المدوّنة الكبرى 1:

14؛ بداية المجتهد 1: 16- 17.

(3) المائدة (5): 6.

(4) منهم ابن أبي عقيل و ابن الجنيد كما حكاه عنهما العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 130، المسألة 81؛ و الشيخ الصدوق في الفقيه 1: 28 ذيل الحديث 88؛ و سلّار في المراسم: 38.

114
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

السابع الموالاة ؛ ج‌1، ص : 114

ثلاثة أقوال:

أحدها: أنّها مراعاة الجفاف مطلقاً، فمتى أخّر متابعة الأعضاء على وجه لا يحصل معه جفاف فلا إثم عليه و لا إبطال. و هو قول الأكثر، «1» و منهم: الشيخ في الجُمل. «2»

و ثانيها: متابعة الأَعضاء بعضها لبعض بحيث إذا فرغ من عضوٍ شرع في آخَرَ في حال الاختيار، فإن أخلّ بها معه، أثم، و لا يبطل إلا بالجفاف. و مع الضرورة- كفراغ الماء و نحوه لا إثم بالتأخير و لا إبطال ما لم يجف. و هو قول الشيخين «3» في غير الجُمل و المبسوط و المصنّف رحمهم اللّه، و إليه أشار هنا بقوله (و هي) أي: الموالاة (المتابعة اختياراً، فإن أخّر) بعض الأعضاء عن بعض (فجفّ المتقدّم، استأنف) و إلا فلا لكن مع الإثم في حال الاختيار.

و ثالثها: المتابعة مع الاختيار، فمتى أخلّ بها معه، بطل الوضوء، سواء حصل معه جفاف أم لا. و هو قول الشيخ في المبسوط. «4»

و هذا القول أسقطه المصنّف في المختلف، و جَعَل فيها قولين خاصّة، «5» و قد عرفت أنّ الثلاثة للشيخ- رحمه اللّه- وحده فضلًا عمّن شاركه في بعضها.

و ممّن صرّح بالثلاثة المحقّقُ في المعتبر «6» و الشهيد في الذكرى «7» و كذا في حاشيته على القواعد «8» و إن كانت لا تخلو من إجمال.

و استدلّ المصنّف على مذهبه هنا باقتضاء الأمر في قوله تعالى فَاغْسِلُوا «9» إلى آخره الفور؛ لأنّه أحوط. و بقوله تعالى سٰارِعُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ «10»- فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرٰاتِ «11»+

______________________________
(1) منهم: السيّد المرتضى في مسائل الناصريّات: 126، المسألة 33؛ و القاضي ابن البرّاج في المهذّب 1: 45؛ و أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 133، و ابن إدريس في السرائر 1: 101؛ و المحقّق الحلّي في شرائع الإسلام 1: 14.

(2) الجمل و العقود (ضمن الرسائل العشر): 159.

(3) المقنعة: 47؛ النهاية: 15.

(4) المبسوط 1: 23.

(5) مختلف الشيعة 1: 133، المسألة 82.

(6) المعتبر 1: 157.

(7) الذكرى 2: 164- 169.

(8) الحاشية النجّاريّة، الورقة 12.

(9) المائدة (5): 6.

(10) آل عمران (3): 133.

(11) البقرة (2): 148.

115
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

السابع الموالاة ؛ ج‌1، ص : 114

و بأنّه تعالى أوجب غَسل الوجه و اليدين و المسح عند إرادة القيام إلى الصلاة بلا فصلٍ، و فعلُ الجميع دفعةً متعذّر، فيحمل على الممكن، و هو المتعابعة.

و بما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال‌

إذا توضّأت بعض وضوئك فعرضت لك حاجة حتى يبس وضوؤك فأعد وضوءك فإنّ الوضوء لا يتبعّض «1»

فحكمه عليه السّلام بأنّ الوضوء لا يتبعّض يصدق مع الجفاف و عدمه.

و بقوله عليه السّلام‌

أتبع وضوءك بعضه بعضا. «2»

و بالوضوء البياني كما تقدّم من أنّه لو لم يتابعه لوجب التفريق، و هو خلاف الإجماع. و بأنّه أحوط. «3»

و في كلّ واحد من هذه الوجوه نظر.

أمّا الأوّل: فلأنّه مخالف لمذهبه في سائر كتبه الأُصوليّة حيث ذهب إلى أنّ الأمر لا يفيد الفور و لا التراخي؛ لاستعماله فيهما، «4» بل هو الظاهر من دليله هنا في قوله: لأنّه أحوط؛ فإنّ البحث ليس فيه، بل في الواجب الذي يحصل الإثم بتركه.

و الاستدلال بآية المسارعة أجاب هو عنها في الكتب الأُصوليّة بأنّ المسارعة إلى المغفرة مجاز؛ إذ المراد ما يقتضيها. و لو سلّم كونها للوجوب و الفور، فلا تدلّ على فوريّة مطلق الأمر؛ لأنّ المسارعة إلى المغفرة بفعل سببها و هو التوبة، و هو واجب فوريّ. «5»

و أمّا الآية الثانية: فنمنع أنّ الأمر فيها للوجوب؛ إذ ليس استباق جميع الخيرات واجباً.

و أمّا قوله: إنّ اللّه سبحانه أوجب غَسل الوجه عقيب إرادة القيام إلى الصلاة بلا فصلٍ بناءً على دلالة الفاء على التعقيب بغير مهلة: فقد أُجيب عنه بأنّ الفاء الدالّة عليه كذلك هي العاطفة، كقولك: جاء زيد فعمرو، و أمّا الداخلة على الجزاء، كقولك: إذا جاء زيد فأكرمه، فقد نصّوا على عدم إفادتها التعقيب. و مع تسليمه يلزم عدم جواز تأخير الطهارة عن أوّل وقت لمن أراد القيام إلى الصلاة في آخر الوقت مثلًا؛ إذ يصدق عليه أنّه مريد القيام‌

______________________________
(1) الكافي 3: 35/ 7؛ علل الشرائع 1: 337/ 2، الباب 214؛ التهذيب 1: 87/ 230، و 98/ 225؛ الاستبصار 1:

72/ 220.

(2) الكافي 3: 34/ 4؛ التهذيب 1: 99/ 259؛ الاستبصار 1: 74/ 228.

(3) مختلف الشيعة 1: 134- 135، المسألة 82.

(4) نهاية الوصول، المقصد الرابع، الفصل الثالث، البحث الخامس.

(5) نهاية الوصول، المقصد الرابع، الفصل الثالث، البحث الخامس.

116
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

السابع الموالاة ؛ ج‌1، ص : 114

إلى الصلاة و لم يقل به أحد.

و أمّا الخبر: فهو بالدلالة على نقيض المدّعى أولى من الدلالة عليه، و قوله فيه‌

إنّ الوضوء لا يتبعّض

تعليل للإعادة، فإن كان المراد به مطلق التفريق، وجب إعادته، و هو لا يقول به، و إن كان المراد غير ذلك، لم يدلّ على مطلوبه.

و الظاهر أنّ المراد بالتبعيض فيه الجفاف، كأنّه يصير بعضه جافّاً- و هو المتقدّم- و بعضه رطباً. و المراد التبعيض على هذا الوجه، و هو مع فرض إهماله حتى يجفّ جميع ما تقدّم، لا مطلق التبعيض.

و أمّا حديث الأمر بالاتباع: فإنّ الظاهر أنّ المراد فيه الترتيب بمعنى إتباع كلّ عضو سابقه بحيث لا يقدّمه عليه؛ لأنّه كان في سياقه، مع أنّ فيه جمعاً بين الأخبار. و لأنّ المتابعة بهذا المعنى لو وجبت، لبطل الوضوء بالإخلال بها؛ لعدم الإتيان بالفعل على الوجه المأمور به. و توهّم كونه واجباً لا شرطاً يندفع بذلك، فيبقى في عهدة التكليف.

و أمّا متابعة الوضوء البياني فمسلّمة، لكن لو وجب مراعاته بهذا المعنى، لوجب علينا المطابقة بين زمان فعلنا و القدر الذي تابع فيه من الزمان، و لم يقل به أحد، فسقطت دلالته.

و لأنّا بيّنّا أنّه إنّما يحتجّ به مع عدم دليلٍ خارجيّ يقتضي تقييد مطلقه، و ليس هنا كذلك؛ للأخبار الدالّة على مراعاة الجفاف، فالأولى العمل بها و اتّباع الأكثر.

و اعلم أنّ المراد بجفاف المتقدّم جفاف جميع الأعضاء المتقدّمة؛ لإطباقهم على الأخذ من اللحية و نحوها للمسح و لا بلل هنا على اليدين.

و قيل: المراد به العضو الذي انتهى إليه الغَسل، فمتى جفّ وجب الإعادة و إن كان البلل باقياً على غيره. «1»

و المعتبر في البللِ الحسّيّ، فلا اعتبار بتقدير الهواء حال كونه مفرط الرطوبة بكونه معتدلًا. و لا بتقييد بعضهم الهواء بالمعتدل ليخرج طرف الإفراط في الحرارة؛ فإنّ زوال البلل حينئذٍ مغتفر، كما تقدّم.

و لا فرق على تقدير الجفاف في البطلان بين العامد و الناسي و الجاهل؛ لإطلاق الأخبار و إن سلم الناسي من الإثم.

______________________________
(1) ابن إدريس في السرائر 1: 101.

117
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

حكم الجبيرة ؛ ج‌1، ص : 118

[حكم الجبيرة]

(و ذو الجبيرة) على عضو كسير من أعضاء الوضوء، و نحوها من الخِرَق المعصوبة على الجرح و القرح (ينزعها) إن أمكن و كانت على محلّ مسح مطلقاً؛ لوجوب إلصاق الماسح بالممسوح.

و إن كانت على عضو مغسول، تخيّر بين أن ينزعها (أو يكرّر الماء) عليها (حتّى يصل) إلى (البشرة) و يجري عليها على الوجه المعتبر في الغَسل مع طهارة العضو تحتها، و إلا اعتبر مع ذلك أن يجري قبله عليها على الوجه المعتبر في التطهير أيضاً.

هذا (إن تمكّن) من النزع أو إيصال الماء على ذلك الوجه (و إلا) هذه الكلمة في هذا التركيب و نظائره هي المركّبة من «إن» الشرطيّة و «لا» النافية، و جملة الشرط محذوفة، أي: و إن لم يتمكّن من ذلك (مسح عليها) أي: على الجبيرة إن كان ظاهرها طاهراً، أو نجساً بعد تطهيره إن أمكن، و إلا وضع عليها شيئاً طاهراً و مسح عليه مستوعباً لها إن كانت على عضو مغسول، و إلا أجزأ مسمّى المسح، كالأصل.

و لا فرق في إجزاء المسح عليها و وجوبه بين أن يمكن إجراء الماء عليها أولا؛ لعدم التعبّد بغَسلها مع تعذّر وصول الماء إلى أصلها، و لا بين أن تستوعب الجبيرة عضواً كاملًا أو الأعضاء كلّها أولا؛ للعموم.

و يمكن استفادة ذلك من إطلاق المصنّف هنا.

و لو لم يكن على الكسر أو الجرح خرقة، فإن أمكن غَسله أو مسحه إذا كان في موضع المسح، وجب كالجبيرة، و إلا غسل ما حوله. و الأحوط مسحه إن أمكن، أو وضع شي‌ء عليه و المسح فوقه مستوعباً أو مبعّضاً، كما مرّ.

و لا يخفى ما في العبارة من الإجمال و القصور عن تحقيق المسألة، المؤدّي إلى الاختلال، و إذا راعيت ما ذكرناه، عرفت مواضع إجمالها و محالّ اختلالها.

[أما المسلوس و المبطون]

(و صاحب السلس) و هو الذي لا يستمسك بوله (يتوضّأ لكلّ صلاة) على أصحّ الأقوال؛ لأنّ الأصل في الحدث الطارئ بعد الطهارة إيجابها، فعُفي عنه في قدر الضرورة، و هو الصلاة الواحدة، فيبقى الباقي على الأصل.

و جَعَله في المبسوط «1» كالاستحاضة بالنسبة إلى الغسل، فكما أنّها تجمع بين الصلاتين‌

______________________________
(1) المبسوط 1: 68.

118
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

أما المسلوس و المبطون ؛ ج‌1، ص : 118

و الصلوات بغُسلٍ واحد في الوقت فكذا هنا يجمع بينهما بوضوءٍ واحد، إلا أنّه جوّز له هنا الجمع مطلقاً. و هو قياس لا يتمّ عنده فضلًا عن غيره.

و جوّز المصنّف في المنتهي له الجمع بين الظهر و العصر خاصّة بوضوءٍ واحد جامعاً بينهما، و كذا المغرب و العشاء كالمستحاضة «1»؛ استناداً إلى ما روي عن الصادق عليه السّلام‌

في الرجل يقطر منه البول إذا كان حين الصلاة اتّخذ كيساً و جعل فيه قطناً ثمّ علّقه عليه و أدخل ذكره فيه ثمّ صلّى يجمع بين الصلاتين الظهر و العصر يؤخّر الظهر و يعجّل العصر، و يؤخّر المغرب و يعجّل العشاء، و يفعل ذلك في الصبح. «2»

و وجه الدلالة: عدم فائدة الجمع مع تجديد الوضوء، و أنّ تخصيص الصلاتين بالذكر يدلّ على نفي ما عداهما.

و فيهما منع؛ إذ لا دلالة فيه على أنّ الجمع بوضوءٍ واحد. و عدم ظهور فائدة الجمع بين الصلاتين مع التجديد لا يدلّ على عدمها و لا على نفي جواز ما عداهما، و فائدة ذكرهما البناء على الغالب بالنسبة إلى الأداء.

و في مقطوع سماعة: سألته عن رجل أخذه تقطير من فرجه إمّا دم أو غيره، قال‌

فليضع خريطةً و ليتوضّأ و ليصلّ فإنّما ذلك بلاء ابتلي به، فلا يعيدنّ إلا من الحدث الذي يتوضّأ منه. «3»

قال الشهيد رحمه اللّه: و هو يشعر بفتوى المبسوط. «4»

و قال بعض «5» المحقّقين: هو دالّ على ذلك. و فيه نظر؛ فإنّ غايته العفو عمّا يتجدّد في أثناء الصلاة لا بعدها؛ لأنّ الخارج إن كان بولًا، كان من الحدث الذي توضّأ منه، فأقلّ ما يدلّ [عليه «6»] إعادة الوضوء للصلاة الأخرى. و إن كان دماً كما ذكر في الرواية فالأمر واضح، و أمره بالوضوء و الصلاة كما يحتمل شموله للمتعدّدة يحتمل الأمر بالوضوء لكلّ صلاة، كما تقدّم.

