×
☰ فهرست و مشخصات
مستمسک العروة الوثقى9

كتاب الزكاة ؛ ج‌9، ص : 3

 

الجزء التاسع

[كتاب الزكاة]

كتاب الزكاة التي وجوبها من ضروريات الدين، و منكره مع العلم به كافر، بل في جملة من الأخبار: أن مانع الزكاة كافر.

[و يشترط في وجوبها أمور]

و يشترط في وجوبها أمور:

[الأول: البلوغ]

الأول: البلوغ (1)، فلا تجب على غير البالغ في تمام بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين المعصومين كتاب الزكاة أما في النقدين فلا خلاف فيه، و حكي عن جماعة كثيرة:

دعوى الإجماع عليه، منهم الحلي، و العلامة، و الشهيدان، و صاحب المدارك و يشهد له النصوص الكثيرة المتضمنة: «أنه‌

ليس على مال اليتيم زكاة» «1»

بضميمة ما دل من النصوص على بقاء اليتم إلى البلوغ «2»، و‌

صحيح يونس ابن يعقوب: «أرسلت إلى أبي عبد اللّٰه (ع): إن لي إخوة صغاراً، فمتى تجب على أموالهم الزكاة؟ قال (ع): إذا وجب عليهم الصلاة وجبت عليهم الزكاة» «3».

و نحوه غيره. أما حديث رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم «4»، فإنما يقتضي عدم وجوب إيتاء الزكاة عليه تكليفاً، لا نفي‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة.

(2) الوسائل باب: 4 من أبواب مقدمة العبادات.

(3) الوسائل باب: 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة.

(4) الوسائل باب: 11 من أبواب مقدمة العبادات.

 

3
مستمسک العروة الوثقى9

الأول: البلوغ ؛ ج‌9، ص : 3

.....

ثبوتها في ماله وضعاً، فما دل على ثبوتها محكم. و هو يقتضي وجوب إيتائها على الولي، كسائر حقوق الناس الثابتة في مال الصبي أو في ذمته.

و أما في الغلات و المواشي فهو المشهور- كما عن جماعة- بل عن الرياض: أنه خيرة المتأخرين كافة، و جماعة من أعاظم القدماء. لإطلاق نفي الزكاة على مال اليتيم، المقدم على إطلاق كل ما دل على ثبوتها في الغلات و في المواشي، و إن كان بينهما العموم من وجه.

أولا: من جهة ظهوره- بقرينة مناسبة الحكم و الموضوع- في أن عنوان اليتم من العناوين الاقتضائية للمنع. و ثانياً: من جهة أن النسبة المذكورة هي بعينها النسبة بينه و بين ما دل على ثبوتها في النقدين، فيدور الأمر بين تخصيص الجميع به و طرحه، و تخصيص أحدها بعينه دون غيره، و الأول هو الذي يقتضيه الجمع العرفي بينها. و بعبارة أخرى: مرجع أدلة وجوب الزكاة في الأنواع الثلاثة إلى دليل واحد فيها، و نسبة دليل نفي الزكاة في مال اليتيم إلى ذلك كنسبة الخاص إلى العام، فكما أنه لو قيل:

«تجب الزكاة في النقدين و المواشي و الغلات» ثمَّ قيل: «لا تجب الزكاة في مال اليتيم» يجب تقييد الأول بالأخير بحمله على غير اليتيم، كذلك لو كانت الأدلة منفصلة. و مجرد قيام دليل خاص على انتفاء الزكاة عن اليتيم في النقدين لا يوجب انقلاب الجمع العرفي المذكور الى الجمع، بحمله على خصوص النقدين، و العمل بإطلاق دليلي ثبوتها في الغلات و المواشي، فإن ذلك لا يخرج عن كونه تقييداً من غير قرينة عليه، لكونهما معاً نافيين بخلاف الجمع بتقييد الأدلة الثلاثة به و العمل بإطلاقه، كما لا يخفى على المتأمل.

مع أنه لو سلم عدم كون الجمع المذكور عرفياً، فلا أقل من التساوي الموجب للتساقط و الرجوع إلى أصالة عدم وجوب الزكاة. اللهم إلا أن يكون المرجع عموم مثل قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً ..) «1».

______________________________
(1) التوبة: 103.

4
مستمسک العروة الوثقى9

الأول: البلوغ ؛ ج‌9، ص : 3

الحول- فيما يعتبر فيه الحول- و لا على من كان غير بالغ في هذا مضافاً إلى ما‌

رواه الشيخ عن أبي بصير- بطريق موثق بابن فضال- عن أبي عبد اللّٰه (ع) أنه سمعه يقول: «ليس في مال اليتيم زكاة و ليس عليه صلاة، و ليس على جميع غلاته- من نخل، أو زرع، أو غلة- زكاة. و إن بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة، و لا عليه لما يستقبل حتى يدرك، فإذا أدرك كانت عليه زكاة واحدة، و كان عليه مثل ما على غيره من الناس» «1»

و‌

رواه الكليني بطريق صحيح عن أبي بصير عنه (ع) هكذا: «ليس على مال اليتيم زكاة، و إن بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة ..» «2»

إلى آخر ما ذكر بتفاوت يسير.

و عن المقنعة و النهاية و الخلاف و المبسوط و الوسيلة و غيرها: وجوب الزكاة فيهما، و عن الناصريات: أنه مذهب أكثر أصحابنا، و عن الخلاف:

الإجماع عليه. و العمدة فيه:

صحيح زرارة و محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) و أبي عبد اللّٰه (ع) أنهما قالا: «ليس على مال اليتيم في الدين و المال الصامت شي‌ء، فأما الغلات فعليها الصدقة واجبة» «3».

و فيه: أنه يمكن حمله على الاستحباب، بقرينة موثق أبي بصير السابق حملا للظاهر على الأظهر، مع أنه لا تعرض فيه للمواشي، فالخروج فيها عن إطلاق:

«ليس على مال اليتيم زكاة»

ليس له وجه ظاهر. و عدم القول بالفصل غير ثابت، و إن ادعى. و دعوى: أن ظاهر الصحيح المذكور بيان حكم الأنواع الثلاثة من مال اليتيم، فاقتصاره في النفي على الدين و المال الصامت- الذي هو الذهب و الفضة- قرينة على ثبوتها في المواشي كالغلات.

______________________________
(1) الوسائل باب: 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 11.

(2) الوسائل باب: 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 3.

(3) الوسائل باب: 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 2.

5
مستمسک العروة الوثقى9

الأول: البلوغ ؛ ج‌9، ص : 3

بعضه، فيعتبر ابتداء الحول من حين البلوغ (1).

غير ظاهرة، و لم لا يجوز العكس؟ و بالجملة: بعد صراحة موثق أبي بصير بنفيها في الغلات، لا مجال للتوقف في نفيها فيها. و نفيها في المواشي أخف مئونة. و إجماع الخلاف لا يهم بعد وضوح الخلاف. فلاحظ.

كما عن جمع التصريح به، و نسب الى ظاهر الأصحاب، بل ادعى نفي الخلاف الظاهر فيه. و استدل له: بأن ما دل على أنه لا زكاة في مال اليتيم، ظاهر في أن مال اليتيم ليس موضوعاً للزكاة، بل موضوعه مال البالغ، فيكون البلوغ شرطاً في الموضوع. و ظاهر ما دل على اعتبار الحول، اعتبار حول الحول على ما هو موضوع لها، فلو بلغ الصبي في أثناء الحول لم تجب، لعدم مضي الحول على ما هو موضوعها. نعم لو كان مفاد أدلة النفي مجرد شرطية البلوغ للوجوب كسائر الشرائط، أشكل الحكم المذكور، إذ مع تحقق البلوغ في الأثناء يحصل الشرط للوجوب، فاذا تمَّ الحول فقد حصل الشرط الآخر و ثبتت الزكاة. لكن الظاهر منها الأول.

و لعدم تماميته في نظر المحقق السبزواري، استشكل في الحكم المشهور فقال في الذخيرة: «المستفاد من الأدلة عدم وجوب الزكاة على الصبي ما لم يبلغ، و هو غير مستلزم لعدم الوجوب حين البلوغ بسبب الحول السابق بعضه عليه، إذ لا يستفاد من أدلة اشتراط الحول كونه في زمان التكليف ..»‌

لكن عليه يشكل الحكم بالنسبة إلى الأحوال الماضية التي بلغ بعدها، إذ المراد من حول الحول إن كان يعم ما قبل البلوغ، وجبت الزكاة بالبلوغ لما مضى من الأحوال، و التفكيك بين بعض المدة و تمامها كما ترى.

و قد يستدل له‌

بقوله (ع) في رواية أبي بصير المتقدمة: «فليس عليه لما مضى زكاة ..»

لشموله للحول التام و الناقص يوماً أو أياماً. و فيه: أن الظاهر من (ما) خصوص الغلات التي لا يعتبر فيها الحول، بقرينة ما بعده‌

6
مستمسک العروة الوثقى9

الثاني: العقل ؛ ج‌9، ص : 7

و أما ما لا يعتبر فيه الحول من الغلات الأربع، فالمناط البلوغ قبل وقت التعلق (1)، و هو انعقاد الحب و صدق الاسم على ما سيأتي.

[الثاني: العقل]

الثاني: العقل (2)، فلا زكاة في مال المجنون في تمام من‌

قوله (ع): «حتى يدرك»

، فان الظاهر من الإدراك بلوغ الحد الذي تجب عنده الزكاة. بل المتن المتقدم الذي رواه الشيخ كالصريح في ذلك، فلا يكون مما نحن فيه. و لو سلم فالظاهر من (ما) خصوص الحول التام، إذ الناقص لا تجب فيه الزكاة حتى مع البلوغ، و لا خصوصية لليتم فيه، و ظاهر الحديث بيان خصوص أحكامه لا غير.

بل الظاهر كفاية البلوغ في وقت التعلق، عملا بالعمومات. إذ لا مجال حينئذ لمعارضتها بما دل على أنه ليس على مال اليتيم زكاة.

المنسوب إلى الأكثر- بل المشهور- أن حكم المجنون حكم الطفل لظهور عدم الفرق بينهما بالاعتبار و الاستقراء، لاشتراكهما في الأحكام غالباً.

و في الجواهر: «عدم الدليل المعتد به على هذه التسوية إلا مصادرات لا ينبغي للفقيه الركون إليها ..».

و من ذلك يظهر وجوب الرجوع الى مقتضى الأدلة فيه بالخصوص، فنقول:

روى عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (ع): امرأة من أهلنا مختلطة، أ عليها زكاة؟ فقال (ع): إن كان عمل به فعليها زكاة، و ان لم يعمل به فلا» «1».

و‌

روى موسى ابن بكير أنه سأل أبا الحسن (ع): «عن امرأة مصابة و لها مال في يد أخيها، هل عليه زكاة؟ قال (ع): إن كان أخوها يتجر به فعليه زكاة» «2»

، و إطلاقهما يقتضي عدم الفرق بين الصامت و الغلات و المواشي‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 2.

7
مستمسک العروة الوثقى9

الثالث: الحرية ؛ ج‌9، ص : 8

الحول، أو بعضه و لو أدواراً (1). بل قيل: إن عروض الجنون آناً ما يقطع الحول. لكنه مشكل، بل لا بد من صدق اسم المجنون و أنه لم يكن في تمام الحول عاقلا، و الجنون آناً ما- بل ساعة و أزيد- لا يضر، لصدق كونه عاقلا (2).

[الثالث: الحرية]

الثالث: الحرية، فلا زكاة على العبد و إن قلنا بملكه (3).

لأن عدم العمل به- المصرح به في الصحيح، و المفهوم في الخبر- أعم من عدم القابلية، فيشمل الجميع.

لما تقدم في الصبي بعينه.

إذا فرض صدق كونه مجنوناً في آن، امتنع صدق كونه عاقلا في تمام الحول، إلا بالمساهلات العرفية التي لا يعتنى بها. و دعوى انصراف النص المتقدم عن الفرض ممنوعة.

أما على القول بعدم ملكيته فلا إشكال و لا خلاف في عدم وجوبها عليه، ضرورة شرطية الملك للوجوب. و أما على القول بالملكية فالمشهور العدم أيضاً،

لمصحح ابن سنان عن أبي عبد اللّٰه (ع): «ليس في مال المملوك شي‌ء و لو كان له ألف ألف. و لو احتاج لم يعط من الزكاة شي‌ء» «1»

و‌

صحيحه عنه (ع): «سأله رجل- و أنا حاضر- عن مال المملوك أ عليه زكاة؟ فقال (ع): لا، و لو كان له ألف ألف درهم.

و لو احتاج لم يكن له من الزكاة شي‌ء» «2»

، و‌

صحيحة الآخر عنه (ع): «قلت له: مملوك في يده مال، أ عليه زكاة؟ قال (ع): لا. قلت:

فعلى سيده؟ فقال (ع): لا، لأنه لم يصل إلى السيد، و ليس هو

______________________________
(1) الوسائل باب: 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 3.

8
مستمسک العروة الوثقى9

الثالث: الحرية ؛ ج‌9، ص : 8

.....

للمملوك» «1»

، و‌

مصحح إسحاق بن عمار: «قلت لأبي عبد اللّٰه (ع):

ما تقول في رجل يهب لعبده ألف درهم أو أقل أو أكثر، فيقول:

أحللني من ضربي إياك و من كل ما كان مني إليك، أو مما أخفتك و أرهبتك فيحلله و يجعله في حل رغبة فيما أعطاه. ثمَّ إن المولى بعد أصاب الدراهم التي أعطاها في موضع قد وضعها فيه فأخذها، فحلال هي؟ قال (ع):

لا. فقلت: أ ليس العبد و ماله لمولاه؟ فقال (ع): ليس هذا ذاك.

ثمَّ قال: فهو له فليردها له فإنها لا تحل له، فإنه افتدى نفسه من العبد مخافة العقوبة و القصاص يوم القيامة. فقلت: فعلى العبد أن يزكيها إذا حال الحول؟ قال (ع): لا. إلا أن يعمل بها، و لا يعطى العبد من الزكاة شيئاً» «2».

و دلالتها- كسندها- لا قصور فيها، مع تأييدها‌

برواية وهب بن وهب القرشي، عن الصادق (ع)، عن آبائه، عن علي (ع): «ليس في مال المكاتب زكاة» «3».

فان غير المكاتب أولى بالنفي منه. و باتفاق النص و الفتوى على أنه محجور عن التصرف «4» فإنه- كما سيأتي- مانع من وجوبها.

و لا مجال للنقض بالسفيه و الصبي، فإن الحجر فيهما لقصور في صاحب السلطنة لا في السلطنة، كما في العين المرهونة و نحوها مما هو متعلق حق الغير.

فما عن المعتبر و المنتهى و إيضاح النافع و غيرها- بل عن الشيخ: نسبته إلى‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 4.

(2) جاء بعضه في الوسائل باب: 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 6. و ذكر مقداراً من صدر الرواية في الباب: 9 من أبواب بيع الحيوان حديث: 3. و ما شساء الوقوف على الحديث بتمامه فليراجع التهذيب ج 8 صفحة 225 طبع النجف الأشرف. و الفقيه ج 3 صفحة 146 طبع النجف الأشرف.

(3) الوسائل باب: 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 5.

(4) الوسائل باب: 9 من أبواب بيع الحيوان، و باب: 4 من أبواب الحجر.

9
مستمسک العروة الوثقى9

الثالث: الحرية ؛ ج‌9، ص : 8

من غير فرق بين القن، و المدبر، و أم الولد، و المكاتب المشروط، و المطلق الذي لم يؤد شيئاً من مال الكتابة (1). و أما المبعض فيجب عليه إذا بلغ (2) ما يتوزع على بعضه الحر النصاب.

بعض أصحابنا-: من القول بوجوب الزكاة عليه، بناء على مالكيته ضعيف.

و مثله: ما عن القطيفي و الأردبيلي: من القول بالوجوب إذا ملكه مولاه و صرفه فيه. و‌

خبر قرب الاسناد: «ليس على المملوك زكاة إلا بإذن مواليه» «1»

- مع هجره، و ضعف سنده- قاصر الدلالة على مدعاهما و لا يبعد أن يكون المراد منه نفي وجوب دفع الزكاة على مال السيد الذي بيده، إلا إذا أذن له في الدفع. أو يحمل على الاستحباب.

بلا خلاف ظاهر. لإطلاق الأدلة. و المكاتب قد عرفت أنه مورد خبر وهب. لكنه ضعيف السند.

كما هو المشهور، بل نسب إلى قطع الأصحاب، و حكي الاتفاق عليه. و في الجواهر: نفى وجدان الخلاف فيه. و استدل له فيها: بوجود المقتضي، و عدم المانع. و كأن المراد بالمقتضي: عموم وجوبها، و بالمانع ما دل على نفي الزكاة على المملوك المختص بغير المبعض. لكن يشكل:

بأنه إذا اختص المانع بغير المبعض كان مقتضى العموم وجوب الزكاة في جميع ما يملكه، و لا يختص بحصة نصيب الجزء الحر.

نعم قد يقال: بأن دليل النفي إنما ينطبق على جزئه المملوك، فيكون الجزء الحر بلا مانع. لكن تطبيق الدليل على أجزاء المكلف لا يخلو من تعسف و تكلف. و كأنه لذلك توقف الكاشاني فيما يظهر من محكي كلامه في المفاتيح.

______________________________
(1) الوسائل باب: 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 2.

10
مستمسک العروة الوثقى9

الرابع: أن يكون مالكا ؛ ج‌9، ص : 11

[الرابع: أن يكون مالكاً]

الرابع: أن يكون مالكاً (1)، فلا تجب قبل تحقق الملكية، كالموهوب قبل القبض (2)، بلا خلاف فيه و لا إشكال ظاهر، كما عن غير واحد، و عن المعتبر و المنتهى: دعوى اتفاق العلماء عليه، و عن نهاية الأحكام و غيرها:

الإجماع عليه. و ظاهر عبارة المتن- و لا سيما بملاحظة التفريع- أنه شرط في وجوب إيتاء الزكاة، فلا يجب إيتاؤها على غير المالك. و يشهد له غير واحد من النصوص،

كصحيح الكناني عن أبي عبد اللّٰه (ع) في حديث: «إنما الزكاة على صاحب المال» «1»

، و‌

مكاتبة ابن مهزيار: «لا تجب عليه الزكاة إلا في ماله» «2».

و نحوهما غيرهما.

و لو أريد أنه شرط في أصل التعلق- بمعنى: أن ما لا يكون ملكاً كالمباحات لا تتعلق به الزكاة- كان صحيحاً أيضاً. بل في الجواهر: لا ينبغي التأمل فيه إذا أريد عدمها في المباح و نحوه من غير المملوك، إذ لا دليل على ثبوت الزكاة فيه. و الإطلاقات غير ظاهرة الشمول له. و الأصل يقتضي العدم، بل هو من الواضحات التي لا ينبغي التعرض لها و لا يشك فيها كي يرجع فيها إلى أصل. بل الظاهر- كما في الجواهر- ذلك فيما كان الملك فيه للجهة العامة- كالفقراء و العلماء- كما ذكر.

بناء على أنه شرط في الملك ناقل. أما بناء على أنه شرط له على نحو الكشف الحقيقي- بمعنى أنه بتحقق القبض يعلم بتحقق الملكية من حين العقد واقعاً- فلا يكون المثال من باب فقد الملك. و كذا بناء على أنه شرط في اللزوم، على ما يتراءى من ظاهر العبارة: من أن العقد تمام العلة في الملكية. غاية الأمر أنه يجوز الرجوع قبل القبض. و إن كان المحكي‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 9 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 9 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 2.

11
مستمسک العروة الوثقى9

الخامس: تمام التمكن من التصرف ؛ ج‌9، ص : 12

و الموصي به قبل القبول (1)، أو قبل القبض (2). و كذا في القرض لا تجب إلا بعد القبض (3).

[الخامس: تمام التمكن من التصرف]

الخامس: تمام التمكن من التصرف (4)، فلا تجب في عن المحققين التصريح بأن المراد من كون القبض شرطاً في اللزوم أنه شرط في الملكية على نحو الكشف الحقيقي المتقدم، فهما واحد. ثمَّ إنك عرفت أن المراد أنه لا يجب على المتهب دفع الزكاة إذا لم يحل الحول بعد القبض و لو حال بعد العقد و قبل القبض وجبت الزكاة على الواهب.

فإنه أيضاً شرط في ملكية الموصى به. و يختلف الحكم باختلاف كونه شرطاً ناقلا و كاشفاً، على نحو ما سبق.

الظاهر أنه لم يتحقق قائل باعتبار القبض في الملك هنا، و لذلك احتمل أن يكون أثبت سهواً بدل (قبل الوفاة)، حيث لا يملك الموصي به قبلها قطعاً، نعم عن بعض: أنه احتمل في كلام المبسوط اعتباره في ملك الموصي به، لكنه- مع أنه غير متحقق- يبعد أن يكون ما في العبارة إشارة اليه.

بناء على أنه متمم السبب المملك، و لو قيل باعتبار التصرف زائداً فلا تجب إلا بعد التصرف. و الكلام فيه موكول الى محله.

الذي نسب إلى قطع الأصحاب تارة، و إلى فتوى علمائنا أخرى، و إلى الإجماع ثالثة، و عن الحدائق: نفي الخلاف فيه. اعتبار التمكن من التصرف في ثبوت الزكاة، فضلا عن اعتباره في وجوب أدائها. و إن اختلفوا في كيفية اعتباره، فبعضهم- كالشرائع- جعله شرطاً ثالثاً زائداً على اشتراط الملك و تماميته، و بعضهم- كالقواعد- اعتبر شرطاً رابعاً- زائداً على البلوغ و العقل و الحرية- كمال الملك، و جعل التمكن من التصرف أحد شؤون الكمال المذكور. و المصنف جعله شرطاً زائداً على اشتراط‌

12
مستمسک العروة الوثقى9

الخامس: تمام التمكن من التصرف ؛ ج‌9، ص : 12

المال الذي لا يتمكن المالك من التصرف فيه- بأن كان غائباً و لم يكن في يده، و لا في يد وكيله- و لا في المسروق، المالكية. و المراد: أنه شرط لأصل تعلق الزكاة، نظير الشرائط الثلاثة الأول، و ليس كاشتراط المالكية، فإنها شرط لوجوب الأداء، كما عرفت.

و كيف كان قد استدل له‌

بمصحح إسحاق بن عمار قال: «سألت أبا إبراهيم (ع): عن الرجل يكون له الولد، فيغيب بعض ولده فلا يدري أين هو، و مات الرجل، كيف يصنع بميراث الغائب من أبيه؟

قال (ع): يعزل حتى يجي‌ء، قلت: فعلى ماله زكاة؟ قال (ع):

لا، حتى يجي‌ء. قلت: فاذا هو جاء أ يزكيه؟ فقال: لا، حتى يحول عليه الحول في يده» «1»

، و قريب منه خبره الآخر «2» و‌

صحيح ابن سنان عن أبي عبد اللّٰه (ع): «لا صدقة على الدين، و لا على المال الغائب عنك حتى يقع في يدك» «3»

، و‌

حسن سدير: «قلت لأبي جعفر (ع):

ما تقول في رجل كان له مال، فانطلق به فدفنه في موضع، فلما حال عليه الحول ذهب ليخرجه من موضعه، فاحتفر الموضع الذي ظن أن المال فيه مدفون فلم يصبه، فمكث بعد ذلك ثلاث سنين. ثمَّ إنه احتفر الموضع من جوانبه كلها فوقع على المال بعينه، كيف يزكيه؟ قال (ع): «يزكيه لسنة واحدة، لأنه كان غائباً عنه و إن كان احتبسه» «4»

، و‌

صحيح إبراهيم بن أبي محمود «قلت لأبي الحسن الرضا (ع): الرجل يكون له الوديعة و الدين فلا يصل إليهما، ثمَّ يأخذهما، متى يجب عليه الزكاة؟

______________________________
(1) الوسائل باب: 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 3.

(3) الوسائل باب: 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 6.

(4) الوسائل باب: 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 1.

13
مستمسک العروة الوثقى9

الخامس: تمام التمكن من التصرف ؛ ج‌9، ص : 12

.....

قال (ع): إذا أخذهما، ثمَّ يحول عليه الحول يزكي» «1»

، و‌

خبر زرارة: «في رجل ماله عنه غائب لا يقدر على أخذه. قال (ع): فلا زكاة عليه حتى يخرج، فاذا خرج زكاه لعام واحد. فان كان يدعه متعمداً و هو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكل ما مر به من السنين» «2».

و نحوها- أو قريب منها- غيرها، جملة منها واردة فيمن ترك نفقة لأهله و سافر «3».

و مع ذلك فقد استشكل على اعتبار اشتراط التمكن من التصرف تارة: بأنه إن أريد جميع التصرفات لزم انتفاء الزكاة مع عدم التمكن من بعض التصرفات لمانع- من بيع العين أو هبتها أو غيرهما- و لا يمكن الالتزام به. و إن أريد بعض التصرفات لم يكن وجه للحكم بعدم الزكاة في المغصوب و المجحود و الغائب، لا مكان نقل العين إلى الغاصب و الجاحد بالهبة و نقل الغائب إلى شخص حاضر. و أخرى: بأنه لا دليل على اعتبار الشرط المذكور، إذ النصوص المتقدمة إنما تدل على انتفاء الزكاة في موارد خاصة و لا يمكن استفادة حكم كلي منها. و الإجماع بنحو يصح الاعتماد عليه غير ثابت، إلا في تلك الموارد أيضاً.

و كأن المصنف اختار الشق الأول من الشقين المذكورين في تقريب الإشكال الأول، لأن الظاهر من قوله: «تمام التمكن من التصرف» التمكن من تمام التصرفات. لكن لم يتضح منه وجه اندفاع الاشكال المترتب عليه.

و قد أجيب عن أصل الإشكال الأول: بأن المراد التمكن شرعاً و عقلا من التصرف بالعين، بالدفع، و التسليم، و الإقباض للغير، لأن‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 7.

(3) الوسائل باب: 17 من أبواب زكاة الذهب و الفضة.

14
مستمسک العروة الوثقى9

الخامس: تمام التمكن من التصرف ؛ ج‌9، ص : 12

.....

التمكن على النحو المذكور في آخر الحول- الذي هو وقت الوجوب- شرط قطعاً، فلو أريد من التمكن من التصرف- الذي أخذ شرطاً في تمام الحول- غير هذا المعنى لزم اشتراط الوجوب بأمرين، لا أمر واحد، و ظاهر النص أن التمكن في تمام الحول تمام السبب في الوجوب، فلا بد أن يكمل على ما هو الشرط في آخر الحول، كي لا يكون الشرط للوجوب إلا أمراً واحداً.

و فيه: أن هنا أمرين، ثبوت الزكاة في المال، و وجوب دفعها إلى مصرفها. و التمكن من الدفع في آخر الحول إنما يكون شرطاً في وجوب الدفع، لا في ثبوت الزكاة في المال. و التمكن من التصرف طول الحول إنما هو شرط في ثبوتها في المال. فلو بني على أن التمكن من التصرف في تمام الحول- الذي هو السبب التام في ثبوت الزكاة- بمعنى آخر، لم يلزم أن يكون الشرط أمرين. إذ كل واحد منهما شرط في غير ما يكون الآخر شرطاً له، كما هو ظاهر بالتأمل.

فالأولى أن يقال:

قوله (ع) في حسن سدير: «لأنه كان غائباً عنه» «1»

تعليلا لعدم وجوب الزكاة، لا يراد منه مجرد الغيبة المقابل للحضور قطعاً، إذ لا يمكن الالتزام بأن من كانت له نقود أو زروع أو مواش متفرقة في القرى و الضياع لا تجب عليه زكاتها، حيث لم يحضر عند كل واحد منها طول سنته. مع أن المال في مورد الرواية لم يكن غائباً و إنما كان مجهولا موضعه لا غير. فالمراد من الغيبة كونه ممنوعاً عنه على نحو لا يقدر على أخذه، كما يشير إليه قوله (ع) بعد ذلك:

«و إن كان احتبسه ..»

يعني: و إن كان هو الذي جعله محبوساً عنه، فذلك كله قرينة على أن المراد أن المانع من ثبوت الزكاة كون المال محبوساً عن المالك و الشرط أن يكون مطلقاً مقدوراً عليه.

______________________________
(1) لاحظ ذلك في صدر التعليقة.

15
مستمسک العروة الوثقى9

الخامس: تمام التمكن من التصرف ؛ ج‌9، ص : 12

و المحجور، و المدفون في مكان منسي، و لا في المرهون، و لا في الموقوف، و لا في المنذور التصدق به (1).

و على هذا يتعين حمل قوله (ع):

«حتى يحول عليه الحول في يده ..»

أو:

«و هو عنده ..»

على ذلك، لا على ظاهره من كونه مقبوضاً له و تحت استيلائه، و لا على ما تحت العبارة من كونه في اليد بمعنى العضو الخاص. أو أن يكون في موضع حوله و قريب منه.

و يوضح ذلك خبر زرارة، حيث تضمن أن المناط- في نفي الزكاة على المال الغائب- كونه لا يقدر على أخذه، و أنه لو كان يقدر على أخذه وجبت فيه الزكاة «1». و حينئذ نقول: إذا كان ظاهر النصوص اعتبار القدرة على المال، فالظاهر من القدرة على الشي‌ء التمكن من التصرف الخارجي القائم به، من إتلاف و نحوه، بحيث لا يكون قصور في المال مانعاً عن ذلك. لا أقل من كونه القدر المتيقن في الخروج عن إطلاقات الوجوب، فلا يكفي في ثبوتها القدرة على بعض التصرفات الاعتبارية، كالعتق و الهبة و الصلح، و لا يمنع عنه العجز عن ذلك.

نعم مورد النصوص العجز الخارجي الناشئ من كون المال مدفوناً أو غائباً، أو كون صاحبه غائباً عنه، فالتعدي إلى العجز الشرعي من التصرف- لتعلق حق الغير مثلا- لا بد أن يكون من جهة فهم عدم الخصوصية، و لو بقرينة مناسبة الحكم و الموضوع. أو يتمسك بإطلاق:

(لا يقدر)

في خبر زرارة، و‌

(لا يضل)

في صحيح ابن أبي محمود «2» و نحوهما. و بما ذكرنا يندفع الإشكال الثاني، كما لا يخفى. فتأمل جيداً.

هذه الثلاثة من قبيل عدم التمكن شرعاً، بخلاف الأربعة التي‌

______________________________
(1) تقدم ذلك في هذه التعليقة.

(2) لاحظ الروايتين في صدر التعليقة.

16
مستمسک العروة الوثقى9

الخامس: تمام التمكن من التصرف ؛ ج‌9، ص : 12

و المدار في التمكن على العرف (1). و مع الشك يعمل بالحالة السابقة (2).

قبلها فإنها من قبيل عدم التمكن العقلي.

قال في الجواهر: «إن المدار في التمكن من التصرف على العرف و إن لم يكن هذا اللفظ بخصوصه موجوداً في النصوص، لكن قد عرفت أن الموجود فيها ما يرادفه. و حينئذ لا عبرة بالعجز عن بعض التصرفات مع صدقه. كما لا عبرة بالتمكن من البعض مع صدق سلبه، و مع فرض عدم تنقيح العرف لبعض الأفراد قد يقوى سقوط الزكاة للأصل، بعد قاعدة أن الشك في الشرط شك في المشروط. و ربما احتمل الوجوب، للإطلاق و رجوع الشك في الفرض إلى الشك في الاشتراط لا في تحقق الشرط، و الأول أظهر».

أقول: قوله: «و مع فرض عدم تنقيح ..» ظاهر في كون الشبهة مفهومية. و عليه فاللازم الرجوع إلى عموم الوجوب، لوجوب الرجوع الى العام أو المطلق عند إجمال الخاص أو المقيد، لاقتضاء الاجمال الشك في في زيادة التخصيص، المحكم فيه أصالة العموم أو الإطلاق، و لا مجال للرجوع إلى أصالة البراءة أو الاستصحاب. و إن كان المراد الشبهة الموضوعية الخارجية فالمرجع استصحاب الحالة السابقة، و مع الجهل بها فالمرجع استصحاب العدم أو أصالة البراءة، بناء على أن ظاهر الأدلة التقييد. و لو بني على التخصيص فكذلك، بناء على عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. و لو بني على الجواز كان المرجع عموم الوجوب. و الظاهر من النصوص المتقدمة كونها مقيدة لإطلاقات الوجوب، فعدم وجوب الزكاة متعين.

يعني: الشك في الشبهة الخارجية الموضوعية. أما مع الشك في المفهوم العرفي فالمرجع أصالة الإطلاق، كما عرفت.

17
مستمسک العروة الوثقى9

السادس: النصاب ؛ ج‌9، ص : 18

و مع عدم العلم بها فالأحوط الإخراج (1).

[السادس: النصاب]

السادس: النصاب، كما سيأتي تفصيله.

[ (مسألة 1): يستحب للولي الشرعي إخراج الزكاة في غلات غير البالغ]

(مسألة 1): يستحب للولي الشرعي (2) إخراج الزكاة في غلات غير البالغ يتيماً كان أو لا، ذكراً كان أو أنثى- دون النقدين (3). و في استحباب إخراجها من مواشيه إشكال (4)، قد عرفت ما يكون وجهاً للتوقف. كما عرفت: أن الأقرب العدم.

الظاهر أن الاستحباب ملاكاً بالنسبة إلى الطفل، و الولي نائب عنه في الامتثال، كما في سائر موارد النيابة، فمصلحة الخطاب راجعة إلى الطفل لا إلى وليه. و كأن الوجه في تخصيص الولي بالاستحباب: أن موضوعه- و هو الإخراج- من التصرفات المالية التي لا تصح من الطفل و لو بإذن الولي على المشهور، فلو قيل بصحة تصرفه بإذن الولي، أمكن توجه الخطاب إليه إذا كان مميزاً، و إن جاز للولي القيام عنه في امتثاله إذا كان أصلح في نظره.

و كيف كان فما ذكره هو المعروف بين القائلين بعدم وجوب الزكاة في غلات الطفل. و مستندهم:

صحيح زرارة و محمد عن أبي جعفر (ع) و أبي عبد اللّٰه (ع) أنهما قالا: «ليس على مال اليتيم في الدين و المال الصامت.

شي‌ء. فأما الغلات فعليها الصدقة واجبة» «1»

بناء منهم على حمله على الاستحباب، كما تقدم. و قيل بنفي الاستحباب- كما عن العلامة الطباطبائي- حملا للصحيح على التقية. و قد عرفت: أن الحمل على التقية فرع امتناع الجمع العرفي، لا مع إمكانه. ثمَّ إن مورد الرواية خصوص اليتيم، فالتعدي إلى غيره يتوقف على عدم الفضل. أو على ثبوت الأولوية.

إجماعاً ظاهراً. لعدم الدليل على الاستحباب.

ينشأ: من دعوى عدم القول بالفصل بين المواشي و الغلات،

______________________________
(1) الوسائل باب: 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 2.

18
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 1): يستحب للولي الشرعي إخراج الزكاة في غلات غير البالغ ؛ ج‌9، ص : 18

و الأحوط الترك. نعم إذا اتجر الولي بماله يستحب إخراج زكاته أيضاً (1).

المقتضية لاستحباب الزكاة فيها كما في الغلات. و من أن الاعتماد على مثل ذلك في التصرف في مال الطفل مخالفة لما دل على عدم جواز التصرف فيه كما تقدم.

كما نسب إلى الأكثر تارة، و الأشهر أخرى، و المشهور ثالثة.

و عن المعتبر و المنتهى و غيرهما: الإجماع عليه، كما يقتضيه‌

مصحح ابن مسلم: «قلت لأبي عبد اللّٰه (ع): هل على مال اليتيم زكاة؟ قال (ع): لا إلا أن تتجر به، أو تعمل به» «1»

و‌

خبر محمد بن الفضيل: «عن صبية صغار لهم مال بيد أبيهم أو أخيهم، هل يجب على مالهم زكاة؟ فقال (ع):

لا يجب في مالهم زكاة حتى يعمل به، فاذا عمل به وجبت الزكاة. فأما إذا كان موقوفاً فلا زكاة عليه» «2»

و نحوهما غيرهما.

و ظاهرهما و إن كان وجوب الزكاة، إلا أنه يجب رفع اليد عنه بالاتفاق المحكي على الاستحباب، إذ لم ينقل القول بالوجوب إلا عن المفيد (ره) في المقنعة، و قد حمله الشيخ (ره)- الذي هو أعرف من غيره بمراده- على الاستحباب، و هذا هو العمدة في رفع اليد عن ظاهر النصوص. و أما إطلاقات:

«ليس على مال اليتيم زكاة» «3»

فإنها مقيدة بها. و كذا ما دل على عدم وجوب الزكاة في مال التجارة، فإن الجمع العرفي يقتضي تقديم نصوص المقام عليه، لأنها أخص.

هذا و عن الحلي في مكاسب السرائر، و السيد في المدارك: نفي المشروعية‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 4.

(3) الوسائل باب: 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة.

19
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 1): يستحب للولي الشرعي إخراج الزكاة في غلات غير البالغ ؛ ج‌9، ص : 18

و لا يدخل الحمل في غير البالغ (1)، فلا يستحب إخراج أصلا و لو استحباباً. و وجهه غير ظاهر في قبال النصوص الكثيرة المشتملة على الصحيح. و الحمل على التقية لو أمكن لا موجب له. مع أنه غير ممكن لتضمن بعضها نفي الزكاة عن مال اليتيم إلا أن يتجر به، و هو مخالف لمذهبهم.

هذا إذا كان الاتجار من الولي بمال الطفل للطفل حيث يجوز له ذلك أما إذا كان الاتجار للطفل بماله حيث لا يجوز له، أو كان قد اقترضه الولي و اتجر به لنفسه حيث لا يجوز له ذلك، فإنه يكون ضامناً للمال قطعاً و لو كان الربح لليتيم حينئذ، فمقتضى إطلاق غير واحد من النصوص ثبوت الزكاة أيضاً،

كصحيح زرارة و بكير عن أبي جعفر (ع): «ليس على مال اليتيم زكاة، إلا أن يتجر به، فان اتجر به ففيه الزكاة، و الربح لليتيم، و على التاجر ضمان المال» «1».

و نحوه خبر سعيد السمان «2» اللهم إلا أن تحمل على صورة ما لو كان الاتجار لليتيم لا لنفسه- كما هو الظاهر من سياقها من كون الاتجار بمال اليتيم بما أنه ماله لا بما أنه مال المتجر- فلا تشمل الصورة الثانية. و كأنه لذلك أطلق جماعة نفي الزكاة في الثانية، خلافاً لآخرين فأثبتوها فيها. و لو اقترضه الولي- حيث يصح له ذلك- فاتجر به لنفسه فعليه ضمان المال بالاقتراض، و كان له الربح و عليه الخسران و الزكاة استحباباً، كما في سائر أمواله التجارية، كما هو واضح.

إجماعاً كما عن الإيضاح. لظهور الأدلة في المولود، و التعدي إلى الجنين في نفي وجوب الزكاة على أمواله إنما كان لكونه أبعد عن الكمال من اليتيم، فيكون أولى بنفي الوجوب من اليتيم. مضافاً إلى ما قد يظهر من بعض نصوص النفي: من أن موضوعها غير البالغ الشامل للجنين،

______________________________
(1) الوسائل باب: 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 8.

(2) الوسائل باب: 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 2.

20
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 1): يستحب للولي الشرعي إخراج الزكاة في غلات غير البالغ ؛ ج‌9، ص : 18

زكاة غلاته و مال تجارته. و المتولي لإخراج الزكاة هو الولي (1) و مع غيبته يتولاه الحاكم الشرعي (2). و لو تعدد الولي جاز لكل منهم ذلك (3)، و من سبق نفذ عمله (4). و لو تشاحوا في الإخراج و عدمه قدم من يريد الإخراج (5). و لو لم يؤد الولي إلى أن بلغ المولى عليه فالظاهر ثبوت الاستحباب بالنسبة إليه (6).

بخلاف المقام لعدم شمول اليتيم، و لا للجنين مناسبة عرفية تقتضي التعدي إليه.

لأن الإخراج المذكور إحدى جهات ولايته. أما غيره فلا يجوز له التصرف، لعموم حرمة التصرف في مال الغير.

لأنه ولي من لا ولي له. و الغائب بمنزلة المعدوم، لعجزه عن القيام بشؤون الطفل.

لأن كلا منهم ولي مستقل.

عملا بدليل ولايته.

لإطلاق دليل الاستحباب، فاذا شمل حال عدم إرادة الإخراج من بعضهم كان لغيره العمل بمقتضاه.

هذا بناء على ما يظهر- مما دل على أن الزكاة في المال- من أنها من الحقوق المالية ظاهر. إذ عليه يبقى الحق المذكور إلى أن يؤدى و لو بعد البلوغ. و لا ينافي ذلك عدم وجوب الأداء، إذ لا مانع عقلا من ملك الفقير جزءاً من المال بنحو يستحب دفعه إليه و لا يجب، نظير ما قد يقال في جواز الرجوع في الهبة، و جواز الرجوع في المعاطات قبل التصرف فقد قيل: إن الرجوع لا بعنوان الفسخ، بل بعنوان تملك مال الغير. و إن كان هو ضعيفاً كما حررناه في محله.

21
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 2): يستحب للولي الشرعي إخراج زكاة مال التجارة للمجنون ؛ ج‌9، ص : 22

[ (مسألة 2): يستحب للولي الشرعي إخراج زكاة مال التجارة للمجنون]

(مسألة 2): يستحب للولي الشرعي إخراج زكاة مال التجارة للمجنون (1)، دون غيره، من النقدين كان أو من غيرهما (2).

[ (مسألة 3): الأظهر وجوب الزكاة على المغمى عليه]

(مسألة 3): الأظهر وجوب الزكاة على المغمى عليه (3) و كذا بناء على أنه من قبيل التكليف المحض لليتيم، بأن يكون مكلفاً استحباباً بالدفع. و لا ينافيه قصوره، إذ هو إنما ينافي توجه الخطاب إليه به لا مناط الخطاب، فاذا كان المناط موجوداً في فعله كان مستحباً له بعد البلوغ أيضاً كما قبله. أما إذا كان الخطاب متوجهاً إلى الولي لا غير فلا استحباب له بعد بلوغ اليتيم، لخروجه عن الولاية عليه حينئذ، و لا يجوز له التصرف في مال غيره قطعاً، و لا استحباب للصبي الذي قد بلغ لعدم الملاك المقتضي له.

و أقرب الوجوه الأول، و بعده الثاني. و‌

حديث: «رفع القلم ..» «1»

لا ينفي الثاني، لأنه مختص بنفي الإلزام. و الذي ينفى الثالث: أن التقرب بالأداء و مصلحته إنما ترجع إلى اليتيم، و الولي نائب عنه- كما في سائر التصرفات المالية- كما أشرنا إلى ذلك آنفاً.

بلا خلاف. للنصوص المتقدمة في اعتبار العقل «2» و ظاهرها و إن كان الوجوب، لكنها محمولة على الاستحباب، كما تقدم في الصبي بعينه.

كما هو مذهب كثير من المحققين. لإطلاق أدلة النفي من دون معارض. و قيل بإلحاق المجنون بالصبي في الوجوب و الاستحباب، لعدم الفرق بينهما في كثير من الأبواب. و هو- كما ترى- أشبه بالقياس.

لإطلاق الأدلة، خلافاً لجماعة- منهم العلامة في التذكرة و غيرها‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 11 من أبواب مقدمة العبادات.

(2) لاحظ الشرط الثاني من شروط وجوب الزكاة.

22
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 4): كما لا تجب الزكاة على العبد كذا لا تجب على سيده فيما ملكه ؛ ج‌9، ص : 23

في أثناء الحول، و كذا السكران. فالاغماء و السكر لا يقطعان الحول فيما يعتبر فيه، و لا ينافيان الوجوب (1) إذا عرضا حال التعلق في الغلات.

[ (مسألة 4): كما لا تجب الزكاة على العبد كذا لا تجب على سيده فيما ملكه]

(مسألة 4): كما لا تجب الزكاة على العبد كذا لا تجب على سيده فيما ملكه (2)، على المختار من كونه مالكاً. و أما على القول بعدم ملكه فيجب عليه مع التمكن العرفي من التصرف فيه.

[ (مسألة 5): لو شك حين البلوغ (3) في مجي‌ء وقت التعلق]

(مسألة 5): لو شك حين البلوغ (3) في مجي‌ء وقت التعلق من صدق الاسم و عدمه- أو علم تاريخ البلوغ و شك على ما حكي- فنفوه عنه، إلحاقاً له بالمجنون. و وجهه غير ظاهر، كما عن المدارك و الكفاية و غيرهما. إذ مجرد عدم صلاحيته عقلا لتوجه الخطاب اليه- لفقد القدرة و الشعور- غير كاف في تقييد مناطات الأحكام التكليفية- كالنائم- فضلا عن تقييد الأحكام الوضعية، فتشمله الأحكام الوضعية كما تشمله مناطات الأحكام التكليفية.

يعني: لا ينافيان ثبوت الزكاة وضعاً، و ثبوت مناط وجوب إيتائها تكليفاً، لما سبق.

لخروجه عن ملك السيد، و قد عرفت اعتباره في الوجوب.

إذا كان المراد الشك حين البلوغ في تحقق أوان التعلق قبل البلوغ فلا أثر لهذا الشك، إذ على التقديرين من التحقق و عدمه لا إلزام بالزكاة و إن كان المراد الشك في تحقق أوان التعلق حين البلوغ، فكذلك بناء على ما تقدم منه: من اعتبار سبق البلوغ. نعم بناء على ما استظهرناه: من الاكتفاء في الوجوب بالاقتران بين زمان التعلق و زمان البلوغ، يكون للشك أثر.

و حينئذ فالمرجع أصالة عدم تحقق ما به يكون التعلق، المقتضية لعدم الوجوب.

23
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 5): لو شك حين البلوغ(3) في مجي‌ء وقت التعلق ؛ ج‌9، ص : 23

في سبق زمان التعلق و تأخره ففي وجوب الإخراج إشكال، لأن أصالة (1) التأخر لا تثبت البلوغ (2) حال التعلق، و لكن الأحوط الإخراج (3). و أما إذا شك حين التعلق في البلوغ و عدمه (4)، أو علم زمان التعلق و شك في سبق البلوغ و تأخره لكن الذي يظهر مما في المتن- من الإشكال في الوجوب، و من تعليل ذلك- أن المراد صورة العلم بتحقق زمان التعلق، بأن يشك حال البلوغ في تحقق أوان التعلق قبل البلوغ و عدمه، ثمَّ يبقى الشك المذكور إلى أن يعلم بتحقق أوان التعلق، مردداً بين ما قبل البلوغ و ما بعده، نظير الصورة اللاحقة، و الفرق ليس إلا في حدوث الشك حال البلوغ و تأخر الشك عنه لكنه لا يناسب الصور الاتية.

قد اشتهر في كلامهم التمسك بأصالة تأخر الحادث عند الشك في حدوثه متقدماً و متأخراً بالإضافة إلى حادث آخر. ففي المقام يتمسك بأصالة تأخر أوان التعلق عن البلوغ، فيثبت كونه في حال البلوغ، فتجب الزكاة. لكن هذا الأصل لا دليل عليه بالخصوص. و دليل الاستصحاب و إن اقتضى وجوب البناء على عدمه إلى زمان العلم به، لكن هذا المقدار لا يثبت كونه بعد حدوث البلوغ و في حالة البلوغ، إلا بناء على الأصل المثبت، المحقق في محله بطلانه. و إذا لم يثبت ذلك لا وجه للحكم بوجوب الزكاة، لأن موضوعها- و هو تحقق أوان التعلق في حال البلوغ- غير ثابت، فالمرجع في نفي وجوبها: أصالة عدم الوجوب.

المناسب للعبارة السابقة أن يقال: لا تثبت التعلق حال البلوغ.

كأن الوجه فيه: الخروج عن شبهة حجية أصالة تأخر الحادث.

هذا الشك لا أثر له أيضاً، بناء على عدم وجوب الزكاة مع اقتران البلوغ و التعلق.

24
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 5): لو شك حين البلوغ(3) في مجي‌ء وقت التعلق ؛ ج‌9، ص : 23

أو جهل التاريخين فالأصل عدم الوجوب (1). و أما مع الشك في العقل، فان كان مسبوقاً بالجنون و كان الشك في حدوث العقل قبل التعلق أو بعده فالحال كما ذكرنا في البلوغ (2) من التفصيل. و إن كان مسبوقاً بالعقل، فمع العلم بزمان التعلق و الشك في زمان حدوث الجنون فالظاهر الوجوب (3)، و مع العلم بزمان حدوث الجنون و الشك في سبق التعلق و تأخره فالأصل عدم الوجوب (4)، بل الأصل عدم البلوغ، فإن الأصل الجاري في الموضوع مقدم على الأصل الجاري في الحكم.

هذا و لم يتعرض في المتن هنا للاحتياط كما تعرض في الفرضين السابقين لأن أصالة التأخر هنا لو جرت كان مفادها نفي الوجوب أيضاً، لأنها هنا تثبت البلوغ متأخراً عن التعلق، ففي حال التعلق لا بلوغ، فينتفي الوجوب بانتفاء شرطه، بخلاف ما سبق، كما عرفت.

لأن العقل حينئذ يكون مسبوقاً بالعدم كالبلوغ، فيجري فيه ما تقدم بعينه.

لأصالة بقاء العقل إلى حين التعلق، فيثبت شرط الوجوب، فيثبت الوجوب بثبوت شرطه.

بل الأصل عدم تحقق ما به يكون التعلق إلى زمان الجنون، فإنه أصل موضوعي سببي، و هو مقدم على أصالة عدم الوجوب الذي هو أصل حكمي مسببي، كما سبق نظيره. و أما أصالة تأخر ما به التعلق عن الجنون فلو بني على صحتها كانت نافية للوجوب أيضاً، و لذا لم يتعرض هنا أيضاً للأمر بالاحتياط.

25
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 6): ثبوت الخيار للبائع و نحوه لا يمنع من تعلق الزكاة ؛ ج‌9، ص : 26

و كذا مع الجهل بالتاريخين (1). كما أن مع الجهل بالحالة السابقة و أنها الجنون أو العقل كذلك (2).

[ (مسألة 6): ثبوت الخيار للبائع و نحوه لا يمنع من تعلق الزكاة]

(مسألة 6): ثبوت الخيار للبائع و نحوه لا يمنع من تعلق الزكاة (3) إذا كان في تمام الحول، و لا يعتبر ابتداء الحول من حين انقضاء زمانه، بناء على المختار من عدم منع الخيار من التصرف. فلو اشترى نصاباً من الغنم أو الإبل مثلا و كان للبائع الخيار، جرى في الحول من حين العقد لا من حين انقضائه.

و أما استصحاب العقل إلى حين أوان التعلق فلا يجري، لأنه لا شك في ذلك بلحاظ الأزمنة التفصيلية، و إنما الشك بلحاظ الزمان الإجمالي لا غير و معه لا مجال للاستصحاب، كما أشرنا إلى وجهه في مسألة ما لو علم بالحدث و الطهارة و شك في المتقدم و المتأخر منهما، في كتاب الوضوء من هذا الشرح. فراجع.

يعني: يرجع إلى أصالة عدم الوجوب، إما لعدم جريان الأصول الموضوعية ذاتاً- أعني: أصالة عدم الجنون إلى زمان موضوع التعلق، و أصالة عدم موضوع التعلق إلى زمان الجنون- كما هو التحقيق، كما أشرنا اليه. أو لتعارضها، فيرجع- بعد التساقط- إلى الأصل الحكمي.

لانتفاء الأصول الموضوعية حينئذ، فيتعين الأصل الحكمي الذي هو أصالة عدم الوجوب.

المشهور: أن الخيار المجعول في العقد لا ينافي انتقال الملك به، فلا يتوقف حصول الملك على انقضاء زمان الخيار. و عن الشيخ: توقف الانتقال على انقضاء زمان الخيار. و على الأول المشهور، فهل يجوز تصرف‌

26
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 7): إذا كانت الأعيان الزكوية مشتركة بين اثنين أو أزيد ؛ ج‌9، ص : 27

[ (مسألة 7): إذا كانت الأعيان الزكوية مشتركة بين اثنين أو أزيد]

(مسألة 7): إذا كانت الأعيان الزكوية مشتركة بين اثنين أو أزيد يعتبر بلوغ النصاب في حصة كل واحد (1)، فلا تجب في النصاب الواحد إذا كان مشتركاً.

[ (مسألة 8): لا فرق في عدم وجوب الزكاة في العين الموقوفة بين أن يكون الوقف عاماً أو خاصاً]

(مسألة 8): لا فرق في عدم وجوب الزكاة في العين الموقوفة بين أن يكون الوقف عاماً أو خاصاً (2). و لا تجب غير ذي الخيار في العين أو لا يجوز؟ قولان، مبنيان على أن الخيار حق قائم بالعين أو بالعقد، فعلى الأول لا يجوز التصرف في العين، لأنها موضوع حق الغير، فالتصرف فيها تصرف في الحق. و على الثاني يجوز لقاعدة السلطنة من غير مزاحم. و حينئذ نقول: لأجل أن المصنف يرى ما هو المشهور، و أن الخيار حق قائم بالعقد لا غير، أفتى بأن ابتداء الحول من حين العقد لاجتماع الشرائط حينئذ. و لازم قول الشيخ: أن ابتداء الحول حين انقضاء زمان الخيار. كما أنه أيضاً لازم القول بمنع التصرف زمان الخيار.

هذا و ما اختاره المصنف في المسألتين هو الأظهر، كما تعرضنا له في حاشية المكاسب. نعم لا يبعد أن يكون الخيار المشروط برد الثمن مجعولا- بحسب ارتكاز المتعاملين في العين- بنحو تعدد المطلوب، فلا يجوز التصرف في العين حينه، و لو اتفق عصياناً أو غيره أو تلفت لم يسقط الخيار، بل يفسخ صاحبه و يرجع بالقيمة. و تحقيق ذلك موكول الى محله.

بلا إشكال. و يأتي الاستدلال له في المسألة الثالثة من فصل زكاة الأنعام.

بلا خلاف، كما عن الكفاية و الحدائق. و في الجواهر: نفي الاشكال فيه. نعم قد يظهر من محكي وقف التذكرة- حيث جعل وجوب الزكاة ثمرة الخلاف في كون الوقف ملكاً للواقف أو الموقوف عليهم- الخلاف.

و لكنه غير ظاهر، لعدم التمكن من التصرف، فإنه مناف لصحة الوقف،

27
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 9): إذا تمكن من تخليص المغصوب أو المسروق أو المحجور ؛ ج‌9، ص : 28

في نماء الوقف العام (1). و أما في نماء الوقف الخاص فتجب على كل من بلغت حصته حد النصاب.

[ (مسألة 9): إذا تمكن من تخليص المغصوب أو المسروق أو المحجور]

(مسألة 9): إذا تمكن من تخليص المغصوب أو المسروق أو المحجور بالاستعانة بالغير أو البينة أو نحو ذلك- بسهولة فالأحوط إخراج زكاتها (2). و كذا لو مكنه الغاصب كما هو ظاهر.

بلا خلاف ظاهر، معللين له: بأنه لا يملك إلا بعد القبض، بخلاف الوقف الخاص. و هذا يتوقف على أن المائز بين الوقف العام و الخاص أن الموقوف عليه في الأول الكلي و إن انحصر في واحد، الذي لا يتعين في الخارج إلا بالقبض، و في الثاني الجزئي و إن كثر، فيملكه الموقوف عليهم بالنماء، كما يملك المشتركون نماء الملك المشترك بينهم، و لو كان المائز غير ذلك لم يتم التعليل. لكن الظاهر الأول.

هذا إذا كان غرض الواقف ملك النماء، أما لو كان الغرض المصرفية فلا زكاة في النماء، حتى لو كان المصرف شخصاً خاصاً أو أشخاصاً لعدم الملك. نعم لو صرفه الولي بنحو التمليك كان ابتداء الحول زمان الملك.

لاختلاف النصوص في ذلك، فالذي يظهر مما اشتمل عليه جملة منها- مثل كونه عنده، أو في يده، أو يقع في يده- اعتبار اليد الفعلية بلا ممانع أصلا، و مقتضاه عدم وجوب الزكاة في الموارد المذكورة، لانتفاء الشرط المذكور. و الذي يظهر من‌

خبر زرارة: «فإن كان يدعه متعمداً و هو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكل ما مر به من السنين» «1».

و نحوه حسن سدير المشتمل على التعليل‌

بقوله (ع): «لأنه كان غائباً عنه و إن كان احتبسه» «2»

الاكتفاء بمطلق القدرة على الأخذ، و لو بواسطة‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 7.

(2) الوسائل باب: 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 1

28
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 10): إذا أمكنه استيفاء الدين بسهولة ؛ ج‌9، ص : 29

من التصرف فيه، مع بقاء يده عليه (1)، أو تمكن من أخذه سرقة، بل و كذا لو أمكن تخليصه ببعضه، مع فرض انحصار طريق التخليص بذلك أبداً. و كذا في المرهون (2) إن أمكنه فكه بسهولة.

[ (مسألة 10): إذا أمكنه استيفاء الدين بسهولة]

(مسألة 10): إذا أمكنه استيفاء الدين بسهولة و لم الاستعانة بالغير أو بالبينة أو غيرهما، و مقتضاه وجوبها لحصول الشرط، كما حكي عن الخلاف، و النهاية، و النافع، و التحرير.

و عن المدارك و الروضة و البيان: إنما تسقط الزكاة عن المغصوب و نحوه إذا لم يمكن تخليصه و لو ببعضه، بل عن الروضة: اعتبار عدم إمكان الاستعانة و لو بظالم. و عن جماعة: تقييد سقوط الزكاة في المحجور بما إذا لم يكن عنده بينة، و عن المحقق الثاني: أنه مشكل. و كأنه لقرب دعوى انصرافه إلى صورة عدم الممانع المعتد به، فلا يشمل الفروض المذكورة، بل هو الأقرب، كما يشير اليه ما‌

في خبر زرارة: «فإن كان يدعه متعمداً.»

فان الظاهر منه صورة عدم وجود العذر في تركه، و لا يشمل صورة القدرة مع العذر العرفي في ترك أخذه. و من ذلك يظهر عدم وجوب الزكاة في الأمثلة المذكورة في غالب الأحوال.

هذا الفرض لا ينبغي عده من صور الاشكال، لعدم القدرة على العين و لو بواسطة، و التمكن من بعض التصرفات فيها- كالانتفاع و نحوه- غير كاف في الوجوب، كما عرفت.

الظاهر أن حق الرهانة مانع و إن أمكن رفعه بسهولة، لأن ذلك لا يمنع من صدق كونه محبوساً عنه لأجل الحق. و ذلك بخلاف الموانع الخارجية، فإنه إذا أمكن رفعها لا يصدق عليها أنها موانع،

29
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 10): إذا أمكنه استيفاء الدين بسهولة ؛ ج‌9، ص : 29

يفعل لم يجب إخراج زكاته (1). بل و إن أراد المديون الوفاء و لم يستوف اختياراً، مسامحة أو فراراً من الزكاة. و الفرق بينه و بين ما ذكر من المغصوب و نحوه: أن الملكية حاصلة في المغصوب و نحوه، بخلاف الدين فإنه لا يدخل في ملكه إلا بعد قبضه.

كما هو المشهور، بل شهرة عظيمة، بل عليه إجماع المتأخرين، كما في الجواهر. و يشهد له- مضافاً إلى ما دل على نفي الزكاة فيما ليس في يده أو ليس عنده- ما دل على أنه لا زكاة في الدين،

كصحيح ابن سنان: «لا صدقة على الدين، و لا على المال الغائب عنك حتى يقع في يدك» «1»

، و‌

مصحح إسحاق: «قلت لأبي إبراهيم: الدين عليه زكاة قال (ع): لا، حتى يقبضه. قلت: فاذا قبضه أ يزكيه؟ قال (ع):

لا، حتى يحول عليه الحول في يده» «2»

- و نحوهما غيرهما- و‌

خبر علي ابن جعفر (ع): المروي عن قرب الاسناد و عن كتاب ابن جعفر (ع): «عن الدين يكون على القوم المياسر إذا شاء قبضه صاحبه، هل عليه زكاة؟ قال (ع): لا، حتى يقبضه، و يحول عليه الحول» «3».

و عن المقنعة و المبسوط و الخلاف و جمل السيد و غيرها: الوجوب في الدين إذا كان صاحبه يقدر على أخذه و لم يأخذه،

لخبر عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّٰه (ع): «ليس في الدين زكاة، إلا أن يكون صاحب الدين هو الذي يؤخره. فإذا كان لا يقدر على أخذه فليس عليه زكاة حتى

______________________________
(1) الوسائل باب: 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 6.

(2) الوسائل باب: 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 3.

(3) الوسائل باب: 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 15، و ملحقة.

30
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 11): زكاة القرض على المقترض بعد قبضه ؛ ج‌9، ص : 31

[ (مسألة 11): زكاة القرض على المقترض بعد قبضه]

(مسألة 11): زكاة القرض على المقترض بعد قبضه (1)

يقبضه» «1»

، و‌

خبر عبد العزيز عنه (ع): «عن الرجل يكون له الدين، أ يزكيه؟ قال (ع): كل دين يدعه هو إذا أراد أخذه فعليه زكاته، و ما كان لا يقدر على أخذه فليس عليه زكاة» «2»

، و‌

صحيح الكناني عن أبي عبد اللّٰه (ع): «في الرجل ينسئ أو يعبر فلا يزال ماله ديناً، كيف يصنع في زكاته؟ قال (ع): يزكيه، و لا يزكي ما عليه من الدين، فإنما الزكاة على صاحب المال» «3»

، و‌

صحيح إسماعيل بن عبد الخالق: «سألت أبا عبد اللّٰه (ع): أ على الدين زكاة؟ «قال (ع):

لا. إلا أن تفر به» «4».

لكن هذه النصوص و إن كانت أخص مما سبق، إلا أن حملها على الاستحباب أولى من ارتكاب تقييد تلك، بحملها على الدين الذي لا يكون تأخيره باختيار مالكه، فان ذلك يوجب انتفاء خصوصية الدين، و هو خلاف ظاهر تلك النصوص. مع أن رواية ابن جعفر (ع) معارضة لها و هي صريحة في نفي الوجوب، فتكون قرينة على الحمل على الاستحباب و حينئذ يكون سبيلها سبيل رواية عبد الحميد المتضمنة لثبوت الزكاة على الدين المؤجل إلى ثلاث سنين «5» إذ الظاهر أنه لا عامل بمضمونها، بل صحيح الكناني في مورده النسيئة، و هي ظاهرة في ذلك.

بلا خلاف، كما عن الخلاف، و السرائر، و غيرهما، بل عن‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 7.

(2) الوسائل باب: 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 5.

(3) الوسائل باب: 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 11.

(4) الوسائل باب: 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 13.

(5) الوسائل باب: 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 8.

31
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 11): زكاة القرض على المقترض بعد قبضه ؛ ج‌9، ص : 31

لا المقرض، فلو اقترض نصاباً من أحد الأعيان الزكوية و بقي عنده سنة وجب عليه الزكاة. نعم يصح أن يؤدي (1) المقرض عنه تبرعاً، بل يصح تبرع الأجنبي أيضاً. و الأحوط التنقيح: نسبته إلى الأصحاب. و تشهد له النصوص المستفيضة،

كمصحح زرارة: «قلت لأبي عبد اللّٰه (ع): رجل دفع إلى رجل مالا قرضاً، على من زكاته، على المقرض أو على المقترض؟ قال (ع): لا، بل زكاتها إن كانت موضوعة عنده حولا عن المقترض» «1»

و‌

صحيح يعقوب ابن شعيب: «سألت أبا عبد اللّٰه (ع) عن الرجل يقرض المال للرجل السنة و السنتين و الثلاث أو ما شاء اللّه، على من الزكاة، على المقرض أو على المستقرض؟ فقال (ع): على المستقرض، لأن له نفعه و عليه زكاته» «2»

و نحوهما غيرهما.

كما عن غير واحد. و يشير اليه‌

صحيح منصور بن حازم عن أبي عبد اللّٰه (ع): «في رجل استقرض مالا، فحال عليه الحول و هو عنده، قال (ع): إن كان الذي أقرضه يؤدي زكاته فلا زكاة عليه و إن كان لا يؤدي أدى المستقرض» «3»

و ربما علل: بأنها دين كسائر الديون التي يجوز التبرع في وفائها.

و فيه: أن إيتائها عبادة، و النيابة فيها عن الحي ممنوعة. اللهم إلا أن يكون مقتضى القواعد الأولية جواز النيابة عن الحي، كما أشرنا إلى ذلك في مبحث القضاء عن الأموات. و الإجماع على عدم الجواز غير شامل للمقام بل الإجماع و النصوص متفقان على جواز التوكيل في أدائها الذي هو نوع‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 5.

(3) الوسائل باب: 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 2.

32
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 11): زكاة القرض على المقترض بعد قبضه ؛ ج‌9، ص : 31

الاستئذان من المقترض (1) في التبرع عنه، و إن كان الأقوى عدم اعتباره. و لو شرط في عقد القرض أن يكون زكاته على المقرض، فان قصد أن يكون خطاب الزكاة متوجهاً إليه لم يصح (2)، و إن كان المقصود أن يؤدي عنه صح (3).

من الاستنابة فيه. و من ذلك تعرف أنه يصح تبرع الأجنبي بها.

فعن الدروس و البيان: اعتبار الاذن من المقترض. و وجهه غير ظاهر. إلا ما أشرنا إليه: من أنها عبادة تجب على المقترض، فلا بد من فعله لها و لو بالتسبيب. و فيه- مع أنه خلاف إطلاق الرواية-: أن مجرد الاذن غير كاف في صحة النسبة و إلا لكفى في سائر موارد النيابة عن الحي، مع أن المدار فيها قصد النائب النيابة لا غير.

لكون الشرط مخالفاً للكتاب و السنة، أعني: إطلاق ما دل على أن الزكاة على المالك في ماله، و الشرط المخالف للكتاب و السنة باطل اتفاقاً نصاً و فتوى.

كما عن جماعة كثيرة، منهم الشيخ في قرض النهاية و زكاة المبسوط، و العلامة في قرض المختلف، و الشهيد الثاني في المسالك. لعموم أدلة نفوذ الشرط. و توهم: أنه مخالف للكتاب و السنة، لأن أدلة وجوب الزكاة إنما دلت على ثبوتها على المالك، في ماله الخاص الزكوي، فاشتراط ثبوتها على غير المالك، أو في غير المال الزكوي مخالفة لتلك الأدلة.

أو لأنها عبادة، و لا تجوز النيابة فيها عن الحي. مندفع: بأن الشرط المذكور لا ينافي تلك الأدلة بوجه، بل مبني على العمل بها، فان مرجع الشرط إلى أن الزكاة التي ثبتت علي في مالي و لزمني أداؤها أدها عني، و قد عرفت: اتفاق النص و الفتوى على جواز النيابة فيها.

و قد يشهد لما ذكرنا:

صحيح ابن سنان قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (ع)

33
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 11): زكاة القرض على المقترض بعد قبضه ؛ ج‌9، ص : 31

.....

يقول: باع أبي من هشام بن عبد الملك أرضاً بكذا و كذا ألف دينار، و اشترط عليه زكاة ذلك المال عشر سنين» «1»

و‌

صحيح الحلبي عنه (ع) «باع أبي أرضاً من سليمان بن عبد الملك بمال، و اشترط عليه في بيعه: أن يزكي هذا المال من عنده لست سنين» «2».

اللهم إلا أن يحتمل: أن يكون المراد من الصحيحين زكاة السنين السابقة على البيع، لكون المال المجعول ثمناً مما فيه زكاة.

و مثله في الاشكال: توهم أن عقد القرض جائز، فالشرط فيه لا يجب الوفاء به. إذ فيه أولا: أن عقد القرض ليس جائزاً، بل هو لازم لعمومات اللزوم. و ما دل على جواز مطالبة المقرض للمقترض دائما لا ينافي ذلك، و إنما الذي ينافيه جواز الرجوع بالعين المقترضة، و هو غير ثابت، بل هو خلاف عموم اللزوم. و لو سلم جوازه فلا ينافي صحة الشرط فيه و وجوب العمل به، كما هو محقق في محله، و قد أشار المصنف إلى وجهه في كتاب المضاربة. نعم لو فسخ العقد الجائز رجع الشرط إلى كونه شرطاً ابتدائياً لا يجب الوفاء به، بناء على عدم نفوذ الشرط الابتدائي حدوثاً و بقاء. فلا حظ.

نعم قد يشكل ذلك: بأن التفكيك بين العقد و الشرط في الجواز و اللزوم بعيد. كما يمكن الإشكال في الشرط المذكور بكونه موجباً للربا،

لقولهم (ع): «جاء الربا من قبل الشروط ..» «3»

، فهو من قبيل شرط الزيادة. و فيه: أن الشرط في عقد القرض إنما يوجب الربا إذا كان على المقترض لا على المقرض. فراجع.

______________________________
(1) الوسائل باب: 18 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 18 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 2.

(3) الوسائل باب: 12 من أبواب الصرف حديث: 1.

34
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 12): إذا نذر التصدق بالعين الزكوية ؛ ج‌9، ص : 35

[ (مسألة 12): إذا نذر التصدق بالعين الزكوية]

(مسألة 12): إذا نذر التصدق بالعين الزكوية، فإن كان مطلقاً غير موقت و لا معلقاً على شرط لم تجب الزكاة فيها (1)، كما عن جماعة كثيرة، لأن التصرف فيه مناف للنذر، فيكون مخالفة لما دل على وجوب الوفاء به، و قد عرفت: أن المنع عن التصرف شرعاً كالمنع عنه عقلا في مانعيته عن وجوب الزكاة.

نعم يقع الكلام في وجه المنع من التصرف، و هل هو ثبوت حق للّٰه سبحانه؟ أو حق للفقراء الذين نذر التصدق عليهم؟ أو لا هذا و لا ذلك و لكن ثبوت التكليف بالعمل على طبق النذر، و الوفاء به يستتبع وجوب حفظ المال، فالتصرف فيه مناف للحفظ الواجب، فيكون غير مقدور عليه شرعاً؟ التحقيق هو الأول، لما تحقق في محله: من أن معنى الخبر و الإنشاء واحد، و الاختلاف بينهما بقصد الحكاية في الخبر و قصد الإيجاد في الإنشاء.

و لأجل أنه لا ريب في أن قول المخبر: «لزيد عليّ أن أخيط ثوبه» معناه الاخبار عن ملكية زيد على المخبر أن يخيط ثوبه، و بذلك يكون إقراراً و اعترافاً على نفسه، فليكن معناه إنشاء كذلك، أعني: إنشاء ملكية أن يخيط ثوبه، و مقتضى ذلك أن يكون معنى قول الناذر: «للّه عليّ أن أ تصدق بمالي علي الفقراء» إنشاء الملكية للّه سبحانه، إذ لا نعني بكون الشي‌ء موضوع حق إلا كونه موضوع فعل مملوك لذي الحق.

و أما دعوى ثبوت حق للفقراء في العين فشي‌ء لا مأخذ له واضح.

و مجرد وجوب الصدقة عليهم لا يستتبع حقاً لهم و لا يتفرع عليه. و قياس المقام بباب الواجبات المالية- مثل وجوب إيتاء الزكاة لأهلها، و وجوب إيصال الخمس لمستحقه، و وجوب الكفارة عند أسبابها- حيث دل الخطاب بالالتزام على ثبوت ملكية الفقراء أو السادات للأمور المذكورة في غير محله،

35
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 12): إذا نذر التصدق بالعين الزكوية ؛ ج‌9، ص : 35

.....

إذ استفادة ذلك لم يكن من محض الخطاب بالدفع، و إنما كان من قرائن متصلة أو منفصلة. و كيف تصح دعوى ثبوت حق للفقراء في المال إذا نذر التصدق به عليهم مع أن ذلك أمر لم يجعله الناذر على نفسه، و دليل الوجوب ليس إلا وجوب الوفاء بالنذر، و هو لا يقتضي أكثر مما يقتضيه النذر؟ بل ذلك مخالفة للنذر، لأن المنذور هو التصدق بمعنى التمليك على وجه القربة، و هو إنما جعل بالنذر للّٰه سبحانه و لم يجعل للفقراء، فلو استحق الفقراء هذا التمليك بنفس النذر لزم وقوع ما لم ينذر. و بالجملة:

فالقول الثاني ضعيف.

و أما القول الثالث فهو مبني على كون الظرف لغواً و اللام لام التعدية لا لام الملك و يكون الظرف مستقراً، و معنى قول الناذر: «للّه علي أن أ تصدق»: «التزمت للّٰه تعالى علي» فاللام متعلقة ب‍ (التزمت) المستفاد من الإنشاء، فليس مفاد النذر إلا الالتزام بفعل المنذور، و وجوب الوفاء بالنذر يقتضي وجوبه لا غير. لكن المبنى المذكور خلاف ظاهر الكلام جداً كما عرفت.

ثمَّ إنه بناء على ثبوت حق للّه سبحانه أو الفقراء، فالحق المذكور يقتضي المنع من التصرف في موضوعه، لأن قاعدة السلطنة على الحقوق- التي هي كقاعدة السلطنة على الأموال- توجب قصور سلطنة غير السلطان عن كل تصرف مناف لذلك الحق، و من المعلوم أن التصرف بالعين مناف له فيمتنع. و بناء على عدمه فالتكليف بالوفاء بالنذر لما كان مستتبعاً للتكليف بحفظ المال مقدمة للتصدق، فكل ما ينافي حفظه يكون ممنوعاً عنه، لئلا يلزم مخالفة التكليف النفسي بالتصدق، كما عرفت. نعم يفترق الأخير عن الأولين: بأن التصرف الاعتباري- بالبيع أو الهبة أو نحوهما- على الأخير يكون صحيحاً و إن كان محرماً، لعدم اقتضاء تحريمه الفساد، نظير البيع‌

36
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 12): إذا نذر التصدق بالعين الزكوية ؛ ج‌9، ص : 35

.....

وقت النداء. و على الأولين يكون فاسداً، لقصور سلطنة المالك على ماله الذي هو موضوع حق الغير.

ثمَّ إن هذا كله فيما لو نذر التصدق، بمعنى الفعل. أما لو نذر كونه صدقة المسمى بنذر النتيجة، فعن المدارك: أنه قطع الأصحاب بأن هذا أولى من الأول، يعني: في المنع عن وجوب الزكاة. و كأنه لصيرورته صدقة بنفس النذر، و خروجه عن ملك الناذر بمجرد النذر، و ظاهره المفروغية عن صحته. و كأنه إما لبنائهم على صحة نذر النتيجة كلية، أو في خصوص نذر الصدقة، فعن بعض: دعوى الإجماع على الخروج عن الملكية إذا نذر كون الحيوان هدياً، و عن بعضهم ذلك إذا نذر كونه أضحية.

هذا و لا يخفى أنه بناء على التحقيق من أن مفاد النذر جعل حق اللّٰه سبحانه- بمعنى: أن المنذور يكون ملكاً له تعالى على الناذر- لا مجال للقول بصحة نذر النتيجة. و توضيح ذلك: أن نتائج الأفعال، تارة تكون ملحوظة في ذمة معينة، و أخرى لا تكون كذلك، بل ملحوظة في نفسها من دون إضافة إلى ذمة، فإن كانت ملحوظة على النحو الأول صح أن تكون مملوكة لمالك، كما في إجارة الأجير على كون الثوب مصبوغاً أو مخيطاً أو نحو ذلك من الصفات التي هي من نتائج الأعمال. فاذا نذرها الناذر و جعلها للّٰه سبحانه كان مقتضى النذر اشتغال ذمة الناذر بها للّه سبحانه فيجب عليه تحصيلها بأسبابها، كما في الإجارة على الصفة. و حينئذ لا يكون مفاد النذر حصول النتيجة، بل لا بد من تحصيلها بإنشاء آخر غير النذر، فيرجع نذر النتيجة- من هذه الجهة- إلى نذر الفعل، و ليس ذلك محل الكلام في نذر النتيجة.

و إن كانت ملحوظة على النحو الثاني امتنع أن تكون مضافة إلى مالك كما هو الحال في الأعيان التي لا تكون خارجية، و لا مضافة إلى ذمة أصلا.

37
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 12): إذا نذر التصدق بالعين الزكوية ؛ ج‌9، ص : 35

.....

فلا يصح أن تقول: «بعتك فرساً» إذا لم تكن خارجية، و لا مضافة إلى ذمة معينة، سواء أ كانت ذمة البائع أم غيره، كما هو موضح في محله فاذا امتنع ذلك في الأعيان فأولى أن يمتنع في مثل هذه الاعتباريات، مثل كون العبد حراً، و كون المال صدقة، و كون الزوجة مطلقة، و نحوها، فلا يصح قصد كونها للّٰه سبحانه، فيمتنع نذرها على النحو المذكور.

مضافاً إلى أن معنى الجملة النذرية تمليك اللّٰه سبحانه كون العين صدقة، فالصيغة معناها جعل التمليك، و أما جعل المملوك- و هو وصف الصدقة- فلا تعرض فيها لجعله، فيحتاج إلى جعل مستقل. و الجملة الواحدة لا تصلح لجعل المنسوب و جعل النسبة، إذ الأول مفاد (كان التامة) و الثاني مفاد (كان الناقصة) و لا يجتمعان في جملة واحدة. و عليه فلو نذر كون المال صدقة، أو الشاة أضحية، تعين أن يكون المراد جعلها في ذمته للّٰه سبحانه، فيجب عليه تحصيلها بجعل مستقل غير النذر.

هذا كله بناء على أن مفاد النذر جعل المنذور للّٰه سبحانه، و أما بناء على أن اللام متعلق ب‍ (التزمت) و المجعول بالنذر الالتزام بالأمر المنذور فأدلة نفوذ النذر دالة على نفوذ الالتزام المذكور، فان كان المنذور نتيجة كان مقتضى أدلة نفوذه ثبوت تلك النتيجة، و إن كان فعلا كان مقتضاها ثبوت الفعل عليه.

فحينئذ نقول: إن كان المنذور من الأمور العقدية المتقومة بطرفين لم يترتب الأثر على النذر، إلا مع رضا الطرف الآخر، و يكون النذر بمنزلة الإيجاب، فإذا انضم إليه القبول صح و لزم، و لو رد الطرف الآخر بطل. و عموم وجوب الوفاء بالنذر لا يكفي في إثبات صحته، لأنه لا يصلح لإحراز قابلية المحل، فلو لم تحرز القابلية من الخارج لم يمكن تطبيقه.

و إن كان من الإيقاعات صح. إلا أن يقوم دليل على اعتبار صيغة خاصة‌

38
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 12): إذا نذر التصدق بالعين الزكوية ؛ ج‌9، ص : 35

و إن لم تخرج عن ملكه بذلك، لعدم التمكن من التصرف فيها، سواء تعلق بتمام النصاب أو بعضه (1). نعم لو كان النذر بعد تعلق الزكاة وجب إخراجها أو لا ثمَّ الوفاء بالنذر (2) و إن كان موقتاً بما قبل الحول و وفى بالنذر فكذلك لا تجب الزكاة إذا لم يبق بعد ذلك مقدار النصاب، و كذا إذا لم يف في إنشائه كما في العتق، حيث لا يصح إنشاؤه إلا بمثل: «أنت حر».

و في قوله: «أعتقتك» خلاف، و لا يجوز بغيرهما إجماعاً. و كذا لو قام دليل على اعتبار إنشائه بنفسه بحيث لا يكفي إنشاء الالتزام به في إنشائه، و في غير ذلك لا مانع من العمل بأدلة النفوذ لإثبات المنذور و ترتبه. اللهم إلا أن يعتبر فيه شرائط خاصة غير الصيغة، مثل الطلاق الذي يعتبر فيه شهادة العدلين و طهارة المطلقة و غير ذلك، فيصح في ظرف اجتماع الشرائط لا غير.

بلا خلاف نظفر به، و لا تردد من أحد، كما عن شرح الروضة لعدم الفرق في مانعية عدم القدرة على التصرف بين تمام النصاب و بعضه.

مضافاً إلى ما قيل: من أنه في صورة تعلقه بالكل يستحيل التكليف بالزكاة إذ لا يجتمع في مال واحد حقان يحيط أحدهما بالآخر.

أما وجوب الزكاة فلا شبهة فيه، لإطلاق دليلها بلا معارض.

و أما الوفاة بالنذر فكذلك لو كان متعلقه المقدار الزائد على الزكاة لعين ما ذكر. و لو كان متعلقه تمام المال، فان كان مفاد النذر التصدق بعد الفك صح النذر لرجحان المنذور، و وجب فكه بأداء الزكاة من مال آخر، و إن كان مفاده التصدق به على حاله بطل بالإضافة إلى مقدار الزكاة لعدم رجحان المنذور، بل لعدم القدرة عليه، لعدم السلطنة على التصرف بتمام النصاب من دون دفع الزكاة. أما بالإضافة إلى المقدار الزائد عليه فصحته و بطلانه مبنيان على كونه بنحو تعدد المطلوب و وحدته، فعلى‌

39
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 12): إذا نذر التصدق بالعين الزكوية ؛ ج‌9، ص : 35

به و قلنا بوجوب القضاء- بل مطلقاً- لانقطاع (1) الحول بالعصيان. نعم إذا مضى عليه الحول من حين العصيان وجبت (2) على القول بعدم وجوب القضاء. و كذا إن كان موقتاً بما بعد الحول، فان تعلق النذر به مانع (3) عن التصرف فيه.

الأول يصح، و على الثاني يبطل.

و توهم وجوب العمل بالنذر بالإضافة إلى الباقي، لأن مالا يدرك كله لا يترك كله. مدفوع بتوقفه على الصحة- و لو اقتضاء- في الجميع على كل حال، و هي منتفية لما عرفت من تعلقه بحق الغير المانع من انعقاده.

قال شيخنا الأعظم (ره) في زكاته: «فان كان الوقت قبل تمام الحول فلا إشكال في سقوط الزكاة- سواء وفى بالنذر في وقته أم لم يف، و سواء قلنا بوجوب القضاء مع فوات الوقت أم لا- لرجوع الموقت بعد حضور وقته إلى المطلق، و قد عرفت الحال. و في شرح الروضة:

إنه لا شبهة في وجوب الزكاة هنا لو لم يف بالنذر في وقته و لم نوجب القضاء. و فيه: أن مجرد التكليف بالتصدق يوجب انقطاع الحول من غير توقف على الوفاء. إلا أن الظاهر ابتناء ما ذكره على أن عدم التمكن من التصرف إنما يقدح لو منع من التكليف بإخراج الزكاة، لا مطلقاً ..».

أقول: المبنى المذكور قد عرفت فساده، للإجماع و النصوص على اعتبار القدرة على التصرف في تمام الحول، لا في خصوص زمان الأداء.

و من ذلك تعرف ما في ظاهر المتن: من أن انقطاع الحول كان بالعصيان، فان الانقطاع إنما كان بالتكليف بالوفاء بالنذر لا بعصيانه. و كأنه يريد انقطاع الحول إلى زمان العصيان.

لاجتماع شرائط الوجوب.

لا فرق في المنع بين القول بثبوت حق للّٰه تعالى و القول بمجرد‌

40
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 12): إذا نذر التصدق بالعين الزكوية ؛ ج‌9، ص : 35

و أما إن كان معلقاً على شرط، فان حصل المعلق عليه قبل تمام الحول لم تجب (1)، و إن حصل بعده وجبت (2)، و إن التكليف، إذ كما أن ثبوت الحق فعلا مانع من التصرف في موضوعه، كذلك ثبوت التكليف فعلا يقتضي وجوب إبقاء العين الى وقت المنذور من باب وجوب المقدمة. نعم لو بني في الموقت على عدم ثبوت الحق أو التكليف إلا بعد الوقت أشكل وجه المنع من التصرف قبل الوقت، نظير المشروط بما بعد الحول، كما سيجي‌ء.

لأن المشروط بعد حصول شرطه كالمطلق الذي عرفت أنه مانع عن التصرف.

إذ لا حق و لا تكليف قبل حصول الشرط، فلا مانع من التصرف كما أشرنا إليه. اللهم إلا أن يقال: جواز التصرف شرعاً في الحول ينافي الحق و لو في زمان متأخر عنه، لأنه مفوت له، فإذا بني على تقديم دليل وجوب الوفاء بالنذر على ما دل على جواز التصرف في الملك فلا بد من البناء في المقام على عدم جواز التصرف، و إلا لزم تخصيص دليل وجوب الوفاء بالنذر بغير المقام، فيلزم بطلان النذر و المفروض صحته. و كذا نقول بناء على أن مفاد النذر تكليف محض، فان جواز التصرف شرعاً أيضاً ينافي وجوب الصدقة و لو في المستقبل، لأنه مفوت لموضوعه، فلا يجوز عقلا.

و إن شئت قلت: نذر الصدقة بالمال المشروط بالشرط المتأخر عن الحول إما أن يكون مشروطاً أيضاً ببقاء المال، و إما أن يكون مطلقاً غير مشروط ببقائه، فعلى الأول لا يجب الإبقاء، لأنه شرط النذر، فلا يكون النذر موجباً لحفظه، كما لا يقتضي الوجوب المشروط بشرط حفظ ذلك الشرط.

و على الثاني يجب إبقاء المال، لأن مرجع النذر حينئذ إلى نذر إبقائه إلى زمان الشرط و التصدق به بعده، فاذا كان إبقاء المال منذوراً لا يجوز إتلافه‌

41
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 12): إذا نذر التصدق بالعين الزكوية ؛ ج‌9، ص : 35

حصل مقارناً لتمام الحول ففيه إشكال و وجوه، ثالثها: التخيير (1) بين تقديم أيهما شاء، و رابعها: القرعة.

و يمتنع التصرف فيه. و لأجل أن موضوع المسألة النذر غير المشروط ببقاء المال كان الواجب الحكم بعدم جواز التصرف فيه و عدم وجوب زكاته.

فان قلت: لا مانع من الالتزام ببطلان النذر إذا كان المنذور التصدق بتمام المال، لعدم رجحان المنذور لتعلقه بحق الغير، فاذا بطل النذر وجبت الزكاة، لعدم المانع من وجوبها. قلت: إنما يكون متعلقاً بحق الغير إذا فرض اجتماع شرائط وجوب الزكاة، و هو ممتنع، لأن النذر رافع للتمكن من التصرف الذي هو شرط للوجوب، فينتفي الوجوب بانتفائه.

فإن قلت: إذا قدم دليل النذر كان الأمر كما ذكر، و لو قدم دليل الزكاة كانت الزكاة واجبة و ارتفع شرط النذر، فما وجه هذا الترجيح؟

قلت: الجمع بين الدليلين يقتضي الأخذ بالسابق موضوعاً، و يكون ذلك تخصصا بالنسبة إلى اللاحق لا العكس، كما أشرنا إلى ذلك في مواضع من هذا الشرح.

يعني: أحدها وجوب الزكاة، و ثانيها عدمه. ثمَّ إن قلنا بعدم وجوب الزكاة فيما لو حصل الشرط بعد الحول فهنا القول بالعدم أولى.

و إن قلنا بالوجوب- كما اختاره في المتن- فوجه الاحتمال الأول: أن عدم التمكن في آخر أزمنة الحول لا يقدح في وجوب الزكاة، لعدم الاعتناء به في الآن المذكور لقلته. و حينئذ لا يصح النذر لتعلقه بحق الغير. و وجه الاحتمال الثاني: ظهور الأدلة في اعتبار التمكن في تمام الحول حقيقة، و هو غير حاصل، و الصدق المبني على المسامحة لا يعتد به، فيكون الحكم كما لو حصل الشرط في أثناء الحول. و وجه التخيير: إما البناء على كون المقام من باب تزاحم المقتضيات. أو من باب التعارض الذي حكمه التخيير.

42
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 13): لو استطاع الحج بالنصاب ؛ ج‌9، ص : 43

[ (مسألة 13): لو استطاع الحج بالنصاب]

(مسألة 13): لو استطاع الحج بالنصاب، فان تمَّ الحول قبل سير القافلة و التمكن من الذهاب وجبت الزكاة أولا (1) فإن بقيت الاستطاعة بعد إخراجها وجب، و إلا فلا. و إن و فيه: أن التزاحم يتوقف على تمامية المقتضي في الطرفين، و ليس كذلك. إذ الأمر دائر بين الاحتمالين السابقين، فان بني على الأول ارتفع موضوع النذر و إن بني على الثاني ارتفع موضوع الزكاة، فلا يمكن البناء على اجتماع المقتضيين.

و منه يظهر بطلان إجراء التعارض في المقام، لأنه إن بني على الاحتمال الأول يتعين سقوط دليل النذر، و إن بني على الثاني يتعين سقوط دليل الزكاة. مع أن التخيير حكم التعارض في المتباينين لا العامين من وجه- كما في المقام- فان حكمه التساقط و الرجوع إلى دليل آخر.

اللهم إلا أن يقال: إنما يرجع إلى دليل آخر إذا كان موافقاً لأحدهما لا ما إذا كان مخالفاً لهما، و في المقام لا يمكن الرجوع إلى أصالة البراءة و نحوها مما كان نافياً للأمرين، فيتعين الرجوع إلى الاحتياط، فإن أمكن صرف العين في مجمع العنوانين وجب، و إلا تخير بينهما. هذا و المتعين من الاحتمالين هو الثاني، لظهور‌

قوله (ع): «حتى يحول عليه الحول في يده» «1»

في اعتبار التمكن في تمام الحول. فلاحظ.

و أما وجه القرعة: فعموم ما دل على أنها لكل أمر مشكل «2».

و فيه: أنه على تقدير جواز العمل بهذا العموم فلا إشكال و لا اشتباه بعد كون مقتضى العمل بالقواعد تقديم النذر و سقوط الزكاة، كما عرفت.

كما في محكي البيان. لعدم وجوب حفظ المال قبل التمكن من‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 2.

(2) راجع الوسائل باب: 13 من أبواب كيفية القضاء، و مستدرك الوسائل باب: 11 من الأبواب المذكورة.

43
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 13): لو استطاع الحج بالنصاب ؛ ج‌9، ص : 43

كان مضي الحول متأخراً عن سير القافلة وجب الحج (1) السفر إلى الحج، بل يجوز التصرف فيه بنحو تزول الاستطاعة. لكن سيأتي- إن شاء اللّٰه تعالى- في محله الإشكال في هذا التحديد. و لو بني عليه فشرط وجوب الزكاة حاصل.

لتحقق الاستطاعة التي هي شرط وجوب الحج، و إذا وجب وجب حفظ المال مقدمة له، و حرم التصرف فيه، فينتفي شرط وجوب الزكاة. و لا مجال لأن يقال: لا يجب الحج لانتفاء الاستطاعة من جهة وجوب دفع الزكاة بعد حولان الحول، لأن وجوب الدفع مشروط بالتمكن من التصرف، المنتفي بوجوب الحج، المقتضي لحفظ المال عن التلف، و قد عرفت أن المقتضيين الشرعيين إذا كان كل واحد منهما رافعاً لشرط الآخر يجب العمل على الأسبق.

هذا إذا توقف الحج على صرف عين المال، و إلا لم يقتض وجوبه المنع من التصرف، فاذا حال الحول وجبت الزكاة، و حينئذ إذا كان وجوبها موجباً لثلم الاستطاعة سقط وجوب الحج. و لعله لذلك قال في القواعد: «لو استطاع بالنصاب و وجب الحج ثمَّ مضى الحول على النصاب فالأقرب عدم منع الحج من الزكاة ..» و نحوه حكي عن التذكرة، و النهاية و الإيضاح، و البيان، معللا في الثلاثة الأول: بأن الزكاة متعلقة بالعين بخلاف الحج، يعني: فإنه متعلق بالذمة، و لا يتوقف على وجود العين.

و إلا فمجرد تعلقه بالذمة و تعلقها بالعين لا يستلزم تحقق شرطها الذي هو التمكن من التصرف.