______________________________
(1) منتهى المطلب 2: 137.

(2) الفقيه 1: 38/ 146؛ التهذيب 1: 348/ 1021.

(3) التهذيب 1: 349/ 1027.

(4) الذكرى 2: 202.

(5) لم نتحقّقه.

(6) في «ق، م» و الطبعة الحجريّة: «على» بدل «عليه» و ما أثبتناه هو الصحيح.

119
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

أما المسلوس و المبطون ؛ ج‌1، ص : 118

قيل «1» و حسنة منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: الرجل يعتريه البول و لا يقدر على حبسه، قال‌

إذا لم يقدر على حبسه فاللّه أولى بالعذر يجعل خريطة «2»

تشعر بقول الشيخ في المبسوط أيضاً؛ لأنّ العذر يشعر بسقوط الحكم الخارج، و إلا لم يكن معذوراً.

و فيه أيضاً مع تسليمه نظر، بل إنّما يشعر بالعفو عن الخارج بعد الطهارة بالنسبة إلى الصلاة؛ لأنّه لمّا دلّ الدليل على إيجاب كلّ خارج من الحدث كان قبول العذر فيما نافاه في مواضع الضرورة، و محلّ قبول العذر هو الاكتفاء بالوضوء الواحد للصلاة الواحدة، كما في المستحاضة، فالقياس عليها يوجب تعدّد الوضوء لا عدمه، كما ذكره الشيخ.

إذا تقرّر ذلك، فالحكم إنّما يكون كذلك إذا لم يكن له في الوقت فترة معتادة تَسَع الطهارة و الصلاة، و إلا وجب انتظارها؛ لزوال الضرورة التي هي مناط التخفيف.

(و كذا المبطون) و هو مَنْ به البَطَن بالتحريك بحيث يعتريه الحدث من ريح أو غائط على وجه لا يمكنه دفعه، يتوضّأ لكلّ صلاة، ثمّ لا أثر للحدث الواقع بعد ذلك و إن كان في أثناء الصلاة على المختار عند المصنّف «3» إذا لم يمكنه التحفّظ بقدر الطهارة و الصلاة إمّا بالشدّ أو بانتظار فترة معتادة.

و أوجب الشيخ «4» و جماعة «5» منهم الشهيد في الذكرى «6» هنا في الحدث المفاجئ في أثناء الصلاة الطهارةَ و البناء على الصلاة، لما روي في الصحيح عن الباقر عليه السّلام‌

صاحب البطن الغالب يتوضّأ و يبني على صلاته.

«7» و قوله عليه السّلام في حديثٍ آخر‌

انصرف ثمّ توضّأ و ابنِ على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة بالكلام متعمّداً، فإن تكلّمت ناسياً فلا شي‌ء عليك و هو بمنزلة مَنْ تكلّم في الصلاة ناسياً

قلت: و إن قلب وجهه عن القبلة؟ قال‌

و إن قلب وجهه عن القبلة. «8»

______________________________
(1) في هامش «م»: القائل الشيخ علي عليه الرحمة. و لم نعثر على قوله فيما بين أيدينا من المصادر.

(2) الكافي 3: 20/ 5.

(3) مختلف الشيعة 1: 146، المسألة 98.

(4) النهاية: 129.

(5) منهم: المحقّق في المعتبر 1: 163.

(6) الذكرى 2: 202- 203.

(7) الفقيه 1: 237/ 1043.

(8) الفقيه 1: 240/ 1060؛ التهذيب 2: 232/ 1370؛ الاستبصار 1: 401/ 1533.

120
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

أما المسلوس و المبطون ؛ ج‌1، ص : 118

و ردّهما المصنّف رحمه اللّه مع اعترافه بصحّتهما. «1»

و احتمل بعض «2» المحقّقين في الرواية الاولى أن يراد بالبناء فيها الاستئناف؛ إذ لا امتناع في أن يراد بالبناء على الشي‌ء فعله.

و فيه نظر، بل البناء على الشي‌ء يستلزم سبق شي‌ء منه حتى يبني عليه، كأنّ الماضي منه بمنزلة الأساس الذي يترتّب عليه.

و أورد على الروايتين معاً معارَضتهما بغيرهما من الأخبار الدالّة على أنّ الحدث يقطع الصلاة.

و هو ضعيف؛ لأنّ عامّ تلك الأخبار أو مطلقها مخصّص أو مقيّد إجماعاً بالمستحاضة و السلس، فلا وجه [لعدم إخراج «3»] هذا الفرد مع النصّ عليه بالتعيين.

و استدلّ المصنّف على مذهبه هنا بأنّ الحدث المتكرّر لو نقض الطهارة، لأبطل الصلاة؛ لأنّ شرط صحّة الصلاة استمرار الطهارة. «4»

و هو مصادرة على المطلوب، كما ذكره الشهيد «5» رحمه اللّه.

و ردّها بعض «6» المحقّقين بأنّ الطهارة شرط الصلاة إجماعاً، و المشروط عدم عند عدم شرطه، و الحدث مانع اتّفاقاً؛ لإخلاله بالشرط، و ليس في هذا مصادرة بوجه.

و هو ضعيف جدّاً؛ فإنّ المصادرة نشأت من ادّعاء الملازمة بين نقض الطهارة و بطلان الصلاة مع ورود النصّ الصحيح على فساد هذه الملازمة، فلا معنى حينئذٍ لدفعها بدعوى الإجماع على أنّ الطهارة شرط الصلاة مع تخلّفها في مواضع كثيرة.

و أُجيب بأنّ الاحتجاج ليس هو بانتقاض الطهارة هنا الذي هو محلّ النزاع حتى يكون مصادرةً، بل بالأدلّة الدالّة بعمومها على إعادة الصلاة بالحدث، و قد عرفت أنّ الأدلّة التي تدّعيها مخصوصة أو مقيّدة إجماعاً؛ فاندفع الجواب أيضاً، و قوي وجوب الطهارة و البناء.

______________________________
(1) مختلف الشيعة 1: 145، المسألة 98.

(2) لم نتحقّقه.

(3) في «ق، م» و متن الطبعة الحجرية: «لإخراج» بدل «لعدم إخراج». و الظاهر أنّ الصحيح ما أثبتناه، كما استظهر في هامش الطبعة الحجريّة.

(4) مختلف الشيعة 1: 146، المسألة 98.

(5) الذكرى 2: 203.

(6) في هامش «ق، م»: الشيخ علي رحمه اللّه. و لم نعثر على قوله فيما بين أيدينا من المصادر.

121
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و يستحب في الوضوء أمور ؛ ج‌1، ص : 122

[و يستحبّ في الوضوء أمور]

و لمّا فرغ من فروض الوضوء و بعض أحكامه أخذ يذكر شيئاً من مستحبّاته، فقال:

(و يستحبّ) للمتوضّئ (وضع الإناء على اليمين) إن كان ممّا يغترف منه باليد؛ لما روي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان يحبّ التيامن في طهوره و شأنه كلّه. «1»

و لو كان الإناء لا يمكن الاغتراف منه، وضع على اليسار ليصبّ منه في اليمين للغسل بها، أو للإدارة إلى اليسار.

(و الاغتراف بها) مطلقاً، و عند إرادة غسلها يدار منها إلى اليسار؛ لفعل الباقر عليه السّلام ذلك في وصف وضوء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. «2»

و في حديثٍ عن الباقر عليه السّلام أنّه أخذ باليسرى فغسل اليمنى. «3» و هو لبيان الجواز.

(و التسمية) و هي: بسم اللّه و باللّه، اللّهم اجعلني من التوّابين و اجعلني من المتطهّرين. و لو اقتصر على بسم اللّه، أجزأ.

و لو نسيها في الابتداء، تدارك في الأثناء، كما في الأكل. و كذا لو تعمّد تركها، مع احتمال عدمه هنا.

(و تثنية الغسلات) في الأعضاء الثلاثة بعد إتمام الغسلة الأُولى على أصحّ الأقوال. و نقل ابن إدريس فيه الإجماع «4» بناءً على عدم قدح معلوم النسب فيه.

و قد روي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام‌

الوضوء مثنى مثنى. «5»

و ليس المراد به الواجب؛ للإجماع على الاجتزاء بالمرّة، فتُحمل الثانية على الندب.

و يظهر من الصدوق رحمه اللّه عدم شرعيّة الثانية؛ حيث قال: لا يؤجر عليها. «6» و هو يقتضي أنّها ليست من الوضوء؛ لأنّ أفعاله إمّا واجبة أو مندوبة، و كلاهما محصّل للأجر، محتجّاً بما روي عن الصادق عليه السّلام‌

و اللّه ما كان وضوء رسول اللّهُ صلّى اللّه عليه و آله إلّا مرّة مرّة «7»

و نحوه.

______________________________
(1) صحيح مسلم 1: 226/ 67؛ سنن النسائي 1: 78 و 205؛ مسند أحمد 7: 136/ 24106.

(2) الكافي 3: 25/ 4؛ الفقيه 1: 24/ 74؛ التهذيب 1: 55/ 157؛ الإستبصار 1: 58/ 171.

(3) الكافي 3: 24/ 1؛ التهذيب 1: 55- 56/ 157؛ الإستبصار 1: 58/ 171.

(4) السرائر 1: 100.

(5) التهذيب 1: 80- 81/ 208 و 210؛ الاستبصار 1: 70/ 213 و 215.

(6) الفقيه 1: 29 ذيل الحديث 92.

(7) الفقيه 1: 25/ 76.

122
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و يستحب في الوضوء أمور ؛ ج‌1، ص : 122

و هو محمول على الوضوء البياني الذي لا تقبل الصلاة إلا به؛ جمعاً بين الأخبار.

و يؤيّده: ما روي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله توضّأ مرّة مرّة، و قال‌

هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلا به

ثمّ توضّأ مرّتين و قال‌

هذا وضوء مَنْ ضاعف اللّه له الأجر. «1»

و لو سلّم أنّه لغير البيان، لم يدلّ على تحريم الثانية؛ لأنّ الاقتصار على الواحدة لا يدلّ على تحريم ما سواها، مضافاً إلى عدّة روايات صحيحة دلّت على شرعيّة الثانية.

(و الدعاء عند كلّ فعل) من أفعال الوضوء الواجبة و المستحبّة بما روي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام‌

قال: بينا أمير المؤمنين عليه السّلام قاعد و معه ابنه محمّد إذ قال: يا محمّد ائتني بإناء من ماء، فأتاه به، فصبّه بيده اليسرى على يده اليمنى، و قال: الحمد للّه الذي جعل الماء طهوراً و لم يجعله نجساً، ثمّ استنشق فقال: اللّهمّ لا تحرّم عليّ ريح الجنّة و اجعلني ممّن يشمّ ريحها و طيبها و ريحانها، ثمّ تمضمض و قال: اللّهمّ أنطق لساني بذكرك و اجعلني ممّن ترضى عنه، ثمّ غسل وجهه فقال: اللّهمّ بيّض وجهي يوم تسودّ فيه الوجوه، و لا تسوّد وجهي يوم تبيضّ فيه الوجوه، ثمّ غسل يمينه فقال: اللّهمّ أعطني كتابي بيميني و الخلد في الجنان بيساري و حاسبني حساباً يسيراً، ثمّ غسل شماله فقال: اللّهمّ لا تعطني كتابي بشمالي و لا تجعلها مغلولةً إلى عنقي، و أعوذ بك من مقطّعات النيران، ثمّ مسح رأسه فقال: اللّهمّ غشّني رحمتك و بركاتك و عفوك، ثمّ مسح على رِجْليه فقال: اللّهمّ ثبّت قدمي على الصراط يوم تزلّ فيه الأقدام و اجعل سعيي فيما يرضيك عنّي، ثمّ التفت إلى محمد فقال: يا محمّد مَنْ توضّأ مثل ما توضّأت و قال مثل ما قلت خلق اللّه له من كلّ قطرة ملكاً يقدّسه و يسبّحه و يكبّره و يهلّله فيكتب له ثواب ذلك إلى يوم القيامة. «2»

و زاد المفيد في دعاء الرِّجْلين‌

يا ذا الجلال و الإكرام. «3»

و إذا فرغ من الوضوء قال: الحمد لله ربّ العالمين، اللّهمّ اجعلني من التوّابين و اجعلني من المتطهرين.

(و غَسل اليدين) من الزندين (قبل إدخالهما الإناء).

و الأولى أن يراد به مطلق الإناء سواء كان ماؤه قليلًا أم كثيراً؛ لعدم تحقّق التعليل‌

______________________________
(1) سنن البيهقي 1: 130/ 379.

(2) الكافي 3: 70- 71/ 6؛ الفقيه 1: 26- 27/ 84؛ التهذيب 1: 53- 54/ 153.

(3) المقنعة: 44.

123
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و يستحب في الوضوء أمور ؛ ج‌1، ص : 122

بالنجاسة الوهميّة، بل هو تعبّد محض، فيثبت الاستحباب مع تحقّق طهارتهما، لكن مع الكثرة و سعة رأس الإناء يكفي غسلهما فيه، و على هذا لا فرق أيضاً بين إمكان وضع اليد في الإناء أولا، ككونه ضيّق الرأس، فيستحب غَسلهما حينئذٍ قبل الاشتغال بباقي الأفعال و إن كان الأولى اختصاص الحكم في إيقاع النيّة عنده بالإناء الواسع المشتمل على الماء القليل، كما تقدّم.

و هذا الغَسل يكون (مرّة من) حدث (النوم) سواء في ذلك نوم الليل و النهار، و سواء كانت اليد مطلقةً أم مشدودةً، و سواء كان النائم مُسَرْوَلًا أم لا؛ للعموم.