ثمَّ إنه يمكن أن يقال بوجوب الزكاة و الحج معاً في صورة عدم توقف الحج على صرف العين، أما الزكاة فلما ذكر، و أما الحج فلأن فوات الاستطاعة يكون مستنداً الى تقصيره في عدم تبديل النصاب، و إذا‌

44
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 14): لو مضت سنتان أو أزيد على ما لم يتمكن من التصرف فيه ؛ ج‌9، ص : 45

و سقط وجوب الزكاة. نعم لو عصى و لم يحج وجبت بعد تمام الحول (1). و لو تقارن خروج القافلة مع تمام الحول وجبت الزكاة أولًا لتعلقها بالعين (2)، بخلاف الحج.

[ (مسألة 14): لو مضت سنتان أو أزيد على ما لم يتمكن من التصرف فيه]

(مسألة 14): لو مضت سنتان أو أزيد على ما لم يتمكن من التصرف فيه بأن كان مدفوناً و لم يعرف مكانه، أو غائباً، أو نحو ذلك- ثمَّ تمكن منه استحب زكاته لسنة (3)، بل يقوى استحبابها بمضي سنة واحدة أيضاً.

استند فوات الاستطاعة إلى تقصير المكلف استقر عليه الحج و وجب و لو متسكعاً.

هذا غير ظاهر، لأن التكليف بالحج بحدوثه يمنع من التصرف و العصيان لا أثر له في رفع ذلك، كما تقدم في النذر الموقت بما قبل الحول إذا لم يف به. نعم لو فرض عدم توقف السفر إلى الحج على صرف ذلك المال- بأن يمكنه السفر متسكعاً، أو باستدانة مال آخر- لم تسقط الزكاة إذا تمَّ الحول على المال، سواء حج أم عصى. و كذا لو بني على عدم وجوب المقدمة غير الموصلة، و كان عازماً حين الاستطاعة على عدم الحج فإنه تجب الزكاة عليه إذا لم يحج و لم يتصرف بالمال. فسقوط الزكاة بالاستطاعة في أثناء الحول إنما يكون بناء على وجوب مطلق المقدمة، و فرض توقف الحج على صرف ذلك المال في طريقه.

قد عرفت: أن مجرد ذلك غير كاف في وجوبها إذا كان وجوب الحج مانعاً عن التصرف بالعين، لتوقفه على وجود النصاب أو بعضه. نعم إذا لم يتوقف الحج على وجود النصاب. أو قلنا: بأن المنع عن التصرف في آخر أجزاء الحول ليس مانعاً عن وجوب الزكاة وجبت الزكاة و سقط الحج، لعدم الاستطاعة.

بلا خلاف فيه في الجملة، بل ظاهر محكي التذكرة و المنتهى:

45
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 15): إذا عرض عدم التمكن من التصرف بعد تعلق الزكاة ؛ ج‌9، ص : 46

[ (مسألة 15): إذا عرض عدم التمكن من التصرف بعد تعلق الزكاة]

(مسألة 15): إذا عرض عدم التمكن من التصرف بعد تعلق الزكاة أو بعد مضي الحول متمكناً فقد استقر الوجوب (1)، فيجب الأداء إذا تمكن بعد ذلك، و إلا فإن كان مقصراً يكون ضامناً (2)، و إلا فلا.

الإجماع عليه. و يدل عليه- في المدفون و الغائب- خبرا زرارة و سدير، المتقدمان في شرطية التمكن من التصرف «1»، و‌

مصحح رفاعة: «عن الرجل يغيب عنه ماله خمس سنين، ثمَّ يأتيه فلا يرد رأس المال، كم يزكيه؟

قال (ع): سنة واحدة» «2»

المحمولة على الاستحباب إجماعاً. نعم في التعدي عن موردها إلى كل ما لم يتمكن من التصرف فيه- كما قد يظهر من المتن- غير ظاهر. و لا سيما بملاحظة اختصاص أكثر الفتاوى بهما.

نعم في محكي المنتهى: ذكر المغصوب و الضال. و لا يحضرني إطلاق لهم يشمل كل ما لم يتمكن من التصرف فيه.

ثمَّ إن المحكي عن أكثر الكتب: تخصيص الحكم بالضال و المفقود ثلاث سنين، و عن البيان و جامع المقاصد و المفاتيح: شمول الحكم لسنتين.

و بساعدهم: إطلاق خبر زرارة، بل قرب في الجواهر: عمومه للسنة الواحدة- كما قواه في المتن- و هو في محله.

لتحقق شرطه، و هو التمكن من التصرف في الحول.

المعروف: أنه إذا تعلقت الزكاة بعين المال فلم يتمكن من أدائها فتلفت لم يضمن، و إن تمكن منه فأهمل ضمن. و عن المنتهى: الإجماع على الأول، و عن التذكرة و المدارك: الإجماع على الثاني. و الأول مقتضى أصالة البراءة من الضمان. كما أن الثاني- أيضاً- مقتضى أصالة الضمان‌

______________________________
(1) لاحظ الشرط الخامس من شروط وجوب الزكاة.

(2) الوسائل باب: 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 4.

46
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 16): الكافر تجب عليه الزكاة ؛ ج‌9، ص : 47

[ (مسألة 16): الكافر تجب عليه الزكاة]

(مسألة 16): الكافر تجب عليه الزكاة (1)، لكن على الأمين المفرط، بناء على وجوب الأداء فوراً، لأن تركه تفريط منه.

نعم بناء على عدم وجوب الفورية يشكل كونه مقتضى الأصل. إلا إذا كانت يده ليست يد أمانة، بناء على عموم: «على اليد ..» لغير الأمين. لكن المبنى المذكور- مع مخالفته لظاهر الإجماع على كونه أميناً- مقتضاه الضمان مع عدم الإهمال.

فالمتعين الاعتماد في الضمان مع الإهمال- بناء على عدم وجوب الفور- على الإجماع المحكي، و ظاهر غير واحد من النصوص،

كمصحح زرارة: «سألت أبا عبد اللّٰه (ع) عن رجل بعث إلى أخ [له] زكاته ليقسمها فضاعت فقال (ع): ليس على الرسول، و لا على المؤدي ضمان. قلت: فان لم يجد لها أهلا ففسدت و تغيرت، أ يضمنها؟ فقال (ع): لا، و لكن إذا عرف لها أهلا فعطبت أو فسدت فهو لها ضامن حتى يخرجها» «1»

، و‌

مصحح ابن مسلم: «رجل بعث بزكاة ماله لتقسم فضاعت، هل عليه ضمانها حتى تقسم؟ فقال (ع): إذا وجد لها موضعاً فلم يدفعها اليه فهو لها ضامن حتى يدفعها، و إن لم يجد لها من يدفعها اليه فبعث بها إلى أهلها فليس عليه ضمان، لأنها قد خرجت من يده» «2».

على المشهور المعروف، بل حكي: إجماع أصحابنا على أن الكفار مكلفون بالفروع كما هم مكلفون بالأصول. و يقتضيه: عموم أدلة التكليف و خصوص جملة من الآيات، مثل قوله تعالى: (وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ ..) «3». و قوله تعالى: «لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَ لَمْ نَكُ

______________________________
(1) الوسائل باب: 39 من أبواب مستحقي الزكاة حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 39 من أبواب مستحقي الزكاة حديث: 1.

(3) فصلت: 6- 7).

47
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 16): الكافر تجب عليه الزكاة ؛ ج‌9، ص : 47

لا تصح منه (1) إذا أداها. نعم للإمام (ع) أو نائبه أخذها منه قهراً (2).

نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ..» «1». و يدل عليه في المقام: ما ورد من تقبيل النبي (ص) خيبر، و أنه جعل عليهم في حصصهم- سوى قبالة الأرض- العشر، و نصف العشر «2». فراجع.

بلا إشكال كما عن المدارك. لاعتبار الايمان- فضلا عن الإسلام- في صحة العبادات إجماعاً، التي منها إيتاء الزكاة إجماعاً.

ثمَّ إنه قد يستشكل في ثبوت الوجوب على الكافر مع عدم الصحة:

بأنه إن أريد وجوب أدائها حال الكفر فهو تكليف بما لا يصح، و إن أريد بعد الإسلام فهو مناف لبنائهم على سقوطها بالإسلام.

أقول: الإشكال المذكور لا ورود له على وجوبها وضعاً في المال- بمعنى: تعلقها به كتعلقها بمال المسلم- إذ يترتب على تعلقها به كذلك جواز انتزاعها منه قهراً أو اختياراً. و أما وجوبها تكليفاً فالمراد منه وجود مناط الوجوب عليه، و إن امتنع توجهه إليه فعلا لعدم إسلامه قبل أوان التعلق، المستلزم لعدم قدرته على الامتثال، فالمراد من الوجوب ما يقابل انتفاؤه رأسا، لا الوجوب الفعلي.

كما عن المسالك. لأن الحاكم الشرعي بولايته على الفقراء له استيفاء أموالهم و استنقاذ حقوقهم، و مجرد عدم صحة الإيتاء من الكافر و عدم مقربيته له لا يوجب تعذر استيفاء حقوق الناس منه، كما في المسلم الممتنع، فيكون الحاكم ولياً عليه في التعيين، كما يكون ولياً على الممتنع فيه. و حينئذ يسقط وجوب الأداء بانتفاء موضوعه لا بامتثال النائب،

______________________________
(1) المدثر: 43- 44.

(2) الوسائل باب: 4 من أبواب زكاة الغلات حديث: 1.

48
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 17): لو أسلم الكافر بعد ما وجبت عليه ؛ ج‌9، ص : 49

و لو كان قد أتلفها فله أخذ عوضها منه (1).

[ (مسألة 17): لو أسلم الكافر بعد ما وجبت عليه]

(مسألة 17): لو أسلم الكافر بعد ما وجبت عليه لامتناع النيابة في العبادة عن الكافر.

و كذا الحال في التعيين، فإنه لا بد فيه من النية كالأداء إجماعاً، على ما حكاه غير واحد، منهم المحقق و العلامة في المعتبر و المنتهى على ما حكي.

فلا يتعبد عنه في التعيين، كما لا يتعبد عنه في الأداء.

لقاعدة الضمان بالإتلاف، و حينئذ فتؤخذ منه قهراً. لكن المحكي عن تصريح الشيخين، و الفاضلين، و الشهيدين، و غيرهم: عدم الضمان، بل عن جماعة: نسبته إلى المشهور. و دليله غير ظاهر. نعم استدل له:

بأن الكافر لا يتمكن من الأداء، و التمكن منه شرط في الضمان. و فيه:

أنى لكافر يتمكن من الأداء، و إنما الذي لا يتمكن منه الأداء الصحيح المقرب، و هو ليس بشرط للضمان، كما يظهر من ملاحظة النصوص المتقدمة. مع أنه تمكن دعوى تمكنه من الأداء الصحيح بالإسلام قبل وقت التعلق. إلا أن يشكل الأخير: بأن التمكن المستند الى ما قبل التعلق لا يجدي في الضمان.

و يشكل ما قبله: بأن عدم شمول نصوص نفي الضمان عند عدم التمكن لمثله لا يقتضي الضمان، إلا بناء على عموم: «على اليد ..» للفرض.

فالعمدة: أن التمكن من الأداء شرط للضمان بالتلف لا بالإتلاف الذي هو محل الكلام، فان الضمان به ليس مشروطاً بالتمكن من الأداء، كما لا يخفى. و قد أطال شيخنا الأعظم (ره) في تقريب عدم الضمان بما لم يتحصل لنا المراد منه. مع أنه في آخر كلامه قال: «و يبقى الكلام في دليل ما ذكروه: من اشتراط الإسلام في الضمان، و ليس بواضح، كما اعترف به غير واحد».

49
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 17): لو أسلم الكافر بعد ما وجبت عليه ؛ ج‌9، ص : 49

الزكاة سقطت عنه (1) و إن كانت العين موجودة، فإن الإسلام يجب ما قبله.

كما هو المشهور، بل في مفتاح الكرامة: «ما وجدنا من خالف أو توقف قبل صاحب المدارك و صاحب الذخيرة»، و عن مجمع البرهان:

أنه قال: لعله للإجماع و النص. و يريد بالنص:

النبوي المشهور: «الإسلام يجب ما قبله» «1».

لكن يمكن أن يستشكل فيه:

أولا: بوروده مورد الامتنان المنافي لشموله للمقام، لأنه خلاف الامتنان بالإضافة إلى الفقراء.

و ثانياً: بأن ظاهر الحديث جب حال الكفر عن حال الإسلام، فيختص بما لو كان ثابتاً حالا الإسلام لاستند إلى ما ثبت حال الكفر، مثل التكليف بقضاء العبادات حال الإسلام فإنه لو ثبت كان مستنداً الى الفوت حال الكفر فقطع حال الكفر عن حال الإسلام يقتضي أن لا يترتب على الفوت الثابت حال الكفر التكليف بالقضاء حال الإسلام. و هذا لا يجري في مثل الزكاة لأن حول الحول مثلا على العين الزكوية يوجب حدوث حق للفقراء، فاذا حدث كان بقاؤه مستنداً إلى استعداد ذاته، فإذا أسلم و بقي الحق المذكور للفقراء بعد إسلامه لم يكن بقاؤه مستنداً إلى حول الحول حال الكفر ليشمله الحديث، و إنما يستند بقاؤه إلى استعداد ذاته، فلا يشمله الحديث.

و دعوى: أن تعلق حق الفقراء ناشئ من الأمر بأداء الزكاة، و الأمر المذكور إنما يستند إلى حولان الحول حال الكفر، فاذا كان الحديث نافياً لوجود ما لو وجد كان مستنداً إلى ما قبل الإسلام كان نافياً للأمر المذكور، و إذا انتفى انتفى الحق المذكور، لانتفاء منشأه. فيها: منع ذلك جداً. بل الأمر بالعكس، فان السبب في الأمر بالإيتاء ثبوت الحق، كما يقتضيه تعلق الإيتاء بالزكاة تعلق الحكم بموضوعه المقتضي لثبوته في رتبة سابقة عليه، نظير‌

______________________________
(1) تقدم الكلام حول الحديث في أوائل فصل صلاة القضاء من الجزء السابع من هذا الشرح.

50
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 17): لو أسلم الكافر بعد ما وجبت عليه ؛ ج‌9، ص : 49

.....

قولك: «ادفع مال زيد اليه» لا من قبيل: «ادفع مالك الى زيد».

و بالجملة: ملاحظة مجموع ما ورد في الزكاة من أدلة التشريع يقتضي الجزم بأن جعل الحق ثابت في الرتبة السابقة على الأمر بالإيتاء، و إلا فالأمر بإيتاء الإنسان ماله إلى غيره لا يقتضي بوجه ثبوت حق للغير في ماله كي يدعى أن الأمر بإيتاء الزكاة منشأ لثبوت الحق، و قوله تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً ..» «1» يراد منها ما ذكرنا. و نسبتها إلى أموالهم يراد أن أصلها من أموالهم. أو لأنها قبل الدفع لم تتعين زكاة، إنما تتعين به.

و دعوى: أن الملكية من الأحكام الوضعية، و هي منتزعة من التكليف.

مندفعة: بما تقرر في محله: من أن الانتزاع لو سلم فإنما هو في غير ما كان مثل الملكية و الحقية و نحوهما، مما أخذ موضوعاً للأحكام الشرعية، لامتناع انتزاع الموضوع من حكمه. فراجع المسألة في الأصول.

و ثالثا: بأن البناء على عموم حديث الجب يوجب تخصيص الأكثر إذ لا ريب في بقاء إيقاعاته و عقوده و ما عليه من الديون و نحوها على ما هي عليه قبل الإسلام، و ذلك يوجب البناء على إجماله، و القدر المتيقن عدم مؤاخذته على الكفر السابق، و ليس منه ما نحن فيه.

و يمكن الجواب على الأول: بأنه لو سلم كون الحديث وارداً مورد الامتنان فإنما هو بالإضافة إلى المسلم نفسه، فلا مانع من كونه على خلاف الامتنان بالإضافة إلى غيره. و عن الثاني: بأن ملكية الفقراء للزكاة لما كانت من الأمور الاعتبارية و ليست من الأمور الحقيقية كان بقاؤها مستنداً إلى ملاحظة منشأ الاعتبار، فكما أن اعتبارها في آن حدوثها ناشئ من ملاحظة السبب، كذلك اعتبارها في الآن الثاني- و هكذا- فما لم يلحظ منشأ الاعتبار في كل آن لا يصح اعتبارها كذلك. و لذا كان الفسخ وارداً على العقد و موجباً لارتفاع‌

______________________________
(1) التوبة: 103.

51
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 17): لو أسلم الكافر بعد ما وجبت عليه ؛ ج‌9، ص : 49

.....

الأثر، لا أنه وارد على نفس الأثر. فهو من هذه الجهة نظير التكليف مثل وجوب القضاء، فان المولى في كل أن ما لم يلحظ الفوت لا يوجب القضاء، و كما لا يصح وجوب القضاء في أول أزمنة الفوت إلا بعد ملاحظة صدق الفوت كذلك في بقية الأزمنة، لا يصح الوجوب إلا بلحاظ تحقق الفوت السابق. و كما أن مقتضى الحديث عدم تأثير الفوت الحاصل قبل الإسلام في وجوب القضاء بعده، كذلك مقتضاه عدم تأثير حولان الحول الحاصل قبل الإسلام في ملكية الفقراء بعده.

نعم يتم الإشكال في مثل النجاسة، و الحدث الأصغر، و الأكبر، فإنها لو كانت اعتبارية فمنشأ اعتبارها نفس الأثر الخارجي الحاصل من وجود السبب لا نفس السبب، و ذلك الأثر بقاؤه مستند إلى استعداد ذاته لا إلى السبب، فحديث الجب لا يقتضي ارتفاعه، فيصح اعتبار تلك الأحكام منه و يترتب أثرها: من الغسل و الوضوء و الغسل، لوجود السبب بعد الإسلام بعين وجوده قبله.

و عن الثالث: بإمكان دعوى انصراف الحديث الشريف إلى خصوص ما كان وقوعه نوعاً قبل الإسلام، من جهة عدم كونه مسلماً، فلا يشمل مثل العقود و الإيقاعات و الديون و نحوها مما لا يختص بفعله نوعا غير المسلم.

فلو أعتق الكافر عبداً بقي على حريته بعد إسلامه. و لو استدان مالًا بقي في ذمته بعد الإسلام، و هكذا .. نعم لو وقع في عقده أو إيقاعه خلل- بفقد شرط، أو وجود مانع- لم يؤثر ذلك الخلل فساداً بعد الإسلام، لسقوط مؤثريته بعد الإسلام بحديث الجب، فيصح بيعه الربوي أو المجهول فيه أحد العوضين، و هكذا ..

نعم قد يشكل التمسك بالحديث: بأن المروي [1] في مجمع البحرين‌

______________________________
[1] قد تقدم في قضاء الصلوات من كتاب الصلاة التعرض لجملة من طرق الحديث و موارده.

فراجع (منه قدس سره).

52
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 17): لو أسلم الكافر بعد ما وجبت عليه ؛ ج‌9، ص : 49

.....

من متنه، و‌

المحكي عن غيره أيضاً هكذا: «الإسلام يجب ما قبله، و التوبة تجبّ ما قبلها من الكفر و المعاصي و الذنوب».

و قصوره عن صحة التمسك به ظاهر، و الشهرة لا تجبر الدلالة على الصحيح. و في أواخر الجزء الرابع من شرح النهج لابن أبي الحديد، عن أبي الفرج الأصبهاني: ذكر قصة إسلام المغيرة بن شعبة، و أنه وفد مع جماعة من بني مالك على المقوقس ملك مصر، فلما رجعوا قتلهم المغيرة في الطريق، و فر إلى المدينة مسلماً، و عرض خمس أموالهم على النبي (ص) فلم يقبله. و‌

قال: «لا خير في غدر»

فخاف المغيرة على نفسه من النبي (ص)، و صار يحتمل ما قرب و ما بعد.

فقال (ص): «الإسلام يجب ما قبله».

هذا و في المدارك: «يجب التوقف في هذا الحكم، لضعف الرواية المتضمنة للسقوط سنداً و متناً. و لما روى في عدة أخبار صحيحة: من أن المخالف إذا استبصر لا يجب عليه إعادة شي‌ء من العبادات التي أوقعها في حال ضلالته، سوى الزكاة فإنه لا بد من أن يؤديها «1» و مع ثبوت هذا الفرق في المخالف يمكن إجراؤه في الكافر. و بالجملة: الوجوب على الكافر متحقق فيجب بقاؤه تحت العهدة إلى أن يحصل الامتثال، أو يقوم على السقوط دليل يعتد به ..».

و فيه: أن ضعف السند مجبور باعتماد الأصحاب، و ضعف الدلالة ممنوع إلا من جهة ما ذكرنا. و لو سلم فلا مجال للتوقف في الحكم بعد تسالم الأصحاب، و أن من المقطوع به من سيرة النبي (ص) و خلفائه (ع) عدم مطالبتهم من أسلم من الكافرين بزكاة ماله فيما مضى من عمره، سواء أ كان موجوداً أم مفقوداً. و كفى بمثل ذلك دليلا على السقوط، مانعاً من الرجوع إلى القواعد المقتضية للبقاء، فضلا عن القياس على المخالف. فتأمل.

______________________________
(1) راجع الوسائل باب: 3 من أبواب مستحقي الزكاة.

53
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 18): إذا اشترى المسلم من الكافر تمام النصاب ؛ ج‌9، ص : 54

 

[ (مسألة 18): إذا اشترى المسلم من الكافر تمام النصاب]

(مسألة 18): إذا اشترى المسلم من الكافر تمام النصاب بعد تعلق الزكاة وجب عليه إخراجها (1).

[فصل في الأجناس التي تتعلق بها الزكاة]

فصل في الأجناس التي تتعلق بها الزكاة

[تجب الزكاة في تسعة أشياء]

تجب الزكاة في تسعة أشياء (2): الأنعام الثلاثة- و هي:

الإبل، و البقر، و الغنم- و النقدين- و هما: الذهب، و الفضة- و الغلات الأربع، و هي: الحنطة، و الشعير، و التمر، و اللّٰه سبحانه أعلم.

إذ لا موجب لسقوطها بالبيع. و كذا لو اشترى بعض النصاب بناء على عدم جواز التصرف في النصاب قبل الإخراج، على ما سيأتي إن شاء اللّٰه تعالى.

فصل في الأجناس التي تتعلق بها الزكاة بلا خلاف أجده بين المسلمين فضلا عن المؤمنين، بل هو من ضروريات الفقه إن لم يكن من ضروريات الدين، كذا في الجواهر. و عن التذكرة: أنه مجمع عليه بين المسلمين. و نحوه عن المنتهى و غيره، بل عن المستند: أنه من ضروريات الدين. و تشهد له جملة من النصوص- و في الجواهر: أنها متواترة- منها:

صحيح ابن سنان: «قال أبو عبد اللّٰه (ع): لما نزلت آية الزكاة: (خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا ..» «1»

في شهر رمضان، أمر رسول اللّٰه (ص) مناديه فنادى في الناس: إن اللّٰه

______________________________
(1) التوبة: 103.

 

54
مستمسک العروة الوثقى9

نعم يستحب إخراجها من أربعة أنواع أخر ؛ ج‌9، ص : 55

 

و الزبيب، و لا تجب فيما عدا ذلك على الأصح (1)

[نعم يستحب إخراجها من أربعة أنواع أخر]

نعم يستحب إخراجها من أربعة أنواع أخر.

[أحدها: الحبوب]

أحدها: الحبوب مما يكال أو يوزن (2)، كالأرز،

تبارك و تعالى قد فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة، ففرض عليكم من الذهب، و الفضة، و الإبل، و البقر، و الغنم، و من الحنطة، و الشعير و التمر، و الزبيب، و نادى فيهم بذلك في شهر رمضان، و عفا لهم عما سوى ذلك» «1»

و‌

مصحح الفضلاء عن أبي جعفر (ع) و أبي عبد اللّٰه (ع) قالا: «فرض اللّه عز و جل الزكاة مع الصلاة في الأموال و سنها رسول اللّه (ص) في تسعة أشياء، و عفا رسول اللّٰه (ص) عما سواهن: في الذهب، و الفضة، و الإبل، و البقر، و الغنم، و الحنطة، و الشعير، و التمر و الزبيب، و عفا رسول اللّٰه (ص) عما سوى ذلك» «2»

و نحوهما غيرهما.

إجماعاً حكاه جماعة كثيرة، منهم الشيخان، و السيدان، و الفاضلان و غيرهم، كما يقتضيه الصحيحان المتقدمان و غيرهما. و عن يونس: وجوبها في كل ما يدخل القفيز من الحبوب في أرض العشر- و كذا عن ابن الجنيد- مضافاً إلى وجوبها في الزيت و الزيتون و العسل من أرض العشر. و عن بعض:

وجوبها في كل ما تنبت الأرض مما يكال أو يوزن، و عن آخر: وجوبها في مال التجارة، اعتماداً على ظاهر بعض النصوص الذي لا يصلح لمعارضة ما سبق، مما هو صريح في النفي أو كالصريح فيه. فالواجب الحمل على الاستحباب، أو التقية، كما سيأتي.

كما هو المعروف المدعى عليه الإجماع، خلافاً لمن سبق فذهب إلى الوجوب، اعتماداً على ظاهر‌

مصحح ابن مسلم: «عن الحبوب ما يزكى

______________________________
(1) الوسائل باب: 8 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 8 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 4.

 

55
مستمسک العروة الوثقى9

أحدها: الحبوب ؛ ج‌9، ص : 55

.....

منها؟ قال (ع): البر، و الشعير، و الذرة، و الدخن، و الأرز، و السلت و العدس، و السمسم، كل هذا يزكى و أشباهه» «1»

، و‌

مصحح زرارة- الذي هو نحوه بزيادة- قال (ع): «كل ما يكال بالصاع فبلغ الأوساق فعليه الزكاة. و قال: جعل رسول اللّٰه الصدقة في كل شي‌ء أنبتت الأرض إلا ما كان في الخضر و البقول، و كل شي‌ء يفسد من يومه» «2»

و‌

مصححه الآخر: «قلت لأبي عبد اللّٰه (ع): في الذرة شي‌ء؟ فقال لي: الذرة و العدس، و السلت، و الحبوب فيها مثل ما في الحنطة و الشعير. و كل ما كيل بالصاع فبلغ الأوساق التي يجب فيها الزكاة فعليه فيه الزكاة» «3»

و نحوها غيرها، المحمول جميعاً على الاستحباب، جمعاً بينها و بين ما سبق مما هو صريح في العفو عما عدا التسعة.

و عن السيد (ره) حملها على التقية، و يشير إليه ما‌

في خبر أبي بصير: «قلت لأبي عبد اللّٰه (ع): هل في الأرز شي‌ء؟ فقال (ع): نعم.

ثمَّ قال (ع): إن المدينة لم تكن يومئذ أرض أرز فيقال فيه، و لكنه قد جعل فيه، و كيف لا يكون فيه و عامة خراج العراق منه؟» «4»

لكن- مع اختصاص ذلك بالحديث المزبور- يمكن الاعتماد في الاستحباب على الإجماع المدعى، و لو بضميمة قاعدة التسامح على تقدير تماميتها.

ثمَّ أنه قد اختلفت النصوص المذكورة في العنوان المأخوذ موضوعاً للحكم، ففي بعضها: ما كيل بالصاع، و في بعضها: ما أنبتت الأرض، و في بعضها: الحبوب. و الأخير مذكور في الأحاديث المتقدمة، و في حديث‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 9 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 4.

(2) الوسائل باب: 9 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 6.

(3) الوسائل باب: 9 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 10.

(4) الوسائل باب: 9 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 11.

56
مستمسک العروة الوثقى9

أحدها: الحبوب ؛ ج‌9، ص : 55

و الحمص، و الماش، و العدس، و نحوها. و كذا الثمار (1)، ابن مهزيار من الرواية عن أبي عبد اللّه (ع) «1». لكن‌

قوله (ع) في مصحح ابن مسلم: «و أشباهه ..»

، و‌

قوله (ع) في مصحح زرارة: «كل ما كيل بالصاع ..»

، و كذا‌

قول أبي الحسن (ع) في التوقيع: «صدقوا الزكاة في كل شي‌ء كيل» «2»

يقتضي كون موضوع الحكم هو المكيل. و بينه و بين عنوان: «ما أنبتت الأرض» عموم من وجه، و مقتضى كونهما مثبتين عدم تقييد أحدهما بالآخر، لكن المحكي عن المشهور هو التقييد.

و كأن وجهه: ما في مصحح زرارة المتقدم، حيث حكم (ع) بثبوت الزكاة في كل ما كيل بالصاع، مستشهداً بجعل النبي (ص) الزكاة في كل شي‌ء أنبتت الأرض، الظاهر في أن موضوع الحكمين واحد، و مقتضى الاستشهاد أن يكون الموضوع: «ما أنبتت الأرض».

و منه يظهر الوجه في تعميم المشهور الحكم للموزون مع عدم ورود خبر فيه، كما اعترف به غير واحد. و لذا حكي عن بعض: أنه حكم بعدم كفاية الوزن وحده، بل عن المعتبر: لا زكاة فيما لا يكال، كورق السدر و الآس. و كذا حكي عن الحلي و العلامة: أنهما صرحا بأنه لا زكاة في الأزهار و الأوراق، فإن الجميع داخل فيما أنبتت الأرض. و عليه فلا حاجة إلى دعوى: أن ذكر الكيل في النصوص كناية عن التقدير و لو بالوزن مع أنها غير ظاهرة. فتأمل جيداً.

على المشهور. لدخوله فيما يكال بالصاع. لكن عن موضع من كشف الغطاء: عدم الاستحباب فيها. و استشهد له في الجواهر بمصحح زرارة المتقدم، المشتمل على عطف كل شي‌ء يفسد من يومه على الخضر و البقول. و بما‌

في مصحح الحلبي: «و عن الغضاة من الفرسك و أشباهه

______________________________
(1) الوسائل باب: 9 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 9 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 1.

57
مستمسک العروة الوثقى9

الثاني: مال التجارة ؛ ج‌9، ص : 58

كالتفاح، و المشمش، و نحوهما، دون الخضر و البقول (1)، كالقت، و الباذنجان، و الخيار، و البطيخ، و نحوها.

[الثاني: مال التجارة]

الثاني: مال التجارة على الأصح (2).

فيه زكاة؟ قال (ع): لا».

و (الفرسك) ك‍ (زبرج): ال‍ (خوخ) أو ضرب منه أحمر «1» و‌

مصحح ابن مسلم: «في البستان يكون فيه الثمار ما لو بيع كان مالا، هل فيه صدقة؟ قال (ع): لا» «2»

و عن الدروس و الروضة: نسبته إلى الرواية، فتكون هذه الروايات مخصصة للإطلاق المتقدم.

كما عن جمع كثير التصريح به. و يشهد له مصحح زرارة المتقدم.

و نحوه‌

صحيح ابن مسلم: «عن الخضر فيها زكاة و إن بيع بالمال العظيم.

فقال (ع): لا، حتى يحول عليه الحول» «3»

و ما‌

في مصحح الحلبي المتقدم: «قلت لأبي عبد اللّٰه (ع): ما في الخضر؟ قال: و ما هي؟

قلت: القصب و البطيخ و مثله من الخضر. قال (ع): ليس عليه شي‌ء».

و نحوها غيرها.

كما عن الأكثر، بل عن جماعة: نسبته إلى المشهور. و يقتضيه الجمع بين ما دل على ثبوت الزكاة في مال التجارة، مثل‌

مصحح ابن مسلم: «عن رجل اشترى متاعاً فكسد عليه متاعه، و قد زكى ماله قبل أن يشتري المتاع متى يزكيه؟ فقال (ع): إن كان أمسك متاعه يبتغي به رأس ماله فليس عليه زكاة، و ان كان حبسه بعد ما يجد رأس ماله فعليه الزكاة بعد ما أمسكه من بعد رأس ماله» «4»

- و نحوه غيره- و ما دل على نفيها‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 11 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 11 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 3.

(3) الوسائل باب: 11 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 1.

(4) الوسائل باب: 13 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 3.

58
مستمسک العروة الوثقى9

الثالث: الخيل الإناث ؛ ج‌9، ص : 59

[الثالث: الخيل الإناث]

الثالث: الخيل الإناث (1)، دون الذكور، و دون في مثل‌

صحيح زرارة: «كنت قاعداً عند أبي جعفر (ع) و ليس عنده غير ابنه جعفر (ع) فقال: يا زرارة، إن أبا ذر و عثمان تنازعا على عهد رسول اللّٰه (ص)، فقال عثمان: كل مال من ذهب أو فضة يدار به و يعمل به و يتجر به ففيه الزكاة إذا حال عليه الحول. فقال أبو ذر: أما ما يتجر به أو دير أو عمل به فليس فيه زكاة. إنما الزكاة فيه إذا كان ركازاً أو كنزاً موضوعاً، فاذا حال عليه الحول ففيه الزكاة. فاختصما في ذلك إلى رسول اللّٰه (ص)، فقال (ص): القول ما قال أبو ذر. فقال أبو عبد (ع) لأبيه: ما تريد إلا أن يخرج مثل هذا فيكف الناس أن يعطوا فقرائهم و مساكينهم. فقال له أبوه: إليك عني لا أجد منها بداً» «1»

، و‌

صحيحه الآخر: «الزكاة على المال الصامت الذي يحول عليه الحول و لم يحركه» «2».

و نحوهما غيرهما.

هذا و عن الكاشاني و البحراني: حمل الأول على التقية، لكون الوجوب مذهب جمهور العامة، فلا دليل على الاستحباب. و فيه: أن الحمل على التقية فرع تعذر الجمع العرفي و إلا كان هو المتعين. و لو سلم كفى في دفع التقية التعبير بما ظاهره الوجوب من دون قرينة متصلة صارفة إلى الاستحباب كما ذكره جماعة.

بلا خلاف ظاهر و لا إشكال، بل عن جماعة: دعوى الإجماع عليه.

لصحيح زرارة: «قلت لأبي عبد اللّٰه (ع): هل في البغال شي‌ء؟

فقال (ع): لا. فقلت: فكيف صار على الخيل و لم يصر على البغال؟

فقال (ع): لأن البغال لا تلقح و الخيل الإناث ينتجن، و ليس على الخيل

______________________________
(1) الوسائل باب: 14 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 14 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 3.

59
مستمسک العروة الوثقى9

الرابع: الأملاك و العقارات التي يراد منها الاستنماء ؛ ج‌9، ص : 60

البغال، و الحمير، و الرقيق (1).

[الرابع: الأملاك و العقارات التي يراد منها الاستنماء]

الرابع: الأملاك و العقارات التي يراد منها الاستنماء، كالبستان، و الخان، و الدكان، و نحوها (2).

الذكور شي‌ء. قلت: فما في الحمير؟ قال (ع): ليس فيها شي‌ء» «1»

و‌

مصحح محمد و زرارة عنهما (ع) جميعاً، قالا: «وضع أمير المؤمنين (ع) على الخيل العتاق الراعية في كل فرس في كل عام دينارين، و جعل على البراذين دينارا» «2».

و هما غير ظاهرين في الوجوب. و لو سلم فمحمولان على الاستحباب.

كما هو المشهور.

لموثق سماعة: «ليس على الرقيق زكاة. إلا رقيق يبتغي به التجارة، فإنه من المال الذي يزكى» «3».

نعم‌

في مصحح ابن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (ع) أنهما سئلا عما في الرقيق، فقالا: «ليس في الرأس شي‌ء أكثر من صاع من تمر، إذا حال عليه الحول» «4»

فيمكن حمله على الندب، و يحمل الأول و نحوه على نفي التأكد. و حمل الصاع على زكاة الفطرة خلاف الظاهر.

كما هو المعروف، بل في الجواهر: «لا خلاف أجده فيه».

و لم يعرف له دليل، كما عن غير واحد الاعتراف به. نعم قوى في الجواهر دخولها في مال التجارة، لأن الاتجار التكسب و الاسترباح، و هو كما يكون بنقل العين يكون باستمائها مع بقائها. و فيه: أن الاستماء إذا كان بقصد التعيش بالنماء لا يكون من الاسترباح، و إنما يكون منه إذا كان بقصد الاتجار بالنماء. بل‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 16 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 3.

(2) الوسائل باب: 16 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 1.

(3) الوسائل باب: 17 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 2.

(4) الوسائل باب: 17 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 2.

60
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 1): لو تولد حيوان بين حيوانين يلاحظ فيه الاسم ؛ ج‌9، ص : 61

 

[ (مسألة 1): لو تولد حيوان بين حيوانين يلاحظ فيه الاسم]

(مسألة 1): لو تولد حيوان بين حيوانين يلاحظ فيه الاسم (1) في تحقق الزكاة و عدمها، سواء كانا زكويين أو غير زكويين أو مختلفين، بل سواء كانا محللين أو محرمين أو مختلفين. مع فرض تحقق الاسم حقيقة (2)، لا أن يكون بمجرد الصورة، و لا يبعد ذلك، فان اللّه قادر على كل شي‌ء.

[فصل في زكاة الانعام]

فصل في زكاة الانعام

[و يشترط في وجوب الزكاة فيها- مضافاً إلى ما مر من الشرائط العامة- أمور]

و يشترط في وجوب الزكاة فيها- مضافاً إلى ما مر من الشرائط العامة- أمور:

[الأول: النصاب]

الأول: النصاب، و هو في الإبل إثنا عشر نصاباً (3): على هذا التقدير يشكل دخوله في مال التجارة المذكور في نصوصه. فلاحظها.

كما هو المعروف. لما اشتهر: من أن الاحكام تدور مدار الأسماء لأنها حاكية عن المفاهيم المأخوذة موضوعاً للاحكام. و عن المبسوط: «المتولد بين الظبي و الغنم إن كانت الأمهات ظباء فلا خلاف في عدم الزكاة، و إن كانت الأمهات غنما فالأولى الوجوب، لتناول اسم الغنم له. و إن قلنا لا يجب- لعدم الدليل، و الأصل براءة الذمة- كان قوياً. و الأول أحوط ..»‌

و هو غير ظاهر.

هذا الفرض نادر جداً، أو غير حاصل و إن كان ممكناً عقلا.

فصل في زكاة الأنعام إجماعاً، كما عن الخلاف و الغنية و الانتصار، بل عن غير واحد:

 

61
مستمسک العروة الوثقى9

الأول: النصاب ؛ ج‌9، ص : 61

الأول: الخمس، و فيها شاة.

الثاني: العشر، و فيها شاتان.

الثالث: خمسة عشر، و فيها ثلاث شياه.

الرابع: العشرون، و فيها أربع شياه.

الخامس: خمس و عشرون، و فيها خمس شياه.

السادس: ست و عشرون، و فيها بنت مخاض، و هي الداخلة في السنة الثانية.

السابع: ست و ثلاثون، و فيها بنت لبون، و هي الداخلة في السنة الثالثة.

الثامن: ست و أربعون، و فيها حقه، و هي الداخلة في السنة الرابعة.

التاسع: إحدى و ستون، و فيها جذعة، و هي التي دخلت في السنة الخامسة.

دعوى إجماع المسلمين عليه. و يشهد له‌

صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع): «ليس فيما دون الخمس من الإبل شي‌ء، فإذا كانت خمساً ففيها شاة إلى عشرة، فاذا كانت عشراً ففيها شاتان، فاذا بلغت خمس عشرة ففيها ثلاث من الغنم، فاذا بلغت عشرين ففيها أربع من الغنم، فاذا بلغت خمساً و عشرين ففيها خمس من الغنم، فاذا زادت واحدة ففيها ابنة مخاض إلى خمس و ثلاثين، فان لم يكن عنده ابنة مخاض فابن لبون ذكر، فان زادت على خمس و ثلاثين بواحدة ففيها بنت لبون إلى خمس و أربعين، فإن زادت واحدة ففيها حقة- و إنما سميت حقة لأنها استحقت أن يركب ظهرها- إلى ستين، فان زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس و سبعين، فان زادت

62
مستمسک العروة الوثقى9

الأول: النصاب ؛ ج‌9، ص : 61

.....

واحدة ففيها ابنتا لبون الى تسعين، فان زادت واحدة فحقتان إلى عشرين و مائة، فان زادت على العشرين و المائة واحدة ففي كل خمسين حقة، و في كل أربعين بنت لبون» «1».

و نحوه صحيح أبي بصير «2»، و كذا صحيح ابن الحجاج. إلا أنه بعد أن جعل في الخمس و السبعين بنتي لبون إلى تسعين‌

قال (ع): «فاذا زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين و مائة» «3»

و لم يتعرض لما بعد ذلك، و لا ينافي ما قبله. نعم‌

في رواية الكليني قال بدله: «فاذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة» «4».

و ربما ينافي ما قبله. لكن الجمع العرفي بينهما ممكن بحمله على الأول.

هذا و عن ابن أبي عقيل: أنه أسقط النصاب السادس- و هو الست و العشرون- و أوجب بنت المخاض في الخامس، و هو الخمس و العشرون.

و قريب منه ما عن ابن الجنيد، فإنه أوجب بنت المخاض في الخمس و العشرين فان لم تكن فابن لبون فان لم تكن فخمس شياه، فان زادت على الخمس و العشرين ففيها بنت مخاض و عن الانتصار: أن الإجماع تقدم على ابن الجنيد و تأخر عنه.

و كأنهما اعتمدا في ذلك على‌

صحيح الفضلاء عن أبي جعفر (ع) و أبي عبد اللّٰه (ع) قالا في صدقة الإبل: «في كل خمس شاة إلى أن تبلغ خمساً و عشرين، فاذا بلغت ذلك ففيها بنت مخاض. ثمَّ ليس فيها شي‌ء حتى تبلغ خمساً و ثلاثين، فاذا بلغت خمساً و ثلاثين ففيها بنت لبون. ثمَّ ليس فيها شي‌ء حتى تبلغ خمساً و أربعين، فإذا بلغت خمساً و أربعين ففيها حقة طروقة الفحل. ثمَّ ليس فيها شي‌ء حتى تبلغ ستين، فاذا بلغت ستين

______________________________
(1) الوسائل باب: 2 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 2 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 2.

(3) الوسائل باب: 2 من أبواب زكاة الأنعام ملحق حديث: 4.

(4) الوسائل باب: 2 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 4.

63
مستمسک العروة الوثقى9

الأول: النصاب ؛ ج‌9، ص : 61

العاشر: ست و سبعون (1)، و فيها بنتا لبون.

الحادي عشر: إحدى و تسعون، و فيها حقتان.

ففيها جذعة. ثمَّ ليس فيها شي‌ء حتى تبلغ خمساً و سبعين، فاذا بلغت خمساً و سبعين ففيها بنتا لبون. ثمَّ ليس فيها شي‌ء حتى تبلغ تسعين ففيها حقتان طروقتا الفحل. ثمَّ ليس فيها شي‌ء حتى تبلغ عشرون و مائة، فاذا بلغت عشرين و مائة ففيها حقتان طروقتا الفحل، فاذا زادت واحدة على عشرين و مائة ففي كل خمسين حقة و في كل أربعين بنت لبون» «1».

و عن الشيخ (ره): حمله على التقية، و عن المرتضى (ره): حمله على كون بنت المخاض على وجه القيمة للخمس شياه. و حمل أيضاً على تقدير قوله (ع):

«و زادت واحدة»

يعني: فإذا بلغت ذلك و زادت واحدة ففيها بنت مخاض. و هكذا في بقية الفقرات المخالفة لما سبق.

و الذي يدفع الاشكال: ما‌

عن الصدوق في معاني الأخبار، عن أبيه عن سعد بن عبد اللّٰه، عن إبراهيم بن هاشم، عن حماد بن عيسى روايته عن بعض النسخ الصحيحة: «فإذا بلغت خمساً و عشرين فاذا زادت واحدة ففيها بنت مخاض

(إلى أن قال):

فاذا بلغت خمساً و ثلاثين فان زادت واحدة ففيها بنت لبون. ثمَّ قال: إذا بلغت خمساً و أربعين و زادة واحدة ففيها حقة. ثمَّ قال: فاذا بلغت ستين و زادت واحدة ففيها جذعة. ثمَّ قال:

فاذا بلغت خمساً و سبعين و زادت واحدة ففيها بنتا لبون. ثمَّ قال: فاذا بلغت تسعين و زادت واحدة ففيها حقتان ..» «2»

و ذكر بقية الحديث.

على المشهور. و تدل عليه النصوص المتقدمة و عن الصدوقين:

أنها إذا بلغت إحدى و ستين ففيها جذعة إلى ثمانين، فان زادت واحدة‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 2 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 6.

(2) الوسائل باب: 2 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 7.

64
مستمسک العروة الوثقى9

الأول: النصاب ؛ ج‌9، ص : 61

الثاني عشر: مائة و إحدى و عشرون (1)، و فيها في كل خمسين حقة، و في كل أربعين بنت لبون، بمعنى: أنه يجوز أن يحسب (2) أربعين أربعين و في كل منها بنت لبون أو خمسين خمسين و في كل منها حقة. و يتخير بينهما مع المطابقة ففيها ثني. و لم يعرف له مستند سوى ما عن الفقه الرضوي و حجيته غير ثابتة، فضلا عن صلاحيته لمعارضة ما عرفت.

على المشهور. و عن الانتصار: عدم تغير الفرض من إحدى و تسعين إلا ببلوغ مائة و ثلاثين، و جعله فيه مما انفردت به الإمامية. لكن عن الناصريات: دعوى الإجماع على خلافه، و مثله: عن الخلاف و السرائر و غيرهما. و في الدروس: أنه متروك. و لا دليل له ظاهر، بل قد عرفت النص على خلافه.

أقول: المحكي عن فوائد القواعد و مجمع البرهان و المدارك و غيرها:

أنه إذا تجاوز عدد الإبل المائة و العشرين تخير المالك بين الحساب بالأربعين و دفع بنت لبون عن كل أربعين، و الحساب بالخمسين و دفع حقة عن كل خمسين، من دون فرق بين استيفاء العدد بالأربعين فقط- كالمائة و الستين المساوي لأربع أربعينات- و بالخمسين فقط- كالمائة و الخمسين المنقسم إلى ثلاث خمسينات- و بهما معاً- كالمائة و الأربعين المنقسم إلى أربعين و خمسينين- و بكل واحد منهما، كالمائتين المنقسم إلى خمس أربعينات و أربع خمسينات.