(و) كذا يستحبّ غَسلهما مرّةً من حدث (البول، و مرّتين من الغائط، و ثلاثاً من الجنابة) و ذكرها هنا استطراداً. «1» و لا يستحبّ غَسلهما من باقي الأحداث، كالريح.

و لو اجتمعت الأحداث، تداخلت مع التساوي، و مع الاختلاف يدخل الأقلّ تحت الأكثر.

و لو أدخل يده قبل الغَسل، فَعَل مكروهاً.

ثمّ إن كان كثيراً و قلنا فيه بالاستحباب، حُسب بمرّة، فيبني عليها. و كذا إن كان قليلًا و جعلناه تعبّداً. و إن كان لدفع نجاسة موهومة، لم يستحب بعد ذلك بالنسبة إلى هذا الإناء، بل يستحبّ العدول إلى إناء آخر، أو إلى هذا بعد إزالة ما تعدّى إليه من النجاسة الموهومة بوضعه في الكثير.

و حكم الغمس قبل كمال العدد حكمه قبل الشروع.

و هذا الغسل من سنن الوضوء، فتستحبّ فيه النيّة، كباقي العبادات.

و لم يعتبرها المصنّف في النهاية، «2» معلّلًا بأنّه لدفع وَهم النجاسة. و لو تحقّقها، لم يشترط النيّة فمع وهمها أولى، مع أنّه اختار في آخر البحث أنّ الغسل تعبّد، فلو تحقّق طهارة يده، استحبّ. «3»

(و المضمضة و الاستنشاق) على المشهور.

و قول ابن أبي عقيل: إنّهما ليسا بفرض و لا سنّة، «4» ضعيف، أو مؤوّل بالسنّة المحتّمة‌

______________________________
(1) في «ق، م»: «استطراد».

(2) نهاية الإحكام 1: 54.

(3) نهاية الإحكام 1: 54.

(4) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 111، المسألة 68.

124
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و يستحب في الوضوء أمور ؛ ج‌1، ص : 122

، فيرادف الفرض، و الجمع بينهما؛ للتأكيد، و كثيراً ما يذكر في كتابه السنّة و يريد بها الفرض.

و كيفيّتهما أن يبدأ بالمضمضة ثلاثاً بثلاث أكفّ من ماء على الأفضل. و لو فَعَلها بكفّ واحدة، أجزأ. أو يدير الماء في فيه إلى أقصى الحنك و وجهي الأسنان و اللّثّات مُمرّاً مسبّحته و إبهامه عليها لإزالة ما هناك من الأذى ثمّ يستنشق ثلاثاً كذلك، و يجذب الماء إلى خياشيمه إن لم يكن صائماً، و الأفضل مجّ الماء. و لو ابتلعه جاز. و ليكونا باليمين. و لو فَعَلهما على غير هذا الوجه، تأدّت السّنّة و إن كان أدون فضلًا.

و يشترط تقديم المضمضة عليه، فلو عكس، صحّت المضمضة خاصّةً، فيعيده بعدها.

و جوّز المصنّف في النهاية الجمع بينهما بأن يتمضمض مرّة ثمّ يستنشق مرّة و هكذا ثلاثاً، سواء كان الجميع بغرفة أم بغرفتين أم بأزيد و إن كان الأوّل أفضل. «1»

(و بدأة الرجل بظاهر ذراعيه في) الغسلة (الأُولى، و بباطنهما في الثانية، عكس المرأة) لقول الرضا عليه السّلام‌

فرض اللّه على النساء أن يبدأن بباطن أذرعهنّ، و في الرجال بظاهر الذراع «2»

هكذا احتجّ عليه المصنّف، «3» و ليس في الرواية تفصيل الغسلتين كما ذكر، بل هي شاملة للغسلتين.

و جماعة من الأصحاب لم يفرّقوا بين الغسلتين؛ لإطلاق الخبر، غير أنّ الشيخ في المبسوط «4» ذكر الفرق، و تبعه عليه جماعة، منهم: المصنّف و المحقّق. «5» و لم يثبت الوجه فيه.

و الخنثى تتخيّر في الوظيفتين، سواء قلنا بالتفصيل أم الإطلاق، فلو بدأت بظاهرهما فيهما أو بباطنهما، لم تحصل السّنّة على القول بالتفصيل.

(و الوضوء بمُدّ) لقوله عليه السلام‌

الوضوء بمُدّ و الغسل بصاع، و سيأتي أقوام بعدي يستقلّون ذلك فأُولئك على خلاف سنتّي، و الثابت على سنّتي معي في حظيرة القدس. «6»

و المُدّ يؤدّى به سنن الوضوء و فروضه، و الأغلب زيادته عليهما.

______________________________
(1) نهاية الإحكام 1: 56.

(2) الكافي 3: 28- 29/ 6؛ الفقيه 1: 30- 31/ 100؛ التهذيب 1: 76- 77/ 193.

(3) نهاية الإحكام 1: 57.

(4) المبسوط 1: 20- 21.

(5) شرائع الإسلام 1: 16.

(6) الفقيه 1: 23/ 70.

125
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و يكره أمور ؛ ج‌1، ص : 126

الظاهر أنّ ماء الاستنجاء منه؛ لما تقدّم «1» من حديث دعاء الأعضاء عن أمير المؤمنين عليه السّلام حيث قال فيه‌

أتوضّأ للصلاة

ثمّ ذكر الاستنجاء.

و يمكن العدم؛ لعدم صدق الاسم عليه، و حُذف‌

أتوضّأ للصلاة

في بعض نسخ «2» الحديث.

و يضعّف بأنّ المثبت مقدّم.

[و يكره أمور]

(و تكره الاستعانة) في الوضوء؛ للخبر في ذلك عن الرضا عليه السّلام، و تعليله بقوله تعالى فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ إلى قوله وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً «3» ثمّ قال‌

و ها أنا ذا أتوضّأ للصلاة و هي العبادة فأكره أن يشركني فيها أحد. «4»

و المراد بالاستعانة نحو صبّ الماء في اليد ليغسل المتوضّئ به، لا صبّه على العضو؛ فإنّه تولية.

و هل تصدق بطلب إحضار الماء ليتوضّأ به؟ يحتمل قويّاً ذلك؛ لأنّه بعض العبادة بل هو عبادة في نفسه، فيشمله التعليل بالآية. و كذا القول في طلب إسخانه حيث يحتاج إليه، و نحوه، كلّ ذلك بعد العزم على الوضوء، أمّا لو استعان لا لَه ثمّ عرض له إرادة الوضوء، لم يكره قطعاً.

(و) كذا يكره (التمندل) على المشهور، و هو: مسح أعضاء الوضوء بالمنديل و نحوه؛ لقول الصادق عليه السّلام‌

مَنْ توضّأ فتمندل كان له حسنة، و إن توضّأ و لم يتمندل حتى يجفّ وضوؤه كانت له ثلاثون حسنة. «5»

و علّل المصنّف الكراهة مع الحديث بأنّ فيه إزالة أثر العبادة، «6» و هو يقتضي تعميم الكراهة بكلّ ما يحصل به إزالة الأثر من منديلٍ و كُمّ و نار و نحوها، و هو الظاهر.

و خصّه المحقّق الشيخ علي بالمنديل و الذيل لا بالكُمّ؛ لعدم صدق التمندل عليه. «7»

______________________________
(1) تقدّم في ص 123.

(2) كما أنّه لم يرد في الكافي.

(3) الكهف (18): 110.

(4) الكافي 3: 69/ 1؛ التهذيب 1: 365/ 1107.

(5) الكافي 3: 70/ 4؛ الفقيه 1: 31/ 105.

(6) نهاية الإحكام 1: 58.

(7) جامع المقاصد 1: 232.

126
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

القول في شرائط الوضوء ؛ ج‌1، ص : 127

و هو ضعيف؛ لأنّ التمندل إن لُوحظ فيه مأخذ الاشتقاق، فلا وجه لتعدية الحكم عن المنديل؛ إذ لا يصدق على الذيل أنّه منديل قطعاً. و إن كانت العلّة إزالةَ البلل، فلا وجه للحصر فيما ذُكر.

و المحقّق في الشرائع عبّر عن التمندل بمسح الأعضاء. «1» و هو حسن و إن كان التعبير بإزالة البلل أحسن.

(و تحرم التولية اختياراً) فيبطل الوضوء بها، و هو إجماع إلا من ابن الجنيد؛ فإنّه استحبّ تركها. «2»

لنا مع الإجماع قوله تعالى فَاغْسِلُوا .. وَ امْسَحُوا «3» و إسناد الفعل إلى فاعله هو الحقيقة.

و تجوز مع الضرورة بل تجب؛ لأنّ المجاز يصار إليه عند تعذّر الحقيقة.

و يتولّى المكلّف النيّة؛ إذ لا عجز عنها مع التكليف. و لو نويا معاً، كان حسناً. و تُشترط مطابقة نيّة المتولّي لفعله فينوي: اوضّئ، لا: أتوضّأ. و كذا المريض.

و يجب تحصيل المعين مع العجز و لو بأُجرة مقدورة.

و لو أمكن تقديم ما يغمس المعذور فيه الأعضاء، لم تجز التولية.

و لا يشترط العجز عن الكلّ، فيجوز أن يتبعّض.

[القول في شرائط الوضوء]

(و يجب) أي: يشترط (الوضوء و جميع الطهارات) الشرعيّة كالأغسال (بماء مطلق) و سيأتي تعريفه، سواء كان مستعملًا في الأكبر أم لا؛ للإجماع على بقائه على الإطلاق، و إنّما الخلاف في جواز استعماله ثانياً في رفع الحدث، ففي العبارة إشارة إلى جوازه.

(طاهر مملوك أو مباح) و يدخل في المباح المأذون فيه مع كونه ملكاً للغير.

و إنّما فسّرنا الوجوب بالاشتراط؛ لأنّه لو تطهّر بالمضاف مثلًا، لم يكن مأثوماً، بل طهارته فاسدة لا غير.

اللّهمّ إلا أن يعتقد شرعيّة ذلك، أو يستمرّ عليه و يصلّي به مثلًا، فيأثم حينئذٍ، و مع ذلك لا يتوجّه حمل الوجوب على معناه الأصلي؛ لأنّ النهي عن الشي‌ء أمر بضدّه العامّ لا المعيّن.

______________________________
(1) شرائع الإسلام 1: 16.

(2) حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 135، المسألة 83.

(3) المائدة (5): 6.

127
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

القول في أحكام الوضوء ؛ ج‌1، ص : 128

[القول في أحكام الوضوء]

(و لو تيقّن) المكلّف (الحدث و شكّ في الطهارة) كأن تيقّن أنّه أحدث في الوقت الفلاني و شكّ الآن أنّه هل تطهّر بعد ذلك أم لا (أو تيقّنهما) أي: الحدث و الطهارة في وقتٍ معيّن (و شكّ) بعده (في المتأخّر) منهما، سواء علم أنّه كان قبلهما متطهّراً أم محدثاً، أم شكّ في ذلك (أو شكّ في شي‌ء منه) أي: من الوضوء، كما لو شكّ في الإتيان ببعض أفعاله (و هو على حاله) أي حال الوضوء لم يفرغ منه بعدُ (أعاد) الوضوء في الصورتين الأوّلتين و الشي‌ء المشكوك فيه في الثالثة و ما بعده؛ قضيّةً للترتيب.

و لا يخفى ما في العبارة من الإجمال و التجوّز في إطلاق العود على الاولى؛ لعدم العلم بسبقِ طهارةٍ حتى تصدق الإعادةُ.

أمّا وجوب الوضوء في الأُولى فظاهر؛ لأنّ يقين الحدث لا يرفع إلا بيقينِ مثله، فيعمل الاستصحاب عمله.

أمّا الثانية: فليحصّل يقين الطهارة؛ لاحتمال كون المتأخّر هو الحدث، و لا إشكال في ذلك مع عدم علم المكلّف بحاله قبلهما؛ فإنّ تأخّر كُلّ منهما محتمل على حدّ سواء، فيتكافأ الاحتمالان و يتساقطان فتجب الطهارة.

أمّا لو علم حاله قبلهما بالطهارة أو بالحدث، فالأمر فيه كذلك عند المصنّف هنا و في أكثر كتبه «1» و الشيخين «2» و جماعة «3»؛ للاحتمال أيضاً، فلا يدخل في الصلاة إلا بيقين الطهارة.

و اختار المصنّف رحمه اللّه في المختلف استصحاب حاله قبلهما، فإن كان متطهّراً، فهو الآن متطهّر؛ لأنّه تيقّن أنّه نقض تلك الطهارة ثمّ توضّأ، و لا يمكن أن يتوضّأ عن حدثٍ مع بقاء تلك الطهارة، و نقض الطهارة الثانية مشكوك فيه، فلا يزول عن اليقين بالشكّ. و إن كان مُحدثاً، فهو الآن مُحدث؛ لتيقّنه انتقاله عن الحدث السابق عليهما إلى طهارة ثمّ نقضها، و الطهارة بعد نقضها مشكوك فيها. «4»

و هذا القول لا يتمّ إلا مع تيقّن عدم التجديد و عدم تعقيب حدث لحدث و تساويهما،

______________________________
(1) منها: تحرير الأحكام 1: 11؛ و منتهى المطلب 2: 141؛ و نهاية الإحكام 1: 59.

(2) المقنعة: 50؛ المبسوط 1: 24.

(3) منهم: ابن إدريس في السرائر 1: 104.

(4) مختلف الشيعة 1: 142، المسألة 94.

128
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

القول في أحكام الوضوء ؛ ج‌1، ص : 128

كما في المثال، و مع هذه القيود لا تبقى المسألة بعد التروّي من باب الشكّ في شي‌ء؛ لأنّ علم الترتيب المذكور يحصّل اليقين بأحدهما، فهو كالشاكّ في مبدأ السعي و هو يعلم الزوجيّة أو الفرديّة، فبأدنى توجيه الذهن يعلم المبدأ، لكن لمّا كان الشكّ حاصلًا في أوّل الأمر قبل التروّي جاز عدّ المسألة من مسائل الشكّ، كمن شكّ في صلاته ثمّ تيقّن أحد الطرفين أو ظنّه، فإنّها تذكر في مسائل الشكّ باعتبار أوّل أمرها.

و لمّا استشعر المصنّف في القواعد عدم تماميّة استصحاب الحالة السابقة مطلقاً قيّدهما بكونهما متّحدين متعاقبين، ثمّ حكم باستصحاب حاله. «1» و أراد به لازم الاستصحاب مجازاً؛ فإنّه إذا حكم بكونه متطهّراً مع تخلّل الحدث المزيل لحكم استصحاب الطهارة الأُولى ثبت لازمه، و كذا الحدث.

و المحقّق في المعتبر مال إلى عكس ما ذكره المصنّف؛ فإنّه قال فيه بعد ما ذكر توجيه كلام الشيخين: و يمكن أن يقال: يُنظر إلى حاله قبل تصادم الاحتمالين، فإن كان حدثاً، بنى على الطهارة؛ لأنّه تيقّن انتقاله عن تلك الحال إلى الطهارة و لم يعلم تجدّد الانتقاض فصار متيقّناً للطهارة شاكاً في الحدث فيبني على الطهارة، و إن كان قبل تصادم الاحتمالين متطهّراً، بنى على الحدث؛ لعين ما ذكرناه من التنزيل. «2» انتهى.

و الذي يحصل لنا في المسألة بعد تحرير كلام الجماعة أنّه إن علم التعاقب، فلا ريب في الاستصحاب، و إلا فإن كان لا يعتاد التجديد بل إنّما يتطهّر حيث يتطهّر طهارة رافعة للحدث، فكلام المحقّق رحمه اللّه مع فرض سبق الحدث أوجه؛ لضعف الحكم بوجوب الطهارة مع العلم بوقوعها على الوجه المعتبر، و عدم العلم بتعقّب الحدث لها، المقتضي للإبطال إذا علم أنّه كان قبلهما مُحدثاً.

و لا يرد حينئذٍ أنّ يقين الحدث مكافئ ليقين الطهارة؛ لأنّ الطهارة قد علم تأثيرها في رفع الحدث، أمّا الحدث فغير معلوم نقضه للطهارة؛ لاحتمال أن يقع بعد الحدث الأوّل قبل الطهارة؛ إذ الفرض عدم اشتراط التعاقب، فلا يزول المعلوم بالاحتمال، بل يرجع إلى يقين الطهارة مع الشكّ في الحدث.

______________________________
(1) قواعد الأحكام 1: 12.

(2) المعتبر 1: 171.

129
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

القول في أحكام الوضوء ؛ ج‌1، ص : 128

و كلام المختلف في فرض سبق الطهارة أوجه؛ لأنّ نفي احتمال التجديد يقتضي توسّط الحدث بين الطهارتين، إلا أنّ هذا القسم راجع إلى التعاقب، فلا يحتاج إلى استدراكه هنا.

و إن لم يتّفق له تحقيق هذه القيود، بل إنّما تحقّق الطهارة و الحدث و شكّ في المتأخّر منهما من غير تحقيقٍ لحاله كما ذكرناه، وجب عليه الطهارة، سواء علم حاله قبلهما أم لا؛ لقيام الاحتمال و اشتباه الحال.

و اعلم أنّ هذه المسألة تتشعّب إلى اثني عشر قسماً؛ لأنّ الطهارة و الحدث إمّا أن يتيقّنهما متّحدين، أي: متساويين عدداً، متعاقبين، أي: لا يتكرّر منهما مِثلان، بل إنّما يعقب الطهارة الحدث أو بالعكس، أو لا و لا، أو أحدهما خاصّةً، فالصّور أربع، ثمّ إمّا أن يعلم حاله قبل زمانهما متطهّراً أو مُحدثاً، أو لا يعلم شيئاً، و مضروب الثلاثة في الأربعة اثنا عشر يعلم حكمها بالتأمّل بعد مراجعة ما تلوناه.

و أمّا الثالثة و هي الشكّ في شي‌ء من أفعال الوضوء و هو على حاله فوجه الإعادة فيه ما رواه زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام‌

إذا كنت قاعداً على وضوئك فلم تدر أ غسلت ذراعك أم لا فأعد عليها و على جميع ما شككت فيه، فإذا قمت من الوضوء و فرغت منه و صرت إلى حالة أُخرى في الصلاة أو غيرها و شككت في شي‌ء ممّا سمّى اللّه عليك وضوءه فلا شي‌ء عليك. «1»

و هذه الرواية «2» كما يحتمل أن يريد ب «حاله» حال الوضوء كما قلناه أوّلًا يحتمل أن يريد به حال المتوضّئ، فيعود الضمير على الفاعل المضمر في قوله: «و لو شكّ» فعلى هذا يرجع ما دام على حاله التي توضّأ عليها و إن فرغ من أفعال الوضوء.

لكن يرجّح الأوّل ما رواه عبد اللّه بن أبي يعفور عنه عليه السّلام‌

إذا شككت في شي‌ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فليس شكّك بشي‌ء، إنّما الشكّ إذا كنت في شي‌ء لم تجزه «3»

و المراد: إنّما الشكّ الذي يلتفت إليه و غيره من الأخبار.

و احتمال عود الضمير في «حاله» إلى الشي‌ء المشكوك فيه المذكور قبله صريحاً لا دليل‌

______________________________
(1) الكافي 3: 33/ 2؛ التهذيب 1: 100/ 261.

(2) كذا في «ق، م» و الطبعة الحجريّة. و الظاهر زيادة جملة «هذه الرواية» بقرينة ما بعدها، و يحتمل سقط عبارة هنا، فلاحظ.

(3) التهذيب 1: 101/ 262.

130
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

القول في أحكام الوضوء ؛ ج‌1، ص : 128

عليه من النقل و إن أمكن بحسب اللفظ.

(و لو تيقّن الطهارة و شكّ في الحدث أو شكّ في شي‌ء منه) أي: من الوضوء (بعد الانصراف) عنه حقيقةً أو حكماً. و المراد به الفراغ من أفعاله و إن لم ينصرف عن مكانه (لم يلتفت) فيهما؛ لما تقدّم.

و لما رواه بكير بن أعين، قال: قلت له: الرجل يشكّ بعد ما يتوضّأ، قال‌

هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ. «1»

(و لو جدّد) المكلّف وضوءه (ندباً) احترازاً عمّا لو جدّده وجوباً بالنذر و شبهه فإنّه يرفع الحدث عند المصنّف في هذا الكتاب بناءً على اشتراط الوجه و عدم اشتراط أحد الأمرين (ثمّ ذكر بعد الصلاة) الواقعة بعدهما (إخلال عضو) من إحدى الطهارتين (جهل تعيينه) في إحداهما (أعاد الطهارة و الصلاة) لإمكان كون الخلل من الطهارة الأُولى، و المجدّد ندباً غير رافع للحدث عند المصنّف «2»؛ لاشتراط نيّة الوجه في الوضوء.

فعلى هذا لو اشترك الوضوءان في الرفع أو الإباحة إمّا مع وجوبهما، كما لو توضّأ واجباً بعد دخول الوقت ثمّ نذر التجديد و جدّد ثمّ صلّى و ذكر الإخلال، صحّت الصلاة الواقعة بعدهما؛ للقطع بسلامة طهارة مبيحة. و لو فرض تخلّل صلاة واجبة بينهما، وجب إعادتها مطلقاً. و يمكن تصوّر وجوب الثاني بغير النذر بأن ذهل عن الأوّل فتوضّأ واجباً و صلّى، فإنّ الوضوء الثاني رافع أيضاً؛ للجزم فيه بنيّة الوجوب، و مطابقة الجزم للواقع، أو مع ندبهما، كما لو توضّأ قبل حصول السبب ثمّ جدّد الوضوء ندباً ثمّ دخل الوقت فصلّى به ثمّ ذكر الإخلال المجهول، فإنّ الصلاة صحيحة أيضاً؛ لأنّ الجزم حاصل بسلامة طهارة منهما.

و إلى هذه الصورة أشار المصنّف بقوله (إلا مع ندبيّة الطهارتين) كذا فسّره شيخنا الشهيد رحمه اللّه في الشرح، «3» و هو الظاهر من كلام المصنّف في النهاية. «4» و لا يخلو من إشكال.

______________________________
(1) التهذيب 1: 101/ 265.

(2) نهاية الإحكام 1: 34.

(3) غاية المراد 1: 38.

(4) انظر: نهاية الإحكام 1: 61.

131
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

القول في أحكام الوضوء ؛ ج‌1، ص : 128

و يمكن تفسير الندبين على وجه يرفع الإشكال بأن يتوضّأ ندباً قبل السبب ثمّ يذهل عنه و يتوضّأ ندباً أيضاً ثمّ يصلّي به. و كذا مع ندب الأوّل و وجوب الثاني على تقدير الذهول عن الأوّل الواقع قبل الوقت، فتوضّأ واجباً بعده، أو نذر تجديد الوضوء الواقع قبل الوقت، سواء كان قبله أم بعده مع عدم الذهول عنه.

هذا كلّه على تقدير اشتراط نيّة الوجه و عدم وجوب نيّة أحد الأمرين: الرفع أو الاستباحة، أمّا على هذا التقدير كما هو مختار المصنّف في أكثر كتبه «1» لا يتصوّر في الواجبين بتقدير نذر التجديد؛ لعدم نيّة أحدهما في المجدّد و إن نذر، كما سيأتي تحقيقه، و لا في الواجب بعد المندوب كذلك.

نعم، يتصوّر على تقدير الذهول في الواجبين و المندوبين و الواجب بعد المندوب كما سلف، دون العكس، إلا بتقدير توسّط صلاة بينهما، كما لو توضّأ للصبح مثلًا و صلاها ثمّ توضّأ ندباً قبل الزوال و صلّى الظهر ثمّ ذكر الإخلال، فإنّ الظهر واقعة بعد طهارة رافعة ظاهراً و إن وجب إعادة الصبح قطعاً. لكن في هذا الفرض إشكال يأتي تحقيقه.

و الشهيد رحمه اللّه حكى في الشرح عن شيخه عميد الدين فَرضَ الذهول على هذا التقدير في صورة الندبين. «2» و لا فرق بينها و بين الأُخريين.

و قال في توجيه إباحة الثاني على تقدير الذهول: و لا يرد كونه غير مكلّفٍ حالة الغفلة؛ لأنّه غير مكلّف بالمذهول عنه و كلامنا في المذكور، و لا كونه على حالة لو ذكر لما جزم؛ لأنّا نعتبر جزمه حالة النيّة، كما لو شهد العدلان ظاهراً بالهلال فصام، فإنّه على حالةٍ لو علم فسقهما لما جزم، و قد حكموا بصحّة صومه على تقدير ثبوت الهلال بغيرهما بعد ذلك.

و يمكن فرض الواجبين كذلك فيمن تيقّن الحدث و شكّ في الطهارة أو تيقّنهما و لا يعلم حاله قبل زمان الطهارتين ثمّ ذكر بعد الطهارة الثانية تقدّم الحدث على الاولى، فإنّه يسوغ له الطهارة بجزم معتبر شرعاً. «3»

و اعلم أنّه على القول بالاجتزاء بنيّة القربة تصحّ الصلاة على جميع التقادير؛ لسلامة‌

______________________________
(1) منها: تذكرة الفقهاء 1: 141؛ و قواعد الأحكام 1: 109؛ و مختلف الشيعة 1: 107، المسألة 65؛ و نهاية الأحكام 1: 29.

(2) غاية المراد 1: 38- 39.

(3) غاية المراد 1: 39.

132
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

القول في أحكام الوضوء ؛ ج‌1، ص : 128

طهارةٍ قطعاً، و هو واضح. و كذا على القول بأنّ المجدّد يرفع الحدث كما اختاره الشيخ في المبسوط، و المحقّق في المعتبر، و الشهيد في الدروس «1» بناءً على أنّه طهارة شرعيّة قصد بها تحصيل فضيلة لا تحصل إلا بها، فإنّ شرعيّة المجدّد لاستدراك ما عساه فات في الأُولى، فينبغي أن يحصل له ذلك، و الاستباحة إنّما تكون معتبرةً مع الذكر، أمّا إذا ظنّ المكلّف حصولها فلا، كيف! و هُم يعلّلون مشروعيّة المجدّد بما قلناه. و مثله استحباب الغسل أوّل ليلة من شهر رمضان تلافياً لما عساه فات من الأغسال الواجبة، و الاتّفاق واقع على إجزاء يوم الشكّ بنيّة الندب عن الواجب، و الصدقة بدرهمٍ تمراً كفّارةً لما لعلّه لزمه في الإحرام، و فتح هذا الباب يؤدّي إلى سدّ باب الاحتياط.

و أقول: لا بدّ قبل الحكم برفع الوضوء المجدّد من تحقيق حال نيّته، فإنّ الذي يظهر من كلام المصنّف في التذكرة و النهاية «2» أنّه مقتصر فيه على نيّة القربة، و أنّ المقصود به زيادة التنظيف خاصّةً، و على هذا فعدم حكمه بأنّه رافع متوجّه عند مَنْ لا يكتفي بها.

لكنّ الظاهر من كلام المحقّق في المعتبر بعد حكمه برفعه أنّه لا بدّ فيه من نيّة استباحة الصلاة، فلو نوى وضوءاً مطلقاً، لم يرفع، «3» مع أنّه حكم فيه بعدم نيّة الوجوب في الوضوء الواجب. «4»

فعلى هذا نيّة الوضوء المجدّد على تقدير الحكم بالرفع كنيّة الأوّل، و حينئذٍ يتّجه ما تقدّم من التعليل برفعه.

و هذا هو الظاهر من كلام الشهيد رحمه اللّه في الذكرى؛ فإنّه قال بعد نقله كلام المصنّف بعدم رفعه معلّلًا بعدم نيّة الوجوب فيه: و يشكل بأنّا نتكلّم على تقديرها. «5»

و قال في موضعٍ آخر: إنّ ظاهر الأصحاب و الأخبار أنّ شرعيّة التجديد للتدارك، فهو منويّ به تلك الغاية، و على تقدير عدم نيّتها لا يكون مشروعاً. «6»

و في هذا ردّ على المحقّق حيث اقتضى كلامه جواز نيّة الاستباحة في المجدّد و عدمها،

______________________________
(1) المبسوط 1: 25؛ المعتبر 1: 140؛ الدروس 1: 94.

(2) انظر: تذكرة الفقهاء 1: 213؛ و نهاية الإحكام 1: 32.