و نسب ذلك إلى كل من أطلق قوله: «إذا بلغت مائة و إحدى و عشرين ففي كل أربعين بنت لبون، و في كل خمسين حقة» كما نسب أيضاً إلى ظاهر الأصحاب- كما عن فوائد القواعد و الرياض و عن المحقق و الشهيد الثانيين-: وجوب الحساب بما يستوفي به العدد، فيتعين الحساب بالأربعين في المائة و ستين، و بالخمسين في المائة و خمسين، و بهما في المائة‌

65
مستمسک العروة الوثقى9

الأول: النصاب ؛ ج‌9، ص : 61

لكل منهما، أو مع عدم المطابقة لشي‌ء منهما. و مع المطابقة لأحدهما الأحوط مراعاتها، بل الأحوط مراعاة الأقل عفواً ففي المائتين يتخير بينهما لتحقق المطابقة لكل منهما، و في المائة و خمسين الأحوط اختيار الخمسين، و في المائتين و أربعين الأحوط و سبعين، و مع الاستيعاب بهما يتخير، كما في المائتين. و نسب ذلك الى المبسوط و الخلاف و الوسيلة السرائر و التذكرة و غيرها. و علله بعضهم: بأن فيه مراعاة حق الفقراء. و فيه: أنه لا يظهر دليل على اعتبار هذه المراعاة.

و استدل للأول: بأنه ظاهر‌

قولهم (ع)- في صحيحي زرارة و الفضلاء- «ففي كل خمسين حقة، و في كل أربعين بنت لبون» «1»

إذ لو تعين الاقتصار على العد بالمستوعب لتعين الاقتصار على ذكر الأربعين فقط، إذ المائة و الإحدى و العشرون- على هذا القول- يتعين عدها بالأربعين فقط و أظهر من ذلك الاقتصار على الخمسين في صحيحي عبد الرحمن و أبي بصير «2» فإنه لا وجه له إلا كونه أحد فردي التخيير.

و فيه: أن ذكر الأربعين و الخمسين في الصحيحين الأولين لم يكن حكماً لخصوص المائة و الإحدى و العشرين ليتوجه الاستدلال المذكور، و إنما كان حكماً لما زاد على العشرين مطلقاً، و المائة و الإحدى و العشرون أحد أفراده، فلا ينافيه تعين حسابها بالأربعين. كما لا ينافيه تعين حساب المائة و الخمسين بالخمسين التي هي من أفراده. و توهم: أن المائة و الإحدى و العشرين مورداً لحكم العام، و لا يجوز تخصيص المورد. مندفع: بأن الواحدة فوق العشرين مأخوذة لا بشرط، فيكون الموضوع كلياً صادقاً على المرتبة المذكورة و غيرها من المراتب، لا مأخوذة بشرط لا ليتم ما ذكر. و إلا لم‌

______________________________
(1) تقدم ذكرهما في أوائل هذا الفصل.

(2) لاحظ الروايتين في أوائل الفصل.

66
مستمسک العروة الوثقى9

الأول: النصاب ؛ ج‌9، ص : 61

.....

يكن الحكم عاماً لها و لغيرها، كما هو ظاهر.

و أما الاقتصار على الخمسين في الصحيحين الآخرين فلا مجال للأخذ بظاهره، إجماعاً نصاً و فتوى. فلا بد من التصرف فيه، إما بالحمل على التخيير. أو بالحمل على خصوص صورة توقف الاستيعاب على العد بالخمسين و لا يتوهم تعين الأول- من جهة: أن الحمل على الثاني يوجب خروج المائة و الإحدى و العشرين عنه، و هو خلاف صريح الصحيح- لما عرفت من أن موضوعه كلي الزائد على المائة و الإحدى و العشرين، لا خصوصها.

و بالجملة: التشبث في استظهار التخيير من ذكره على أثر المائة و الإحدى و العشرين- كما في الحدائق و غيرها- غير ظاهر.

و مثله في الاشكال: الاستدلال للقول الآخر: بأن العمل على طبق ما لا يستوعب يلزم منه طرح دليل الآخر من غير وجه. مثلا في المائة و الإحدى و العشرين لو عمل على حساب الخمسين يلزم منه طرح ما دل على أن في كل أربعين بنت لبون، فإنه يقتضي أن يكون في العشرين الزائدة على المائة منضمة إلى عشرين من المائة بنت لبون، فالعمل بالخمسين يقتضي أن لا يكون فيها شي‌ء و تكون عفواً، بخلاف ما لو عمل بالمستوعب فإنه لا يلزم منه طرح دليل الآخر. ففي المثال المذكور إذا عمل بالأربعين فقسمت المائة و الإحدى و العشرون إلى ثلاث أربعينات و أعطي عنها ثلاث بنات لبون لم يبق مورد للخمسين.

و وجه الإشكال في ذلك: أن الطرح إنما يلزم لو كان قد حصل موضوع تام للآخر، و مع ذلك لا يعمل بدليله، كما في المائة و الأربعين، فإنه لو بني على العد بالخمسين فقط بقي بعد عد خمسينين أربعون، فلو لم يدفع عنها بنت لبون لزم طرح‌

قوله (ع): «في كل أربعين بنت لبون ..»

، لا في مثل المائة و ستين، فإن الزائد على عد ثلاث خمسينات‌

67
مستمسک العروة الوثقى9

الأول: النصاب ؛ ج‌9، ص : 61

.....

عشرة، و ليس هو موضوعاً لبنت اللبون، ليلزم طرح قوله (ع):

«في كل أربعين بنت لبون ..»

. و مجرد عدم حصول العفو بالعد بالأربعين غير كاف في لزوم الطرح على تقدير العد بالخمسين.

و مثله في الاشكال: ما قد يقال: من أن حمل الواو على التخيير خلاف الظاهر جداً، و لو أريد التخيير لقيل: «في كل خمسين حقة، أو في كل أربعين بنت لبون». إذ فيه: أن حمل الكلام على التخيير ليس من جهة حمل الواو عليه، فان الواو لا تعدو معنى الجمع على كل حال، إذ الأربعون فريضتها بنت اللبون تعييناً، و الخمسون فريضتها الحقة كذلك. و هذا ما لا إشكال فيه. كما لا إشكال أيضاً في أن الأربعين و الخمسين- المجعولتين موضوعاً لبنت اللبون و الحقة- ليس مطابقهما الخارجي واحداً، بل ما يكون مطابق أحدهما في الخارج غير ما يكون مطابق الآخر. و إنما الإشكال في أن المالك مخير في مقام إعطاء الفرض بين إعطاء الحقق التي هي فرض الخمسينات، و إعطاء بنات اللبون التي هي فرض الأربعينات.

أو أنه غير مخير، بل يتعين عليه إعطاء فريضة ما يستوفي العدد المملوك و لا يبقى له عفو، و الكلام المذكور خال عن التعرض لذلك. فالقائل بالتخيير أو بغيره لا بد له في إثبات دعواه من الرجوع إلى أمر آخر زائد على مضمون الجملة.

و حينئذ نقول: سكوت المعصوم (ع) عن التعرض لهذه الجهة و عدم بيانه كيفية الحساب مع كونه في مقام البيان، يقتضي إيكال ذلك إلى حال العدد المملوك نفسه، و أنه أربعينات أو خمسينات، أو أربعينات و خمسينات. فان كان ينقسم إلى الأربعينات اقتضى بنات اللبون، و ان كان ينقسم على الخمسينات اقتضى الحقق، و إن كان ينقسم عليهما معاً- كالمائة و الأربعين- اقتضاهما معاً، و إن كان ينقسم على كل واحد منهما- كالمائتين و الأربعمائة- اقتضى أحدهما على‌

68
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 1): في النصاب السادس إذا لم يكن عنده ؛ ج‌9، ص : 69

اختيار الأربعين، و في المائتين و ستين يكون الخمسون أقل (1) عفواً، و في المائة و أربعين يكون الأربعون أقل عفواً.

[ (مسألة 1): في النصاب السادس إذا لم يكن عنده]

(مسألة 1): في النصاب السادس إذا لم يكن عنده البدل، فان ذلك أقرب عرفاً من حمله على إيكال الأمر إلى اختيار المالك.

و يؤيد ذلك: صحيح الفضلاء الوارد في نصاب البقر، كما يأتي فتأمل.

و من ذلك يظهر ضعف القول بالتخيير مطلقاً، كما نسب إلى المشهور.

كما يظهر الاشكال فيما في الجواهر و نجاة العباد: من وجوب مراعاة المطابق منهما. بل لو لم يحصل إلا بهما لو حظا معاً. و يتخير مع المطابقة بكل منهما أو بهما، حتى أن له حساب البعض بأحدهما و الباقي بالآخر. و كذا يتخير مع عدم المطابقة بشي‌ء، و لا تجب حينئذ مراعاة الأقل عفواً. إلى أن قال «نعم قد يقال: بوجوب مراعاة الأقل في خصوص المائتين و الستين، للقطع بأن الزيادة إن لم تزد الواجب لم تنقصه ..». فإنه إذا فرض أنه لو لم تحصل المطابقة إلا بهما لوحظا معاً، لم يبق مورد لملاحظة الأقل عفواً، إذ كلما زاد العدد عشراً أمكن عد الأربعين خمسين. ففي مثل المائتين و ستين يمكن عد خمسينين و أربع أربعينات، فلا يكون عفو أصلا. فلاحظ.

لو عد بخمسينين و أربع أربعينات لا يحصل عفو، و كذا في المائة و الأربعين لو عد بأربعين و خمسينين.

و على ما ذكرنا يتعين عليه العد كذلك، و هو أولى أن يكون أحوط لا ما ذكر في المتن، و الذي يظهر منه: أن له عد المائة و الأربعين بالخمسين فيعطي حقتين، و ليس عليه شي‌ء. و فيه: أنه لو قلنا بالتخيير لا مجال للالتزام في الفرض بالاكتفاء بالحقتين، لأن حسابه بالخمسين يقتضي زيادة أربعين عفواً، و هو مخالف‌

لقوله (ع): «في كل أربعين بنت لبون ..»

.

69
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 1): في النصاب السادس إذا لم يكن عنده ؛ ج‌9، ص : 69

بنت مخاض يجزي عنها ابن اللبون (1). بل لا يبعد إجزاؤه عنها اختياراً (2) أيضاً. و إذا لم يكونا معاً عنده تخير في شراء أيهما شاء (3). و أما في البقر فنصابان (4): بلا خلاف ظاهر. و يشهد له: صحيحا زرارة و أبي بصير المتقدمان «1».

كما عن المشهور. و عن التنقيح: نسبته إلى الفتوى، و قواه في الجواهر. لقيام علو السن مقام الأنوثة. و لانسباق عدم إرادة الشرط حقيقة من عبارة النص، و إلا اقتضى عدم إجزائها- يعني: بنت المخاض- عنه إذا لم تكن موجودة حال الوجوب و إن وجدت بعده، بناء على أن الشرط عدم كونها عنده حال الوجوب، لا حال الأداء، مع معلوميته.

و فيه: عدم الدليل على الأول. و منع الانسباق المذكور. و ما ذكره من التعليل له عليل، لأن ظاهر الدليل كون ابن اللبون بدلا، و إجزاء المبدل منه في فرض وجوده أولى من إجزاء البدل. و من هنا صرح جماعة:

بعدم الاجزاء مع الاختيار، كما يقتضيه ظاهر كل من علق إجزاءه على عدم وجدان بنت المخاض.

العمدة فيه: أنه مع شراء ابن اللبون يصدق: أنه واجد له، و ليس واجداً لبنت المخاض.

بلا خلاف ظاهر. و يدل عليه‌

صحيح الفضلاء عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (ع) قالا: «في البقر في كل ثلاثين بقرة تبيع حولي، و ليس في أقل من ذلك شي‌ء، و في أربعين بقرة مسنة، و ليس فيما بين الثلاثين إلى الأربعين شي‌ء حتى تبلغ الأربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنة و ليس فيما بين الأربعين إلى الستين شي‌ء، فإذا بلغت ستين ففيها تبيعان

______________________________
(1) تقدم ذكرهما في أوائل الفصل.

70
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 1): في النصاب السادس إذا لم يكن عنده ؛ ج‌9، ص : 69

الأول: ثلاثون، و فيها تبيع أو تبيعة (1)، و هو

إلى السبعين فاذا بلغت السبعين ففيها تبيع و مسنة إلى الثمانين، فاذا بلغت ثمانين ففي كل أربعين مسنة إلى تسعين، فاذا بلغت تسعين ففيها ثلاث تبايع حوليات، فاذا بلغت عشرين و مائة ففي كل أربعين مسنة» «1».

على المشهور، بل عن ظاهر جماعة: الإجماع عليه. و عن المنتهى:

«لا خلاف في إجزاء التبيعة عن الثلاثين، للأحاديث. و لأنها أفضل ..»‌

و عن ابن أبي عقيل و الصدوقين و المفيد في كتاب الاشراف: الاقتصار على التبيع. و كأنه للاقتصار عليه في الصحيح المتقدم.

لكن عن المحقق في المعتبر قال: «و من طريق الأصحاب: ما‌

رواه زرارة و محمد بن مسلم و أبو بصير و الفضيل و بريد عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (ع) قالا: «في البقر في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، و ليس في أقل من ذلك شي‌ء حتى تبلغ أربعين ففيها مسنة».

ثمَّ ليس فيها شي‌ء حتى تبلغ ستين ففيها تبيعان أو تبيعتان، ثمَّ في سبعين تبيع أو تبيعة و مسنة، و في ثمانين مسنتان، و في تسعين ثلاث تبايع» «2». بل‌

في الصحيح المتقدم- في رواية الكليني و الشيخ-: في التسعين ثلاث تبايع حوليات «3».

و عن الخلاف: أنه أرسل أخباراً بذلك «4». و لعل هذا المقدار كاف في البناء على التخيير.

______________________________
(1) الوسائل باب: 4 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 1.

(2) المعتبر صفحة: 260.

(3) الكافي ج 3 صفحة 534 طبع إيران الحديث و في التهذيب ج 4 صفحة 34 طبع النجف الأشرف: «ثلاث حوليات».

(4) ذكر الشيخ (ره) في الخلاف في المسألة: 16 في النصاب الأخير ما يدل على ذلك.

لاحظ: صفحة 115. و ذكر في المسألة: 14 صفحة 114 حديثا عاميا يدل على التخيير. و أما في النصاب الأول فلم يذكر إلا صحيح الفضلاء. فراجع.

71
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 1): في النصاب السادس إذا لم يكن عنده ؛ ج‌9، ص : 69

ما دخل في السنة الثانية (1).

الثاني: أربعون، و فيها مسنة (2)، و هي الداخلة في السنة الثالثة (3). و فيما زاد يتخير بين عد ثلاثين ثلاثين و يعطي كما عن جماعة من العلماء، بل نسب إلى الأصحاب. و هذا المقدار كاف في إثبات معنى اللفظ، لما تحقق في محله: من أن أدلة حجية خبر الثقة في الأحكام شاملة لمثله، و أنه لا فرق بين نسب القضايا الشرعية و موضوعاتها و محمولاتها في حجية خبر الثقة. و استدل له: بما في الصحيح المتقدم:

من توصيف التبيع بالحولي. لكنه مشكل» لاحتمال كون النسبة من جهة كونه في الحول، لا لتمام الحول. و في الجواهر: استدل له‌

بصحيح ابن حمران عن أبي عبد اللّه (ع): «التبيع ما دخل في الثانية».

لكن لم أقف عليه في كتب الحديث.

بلا خلاف. و يشهد له: الصحيح المتقدم. و لا يجزي المسن إجماعاً، كما قيل. و عن المنتهى: الاجتزاء به إذا لم يكن عنده إلا ذكور لأن الزكاة مواساة، فلا يكلف غير ما عنده. و فيه: أنه خلاف إطلاق النص و ما ذكر لا يصلح مقيداً له.

كما نسب إلى العلماء» و ذكره غير واحد مرسلين له إرسال المسلمات من دون نقل خلاف. و قد عرفت: أن ذلك كاف في البناء عليه. و قد استدل عليه- في محكي المبسوط- بما‌

روي عن النبي (ص) أنه قال: «المسنة هي الثنية فصاعداً» «1».

و دلالته- كما ترى- مبنية على أن الثنية ما دخلت في الثالثة، مع أن المنقول عن تصريح الشيخ (ره) في وصف الهدي: بأن الثني من البقر ما دخل في الثانية «2».

______________________________
(1) المبسوط أواخر فصل زكاة البقر.

(2) المبسوط فصل مناسك منى.

72
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 1): في النصاب السادس إذا لم يكن عنده ؛ ج‌9، ص : 69

تبيعاً أو تبيعة، و أربعين أربعين و يعطي مسنة (1). و أما في الغنم فخمسة نصب (2): هذا غير ظاهر الوجه، فإنه خلاف الصحيح المتقدم. مع أنه لا خلاف ظاهر في وجوب العد بنحو يستوعب، ففي الستين يتعين بالثلاثين و في السبعين بها و بالأربعين معاً، و في الثمانين بالأربعين، و في التسعين بالثلاثين و في المائة بالأربعين و الثلاثين. نعم يتخير لو كان الاستيعاب حاصلا بكل منهما، كالمائة و العشرين، فيتخير بين العد بثلاث أربعينات، و بين العد بأربع ثلاثينات، فيعطي ثلاث مسنات، أو أربع تباع أو تبيعات. و الاقتصار على الثلاث مسنات في الصحيح كأنه لأجل كونها أحد فردي التخيير. فلاحظ.

على المشهور، بل عن الخلاف و ظاهر الغنية: الإجماع عليه.

و يشهد له‌

صحيح الفضلاء: «في كل أربعين شاة شاة، و ليس فيما دون الأربعين شي‌ء. ثمَّ ليس فيها شي‌ء حتى تبلغ عشرين و مائة، فاذا بلغت عشرين و مائة ففيها مثل ذلك شاة واحدة، فإذا زادت على مائة و عشرين ففيها شاتان، و ليس فيها أكثر من شاتين حتى تبلغ مائتين، فإذا بلغت المائتين ففيها مثل ذلك، فاذا زادت على المائتين شاة واحدة ففيها ثلاث شياه. ثمَّ ليس فيها شي‌ء أكثر من ذلك حتى تبلغ ثلاثمائة، فإذا بلغت ثلاثمائة شاة ففيها مثل ذلك ثلاث شياه، فاذا زادت واحدة ففيها أربع شياه حتى تبلغ أربعمائة، فإذا تمت أربعمائة كان على كل مائة شاة، و سقط الأمر الأول» «1».

و عن جماعة- منهم الصدوق و الحلي و العلامة في جملة من كتبه-:

أنها إذا بلغت ثلاثمائة و واحدة فعلى كل مائة شاة. و يشهد له‌

صحيح محمد بن قيس عن أبي عبد اللّه (ع): «ليس فيما دون الأربعين من الغنم شي‌ء،

______________________________
(1) الوسائل باب: 6 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 1.

73
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 2): البقر و الجاموس جنس واحد ؛ ج‌9، ص : 74

الأول: أربعون، و فيها شاة (1).

الثاني: مائة و إحدى و عشرون، و فيها شاتان.

الثالث: مائتان و واحدة، و فيها ثلاث شياه.

الرابع: ثلاثمائة و واحدة، و فيها أربع شياه.

الخامس: أربعمائة فما زاد، ففي كل مائة شاة. و ما بين النصابين في الجميع عفو (2)، فلا يجب فيه غير ما وجب بالنصاب السابق.

[ (مسألة 2): البقر و الجاموس جنس واحد]

(مسألة 2): البقر و الجاموس جنس واحد (3).

فاذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين و مائة، فاذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى المائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث من الغنم إلى ثلاثمائة، فإذا كثرت الغنم ففي كل مائة شاة» «1».

لكن لما كان الجمع بينه و بين الأول- بحمل الكثرة فيه على الأربعمائة فما زاد، و يكون إهمال ذكر النصاب الرابع للاعتماد على بيانه في الصحيح الأول- بعيداً و ليس جمعاً عرفياً، كانا من المتعارضين. و العمل على الأول متعين، لأنه أشهر رواية، لأنه رواه الفضلاء الأعاظم، و أبعد عن موافقة العامة.

على المشهور شهرة عظيمة، بل عن جماعة: حكاية الإجماع عليه صريحاً و ظاهراً. و يشهد له الصحيحان المتقدمان. و عن الصدوقين:

اعتبار زيادة الواحدة. و لم يعرف له دليل. نعم حكي عن الرضوي «2».

الذي لم تثبت حجيته، فضلا عن صلاحية المعارضة لما عرفت.

كما صرح به في النصوص.

ففي مصحح زرارة عن أبي جعفر (ع): «قلت له: في

______________________________
(1) الوسائل باب: 6 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 3.

(2) مستدرك الوسائل باب: 5 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 3.

74
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 3): في المال المشترك إذا بلغ نصيب كل منهم النصاب وجبت عليهم ؛ ج‌9، ص : 75

كما أنه لا فرق في الإبل بين العراب و البخاتي (1)، و في الغنم بين المعز و الشاة و الضأن (2). كذا لا فرق بين الذكر و الأنثى في الكل (3).

[ (مسألة 3): في المال المشترك إذا بلغ نصيب كل منهم النصاب وجبت عليهم]

(مسألة 3): في المال المشترك إذا بلغ نصيب كل منهم النصاب وجبت عليهم (4). و إن بلغ نصيب بعضهم وجبت عليه فقط. و إن كان المجموع نصاباً، و كان نصيب كل منهم أقل لم يجب على واحد منهم (5).

الجواميس شي‌ء؟ قال (ع): مثل ما في البقر» «1».

ففي مصحح الفضلاء: «قلت: فما في البخت السائمة شي‌ء؟

قال (ع): مثل ما في الإبل العربية» «2».

و يقتضيه: إطلاق الإبل، الصادق على القسمين.

للإطلاق. و الشاة لا تقابل المعز و لا الضأن، و تقع على كل واحد منهما ذكراً كان أو أنثى.

للإطلاق.

بلا خلاف و لا إشكال، كما يقتضيه إطلاق الأدلة. و كذا ما بعده.

و في الجواهر: الإجماع بقسميه عليه. و يشهد له: ما‌

رواه زرارة عن أبي جعفر (ع): «قلت له: مائتي درهم بين خمسة أناس أو عشرة حال عليها الحول و هي عندهم، أ يجب عليهم زكاتها؟ قال (ع): لا، هي بمنزلة تلك- يعني: جوابه في الحرث- ليس عليهم شي‌ء حتى يتم لكل إنسان منهم مائتا درهم. قلت: و كذا في الشاة. و الإبل و البقر

______________________________
(1) الوسائل باب: 5 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 3 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 1.

75
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 4): إذا كان مال المالك الواحد متفرقا ؛ ج‌9، ص : 76

[ (مسألة 4): إذا كان مال المالك الواحد متفرقاً]

(مسألة 4): إذا كان مال المالك الواحد متفرقاً و لو متباعداً- يلاحظ المجموع (1)، فاذا كان بقدر النصاب وجبت، و لا يلاحظ كل واحد على حدة.

[ (مسألة 5): أقل أسنان الشاة التي تؤخذ في الغنم]

(مسألة 5): أقل أسنان الشاة التي تؤخذ في الغنم و الإبل من الضأن الجذع، و من المعز الثني (2).

و الذهب و الفضة و جميع الأموال؟ قال (ع): نعم» «1».

و لعل ذلك هو المراد مما‌

في صحيح محمد بن قيس عن أبي عبد اللّه (ع): «و لا يفرق بين مجتمع، و لا يجمع بين متفرق» «2»

، و‌

خبر محمد بن خالد: «مر مصدقك أن لا يحشر من ماء إلى ماء، و لا يجمع بين المتفرق، و لا يفرق بين المجتمع» «3»

، يعني: في الملك. و يحتمل فيه ما يذكر في آداب المصدق.

بلا خلاف و لا إشكال، و في الجواهر: الإجماع بقسميه عليه.

و يقتضيه إطلاق الأدلة.

كما هو المشهور، بل عن الخلاف و الغنية: الإجماع عليه. و في الشرائع: حكاية القول بكفاية ما يسمى شاة. و عن جماعة: عدم معرفة القائل به و إن حكي عن جماعة، كأبي العباس في الموجز، و الصيمري في شرحه، و البحراني في حدائقه، ناسباً له إلى جماعة من أفاضل متأخري المتأخرين. و مال إليه الأردبيلي، و المدارك، و الخراساني، على ما حكي عنهم. لإطلاق الأدلة.

و مناقشة الجواهر فيه: بعدم ورود الأدلة في مقام البيان من هذه الجهة، فلا إطلاق لها يعول عليه، غير ظاهرة. و انصرافه عن السخل‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 5 من أبواب زكاة الذهب حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 11 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 1.

(3) الوسائل باب: 11 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 2.

76
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 5): أقل أسنان الشاة التي تؤخذ في الغنم ؛ ج‌9، ص : 76

.....

و نحوه- و إن سلم- لا يجدي في ذلك، لشموله لما دون الجذع و لو بيوم قطعاً، فتقييده به و بالثني محتاج إلى دليل. كما أن تقييده‌

برواية سويد بن غفلة: «أتانا مصدق رسول اللّه (ص) و قال: نهينا أن نأخذ المراضع، و أمرنا أن نأخذ الجذعة و الثنية» «1»

، و‌

مرسل الغوالي عنه (ص): «أنه أمر عامله أن يأخذ الجذع من الضأن و الثني من المعز. قال: و وجد ذلك في كتاب على (ع)» «2»

لا يخلو من إشكال، لقصور دلالة الأول من جهة إجمال الآمر و الناهي، و عدم التعرض لخصوصية الضأن و المعز. لضعفهما سنداً.

اللهم إلا أن يدفع الإشكال في الدلالة: بأن إطلاق المصدق قوله:

«أمرنا ..»

، «و نهينا ..»

في مقام الإلزام لا بد أن يكون مراده من الآمر و الناهي هو النبي (ص)، إذ لا أثر لأمر غيره في ذلك الزمان. مع أن فيما يحضرني من نسخة التذكرة:

«نهانا رسول اللّه (ص) ..»

فلاحظ و عدم التعرض لخصوصية الضأن و المعز يوجب إجمال المقيد، فيوجب إجمال المطلقات، فتسقط عن الحجية. مع إمكان رفع هذا الاجمال بما ورد في الهدي، من‌

صحيح ابن سنان: «يجزي من الضأن الجذع، و لا يجزي من المعز إلا الثني» «3»

، و‌

صحيح حماد: «سألت أبا عبد اللّه (ع) أدنى ما يجزي من أسنان الغنم في الهدي، فقال (ع): الجذع من الضأن. قلت:

فالمعز؟ قال (ع): لا يجوز الجذع من المعز. قلت: و لم؟ قال (ع):

لأن الجذع من الضأن يلقح، و الجذع من المعز لا يلقح» «4».

و نحوهما‌

______________________________
(1) كما في السنن ج 4 صفحة 100. إلا أنه لم ينسب الرواية فيه إلى سويد بن غفلة. نعم رواه عنه في صفحة 101، لكنه بدون الذيل. و لم نعثر على الرواية في غير هذا المصدر، من كنز العمال و غيره.

(2) راجع أوائل باب الزكاة في القسم الأول من الباب الثاني.

(3) الوسائل باب: 11 من أبواب ذبح الهدي حديث: 2.

(4) الوسائل باب: 11 من أبواب ذبح الهدي حديث: 4.

77
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 5): أقل أسنان الشاة التي تؤخذ في الغنم ؛ ج‌9، ص : 76

و الأول: ما كمل له سنة واحدة و دخل في الثانية (1).

غيرهما. فان الروايات المذكورة آبية عن حمل روايات المقام على الجذع من المعز و الثني من الضأن، فيتعين العكس، بعد امتناع أن يكون المراد الجذع و الثني من صنف واحد، لأنها واردة في مقام المنع من الأدنى.

و أما ضعف السند فيمكن انجباره باعتماد الأصحاب عليه، و استدلالهم به، فارغين عن حجيته، غير متأملين فيها. و لا سيما من مثل الشيخ (ره)، و الفاضلين (قدهما) و نظائرهم. فلاحظ.

كما عن الصدوقين و الشيخين في المقنعة و التهذيب و المصباح، و السيد في الجمل، و سلار و ابني حمزة و زهرة و الفاضلين في النافع و حج الشرائع و الإرشاد. و هو الموافق لما عن الصحاح و القاموس و المصباح المنير و النهاية و في القواعد و عن المبسوط و المنتهى و التذكرة و التحرير و الدروس و البيان و التنقيح و فوائد الشرائع و إيضاح النافع و تعليقه و تعليق الإرشاد و الميسية و المسالك و الروضة: ما كمل له سبعة أشهر. و هو ظاهر محكي الوسيلة و السرائر، و عن ظاهر الغنية في بحث الهدي: الإجماع عليه، و عن بعض محشي الروضة:

أنه لا يعرف فيه قول غيره، و حكاه في حياة الحيوان قولا، بعد أن جزم بالأول، و جعله الصحيح عند أصحابه، و الأشهر عند أهل اللغة و غيرهم.

و عن ابن الأعرابي: المعنى الأول إن تولد بين هرمين، و الثاني إن كان بين شابين. و عن بعض: أنه ابن ستة أشهر. و عن آخر: أنه ابن ثمان.

و قيل: إن كان بين ثني و ثنية فابن سنة، و إن كان بين هرمين فابن ثمان و إن كان بين ثني و هرمة فابن سبعة. و ربما قيل غير ذلك.

و مع هذا يشكل البناء على ما في المتن. و لا سيما بملاحظة‌

مرسل الصدوق الوارد في الهدي: «و يجزي من المعز و البقر الثني، و هو الذي له سنة

78
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 5): أقل أسنان الشاة التي تؤخذ في الغنم ؛ ج‌9، ص : 76

و الثاني: ما كمل له سنتان و دخل في الثالثة (1). و لا

و دخل في الثانية. و يجزي من الضأن الجذع لسنة» «1».

فإن المقابلة بينه و بين الجذع تقضي بأنه دون ذلك. و لا ينافي ذلك ما في المرسل من‌

قوله (ع): «و يجزي من الضأن الجذع لسنة»

إذ بقرينة المقابلة يراد منه ما كان في سنة فلاحظ. نعم لو كان الأجذاع صفة كان ما ذكر متعيناً، لأصالة الاشتغال. أما لو كان سناً- كما عن آخر- اكتفي بالأقل، للإطلاق و إجمال المقيد، فيقتصر فيه على القدر المتيقن. و كذا لو شك في كونه صفة أو سناً.

هذا كله بناء على التساقط عند التعارض في مثل المقام. أما بناء على الترجيح مع وجود المرجح و مع عدمه فالتخيير، فالبناء على وجود المرجح أو عدمه محتاج إلى فحص و تتبع لا يسعه المقام، و إن كان المظنون: أن الترجيح مع الأول، لأنه الأشهر.

في الجواهر: أنه المشهور عند اللغويين، و به صرح في محكي المبسوط و التذكرة، و يوافقه ما عن الصحاح و القاموس و المصباح و المغرب و النهاية. و قيل: ما دخل في الثانية، و هو المنسوب إلى من تقدم، ممن قال: بأن الجذع ما كمل له سبعة أشهر، و يوافقه مرسل الفقيه المشار اليه آنفاً. لكن يشكل الاعتماد عليه، لضعفه، و عدم الجابر له. فالمرجع ما ذكرنا: من الإطلاق، أو أصالة الاشتغال، أو الترجيح، أو التخيير، و إن كان المظنون: أن الترجيح مع الأول، لأنه الأشهر.

ثمَّ إن المصرح به في القواعد- و عن صريح غيرها أو ظاهره-:

عدم الفرق في التقييد بالجذع و الثني بين ما يؤخذ في الإبل و الغنم، كما في المتن. و يقتضيه إطلاق النص المستدل به عليه. و عن البيان: تخصيصه‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 11 من أبواب ذبح الهدي حديث: 11.

79
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 5): أقل أسنان الشاة التي تؤخذ في الغنم ؛ ج‌9، ص : 76

يتعين عليه أن يدفع الزكاة من النصاب، بل له أن يدفع شاة أخرى (1).

بالإبل، و لم يعرف لغيره. و مقتضاه الاكتفاء بمطلق الشاة في الغنم. لكن قربه بعض: بأن اعتبار الحول على النصاب و السوم و الاستغناء بالرعي ينافي كون بعضه جذعاً بل ثنياً، فكيف يجبان فيه؟ لكنه مبني على تفسير الجذع بما له سبعة أشهر، و الثني بما له سنة. و مقتضى ذلك عدم الاجتزاء بهما، بل لا بد أن يكون سنه أعلى منهما. و فيه: أنه خلاف ما تقدم من الاتفاق على الاجتزاء بهما، و أنه مبني على كون الفريضة بعض النصاب.

و سيأتي- إن شاء اللّٰه- الكلام فيه.

إجماعاً، أو اتفاقا ظاهراً- كما في رسالة شيخنا الأعظم- و إجماعاً حكاه جماعة، كما في الكفاية و المستند و الجواهر، بل في الأخير: يمكن تحصيله. لكن قال في الثاني: «و قد تنسب المخالفة إلى شاذ. ثمَّ قال:

المحالفة إن كانت في الإخراج من غير النصاب مطلقاً- و لو بالقيمة- نهي ضعيفة، للصحيحة، و سائر روايات القيمة. الآتية. و إن كانت في إخراج جنس النصاب من غيره بدون اعتبار القيمة فهي قوية، إذ لا دليل على كفاية مطلق الجنس و لو من غير النصاب، فإن الإطلاقات كلها مما يستدل بها على التعلق بالعين،

كقولهم (ع): «في أربعين شاة شاة»

و نحوه، و لا يثبت منه أزيد من كفاية المطلق مما في العين. و أما المطلق من غيره فلا دليل ..».

أقول: مجرد التعلق بالعين لا يقتضي وجوب كون المدفوع جزءاً.

إذا لو كان التعلق بها من قبيل تعلق حق الرهانة لم يقتض ذلك كما لا يخفى و سيأتي- إن شاء اللّه- تحقيق ذلك. مع أن الإجماعات المحكية في المقام على جواز الدفع من غير العين بعنوان نفس الواجب، لا بعنوان نفس‌

80
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 5): أقل أسنان الشاة التي تؤخذ في الغنم ؛ ج‌9، ص : 76

سواء كانت من ذلك البلد أو غيره (1)، و إن كانت أدون قيمة من أفراد ما في النصاب، و كذا الحال في الإبل و البقر.

فالمدار في الجميع الفرد الوسط من المسمى (2)، لا الأعلى، و لا الأدنى. و إن كان لو تطوع بالعالي أو الأعلى كان أحسن القيمة يمكن الخروج بها عن ظاهر الأدلة، لو تمَّ. فتأمل جيداً.

كما في الشرائع و القواعد و عن غيرهما، بل استظهر أنه المشهور لعدم الفرق بين ما في البلد و غيره في الدخول تحت إطلاق الفريضة و عدمه فاذا جاز دفع ما في البلد، مما هو خارج عن النصاب عملا بالإطلاق، جاز دفع غيره أيضاً، و إذا لم يجز الثاني لعدم شمول الفريضة له، لم يجز الأول فالتفكيك غير ظاهر. إلا بناء على أن الوجه في جواز الدفع من غير الفريضة هو الإجماع، و هو غير حاصل بالنسبة إلى غير البلد.

لكن المحكي عن الخلاف و المبسوط: اعتبار كون المدفوع من البلد معللا بأن المكية و العربية و النبطية مختلفة. و فيه: أنه قد يحصل الاتفاق في ذلك مع كون المدفوع من خارج البلد. مع أنه لا دليل على الاتفاق في ذلك، و ليس الاتفاق في ذلك إلا كالاتفاق في سائر الخصوصيات الموجبة لاختلاف المالية و اختلاف الرغبة، كما هو ظاهر، فالتفكيك بين الصفات في غير محله.

و مثله في الاشكال: ما عن جامع المقاصد و في المسالك: من الجواز في فريضة الإبل مطلقاً. أما في فريضة الغنم فلا يجوز، إلا مع المساواة في القيمة. إذ هو مبنى على التفكيك بين الإبل و الغنم في الإطلاق، مع أن الدفع بعنوان القيمة ليس محل الكلام هنا، كما لا يخفى.

قال في الجواهر: «ثمَّ قد يقوى وجوب الوسط بما يصدق عليه‌

81
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 5): أقل أسنان الشاة التي تؤخذ في الغنم ؛ ج‌9، ص : 76

و زاد خيراً. و الخيار للمالك (1)، اسم الفريضة في المقام و غيره، فلا يكلف الأعلى و لا يجزيه الأدنى، لأنه المنساق إلى الذهن من أمثال هذه الخطابات- التي ستعرف- إرادة تقدير الحصة المشاعة للفقير في النصاب بذكر التبيع و الشاة و بنت المخاض و غيرها من الفرائض فيها، لا أن المراد أعيانها التي قد لا تكون في النصاب، بل ليست فيه قطعاً في الخمس من الإبل و نحوه ..».

أقول: لا ريب في أنه لو كان المراد تقدير المالية يجب حملها على الوسط، كما في سائر الموارد التي يراد منها تقدير شي‌ء لا يقبل التفاوت بالزيادة و النقيصة، فإن التقدير بالطبيعة الصادقة على الأعلى و الأدنى و الوسط يوجب التفاوت بالمقدار، و المفروض أن المقدر لا يقبل ذلك. فلا بد أن يراد منه، إما الأعلى بعينه، أو الأوسط كذلك، أو الأدنى كذلك. و إذ لم يكن ما يصلح للقرينية في الاعتماد عليه في إرادة الأعلى و الأدنى، و كون الوسط متعارفا و غالباً مما يصلح للقرينية، يحكم بإرادته للوسط اعتماداً على ذلك.

و هذا البرهان ليس من الانصراف في شي‌ء، لكنه يتوقف على تمامية الأدلة في كونها واردة مورد تقدير المالية المملوكة للفقير في النصاب و لازمه: أن يكون دفع الأعلى من النصاب دفعاً للواجب و زيادة، فله استرجاع تلك الزيادة، لا دفعاً لمصداق الفريضة، و أن يكون الدفع من غير النصاب دفعاً للبدل، و قد عرفت الإجماع على خلافه.

فليس للساعي معارضته على المشهور، بل عن ظاهر التذكرة:

الإجماع عليه، كذا في الجواهر. و هو واضح بناء على ما عرفت من الإجماع على جواز الإعطاء من غير النصاب. أما بناء على الإشكال في ذلك» فقد يستفاد من‌

مصحح بريد: «سمعت أبا عبد اللّٰه (ع) يقول: بعث أمير المؤمنين (ع) مصدقاً من الكوفة إلى باديتها

.. (إلى أن قال) (ع):

82
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 5): أقل أسنان الشاة التي تؤخذ في الغنم ؛ ج‌9، ص : 76

لا الساعي (1)، أو الفقير، فليس لهما الاقتراح عليه. بل يجوز للمالك أن يخرج من غير جنس الفريضة بالقيمة السوقية (2)،

فإذا أتيت ماله فلا تدخله إلا بإذنه، فإن أكثره له، فقل: يا عبد اللّٰه أ تأذن لي في دخول مالك؟ فان أذن لك فلا تدخله دخول متسلط عليه فيه و لا عنف به، فاصدع المال صدعين، ثمَّ خيره أي الصدعين شاء، فأيهما اختار فلا تعرض له. ثمَّ اصدع الباقي صدعين، ثمَّ خيره فأيهما اختار فلا تعرض له، و لا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحق اللّٰه تعالى في ماله، فإذا بقي ذلك فاقبض حق اللّٰه تعالى منه. و إن استقالك فأقله، ثمَّ اخلطها و اصنع مثل الذي صنعت أولًا حتى تأخذ حق اللّه تعالى من ماله» «1».

و نحوه ما عن نهج البلاغة «2». و قريب منه خبر محمد بن خالد «3».

لكن دلالتها مختصة بصورة تولي الساعي للقسمة. و منها يظهر ضعف ما عن الشيخ: من أن للساعي معارضة المالك، و اقتراح القرعة.

قطعاً، بل إجماعاً، كما في الجواهر. و كفى بالمصحح المتقدم دليلا عليه. و منه يظهر عدم ثبوت التخيير للفقير أيضاً.

أما في الغلات و النقدين فالظاهر الاتفاق عليه، بل عن جماعة كثيرة: نقل الإجماع- صريحاً أو ظاهراً- عليه. و يشهد له‌

صحيح محمد بن خالد البرقي: «كتبت إلى أبي جعفر الثاني (ع) هل يجوز أن أخرج عما يجب في الحرث من الحنطة و الشعير، و ما يجب على الذهب دراهم قيمة ما يسوي، أم لا يجوز إلا أن يخرج من كل شي‌ء ما فيه؟ فأجاب (ع):

______________________________
(1) الوسائل باب: 14 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 14 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 7.

(3) الوسائل باب: 14 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 3.

83
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 5): أقل أسنان الشاة التي تؤخذ في الغنم ؛ ج‌9، ص : 76

.....

أيما تيسر يخرج» «1»

، و‌

صحيح علي بن جعفر: «عن الرجل يعطي عن زكاته عن الدراهم دنانير و عن الدنانير دراهم بالقيمة، أ يحل ذلك؟

قال (ع): لا بأس به» «2»

، و‌

خبر يونس بن يعقوب المروي عن قرب الاسناد: «قلت لأبي عبد اللّه (ع): عيال المسلمين أعطيهم من الزكاة، فاشتري لهم منها ثياباً و طعاماً، و أرى أن ذلك خير لهم. فقال (ع):

لا بأس» «3».

بناء على أن الظاهر منه الشراء من الزكاة قبل دفعها إليهم لا بعد دفعها و أخذها منهم، لعدم ذكر الأخذ في الكلام. و ذكر الإعطاء لا يصلح قرينة عليه، لظهور كون المراد من قوله: «فاشتري ..»‌

تفسير الإعطاء و بيان كيفيته، و أن إعطاءه كان بعد الشراء، و لذا كان السؤال لاحتمال المنع من التصرف. أما بعد الإعطاء و التسليم إليهم فلا إشكال في الجواز كي يصح السؤال عنه. و بالجملة: ظهور الرواية في كون المقصود السؤال عن الشراء بالزكاة لا ينبغي أن ينكر.

و أما في الأنعام فعن الخلاف جوازه أيضاً، مستدلا عليه: بإجماع الفرقة و أخبارهم. و عن المحقق: «منع الإجماع، و عدم دلالة الاخبار على موضع النزاع ..». و عن المقنعة: «لا يجوز إخراج القيمة في زكاة الانعام ..».

و يشهد للأول ما تقدم من خبر قرب الاسناد، الظاهر اعتباره سنداً إذ ليس فيه من يتأمل فيه سوى محمد بن الوليد، و الظاهر أنه البجلي الثقة، بملاحظة طبقته، و روايته عن يونس. و يمكن أيضاً الاستدلال بصحيح البرقي المتقدم. و لا ينافيه كون مورد السؤال الحرث و الذهب، لأن قوله:

______________________________
(1) الوسائل باب: 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 2.

(3) الوسائل باب: 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 4.

84
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 5): أقل أسنان الشاة التي تؤخذ في الغنم ؛ ج‌9، ص : 76

من النقدين أو غيرهما (1). و إن كان الإخراج من العين أفضل (2).

«إلا أن يخرج من كل شي‌ء ما فيه»

ظاهر في السؤال عن مطلق الأعيان الزكوية. و إرجاع الشي‌ء إلى ما ذكر في صدر السؤال خلاف مقتضى عمومه.

فتأمل. و بما دل على جواز احتساب الدين الذي له على الفقير مما عليه من الزكاة، الشامل إطلاقه لجميع صور المسألة.

كما نسب إلى الأصحاب، بل عن الخلاف و الغنية: الإجماع عليه.

و يشهد له خبر قرب الاسناد المتقدم. و عن المدارك: الاستشكال فيه.

بل عن الكافي: «التبديل إنما يجوز بالدراهم و الدنانير دون غيرهما ..».

لكنه ضعيف، لما عرفت. و لا سيما مع اعتضاده بما دل على احتساب الدين منها «1». و‌

خبر سعيد بن عمر عن أبي عبد اللّه (ع): «قلت: أ يشتري الرجل من الزكاة الثياب و السويق و الدقيق و البطيخ و العنب فيقسمه؟ قال (ع):

لا يعطيهم إلا الدراهم كما أمر اللّه تعالى»

متروك الظاهر في زكاة الدراهم، فضلا عن غيرها «2».

ثمَّ إن الكلام في دفع القيمة في الأنعام و في دفعها من غير النقدين إنما هو في جواز تقويم المالك للزكاة على نفسه و دفع قيمتها، سواء كان المدفوع إليه الفقير، أم الولي العام، أعني: الإمام، أو نائبه، لا في جواز المعاوضة عليها مع الولي و عدمه، فان ذلك مما لا إشكال فيه. و من ذلك يظهر الاشكال فيما في الجواهر: من الفرق بين الدفع إلى الامام أو نائبه، و الدفع إلى الفقير، بضعف المنع في الأول، و قوته في الثاني. فلاحظ.

كأنه للاحتياط و الخروج عن شبهة الخلاف. أو لرواية سعيد ابن عمر، بعد حملها على الاستحباب، و على كون موردها زكاة الدراهم.

______________________________
(1) الوسائل باب: 49 من أبواب مستحقي الزكاة.

(2) الوسائل باب: 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 3.

85
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 6): المدار في القيمة على وقت الأداء ؛ ج‌9، ص : 86

[ (مسألة 6): المدار في القيمة على وقت الأداء]

(مسألة 6): المدار في القيمة على وقت الأداء (1)، سواء كانت العين موجودة أو تالفة (2)، لا وقت الوجوب (3) ثمَّ المدار على قيمة بلد الإخراج إن كانت العين تالفة (4)، و إن كانت موجودة فالظاهر أن المدار على قيمة البلد التي هي فيه.

كما يقتضيه ظاهر النصوص المتقدمة، نعم لو ضمن الزكاة بالتقويم كان المدار على وقت الضمان- كما عن التذكرة- لأنه يكون حينئذ وقت الانتقال إلى القيمة. لكنه يتوقف على مشروعية الضمان بالتقويم، إذ النصوص المتقدمة لا تشهد بها، و الأصل عدمها.