(3) المعتبر 1: 140 و 173.

(4) المعتبر 1: 139.

(5) الذكرى 2: 112- 113.

(6) الذكرى 2: 210.

133
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

القول في أحكام الوضوء ؛ ج‌1، ص : 128

و أنّه يرفع في الأوّل دون الثاني، و على المصنّف مطلقاً.

(و لو تعدّدت الصلاة) الواقعة بعد الطهارة المعقّبة بالتجديد مع ذكر الخلل المذكور (أيضاً) معناه في هذا التركيب: عوداً إليه، أي: عُد إلى كذا عَوْداً، فالحكم فيه كذلك، فانتصابه على المصدريّة المعبّر عنها بالمفعول المطلق. قال ابن السكّيت: هو مصدر قولك: آض يئيض، أي: عاد، يقال: آض فلان إلى أهله، أي: رجع ( «1» أعاد الطهارة و الصلاتين) لما تقدّم؛ إذ لا فرق مع تطرّق الاحتمال إلى الطهارة بين الصلاة المتّحدة الواقعة بعدها و المتعدّدة.

و كذا يعيد الصلاة الواقعة بين الطهارتين أيضاً بطريق أولى، بل الحكم بإعادتها جارٍ على جميع الأقوال، بخلاف الواقعة بعد الطهارتين.

(و لو تطهّر و صلّى و أحدث) و المراد مرتّباً كما ذكر و إن كانت الواو لا تفيد الترتيب عند المصنّف، «2» بل الجمع المطلق (ثمّ تطهّر و صلّى) كذلك (ثمّ ذكر إخلال عضو) من إحدى الطهارتين (مجهول) بالنسبة إليهما و إن علم عينه في نفسه، كالوجه مثلًا (أعاد الصلاتين بعد الطهارة إن اختلفتا) أي الصلاتان (عدداً) كالمغرب و العشاء؛ لفساد إحداهما يقيناً، و لا يمكن الترديد؛ للاختلاف.

(و إلا) أي: و إن لم تكونا مختلفتين، كالظهر و العصر (فالعدد) أي: وجب إعادة فريضة بعدد إحداهما مطلقة بينهما، فيصلّي في المثال المذكور رباعيّةً يطلق فيها بين الظهر و العصر؛ لأنّ الفاسد إحداهما خاصّةً؛ لأنّ الطهارتين رافعتان. و الإطلاق محصّل لذلك على أصحّ القولين.

و أوجب الشيخ في المبسوط «3» قضاء الصلاتين؛ تحصيلًا لليقين حتى أوجب قضاء الخمس لو صلاها بخمس طهارات ثمّ ذكر الإخلال المذكور في إحدى الطهارات مع تخلّل الحدث بين كلّ طهارة و صلاة منها.

و على ما ذكره المصنّف رحمه اللّه هنا يجزئه في هذا الفرض ثلاث فرائض رباعيّة كما ذكر، و يزيد فيها الإطلاق على العشاء، و صبح و مغرب؛ لأنّ الغاية فريضة واحدة‌

______________________________
(1) حكاه عنه الجوهري في الصحاح 3: 1065، «أ ى ض».

(2) مبادئ الوصول إلى علم الأُصول: 77، نهاية الوصول إلى علم الأُصول، المقصد الثاني في اللغات، الفصل الثامن في تفسير حروفٍ، البحث الأوّل في الواو.

(3) المبسوط 1: 25.

134
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

القول في أحكام الوضوء ؛ ج‌1، ص : 128

مجهولة من الخمس، و يتخيّر في تقديم أيّها شاء و توسيطه و تأخيره.

و يتخيّر في الرباعيّة بين الجهر و الإخفات؛ لاحتمال كونها إحدى الظهرين أو العشاء و لا يمكن الجمع بين النقيضين.

و لو كان الذكر في وقت العشاء، نوى بالمغرب الأداء، و ردّد في الرباعيّة بين الأداء و القضاء.

مع أنّ الشيخ رحمه اللّه وافق الجماعة في الاجتزاء بثلاث فرائض ممّن فاته فريضة مجهولة من الخمس «1»؛ معوّلًا على رواية «2» مثّل فيها بمن نسي فريضة، فلم يقس عليها؛ لمخالفتها للأصل، و هو وجوب الجزم في النيّة، و في الإطلاق ترديد.

و أُجيب: بأنّ الترديد مشترك الإلزام؛ لأنّ مَنْ أعاد الصلاتين يعلم قطعاً بأن إحداهما ليست في ذمّته؛ للجزم بأنّ الفساد في إحدى الطهارتين خاصّة، فعند نيّة كلّ منهما إنّما يقصد الوجوب على تقدير الفساد، و لا أثر لصورة جزمه؛ لأنّ ذلك هو المراد.

و الجواب عنهما واحد، و هو: أنّ الجزم إنّما يعتبر إذا كان ممكناً و للمكلّف إليه طريق، و هو منفيّ في المسألتين، و الخبر ينبّه عليه، مع أنّ المتنازع لا يكاد يخرج عن النسيان.

و اعلم أنّ الوضوءين هنا يمكن فرضهما واجبين، و هو واضح، و مندوبين، كما إذا توضّأ بري‌ء الذمّة من مشروطٍ به ثمّ صلّى فريضةً في وقتها ثمّ تأهّب لأُخرى قبل وقتها و صلّى ثمّ ذكر الإخلال، و متفرّقين، فمع تقدّم الواجب كما لو توضّأ لصلاة في وقتها و صلاها ثمّ تأهّب لأُخرى قبل وقتها، و بالعكس على العكس.

و استشكل شيخنا الشهيد رحمه اللّه صورة الندبين و الندب بعد الواجب؛ لعدم الجزم ببراءة الذمّة لمّا توضّأ ندباً ثانياً؛ لجواز أن يكون الخلل من الاولى فتفسد صلاته و تصير في الذمّة، فيقع الندب في غير موضعه. «3»

و للبحث في تأثير ذلك مجال؛ لاستحالة تكليف الغافل، و الفرض أنّ تجدّد العلم بعد الصلاتين، و لأنّه كان مأموراً بإيقاعه على ذلك الوجه، فيقتضي الإجزاء.

______________________________
(1) النهاية: 127؛ المبسوط 1: 127؛ الخلاف 1: 309 310، المسألة 58.

(2) التهذيب 2: 197/ 774.

(3) لم نعثر عليه في مظانّه.

135
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

النظر الثالث في أسباب الغسل ؛ ج‌1، ص : 137

[النظر الثالث في أسباب الغسل]

(النظر الثالث) من الأنظار الستّة في أسباب الغسل) و قد تقدّم تحقيق السبب، و أنّه الوصف الظاهر المنضبط الذي دلّ الدليل على كونه معرّفاً لحكمٍ شرعيّ بحيث يلزم من وجوده الوجودُ و من عدمه العدمُ لذاته.

(إنّما يجب) الغسل (بالجنابة) بفتح الجيم (و الحيض و الاستحاضة) على تفصيل يأتي (و النفاس) بكسر النون (و مسّ الأموات من الناس بعد بردهم بالموت و قبل الغسل) الواجب اختياراً.

و يدخل في «الغسل» مَنْ قدّم غسله ليُقتل، فلا يجب بمسّه غسل. و كذا لا يجب بمسّ الشهيد؛ لعدم وجوب الغسل عليه.

و خرج به المتيمّم و لو عن بعض الأغسال، فيجب الغسل بمسّه؛ لفقد التطهير الحقيقي.

و خرج بالاختيار مُغسّل الكافر مع عدم المماثل؛ لعدم التطهير حقيقةً أيضاً.

و إطلاق الغسل هنا إمّا بناءً على الغالب، أو لعدم إيجاب الغسل بمسّ المذكور؛ لأنّ فيه خلافاً.

و هذه الأسباب الخمسة لا خلاف فيها عندنا إلا في غسل المسّ، فمنع السيّد المرتضى من وجوبه، «1» و سيأتي ما يدلّ على الوجوب.

و قوله (و غسل الأموات) لا يجوز عطفه على شي‌ء من هذه الأسباب؛ لفساد المعنى‌

______________________________
(1) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 222، المسألة 193؛ و المحقّق في المعتبر 1: 351 نقلًا عن شرح الرسالة و المصباح.

137
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

النظر الثالث في أسباب الغسل ؛ ج‌1، ص : 137

حينئذٍ؛ لأنّه يصير التقدير إنّما يجب الغسل بالجنابة إلى آخره، و بغسل الأموات، فيصير غسل الأموات من جملة الأسباب، و هو فاسد، بل الأولى عطفه على الضمير المستتر في «يجب» ليصير التقدير إنّما يجب الغسل بهذه الأسباب، «1» و إنّما يجب غسل الأموات، مضافاً إلى الأغسال المسبّبة عن هذه الخمسة، و على كلّ تقدير فلا تخلو العبارة عن ثقلٍ.

و يمكن أن يكون قوله: «و غسل الأموات» مبتدأ محذوف الخبر، أي: واجب، و إنّما غيّر الأُسلوب في العبارة؛ لأنّ غسل الأموات ليس على نهج الأغسال السالفة. و لو قال بدل «غسل الأموات»: «و الموت» كما صنع شيخنا الشهيد «2» ليكون معطوفاً على الأسباب المتقدّمة؛ لأنّه بعضها، كان أوضح.

(و كلّ الأغسال لا بدّ معها من الوضوء) قبلها أو بعدها على المشهور، خلافاً للسيّد المرتضى؛ فإنّه اكتفى بالغسل مطلقاً «3»؛ استناداً إلى صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال‌

الغسل يجزئ عن الوضوء، و أيّ وضوء أطهر من الغسل «4»

؟ بناءً على أنّ هذا اللام للجنس، و أنّ لام الجنس إذا دخل على اسمه أفاد العموم.

و المقدّمتان ممنوعتان؛ لإمكان حمل اللام على العهد، و يراد به غسل الجنابة؛ جمعاً بينها و بين ما سيأتي من الأخبار الدالّة على اختصاص الحكم بغسل الجنابة نصّاً.

(إلا) غسل (الجنابة) فإنّه لا وضوء معه عندنا وجوباً إجماعاً، و لا استحباباً على المشهور؛ لقوله تعالى حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا «5» غيّا المنعَ بالغسل، فلا يتوقّف على غيره؛ لوجوب مخالفة ما بعد الغاية لما قبلها. و لئلا يلزم جَعْل ما ليس بغاية غايةً.

و لقول الصادق عليه السّلام‌

في كلّ غسل وضوء إلا الجنابة. «6»

و لصحيح ابن أبي عمير المرسل عن الصادق عليه السّلام‌

كلّ غسل قبله وضوء إلا غسل الجنابة «7»

و قد عمل الأصحاب بمراسيله.

______________________________
(1) في الطبعة الحجريّة: «الأشياء» بدل «الأسباب».

(2) اللمعة الدمشقيّة: 4؛ الذكرى 1: 218.

(3) حكاه عنه المحقّق في المعتبر 1: 196.

(4) التهذيب 1: 139/ 390؛ الاستبصار 1: 126/ 427.

(5) النساء (4): 43.

(6) التهذيب 1: 143/ 403، و 303/ 881.

(7) الكافي 3: 45/ 13؛ التهذيب 1: 139/ 391؛ الاستبصار 1: 126/ 428.

138
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

النظر الثالث في أسباب الغسل ؛ ج‌1، ص : 137

و قيل للباقر عليه السّلام: كان علي عليه السّلام يأمر بالوضوء قبل غسل الجنابة، فقال: كذبوا على عليّ عليه السّلام، قال اللّه تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا «1»

«2» و في حكايته عليه السّلام للآية إشارة إلى أنّ المراد من الطهارة المأمور بها الغسل.

و قد نقل المحقّق في المعتبر إجماع المفسّرين على ذلك. «3»

و قد يقرّر مع ذلك بأنّ اللّه سبحانه أمر مريد الصلاة بالوضوء المعبّر عنه بغَسل الأعضاء المخصوصة و مسحها، ثمّ قال وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا «4» و لا يجوز أن يراد بالطهارة الوضوء؛ لأنّ التفصيل قاطع للشركة، و لا الوضوء و الغُسل معاً؛ لعدم جواز استعمال المشترك في معنييه عند المحقّقين. و لو سلّم فلا دليل على إرادتهما معاً من الآية؛ لأنّ الجواز لا يتحتّم المصير إليه، بل غيره و هو المتّفق عليه أولى، فتعيّن أن يراد به الغسل.

و حيث كانت الأسباب الموجبة للغسل ستّة كما عرفت (فهنا مقاصد) أربعة تشتمل على بيان الأسباب الستّة. و جمع بين الاستحاضة و النفاس في مقصدٍ؛ لقلّة مباحثهما بالنسبة إلى غيرهما، و كذا جمع المسّ مع أحكام الميّت؛ لقلّة أحكامه.

______________________________
(1) المائدة (5): 6.

(2) التهذيب 1: 139/ 389؛ الاستبصار 1: 125- 126/ 426.

(3) المعتبر 1: 195.

(4) المائدة (5): 6.

139
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

المقصد الأول في ماهية الجنابة و أحكامها ؛ ج‌1، ص : 140

 

[المقصد الأوّل في ماهيّة الجنابة و أحكامها]

(المقصد الأوّل) (في) ماهيّة (الجنابة) و أحكامها و هي مصدر قولك: أجنب الرجل و جنب و اجتنب جنابة.

و مَنَع بعض أهل العربيّة من الثاني، قال: لأنّ معناه: أصابته ريح الجنوب. «1»

و هي في اللغة: البُعْد و شرعاً: ما يكون سبباً للبُعْد عن أحكام الطاهرين من غيبوبة الحشفة أو قدرها قُبُلٍ أو دُبُرٍ أو نزول المنيّ على ما يأتي تفصيله.

[تحصل الجنابة]

(و هي) أي: الجنابة (تحصل للرجل و المرأة) و الخنثى بل لجميع الناس على الأصحّ، فلو فرض من الصغير جماع، وجب عليه الغسل عند البلوغ بسبب الجنابة الاولى. و تخلّف الحكم عنه؛ لفقد شرطٍ لا يُخرجه عن السببيّة.