إذا لم يكن التلف مستوجباً للضمان فلا شي‌ء عليه، و ان كان مستوجباً للضمان، و كانت الفريضة قيمية تكون المسألة من صغريات مسألة الضمان بالتلف، و أن القيمة المضمون بها قيمة يوم التلف، أو يوم الأداء أو أعلى القيمة أو قيمة يوم الضمان أو غير ذلك. و إن كانت الفريضة مثلية فالقيمة قيمة يوم الأداء، لظاهر النصوص المتقدمة.

لم أقف على حكايته عن أحد. و كأن وجهه: أن دليل الوجوب إذا كان مفاده جعل مالية الشاة في النصاب للفقير لا نفس الشاة، و لما كانت مالية الشاة مختلفة باختلاف الأزمنة، فمقتضى الإطلاق المقامي- أعني:

عدم التعرض في الدليل لتعيين واحد من تلك القيم- الحمل على قيمة زمان الوجوب. إذ تعيين غيرها هو المحتاج إلى القرينة.

لكن فيه- مع أنه مبني على كون التعلق بالعين كائناً على النحو المذكور-: يمكن أن يدعى ظهور دليل الوجوب في كون المالية معنونة بعنوان القيمة للشاة، فتزيد تلك المالية بزيادة قيمة الشاة، و تنقص بنقصها إلى أن يخرج عن العهدة.

الفرق المذكور غير واضح. و كأنه مبني على التعلق بالعين على‌

86
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 7): إذ كان جميع النصاب في الغنم من الذكور يجوز دفع الأنثى و بالعكس ؛ ج‌9، ص : 87

[ (مسألة 7): إذ كان جميع النصاب في الغنم من الذكور يجوز دفع الأنثى و بالعكس]

(مسألة 7): إذ كان جميع النصاب في الغنم من الذكور يجوز دفع الأنثى و بالعكس. كما أنه إذا كان الجميع من المعز يجوز أن يدفع من الضأن و بالعكس، و إن اختلفت في القيمة (1). و كذا مع الاختلاف يجوز الدفع (2) من أي الصنفين شاء. كما أن في البقر يجوز أن يدفع الجاموس عن البقر و بالعكس. و كذا في الإبل يجوز دفع البخاتي عن العراب و بالعكس، تساوت في القيمة أو اختلفت.

نحو الجزء المشاع، فاذا كانت موجودة فقيمتها المقدار المساوي لماليتها، حتى بلحاظ خصوصية المكان الذي هي فيه، فلا بد من ملاحظة مكان الوجود. أما إذا كانت تالفة فليس لها وجود إلا في الذمة، و ذلك الوجود الذمي قيمته تختلف باختلاف مكان التقويم، و هو مكان الإخراج و الأداء.

لكن لو سلم هذا الابتناء فالمبنى غير ظاهر، كما عرفت. و سيأتي تحقيقه.

و بالجملة: إذا كان يجوز له الإخراج في كل بلد من جنس الفريضة و إن لم تكن جزءاً من النصاب، جاز التقويم بلحاظ بلد الإخراج مطلقاً.

كما عن المبسوط و التذكرة. و سيأتي وجهه.

كما عن القواعد و الإرشاد و جماعة من متأخري المتأخرين. لإطلاق ما دل على وجوب الفريضة، سواء كانت في العين أم الذمة، لصدق الفريضة على ما ذكر. و عن الشهيدين و المحقق الثاني و غيرهم- بل نسب إلى المشهور-: وجوب فريضة قيمتها مقسطة، لأنه الذي تقتضيه قاعدة الشركة. و فيه: أن ذلك لا تقتضيه القاعدة المذكورة، و إنما الذي يقتضي ذلك أن يكون المملوك للمستحق هو الجزء المشاع في جميع أفراد النصاب، بمعنى جزء من أربعين جزءاً من أربعين شاة مثلا. لكنه غير ظاهر الدليل‌

87
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 8): لا فرق بين الصحيح و المريض، و السليم و المعيب، و الشاب و الهرم في الدخول في النصاب ؛ ج‌9، ص : 88

[ (مسألة 8): لا فرق بين الصحيح و المريض، و السليم و المعيب، و الشاب و الهرم في الدخول في النصاب]

(مسألة 8): لا فرق بين الصحيح و المريض، و السليم و المعيب، و الشاب و الهرم في الدخول في النصاب (1)، و العد منه. لكن إذا كانت كلها صحاحاً لا يجوز دفع المريض (2).

و كذا لو كانت كلها سليمة لا يجوز دفع المعيب. و لو كانت في الغنم، فضلا عن غيره، و لذا لا يلتزم بالتقسيط مع الاختلاف في الجودة و الرداءة بلا إشكال، كما في الجواهر، بل لا ينبغي التأمل فيه، ضرورة غلبة الاختلاف جداً، فلو احتيج إلى تقويم كل واحد من أفراد النصاب لزم الهرج و المرج، المعلوم من سيرة المعصومين (ع)، و من مصحح بريد السابق «1» و غيره عدمهما، كما لا يخفى.

و أما ما في الجواهر: من قوله (ره): «نعم لو كان هناك خطابان أحدهما يقتضي وجوب تبيع الجاموس لو كان هو النصاب، و الآخر يقتضي تبيع البقر، اتجه مراعاة الأمرين في الاجتماع على حسب النسبة» ففيه:

أنه لو كان هناك خطابان على ما ذكر فالمورد خارج عن الدليلين معاً، فإثبات الزكاة فيه محتاج إلى دليل. و لو فرض العلم بثبوتها فالمرجع قاعدة الاحتياط، أو أصالة البراءة على اختلاف كيفية العلم بالواجب.

إجماعاً ظاهراً. لإطلاق الأدلة.

عدم جواز دفع المريضة و الهرمة و ذات العوار مجمع عليه بينهم كما في الحدائق. أو مذهب الأصحاب، كما عن المدارك. أو لا يعرف فيه خلاف، كما عن المنتهى. و يشهد له‌

صحيح أبي بصير عن أبي عبد اللّه (ع) في زكاة الإبل، قال (ع): «و لا تؤخذ هرمة، و لا ذات عوار. إلا أن يشاء المصدق» «2».

بناء على شمول العوار للمرض- لأنه في اللغة‌

______________________________
(1) تقدم ذلك في أواخر المسألة: 5 من هذا الفصل.

(2) الوسائل باب: 10 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 3.

88
مستمسک العروة الوثقى9

الشرط الثاني: السوم طول الحول ؛ ج‌9، ص : 89

كل منها شاباً لا يجوز دفع الهرم، بل مع الاختلاف أيضاً الأحوط إخراج الصحيح (1)، من غير ملاحظة التقسيط.

نعم لو كانت كلها مراضاً، أو معيبة، أو هرمة يجوز الإخراج منها (2).

[الشرط الثاني: السوم طول الحول]

الشرط الثاني: السوم (3) طول الحول، فلو كانت العيب- و على عدم القول بالفصل بين الإبل و غيرها من الأنعام.

كما عن المدارك، و قواه في الجواهر. لإطلاق ما دل على المنع من أخذ المريضة، و الهرمة، و ذات العوار. و المشهور: التقسيط. لكن عرفت في المسألة السابقة إشكاله.

إجماعاً، كما في الحدائق، و عن المنتهى و المدارك: نسبته إلى علمائنا. للأصل، و من أنه مقتضى كون الزكاة في العين على وجه الشركة و لانصراف دليل المنع عن أخذها عن هذه الصورة. لكن الانصراف ممنوع و لا مجال للأصل، سواء أريد به أصالة الإطلاق لدليل وجوب الفريضة، أم أصالة البراءة من اشتراط الصحة و عدم الهرم. إذ دليل المنع- لو تمَّ- كان مقيداً للأول، و حاكماً على الثاني. كما لا مجال للعمل على مقتضى الشركة، لأنه كالاجتهاد في مقابل النص. مع أن كونه مقتضى الشركة أول الكلام، إلا على بعض الوجوه الذي لم يكن البناء على العمل عليه.

فالبناء على المنع من أخذ واحدة منها في جميع صور المسألة في محله. إلا أن يكون إجماع على الجواز.

إجماعاً حكاه جماعة، بل حكى عليه إجماع المسلمين، إلا مالكاً.

و تشهد له جملة من النصوص،

كصحيح الفضلاء في زكاة الإبل: «و ليس على العوامل شي‌ء. إنما ذلك على السائمة الراعية» «1»

، و‌

في زكاة البقر:

______________________________
(1) الوسائل باب: 7 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 1.

89
مستمسک العروة الوثقى9

الشرط الثاني: السوم طول الحول ؛ ج‌9، ص : 89

معلوفة و لو في بعض الحول لم تجب فيها، و لو كان شهراً، بل أسبوعاً (1). نعم لا يقدح في صدق كونها سائمة في تمام

«و لا على العوامل شي‌ء، و إنما الصدقة على السائمة الراعية» «1»

، و‌

صحيح زرارة: «ليس على ما يعلف شي‌ء. إنما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها، عامها الذي يقتنيها فيه الرجل. فأما ما سوى ذلك فليس فيه شي‌ء» «2».

عن أبي علي، و الخلاف، و المبسوط. عدم قدح العلف إذا كان السوم أغلب. و وجهه غير ظاهر. إلا القياس على السقي في الغلات و لكنه ليس من مذهبنا. مع أنه مع الفارق، لاختلاف دليل المانعية في المقامين. و عن المحقق و الشهيد الثانيين: أن المدار على صدق السائمة عرفاً بل نسب إلى أكثر المتأخرين، بل إلى المشهور. و هو في محله. إلا أن الاشكال في تعيين ذلك المفهوم العرفي بنحو يمنع عن صدقه العلف اليوم و اليومين و الأكثر أولا يمنع. و عن المنتهى و الدروس: عدم قدح اليوم في السنة. و عن الثاني: الأقرب عدم قدح الشهر في السنة. و عن فوائد الشرائع و غيرها: أنه لا يقدح اليوم في الشهر.

هذا و لأجل أنه يمتنع أن يكون المراد من السائمة طول الحول- الذي تضمنه صحيح زرارة- مستمرة السوم من أول الحول إلى آخره، لامتناع ذلك في الحيوان، فالمراد منها إما أن يكون هي السائمة في وقت الأكل، أو المعدة لأن تسأم لا لأن تعلف، أو ما لم تكن معلوفة مطلقاً، أو ما لم تكن معلوفة عن إعداد، أو ما لم تكن مستمرة العلف بنحو يعتد به في صدق أنها تعلف. و الأول يستلزم عدم وجوب الزكاة فيها إذا لم تسم وقتاً ما في السنة لمانع و إن لم تعلف. و الثاني يستلزم وجوب الزكاة على المعلوفة طول‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 7 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 7 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 3.

90
مستمسک العروة الوثقى9

الشرط الثاني: السوم طول الحول ؛ ج‌9، ص : 89

الحول عرفاً علفها يوماً أو يومين. و لا فرق في منع العلف (1) عن وجوب الزكاة بين أن يكون بالاختيار، أو بالاضطرار- لمنع مانع من السوم، من ثلج، أو مطر، أو ظالم غاصب أو نحو ذلك- و لا بين أن يكون العلف من مال المالك أو غيره، بإذنه أو لا بإذنه (2)، فإنها تخرج بذلك كله عن السوم و كذا لا فرق بين أن يكون ذلك بإطعامها للعلف المجزوز، الحول إذا أعدت للسوم. و كذا يستلزم عدم وجوب الزكاة فيها إذا سامت طول الحول مع عدم إعداد المالك إياها لذلك، بأن كان متردداً في سومها و علفها، أو غافلا عنه، أو نحو ذلك. و الثالث يستلزم- مع وجود المانع عن السوم، من مطر و نحوه- أن لا تجب فيها الزكاة إذا كان قد علفها و لو مرة، و يجب فيها إذا كان قد تركها بلا سوم و لا علف. و الرابع يستلزم الوجوب إذا كانت تعلف طول الحول بلا إعداد المالك.

فاذاً لا يبعد أن يكون المراد الأخير، بملاحظة ما في صحيح زرارة.

فإن الظاهر من قوله (ع):

«يعلف ..»

ذلك، نظير قولهم: «زيد يصوم النهار و يقوم الليل». و لذا ترى أن المفهوم من قوله (ع):

«يعلف ..»

. غير المفهوم من قوله: «علف». و لو كان المراد صرف الطبيعة كان المناسب التعبير بالثاني. و يعضد ذلك: غلبة وقوع العلف للسائمة وقت ما في السنة لمانع من السوم، من مطر، أو عدو، أو لعدم تمكن الراعي، أو نحو ذلك من العوارض الغالبية. فإذاً لا يقدح العلف أياماً متفرقة في السنة. فتأمل جيداً.

لإطلاق الدليل.

للإطلاق. و ما عن التذكرة و الموجز و غيرهما: من أنه لو علفها‌

91
مستمسک العروة الوثقى9

الشرط الثاني: السوم طول الحول ؛ ج‌9، ص : 89

أو بإرسالها لترعى بنفسها في الزرع المملوك (1). نعم لا يخرج عن صدق السوم باستئجار المرعى، أو بشرائه إذا لم يكن مزروعاً (2). كما أنها لا يخرج عنه بمصانعة (3) الظالم على الرعي في الأرض المباحة.

الغير بغير إذن المالك تلحق بالسائمة- و عن البيان احتماله، و عن المسالك:

أنه لا يخلو من وجه، إذ لا مئونة على المالك- غير ظاهر، لعدم حجية العلة المستنبطة، ليصح تقييد الإطلاق بها، كما هو ظاهر.

حكى في الجواز عن بعض مشايخه: وجوب الزكاة في الفرض لعدم الفرق في صدق السوم بين الرعي في المملوك و غيره. و جعله في الجواهر في محله. لكنه غير ظاهر، فان صدق السوم في الفرض لا يلازم صدق السائمة، لجواز انصراف اللفظ المذكور إلى السائمة في غير المملوك على ما هو المتعارف في إطلاقها.

نعم إذا كان النبت مملوكاً تبعاً للأرض- كالذي ينبت في البساتين و الأرض المملوكة في أيام الربيع، أو عند نضوب الماء- فلا يمنع الرعي فيه عن صدق السوم، سواء أ كانت الأنعام لصاحب الأرض فسامها فيه أم لغيره فبذله المالك له، أو عاوض عليه مالك الأنعام فاشتراه من مالكه و سامها فيه. و الفرق بين الزرع و النبت- في صدق السوم في الثاني، و عدمه في الأول- ظاهر عند العرف.

يمكن أن يقال بصدق السائمة و لو كان مزروعاً، إذا لم يكن الزرع مقصوداً في المعاملة، بل كان ملحوظاً تبعاً، و لو كان هو الداعي على إيقاعها. و لكن الأظهر العدم، و لذا لا يصدق السوم لو بذله مالكه للانعام مجاناً.

للإطلاق. نعم لو تمَّ ما ذكره في المسالك: من اعتبار عدم‌

92
مستمسک العروة الوثقى9

الشرط الثالث: أن لا تكون عوامل ؛ ج‌9، ص : 93

[الشرط الثالث: أن لا تكون عوامل]

الشرط الثالث: أن لا تكون عوامل (1) و لو في بعض الحول (2)، بحيث لا يصدق عليها: أنها ساكنة فارغة عن العمل طول الحول. و لا يضر إعمالها يوماً أو يومين في السنة كما مر في السوم (3).

[الشرط الرابع: مضي الحول عليها]

الشرط الرابع: مضي الحول عليها (4)، المؤنة، كان السقوط في محله.

بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، كذا في الجواهر. و عن جماعة كثيرة: دعوى الإجماع صريحاً و ظاهراً عليه. و تدل عليه النصوص المتقدمة في السوم و غيرها. نعم‌

في موثق إسحاق بن عمار: «سألته عن الإبل تكون للجمال، أو تكون في بعض الأمصار، أ تجري عليها الزكاة كما تجري على السائمة في البرية؟ فقال (ع): نعم» «1»

و‌

موثقه الآخر: «سألت أبا إبراهيم عن الإبل العوامل، عليها زكاة؟

فقال (ع): نعم، عليها زكاة» «2».

لكنهما لا يصلحان لمعارضة ما سبق، بعد كون الجمع العرفي بينهما هو الحمل على الندب.

لإطلاق الأدلة.

لعدم صدق العوامل بذلك، لظهور العنوان في الدوام و الثبوت نظير ما سبق في المعلوفة. نعم لو كان ذلك عن إعدادها للعمل لم يبعد الصدق.

إجماعاً بقسميه عليه، بل عند أهل العلم كافة، إلا ما حكي عن ابني عباس و مسعود في محكي المنتهى، بل لا خلاف بين العلماء فيه، كذا في الجواهر. و تشهد له جملة من النصوص،

كصحيح الفضلاء عن أبي جعفر (ع) و أبي عبد اللّه (ع)، قالا: «ليس على العوامل من الإبل

______________________________
(1) الوسائل باب: 7 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 7.

(2) الوسائل باب: 7 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 8.

93
مستمسک العروة الوثقى9

الشرط الرابع: مضي الحول عليها ؛ ج‌9، ص : 93

جامعة للشرائط (1). و يكفي الدخول في الشهر الثاني عشر (2)

و البقر شي‌ء

.. (إلى أن قال):

و كل ما لم يحل عليه الحول عند ربه فلا شي‌ء عليه فيه، فاذا حال عليه الحول وجب عليه» «1»

، و‌

مرسل محمد بن سماعة عن رجل عن زرارة عن أبي جعفر (ع): «لا يزكى من الإبل، و البقر، و الغنم إلا ما حال عليه الحول، و ما لم يحل عليه الحول فكأنه لم يكن» «2».

و نحوهما غيرهما.

بلا خلاف و لا إشكال. أما اعتبار النصاب في تمام الحول فيقتضيه ظاهر أدلة اعتبار الحول. و أما السوم فقد عرفت صراحة صحيح زرارة في اعتباره طول الحول «3». و أما اعتباره أن لا تكون عوامل طول الحول فقيل: إن العمدة في اعتباره كذلك الإجماع.

لكن يمكن دعوى ظهور ما دل على أنه لا زكاة في العوامل في أنها ليست موضوعاً لوجوب الزكاة، لا مجرد عدم تعلق وجوب الزكاة في نصاب فيه عوامل، لتكون شرطاً في زمان تعلق الوجوب لا غير، كما تقدم نظيره فيما دل على أنه لا زكاة في مال الصبي. فلاحظ.

بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه- كما في الجواهر- و بلا خلاف و لا إشكال- كما في الحدائق- و مذهب علمائنا- كما عن المعتبر- و عليه إجماع علمائنا، أو أصحابنا، كما عن التذكرة و المنتهى و الإيضاح و المسالك و غيرها. و يشهد له‌

مصحح زرارة و محمد بن مسلم، قال أبو عبد اللّه (ع): «أيما رجل كان له مال فحال عليه الحول فإنه يزكيه. قلت له: فان وهبه قبل حله بشهر أو بيوم؟ قال (ع): ليس عليه شي‌ء إذاً أبداً ..

______________________________
(1) الوسائل باب: 8 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 8 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 2.

(3) تقدم ذلك في الشرط الثاني من فصل زكاة الأنعام.

94
مستمسک العروة الوثقى9

الشرط الرابع: مضي الحول عليها ؛ ج‌9، ص : 93

.....

(إلى أن قال زرارة)

: قلت له: رجل كانت له مائتا درهم، فوهبها لبعض إخوانه أو ولده أو أهله، فراراً بها عن الزكاة، فعل ذلك بها قبل حلها بشهر، فقال (ع): إذا دخل الشهر الثاني عشر فقد حال عليه الحول، و وجبت عليه فيها الزكاة» «1».

و التوقف في حجيته- من جهة أن في السند إبراهيم بن هاشم، و فيه كلام، كما في المسالك- ضعيف، بعد انعقاد الإجماع على العمل به و الاعتماد عليه. مع أن المحقق عند المتأخرين تصحيح خبره. و بالجملة: لا ينبغي أقل تأمل في حجية المصحح المذكور.

نعم قد يشكل الأمر في كيفية الجمع بينه و بين نصوص الحول، الظاهرة في اعتبار مضي اثنى عشر شهراً تامة، و أنه بالتصرف في الحول، بحمله على الأحد عشر- لكونه حقيقة شرعية في ذلك، أو مجازاً مرسلا بعلاقة الاشراف، أو استعارة للمشابهة- أو بالتصرف في نسبة الحولان إلى الحول بمضي أحد عشر شهراً منه، وجوه، أقربها الأخير. بل الأول مقطوع بعدمه، كما يظهر من ملاحظة موارد استعماله في لسان الشارع الأقدس و المتشرعة. و الوجوه الباقية و إن كان كل منها لا يخلو من عناية التجوز، لكن الأولين منها غير مألوفين، بخلاف الثالث. إذ كثيراً ما يقال:

«مضى على زيد أسبوع في البلد» إذا دخل اليوم السابع، «و مضى عليه شهر» إذا دخل اليوم الآخر، كما ذكره شيخنا الأعظم (ره) في رسالته و غيره. و الرجوع الى الاستعمالات العرفية شاهد على صحته. و منه قولهم:

«مات فلان لخمس مضين» و نحوه.

هذا كله لو بني على العمل بظاهر المصحح على كل حال، اعتماداً على الإجماع، و إلا فالجمع العرفي بينه و بين أدلة اعتبار الشروط في الحول يقتضي حمله على الاستحباب، لأنه أقرب عرفاً مما ذكر. إلا أنه لا مجال‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 12 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 2.

95
مستمسک العروة الوثقى9

الشرط الرابع: مضي الحول عليها ؛ ج‌9، ص : 93

فلا يعتبر تمامه، فبالدخول فيه يتحقق الوجوب. بل الأقوى استقراره أيضاً (1)، فلا يقدح فقد بعض الشروط قبل تمامه.

له بعد تسالم الأصحاب عليه.

كما عن الإيضاح و الموجز و المدارك و غيرها. بل هو المنسوب إلى ظاهر الفتاوى، و اختاره في الجواهر. أخذاً بظاهر المصحح، المعتضد بظاهر الفتاوى، و ظاهر معاقد الإجماعات، بل لعله صريح بعضها. و حملا لغيره- مما دل على اعتبار الشروط في الحول- على أنها معتبرة إلى أن يحول عليها الحول، الحاصل ذلك الحولان بدخول الشهر الثاني عشر، كما يقتضيه المصحح. خلافاً لما عن الشهيدين و الكركي و الميسي و غيرهم، من حمله على الوجوب المتزلزل، و الأخذ بظاهر أدلة الشروط.

و فيه: أن صريح المصحح استقرار الوجوب بدخول الشهر الثاني عشر بالإضافة إلى مورده، أعني: شرطية الملك. و مقتضى إطلاقه استقرار الوجوب بالإضافة إلى بقية الشروط. بل ظاهره الحكومة على أدلة اعتبارها في تمام الحول، فيتعين العمل به. و الحمل على الوجوب المتزلزل بالإضافة إلى جميع الشروط طرح لصريحة بالإضافة إلى مورده، و طرح لظاهره بالإضافة إلى غيره، فلا يجوز ارتكابه بمجرد ظهور نصوص الشرطية في اعتبار استمرارها في تمام الحول، لأن التصرف فيها بحملها على المصحح أولى من التصرف في إطلاقه، مع كونه بلسان الحكومة، فضلا عن طرحه في مورده، كما لا يخفى.

و في المسالك لما توقف في حجية المصحح المتقدم اختار عدم استقرار الوجوب بذلك، أخذاً بظاهر الأدلة، و اقتصاراً في الخروج عنها على ثبوت أصل الوجوب بدخول الثاني عشر، عملا بالمتيقن بالإجماع.

96
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 9): لو اختل بعض الشروط في أثناء الحول ؛ ج‌9، ص : 97

لكن الشهر الثاني عشر محسوب من الحول الأول (1). فابتداء الحول الثاني إنما هو بعد تمامه.

[ (مسألة 9): لو اختل بعض الشروط في أثناء الحول]

(مسألة 9): لو اختل بعض الشروط في أثناء الحول قبل الدخول في الثاني عشر بطل الحول (2)، كما لو نقصت عن النصاب، أو لم يتمكن من التصرف فيها، أو عاوضها بغيرها و إن كان زكوياً من جنسها. فلو كان عنده نصاب من قد ذكر غير واحد: أن كون الشهر الثاني عشر محسوباً من السنة الأولى أو من السنة الثانية، مبني على التصرف بالحولان أو الحول. إذ على الثاني يكون كل أحد عشر شهراً حولا، فلا بد من احتساب الشهر الثاني عشر من السنة الثانية. و على الأول يكون الحول باقياً على معناه، أعني:

اثنى عشر شهراً. غاية الأمر: يكون حولان الاثنى عشر بدخول الثاني عشر. و حينئذ فما دل على كون الزكاة في كل سنة مرة- المصرح به، أو المشار إليه في النصوص- لا معارض له. و قد تقدم: أن الأظهر الثاني.

كما هو مقتضى الشرطية، لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه. و‌

في مصحح زرارة و محمد بن مسلم المتقدم: «قلت: فان وهبه قبل حله بشهر أو بيوم. قال: ليس عليه شي‌ء أبداً. قال زرارة: قلت له: فإن أحدث فيها قبل الحول. قال (ع): جائز ذلك له. قلت: إنه فر بها من الزكاة. قال (ع): ما أدخل على نفسه أعظم مما منع من زكاتها ..» «1»

و‌

رواية زرارة: «قلت لأبي جعفر (ع): رجل كانت عنده دراهم أشهراً فحولها دنانير، فحال عليها- منذ يوم ملكها دراهم- حولا، أ يزكيها قال (ع): لا» «2»

، و‌

صحيح عمر بن يزيد: «قلت لأبي عبد اللّه (ع)

______________________________
(1) لاحظ الشرط الثالث من فصل زكاة الأنعام.

(2) الوسائل باب: 12 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 3.

97
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 9): لو اختل بعض الشروط في أثناء الحول ؛ ج‌9، ص : 97

الغنم مثلا، و مضى ستة أشهر، فعاوضها بمثلها، و مضى عليه ستة أشهر أخرى لم تجب عليه الزكاة (1). بل الظاهر بطلان

رجل فر بماله من الزكاة، فاشترى بها أرضا أو داراً، أ عليه فيها شي‌ء؟

فقال (ع): لا. و لو جعله حلياً أو نقراً فلا شي‌ء عليه فيه، و ما منع نفسه من فضله أكثر مما منع من حق اللّه الذي يكون فيه» «1».

و نحوها غيرها.

على المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعاً. لما تقدم من النصوص و غيرها. نعم حكي عن المبسوط: وجوب الزكاة إذا عاوض النصاب الجامع للشرائط بمثله، كما لو عاوض أربعين شاة سائمة ستة أشهر بأربعين كذلك. و عن فخر المحققين موافقته، قال في محكي شرحه على الإرشاد: «إذا عاوض النصاب- بعد انعقاد الحول عليه، مستجمعاً للشرائط- بغير جنسه، و هو زكوي أيضاً- كما لو عاوض أربعين شاة بثلاثين بقرة، مع وجود الشرائط في الاثنين- انقطع الحول، و ابتدأ الحول الثاني من حين تملكه. و إن عاوضه بجنسه- و قد مضى عليه الحول أيضا مستجمعاً للشرائط- لم ينقطع الحول، بل بنى على الحول الأول.

و هو قول الشيخ أبي جعفر الطوسي (قده) للرواية. و إنما شرطنا في المعاوض عليه انعقاد الحول، لأنه لو عاوض أربعين سائمة بأربعين معلوفة لم تجب الزكاة إجماعاً. و كذا لو عاوض أربعين سائمة ستة أشهر بأربعين سائمة أربعة أشهر، لم تجب الزكاة إجماعاً. و كذا لو عاوض نصاباً من الذهب بنصاب منه، و كان المأخوذ منه طفلا أو مجنوناً لم تنعقد الزكاة إجماعاً، لأنه لم ينعقد عليه حول إجماعاً. و كذا لو عاوض ببعض النصاب ..».

و الرواية التي جعلها دليلا للشيخ لم يدع الشيخ وجودها، و لا استند إليها، و إنما استدل- على ما حكي-: «بأن من عاوض أربعين سائمة‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 1.

98
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 9): لو اختل بعض الشروط في أثناء الحول ؛ ج‌9، ص : 97

الحول بالمعاوضة، و إن كانت بقصد الفرار من الزكاة (1).

ستة أشهر بأربعين سائمة كذلك يصدق عليه: أنه ملك أربعين سائمة طول الحول ..». و ضعفه- كالرواية المرسلة في شرح الإرشاد- ظاهر.

فالعمل على المشهور متعين.

كما هو المشهور. لما تقدم من النصوص و غيرها المصرح بسقوط الزكاة على من فر عنها بالتبديل. و عن السيد المرتضى (ره): وجوبها إذا قصد بما فعله الفرار منها، مدعياً عليه إجماع الإمامية، مستدلا ببعض الأخبار الدالة على الوجوب حينئذ، مدعياً: أنها أقوى من الأولى، و أولى و أوضح طريقاً. فيلزم حملها على التقية، لأن عدم الوجوب مذهب جميع المخالفين، و أنه لا تأويل للأخبار الدالة على الوجوب، و أن قول ابن الجنيد بعدم الوجوب مسبوق بالإجماع و ملحوق به. انتهى محصل كلامه. و عن جماعة كثيرة موافقته. بل عن بعض: استظهار أنه المشهور بين المتقدمين.

و كأنه يشير في الاستدلال على مذهبه إلى‌

موثق معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (ع): «قلت له: الرجل يجعل لأهله الحلي.

(إلى أن قال):

قلت: له فإنه فر بها من الزكاة، فقال (ع): إن كان فر به من الزكاة فعليه الزكاة، و إن كان إنما فعله ليتجمل به فليس عليه زكاة» «1»

، و‌

موثق محمد بن مسلم عنه (ع): «عن الحلي فيه زكاة؟ قال (ع): لا.

إلا ما فر به من الزكاة» «2»

، و‌

موثق زرارة: «قلت لأبي عبد اللّه (ع)

(إلى أن قال):

إن أباك (ع) قال: من فر بها من الزكاة فعليه أن يؤديها. فقال (ع): صدق أبي، إن عليه أن يؤدي ما وجب عليه، و ما لم يجب عليه فلا شي‌ء عليه منه» «3».

______________________________
(1) الوسائل باب: 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 6.

(2) الوسائل باب: 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 7.

(3) الوسائل باب: 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 5.

99
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 10): إذا حال الحول مع اجتماع الشرائط فتلف من النصاب شي‌ء ؛ ج‌9، ص : 100

[ (مسألة 10): إذا حال الحول مع اجتماع الشرائط فتلف من النصاب شي‌ء]

(مسألة 10): إذا حال الحول مع اجتماع الشرائط فتلف من النصاب شي‌ء، فان كان لا بتفريط من المالك لم يضمن (1)، هذا و في دلالة الأخير تأمل ظاهر. و دلالة الأولين و إن كانت تامة لكن الجمع العرفي بينها و بين نصوص النفي يقتضي الحمل على الاستحباب.

و أما ما ذكره السيد (ره) من حمل نصوص النفي على التقية فغير ظاهر، إذ الحمل على التقية و نحوه من المرجحات إنما يصار إليها بعد تعذر الجمع العرفي، و قد عرفت إمكانه. و عن الشيخ (ره): حمل الموثقين على صورة الفرار بعد الحول. لكنه غير ظاهر. و لا سيما في موثق معاوية، لامتناع ما ذكر من التفصيل فيه بعد مضي الحول، كما هو واضح.

الظاهر أنه لا إشكال و لا خلاف في الضمان بالتفريط و لو بالتأخير و عدمه مع عدمه. و استدل له بالنصوص،

كصحيح محمد بن مسلم: «قلت لأبي عبد اللّه (ع): رجل بعث بزكاة ماله لتقسم فضاعت، هل عليه ضمانها حتى تقسم؟ فقال (ع): إذا وجد لها موضعاً فلم يدفعها إليه فهو لها ضامن حتى يدفعها، و إن لم يجد من يدفعها إليه فبعث بها إلى أهلها فليس عليه ضمان، لأنها قد خرجت من يده. و كذلك الوصي الذي يوصى إليه يكون ضامنا لما دفع إليه إذا وجد ربه الذي أمر بدفعه إليه، فان لم يجد فليس عليه ضمان» «1»

، و‌

صحيح زرارة عنه (ع): «عن رجل بعث إليه أخ له زكاته ليقسمها فضاعت. فقال (ع): ليس على الرسول و لا على المؤدي ضمان. قلت: فان لم يجد لها أهلا ففسدت و تغيرت، أ يضمنها؟ قال (ع): لا. و لكن إن عرف لها أهلا فعطبت أو فسدت فهو لها ضامن حتى يخرجها» «2».

و بهما يقيد إطلاق ما دل على عدم‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 39 من أبواب مستحقي الزكاة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 39 من أبواب مستحقي الزكاة حديث: 2.

100
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 10): إذا حال الحول مع اجتماع الشرائط فتلف من النصاب شي‌ء ؛ ج‌9، ص : 100

.....

الضمان، بالإرسال أو غيره، مثل‌

الصحيح عن حريز عن عبيد بن زرارة عنه (ع): إذا أخرجها من ماله فذهبت و لم يسمها لأحد فقد برئ منها» «1»

، و‌

موثق بكير بن أعين عن أبي جعفر (ع): «عن الرجل يبعث بزكاته فتسرق أو تضيع. قال (ع): ليس عليه شي‌ء» «2».

و نحوهما غيرهما.

لكن النصوص المذكورة- مع أنها غير ظاهرة في التفصيل بين التفريط و عدمه- موردها صورة تلف نفس الزكاة، بأن يتعين التالف كونه زكاة قبل التلف، و لو كان من غير النصاب أو من غير جنس الفريضة، فلا تشمل صورة تلف النصاب أو بعضه. و حينئذ إلحاق صورة تلف أحدهما بمورد النصوص لا يخلو عن إشكال. نعم‌

في مرسل ابن أبي عمير عن أبي عبد اللّه (ع): «في رجل يكون له إبل، أو بقر، أو غنم، أو متاع، فيحول عليه الحول، فتموت الإبل و البقر و الغنم، و يحترق المتاع. قال (ع):

ليس عليه شي‌ء» «3».

و إطلاقه يقتضي نفي الضمان و لو مع التفريط، فيقيد بالإجماع.

أما القواعد الأولية فإنما تقتضي نفي الضمان مع عدم التفريط، لو بني على تعلقها بالعين بنحو الجزء المشاع. أما لو بني على كونه من قبيل تعلق الكلي في المعين، أو الفرد المردد، أو تعلق أرش الجناية فالقاعدة تقتضي الضمان، إلا أن يتلف الجميع. و لو بني على كونه من قبيل تعلق حق الرهان كان مقتضاها الضمان و لو تلف الجميع، لاشتغال الذمة به حينئذ كالدين.

______________________________
(1) الوسائل باب: 39 من أبواب مستحقي الزكاة حديث: 4.

(2) الوسائل باب: 39 من أبواب مستحقي الزكاة حديث: 5.

(3) الوسائل باب: 12 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 2.

101
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 11): إذا ارتد الرجل المسلم ؛ ج‌9، ص : 102

و إن كان بتفريط منه- و لو بالتأخير (1)، مع التمكن من الأداء- ضمن بالنسبة. نعم لو كان أزيد من النصاب، و تلف منه شي‌ء، مع بقاء النصاب على حاله لم ينقص من الزكاة شي‌ء، و كان التلف عليه بتمامه مطلقاً، على إشكال (2).

[ (مسألة 11): إذا ارتد الرجل المسلم]

(مسألة 11): إذا ارتد الرجل المسلم، فاما أن يكون عن ملة، أو عن فطرة. و على التقديرين، إما أن يكون في أثناء الحول أو بعده، فان كان بعده وجبت الزكاة (3)، سواء كان عن فطرة أو ملة. و لكن المتولي لإخراجها الإمام (ع)، أو نائبه (4). و إن كان في أثنائه، و كان عن فطرة و بالجملة: إذا تلف من النصاب شي‌ء من غير تفريط، فورود النقص على مقدار الزكاة و عدمه يختلف باختلاف المباني المتقدمة، و لا يطرد في الجميع على نسق واحد. فالبناء على ورود النقص على الزكاة مطلقاً لا بد أن يكون من جهة الإجماع الذي حكاه غير واحد. و إن كان ذكرهم للنصوص السابقة دليلا للحكم ربما يوهن الإجماع المذكور، و يمنع من الاعتماد عليه. فلاحظ.

قد عرفت الاشكال فيه، لعدم وضوح مأخذه، لما سبق: من اختصاص نصوص الضمان بالتأخير بصورة تلف ما تعين كونه زكاة. فتأمل.

ينشأ: من احتمال كون ثبوت النصاب في المجموع الزائد عليه من قبيل ثبوت الجزء المشاع. إذ عليه لا وجه لجعل التلف في الفرض من خصوص الزائد على النصاب لا غير، لأنه ترجيح بلا مرجح. لكن الاحتمال المذكور ضعيف، لظهور الأدلة في كون ثبوته من قبيل ثبوت الكلي في المعين. فلاحظ.

لأن الارتداد لا يقتضي سقوطها بوجه.

لما عرفت: من أنها عباده: تصح من الكافر. لكن في اقتضاء‌

102
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 11): إذا ارتد الرجل المسلم ؛ ج‌9، ص : 102

انقطع الحول، و لم تجب الزكاة، و استأنف الورثة الحول (1) لأن تركته تنتقل إلى ورثته. و إن كان عن ملة لم ينقطع (2) و وجبت بعد حول الحول. لكن المتولي الإمام (ع) أو نائبه إن لم يتب، و إن تاب قبل الإخراج أخرجها بنفسه. و أما لو أخرجها بنفسه قبل التوبة لم تجز عنه (3). إلا إذا كانت العين باقية في يد الفقير فجدد النية، أو كان الفقير القابض عالماً بالحال (4)، ذلك تولي الإمام أو نائبه تأمل، أو منع. إذ الإجماع على كونها عبادة لا يقتضي ذلك. و تولي الامام لا ينفع في تقرب الكافر، بعد البناء على تعذره. و لا سيما مع قهر الامام له على الدفع.

و بالجملة: الدفع و التعيين و إن كانا عبادة، كما تقدم في أوائل الكتاب لكن بعد تعذر الإتيان بهما على وجه العبادة من الكافر، فاما أن يكون تعذرهما موجباً لسقوط وجوبهما فلا كلام، و لا مجال لتولي الإمام أو نائبه.

و إن كان لا يوجب سقوط وجوبهما، كفى في سقوطه إيقاعهما و لو على غير وجه العبادة. و لا حاجة الى تولي الإمام، لأن الولاية إنما تكون في ظرف تعذر صدور الفعل من المولى عليه، و المفروض قدرته على الدفع أو التعيين غير العباديين، و إقدامه على ذلك. فاللازم البناء على صحة دفعها من الكافر بعنوان كونه أداء لمال المسلم، و إن لم يصح كونه عبادة و مقرباً له.

لو كان حصة كل منهم تبلغ النصاب.

لبقاء ماله على ملكه. كسائر الكفار.

قد عرفت إشكاله.

إذ لو كان جاهلا بكونه كافراً لا يصح منه الدفع، كان مغروراً‌

103
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 12): لو كان مالكا للنصاب لا أزيد ؛ ج‌9، ص : 104

فإنه يجوز له الاحتساب (1) عليه، لأنه مشغول الذمة بها، إذا قبضها مع العلم بالحال و أتلفها، أو تلفت في يده. و أما المرأة فلا ينقطع الحول بردتها مطلقا (2).

[ (مسألة 12): لو كان مالكاً للنصاب لا أزيد]

(مسألة 12): لو كان مالكاً للنصاب لا أزيد كأربعين شاة مثلا- فحال عليه أحوال، فإن أخرج زكاته كل سنة من غيره تكررت (3)، لعدم نقصانه حينئذ عن النصاب.

و لو أخرجها منه، أو لم يخرج أصلا لم تجب إلا زكاة سنة واحدة، لنقصانه حينئذ عنه (4). و لو كان عنده أزيد من النصاب- كأن كان عنده خمسون شاة- و حال عليه الأحوال لم يؤد زكاتها، وجب عليه الزكاة بمقدار ما مضى من السنين إلى أن ينقص عن النصاب. فلو مضى عشر سنين- في المثال المفروض- وجب عشرة. و لو مضى أحد عشر سنة وجب من قبله، فلو كان ضامناً لما له لكان قرار الضمان عليه، فلا أثر للضمان.

بلا حاجة إلى الحاكم، لانتفاء الولاية حينئذ، لو قيل بثبوتها، لأن المفروض كونه بعد التوبة. فما في بعض الحواشي: من كون الاحتساب بإذن الحاكم، مبني على حمل العبارة على جواز احتساب الفقير، و أنه قبل توبة المالك. لكنه خلاف ظاهر العبارة.

لأن ردتها لا توجب خروج مالها عن ملكها، بل يبقى على ملكها.

لكن مبدأ الحول الثاني من حين الدفع. لأنه زمان ملك النصاب تاماً. أما قبله فإنه يملكه ناقصاً، كما لو لم يدفع الزكاة إلى سنة أو سنين.

و هو ظاهر.

هذا بناء على التعلق بالعين، و لو بنحو تعلق الحق.

104
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 13): إذا حصل لمالك النصاب في الأنعام ملك جديد ؛ ج‌9، ص : 105

أحد عشر شاة، و بعده لا يجب عليه شي‌ء، لنقصانه عن الأربعين. و لو كان عنده ست و عشرون من الإبل، و مضى عليه سنتان، وجب عليه بنت مخاض للسنة الأولى، و خمس شياه (1) للثانية. و إن مضى ثلاث سنوات وجب للثالثة أيضاً أربع شياه (2). و هكذا .. إلى أن ينقص من خمسة فلا تجب.

[ (مسألة 13): إذا حصل لمالك النصاب في الأنعام ملك جديد]

(مسألة 13): إذا حصل لمالك النصاب في الأنعام ملك جديد، إما بالنتاج، و إما بالشراء، أو الإرث، أو نحوها. فان كان بعد تمام الحول (3) السابق، قبل الدخول في اللاحق فلا إشكال في ابتداء الحول للمجموع، إن كمل بها النصاب اللاحق (4). و أما إن كان في أثناء الحول، فاما أن يكون ما حصل بالملك الجديد بمقدار العفو، و لم يكن نصاباً مستقلا، و لا مكملا لنصاب آخر، و إما أن يكون نصاباً مستقلا، و إما أن يكون مكملا للنصاب.

أما في القسم الأول فلا شي‌ء عليه، كما لو كان له هذا لأنه بتعلق بنت المخاض ينقص عن الست و العشرين. لكن وجوب الخمس شياه موقوف على كون قيمة بنت المخاض لا تزيد على الواحدة.

هذا إذا كانت بنت المخاض و أربع شياه أكثر من قيمة الواحدة منها. و إلا وجب عليه خمس شياه في الثانية، لأنه ملك في السنة الثالثة خمساً و عشرين تامة.

التعبير بالبعدية و القبلية غير مناسب، لاتصال الحولين، فكان الأنسب: التعبير بمقارنة الملك لابتداء الحول الثاني.

كما لو ملك أربعين شاة، و عند انتهاء حولها ملك اثنتين و ثمانين‌

105
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 13): إذا حصل لمالك النصاب في الأنعام ملك جديد ؛ ج‌9، ص : 105

المقدار ابتداء. و ذلك: كما لو كان عنده من الإبل خمسة، فحصل له في أثناء الحول أربعة أخرى. أو كان عنده أربعون شاة، ثمَّ حصل له أربعون (1) في أثناء الحول.

و أما في القسم الثاني فلا يضم الجديد إلى السابق (2)، بل يعتبر لكل منهما حول بانفراده، كما لو كان عنده خمس من الإبل، ثمَّ بعد ستة أشهر ملك خمسة أخرى، فبعد تمام السنة الأولى يخرج شاة، و بعد تمام السنة- للخمسة الجديدة شاة، أو ملك خمساً من الإبل، و عند انتهاء حولها ملك خمسة أخرى، فيخرج شاة واحدة في الحول الأول، و شاتين في الحول الثاني.

فإن الأربعين الثانية لما لم تكن موضوعاً للزكاة في حال الانضمام لم يترتب على ملكها في هذا الحال أثر. نعم عن المعتبر: احتمال وجوب الشاة لها عند تمام حولها، و عن الدروس: أن له وجهاً،

لقوله (ع): «في كل أربعين شاة شاة».

و لأنه نصاب كامل وجبت فيه الزكاة مع الانفراد، فكذا مع الانضمام.

و استشكل عليه في الجواهر و غيرها: بأن المراد من الخبر النصاب المبتدأ، و العموم فيه بلحاظ المالك أو الأحوال، لا الأفراد. و لذا لا يجب على من ملك ثمانين شاتان إجماعاً. و دعوى: أن خروج ذلك بالإجماع لا يقتضي خروج المقام. فيها: أن الإجماع كاشف عن المراد من الخبر. و لا سيما بعد قوله (ع) في بعض الصحاح: «ليس في الغنم بعد الأربعين شي‌ء حتى تبلغ مائة و إحدى و عشرين» «1». و من ذلك يظهر ما في قوله (ره):

«و لأنه نصاب كامل».

بلا خلاف أجده. بل الإجماع في محكي الخلاف و المنتهى و الانتصار‌

______________________________
(1) هذا نقل بالمعنى لما تقدم من النصوص في النصاب الأول من نصب الغنم.

106
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 13): إذا حصل لمالك النصاب في الأنعام ملك جديد ؛ ج‌9، ص : 105

أيضاً- يخرج شاة. و هكذا ..

و أما في القسم الثالث فيستأنف حولا واحداً (1)، بعد و غيرها عليه، كذا في الجواهر. و يقتضيه الأخذ بإطلاق دليل الزكاة بالنسبة إلى كل منهما، من دون مانع عنه.

كما استوجهه في الجواهر، و حكاه عن الفخر و الشهيدين و أبي العباس و المقداد و الكركي و الصيمري و سيد المدارك و الخراساني و الفاضل البهبهاني و أستاذه في كشفه و المولى في الرياض و المحدث البحراني. و علله:

بوجوب إخراج زكاة الأول عند تمام حوله، لوجود المقتضي- و هو اندراجه في الأدلة- و انتفاء المانع. و متى وجب إخراج زكاته منفرداً امتنع اعتباره منضماً إلى غيره في ذلك الحول، لقوله (ع): «لا ثنيا في صدقة» «1»، و‌

قوله (ع): «لا يزكى المال من وجهين في عام واحد» «2»

و لظهور أدلة النصاب المتأخر في غير المفروض.

و قد يشكل ما ذكره: بأن تطبيق الدليل بالإضافة إلى الملك الأول، عند انتهاء حوله، ينافيه تطبيقه بالإضافة إلى المجموع عند انتهاء حول الضميمة، بتوسط ما ذكره من قوله (ع): «لا ثنيا في صدقة» و نحوه.

و مع هذا التنافي لا وجه لترجيح الأول على الثاني، لعدم المرجح. و مجرد التقدم في الزمان ليس من المرجحات، لأن نسبة الدليل إلى كل من الفردين نسبة واحدة، و لا تقصر إحداهما عن الأخرى، و لا يرفع تطبيقه بالإضافة إلى أحدهما تطبيقه بالإضافة إلى الآخر، إذ لا ورود و لا حكومة بين التطبيقين و كما يلزم من الأخذ بالتطبيق الثاني إلغاء التطبيق الأول، كذلك يلزم من‌

______________________________
(1) لم نعثر على هذا النص في مظانه. نعم في مستدرك الوسائل باب: 12 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 2: «و نهى أن يثنى عليهم في عام مرتين».

(2) الوسائل باب: 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة حديث: 1.

107
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 13): إذا حصل لمالك النصاب في الأنعام ملك جديد ؛ ج‌9، ص : 105

.....

الأخذ بالتطبيق الأول إلغاء التطبيق الثاني.

هذا لو لم يحرز المقتضي في كل منهما، و كان المقام من باب التعارض أما لو أحرز فكان المقام من باب التزاحم فالمحقق في محله أيضاً التخيير في العمل بين المقتضيين، مع تساويهما في الاهتمام، و مع الاختلاف يعمل على مقتضى الأهم. و السبق الزماني لا أثر له في الترجيح، و إن كان مختار جماعة من المحققين ذلك. لكنه غير واضح. و من ذلك يظهر الاشكال فيما في المنتهى: من سقوط اعتبار النصاب الأول عند ملك الزائد، بل يكون المجموع نصاباً واحداً، و ابتداء حوله من حين ملك الزائد.

اللهم إلا أن يقال: النصاب الأول عند انتهاء حوله ليس موضوعاً للزكاة، لأن الأربعين إنما تكون موضوعاً في ظرف الانفراد، لا مع ملك الضميمة التي تكون بها نصاباً ثانياً. و إذ لم تكن موضوعاً، لا تجب فيه الزكاة، و تجب عند انتهاء حول الضميمة، لأن المجموع موضوع لها حال عليه الحول.

فان قلت: الأربعون من الغنم إنما لا تكون موضوعاً للزكاة إذا كانت الضميمة المكملة للنصاب الثاني قد حال عليها الحول، لا إذا لم يحل عليها الحول. قلت: حولان الحول مأخوذ شرطاً زائداً على ذات الموضوع، و هو إما الأربعون إذا انفردت، أو المائة و احدى و عشرون إن لم تنفرد، و المفروض في المقام الانضمام، لا الانفراد.

لكن لو تمَّ ذلك لزم عدم وجوب الزكاة فيه لو تلف بعضه، أو خرج عن ملكه قبل تمام الحول، و أنه لو ملك ما يكمل النصاب اللاحق الثالث في أثناء حوله أن لا تجب فيه الزكاة. و هكذا .. و الالتزام بذلك بعيد، بل ممتنع.

و التحقيق: أن المعارضة بين الدليلين، أو المزاحمة بين المقتضيين‌

108
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 13): إذا حصل لمالك النصاب في الأنعام ملك جديد ؛ ج‌9، ص : 105

.....

تتوقف على تباين الحول بالإضافة إلى النصابين، و المفروض عدمه. مثلا:

إذا ملك أربعين شاة في أول محرم، ثمَّ إحدى و ثمانين في أول رجب، ففي محرم الثاني يصدق حولان الحول بالإضافة إلى الأربعين، و في أول رجب يصدق حولان الحول على النصاب الثاني. لكن الحولين يشتركان في ستة أشهر، و مع هذا الاشتراك يكون المدار عرفاً في التطبيق أو التأثير هو السابق لا غير، فان كل نصاب يحول عليه الحول يمكن تطبيق ذلك عليه في كل شهر بعد الحول، بل في كل ساعة، و لا يتوهم التعارض أو التزاحم بين هذه التطبيقات. و عليه فلا مجال لتطبيق دليل الوجوب بالإضافة إلى النصاب الثاني، عند انتهاء حوله. نعم بالنسبة إلى الضميمة يصدق حولان حول جديد، لكنها ليست نصاباً مستقلا لتجب الزكاة فيها، فاذا انتهى الحول الثاني للنصاب الأول- و هو أول محرم الثالث في الفرض المذكور- كان تطبيق دليل النصاب الثاني في محله بلا مزاحم فاذاً المتعين البناء على ما في المتن. و منه يظهر ضعف ما في المنتهى، مضافا إلى ما عرفت. و كأنه إلى ذلك أشار في الجواهر بقوله (ره): «و لظهور أدلة النصاب المتأخر ..».

و من ذلك يظهر لك الاشكال فيما عن القواعد: من وجوب فريضة النصاب الأول بحلول حوله، و وجوب جزء من فريضة النصاب الثاني عند حلول حوله أيضاً. فإذا تمَّ الحول الثاني للنصاب الأول أكمل فريضة النصاب الثاني. و هكذا .. مثلا: إذا ملك ثلاثاً و عشرين من الإبل في أول محرم، و ملك ثلاثا أخرى في أول رجب. ففي أول محرم الثاني يجب عليه أربع شياه فريضة العشرين، و في أول رجب الثاني بحب عليه ستة أجزاء من ستة و عشرين جزءاً من بنت مخاض، و في أول المحرم الثالث يجب عليه عشرون جزءاً من ستة و عشرين جزءاً من بنت مخاض. و هكذا.

109
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 13): إذا حصل لمالك النصاب في الأنعام ملك جديد ؛ ج‌9، ص : 105

انتهاء الحول الأول، و ليس على الملك الجديد في بقية الحول الأول شي‌ء. و ذلك كما إذا كان عنده ثلاثون من البقر، فملك في أثناء حولها أحد عشر، أو كان عنده ثمانون من الغنم، فملك في أثناء حولها اثنتين و أربعين. و يلحق بهذا القسم- على الأقوى- (1) و وجه ضعفه ظاهر مما عرفت. مضافاً إلى أنه لا دليل على هذا التوزيع، بل الأدلة تنفيه. إذ الستة الزائدة على العشرين إنما توجب ستة أجزاء من ستة و عشرين جزءاً من بنت مخاض إذا حال عليها الحول منضمة إلى عشرين، لا ما إذا حال عليها الحول بنفسها. و الا اقتضت شاة واحدة لا غير. و بالجملة: اقتضاء أجزاء النصاب لأجزاء الفريضة ارتباطي لا استقلالي.

و أضعف منها وجوب فريضة النصاب الأول عند حلول حوله، و وجوب فريضة النصاب الثاني كذلك. ففي المثال يجب في أول محرم الثاني أربع شياه، و في أول رجب الثاني بنت مخاض. و هكذا .. فإنه- مع مخالفته لما عرفت- طرح لما دل على أنه لا يزكى المال الواحد من وجهين في عام واحد، من غير وجه ظاهر.

لما تقدم في القسم السابق. و فيه: أنه مخالف لما دل على وجوب الفريضة في النصاب الموجود في الضميمة إذا حال عليه الحول. مثلا:

إذا ملك عشرين من الإبل في أول محرم، و في أول رجب ملك سبعاً، فاذا جاء المحرم الثاني وجب عليه أربع شياه للعشرين، فاذا جاء رجب الثاني يصدق: أنه ملك خمساً من الإبل قد حال عليها الحول عنده، فتجب فيها شاة أيضاً. فالبناء على عدم وجوب شي‌ء عليه في رجب- لأن مبدأ حول الست و العشرين من أول محرم الثاني، فينتظر في وجوب بنت مخاض عليه محرم الثالث- إلغاء لعموم وجوب شاة في كل خمس من الإبل حال عليها الحول، من غير وجه.

110
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 14): لو أصدق زوجته نصابا ؛ ج‌9، ص : 111

ما لو كان الملك الجديد نصاباً مستقلا، و مكملا للنصاب اللاحق، كما لو كان عنده من الإبل عشرون، فملك في الأثناء ستة أخرى، أو كان عنده خمسة، ثمَّ ملك أحد و عشرين.

و يحتمل إلحاقه بالقسم الثاني.

[ (مسألة 14): لو أصدق زوجته نصاباً]

(مسألة 14): لو أصدق زوجته نصاباً، و حال عليه الحول وجب عليه الزكاة (1). و لو طلقها بعد الحول قبل و بذلك يفترق هذا القسم عما قبله، و يتعين إلحاقه بالقسم الثاني، كما اختاره في الجواهر قائلا: «إنه مقتضى إطلاق الأصحاب: أن لها حولا بانفرادها إذا كانت نصاباً مستقلا ..». و من العجيب أنه لم يذكر ما في المتن من جملة المحتملات و ذكر غيره، مثل: احتمال أن يسقط حكم العشرين من حين ملك الست، فلا يجب حينئذ إلا بنت مخاض إذا حال حول السبع، و مثل: أن يكون الواجب أولا في العشرين أربع شياه، و في السبع ستة أجزاء من ستة و عشرين جزءاً من بنت مخاض، ثمَّ يجب في المجموع بنت مخاض، و لكن بالتوزيع، بأن يكون إذا كمل حول العشرين وجب عشرون جزءاً من بنت مخاض، و إذا تمَّ حول السبع وجب ستة أجزاء منها، و مثل: أن يكون الواجب- إذا تمَّ حول العشرين- أربع شياه، ثمَّ إذا تمَّ حول الست بنت مخاض. إلا ما وقع بإزائه من الأربع شياه، في الجزء من الحول الذي ملك فيه الثاني.

هذا و قد عرفت ضعف الاحتمال الأول منها: بأن في إلغاء حكم العشرين إلى حين ملك الضميمة إلغاء لدليل وجوب الفريضة فيها إذا حال الحول. كما عرفت ضعف التوزيع- بنحويه- بعدم مساعدة دليل عليه، بل هو خروج عنه.

بلا خلاف و لا إشكال فيه، كما في الجواهر. لإطلاق الأدلة.

111
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 14): لو أصدق زوجته نصابا ؛ ج‌9، ص : 111

الدخول رجع نصفه إلى الزوج (1)، و وجب عليها زكاة و مجرد كونه في معرض رجوعه إلى الزوج بالطلاق غير مانع عن الوجوب لعدم الدليل عليه، فينفيه إطلاق أدلة الوجوب.

يعني: نصف تمام المهر، بحيث يكون له مقاسمتها فيأخذ نصفاً تاماً منه، لأن دليل تملكه للنصف التام بالطلاق لا ينافي دليل وجوب الزكاة و لو قيل بتعلقها بالعين على نحو تعلق الجزء المشاع، فلا مانع من الأخذ بكل منهما، فيكون للزوج نصف التمام، و للفقراء جزء من أربعين جزءاً مثلا، و الباقي يكون لها.

هذا، و عن المبسوط: أن له من العين نصف ما عدا مقدار الفريضة و تضمن له نصف مقدارها، كما لو طلقها بعد الإخراج. و عن البيان و الدروس و المسالك و المدارك: احتماله. و ضعفه ظاهر مما ذكرنا. كوضوح الفرق بين الطلاق بعد الإخراج و قبله، إذ الطلاق بعد الإخراج لما كان مقتضياً لملك نصف التمام- الذي بعضه تألف بالإخراج- يكون مقتضياً لملك نصف الباقي و نصف التالف. و لما كان نصف التالف مضموناً بمثله أو قيمته يكون الزوج بالطلاق مالكاً لنصف الموجود و نصف قيمة التالف أو مثله، فليس له المطالبة بنصف التمام من الموجود.

و أما إذا كان الطلاق قبل الإخراج فالوجوب نفسه لما لم يوجب تلف جزء معين لم يكن مزاحماً للطلاق الموجب لملك نصف التمام، فأمكن الجمع بينهما، بالبناء على ملك الزوج نصف التمام من العين، و على ملك الفقراء مقدار الفريضة، و على ملك الزوجة المقدار الباقي. و يكون المقام نظير:

ما لو باع مالك العين نصفها على زيد، ثمَّ باع ربعها على عمرو، ثمَّ باع ثمنها على بكر، فان ذلك يوجب ملك زيد تمام العين و ملك عمرو ربعه و ملك بكر ثمنه، و الثمن الزائد يبقى للمالك. فلزيد المطالبة بنصفه من‌

112
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 14): لو أصدق زوجته نصابا ؛ ج‌9، ص : 111

المجموع في نصفها. و لو تلف نصفها (1) يجب إخراج الزكاة من النصف الذي رجع الى الزوج (2)، و يرجع بعد الإخراج عليها بمقدار الزكاة. هذا إن كان التلف بتفريط منها. و أما تمام العين، و لعمرو المطالبة بربعه منه، و لبكر المطالبة بثمنه منه، كما للمالك أيضاً المطالبة بثمنه. و الوجه في ذلك: أن العين لما كانت تجمع الكسور المذكورة، و لم يكن بينها تضاد فيها لم يكن وجه لورود نقص على أحدها بطروء الآخر، كما في سهام الفريضة عند عدم العول.

يعني: بعد القسمة مع الزوج. إذ لا يمكن ورود التلف على نصفها دون نصف الزوج إلا بذلك. ثمَّ إنه- بناء على مذهب المصنف (ره) من كون تعلق الزكاة بالعين من قبيل الكلي في المعين- لا مانع من هذه القسمة قبل إخراج الزكاة، لعدم منافاتها له.

و بالجملة: إذا قلنا بصحة التصرف غير المنافي فالقسمة منه، و تتعين الزكاة في نصف الزوجة.

الظاهر أن المراد تعلق الزكاة بالنصف الذي عين للزوج بالقسمة لا وجوب الإخراج تكليفاً منه. إذ قد عرفت جواز الإخراج من غير العين، بل من غير الجنس بالقيمة. و سيجي‌ء أيضاً في المسألة الأخيرة.

ثمَّ إن تعلق تمام الزكاة بنصف الزوج- بعد تلف النصف الراجع للزوجة- لا يناسب ما سبق: من صحة القسمة لأنه بعد القسمة تكون الزكاة في نصف الزوجة فإذا تلف فقد تلفت الزكاة، و ينتقل إلا بدلها، لا أنها تنتقل إلى نصف الزوج. اللهم إلا أن نقول: صحة التصرف المذكور مراعى بأداء الزكاة، فما لم تؤد الزكاة لا يصح التصرف. لكن على هذا فرض صحة القسمة، و كون التالف نصف الزوجة غير ظاهر. ثمَّ إنه لو بني على تعلقها بنصف الزوج فليس له إلزام الزوجة بإخراج الزكاة من غير نصفه، إذ لا دليل‌

113
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 15): إذا قال رب المال:«لم يحل على مالي الحول» يسمع منه ؛ ج‌9، ص : 114

إن تلف عندها بلا تفريط، فيخرج نصف الزكاة (1) من النصف الذي عند الزوج، لعدم ضمان الزوجة حينئذ، لعدم تفريطها. نعم يرجع الزوج حينئذ أيضاً عليها بمقدار ما أخرج.

[ (مسألة 15): إذا قال رب المال: «لم يحل على مالي الحول» يسمع منه]

(مسألة 15): إذا قال رب المال: «لم يحل على مالي الحول» يسمع منه، بلا بينة، و لا يمين (2). و كذا لو ادعى الإخراج، أو قال: «تلف مني ما أوجب النقص عن النصاب».

[ (مسألة 16): إذا اشترى نصاباً، و كان للبائع الخيار]

(مسألة 16): إذا اشترى نصاباً، و كان للبائع الخيار فان فسخ قبل تمام الحول فلا شي‌ء على المشتري، و يكون على سلطنته عليها في ذلك، بل لا وجه له بعد كون ذلك من توابع الحق الثابت في نصفه.

الكلام فيه كما في الصورة السابقة. و الفرق بينهما في تنصيف الزكاة بالتلف في الثاني، و عدمه في الأول.

بلا خلاف فيه ظاهر. و يشهد له‌

مصحح بريد بن معاوية: «سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول: بعث أمير المؤمنين (ع) مصدقاً

.. (إلى أن قال):

ثمَّ قل لهم: يا عباد اللّه، أرسلني إليكم وليّ اللّه، لآخذ منكم حق اللّه تعالى في أموالكم، فهل للّه في أموالكم من حق فتؤدوه إلى وليه، فان قال لك قائل لا فلا تراجعه» «1».

و‌

في خبر غياث بن إبراهيم: «فإن ولى عنك فلا تراجعه» «2».

و إطلاقهما يقتضي شمول الصورة المذكورة و غيرها من صور دعوى فقد الشرط.

______________________________
(1) الوسائل باب: 14 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 14 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 5.

114
مستمسک العروة الوثقى9

فصل في زكاة النقدين ؛ ج‌9، ص : 115

 

ابتداء الحول بالنسبة إلى البائع من حين الفسخ (1). و إن فسخ بعد تمام الحول عند المشتري وجب عليه الزكاة (2).

و حينئذ فإن كان الفسخ بعد الإخراج من العين ضمن للبائع (3) قيمة ما أخرج، و إن أخرجها من مال آخر أخذ البائع تمام العين. و إن كان قبل الإخراج فللمشتري أن يخرجها من العين (4) و يغرم للبائع ما أخرج، و أن يخرجها من مال آخر، و يرجع العين بتمامها إلى البائع.

[فصل في زكاة النقدين]

فصل في زكاة النقدين و هما: الذهب، و الفضة.

[و يشترط في وجوب الزكاة فيهما- مضافاً إلى ما مر من الشرائط العامة- أمور]

و يشترط في وجوب الزكاة فيهما- مضافاً إلى ما مر من الشرائط العامة- أمور:

[الأول: النصاب]

الأول: النصاب (5)، ففي الذهب نصابان: لأنه زمان ملك البائع.

على ما تقدم في المسألة السادسة من مسائل مبحث الشرائط العامة.

لأن المبيع مضمون للبائع على المشتري بضمان المعاوضة كالثمن.

لعدم الدليل على سلطنة البائع في إسقاط الحق الثابت، و إلزامه بإخراجها من مال آخر.

فصل في زكاة النقدين بلا خلاف و لا إشكال، كما ادعاه غير واحد، بل عن بعض:

أنه لا خلاف فيه بين المسلمين، و عن آخر: أنه ضروري. و يشهد له‌

 

115
مستمسک العروة الوثقى9

الأول: النصاب ؛ ج‌9، ص : 115

الأول: عشرون دينارا (1)، و فيه نصف دينار.

النصوص، التي يأتي بعضها.

فلا تجب فيما دونها بلا كلام. و عن جمع: نفي الخلاف فيه، و عن آخرين: الإجماع عليه. و يشهد له النصوص الآتية. و تجب الزكاة فيه إذا بلغها على المشهور شهرة عظيمة، بل عن جملة من الكتب: الإجماع عليه، منها السرائر و التذكرة و المنتهى. و يشهد له‌

صحيح الحسين بن بشار عن أبي الحسن (ع): «قال: في الذهب في كل عشرين ديناراً نصف دينار، فان نقص فلا زكاة فيه» «1»

، و‌

موثق سماعة عن أبي عبد اللّه (ع):

«قال: و من الذهب من كل عشرين ديناراً نصف دينار، و إن نقص فليس عليك شي‌ء» «2»

، و‌

موثق علي بن عقبة و عدة من أصحابنا عن أبي جعفر (ع) و أبي عبد اللّه (ع) أنهما قالا: «ليس فيما دون العشرين مثقالا من الذهب شي‌ء، فإذا كملت عشرين مثقالا ففيها نصف مثقال، إلى أربعة و عشرين ففيها ثلاثة أخماس دينار، إلى ثمانية و عشرين، فعلى هذا الحساب كلما زاد أربعة» «3».

و نحوها غيرها.

و نسب إلى ابني بابويه في الرسالة و المقنع- بل إلى جمع من أصحاب الحديث، أو إلى جمع من أصحابنا-: أن النصاب الأول أربعون، و فيها دينار. و يشهد له‌

موثق محمد و أبي بصير و بريد و الفضيل عن أبي جعفر (ع) و أبي عبد الله (ع): قالا: «في الذهب في كل أربعين مثقالا مثقال

.. (إلى أن قال):

و ليس في أقل من أربعين مثقالا شي‌ء» «4»

، و صحيح‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 1 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 3.

(2) الوسائل باب: 1 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 4.

(3) الوسائل باب: 1 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 5.

(4) الوسائل باب: 1 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 13.

116
مستمسک العروة الوثقى9

الأول: النصاب ؛ ج‌9، ص : 115

و الدينار مثقال شرعي، و هو ثلاثة أرباع الصيرفي (1). فعلى هذا النصاب الأول- بالمثقال الصيرفي-: خمسة عشر مثقالا و زكاته ربع مثقال و ثمنه.

و الثاني: أربعة دنانير (2)،

زرارة: «قلت لأبي عبد اللّه (ع): رجل عنده مائة درهم، و تسعة و تسعون درهماً، و تسعة و ثلاثون دينارا، أ يزكيها؟ فقال (ع): لا، ليس عليه شي‌ء من الزكاة في الدراهم، و لا في الدنانير حتى يتم أربعون ديناراً و الدراهم مائتي درهم» «1».

هذا و الجمع العرفي و ان كان يقتضي الأخذ بظاهرهما، و حمل ما سبق على الاستحباب. إلا أنه لا مجال له بعد إعراض الأصحاب عنهما، فلا بد من طرحهما، و إيكال العلم بهما إلى أهله. أو حملهما على بعض المحامل- كما صنعه غير واحد من الأصحاب- و إن بعد.

أما أنه مثقال شرعي فتشهد به ملاحظة النصوص، حيث اشتملت على التعبير بالدينار مرة، و بالمثقال أخرى. و أما أن المثقال الشرعي ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي، فقد نسبه في المستند إلى جماعة، منهم صاحب الوافي، و المحدث المجلسي في رسالته في الأوزان، نافياً عنه الشك، و والده في حلية المتقين، و ابن الأثير في نهايته، حيث قال: «المثقال يطلق في العرف على الدينار خاصة، و هو الذهب الصنمي عن ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي ..». لكن تقدم في كتاب الطهارة: وزن الدينار الذي عثرنا عليه. و لأجل ذلك يشكل ما ذكروه، و لا يتسع المقام لتحقيق ذلك في هذه العجالة.

إجماعاً، حكاه جماعة كثيرة، و عن المختلف و التنقيح: نسبة‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 1 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 14.

117
مستمسک العروة الوثقى9

الأول: النصاب ؛ ج‌9، ص : 115

و هي ثلاثة مثاقيل (1) صيرفية. و فيه: ربع العشر، أي من أربعين واحد، فيكون فيه قيراطان. إذ كل دينار عشرون قيراطاً (2). ثمَّ إذا زاد أربعة فكذلك (3). و ليس قبل أن يبلغ عشرين ديناراً شي‌ء (4). كما أنه ليس بعد العشرين- قبل أن يزيد أربعة- شي‌ء. و كذلك ليس بعد هذه الأربعة شي‌ء. إلا إذا زاد أربعة أخرى. و هكذا ..

و الحاصل: أن في العشرين ديناراً ربع العشر، و هو نصف دينار. و كذا في الزائد إلى أن يبلغ أربعة و عشرين، و فيها ربع عشره، و هو نصف دينار و قيراطان. و كذا في الخلاف هنا إلى علي بن بابويه، فجعل النصاب الثاني أربعين مثقالا.

و المعروف عندهم: أن خلافه إنما هو في النصاب الأول، كما يقتضيه أيضاً الصحيحان المتقدمان، المستدل بهما على مذهبه. و كيف كان فالنصوص وافية بإثبات المذهب المشهور. و إن ثبت خلاف ابن بابويه هنا فلا دليل له ظاهر. فراجع.

تقدم وجهه.

حكي عليه الاتفاق. و قال في محكي النهاية الأثيرية: «القيراط جزء من أجزاء الدينار، و هو نصف عشرة في أكثر البلاد. و أهل الشام يجعلونه جزء من أربعة و عشرين».

بلا خلاف و لا إشكال. و النصوص به صريحة، التي منها موثق علي بن عقبة المتقدم «1».

تقدم: نقل الإجماع، و دلالة النصوص عليه. و كذا ما بعده.

______________________________
(1) لاحظ النصاب الأول من نصابي الذهب.

118
مستمسک العروة الوثقى9

الأول: النصاب ؛ ج‌9، ص : 115

الزائد إلى أن يبلغ ثمانية و عشرين، و فيها نصف دينار، و أربع قيراطات. و هكذا .. و على هذا فإذا أخرج- بعد البلوغ إلى عشرين فما زاد- من كل أربعين واحداً فقد أدى ما عليه و في بعض الأوقات (1) زاد على ما عليه بقليل، فلا بأس باختيار هذا الوجه من جهة السهولة. و في الفضة أيضاً نصابان:

الأول: مائتا درهم، و فيها خمسة دراهم (2).

و ذلك إذا زاد على النصاب السابق، و لم يبلغ النصاب اللاحق.

بلا خلاف و لا إشكال، كما عن جماعة كثيرة، بل عن جماعة:

دعوى الإجماع عليه، و عن آخرين: دعوى إجماع المسلمين عليه. و تشهد له النصوص، منها:

صحيح الحسين بن بشار: «سألت أبا الحسن (ع):

في كم وضع رسول اللّه (ص) الزكاة؟ فقال (ع): في كل مائتي درهم خمسة دراهم، و إن نقصت فلا زكاة فيها» «1»

، و‌

موثق سماعة عن أبي عبد اللّه (ع): «في كل مائتي درهم خمسة دراهم من الفضة، و إن نقصت فليس عليك زكاة» «2»

، و‌

موثق الفضلاء عن أبي جعفر (ع) و أبي عبد اللّه (ع) قالا: «في الورق في كل مائتين خمسة دراهم، و لا في أقل من مائتي درهم شي‌ء، و ليس في النيف شي‌ء، حتى يتم أربعون، فيكون فيه واحد» «3»

، و‌

موثق زرارة و بكير ابني أعين، أنهما سمعا أبا جعفر (ع) يقول في الزكاة: «ليس في أقل من مائتي درهم شي‌ء، فإذا بلغ مائتي درهم ففيها خمسة دراهم، فما زاد فبحساب ذلك. و ليس في مائتي درهم و أربعين درهماً غير درهم. إلا خمسة دراهم، فاذا بلغت أربعين و مائتي

______________________________
(1) الوسائل باب: 2 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 3.

(2) الوسائل باب: 2 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 4.

(3) الوسائل باب: 2 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 7.

119
مستمسک العروة الوثقى9

الثاني: أن يكونا مسكوكين بسكة المعاملة ؛ ج‌9، ص : 120

الثاني: أربعون درهماً، و فيها درهم (1). و الدرهم نصف المثقال الصيرفي و ربع عشره (2). و على هذا فالنصاب الأول مائة و خمسة مثاقيل صيرفية، و الثاني أحد و عشرون مثقالا و ليس فيما قبل النصاب الأول، و لا فيما بين النصابين شي‌ء على ما مر. و في الفضة أيضاً- بعد بلوغ النصاب- إذا أخرج من كل أربعين واحداً فقد أدى ما عليه، و قد يكون زاد خيراً قليلا.

[الثاني: أن يكونا مسكوكين بسكة المعاملة]

الثاني: أن يكونا مسكوكين (3) بسكة المعاملة، سواء

درهم ففيها ستة دراهم، فاذا بلغت ثمانين و مائتين درهم ففيها سبعة دراهم و ما زاد فعلى هذا الحساب. و كذلك الذهب» «1»

.. إلى غير ذلك.

بلا خلاف و لا إشكال. و الإجماع- صريحاً و ظاهراً- منقول عليه، كما فيما قبله. و النصوص المتقدمة بعضها دالة عليه.

لا إشكال عندهم في أن الدرهم سبعة أعشار المثقال الشرعي، و أن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل شرعية، كما نقله جماعة كثيرة، و عن ظاهر الخلاف: دعوى إجماع الأمة عليه، و عن رسالة المجلسي: أنه مما لا شك فيه، و مما اتفقت عليه العامة و الخاصة. فإذا كان المثقال الشرعي ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي، يكون الدرهم نصف المثقال الصيرفي و ربع عشره. مثلا: إذا كان المثقال الصيرفي أربعين جزءاً كان المثقال الشرعي ثلاثين جزءاً منها، فاذا نقص منها ثلاثة أعشارها- و هو تسعة- كان الواحد و العشرون منها درهماً، و هو نصف الأربعين، و ربع عشرها.

إجماعاً حكاه جماعة كثيرة. و يشهد له‌

صحيح علي بن يقطين عن أبي إبراهيم (ع): «قلت له: إنه يجتمع عندي الشي‌ء الكثير قيمته،

______________________________
(1) الوسائل باب: 2 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 10.

120
مستمسک العروة الوثقى9

الثاني: أن يكونا مسكوكين بسكة المعاملة ؛ ج‌9، ص : 120

كان بسكة الإسلام (1) أو الكفر، بكتابة أو غيرها، بقيت سكتها أو صارا ممسوحين بالعارض (2). و أما إذا كانا ممسوحين

فيبقي نحواً من سنة، أ نزكيه؟ قال (ع): كل ما لم يحل عليه الحول فليس فيه عليك زكاة، و كل ما لم يكن ركازاً فليس عليك فيه شي‌ء. قلت:

و ما الركاز؟ قال (ع): الصامت المنقوش. ثمَّ قال (ع): إذا أردت ذلك فاسبكه، فإنه ليس في سبائك الذهب و نقار الفضة زكاة» «1».

قال في القاموس: «الصامت من المال: الذهب و الفضة زكاة». و عن غير واحد: «أن المراد من المنقوش المسكوك». و يقتضيه‌

مرسل جميل: «ليس في التبر زكاة. إنما هي على الدنانير و الدراهم» «2».

و نحوه خبر الآخر «3».

و الضعف بإرسال الأول، و اشتمال الثاني على جعفر بن محمد بن حكيم لا يهم، بعد اعتماد الأصحاب. فتأمل. و يعضدها: النصوص المتضمنة نفي الزكاة في التبر، و نقار الفضة، و السبائك، و الحلي «4». فإنها مانعة من حمل المنقوش على مطلق المنقوش- بالمعنى اللغوي- لكثرة وجود النقش في السبائك و الحلي، فيتعين الحمل على المنقوش المعهود، أعني: خصوص المسكوك.

كل ذلك لإطلاق الأدلة، مع عدم ظهور الخلاف.

هذا يتم لو لم يقدح المسح في صدق الدينار و الدرهم. و كأن المراد من المنقوش- في صحيح ابن يقطين- مطلق المسكوك. و كأنه للإشكال‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 8 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 8 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 3.

(3) الوسائل باب: 8 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 5.

(4) لاحظ الوسائل باب: 8، 9، 10، 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضة و يأتي ذكر الكثير منها في المسألة: 1 من هذا الفصل.

121
مستمسک العروة الوثقى9

الثاني: أن يكونا مسكوكين بسكة المعاملة ؛ ج‌9، ص : 120

بالأصالة فلا تجب فيهما (1). إلا إذا تعومل بهما فتجب على في ذلك منع في الروضة- على ما حكي- من ثبوت الزكاة في الممسوح.

لكن الظاهر تمامية المقدمتين معاً.

كما صرح به جماعة كثيرة، منهم الشرائع و الإرشاد، و صريح المدارك و ظاهر الذخيرة: الإجماع عليه. و عن غير واحد: التصريح بعموم النفي لصورة جريان المعاملة به. و وجهه: التقييد بالمنقوش في الصحيح.

لكن قد عرفت: أن المراد منه المسكوك و إن لم يكن منقوشاً.

نعم إذا لم يتعامل بها لم تجب الزكاة، لعدم كونها دراهم أو دنانير و يشير إلى ذلك خبر علي بن يقطين الوارد فيما سبك فراراً من الزكاة،

قال (ع): «ألا ترى أن المنفعة قد ذهبت فلذلك لا تجب الزكاة» «1»

فإن الظاهر من المنفعة الغرض المقصود، من اقتناء الدراهم و الدنانير.

و مقتضى الأخير عدم وجوب الزكاة إذا هجرت و لم يتعامل بها. لكن المصرح به في كلام جماعة الوجوب، بل في الجواهر: «لم أر فيه خلافاً، للاستصحاب، و الإطلاق، و غيرهما». لكن الاستصحاب الحكمي تعليقي تشكل حجيته. و الإطلاق لا يبعد انصرافه إلى صورة التعامل، لو سلم صدقه مع هجر التعامل به، فلم يبق إلا ظاهر الإجماع، و الاعتماد عليه لا يخلو من إشكال.

ثمَّ إن الظاهر أن الوجه في الفرق بين الممسوح بالعارض و الممسوح بالأصل- حيث جزم في الأول بوجوب الزكاة فيه، و جزم في الثاني بالعدم الا مع التعامل به-: هو الاستصحاب. لكنه تعليقي يشكل العمل به.

و لو أريد استصحاب كونه درهماً أو ديناراً كان من استصحاب المفهوم المردد غير الجاري على التحقيق أيضاً.

______________________________
(1) الوسائل باب: 11 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 2.

122
مستمسک العروة الوثقى9

الثالث: مضي الحول ؛ ج‌9، ص : 123

الأحوط. كما أن الأحوط ذلك أيضاً إذا ضربت للمعاملة و لم يتعامل بهما، أو تعومل بهما لكنه لم يصل رواجهما إلى حد يكون دراهم أو دنانير. و لو اتخذ الدراهم أو الدينار للزينة، فإن خرج عن رواج المعاملة لم تجب فيه الزكاة (1)، و إلا وجبت.

[الثالث: مضي الحول]

الثالث: مضي الحول (2) بالدخول في الشهر الثاني هذا و مما ذكرنا يظهر الإشكال في التمسك بالاستصحاب على الوجوب فيما لو اتخذت الدراهم للزينة. نعم لا بأس في التمسك بالإطلاق.

و دعوى معارضته بإطلاق ما دل على نفيها في الحلي. مدفوعة: بأن الظاهر من الحلي الإشارة إلى الذوات الخاصة، و لم يلحظ فيه الوصف عنواناً لينطبق على مثل الدراهم المتخذة للتحلي بها. لا أقل من وجوب الحمل على ذلك، جمعاً بين الدليلين. و لو سلم التعارض تعين الرجوع إلى عموم وجوب الزكاة في الذهب و الفضة، المقتضي لوجوبها فيهما.

يشكل الفرق بين الفرض و صورة هجر المعاملة. و مجرد كون عدم المعاملة هنا مستنداً إلى التغيير، بخلاف صورة الهجر، فإنه مستند إلى أمر آخر لا يجدي فارقاً. إلا مع فرض كون التغيير موجباً لانتفاء الصدق، أو انصراف الأدلة. و يكون المدار ذلك، لا مجرد عدم رواج المعاملة.

و الانصاف: أن البناء على دوران الحكم في جميع الفروض على جريان المعاملة و الاتخاذ ثمناً غير بعيد، اعتماداً على التعليل المتقدم، و يكون الوجوب في المهجورة للإجماع من باب التخصيص. فتأمل.

بلا إشكال، و نقل الإجماع عليه جماعة كثيرة، بل عن بعض عده ضرورياً. و يشهد له صحيح ابن يقطين- المتقدم في الشرط الثاني- و‌

مصحح زرارة: «قلت لأبي جعفر (ع): رجل كان عنده مائتا درهم غير درهم- احد عشر شهراً، ثمَّ أصاب درهماً بعد ذلك في الشهر الثاني

123
مستمسک العروة الوثقى9

الثالث: مضي الحول ؛ ج‌9، ص : 123

عشر (1)، جامعاً للشرائط التي منها النصاب. فلو نقص في أثنائه عن النصاب سقط الوجوب. و كذا لو تبدل بغيره، من جنسه أو غيره. و كذا لو غير بالسبك، سواء كان التبديل أو السبك بقصد الفرار من الزكاة أولا على الأقوى (2). و إن كان الأحوط الإخراج على الأول. و لو سبك الدراهم أو الدنانير بعد حول الحول لم تسقط الزكاة (3) و وجب الإخراج بملاحظة الدراهم و الدنانير (4)، إذا فرض

عشر، و كملت عنده مائتا درهم، أ عليه زكاتها؟ قال (ع): لا، حتى يحول عليه الحول و هي مائتا درهم. فان كانت مائة و خمسين درهماً، فأصاب خمسين- بعد أن مضى شهر فلا زكاة عليه حتى يحول على المائتين الحول. قلت له (ع): فان كانت عنده مائتا درهم غير درهم، فمضى عليها أيام قبل أن ينقضي الشهر، ثمَّ أصاب درهماً، فأتى على الدراهم مع الدرهم حول، أ عليه زكاة؟ قال (ع): نعم. و إن لم يمض عليها جميعاً الحول فلا شي‌ء عليه فيها» «1»

، و‌

مرسل الفقيه عن أبي جعفر (ع): «في التسعة أصناف إذا حولتها في السنة، فليس عليك فيها شي‌ء» «2».

كما تقدم في الأنعام.

كما تقدم الكلام فيه في الأنعام أيضاً.

إجماعاً. و يقتضيه عموم الوجوب. و توهم معارضته بما دل على أنه لا زكاة في السبائك مندفع: بظهور الثاني في عدم الوجوب فيها، لا في سقوطها عن المال بصيرورته سبائك، كما هو ظاهر.

لأنها الفريضة الواجبة، فيضمن النقيصة الواردة عليها بالسبك‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 6 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 6 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 2.

124
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 1): لا تجب الزكاة في الحلي ؛ ج‌9، ص : 125

نقص القيمة بالسبك.

[ (مسألة 1): لا تجب الزكاة في الحلي]

(مسألة 1): لا تجب الزكاة في الحلي (1)، و لا في أواني الذهب و الفضة (2)، و إن بلغت ما بلغت. بل عرفت سقوط الوجوب عن الدرهم و الدينار إذا اتخذا للزينة و خرجا عن رواج المعاملة بهما. نعم في جملة من الأخبار: أن زكاتها إعارتها (3).

كما أن له الزيادة الحاصلة به لو فرضت، لأنه ماله.

إجماعاً حكاه جماعة كثيرة. و يشهد له‌

صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (ع): «عن الحلي فيه زكاة؟ قال: لا» «1».

و‌

في صحيح يعقوب: «إذاً لا يبقى منه شي‌ء» «2».

و‌

في صحيح رفاعة: «و لو بلغ مائة ألف» «3».

و نحوها غيرها مما هو كثير.

كما يقتضيه ما دل على حصر الزكاة في الدراهم و الدنانير. و عن بعض أصحابنا: وجوب الزكاة في المحرم منها، كالأواني، و الحلي من الذهب للرجل، و نحوهما. و دليله غير ظاهر. إلا دعوى: استفادة أن سقوط الزكاة في الحلي للإرفاق غير الشامل للمحرم. لكنه- كما ترى- خلاف إطلاق ما تقدم.

لم أقف إلا على‌

مرسل ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (ع): «زكاة الحلي عاريته» «4»

، و ما‌

في الفقه الرضوي: «ليس على الحلي زكاة، و لكن تعيره مؤمناً إذا استعار منك، فهو زكاته» «5».

______________________________
(1) الوسائل باب: 9 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 3.

(2) الوسائل باب: 9 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 1.

(3) الوسائل باب: 9 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 4.

(4) الوسائل باب: 10 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 1.

(5) مستدرك الوسائل باب: 8 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 2.

125
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 2): لا فرق في الذهب و الفضة بين الجيد منها و الردي ؛ ج‌9، ص : 126

[ (مسألة 2): لا فرق في الذهب و الفضة بين الجيد منها و الردي]

(مسألة 2): لا فرق في الذهب و الفضة بين الجيد منها و الردي (1)، بل تجب إذا كان بعض النصاب جيداً و بعضه ردياً. و يجوز الإخراج من الردي (2) و إن كان تمام النصاب من الجيد. لكن الأحوط خلافه، بل يخرج الجيد من الجيد، و يبعض بالنسبة مع التبعض، و إن أخرج الجيد عن الجميع فهو أحسن. نعم لا يجوز دفع الجيد عن الردي بالتقويم (3)، بأن يدفع نصف دينار جيد يسوى ديناراً لإطلاق الأدلة. و كذا الوجه فيما بعده.

كما عن المبسوط، و اختاره في الجواهر. عملا بإطلاق ما دل على وجوب خمسة دراهم في المائتين. لكن في الشرائع: إن تطوع بالأرغب، و إلا كان له الإخراج من كل جنس بقسطه، و نسب إلى المشهور. و كأنه مبني على وجوب الكسر المشاع، و لازمه أن إعطاء الأرغب إعطاء لأكثر من الحق الواجب، و أنه يجوز إعطاء نصف درهم من الجيد إذا كان يساوي قيمة خمسة، و أنه إذا كان النصاب بعضه جيداً و بعضه أجود يجب التقسيط أيضاً، كما عن المحقق و الشهيد الثانيين. بل عن الشهيد الأول أيضاً. و سيأتي في محله بطلان هذه اللوازم، و ضعف مبناها.

كما نسب إلى المشهور. إذ لا إطلاق فيما دل على جواز دفع القيمة بنحو يشمل ذلك. و مجرد جواز دفع الأدون لا يلازم جواز دفع القيمة على النحو المذكور، فما في الحدائق- من أن الظاهر أنه لا إشكال في الاجزاء على مذهب الشيخ من جواز إخراج الأدون، لأنه متى كان الواجب عليه ديناراً، و اختار دفع الأدون، و أراد دفع قيمته، و دفع نصف دينار خالص بقيمة ذلك الدينار الأدون، فالمدفوع قيمته حينئذ- غير ظاهر،

126
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 3): تتعلق الزكاة بالدراهم و الدنانير المغشوشة ؛ ج‌9، ص : 127

ردياً عن دينار، إلا إذا صالح (1) الفقير بقيمة في ذمته، ثمَّ احتسب تلك القيمة عما عليه من الزكاة، فإنه لا مانع منه.

كما لا مانع من دفع الدينار (2) الردي عن نصف دينار جيد إذا كان فرضه ذلك (3).

[ (مسألة 3): تتعلق الزكاة بالدراهم و الدنانير المغشوشة]

(مسألة 3): تتعلق الزكاة بالدراهم و الدنانير المغشوشة (4) فإنه إنما يتم لو تمَّ إطلاق أدلة دفع القيمة بنحو يشمل ذلك. لكنه غير ثابت.

يعني: صالح الفقير عن نصف الدينار- الذي يدفعه إليه- بثوب في ذمة الفقير، ثمَّ يحتسب الثوب- الذي يسوى ديناراً رديئاً- زكاة بعنوان القيمة. و الظاهر أنه لا إشكال في صحة ذلك، و قد نص عليه في الجواهر. و الفرق بينه و بين ما قبله ظاهر.

المانع السابق مطرد في الفرض، كما اعترف به في الجواهر.

فالجواز لا بد أن يكون من جهة كونه الفريضة و زيادة. لكنه يتم لو لم يقدح القصد المذكور، لكنه غير ظاهر. و إن قال في الجواهر: أنه لا يقدح في الاجزاء و إن لم يتم له ما قصده.

يعني: نصف دينار. و أما نصف الدينار الجيد فقد تقدم منه:

أنه لا يكون فرضاً.

بلا خلاف ظاهر، بل عن غير واحد: نسبته إلى الأصحاب و قد يستشكل فيه تارة: من جهة عدم صدق الدراهم و الدنانير على المغشوش حقيقة، و أخرى: من جهة ما دل على أنه لا زكاة على غير الفضة و الذهب و المغشوش لا يصدق عليه أحدهما. لكن الأول ممنوع. و لا سيما بملاحظة غلبة الغش. إلا أن يقال: إنما لا يقدح الغش في الصدق إذا كان مستهلكاً في جوهر الذهب و الفضة، لا مطلقاً. و الثاني إنما يقتضي عدم احتساب الغش جزءاً من النصاب، لا سقوط الزكاة عن الفضة و الذهب الموجودين‌

127
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 3): تتعلق الزكاة بالدراهم و الدنانير المغشوشة ؛ ج‌9، ص : 127

.....

في المغشوش مطلقاً. إلا أن يقال: إن وجود عين الفضة لا يقتضي صدق الفضة، لأنها اسم لوجود العين على نحو يقال له فضة، فلا يشمل الأجزاء المنبثة الممتزجة مع غيرها.

و كيف كان يدل على ما ذكر‌

خبر زيد الصائغ: «قلت لأبي عبد اللّه (ع): إني كنت في قرية من قرى خراسان يقال لها بخارى، فرأيت فيها دراهم تعمل ثلث فضة و ثلث مساً و ثلث رصاص، و كانت تجوز عندهم، و كنت أعملها و أنفقها. فقال أبو عبد اللّه (ع): لا بأس بذلك إذا كانت تجوز عندهم. فقلت: أ رأيت إن حال عليها الحول و هي عندي، و فيها ما يجب علي فيه الزكاة، أزكيها؟ قال (ع): نعم إنما هو مالك. قلت: فإن أخرجتها إلى بلدة لا ينفق فيها مثلها، فبقيت عندي حتى حال عليها الحول، أزكيها؟ قال (ع): إن كنت تعرف أن فيها من الفضة الخالصة مما يجب عليك فيه الزكاة فزك ما كان لك فيها من الفضة الخالصة من فضة، و دع ما سوى ذلك من الخبيث. قلت:

و إن كنت لا أعلم ما فيها من الفضة الخالصة، إلا أني أعلم أن فيها ما تجب فيه الزكاة. قال (ع): فاسبكها حتى تخلص الفضة و يحترق الخبيث، ثمَّ تزكي ما خلص من الفضة لسنة واحدة» «1».

و ضعفه منجبر بالعمل كما في الجواهر.