و أمّا إنزال المنيّ فقد يفرض مع عدم تحقّق الرجوليّة، و يكون حينئذٍ سبباً فيها؛ لأنّ المنيّ ليس دليلًا على سبق البلوغ بل موجداً له، كما سيأتي، فالتعبير بالرجوليّة غير جيّدٍ. و مثله القول في المرأة؛ فإنّها تأنيث المرء، و هو لغةً: الرجل، كما نصّ عليه أهل اللغة.

و حصولها بأحد أمرين (بإنزال المنيّ مطلقاً) يقظةً و نوماً، بشهوة و بغير شهوة؛ لقوله عليه السلام صلّى اللّه عليه و آله‌

إنّما الماء من الماء. «2»

و لا فرق بين نزوله من الموضع المعتاد الخلقي أو من غيره مطلقاً مع تحقّق أنّه منيّ، عند المصنّف؛ للعموم.

______________________________
(1) حكاه السيوري في التنقيح الرائع 1: 92 عن الحريري.

(2) صحيح مسلم 1: 269/ 343؛ المعجم الكبير للطبراني 4: 267/ 4373؛ مسند أحمد 4: 443/ 11042.

 

140
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

تحصل الجنابة ؛ ج‌1، ص : 140

و اختار الشهيد إلحاقه بالحدث الأصغر الخارج من غير المعتاد، «1» فيعتبر فيه الاعتياد أو انسداد الخلقي.

و إن اعتبرنا هناك المعدة، احتمل اعتبار الصلب هنا؛ لأنّه يخرج منه.

و قرّبه المصنّف في النهاية. «2»

و يعتبر في الخنثى خروجه من فرجَيْه لأمن أحدهما إلا مع الاعتياد. و يأتي على إطلاق المصنّف، المتقدّم عدم اعتبار الاعتياد هنا مع تحقّق المنيّ.

(و بالجماع في قُبُل المرأة حتى تغيب الحشفة) فيه مع سلامتها، أو الباقي منها إن لم يذهب المعظم، أو قدرها من مقطوعها؛ لأنّه في معناها؛ لقوله عليه السّلام‌

إذا التقى الختانان وجب الغسل. «3»

و المراد بالتقائهما تحاذيهما؛ لعدم إمكان الالتقاء حقيقةً؛ فإنّ موضع الختان في المرأة أعلى الفرج، و مدخل الذكر في أسفله، و بينهما ثُقبة البول. و ذكر الختانين لا ينفي الحكم عمّا عداهما، فلو فرض انتفاؤهما أو أحدهما، يثبت للحي على الوجه المتقدّم؛ لقوله عليه السّلام‌

إذا أدخله فقد وجب الغسل.؛

(و) الجماع (في دُبُر الآدمي) سواء كان ذكراً أم أُنثى أم خنثى (كذلك) أي: كالجماع في قُبُل المرأة (و إن لم ينزل) الماء على الأصحّ.

أمّا دُبُر المرأة فادّعى السيّد المرتضى عليه الإجماع.؛ و لقول الصادق عليه السّلام‌

هو أحد المأتيّين فيه الغسل. «4»

(و) الجماع (في دُبُر الآدمي) سواء كان ذكرا أم أنثى أم خنثى (كذلك) أي: كالجماع في قبل المرأة (و إن لم ينزل) الماء على الأصحّ.

أمّا دبر المرأة فادّعى السيّد المرتضى عليه الإجماع «5». و لقول الصادق عليه السّلام‌

هو أحد المأتيّين فيه الغسل

«6». و ما ورد من الأخبار ممّا يدلّ بظاهره على عدم الوجوب فمؤوّل بما يحصل به الجمع بينهما.

و ذهب الشيخ في الاستبصار و النهاية إلى عدم الوجوب بالإيلاج في دُبُرها. «7»

و أمّا الذكر فاستدلّ السيّد عليه أيضاً بالإجماع المركّب، بمعنى أنّ كلّ مَنْ قال بوجوب‌

______________________________
(1) البيان: 54.

(2) نهاية الإحكام 1: 99.

(3) مسند أحمد 7: 341/ 25494.

(4) الكافي 3: 46/ 1؛ التهذيب 1: 118/ 310؛ الاستبصار 1: 108/ 358، و الحديث عن أحدهما».

(5) كما في الذكرى 1: 220؛ و جامع المقاصد 1: 257.

(6) التهذيب 7: 461/ 1847؛ الإستبصار 1: 112/ 373.

(7) الإستبصار 1: 112 (باب الرجل يجامع المرأة فيما دون الفرج ..)؛ النهاية: 19.

141
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

تحصل الجنابة ؛ ج‌1، ص : 140

الغسل في دُبُر المرأة قال به في دُبُر الذكر «1»، مع أنّه نقل في الأوّل الإجماع «2». و يلزم منه أن لا قائل بعدم الوجوب في الثاني.

و ردّه المحقّق في المعتبر، و قال: لم أتحقّق إلى الآن ما ادّعاه، فالأولى التمسّك فيه بالأصل. «3» و عنى به عدم وجوب الغسل بسببه.

و يندفع بأنّ الإجماع المنقول بخبر الواحد حجّة فكيف بمثل السيّد رحمه اللّه! و الخنثى لا يخرج عنهما، فدليلهما يشمله.

و إطلاق المصنّف الآدمي و المرأة «4» شامل للحيّ و الميّت، و الحكم فيه كذلك؛ للعموم.

و تقييده بالآدمي يقتضي بظاهره عدم وجوب الغسل بالإيلاج في فرج البهيمة، و لا نصّ فيه على الخصوص، و أصالة البراءة تقتضي عدمه.

و اختار المصنّف في النهاية وجوبه «5»؛ لفحوى إنكار عليّ عليه السّلام على الأنصار حيث لم يوجبوا الغسل في وطئ القُبُل من غير إنزال بقوله‌

أ توجبون عليه الرجم و الحدّ و لا توجبون عليه صاعاً من ماء. «6»»؟

و يمكن الاحتجاج له أيضاً بقوله عليه السّلام‌

ما أوجب الحدّ أوجب الغسل «7»

» و لفظة «ما» و إن كانت من صِيَغ العموم إلا أنّها مخصوصة بما عدا الأسباب الموجبة للحدّ، التي قد أُجمعَ على عدم إيجابها الغسل كالقذف، فيدخل المختلف فيه في العموم.

و توقّف المصنّف في النهاية في وطئ البهيمة مع جزمه بوجوب الغسل لو غاب فرج الميّت أو الدابّة في فرجه. «8»

و في الفرق نظر.

و شمل إطلاقه الآدمي و المرأة الحيّ و الميّت.

______________________________
(1) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 181؛ و شرائع الإسلام 1: 18.

(2) تقدّم تخريجه في ص 141، الهامش (5).

(3) المعتبر 1: 181.

(4) كلمة «و المرأة» لم ترد في «ق، م».

(5) نهاية الإحكام 1: 96.

(6) التهذيب 1: 119/ 314.

(7) كنز العمّال 9: 543/ 27337.

(8) نهاية الإحكام 1: 96.

142
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

تحصل الجنابة ؛ ج‌1، ص : 140

و الفاعل في جميع ذلك كالمفعول.

و الخنثى باعتبار الدُّبُر كغيره، و هو داخل في إطلاق الآدمي، كما عرفت، فيجب عليه الغسل بإيلاج الواضح في دُبُره، دون الخنثى؛ لاحتمال الزيادة في الفاعل، و باعتبار القُبُل لا يجب عليه الغسل إلا باستعمال الفرجين منه معاً مع واضح، فلو أولج أحدهما في واضح و أولج في الآخر من واضحٍ، وجب عليه الغسل و لا يجب على الواضح على الأصحّ.

و أوجبه المصنّف في التذكرة محتجّاً بصدق التقاء الختانين و وجوب الحدّ به. «1» و فيهما منع.

نعم، يصير الواضحان كواجدي المنيّ في المشترك، فيقطع فيهما بجنب، كما يأتي.

و لو توالج الخنثيان، فلا شي‌ء؛ للشكّ في الحدث باحتمال الزيادة.

و المعتبر في الجماع ما كان محقّقاً، فلو رأى في منامه أنّه جامع و انتبه فلم يجد منيّاً، فلا غسل و إن وجد رطوبةً لا تشتمل على بعض أوصافه؛ لأصالة الطهارة.

(و لو اشتبه المنيّ) أي: اشتبه الخارج هل هو منيّ أم لا (اعتبر بالشهوة) المقارنة له بحيث يتلذّذ بخروجه (و الدفق) و هو خروجه في دفعات؛ لقوله تعالى مِنْ مٰاءٍ دٰافِقٍ «2» (و فتور الجسد) بعده بمعنى انكسار الشهوة.

و يعتبر أيضاً بالرائحة، فإنّه يشبه رائحة الطلع و العجين ما دام رطباً، و رائحة بياض البيض جافّاً.

و هذه الخواصّ الأربع متلازمة غالباً، و لو فرض انفكاكها، لم يشترط في الحكم به اجتماعها، بل تكفي واحدة منها.

و قوله (و في المريض لا يعتبر الدفق) إشارة إلى أنّه لا يشترط اجتماعها، و هو مبنيّ على الغالب من عدم انفكاكها، و أنّ الانفكاك يتّفق في المريض، و إلا فلو فرض الانفكاك، اكتفى بواحدة منها و إن لم يكن مريضاً كما قلناه، و قد صرّح به المصنّف في النهاية. «3»

لكن يفهم من عدم اعتبار الدفق فيه اشتراط اجتماع الشهوة عنده و انكسارها بعده بالمفهوم المخالف، و ليس مراداً بل على تقدير العمل به يبنى على الغالب حتى لو فرض عدم الشهوة‌

______________________________
(1) تذكرة الفقهاء 1: 228227، الفرع «ز».

(2) الطارق (86): 6.

(3) نهاية الإحكام 1: 99.

143
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

تحصل الجنابة ؛ ج‌1، ص : 140

في المريض أصلًا مضافاً إلى عدم الدفق؛ لضعف قوّته، اعتبر الخارج بالرائحة خاصّةً.

و على هذا لو خرج المنيّ بلون الدم؛ لاستكثار الجماع، وجب الغسل؛ تغليباً للخواصّ، مع احتمال العدم؛ لأنّه في الأصل دم، فإذا خرج على لونه، أشبه سائر الدماء.

(و لو وجد) المكلّف (على) شي‌ء من (جسده أو ثوبه) أو فراشه (المختصّ) بلُبْسه أو النوم عليه حين الوجدان و إن كان يلبسه أو ينام عليه هو و غيره تناوباً (منيّاً، وجب) على الواجد (الغسل) حينئذٍ.

و لو كان صبيّاً، حُكم ببلوغه إن كان ذلك في سنٍّ يمكن حصوله فيه، و هو اثنتا عشرة سنة فصاعداً، كما ذكره المصنّف في المنتهي، «1» و يحكم بنجاسة الثوب أو البدن في أقرب أوقات احتمال تجدّده، و يعيد الصلاة و نحوها الواقعة بعد ذلك الوقت خاصّة على الأصحّ؛ لأصالة عدم التكليف بالزائد، و استصحاباً ليقين الطهارة، فلا يرفعه احتمال الحدث، و يُعبّر عن هذا القول بإعادة كلّ صلاة يعلم عدم سبقها أو لا يحتمل سبقها، و هو آخر نومةٍ أو جنابة ظاهرة.

و احتاط الشيخ «2» رحمه اللّه بإعادة كلّ صلاة لا يعلم سبقها، و هو من أوّل نومةٍ أو جنابة ظاهرة وقعت في الثوب؛ لتوقّف اليقين بالبراءة عليه.

هذا كلّه بالنسبة إلى الحدث، و أمّا الخبث فيبنى على إعادة الجاهل بالنجاسة أوّلًا فيما حكم بحصوله فيه، لكن حكم الخبث هنا يدخل في حكم الحدث؛ لعدم الانفكاك و لو فرض تمشّي الحكم و الخلاف.

(و لا يجب) الغسل لو وجده (في المشترك) ثوباً و فراشاً. نعم، يستحبّ لهما الغسل و ينويان الوجوب، كما في كلّ احتياط. و لو علم المجنب منهما بعد ذلك، ففي الإعادة نظر تقدّم مثله في الوضوء.

و يتحقّق الاشتراك بالنوم فيه أو عليه دفعة لا بالتناوب، كما سبق، بل يجب على صاحب النوبة خاصّة و إن احتمل سبقه. و لم علم السبق، سقط عنه، و لم يجب على مَنْ قبله ما لم يتحقّق أنّه منه.

______________________________
(1) منتهى المطلب 2: 178.

(2) المبسوط 1: 28؛ و كما في الذكرى 1: 221.

144
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و يحرم على الجنب أمور ؛ ج‌1، ص : 145

قيل «1» و لا يقطع بجنبٍ، كما في المشترك؛ لأصالة بقاء الطهارة، و عدم الدليل عليه. و فيه نظر.

و لو نسي صاحب النوبة بعينه، الحق بالمشترك، و مع تحقّق الاشتراك يقطع بجنبٍ، فلا يكمل بالمشتركين «2» عدد الجمعة؛ مبطلا" صلاة واحدٍ في نفس الأمر قطعاً.

و لو ائتمّ أحدهما بالآخر، بطلت صلاة المأموم خاصّة؛ للقطع بحدثه أو حدث إمامه، فتبطل صلاته على التقديرين.

و استوجه المصنّف الصحّةَ؛ لسقوط حكم هذه الجنابة في نظر الشرع. «3»

و لا ريب في جواز دخول المساجد دفعةً، و قراءة العزائم و نحوهما.

[و يحرم على الجنب أمور]

(و يحرم عليه) أي على الجنب المدلول عليه التزاماً (قراءة) كلّ واحدة من سُور السجدات (العزائم) و هي أربع سور: سجدة لقمان، و حم السجدة، و النجم، و إقرأ.

(و) كذا يحرم عليه قراءة (أبعاضها) حتى البسملة إذا قصدها منها، بل لفظة «بسم» و هو إجماع.

(و) كذا يحرم عليه (مسّ كتابة القرآن) إجماعاً. و لقوله تعالى لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ «4» و هو خبر معناه النهي؛ لعدم الفائدة فيها لو أُريد بها الخبر، و لعدم مطابقة الواقع، و النهي للتحريم. و للأخبار.

و لا فرق في المسّ بين باطن الكفّ و غيره من أجزاء البدن؛ لشمول المسّ له لغةً.

و هل يحرم المسّ بما لا تحلّه الحياة من أجزاء البدن، كالشعر و الظفر؟ الظاهر لا؛ لعدم كونهما محلّ الحياة، و حكم الحدث من توابعها، و من ثَمَّ يسقط بالموت.

و كذا لا يجب الغسل بمسّ الميّت به و إن نجس، كما لا يجب بمسّه من الميّت.

و لا يخفى أنّ التحريم من باب خطاب الشرع المختصّ بالمكلّف، فلا يمنع الصبي منه؛ لعدم التكليف. نعم، يستحب للوليّ منعه تمريناً.

و لا فرق بين المنسوخ حكمه منه و غيره دون المنسوخ تلاوته.

______________________________
(1) لم نعثر على القائل في مظانّه من المصادر المتوفّرة لدينا.

(2) في الطبعة الحجريّة: «المشترك».

(3) نهاية الإحكام 1: 101.

(4) الواقعة (56): 79.

145
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و يحرم على الجنب أمور ؛ ج‌1، ص : 145

و لا يلحق بالقرآن الكتبُ الدينيّة، كالحديث.

(أو شي‌ء مكتوب عليه اسم اللّه تعالى) و لو كان على درهمٍ أو دينار أو غيرهما؛ لقول الصادق عليه السّلام‌

لا يمسّ الجنب ديناراً و لا درهماً عليه اسم اللّه تعالى. «1»»

و هذه الرواية ذكرها الأصحاب في الدلالة، و هي ضعيفة السند، لكنّها مناسبة لما ينبغي من تعظيم اسم اللّه تعالى.

(و أسماء أنبيائه و الأئمّة عليهم السّلام) المقصودة بالكتابة؛ لمناسبة التعظيم أيضاً.

و جوّزه هنا المحقّق في المعتبر «2» على كراهيةٍ؛ لعدم الدليل على التحريم، مع أنّه قد روي عن الصادق عليه السّلام في الجنب يمسّ الدراهم و فيها اسم اللّه أو اسم رسوله، قال‌

لا بأس ربما فعلت ذلك.

«3»» و هذه الرواية إنّما تدلّ على جواز مسّ الدراهم المكتوب عليها ذلك خاصّة، فلا يتعدّى إلى غيرها. و جاز اختصاصها بالحكم؛ لعموم البلوى و دفع الحرج، و ليست مستندَ المحقّق و لا مطابقةً لقوله؛ لتخصيصه الحكم باسم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و الإمام، و تعميمه الرخصة في الدراهم و غيرها.

(و) كذا يحرم عليه (اللبث) بفتح اللام و سكون الباء على غير قياس (في المساجد) للخبر. «4» و لقوله تعالى وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ. «5»

و المراد من الصلاة في صدر الآية «6» مواضع الصلاة؛ لدلالة العجز عليه، أو يريد الصلاة و مكانها على طريق الاستخدام، كما ذكره بعض أهل البيان، إلا أنّه غير الاستخدام المشهور.

(و وضع شي‌ء فيها) أي في المساجد على الأصحّ، خلافاً لسلار؛ فإنّه كرهه خاصّة، «7» بل كره اللبث في المساجد أيضاً، «8» و لم يفرق بين المسجدين و غيرهما.

و مستند التحريم ما رواه عبد اللّه بن سنان، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الجنب‌

______________________________
(1) التهذيب 1: 31/ 82؛ الاستبصار 1: 113/ 374.

(2) المعتبر 1: 188.

(3) المعتبر 1: 188.

(4) التهذيب 1: 125/ 338، و 371/ 1132.

(5) النساء (4): 43.

(6) النساء (4): 43.

(7) المراسم: 42.

(8) المراسم: 42.

146
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و يكره على الجنب أمور ؛ ج‌1، ص : 147

و الحائض يتناولان من المسجد المتاع يكون فيه، قال‌

نعم، و لكن لا يضعان في المسجد شيئاً.

«1»» و خصّ بعض المتأخّرين تحريمَ الوضع باستلزام اللبث. «2»

و هو ضعيف؛ لعموم النصّ، و استلزامه عدم فائدة ذكر الوضع؛ لأنّ اللبث سبب تامّ في التحريم، سواء حصل معه وضع أم لا.

(و الاجتياز) أي السلوك (في المسجدين): مسجد الحرام و مسجد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله دون غيرهما من المساجد؛ فإنّه يباح الاجتياز فيها على كراهة؛ لما روي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام حيث سُئل عن الجنب يجلس في المساجد، قال‌

لا، و لكن يمرّ فيها إلا المسجد الحرام و مسجد الرسول صلّى اللّه عليه و آله. «3»»

و لا يشترط في جواز الاجتياز في باقي المساجد أن يكون للمسجد «4» بابان يدخل من أحدهما و يخرج من الآخر، بل صدق السلوك و عدم اللبث، مع احتماله.

نعم، ليس له التردّد في جوانب المسجد بحيث يخرج عن اسم المجتاز قطعاً؛ لأنّه كالمكث.

و هذا كلّه مع الاختيار، فلو اضطرّ، جاز المكث في جميع المساجد متيمّماً، فإن أمكن التيمّم خارجاً، وجب، و إلا جاز بتراب المسجد، و يعيده كلّما أحدث و لو أصغر.

[و يكره على الجنب أمور]

(و يكره) له (الأكل و الشرب إلا بعد المضمضة و الاستنشاق) أو الوضوء، للخبر، «5» فإن أكل أو شرب قبل ذلك، خِيف عليه البرص. و روى أنّه يورث الفقر. «6» و يتعدّد بتعدّد الأكل و الشرب مع التراخي لا مع الاتّصال.

(و) كذا يكره له (مسّ المصحف) و حمله بغير علاقة، أمّا بها فلا بأس، قاله المصنّف، «7» و فيه نظر.

______________________________
(1) الكافي 3: 51/ 8؛ التهذيب 1: 125/ 339.

(2) ابن فهد الحلّي في المقتصر: 49.

(3) الكافي 3: 50/ 4؛ التهذيب 1: 125/ 338.

(4) في الطبعة الحجرية: «للمساجد».

(5) الكافي 3: 50/ 1 و 51/ 12؛ التهذيب 1: 129/ 354، و 130/ 357.

(6) الفقيه 1: 47/ 178.

(7) نهاية الإحكام 1: 104.

147
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و يكره على الجنب أمور ؛ ج‌1، ص : 147

(و النوم إلا بعد الوضوء) للخبر. «1» و لاستحباب النوم على طهارة و إن كانت ناقصةً، كالتيمّم مع وجود الماء، فكذا يكفي فيه الوضوء عن الغسل و الغسل أفضل.

(و الخضاب) له بحنّاء و غيره. و كذا يكره أن يجنب و هو مختضب، كلّ ذلك للرواية. «2»

(و قراءة ما زاد على سبع آيات) في جميع أوقات جنابته، فلا يشترط التوالي. قيل «3» و يصدق السبع و لو بواحدة مكرّرة سبعاً.

و حرّم ابن البرّاج قراءة ما زاد على السبع، «4» و نُقل عن سلار في أحد قوليه تحريم القراءة مطلقاً «5»؛ لما روي عنه «6»

لا يقرأ الجنب و لا الحائض شيئاً من القرآن «7»»

و عن علي عليه السّلام‌

لم يكن يحجب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن قراءة القرآن شي‌ء سوى الجنابة. «8»»

قلنا: يحمل على الكراهة إن صحّ السند؛ جمعاً بينهما و بين غيرهما من الأخبار كصحيح الفضيل بن يسارعن الباقر عليه السّلام‌

لا بأس أن تتلو الحائض و الجنب القرآن «9»»

و صحيح الحلبي عن الصادق عليه السّلام في الحائض و الجنب و المتغوّط‌

«يقرءون ما شاؤا. «10»»

و احتجّ أيضاً باشتهار النهي عن قراءة القرآن للجنب و الحائض في عهد النبي صلى الله عليه و آله بين الرجال و النساء، و من ثَمَّ تخلّص عبد اللّه بن رواحة و كان أحد النقباء من تهمة امرأته بأمته بشعرٍ مُوهماً القراءة، فقالت: صدق اللّه و كذب بصري، فأخبر النبي صلى الله عليه و آله فضحك حتى بدت نواجذه. «11»

(و تشتدّ الكراهة) بل الظاهر من كلام الشيخ في كتابي الأخبار «12» التحريم (فيما زاد على سبعين) أية.

______________________________
(1) الفقيه 1: 47/ 179.

(2) التهذيب 1: 181/ 517 519؛ الاستبصار 1: 116/ 386 و 387، و 117/ 392.

(3) لم نعثر على القائل فيما بين أيدينا من المصادر.

(4) المهذّب 1: 34.

(5) نقله عنه الشهيد في الذكرى 1: 269 عن «الأبواب».

(6) في «م»: «عن النبيّ».

(7) سنن الترمذي 1: 236/ 131؛ سنن الدارقطني 1: 117/ 1؛ سنن البيهقي 1: 461/ 1479.

(8) سنن ابن ماجة 1: 195/ 594؛ سنن أبي داوُد: 59/ 229؛ سنن النسائي 1: 144؛ مسند أحمد 1: 135/ 640.

(9) التهذيب 1: 128/ 347؛ الاستبصار 1: 114/ 380.

(10) التهذيب 1: 128/ 348؛ الاستبصار 1: 114/ 381.

(11) الاستيعاب 3: 901900؛ مختصر تاريخ دمشق 12: 158؛ سنن الدارقطني 1: 120/ 13.

(12) انظر: التهذيب 1: 128؛ و الاستبصار 1: 114- 115.

148
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و يكره على الجنب أمور ؛ ج‌1، ص : 147

و الاحتجاج على تحريم ما زاد بالإذن في قراءة السبع أو السبعين ضعيف؛ فإنّ قراءة ما زاد على العدد أعمّ من التحريم، بل يجوز أن يكون مكروهاً أو مباحاً.

(و يجب عليه) أي على المجنب (الغسل) بسبب الجنابة و إن لم يكن مخاطباً بمشروطٍ بالطهارة عند المصنّف، فوجوبه عنده لنفسه «1» بمعنى أنّه سبب تامّ في وجوب الغسل شرعاً و إن كانت الذمّة بريئةً من عبادةٍ مشروطة بالغسل، محتجّاً بالأدلّة الدالّة بإطلاقها أو عمومها على ذلك، كقوله عليه السّلام‌

إذا التقى الختانان وجب الغسل «2»»

و‌

إنّما الماء من الماء «3»»

وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا «4» و قول عليّ عليه السّلام‌

أ توجبون عليه الرجم و الحدّ و لا توجبون عليه صاعاً من ماء «5»»

؟! و قوله عليه السّلام‌

إذا أدخله فقد وجب الغسل. «6»»

و لأنّه لو لم يجب إلا لما يشترط فيه الطهارة، لما وجب أوّل النهار للصوم، و التالي باطل إجماعاً فالمقدّم مثله، و الملازمة ظاهرة. «7»

و الأكثر «8» على أنّ وجوبه مشروط بوجوب شي‌ء من الغايات المتقدّمة، كباقي أغسال الأحياء؛ إذ لا خلاف بينهم في وجوبها لغيرها.

و ممّا يدلّ على اشتراك هذه الأغسال غير غسل الميّت في تعلّق وجوبها بوجوب الغايات تضيّقها بتضيّق وقتها و اتّساعها بسعته، فلا وجه لإخراج غسل الجنابة من البين.

و يدلّ على الجميع أيضاً ما رواه زرارة في الصحيح عن أبي جعفر عليه السّلام أنّه قال‌

إذا دخل الوقت وجب الطهور و الصلاة، و لا صلاة إلا بطهور «9»»

و في «إذا» معنى الشرط، فينتفي المشروط بانتفائه؛ لأنّ مفهوم الشرط حجّة عند كثير من الأُصوليّين و منهم المصنّف. «10»

______________________________
(1) مختلف الشيعة 1: 159، المسألة 107؛ منتهى المطلب 2: 256.

(2) مسند أحمد 7: 341/ 25494، عن النبي، الكافي 3: 46/ 2؛ التهذيب 1: 118/ 311؛ الاستبصار 1: 109108/ 359 عن الإمام الرضا.

(3) صحيح مسلم 1: 269/ 343، مسند أحمد 3: 443/ 11042، المعجم الكبير للطبراني 4: 267/ 4374.

(4) المائدة (5): 6.

(5) التهذيب 1: 119/ 314.

(6) الكافي 3: 46/ 1؛ التهذيب 1: 118/ 310؛ الاستبصار 1: 108/ 358.

(7) مختلف الشيعة 1: 161159، المسألة 107.

(8) منهم ابن إدريس في السرائر 1: 128.

(9) التهذيب 2: 140/ 546.

(10) انظر: مبادئ الوصول إلى علم الأُصول: 98، و نهاية الوصول إلى علم الأُصول، المقصد الرابع: في الأمر و النهي، الفصل الثالث: في مقتضيات الصيغة، البحث السادس: في أنّ المعلّق بشرطٍ عدم عند عدمه.

149
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و يكره على الجنب أمور ؛ ج‌1، ص : 147

قال الشهيد رحمه اللّه: و هذا الخبر لم يذكره المتعرّضون لبحث هذه المسألة، و هو من أقوى الأخبار دلالةً و سنداً، أورده في التهذيب في باب تفصيل واجب الصلاة. «1»

و يدلّ على وجوب محلّ النزاع لغيره على الخصوص عطفه على الوضوء المشروط بالصلاة إجماعاً في قوله تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا «2» و عطف التيمّم عليه المشروط بها أيضاً اتّفاقاً، فلو لا كون حكمه كذلك، لزم تهافت كلامه تعالى بتوسيطه معطوفاً بين عبادتين مشروطتين كذلك مصرّحاً بالاشتراط في أُولاهنّ بقوله إِذٰا قُمْتُمْ «3» و الحكم إذا صدر بأداة الشرط، لزم من انتفائه انتفاؤه؛ قضيّةً للاشتراط، فلا يرد أنّ الإيجاب لأجل الصلاة لا ينفي الوجوب بدونها.