اللهم إلا أن يحتمل: أن بناء الأصحاب على الوجوب ليس اعتماداً على الخبر، بل بناء منهم على أنه مقتضى القاعدة الأولية، لصدق الدرهم و الدينار على المغشوش. فإذا أشكل ذلك عندنا أشكل الحكم من أصله» و المرجع الأصل، و هو يقتضي العدم. لكن الاحتمال المذكور موهون، لذكر الرواية في كتبهم، و استنادهم إليها.

______________________________
(1) الوسائل باب: 7 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 1.

128
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 3): تتعلق الزكاة بالدراهم و الدنانير المغشوشة ؛ ج‌9، ص : 127

إذا بلغ خالصهما (1) النصاب. و لو شك في بلوغه، و لا طريق للعلم بذلك- و لو للضرر- لم تجب (2). و في وجوب التصفية و نحوها للاختبار إشكال (3)، أحوطه ذلك. و إن كان عدمه لا يخلو عن قوة (4).

كما صرح به في الخبر المتقدم. و يقتضيه عموم ما دل على نفي الزكاة في غير التسعة «1».

لأصالة عدم تعلقها بالمال. نعم لو دل دليل على وجوب الاختبار كان مرجعه إلى وجوب الاحتياط، لا وجوب الاختبار تعبداً. و حينئذ لا يسقط بمجرد عدم إمكان الاختبار، أو لزوم الضرر منه، و إنما يجدي ذلك في سقوط الوجوب لو كان نفسياً أو غيرياً. و ليس كذلك نظير وجوب الفحص في الشبهات الحكمية.

ينشأ: مما ذكرنا من الأصول في صورة عدم إمكان الاختبار.

و من أن البناء عليه يوجب المحالفة الكثيرة، بحيث يعلم من مذاق الشارع كراهة حصولها، بنحو يستكشف منه إيجاب الاحتياط.

كما نسب إلى المعروف، بل عن المسالك: لا قائل بالوجوب، و في الجواهر: قوى الوجوب، إن لم يكن إجماع على خلافه. لأن البناء على العدم يوجب إسقاط كثير من الواجبات. و هو كما ترى، إذ ليس ما يلزم من المخالفة هنا أكثر مما يلزم من المخالفة في جريان أصل الطهارة و نحوه من الأصول الموضوعية التي لا يشترط في جريانها الفحص إجماعاً.

نعم مقتضى خبر زيد الصائغ وجوب الاختبار «2». لكن مورده صورة العلم بوجود النصاب مع الشك في مقداره، فإثبات الحكم في غيره‌

______________________________
(1) راجع الوسائل باب: 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة حديث: 1، 4 و غيرهما.

(2) تقدم ذلك في أوائل هذه المسألة.

129
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 4): إذا كان عنده نصاب من الجيد لا يجوز أن يخرج عنه من المغشوش ؛ ج‌9، ص : 130

[ (مسألة 4): إذا كان عنده نصاب من الجيد لا يجوز أن يخرج عنه من المغشوش]

(مسألة 4): إذا كان عنده نصاب من الجيد لا يجوز أن يخرج عنه من المغشوش (1)، إلا إذا علم اشتماله على ما يكون عليه من الخالص، و إن كان المغشوش بحسب القيمة يساوي ما عليه. إلا إذا دفعه بعنوان القيمة، إذا كان للخليط قيمة (2).

[ (مسألة 5): و كذا إذا كان عنده نصاب من المغشوش لا يجوز أن يدفع المغشوش]

(مسألة 5): و كذا إذا كان عنده نصاب من المغشوش لا يجوز أن يدفع المغشوش (3)، إلا مع العلم على النحو المذكور.

[ (مسألة 6): لو كان عنده دراهم أو دنانير بحد النصاب، و شك في أنه خالص أو مغشوش]

(مسألة 6): لو كان عنده دراهم أو دنانير بحد النصاب، و شك في أنه خالص أو مغشوش، فالأقوى عدم وجوب الزكاة (4). و إن كان أحوط.

[ (مسألة 7): لو كان عنده نصاب من الدراهم المغشوشة بالذهب]

(مسألة 7): لو كان عنده نصاب من الدراهم المغشوشة بالذهب، أو الدنانير المغشوشة بالفضة لم يجب عليه شي‌ء، موقوف على إلغاء خصوصية مورده، و هو غير ظاهر. بل ظاهر‌

قوله (ع) في صدره: «إن كنت تعرف ..»

العدم.

بلا خلاف و لا إشكال، كما في الجواهر. لاستصحاب بقاء الزكاة إلى أن يعلم بالدفع.

لما سبق: من أنه لا يجوز إخراج القيمة من جنس الفريضة، فيكون المدفوع في الفرض بعض الفريضة، و قيمة البعض الآخر. و على هذا لا بد أن تكون قيمة الخليط قيمة الجيد. إلا أن يقال: المغشوش جنس آخر غير جنس الفريضة، فالمدار على قيمته، لا قيمة الخليط. فتأمل.

لما سبق في المسألة الرابعة.

لما سبق في المسألة الثالثة. و كذا قوله (ره) في المسألة الآتية:

«لم يجب عليه شي‌ء إلا إذا علم».

130
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 8): لو كان عنده ثلاثمائة درهم مغشوشة ؛ ج‌9، ص : 131

إلا إذا علم ببلوغ أحدهما أو كليهما حد النصاب، فيجب في البالغ منهما أو فيهما. فان علم الحال فهو، و إلا وجبت التصفية (1).

و لو علم أكثرية أحدهما مردداً، و لم يمكن العلم وجب إخراج الأكثر (2) من كل منهما. فاذا كان عنده ألف، و تردد بين أن يكون مقدار الفضة فيها أربعمائة و الذهب ستمائة و بين العكس أخرج عن ستمائة ذهباً و ستمائة فضة. و يجوز أن يدفع بعنوان القيمة (3) ستمائة عن الذهب، و أربعمائة عن الفضة، بقصد ما في الواقع.

[ (مسألة 8): لو كان عنده ثلاثمائة درهم مغشوشة]

(مسألة 8): لو كان عنده ثلاثمائة درهم مغشوشة، و علم أن الغش ثلثها مثلا- على التساوي في أفرادها- يجوز له أن يخرج خمسة دراهم من الخالص، و أن يخرج سبعة و نصف من المغشوش. و أما إذا كان الغش بعد العلم بكونه ثلثاً في المجموع- لا على التساوي فيها- فلا بد من تحصيل العلم بالبراءة إما بإخراج الخالص، و إما بوجه آخر (4).

لخبر زيد الصائغ، الذي قد عرفت انجباره بالعمل. و به يخرج عن الأصل المقتضي لعدم وجوب أكثر من المقدار المتيقن.

عملا بالعلم الإجمالي.

القيمة أحد طرفي الترديد. إذ يحتمل أن يكون الستمائة المدفوعة عن الذهب كلها فريضة، فيتعين الدفع مردداً بين الفريضة إن كان الأكثر من جنس الزائد، و القيمة إن كان من الجنس الآخر.

أما دفع السبعة و نصف فلا تجزي، لجواز أن تكون أكثر غشاً.

من غيرها، فلا تساوي خمسة دراهم خالصة.

131
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 9): إذا ترك نفقة لأهله مما يتعلق به الزكاة ؛ ج‌9، ص : 132

[ (مسألة 9): إذا ترك نفقة لأهله مما يتعلق به الزكاة]

(مسألة 9): إذا ترك نفقة لأهله مما يتعلق به الزكاة و غاب و بقي إلى آخر السنة بمقدار النصاب لم تجب عليه. إلا إذا كان متمكناً من التصرف فيه طول الحول (1)، مع كونه غائباً.

قد تقدم منه في الشروط العامة: الاكتفاء في صدق التمكن من التصرف بكون المال في يد وكيله. لكن ورد في المسألة أخبار تدل بظاهرها على سقوط الزكاة عن المال الغائب مالكه عنه،

كمصحح إسحاق عن أبي الحسن الماضي (ع): قلت له: رجل خلف عند أهله نفقة ألفين لسنتين عليها زكاة؟ قال (ع): إن كان شاهدا فعليه زكاة، و إن كان غائبا فليس عليه زكاة «1»

، و‌

مرسل ابن أبي عمير: «في رجل وضع لعياله ألف درهم نفقة، فحال عليها الحول. قال (ع): إن كان مقيماً زكاه و إن كان غائباً لم يزك» «2».

و نحوهما خبر أبي بصير «3» و المشهور شهرة عظيمة العمل بها، و الفتوى بمضمونها. بل عن المسالك: «ربما كان ذلك إجماعاً، لكون المخالف- و هو ابن إدريس- معلوم النسب ..».

و لا بأس به، إذ لا قصور في سند بعضها. و لا سيما بعد انجباره بالعمل، فلا مانع من تخصيص العمومات به.

و في الجواهر: «قد يجول في الذهن: أن مبنى هذه النصوص على خروج هذا الفرد عن تلك العمومات لا تخصيصها، باعتبار تعريضه للتلف بالإنفاق و الاعراض عنه لهذه الجهة الخاصة، فكأنه أخرجه عن ملكه، فلا يصدق أنه حال عليه الحول عنده. خصوصاً مع عدم علمه- بسبب غيبته عنه- كيف صنع به عياله. و يمكن أن يكون بدلوه بمال آخر،

______________________________
(1) الوسائل باب: 17 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 17 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 2.

(3) الوسائل باب: 17 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 3.

132
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 10): إذا كان عنده أموال زكوية من أجناس مختلفة ؛ ج‌9، ص : 133

[ (مسألة 10): إذا كان عنده أموال زكوية من أجناس مختلفة]

(مسألة 10): إذا كان عنده أموال زكوية من أجناس مختلفة، و كان كلها أو بعضها أقل من النصاب، فلا يجبر الناقص منها (1) بالجنس الآخر. مثلا: إذا كان عنده تسعة عشر ديناراً، و مائة و تسعون درهماً، لا يجبر نقص الدنانير بالدراهم، و لا العكس.

[فصل في زكاة الغلات الأربع]

فصل في زكاة الغلات الأربع و هي- كما عرفت-: الحنطة، و الشعير، و التمر، و الزبيب. و في إلحاق السلت- الذي هو كالشعير في طبعه و برودته، و كالحنطة في ملاسته و عدم القشر له- إشكال (2) أو اشتروا ما يحتاجونه سنين مثلا، و غير ذلك من الاحتمالات التي تحصل له بالغيبة دون الحضور ..». و فيه: أن لازم ذلك اطراد الحكم في الحاضر- إذا كان على النحو المذكور- في الغائب، و لا يظن الالتزام به مع أن حمل النصوص على ما ذكر مما لا قرينة عليه. فلاحظ.

بلا خلاف و لا إشكال. و عن جماعة: دعوى الإجماع عليه.

و النصوص به صريحة،

كصحيح زرارة: «قلت لأبي عبد اللّٰه (ع):

رجل عنده مائة درهم، و تسعة و تسعون درهما، و تسعة عشر ديناراً، أ يزكيها؟ قال (ع): لا، ليس عليه زكاة في الدراهم، و لا في الدنانير حتى يتم» «1».

و نحوه غيره.

فصل في زكاة الغلات الأربع بل خلاف، فعن المبسوط و الخلاف و المنتهى و جامع المقاصد‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 5 من أبواب زكاة الذهب و الفضة حديث: 1.

133
مستمسک العروة الوثقى9

فصل في زكاة الغلات الأربع ؛ ج‌9، ص : 133

فلا يترك الاحتياط فيه. كالإشكال في العلس- الذي هو كالحنطة. بل قيل: إنه نوع منها، في كل قشر حبتان، و هو طعام أهل صنعاء- فلا يترك الاحتياط فيه أيضاً. و لا تجب الزكاة في غيرها (1)، و إن كان يستحب إخراجها من كل ما تنبت الأرض، مما يكال أو يوزن من الحبوب، كالماش و الذرة، و الأرز، و الدخن، و نحوها. إلا الخضر و البقول.

و حكم ما يستحب فيه حكم ما يجب فيه (2)، في قدر النصاب، و المسالك و الروضة و غيرها. وجوب الزكاة فيه، و في العلس إلحاقاً لها بالشعير و الحنطة. و في الشرائع، و عن التذكرة و الموجز و غيرها: العدم، بل نسب إلى المشهور.

و وجه الأول: دعوى جماعة من أهل اللغة: أن السلت ضرب من الشعير، و أن العلس ضرب من الحنطة. و فيه: أن كلام أهل اللغة لا يراد منه بيان الفردية للمفهوم العرفي، بل الفردية للمفهوم الحقيقي. مثل قولنا:

«البخار ماء»، و «الغبار تراب»، و «الدخان رماد» و نحو ذلك، مما يراد منه بيان وحدة الحقيقة لا غير. و لو سلم الأول فهو مخالف للمفهوم منهما عرفاً، كما يشير الى ذلك‌

مصحح محمد بن مسلم: «سألته عن الحبوب ما يزكى منها. قال (ع): البر، و الشعير، و الذرة، و الدخن، و الأرز، و السلت، و العدس ..» «1».

و نحوه غيره. و الحال في العلس هو الحال في السلت.

كما تقدم في أوائل المبحث.

للإطلاق المقامي لأدلة الاستحباب، فان عدم تعرضها لبيان الخصوصيات المذكورة ظاهر في إيكال بيانها إلى بيان ما تجب فيه.

______________________________
(1) الوسائل باب: 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة حديث: 4.

134
مستمسک العروة الوثقى9

و يعتبر في وجوب الزكاة في الغلات أمران ؛ ج‌9، ص : 135

 

و كمية ما يخرج منه، و غير ذلك.

[و يعتبر في وجوب الزكاة في الغلات أمران]

و يعتبر في وجوب الزكاة في الغلات أمران:

[الأول: بلوغ النصاب]

الأول: بلوغ النصاب (1)، و هو بالمن الشاهي (2) بلا خلاف و لا إشكال. و قد نقل الإجماع عليه جماعة كثيرة، كالنصوص الدالة عليه. منها:

صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع): «ما أنبتت الأرض من الحنطة، و الشعير، و التمر، و الزبيب ما بلغ خمسة أوسق و الوسق ستون صاعاً، فذلك ثلاثمائة صاع، ففيه العشر. و ما كان يسقى بالرشا و الدوالي و النواضح ففيه نصف العشر. و ما سقت السماء و السيح، أو كان بعلًا ففيه العشر تاماً. و ليس فيما دون الثلاثمائة صاع شي‌ء، و ليس فيما أنبتت الأرض شي‌ء، إلا في هذه الأربعة أشياء» «1».

و نحوه غيره.

نعم‌

في المرسل عن ابن سنان: «عن الزكاة في كم تجب في الحنطة و الشعير؟ فقال (ع): وسق» «2»

، و‌

في موثق الحلبي: «في كم تجب الزكاة من الحنطة و الشعير و الزبيب و التمر؟ قال (ع): في ستين صاعاً» «3»

و‌

في خبر أبي بصير: «لا يكون في الحب، و لا في النخل، و لا في العنب زكاة حتى تبلغ وسقين، و الوسق ستون صاعاً» «4».

لكن الجميع محمول- إجماعاً- على الاستحباب، أو غيره جمعاً. و مثلها ما تضمن ثبوت الزكاة في القليل و الكثير.

قد حكي عن جماعة دعوى الإجماع- صريحاً و ظاهراً- على أن الصاع أربعة أمداد، و أن المد رطلان و ربع بالرطل العراقي، و رطل و نصف‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 1 من أبواب زكاة الغلات حديث: 5.

(2) الوسائل باب: 3 من أبواب زكاة الغلات حديث: 4.

(3) الوسائل باب: 1 من أبواب زكاة الغلات حديث: 10.

(4) الوسائل باب: 3 من أبواب زكاة الغلات حديث: 3.

 

135
مستمسک العروة الوثقى9

الأول: بلوغ النصاب ؛ ج‌9، ص : 135

- و هو ألف و مائتان و ثمانون مثقالا صيرفياً- مائة و أربعة و أربعون مناً، إلا خمسة و أربعين مثقالا. و بالمن التبريزي- الذي بالرطل المدني، فيكون الصاع تسعة أرطال بالعراقي، و ستة بالمدني.

و يشهد له‌

مكاتبة جعفر بن إبراهيم بن محمد الهمداني إلى أبي الحسن (ع): «جعلت فداك، إن أصحابنا اختلفوا في الصاع، بعضهم يقول: الفطرة بصاع المدني، و بعضهم يقول: بصاع العراقي. قال فكتب إلي: الصاع ستة أرطال بالمدني، و تسعة أرطال بالعراقي. قال: و أخبرني أنه يكون بالوزن ألفاً و مائة و سبعين وزنة [درهما. عيون الأخبار]» «1»

، و‌

خبر إبراهيم بن محمد: «إن أبا الحسن صاحب العسكر (ع) كتب إليه في حديث: الفطرة عليك و على الناس

.. (إلى أن قال):

تدفعه وزناً:

ستة أرطال برطل المدينة. و الرطل مائة و خمسة و تسعون درهماً، تكون الفطرة ألفاً و مائة و سبعين درهماً» «2».

و المستفاد منهما: أن رطل العراقي مائة و ثلاثون درهماً، يكون التسعة أرطال: ألفاً و مائة و سبعين درهماً، و أن الرطل المدني مائة و خمسة و تسعون درهماً، يكون الستة منها أيضاً: ألفاً و مائة و سبعين درهماً. و لما كان العشرة دراهم سبعة مثاقيل شرعية، يكون الصاع ثمانمائة و تسعة عشر مثقالا شرعياً. و لما كان المثقال الشرعي ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي، يكون الصاع ستمائة و أربعة عشر مثقالا صيرفياً. و ربع مثقال صيرفي، فتكون الثلاثمائة صاع: مائة ألف مثقال، و أربعة. و ثمانين ألف مثقال، و مائتين و خمسة و سبعين مثقالا. و قد حسبناه مقسماً على المن الشاهي، و المن التبريزي، و حقة النجف، و حقة الاسلامبول، فكان الحساب كما ذكر في المتن.

______________________________
(1) الوسائل باب: 7 من أبواب زكاة الفطرة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 7 من أبواب زكاة الفطرة حديث: 4.

136
مستمسک العروة الوثقى9

الثاني: التملك بالزراعة ؛ ج‌9، ص : 137

هو ألف مثقال- مائة و أربعة و ثمانون مناً، و ربع من، و خمسة و عشرون مثقالا. و بحقة النجف في زماننا (سنة 1326)- و هي تسعمائة و ثلاثة و ثلاثون مثقالا صيرفياً، و ثلث مثقال- ثمان وزنات (1)، و خمس حقق و نصف، إلا ثمانية و خمسين مثقالا، و ثلث مثقال. و بعيار الاسلامبول- و هو مائتان و ثمانون مثقالا- سبع و عشرون وزنة، و عشر حقق، و خمسة و ثلاثون مثقالا. و لا تجب في الناقص (2) عن النصاب و لو يسيراً (3) كما أنها تجب في الزائد عليه (4)، يسيراً كان أو كثيرا.

[الثاني: التملك بالزراعة]

الثاني: التملك بالزراعة (5) فيما يزرع، أو انتقال الزرع إلى ملكه قبل وقت تعلق الزكاة. و كذا في الثمرة كون الشجر ملكاً له إلى وقت التعلق، أو انتقالها إلى ملكه- منفردة، أو مع الشجر- قبل وقته.

الوزنة: أربعة و عشرون حقة.

كما صرح به في النصوص.

للإطلاق.

بلا إشكال و لا خلاف، كما يقتضيه إطلاق النصوص.

قال في الشرائع: «و لا تجب الزكاة في الغلات إلا إذا ملكت بالزراعة، لا بغيرها من الأسباب، كالابتياع، و الاتهاب ..». و قد نقل غير واحد الإجماع على اعتبار الشرط المذكور في الجملة، بل عن غير واحد: دعوى إجماع علماء الإسلام عليه في الجملة. فإذاً هو مما لا إشكال فيه.

نعم الاشكال على الشرائع في تعبيره عن الشرط بما ذكر من العبارة‌

137
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 1): في وقت تعلق الزكاة بالغلات خلاف ؛ ج‌9، ص : 138

[ (مسألة 1): في وقت تعلق الزكاة بالغلات خلاف]

(مسألة 1): في وقت تعلق الزكاة بالغلات خلاف فالمشهور على أنه في الحنطة (1) و الشعير عند انعقاد حبتهما، و في ثمر النخل حين اصفراره أو احمراره، و في ثمرة الكرم عند انعقادها حصرماً. و ذهب جماعة إلى أن المدار صدق أسماء المذكورات، من الحنطة، و الشعير، و التمر، و صدق اسم العنب في الزبيب. و هذا القول لا يخلو عن قوة. و إن كان القول الأول لإيهامها خلاف المقصود. إذ مقتضاها عدم وجوب الزكاة فيما يملك بالابتياع و الهبة مطلقاً، و هو غير مراد قطعاً، لأنه مخالف لإجماع المسلمين، كما صرح به في المدارك. و لأجل هذا الاشكال جعل في المتن الشرط أحد الأمرين، من التملك بالزراعة، و انتقال الزرع الى ملكه قبل وقت تعلق الزكاة. لكن قال في محكي المدارك: «و كان الأوضح جعل الشرط كونها مملوكة وقت بلوغها الحد الذي يتعلق به الزكاة، كما اقتضاه صريح كلام الفريقين ..». و ما ذكره في محله. و ان تصدى غير واحد للإيراد عليه و توجيه عبارة الشرائع. بل الأولى إلغاء هذا الشرط بالمرة، لأنه إن أريد اشتراطه في أصل التعلق يغني عنه ما تقدم من اعتبار الملك. و إن أريد بيان اعتبار كون الملك حال التعلق، فلا خصوصية للملك من بين الشرائط العامة، إذ يعتبر في جميعها أن تكون حال التعلق، كما لا يخفى. فلاحظ.

قال في المختلف: «المشهور أن الزكاة تجب في الغلات إذا كانت ثمرة عند اصفرارها و احمرارها. و ان كانت غلة فعند اشتداد حبها. و لا يجب الإخراج إلا عند الحصاد و الجذاذ إجماعاً. و قال بعض علمائنا:

إنما تجب الزكاة عندما يسمى تمراً و زبيباً و حنطة و شعيراً، و هو بلوغها حد اليبس». و حكيت نسبة القول المذكور الى المشهور عن الإيضاح، و جامع‌

138
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 1): في وقت تعلق الزكاة بالغلات خلاف ؛ ج‌9، ص : 138

.....

المقاصد، و تعليق النافع، و فوائد الشرائع، و الروضة، و المسالك، و إيضاح النافع، و المصابيح، و الحدائق، و الرياض. بل عن بعض نسبته إلى الأصحاب، و عن التنقيح: لا نعلم قائلا بغيره قبل المحقق (ره)، و في الشرائع و النافع- و عن أبي علي و فخر الإسلام، و نسب إلى ظاهر المقنع، و الهداية، و كتاب الأشراف، و المقنعة، و الغنية، و الإشارة و غيرها، و في المنتهى نسب إلى والده-: اختيار ما في المتن، و في الذخيرة: إنه لا يخلو من ترجيح.

و استدل للأول تارة: بالإجماع المحكي عن المنتهى، حيث قال:

«لا تجب الزكاة في الغلات إلا إذا نمت في ملكه، فلو ابتاع، أو استوهب، أو ورث بعد بدو الصلاح لم تجب الزكاة بإجماع العلماء ..». و فيه- مع أن الظاهر أن دعواه الإجماع إنما هي على اعتبار الشرط الثاني في الجملة-: لا مجال للاعتماد عليه، مع وضوح الخلاف.

و أخرى:

بصحيح سليمان بن خالد: ليس في النخل صدقة حتى تبلغ خمسة أوساق. و العنب مثل ذلك حتى يكون خمسة أوساق زبيباً» «1»

و نحوه خبر الحلبي «2». و فيه: أن صدره لا إطلاق فيه من هذه الجهة و ذيله جعل الموضوع فيه العنب، لا الحصرم، كما هو المدعى.

و ثالثة:

بصحيح سعد بن سعد عن أبي الحسن الرضا (ع): «سألته عن الزكاة في الحنطة، و الشعير، و التمر، و الزبيب متى تجب على صاحبها؟

قال (ع): إذا ما صرم، و إذا ما خرص» «3»

و فيه- مع أن ظاهره السؤال عن وقت وجوب الإخراج، لا وقت التعلق-: أنه ليس فيه دلالة على أن وقت الصرم حين بدو الصلاح. بل ظاهر عطفه‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 1 من أبواب زكاة الغلات حديث: 7.

(2) الوسائل باب: 1 من أبواب زكاة الغلات حديث: 11.

(3) الوسائل باب: 12 من أبواب زكاة الغلات حديث: 1.

139
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 1): في وقت تعلق الزكاة بالغلات خلاف ؛ ج‌9، ص : 138

.....

بالواو على الصرم في مقام بيان التوقيت كون الوقت واحداً. فيكون المراد: أنه إن صرم في وقته فوقت الوجوب هو ذلك الوقت، و إن لم يصرم في وقته، يخرص على صاحبه حينئذ و تجب عليه زكاته، فيكون وقت الخرص هو الوقت المناسب للصرم.

و رابعة:

بصحيح سعد الآخر: «.. و هل على العنب زكاة؟ أو إنما يجب عليه إذا صيره زبيبا؟ قال (ع): نعم إذا خرصه أخرج زكاته» «1»

و فيه- مع احتمال أن يكون قوله (ع):

«نعم ..»

إعلاماً بما بعد (أو)، يعني: لا يجب عليه إلا إذا صيره زبيباً-: أنه لا يدل إلا على وجوب الزكاة في العنب، دون الحصرم، كما هو المشهور. بل لعله ظاهر في مفروغية السائل عن عدم وجوب الزكاة عليه قبل صيرورته عنباً.

و خامسة:

بخبر أبي بصير: «لا يكون في الحب، و لا في النخل، و لا في العنب زكاة حتى تبلغ وسقين. و الوسق ستون صاعاً» «2»

و فيه:

أنه لا إطلاق فيه من جهة الوقت، لتعرضه لحيثية بلوغ النصاب لا غير.

و سادسة: بصدق الحنطة و الشعير عند اشتداد الحب، و صدق التمر عند الاحمرار أو الاصفرار، لنص أهل اللغة على أن البسر نوع من التمر و فيه: أنه لو تمَّ الصدق في الحنطة و الشعير فقد اتفق القولان فيهما. و ما عن أهل اللغة: من أن البسر نوع من التمر مخالف لنص جماعة بخلافه، بل عن المصباح: إجماع أهل اللغة على أن التمر اسم لليابس من ثمر النخل، كالزبيب من ثمر الكرم. و لو سلم فهو مخالف للعرف، المقدم على اللغة عندهم.

و سابعة: ببعث النبي (ص) الخارص على الناس. و فيه: أنه لم يثبت كون الخرص كان قبل صدق الاسم. و لو سلم لم يعلم أنه كان مبنياً‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 1 من أبواب زكاة الغلات حديث: 1.

(2) تقدم ذلك في الشرط الأول من شروط زكاة الغلات.

140
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 1): في وقت تعلق الزكاة بالغلات خلاف ؛ ج‌9، ص : 138

أحوط، بل الأحوط مراعاة الاحتياط مطلقا. إذ قد يكون على خرص تمام الثمرة، فيجوز أن يخرص المقدار المتعارف بقاؤه الى أن يصير تمراً، و استثناء المقدار الذي يتعارف أكله أو إتلافه قبل اليبس.

و قد‌

ورد عن النبي (ص): أنه كان إذا بعث الخارص قال: «خففوا على الناس، فان المال مال العرية [1]، و الواطية، و الآكلة» «1».

و ثامنة: بأنه لو كانت مقصورة على التمر و الزبيب لأدى ذلك إلى ضياع الزكاة، لأنهم كانوا يحتالون بجعل العنب و الرطب دبساً و خلا، و كانوا يبيعونها كذلك، و فيه: أن الحيل المذكورة لا تقوى على إفناء التمر مهما كثرت. مع أن في جعلهما كذلك تضييعاً لهما و انقاصاً لماليتهما، و المقدار الواجب في الزكاة أقل ضرراً مالياً مما ذكر، فالفرار من الزكاة إلى ذلك فرار من الأخف إلى الأشد، و الأقل ضرراً إلى الأكثر، كما هو واضح.

و بالجملة: ليس في الوجوه المذكورة دلالة على مذهب المشهور.

و مثلها في الاشكال: دعوى: أن الحنطة، و الشعير، و التمر، و الزبيب يراد منها موادها المقابلة لمواد الحبوب و الثمار المغايرة. فإنها خروج عن الظاهر من دون قرينة عليه. مع أن لازمه وجوب الزكاة في ثمر النخل قبل الاحمرار و الاصفرار، فالبناء على ظاهرها متعين.

نعم قد يشكل الحال في العنب، من جهة ظهور صحيح سليمان المتقدم في أنه موضوع للزكاة، و محتمل صحيح سعد الثاني «2». و كأنه لذلك جعل في المتن المعيار صدق العنب في الزبيب، كما حكي عن أبي على و المدارك.

و لا يخلو من قوة.

______________________________
[1] العرية: النخلة يعيرها صاحبها غيره ليأكل ثمرها. «منه قدس سره»

______________________________
(1) راجع كنز العمال ج 3 صفحة 305 ملحق حديث: 5094.

(2) تقدم ذكرهما في أوائل هذه التعليقة.

141
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 2): وقت تعلق الزكاة و إن كان ما ذكر، على الخلاف السالف ؛ ج‌9، ص : 142

القول الثاني أوفق بالاحتياط (1).

[ (مسألة 2): وقت تعلق الزكاة و إن كان ما ذكر، على الخلاف السالف]

(مسألة 2): وقت تعلق الزكاة و إن كان ما ذكر، على الخلاف السالف. إلا أن المناط في اعتبار النصاب هو اليابس من المذكورات (2)، فلو كان الرطب منها بقدر النصاب، لكن ينقص عنه بعد الجفاف و اليبس فلا زكاة.

[ (مسألة 3): في مثل البربن و شبهه من الدقل]

(مسألة 3): في مثل البربن و شبهه من الدقل الذي يؤكل رطباً، و إذا لم يؤكل إلى أن يجف يقل تمرة، أو لا يصدق على اليابس منه التمر أيضاً- المدار فيه على تقديره يابساً (3). و تتعلق به الزكاة إذا كان بقدر يبلغ النصاب بعد جفافه.

[ (مسألة 4): إذا أراد المالك التصرف في المذكورات]

(مسألة 4): إذا أراد المالك التصرف في المذكورات كما لو بلغ مالكه بعد بدو الصلاح.

قال في التذكرة: «النصاب المعتبر- و هو خمسة أوسق- إنما يعتبر وقت جفاف التمر، و يبس العنب و الغلة. فلو كان الرطب خمسة أوسق- أو العنب أو الغلة- و لو جفت تمراً أو زبيباً أو حنطة أو شعيراً نقص فلا زكاة إجماعاً ..». و هذا هو العمدة في عموم الحكم. و إلا فمقتضى الإطلاق اعتبار النصاب بلحاظ موضوع التعلق. فان قيل بالمشهور- من التعلق ببدو الصلاح- اكتفي ببلوغ النصاب حينئذ. نعم‌

في صحيح سليمان ابن خالد، و خبر الحلبي: «و العنب مثل ذلك حتى يبلغ خمسة أوساق زبيباً» «1».

و مورده خصوص العنب، فالتعدي إلى غيره محتاج إلى إلغاء خصوصية مورده، و هو لو لا الإجماع غير ظاهر.

هذا في محله فيما يصدق على اليابس منه التمر. أما ما لا يصدق‌

______________________________
(1) تقدم ذكرهما في المسألة: 1 من هذا الفصل.

142
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 4): إذا أراد المالك التصرف في المذكورات ؛ ج‌9، ص : 142

- بسراً، أو رطباً، أو حصرماً، أو عنباً- بما يزيد على المتعارف فيما يحسب من المؤن (1)، وجب عليه ضمان حصة الفقير (2). كما أنه لو أراد الاقتطاف كذلك بتمامها وجب عليه اسم التمر أو الزبيب ففي المدارك: «اتجه سقوط الزكاة مطلقاً».

و نحوه في الذخيرة. و في الجواهر: «إنه جيد». و كأنه لأن ما دل على اعتبار بلوغه نصاباً إذا صار تمراً يختص بما يكون كذلك لو بقي، فلا يشمل ما ذكر، فيقيد به إطلاق دليل وجوب الزكاة.

اللهم إلا أن يقال: لو تمَّ ذلك فإنما يتم في العنب لصحيح سليمان.

أما الرطب فلأجل أنه لا دليل فيه على التقدير بحال التمر إلا الإجماع يجب فيه الرجوع إلى عموم وجوب الزكاة، و ما دل على اعتبار بلوغ النصاب، فيكفي في وجوب الزكاة في الفرض بلوغه النصاب حين بدو الصلاح، و لا وجه لسقوطها بالمرة. بل الحكم في العنب كذلك، إذ صحيح سليمان لا يصلح لتقييد أدلة الوجوب بما يكون زبيباً. غاية الأمر أن التقدير فيه بحال الزبيب لا يشمل ما لا يكون زبيباً، فيبقى إطلاق أدلة الوجوب بحاله شاملا له.

اللهم إلا أن يكون ما ذكرنا إحداث قول ثالث. فتأمل.

حق العبارة أن يقال: فيما لا يحسب من المؤن، إذ ما يحسب من المؤمن مأذون في التصرف فيه، و ليس عليه ضمانه. و يحتمل: أن يكون قيداً للمتعارف. لكنه بعيد.

بناء على القول المشهور. أما بناء على القول الآخر فلا ضمان، و هذا من ثمرات الخلاف. ثمَّ إنه بناء على أنه لا مانع من التصرف فيما زاد على مقدار الزكاة، فالمراد من الضمان ثبوت مقدار الزكاة في الباقي.

و لو بني على عدم جواز التصرف، فالضمان لا بد أن يكون بمراجعة الولي، إذ لا دليل على شرعيته للمالك مستقلا، و يكون حكم التصرف في البعض هو‌

143
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 5): لو كانت الثمرة مخروصة على المالك ؛ ج‌9، ص : 144

عليه أداء الزكاة حينئذ (1)، بعد فرض بلوغ يابسها النصاب.

[ (مسألة 5): لو كانت الثمرة مخروصة على المالك]

(مسألة 5): لو كانت الثمرة مخروصة على المالك، فطلب الساعي من قبل الحاكم الشرعي الزكاة منه قبل اليبس لم يجب عليه القبول (2)، بخلاف ما لو بذل المالك الزكاة بسراً أو حصرماً مثلا، فإنه يجب على الساعي القبول (3).

[ (مسألة 6): وقت الإخراج الذي يجوز للساعي]

(مسألة 6): وقت الإخراج الذي يجوز للساعي حكم التصرف في الكل. فلو لم يراجع الولي بطل تصرفه. و لو أتلفه كان ضامناً للزكاة.

و ما دل من الإجماع على جواز الإخراج إلى زمان التصفية أو التسمية غير شامل للفرض.

لما يأتي: من تأخر وقت الإخراج عما قبل اليبس.

لأن الدليل الدال على تأخر وقت الإخراج إنما يدل على عدم وجوب المبادرة في الأداء إرفاقاً بالمالك، لا عدم مشروعية الدفع. و بالجملة:

ظاهر الدليل قصر سلطنة الفقير على المطالبة، لا قصر سلطنة المالك عن تفريغ ماله أو ذمته.

نعم قد يقال باختصاص ذلك بما إذا كان قد اقتطفه. أما لو لم يقتطفه فيشكل بلزوم الضرر على مستحق الزكاة. و فيه: أن مستحق الزكاة إنما يستحق في الحصرم حصرماً و في البسر بسراً، فدفع حقه إليه لا ضرر فيه، و ليس يستحق على المالك الإبقاء كي يلزم تفويت الحق. نعم لو كان الدفع في حال لا ينتفع به أشكل الدفع، لأنه إتلاف لماله. و من ذلك يظهر: أنه لو أراد المالك دفع الزكاة في الحب قبل الحصاد، أو الدياس، أو التصفية لم يجز للساعي الامتناع عن الأخذ. فلاحظ.

144
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 6): وقت الإخراج الذي يجوز للساعي ؛ ج‌9، ص : 144

مطالبة المالك فيه، و إذا أخرها عنه ضمن- عند تصفية الغلة (1) و اجتذاذ التمر، و اقتطاف الزبيب. فوقت وجوب الأداء غير وقت التعلق.

بلا خلاف أجده فيه، كما في الجواهر، و عن الحدائق:

الاتفاق عليه، و في المدارك: إجماع الأصحاب عليه. و في المنتهى: «اتفق العلماء على أنه لا يجب الإخراج في الحبوب إلا بعد التصفية، و في التمر إلا بعد التشميس و الجفاف ..». و في التذكرة: «و أما الإخراج فلا يجب حتى تجذ الثمرة، و تشمس، و تجفف، و تحصد الغلة، و تصفي من التبن و القشر. بلا خلاف ..».

ثمَّ إنه قال في الشرائع: «و وقت الإخراج في الغلة إذا صفت، و في التمر بعد اخترافه، و في الزبيب بعد اقتطافه ..». و قال في المسالك و المدارك: «في جعل ذلك وقت الإخراج تجوز، و إنما وقته عند يبس الثمرة و صيرورتها تمراً، أو زبيباً ..». و قال في محكي الروضة:

«إن وقت الوجوب و الإخراج واحد، و هو وقت التسمية، بناء على غير المشهور ..». و هذا بظاهره مناف لما تقدم عن التذكرة و المنتهى.

و احتمل في الجواهر حمل عبارتي التذكرة و المنتهى على أن الاختراف، و الاقتطاف، و التصفية من شرائط الواجب- و هو الإخراج- لا من شرائط وجوبه، فيجب عليه الإخراج بمجرد التسمية، و لكن بعد التصفية و الاختراف و الاقتطاف، فتجب المبادرة إلى الشرط. و هو الذي يقتضيه إطلاق دليل وجوب إيتاء الزكاة من دون مقيد. نعم بناء على المشهور لا بد من الالتزام بتقييده إلى ما بعد وقت التسمية بالإجماع المتقدم. اللهم إلا أن يقال:

ظاهر صحيح سعد- المتقدم في تعيين زمان التعلق- «1» جواز التأخير إلى‌

______________________________
(1) لاحظ المسألة: 1 من هذا الفصل.

145
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 7): يجوز للمالك المقاسمة مع الساعي ؛ ج‌9، ص : 146

[ (مسألة 7): يجوز للمالك المقاسمة مع الساعي]

(مسألة 7): يجوز للمالك المقاسمة مع الساعي (1)، مع التراضي بينهما قبل الجذاذ.

[ (مسألة 8): يجوز للمالك دفع الزكاة و الثمر على الشجر]

(مسألة 8): يجوز للمالك دفع (2) الزكاة و الثمر على الشجر قبل الجذاذ، منه، أو من قيمته.

[ (مسألة 9): يجوز دفع القيمة حتى من غير النقدين]

(مسألة 9): يجوز دفع القيمة حتى من غير النقدين (3) من أي جنس كان، بل يجوز أن تكون من المنافع، كسكنى الدار مثلا. و تسليمها بتسليم العين إلى الفقير.

[ (مسألة 10): لا تتكرر زكاة الغلات]

(مسألة 10): لا تتكرر زكاة الغلات (4) بتكرر زمان الصرم، فيقيد به إطلاق دليل الإيتاء، بناء على ظهوره في الفورية، كما هو كذلك.

هذا في التمر و الزبيب. و أما في الحب فالظاهر الاتفاق على اعتبار التصفية. نعم الظاهر انصراف الصحيح إلى زمان الصرم المتعارف، و كذا التصفية في كلماتهم، فلا يجوز التأخير عنه.

ذلك مقتضى ولايتهما شرعاً. و تقدم في المسألة الخامسة وجوب القبول على الساعي، و لا يعتبر رضاه.

تقدم الكلام فيه في المسألة الخامسة.

لإطلاق معاقد الإجماعات على جواز دفع القيمة في الغلات و النقدين.

و كأنه لذلك قرب في محكي البيان الجواز. لكن في المستند- تبعاً لما في الذخيرة- قرب المنع، لفقد الدليل على الصحة. و كأنه للتأمل في ثبوت الإطلاق لمعاقد الإجماع، أو للتأمل في حجيته. و لا يخلو من وجه، لو لا ما تقدم من خبر قرب الاسناد. فراجع المسألة الخامسة من فصل زكاة الأنعام.

إجماعاً حكاه جماعة كثيرة. بل عن المعتبر: دعوى اتفاق العامة‌

146
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 11): مقدار الزكاة الواجب إخراجه في الغلات ؛ ج‌9، ص : 147

السنين إذا بقيت أحوالا، فاذا زكى الحنطة، ثمَّ احتكرها سنين لم يجب عليه شي‌ء. و كذا التمر و غيره.

[ (مسألة 11): مقدار الزكاة الواجب إخراجه في الغلات]

(مسألة 11): مقدار الزكاة الواجب إخراجه في الغلات، هو العشر فيما سقي بالماء الجاري (1)، أو بماء السماء أو بمص عروقه من الأرض، كالنخل و الشجر، بل الزرع- أيضاً- في بعض الأمكنة، و نصف العشر فيما سقي بالدلو، و الرشاء، و النواضح، و الدوالي، و نحوها من العلاجات. و لو و الخاصة، عدا الحسن البصري. و يشهد له- مضافاً إلى موافقته لأصل العدم-

مصحح زرارة و عبيد ابنه عن أبي عبد اللّه (ع): «أيما رجل كان له حرث أو ثمرة فصدقها فليس عليه شي‌ء، و إن حال عليه الحول عنده. إلا أن يحول مالا، فان فعل ذلك فحال عليه الحول عنده فعليه أن يزكيه، و إلا فلا شي‌ء عليه، و إن ثبت ذلك ألف عام، إذا كان بعينه. فإنما عليه فيها صدقة العشر، فإذا أداها مرة واحدة فلا شي‌ء عليه فيها حتى يحوله مالا، و يحول عليه الحول و هو عنده» «1».

بلا خلاف، بل عن غير واحد: نفي الخلاف فيه بين المسلمين و يشهد له النصوص الكثيرة،

كصحيح زرارة و بكير عن أبي جعفر (ع) في الزكاة: «ما كان يعالج بالرشا و الدوالي و النضح ففيه نصف العشر، و ما كان يسقى من غير علاج- بنهر، أو عين، أو بعل، أو سماء- ففيه العشر كاملا» «2».

و نحوه غيره. و ظاهره كون الضابط أن يكون نفس سقي الزرع بعلاج و بدونه، فان كان بعلاج ففيه نصف العشر، و إن كان بدونه ففيه العشر، و إن توقف على حفر النهر، أو نبش العين‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 11 من أبواب زكاة الغلات حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 4 من أبواب زكاة الغلات حديث: 5.

147
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 12): لو كان الزرع أو الشجر لا يحتاج إلى السقي ؛ ج‌9، ص : 148

سقي بالأمرين، فمع صدق الاشتراك في نصفه (1) العشر، و في نصفه الآخر نصف العشر. و مع غلبة الصدق لأحد الأمرين فالحكم تابع لما غلب. و لو شك في صدق الاشتراك، أو غلبة صدق أحدهما، فيكفي الأقل. و الأحوط الأكثر.

[ (مسألة 12): لو كان الزرع أو الشجر لا يحتاج إلى السقي]

(مسألة 12): لو كان الزرع أو الشجر لا يحتاج إلى السقي بالدوالي أو تنقيتهما. بل عن بعض: ظهور الاتفاق عليه.

إجماعاً، كما عن جماعة.

لحسن معاوية بن شريح عن أبي عبد اللّه (ع) في حديث: «قلت له: فالأرض تكون عندنا تسقى بالدوالي، ثمَّ يزيد الماء و تسقى سيحاً. فقال (ع): إن ذا ليكون عندكم كذلك؟ قلت:

نعم. قال (ع): النصف و النصف، نصف بنصف العشر، و نصف بالعشر.

فقلت: الأرض تسقى بالدوالي، ثمَّ يزيد الماء فتسقى السقية و السقيتين سيحاً قال (ع): و كم تسقى السقية و السقيتين سيحاً؟ قلت: في ثلاثين ليلة أو أربعين ليلة، و قد مكث قبل ذلك في الأرض ستة أشهر أو سبعة أشهر.

قال (ع): نصف العشر» «1».

ثمَّ إن جعل المعيار في التنصيف و عدمه ما ذكر في المتن- من الاشتراك في الصدق و عدمه- غير ظاهر، إذ المستند فيه إن كان إطلاق ما دل على أن ما سقت السماء ففيه العشر و ما سقي بالدوالي ففيه نصف العشر، فمن الواضح أن الإطلاقين المذكورين لا يشملان صورة الاشتراك أصلا، بل المرجع فيها الأصول المقتضية للبراءة أو الاحتياط، و إن كان التحقيق الأول و إن كان المستند فيه حسن معاوية المتقدم فهو خال عن الدلالة على ذلك، فإن إطلاق‌

قوله (ع): «النصف و النصف ..»

و إن كان يقتضيه‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 6 من أبواب زكاة الغلات حديث: 1.

148
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 12): لو كان الزرع أو الشجر لا يحتاج إلى السقي ؛ ج‌9، ص : 148

.....

لكن جوابه الأخير يقتضي خلافه، لأن السقية و السقيتين في الفرض المذكور في السؤال تقتضي صدق الاشتراك، و تمنع من صدق الاستقلال للغالب، و مع ذلك حكم فيه بالنصف، إذ الذي لا يمنع من صدق الاستقلال هو النادر الذي لا يعتد به في العرف.

و من هنا كان المعروف- بل الذي ادعى عليه الإجماع- أنه مع التساوي يلزم النصف للنصف و العشر للنصف، و مع الغلبة لأحدهما يكون الحكم للغالب. قال في الشرائع: «و ان اجتمع فيه الأمران كان الحكم للأكثر. فإن تساويا أخذ من نصفه العشر، و من نصفه نصف العشر ..».

و كأنهم حملوا الجواب الأول على صورة التساوي، و الأخير على صورة الغلبة.