و المصنّف رحمه اللّه أجاب عن ذلك بالمنع من مساواة المعطوف للمعطوف عليه في الحكم، «4» مع أنّه قد ادّعى في غير موضعٍ التساوي بين المعطوف و المعطوف عليه، «5» فمنعه هنا خاصّة غريب، مع أنّك قد عرفت أنّا لو سلّمنا عدم لزوم المساواة، فالاحتجاج بها باقٍ باعتبار توسّط الغسل بين طهارتين مشروطتين.

و يدلّ عليه أيضاً صحيح الكاهلي عن الصادق عليه السّلام في المرأة يجامعها الرجل فتحيض و هي في المغتسل هل تغتسل؟ قال‌

قد جاءها ما يفسد الصلاة فلا تغتسل «6»»

علّل عليه السّلام عدم الغسل بمجي‌ء ما يفسد الصلاة عاطفاً بفاء التفريع، فدلّ بالإيماء على أنّ وجوب الغسل إنّما كان ناشئاً عن وجوب الصلاة، و إلا لزم عدم مطابقة الجواب للسؤال؛ إذ لا يلزم من إبطال الصلاة إبطال الطهارة، و المسؤول عنه إنّما هو فعل الغسل حال الحيض، فالجواب عنه بمجي‌ء مفسد الصلاة لو لم يرد ما قلناه غير مطابق سيّما و الإمام عليه السّلام قد علم من قول السائل بمجي‌ء المفسد لها، فهو مثل قوله عليه السّلام‌

أ ينقص إذا جفّ «7»»؟

في الإيماء إلى التعليل، فدلالة الخبر حينئذٍ ليست من باب المفهوم، كما أورده المصنّف في المنتهي. «8»

______________________________
(1) الذكرى 1: 194.

(2) المائدة (5): 6.

(3) المائدة (5): 6.

(4) مختلف الشيعة 1: 161، المسألة 107.

(5) منتهى المطلب 2: 257.

(6) الكافي 3: 183/ 1؛ التهذيب 1: 370/ 1128، و 395/ 1224.

(7) المستدرك للحاكم 2: 38.

(8) منتهى المطلب 2: 258.

150
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و يكره على الجنب أمور ؛ ج‌1، ص : 147

و ما ذكر من الأخبار الدالّة على أنّ وجوبه معلّق على الالتقاء أو الماء و نحوهما غير مقيّد باشتراط وجوب عبادةٍ مشروطة بالغسل معارض بالأوامر الدالّة على وجوب الوضوء و باقي الأغسال غير مقيّدة بالصلاة كقول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله‌

مَنْ نام فليتوضّأ «1»»

و قول علي عليه السّلام مَنْ وجد طعم النوم وجب عليه الوضوء «2»»

و قول الرضا عليه السّلام‌

إذا خفي الصوت وجب الوضوء «3»»

و قول الصادق عليه السّلام‌

غسل الحائض واجب، و غسل الاستحاضة واجب، و غسل مَنْ مسّ ميّتاً واجب «4»»

إلى غير ذلك، و كالحكم بوجوب غسل الثوب و البدن و الإناء من النجاسة مع الاتّفاق على أنّ المراد بذلك الواجبُ المشروط، و مهما أجاب عن ذلك فهو الجواب عمّا احتجّ به لغسل الجنابة.

قال في الذكرى: و الأصل في ذلك أنّه لمّا كثر علم الاشتراط أُطلق الوجوب و غلب في الاستعمال. «5» انتهى.

و لا يرد أنّ تقييد إطلاق تلك الأخبار ليس بأولى من تقييد مفهوم خبر زرارة، المتقدّم «6» و نحوه بما عدا غسل الجنابة؛ فإنّ المرجّح فيه أصالة براءة ذمّة المكلّف من الطهارة عند الخلوّ من مشروطٍ بها، مضافاً إلى ما ذكر من المعارضة.

و حديث الملازمة بين وجوبه لغيره و عدم وجوبه للصوم ممنوع، بل قيل «7» إنّه من قبيل المغالطة؛ للإجماع من غير الصدوق على اشتراط الصوم بالغسل على بعض الوجوه، و قد تقدّم القول فيه.

و أمّا غسل الأموات: فلا خلاف في وجوبه لنفسه، و الفرق بينه و بين غيره أنّ تلك شروط لعباداتٍ مخصوصة تتضيّق بتضيّق وقتها، و تتّسع بسعته، كما تقدّم، و لا كذا غسل الأموات، بل وجوبه بأصل الشرع ثابت باعتبار ذاته، و ترتّب الصلاة عليه على الغسل و اشتراط صحّتها به من قبيل الوجوب المرتّب، كترتّب التكفين على الغسل‌

______________________________
(1) سنن ابن ماجة 1: 161/ 477؛ سنن أبي داوُد 1: 52/ 303؛ سنن الدارقطني 1: 161/ 5؛ سنن البيهقي 1: 190/ 578.

(2) الكافي 3: 37/ 15؛ التهذيب 1: 8/ 10؛ الإستبصار 1: 8180/ 252.

(3) الكافي 3: 37/ 14؛ التهذيب 1: 9/ 14.

(4) الكافي 3: 40/ 2؛ الفقيه 1: 45/ 176؛ التهذيب 1: 104/ 270، الاستبصار 1: 9897/ 315، و ما في المتن موافق لما في الاستبصار نصّاً.

(5) الذكرى 1: 196.

(6) في ص 149.

(7) لم نعثر على القائل في مظانّه.

151
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و يجب في الغسل أمور ؛ ج‌1، ص : 152

، و الدفن على الصلاة.

و من ثَمَّ ترى وجوب الغسل منفكّاً عن وجوب الصلاة في الطفل، و الصلاة منفكّةً عن وجوب الغسل في الشهيد، و ذلك يدلّ على عدم الاشتراط وجوداً و عدماً، و باقي الطهارات ليست كذلك؛ لاستحالة انفكاك المشروط عن الشرط، قضيّةً للاشتراط، و لا يلزم مثل ذلك في غسل الجنابة بالنسبة إلى ما يترتّب عليه من العبادة؛ لما تقدّم من الأدلة، و لاشتراط نيّة الرفع أو الاستباحة فيه عند مدّعي وجوبه لنفسه، و هو آية اشتراطها به، مع أنّ القول بإخراج غسل الجنابة من بينها غير معروف لأحدٍ من المتقدّمين، و إنّما هو قول حادث، و المصنّف اعترف بذلك في المختلف و المنتهى «1» حيث أطلق حكاية الخلاف عن المتأخّرين، و من ثَمَّ قال شيخه المحقّق في المسائل المصريّة: إخراج غسل الجنابة من بين سائر الأغسال تحكّم بارد. «2» و قال الشهيد رحمه اللّه في البيان: تحكّم ظاهر. «3»

و تظهر فائدة القولين في أمرين:

أحدهما: أنّ الجنابة على الأوّل سبب تامّ في إيجاب الغسل، فمتى حصلت للمكلّف وجب عليه الغسل و إن كانت ذمّته بريئةً من عبادةٍ مشروطة به، لكنّ الوجوب موسّع مع عدم تضيّق عبادةٍ مشروطة به، و على الثاني تكون الجنابة سبباً ناقصاً و إنّما يتمّ عند شغل الذمّة بمشروطٍ به، فينوي الوجوب حينئذٍ، و لو أراد الاغتسال بعدها و قبل اشتغال الذمّة بالمشروط به، نوى الندبَ و رَفعَ الحدث أو الاستباحة، و يدخل به في الصلاة و نحوها بعد تمام سبب الوجوب، كالوضوء المندوب كذلك.

و ثانيهما: لو ظنّ الوفاة قبل شغل ذمّته بالمشروط به، وجب عليه المبادرة إلى الغسل على الأوّل، كما في العبادات الموسّعة، فلو أخّر إلى وقتٍ يظنّ فيه الموت، عصى، و لا يجب على الثاني؛ لعدم تحقّق الوجوب.

[و يجب في الغسل أمور]

(و يجب فيه) أي: في الغسل (النيّة) المشتملة على التقرّب إجماعاً، و الوجه، و أحد الأمرين على ما فصّل في الوضوء، و أكثر ما هناك من البحث آتٍ هنا، و يزيد هنا اشتراط‌

______________________________
(1) مختلف الشيعة 1: 159، المسألة 107؛ منتهى المطلب 2: 256.

(2) كما في الذكرى 1: 196؛ و في الرسائل التسع: 100 المسألة الرابعة من المسائل العزّيّة.

(3) البيان: 36.

152
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و يجب في الغسل أمور ؛ ج‌1، ص : 152

أحد الأمرين ضعيفاً على مذهب المصنّف من وجوبه لنفسه باعتبار عدم دلالة إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ «1» عليه.

و وقتها فعلًا (عند الشروع) في مستحبّات الغُسل، كغَسل اليدين و المضمضة و الاستنشاق، أو واجباته، كغَسل الرأس في الترتيب، و جزءٍ من البدن في الارتماس.

و قد تقدّم تفصيله في الوضوء إلا أنّ المصنّف «2» و غيره «3» ذكر أنّ غَسل اليدين هنا غير مشروط بما ذكر في الوضوء. و فيه تأمّل.

(مستدامة الحكم) بمعنى أن لا ينوي منافياً للنيّة أو لبعض مشخّصاتها، أو البقاء على حكمها و العزم على مقتضاها، كما مرّ (حتى يفرغ) من الغسل.

فلو نوى في الأثناء منافياً، بطلت النيّة، فلو عاد، استأنف النيّة للباقي أن لم يطل الفصل مطلقاً أو طال و لم يكن الغسل ممّا يشترط فيه الموالاة كغسل الاستحاضة، و إلا أعاد الغسل من رأس.

و لو أخلّ بالموالاة فيما لا تعتبر فيه ثمّ عاد إلى الباقي، لم يفتقر إلى نيّة مستأنفة و إن طال الزمان مع بقاء الاستمرار الحكمي.

و أوجب المصنّف في النهاية «4» تجديد النيّة متى أخّر بما يعتدّ به؛ ليتميّز عن غيره، و تبعه في الذكرى «5» مع طول الزمان.

و لا فرق في تأثير نيّة المنافي بين وقوعها حالة الذهول و الذكر؛ لضعف الاستدامة الحكميّة في جانب الابتداء الحقيقي.

(و) يجب (غَسل بشرة جميع الجسد بأقلّه) أي بأقلّ الغَسل، و هو ما اشتمل على الجريان، كما في الوضوء؛ تحقيقاً لمسمّى الغَسل، فلا يكفي الإمساس من دونه.

و المراد بالبشرة ظاهر الجلد. و احترز بها عن الشعر، و لا يجب غسله إلا أن يتوقّف غَسل البشرة عليه، فيجب مقدّمةً لا أصالةً، فلا يجب على المرأة نقض الضفائر إذا وصل الماء إلى ما تحته بدونه.

______________________________
(1) المائدة (5): 6.

(2) حكاه عنه المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 261؛ و انظر: نهاية الإحكام 1: 110109.

(3) انظر: الذكرى 2: 239238.

(4) نهاية الإحكام 1: 107.

(5) الذكرى 2: 115.

153
روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان1 (ط - الحديثة)

و يجب في الغسل أمور ؛ ج‌1، ص : 152

(و) كذا يجب (تخليل ما) أي الشي‌ء الذي (لا يصل إليه) أي إلى الجسد المذكور سابقاً. و المراد ما تحته منه. أو يريد بوصوله إليه وصوله إلى ما تحته من البشرة مجازاً، و ليس المراد به ما يظهر من العبارة من أنّ إصابة الماء للشي‌ء المخلّل يكفي عن وجوب تخليله؛ فإنّ منه ما لا يجب غَسله كالشعر و الخاتم، و لا يكفي وصول الماء إليه، إلا أن يريد بوصول الماء إليه وصوله إلى جميع أجزائه، المستلزم ذلك غالباً غَسل ما جاوره من البشرة، أو يحمل على ما يجب غَسله، كمعاطف الأُذنين و الإبطين و ما تحت ثدي المرأة، فإنّه يجب تخليله إذا لم يصل (الماء) إلى جميع أجزائه (إلا به) أي بالتخليل، و ذلك كالشعر، سواء خفّ أم كثف؛ لما روي‌

أنّ تحت كلّ شعرة جنابة فبلّوا الشعر و أنقوا البشرة. «1»

و سقوط تخليل الكثيف الكائن في وجه المتوضّئ؛ لأنّ الأمر فيه مختصّ بالوجه، و أخذه من المواجهة، فينتقل الاسم إلى الشعر، بخلافه في الغسل؛ لخروجه عن اسم البدن و البشرة و على هذا فيجب في الوضوء تخليل شعر اليدين و إن كثف؛ لتوقّف غَسل اليد عليه، و عدم انتقال الاسم إليه.

و استقرب في الذكرى غَسله أيضاً؛ لأنّه من توابع اليد. «2»

(و) كذا يجب في الغسل (الترتيب) بين أعضائه الثلاثة (يبدأ) في الغسل (بالرأس) مع الرقبة (ثمّ) ب‍ (الجانب الأيمن ثمّ الأيسر) و هو من تفرّدات علمائنا، و نقل الشيخ إجماعنا عليه، و احتجّ عليه مع الإجماع بما رواه زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام حيث سأله كيف يغتسل الجنب؟ فقال‌

إن لم يكن أصاب كفّه شي‌ء «3» غمسها في الماء ثمّ بدأ بفرجه فأنقاه ثمّ صبّ على رأسه ثلاث أكفّ ثمّ صبّ على منكبه الأيمن مرّتين و على منكبه الأيسر مرّتين، فما جرى عليه الماء فقد أجزأه. «4» «5»

و نحوه رواية محمد بن مسلم عن أحدهما. «6» عليهما السّلام.

______________________________
(1) أورده كما في المتن المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 278؛ و في سنن ابن ماجة 1: 196/ 597؛ و سنن أبي داوُد 1: 65/ 248: «.. فاغسلوا الشعر ..» بدل: «.. فبلّوا الشعر ..».

(2) الذكرى 2: 132.

(3) في التهذيب: «منّي».

(4) الكافي 3: 43/ 3؛ التهذيب 1: 133/ 368.