هذا و الانصاف أن مقتضى الجواب الأول عموم الحكم لجميع صور الاشتراك، العرفية، مع التساوي و عدمه، و الخارج منه ليس إلا الصورة المفروضة في السؤال الثاني. و خروجها كما يستفاد من الحسن يستفاد أيضاً مما دل على أن ما سقي بالدوالي فيه نصف العشر، بعد تنزيله على الخارج المتعارف.

إذ لا يتفق مورد يسقى بالدوالي لا يسقى من ماء السماء سقية أو سقيتين إلا نادراً، و حمل ذلك الإطلاق عليه مما لا يمكن. فيتعين الأخذ بإطلاق صدر الحسن الشامل لصورتي التساوي و عدمه، و حمل ذيله على صورة عدم الاعتداد بالقليل عرفاً في نسبة السقي إليه، كما هو المتعارف فيما يسقى بالدوالي و نحوها، و ما يسقى بغير ذلك. فيتم ما ذكره المصنف، و سبقه إليه في الجواهر و نجاة العباد.

و هل المعيار في الأكثرية و المساواة- بناء على كونهما المدار في الحكمين المذكورين- الزمان، أو العدد، أو النمو؟ أقوال، نسب الأول إلى جماعة، منهم العلامة و الشهيد في المنتهى و المسالك، و الثاني إلى آخرين، منهم السيد في المدارك و شيخه في مجمع البرهان، بل نسب إلى ظاهر‌

149
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 13): الأمطار العادية في أيام السنة لا تخرج ما يسقى بالدوالي عن حكمه ؛ ج‌9، ص : 150

و مع ذلك سقي بها من غير أن يؤثر في زيادة الثمر، فالظاهر وجوب العشر (1). و كذا لو كان سقيه بالدوالي، و سقي بالنهر و نحوه من غير أن يؤثر فيه، فالواجب نصف العشر.

[ (مسألة 13): الأمطار العادية في أيام السنة لا تخرج ما يسقى بالدوالي عن حكمه]

(مسألة 13): الأمطار العادية في أيام السنة لا تخرج ما يسقى بالدوالي عن حكمه (2)، إلا إذا كانت بحيث لا حاجة معها إلى الدوالي أصلا، أو كانت بحيث توجب صدق الشركة فحينئذ يتبعهما الحكم.

[ (مسألة 14): لو أخرج شخص الماء بالدوالي على أرض مباحة مثلا- عبثاً]

(مسألة 14): لو أخرج شخص الماء بالدوالي على أرض مباحة مثلا- عبثاً، أو لغرض- فزرعه آخر، و كان الأكثر، و الثالث إلى آخرين، منهم العلامة في القواعد و التذكرة و الشهيد الثاني في حاشية الإرشاد، و عن حواشي القواعد: إنه الأشهر. و علله فيما عن التذكرة: «بأنه مقتضى ظاهر النص». و تنظر فيه في محكي المدارك، بل ظاهر النص يقتضي الأول، كما يقتضيه أدنى تأمل في‌

قوله (ع) فيه: «و كم تسقى السقية و السقيتين ..».

و دعوى: كون الزمان ملحوظاً فيه طريقاً إلى العدد، فيكون دليلا على القول الثاني، غير ظاهرة و مجرد كون المناط في الاختلاف بالعشر و نصفه هو الكلفة و عدمها- لو تمَّ- لا يصلح قرينة عليه. مع أن لازمه كون المدار على كثرة الكلفة لا العدد. فلاحظ.

لظهور السقي في خصوص السقي المحتاج إليه الزرع، فان كان ذلك بالدوالي أو بغيرها جرى عليه حكمه.

تقدم الكلام في ذلك في المسألة الحادية عشرة.

150
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 15): إنما تجب الزكاة بعد إخراج ما يأخذه السلطان باسم المقاسمة ؛ ج‌9، ص : 151

الزرع يشرب بعروقه، فالأقوى العشر (1). و كذا إذا أخرجه هو بنفسه لغرض آخر غير الزرع، ثمَّ بدا له أن يزرع زرعاً يشرب بعروقه، بخلاف ما إذا أخرجه لغرض الزرع الكذائي (2) و من ذلك يظهر (3) حكم ما إذا أخرجه لزرع، فزاد و جرى على أرض أخرى.

[ (مسألة 15): إنما تجب الزكاة بعد إخراج ما يأخذه السلطان باسم المقاسمة]

(مسألة 15): إنما تجب الزكاة بعد إخراج ما يأخذه السلطان باسم المقاسمة (4)، كأنه لأجل أن المفهوم من النصوص كون المعيار في العشر و نصفه تكلف السقي للزرع و عدمه. لكنه غير ظاهر بنحو ترفع به اليد عن إطلاق الأدلة. و كأنه لذلك اختار في نجاة العباد نصف العشر، و مال إليه في محكي كشف الغطاء. و هو الأقرب.

يعني: فسقي غيره به، فإنه يجب فيه نصف العشر. هذا و الفرق الفارق بين الفرض و ما قبله في الحكم غير ظاهر.

فان حكمه حكم الفرض الأول قولا و دليلا.

بلا خلاف فيه و لا إشكال. قال في محكي المعتبر: «خراج الأرض يخرج وسطاً، و يؤدى زكاة ما بقي إذا بلغ نصاباً، إذا كان لمسلم.

و عليه فقهاؤنا و أكثر علماء الإسلام ..». و نحوه محكي المنتهي و يشهد له جملة من النصوص،

كمصحح أبي بصير و محمد عن أبي جعفر (ع) أنهما قالا له: «هذه الأرض التي يزارع أهلها ما ترى فيها؟ فقال (ع):

كل أرض دفعها إليك السلطان، فما حرثته فيها فعليك مما أخرج اللّه منها الذي قاطعك عليه، و ليس على جميع ما أخرج اللّه منها العشر: إنما عليك العشر فيما يحصل في يدك، بعد مقاسمته لك» «1»

، و ما في مضمر صفوان‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 7 من أبواب زكاة الغلات حديث: 1.

151
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 15): إنما تجب الزكاة بعد إخراج ما يأخذه السلطان باسم المقاسمة ؛ ج‌9، ص : 151

بل ما يأخذه باسم الخراج أيضاً (1)، بل ما يأخذه العمال و البزنطي من‌

قوله (ع): «و على المتقبلين- سوى قبالة الأرض- العشر و نصف العشر في حصصهم» «1».

و نحوهما غيرهما. مضافاً إلى أن حصة السلطان ليست مملوكة للزارع حين تعلق الوجوب، فلا وجه لوجوب الزكاة عليه فيها، كما في سائر موارد الاشتراك في الزرع، إذ ليس على الشريك زكاة حصة شريكه.

نعم لو كانت مستحقة للسلطان بعد تعلق الوجوب كان الحال فيها هو الحال في المؤن التي يأتي إن شاء اللّه الكلام فيها. و لو كان السلطان قد استولى على الحصة قبل تعلق الوجوب فلا ينبغي الإشكال في عدم وجوب زكاتها على المالك، لعدم التمكن من التصرف الذي هو شرط في وجوب الزكاة. و لو كان قد استولى عليها بعده، كان الحال فيها هو الحال فيما لو تلف بعض الحاصل بغير تفريط من المالك، الذي لا إشكال عندهم في عدم ضمان المالك زكاته.

المصرح به في كلام غير واحد: أن الخراج عند الأصحاب بحكم المقاسمة. قال في محكي جامع المقاصد: «المراد بحصة السلطان خراج الأرض أو قسمتها ..». و في محكي الحدائق: «المراد بخراج السلطان و حصته هو ما يؤخذ من الأرض الخراجية من نقد أو حصة من الحاصل، و إن سمي الأخير مقاسمة ..». و نحوهما كلام غيرهما. لكن في الاعتماد على ذلك- في دعوى كون استثناء الخراج إجماعياً، كاستثناء المقاسمة- تأمل. كيف و في التذكرة: «تذنيب: لو ضرب الامام على الأرض الخراج من غير حصة، فالأقرب وجوب الزكاة في الجميع، لأنه كالدين ..»؟

و أشكل منه ما في الجواهر: من دعوى كونه ظاهر النص و الفتوى‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 7 من أبواب زكاة الغلات حديث: 2.

152
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 15): إنما تجب الزكاة بعد إخراج ما يأخذه السلطان باسم المقاسمة ؛ ج‌9، ص : 151

.....

فان النصوص المتقدمة و غيرها موردها الحصة المختصة بالمقاسمة، فإلحاق الخراج بالمؤن- التي يأتي الخلاف في استثنائها و عدمه- أولى. نعم‌

في خبر صفوان و البزنطي قالا: «ذكرنا له الكوفة و ما وضع عليها من الخراج

.. (إلى أن قال) (ع):

و على المتقبلين- سوى قبالة الأرض- العشر و نصف العشر في حصصهم» «1»

، بناء على عموم القبالة للحصة و للنقد، كما هو الظاهر.

إلا أن يقال: استثناء القبالة يقتضي أن تكون من جنس المستثنى منه. و كذا قوله (ع):

«في حصصهم»

الظاهر كونه في مقابل حصة السلطان، و في السند علي بن أحمد بن أشيم. إلا أن يقال: رواية أحمد ابن محمد بن عيسى عنه تدل على وثاقته. و الاستثناء ليس بحيث يوجب تقييد الإطلاق فتأمل.

و كيف كان فالظاهر التسالم على عدم سقوط الزكاة بدفع الخراج.

و في الجواهر: «لا كلام في ذلك»، و فيما تقدم- من محكي المعتبر و غيره- الإجماع عليه، و يشهد له النصوص المتقدمة. لكن في جملة أخرى منها السقوط،

كصحيح رفاعة عن أبي عبد اللّه (ع): «عن الرجل يرث الأرض أو يشتريها فيؤدي خراجها إلى السلطان، هل عليه فيها عشر؟

قال (ع): لا» «2»

، و‌

خبر أبي كهمس عنه (ع): «من أخذ منه السلطان الخراج فلا زكاة عليه» «3»

، و خبر سهل بن اليسع، أنه حيث أنشأ سهل‌آباد، و سأل أبا الحسن موسى (ع) عما يخرج منها ما عليه.

فقال (ع): «إن كان السلطان يأخذ خراجه فليس عليك شي‌ء، و إن

______________________________
(1) لاحظ التعليقة السابقة.

(2) الوسائل باب: 10 من أبواب زكاة الغلات حديث: 2.

(3) الوسائل باب: 10 من أبواب زكاة الغلات حديث: 3.

153
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 16): الأقوى اعتبار خروج المؤن جميعها ؛ ج‌9، ص : 154

زائداً على ما قرره السلطان ظلماً (1)، إذا لم يتمكن من الامتناع جهراً و سراً، فلا يضمن حينئذ حصة الفقراء من الزائد. و لا فرق في ذلك بين المأخوذ من نفس الغلة أو من غيرها إذا كان الظلم عاماً. و أما إذا كان شخصياً فالأحوط الضمان فيما أخذ من غيرها، بل الأحوط الضمان فيه مطلقاً و إن كان الظلم عاماً. و أما إذا أخذ من نفس الغلة قهراً فلا ضمان إذ الظلم حينئذ وارد على الفقراء أيضاً.

[ (مسألة 16): الأقوى اعتبار خروج المؤن جميعها]

(مسألة 16): الأقوى اعتبار خروج المؤن جميعها (2)

لم يأخذ السلطان منها شيئاً فعليك إخراج عشر ما يكون فيها» «1».

و الجمع بينها و بين ما سبق ممكن بحمله على الاستحباب. لكن لا مجال للعمل بها بعد حكاية غير واحد الإجماع على خلافها، فيتعين حملها على التقية، لأن السقوط مذهب أبي حنيفة. أو طرحها و تأويلها.

قال في محكي المسالك: «لا يستثنى الزائد. إلا أن يأخذه قهراً بحيث لا يتمكن من منعه سراً أو جهراً، فلا يضمن حصة الفقراء من الزائد ..». و نحوه ما عن غيره. لكن دخوله في النصوص محل تأمل.

و حينئذ فإن أخذ من عين الغلة كان من قبيل غصب العين الزكوية الذي لا ضمان فيه للزكاة، من دون فرق بين كون الظلم عاماً أو خاصاً. و إن أخذ من غيرها لم يبعد إلحاقه بالمؤمن التي لا فرق أيضاً في استثنائها- لو تمَّ- بين العموم و الخصوص.

كما نسب إلى الأكثر، بل عن جماعة: أنه المشهور، بل في مفتاح الكرامة: «لو ادعى مدع الإجماع لكان في محله، كما هو ظاهر‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 10 من أبواب زكاة الغلات حديث: 1.

154
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 16): الأقوى اعتبار خروج المؤن جميعها ؛ ج‌9، ص : 154

.....

الغنية، أو صريحها ..». و اختاره الصدوق في الفقيه و المقنع و الهداية، و المفيد في المقنعة، و الشيخ في المبسوط في صدر المسألة، و حكي عن السيدين في الجمل و الغنية، و الفاضلين، و الشهيد في أكثر كتبه، و الأردبيلي.

نعم في المبسوط في آخر المسألة قال: «و كل مئونة تلحق الغلات إلى وقت إخراج الزكاة على رب المال دون المساكين ..». و لعل غرضه لزوم الدفع على المالك، و إن كان له استثناؤها من الزكاة، لئلا يناقض ما تقدم في صدر المسألة، مما هو صريح في الاستثناء.

و استدل للمشهور تارة: بالأصل، الذي لا مجال لجريانه مع وجود إطلاقات العشر و نصفه، النافية لاستثناء المؤن.

و أخرى: بقاعدة نفي الضرر، التي لا مجال لها أيضاً، بعد كون وجوب إخراج الزكاة ضررياً في نفسه، فيؤخذ بإطلاق دليله، و يكون مخصصاً لدليل القاعدة.

و ثالثة: بدليل نفي العسر و الحرج. و فيه: منع ذلك كلية. و لو ثبت في مورد اتفاقاً بني على سقوط الوجوب حينئذ، لكن لا يلازم سقوط حق الزكاة، كما في سائر موارد الحقوق المالية.

و رابعة: بنصوص استثناء حصة السلطان. و فيه: أنك قد عرفت اختصاص تلك النصوص بالحصة التي هي ملك للسلطان، فلا ترتبط بما نحن فيه. و لو سلم عمومها لكل ما يأخذه السلطان فلا مجال لقياس المقام بها.

و خامسة: بقوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ ..) «1»، و قوله تعالى:

(وَ يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ..) «2»، و العفو هو الزائد على المؤنة. و فيه: أن موضوع الكلام مئونة الزرع لا مئونة المالك. مع أن ظاهر‌

______________________________
(1) الأعراف: 198.

(2) البقرة: 219.

155
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 16): الأقوى اعتبار خروج المؤن جميعها ؛ ج‌9، ص : 154

.....

الآية أخذ تمام الزائد لا عشره أو نصفه، فلا تكون الآية مما نحن فيه. فتأمل.

و سادسة: بما‌

في بعض نسخ الفقه الرضوي: «و ليس في الحنطة و الشعير شي‌ء إلى أن يبلغ خمسة أوسق

.. (إلى أن قال):

فاذا بلغ ذلك و حصل بغير [بقدر] خراج السلطان، و معونة العمارة و القرية أخرج منه العشر ..» «1».

و فيه: أن الفقه المذكور لم تثبت حجيته، و لا هو مجبور بعمل و اعتماد، و مجرد الموافقة لفتوى المشهور غير جابر. مع أن المراد من مئونة العمارة و القرية لا يخلو من إشكال.

و سابعة: بما‌

في مصحح الفضلاء من قول أبي جعفر (ع): «و يترك للخارص [الحارث خ ل] [1] أجزأ معلوماً، و يترك من النخل معافارة [2] و أم جعرور، و يترك للحارس- يكون في الحائط- العذق و العذقان و الثلاثة لحفظه إياه» «2»

، و ما‌

في مصحح ابن مسلم من قول أبي عبد اللّه (ع): «يترك للحارس العذق و العذقان. و الحارس يكون في النخل ينظره، فيترك ذلك لعياله» «3».

و فيه: أنه لا يظهر من الرواية كون المتروك للحارس من باب الأجرة التي عينها له المالك. بل من الجائز أن يكون ذلك حقاً استحبابياً أو وجوبياً له غير أجرته. و إلا لقال (ع): و يترك للمالك‌

______________________________
[1] كذا في نسخة المؤلف (قده) الخطية. لكن الموجود في الطبعة الجديدة من الوسائل عن الكليني (قده): «لا يترك للحارس أجراً معلوماً». و في التهذيب (طبع النجف الأشرف ج: 4 صفحة: 106): «يترك للحارس ..». و في الكافي (طبع إيران الجديد. ج: 3 صفحة:

565): «يعطى للحارس ..».

[2] مركب إضافي. قال في القاموس: «معى الفار: تمر ردي‌ء.» و يسمى مصران الفارة (منه قدس سره)

______________________________
(1) مستدرك الوسائل باب: 6 من أبواب زكاة الغلات حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 8 من أبواب زكاة الغلات حديث: 4.

(3) الوسائل باب: 8 من أبواب زكاة الغلات حديث: 3.

156
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 16): الأقوى اعتبار خروج المؤن جميعها ؛ ج‌9، ص : 154

.....

المقدار المساوي لما عينه للحارس، قليلا كان أو كثيراً، من عين الغلة أو من غيرها، كما لا يخفى. و لذلك رواه الكليني في الكافي في باب حق الحصاد و الجذاذ. و من ذلك قد يظهر: أن التعرض في النصوص لترك معافارة و أم جعرور، و ما يدفع للحارس، و عدم التعرض لغير ذلك- و منه المؤن اللازمة غالباً- ظاهر في عدم استثنائها. إلا أن يقال: النصوص المذكورة إنما وردت لبيان أحكام الخرص و ما يتعلق به، لا لبيان الزكاة و ما يتعلق بها، و المؤن من الثاني.

و ثامنة: بأنه مقتضى قاعدة الشركة، فإن احتساب المؤن المتأخرة عن زمان الوجوب على خصوص المالك محتاج إلى دليل، و هو مفقود. و يثبت الحكم بالمؤن المتقدمة عليه بعدم القول بالفصل، كما ادعي. و فيه: أن عدم القول بالفصل غير كاف في الإلحاق، ما لم يثبت القول بعدم الفصل.

مضافاً إلى إمكان دعوى: أن توجيه الخطاب بإيتاء الزكاة إلى المالك ظاهر في كون المؤمن عليه، لتوقف الإيتاء الواجب عليها، فيكون ذلك دليلا على وجوب المؤن المذكورة على المالك. فتأمل. و ربما يستدل بأمور أخر ظاهرة الاشكال لا حاجة إلى ذكرها و ذكر الاشكال عليها.

و بالجملة: لا يتحصل لنا وجه لرفع اليد عن الإطلاقات. و المناقشة فيها: بعدم ورودها في مقام البيان من هذه الجهة- لو تمت في بعضها- فغير مطردة في الجميع، لاشتمال بعضها على ذكر أمور ليست لها الأهمية، كما يكون لاستثناء المؤن. فلاحظ نصوص ذلك الباب. لا أقل من مصحح أبي بصير و محمد بن مسلم المتقدم في استثناء المقاسمة.

هذا و كأنه لذلك ذهب الشيخ في المبسوط و الخلاف الى عدم الاستثناء و كذا ابن سعيد في الجامع، و الشهيد الثاني في فوائد القواعد. و في المدارك و الذخيرة و المفاتيح و الحدائق و غيرها، اختياره. على ما حكي عن بعضها.

157
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 16): الأقوى اعتبار خروج المؤن جميعها ؛ ج‌9، ص : 154

.....

و قد يستدل عليه‌

بخبر محمد بن علي بن شجاع النيسابوري أنه سأل أبا الحسن الثالث (ع): «عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كر ما يزكى، فأخذ منه العشر عشرة أكرار، و ذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كراً، و بقي في يده ستون كراً، ما الذي يجب لك من ذلك، و هل يجب لأصحابه من ذلك عليه شي‌ء؟ فوقع (ع): لي منه الخمس مما يفضل من مئونته» «1».

بتقريب: أن تقرير الامام (ع) له على اعتقاده بأن الزكاة عشرة أكرار لا سبعة دليل على عدم الاستثناء. و فيه- مع أن الخبر ضعيف السند من دون جابر-: أنك عرفت الإشكال في كون ما يصرف في عمارة الضيعة من المؤن، و أنه لا يظهر من الحديث اعتقاد السائل ذلك لاحتمال قراءة (أخذ) مبنياً للمفعول، فيكون ذلك من معتقدات الآخذ و لعله حينئذ يكون ظاهراً في الأخذ قهراً، و عدم الردع حينئذ يكون لعدم الفائدة فيه. اللهم إلا أن يقال: إنه لا يوافق ما دل على عدم الاجتزاء بالدفع إلى الظالم. لكن سيأتي: أن الظاهر الاجتزاء به. و ربما يستدل له أيضاً بأمور أخر لا تستأهل ذكراً و لا رداً.

نعم هنا شي‌ء، و هو أن الصدوق في المقنع قال: «ليس على الحنطة و الشعير شي‌ء حتى يبلغ خمسة أوساق. و الوسق ستون صاعاً. و الصاع أربعة أمداد. و المد مائتان و اثنان و تسعون درهماً و نصف، فاذا بلغ ذلك و حصل- بعد خراج السلطان، و مئونة القرية- أخرج منه العشر إن كان سقي بماء المطر و كان سيحاً، و إن سقي بالدلاء و القرب ففيه نصف العشر ..» «2»

و في الهداية قال: «اعلم أنه ليس على الحنطة ..» «3» و في الفقيه‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 5 من أبواب زكاة الغلات حديث: 2.

(2) المقنع الباب الأول من أبواب الزكاة صفحة: 13.

(3) الهداية الباب الثاني من أبواب الزكاة صفحة: 9.

158
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 16): الأقوى اعتبار خروج المؤن جميعها ؛ ج‌9، ص : 154

من غير فرق بين المؤن السابقة على زمان التعلق و اللاحقة. كما أن الأقوى اعتبار النصاب أيضاً بعد خروجها (1). و إن كان- بعد أن‌

روى رواية عبد اللّه بن عجلان الآتية الواردة في ترجيح بعض المستحقين على بعض: قال (ع): «أعطهم على الهجرة في الدين و الفقه و العقل»- «1»

قال (رحمه اللّه): «و ليس على الحنطة ..» «2». و المظنون قوياً: أن اقتصاره على العبارة المذكورة يدل على أنها متن رواية. و لا سيما بملاحظة ما ذكره في صدر الفقيه و المقنع: من أن ما يذكره فيهما مما يرويه عن الأئمة (ع). بل قد يتوهم من الفقيه: أن العبارة المذكورة ذيل رواية عبد اللّه بن عجلان. لكنه بعيد بملاحظة عدم تناسب العبارة مع متن الرواية نعم اتحاد المتن المذكور في الكتب الثلاثة يستوجب الاطمئنان بأنه متن رواية و لا سيما بملاحظة التعبير بمؤنة القرية، فإنها ليست في عبارات الفقهاء. لكن في حجية مثل هذا الاطمئنان تأمل، أو منع.

و المتحصل مما ذكرنا كله: أن الأقرب عدم استثناء المؤن السابقة.

و أما المؤن اللاحقة فاستثناؤها لا يخلو من إشكال أشرنا اليه. و لا سيما بناء على أن تعلق الزكاة بالعين تعلق الحق بموضوعه، لا من قبيل الجزء المشاع و لا من قبيل الكلي في المعين. إذ المؤنة إنما تكون على ملك المالك لا الزكاة اللهم إلا أن يقال: لما كانت العين موضوعاً للحق كانت مئونتها مئونته، لأن حفظه بحفظها. فلاحظ.

كما نسب إلى الفقيه و المقنع و المقنعة و النهاية و المبسوط و السرائر و المنتهى و نهاية الأحكام و التحرير و غيرها، بل نسب إلى المشهور. و عن التذكرة: «الأقرب أن المؤنة لا تؤثر في نقصان النصاب و إن أثرت في‌

______________________________
(1) تأتي الرواية في المسألة الثالثة من فصل في بقية أحكام الزكاة.

(2) الفقيه ج 2 صفحة 18 طبع النجف الأشرف.

159
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 16): الأقوى اعتبار خروج المؤن جميعها ؛ ج‌9، ص : 154

الأحوط اعتباره قبله، بل الأحوط عدم إخراج المؤن، خصوصاً اللاحقة (1). و المراد بالمؤنة كلما يحتاج إليه الزرع و الشجر، نقصان الفرض ..». و عن المدارك و الذخيرة. موافقته، و عن فوائد الشرائع و جامع المقاصد و إيضاح النافع و الميسية و المسالك و الروضة: أن المؤن اللاحقة تستثنى بعد النصاب، و السابقة قبله.

و لأجل أنه لم يتحصل عندنا دليل على استثناء المؤن يشكل البناء على أحد الأقوال. و الأدلة المتقدمة يختلف مقتضاها. فالأصل، و أدلة نفي الضرر و العسر و الحرج، و الرضوي، و ما دل على أنه يترك للحارس العذق و العذقان و الثلاثة تقتضي استثناءها قبل النصاب. و قاعدة الشركة- بضميمة عدم القول بالفصل- تقتضي استثناءها بعد النصاب. و كذا قوله تعالى:

(خُذِ الْعَفْوَ ..) و نحوه، لو تمَّ كون المراد منه الزائد على مئونة الغلة لا مئونة المالك. و لو فرض إجمال دليل الاستثناء، فلأجل أنه يدور الأمر بين تقييد بلوغ الخمسة أوسق بما كان بعد المؤنة، و تقييد‌

قولهم (ع): «ففيه العشر»

بما كان بعد المؤنة، و لا مرجح لأحدهما على الآخر، يسقط الإطلاقان معاً عن الحجية، و تكون النتيجة كما لو قيد الإطلاق الأول.

فإذا بلغ خمسة أوسق مع المؤنة، و بدونها بلغ أربعة لم يجب عليه شي‌ء.

اللهم إلا أن يقال: الإطلاق الثاني يترتب على الإطلاق الأول، لأنه من قبيل إطلاق الحكم، و الأول من قبيل إطلاق الموضوع، فاذا سقط إطلاق الموضوع عن الحجية لم يبق لإطلاق الحكم مجال. و حينئذ فإذا دار الأمر بين تقييد الإطلاق الأول و الإطلاق الثاني فقد علم بعدم حجية الإطلاق الثاني، إما للتخصيص، أو للتخصص، فأصالة الإطلاق الأول بلا معارض و تكون النتيجة كما لو علم تقييد الإطلاق الثاني بعينه. هذا كله بناء على إجمال الخاص. لكنه فرض غير حاصل، لما عرفت من مستند الاستثناء.

كان المتعين أن يقول بدله: «خصوصاً السابقة»، لا مكان‌

160
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 17): قيمة البذر إذا كان من ماله المزكى ؛ ج‌9، ص : 161

من أجرة الفلاح، و الحارث، و الساقي، و أجرة الأرض إن كانت مستأجرة، و أجرة مثلها إن كانت مغصوبة، و أجرة الحفظ، و الحصاد، و الجذاذ، و تجفيف الثمرة، و إصلاح موضع التشميس، و حفر النهر (1) و غير ذلك، كتفاوت نقص الآلات و العوامل، حتى ثياب المالك و نحوها. و لو كان سبب النقص مشتركاً بينها و بين غيرها وزع عليهما بالنسبة.

[ (مسألة 17): قيمة البذر إذا كان من ماله المزكى]

(مسألة 17): قيمة البذر إذا كان من ماله المزكى، أو المال الذي لا زكاة فيه (2) من المؤن.

القول باستثناء اللاحقة دون السابقة، أما عكسه فليس بمحتمل.

لا يخلو إطلاقه من نظر، فان حفر النهر الكبير الذي تعد به الأرض من الحية- أعني: القابلة للزراعة بالقابلية القريبة من الفعلية، في قبال الميتة، غير القابلة للزراعة- معدود من مؤن الأرض و إحيائها، لا من مؤن الزرع. نعم حفر النهر الصغير في الأرض المحياة- كما يسمى في زماننا بالمحمولة أو بالمطان- معدود عرفاً من مؤن الزرع.

أما إذا كان من المال الذي فيه الزكاة فلا فرق بين استثنائه و عدمه، لوجوب الزكاة فيه على كلتا الحالين. نعم تفترق الحالتان من جهتين أخريين: (إحداهما): ما إذا كان متمماً للنصاب، فان استثناءه موجب لنقص النصاب و انتفاء الزكاة بالمرة، إلا ما وجب فيه أولا. (ثانيتهما):

ما إذا اختلف مقدار الزكاة الواجبة فيه و الزكاة الواجبة في الزرع بأن كان الزرع مما سقي بالدلاء و بذره مما سقي سيحاً، أو بالعكس. و في هاتين الحالتين لا بد من العمل على الاستثناء، لأنه من المؤن على كل حال، و البناء على عدم الاستثناء في غير الفرضين من جهة عدم الثمرة المترتبة عليه، فاذا فرض ترتبها على‌

161
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 17): قيمة البذر إذا كان من ماله المزكى ؛ ج‌9، ص : 161

و المناط قيمته يوم تلفه (1)، و هو وقت الزرع.

الاستثناء وجب البناء عليه، كما لا يخفى.

قال في المسالك في مقام تعداد المؤن: «و عين البذر إن كان من ماله المزكى فالمؤنة عينه. و لو اشتراه تخير بين استثناء ثمنه و عينه ..»‌

و عن البيان: «لو اشترى بذراً فالأقرب أن المخرج أكثر الأمرين من الثمن و القدر. و يحتمل إخراج القدر خاصة، لأنه مثلي ..». و تنظر فيه في الجواهر: «بأن الذي يعد أنه من مؤن الزرع، و صار هو سبباً لإتلافه عين البذر لا ثمنه. و لو منع ذلك و جعل نفس الثمن لم يؤخذ القدر.

و بالجملة: التخيير المزبور لا يخلو من نظر، أو منع ..».

أقول: لعل وجهه: أنه كما يصدق على البذر أنه محتاج اليه الزرع يصدق على المال الذي يشترى به البذر أنه محتاج اليه الزرع، لتوقف الزرع على كل منهما. غاية الأمر: أن أحدهما مقدمة للآخر، و البذر مقدمة قريبة، و ثمنه مقدمة بعيدة. فكل منهما مئونة لا في عرض واحد، بل أحدهما في طول الآخر، فاستثناؤهما معاً غير ممكن، و استثناء أحدهما بعينه ترجيح بلا مرجح. و لأجل أنه لا يمكن البناء على عدم استثنائهما معاً، كان اللازم استثناء أحدهما لا بعينه، و مفاده التخيير.

و هكذا الحال في جميع المقدمات الطولية. فلو كان عين البذر لا يشترى إلا بالأرز، و الأرز لا يشترى إلا بالسمسم، و السمسم لا يشترى إلا بالدراهم فاشترى السمسم بالدراهم، و الأرز بالسمسم، و البذر بالأرز، تخير بين استثناء الدراهم و السمسم و الأرز و البذر. و هكذا الحال في أجرة العامل.

اللهم إلا أن يقال: ليس المراد من المؤنة ما يحتاج اليه الزرع ليصدق على كل من المقدمات الطولية، بل خصوص الخسارة المالية، و ثمن البذر ليس منها، لوجود بدله، بخلاف نفس البذر التالف بنثره في الأرض.

162
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 18): أجرة العامل من المؤن ؛ ج‌9، ص : 163

[ (مسألة 18): أجرة العامل من المؤن]

(مسألة 18): أجرة العامل من المؤن، و لا يحسب للمالك أجرة (1) إذا كان هو العامل، و كذا إذا عمل ولده أو زوجته بلا أجرة، و كذا إذا تبرع به أجنبي. و كذا لا يحسب أجرة الأرض التي يكون مالكاً لها، و لا أجرة العوامل إذا كانت مملوكة له.

[ (مسألة 19): لو اشترى الزرع فثمنه من المؤنة، و كذا لو ضمن النخل و الشجر]

(مسألة 19): لو اشترى الزرع فثمنه من المؤنة، و كذا لو ضمن النخل و الشجر. بخلاف ما إذا اشترى (2) نفس الأرض و النخل و الشجر. كما أنه لا يكون ثمن العوامل إذا اشتراها منها.

لكن عليه لو اشترى البذر بأكثر من قيمته- لأجل الاضطرار، أو أنه صارت قيمته وقت النثار الذي هو زمان الخسارة أقل من قيمته حال الشراء- وجب أن نلتزم باستثناء التفاوت بين القيمتين، مضافاً الى استثناء عين البذر و لو زادت قيمته حال النثار على الثمن استثنى أيضاً نفس القيمة الزائدة، فيتعين البناء على استثناء أكثر الأمرين من قيمة البذر وقت التلف و ثمنه.

نعم قد يشكل ذلك: بأنه لما كان الشراء للزرع، فاذا زادت قيمته وقت النثار تحسب الزيادة عرفاً للزرع لا للزارع، فالخسارة لا تكون إلا الثمن، فيتعين استثناؤه لا غير. و إذا لم يشتره يتعين استثناؤه بعينه لا غير.

و إن نقصت قيمته، فإنه لا يعد خسارة، و إنما يكون فوات نفع.

لما عرفت من أن المراد منها الخسارة المالية، و عمل العامل ليس منها، و كذا عمل المتبرع، من ولده أو زوجته أو أجنبي، و كذا أجرة الأرض و العوامل، فان ذلك من قبيل فوات منفعة لا خسارة مالية.

فان ذلك ليس معدوداً من مؤن الزرع، بل من مؤن ملك الأرض.

163
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 20) لو كان مع الزكوي غيره فالمؤنة موزعة عليهما إذا كانا مقصودين ؛ ج‌9، ص : 164

[ (مسألة 20) لو كان مع الزكوي غيره فالمؤنة موزعة عليهما إذا كانا مقصودين]

(مسألة 20) لو كان مع الزكوي غيره فالمؤنة موزعة عليهما إذا كانا مقصودين. و إذا كان المقصود بالذات غير الزكوي، ثمَّ عرض قصد الزكوي بعد إتمام العمل، لم يحسب من المؤن. و إذا كان بالعكس حسب منها.

[ (مسألة 21): الخراج الذي يأخذه السلطان]

(مسألة 21): الخراج الذي يأخذه السلطان أيضاً يوزع على الزكوي و غيره.

[ (مسألة 22): إذا كان للعمل مدخلية في ثمر سنين عديدة]

(مسألة 22): إذا كان للعمل مدخلية في ثمر سنين عديدة لا يبعد احتسابه على ما في السنة الأولى. و إن كان الأحوط التوزيع (1) على السنين.

[ (مسألة 23): إذا شك في كون شي‌ء من المؤن أو لا]

(مسألة 23): إذا شك في كون شي‌ء من المؤن أو لا لم يحسب منها (2).

و كذا ثمن العوامل فان ما يعد مئونة عملها، لأنفسها، و لا ثمنها. فالمال المبذول بإزاء العمل من المؤنة، و المال المبذول بإزاء العين ليس منها.

هذا و لا يظهر الفرق بين المقام و مئونة السنة التي تستثنى في الخمس، فإذا بني على استثناء نفس العين التي يحتاج إليها هناك، كان اللازم البناء عليه هنا. إلا أن يفرق: بإجمال الدليل هنا، و ظهوره هناك. فلاحظ.

في كونه الأحوط إشكال ظاهر، فإنه إذا كان مئونة للسنة الأولى فقط تجب الزكاة في الثانية، و إن لم يبلغ الحاصل النصاب على تقدير الاستثناء.

لإطلاق الأدلة الذي يجب الرجوع اليه مع إجمال المقيد، و يقتصر في تقييده على القدر المتيقن. لكن ذلك ليس من وظيفة العامي، بل من وظيفة المجتهد الذي يرجع إليه في الاحكام و الموضوعات المستنبطة. و حمل العبارة على الشبهة الموضوعية بعيد جداً.

164
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 24): حكم النخيل و الزروع في البلاد المتباعدة حكمها في البلد الواحد ؛ ج‌9، ص : 165

[ (مسألة 24): حكم النخيل و الزروع في البلاد المتباعدة حكمها في البلد الواحد]

(مسألة 24): حكم النخيل و الزروع في البلاد المتباعدة حكمها في البلد الواحد، فيضم الثمار بعضها إلى بعض و إن تفاوتت في الإدراك، بعد أن كانت الثمرتان لعام واحد و إن كان بينهما شهر أو شهران أو أكثر (1). و على هذا فاذا بلغ ما أدرك منها نصاباً أخذ منه، ثمَّ يؤخذ من الباقي قل أو كثر (2). و إن كان الذي أدرك أولا أقل من النصاب، ينتظر به حتى يدرك الآخر و يتعلق به الوجوب، فيكمل منه النصاب و يؤخذ من المجموع. و كذا إذا كان نخل يطلع في عام مرتين يضم الثاني إلى الأول (3)، لأنهما ثمرة سنة واحدة. لكن لا يخلو عن إشكال، لاحتمال كونهما في حكم ثمرة عامين، كما قيل.

بلا خلاف أجده فيه، كما في الجواهر، و عن المنتهى: «لا نعرف في هذا خلافاً ..»، و عن التذكرة: «هو مما أجمع عليه المسلمون ..»‌

و يقتضيه إطلاق الأدلة، كما في الجواهر و غيرها. و لا يخلو من تأمل، كما سيأتي.

كما ذكره غير واحد، منهم المحقق في الشرائع.

كما في الشرائع. و نسب إلى الأشهر تارة، و الى المشهور أخرى.

خلافاً لما عن المبسوط و الوسيلة: من عدم الضم. و استدل للأول: بإطلاق الأدلة. و استشكله غير واحد: بعدم ثبوت هذا الإطلاق. قال في الجواهر:

«لكن الانصاف عدم خلو المسألة عن الإشكال، ضرورة عدم تعليق الحكم- في شي‌ء من النصوص- على اتحاد المال بمجرد كونه في عام واحد و أهل. العرف لا يشكون في صدق التعدد عليهما. خصوصاً إذا فصل بين الثمرتين زمان معتد به. و ما حال ذلك إلا كحال الثمرة التي أخرجت‌

165
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 25): إذا كان عنده تمر يجب فيه الزكاة ؛ ج‌9، ص : 166

[ (مسألة 25): إذا كان عنده تمر يجب فيه الزكاة]

(مسألة 25): إذا كان عنده تمر يجب فيه الزكاة، لا يجوز أن يدفع عنه الرطب على أنه فرضه (1)، و إن كان بمقدار لو جف كان بقدر ما عليه من التمر. و ذلك لعدم معجزة في تلك السنة ..». و دعوى: أنه ليس المراد من الوحدة في الزمان اليوم و لا الشهر و لا العمر، فيتعين أن يكون المراد منها الوحدة في العام، عهدتها على مدعيها.

كما عن جماعة، منهم الشيخ و العلامة في أكثر كتبه، و الشهيدان و غيرهم، بل قيل: إنه المعروف. لعدم كونه من أفراد الفريضة. و إطلاق التمر على الرطب مبني على المسامحة، فلا يعول عليه. و لو سلم كان اللازم الاجتزاء به و إن لم يبلغ مقدار الفريضة لو جف، و لم يقل به أحد. فإن المحكي عن المنتهى الجواز بالشرط المذكور.

و محصل الكلام: أنه إن بني على أن زمان التعلق هو زمان التسمية تمراً أو زبيباً، فلا ينبغي التأمل في عدم إجزاء الرطب و العنب على أنه الفريضة، لانتفاء الاسم. و ان بني على المشهور- من أن زمان التعلق زمان بدو الصلاح- ففي حال كونه رطباً أو عنباً يكون موضوعاً للزكاة.

و حينئذ نقول: إن قولهم (ع): «ففيه العشر، أو نصف العشر ..»‌

إما أن يراد منه الكسر المشاع، أو الكلي في المعين، أو الحق في المعين.

فعلى الأول لا يجوز دفع كل من الرطب و التمر عن الآخر، و لا دفع كل من العنب و الزبيب عن الآخر، و لا دفع أحدهما عن الزكاة الواجبة في مجموعهما. كما لا يجوز دفع نوع بعينه إذا كان الزكوي مختلطاً من أنواع شتى، و لا ذي وصف بعينه إذا كان النصاب مختلطاً من ذوات أوصاف شتى، لأن ذلك كله ليس من مصاديق الكسر المشاع، بل يجب الدفع من كل واحد من الأنواع، أو ذوات الأوصاف على النسبة.

166
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 26): إذا أدى القيمة من جنس ما عليه بزيادة أو نقيصة ؛ ج‌9، ص : 167

كونه من أفراد المأمور به. نعم يجوز دفعه على وجه القيمة.

و كذا إذا كان عنده زبيب لا يجزي عنه دفع العنب، إلا على وجه القيمة، و كذا العكس فيهما. نعم لو كان عنده رطب يجوز أن يدفع عنه الرطب فريضة. و كذا لو كان عنده عنب يجوز له دفع العنب فريضة. و هل يجوز أن يدفع مثل ما عليه من التمر و الزبيب من تمر آخر أو زبيب آخر فريضة أو لا؟

لا يبعد الجواز. لكن الأحوط دفعه من باب القيمة أيضاً، لأن الوجوب تعلق بما عنده. و كذا الحال في الحنطة و الشعير إذا أراد أن يعطي من حنطة أخرى أو شعير آخر.

[ (مسألة 26): إذا أدى القيمة من جنس ما عليه بزيادة أو نقيصة]

(مسألة 26): إذا أدى القيمة من جنس ما عليه بزيادة أو نقيصة، لا يكون من الربا، بل هو من باب الوفاء (1).

و على الثاني يجوز الدفع من أي نوع من العين، و من أي موصوف منها، و لا يجب التوزيع، لأن كل ما يفرض مساوياً للعشر فهو مصداق لذلك الكلي. و لكن لا يجوز الدفع من غير العين، لأنه غير مصداق الكلي في المعين.

و على الثالث يجوز الدفع من غير العين، و لو لم يكن مساوياً للعين في النوع أو الوصف، لأنه مصداق للواجب في الذمة. و اللازم حينئذ تحقيق ما هو ظاهر الأدلة من المعاني المذكورة. و مقتضى بناء المصنف (ره) على الثاني جواز دفع الرطب إذا كان بعض النصاب، و كذا دفع التمر عن الرطب و مثله: دفع العنب عن الزبيب و عكسه. بل يجوز دفع البسر عن التمر.

و دفع الحصرم عن الزبيب، و البسر عن التمر. فتأمل جيداً. و سيجي‌ء- إن شاء اللّه تعالى- تحقيق ما هو الظاهر. فانتظر.

كما نص عليه في الجواهر و غيرها. و الربا إنما يكون في المعاملات‌

167
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 27): لو مات الزارع مثلا بعد زمان تعلق الوجوب ؛ ج‌9، ص : 168

[ (مسألة 27): لو مات الزارع مثلا بعد زمان تعلق الوجوب]

(مسألة 27): لو مات الزارع مثلا بعد زمان تعلق الوجوب، وجبت الزكاة (1) مع بلوغ النصاب. أما لو مات قبله و انتقل إلى الوارث، فان بلغ نصيب كل منهم النصاب وجب على كل زكاة نصيبه، و إن بلغ نصيب البعض دون البعض وجب على من بلغ نصيبه، و إن لم يبلغ نصيب واحد منهم لم يجب على واحد منهم.

[ (مسألة 28): لو مات الزارع أو مالك النخل و الشجر و كان عليه دين]

(مسألة 28): لو مات الزارع أو مالك النخل و الشجر و كان عليه دين، فاما أن يكون الدين مستغرقاً أو لا. ثمَّ إما أن يكون الموت بعد تعلق الوجوب، أو قبله بعد ظهور الثمر أو قبل ظهور الثمر أيضاً. فإن كان الموت بعد تعلق الوجوب وجب إخراجها، سواء كان الدين مستغرقاً أم لا، فلا يجب التحاص مع الغرماء (2) لأن الزكاة متعلقة بالعين. نعم لو التي ليس الوفاء منها. هذا و قد تقدم في النقدين: الإشكال في جواز دفع القيمة من الجنس.

يعني: على الميت، فينتقل إلى الورثة من التركة ما يزيد على مقدار الزكاة.

كما هو المشهور شهرة عظيمة. خلافاً للشيخ (ره) في المبسوط، فذهب إلى وجوب التحاص. و هو في محله لو لم تكن الزكاة متعلقة بالعين أصلا، إذ هي حينئذ كسائر الديون، فلا مرجح لها عليها. أما بناء على تعلقها بالعين، فان كان بنحو الشركة- أو الكلي في المعين- فعدم التحاص ظاهر، لأن مقدار الزكاة غير مملوك للميت، فلا وجه لصرفه في وفاء دينه. و ان كان بنحو تعلق حق الرهانة، فينبغي أن يكون كذلك أيضاً،

168
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 28): لو مات الزارع أو مالك النخل و الشجر و كان عليه دين ؛ ج‌9، ص : 168

تلفت في حياته بالتفريط و صار في الذمة، وجب التحاص بين أرباب الزكاة و بين الغرماء (1) كسائر الديون. و إن كان الموت قبل التعلق و بعد الظهور، فان كان الورثة قد أدوا الدين قبل تعلق الوجوب من مال آخر، فبعد التعلق يلاحظ بلوغ حصتهم النصاب (2) و عدمه، و إن لم يؤدوا إلى وقت التعلق، ففي الوجوب و عدمه إشكال (3). و الأحوط الإخراج مع الغرامة لأن صرف ما يساوي الزكاة في الدين تفويت للحق، و هو غير جائز، لقاعدة السلطنة على الحقوق، كقاعدة السلطة على الأموال.

فإن قلت: في صرفه للزكاة تفويت لحق الديان المتعلق بالتركة. قلت:

حق الزكاة مانع عن تعلق حق الديان، لما عرفت من أن حق الزكاة موجب لقصور سلطنة الميت عن التصرف في موضوعه، فيمتنع تعلق حق الديان، لأن مرجع الحق المذكور الى تضييق سلطنة الوارث في غير الوفاء، فاذا كانت سلطنته قاصرة- لقصور سلطنة الموروث- لا مجال لتعلق الحق المذكور.

نعم لو كان الحق من قبيل حق الجناية بنحو لا يمنع من تصرف الميت، كان حق استيفاء الدين في محله. لكنه لا يسقط الزكاة، فيبقي حق استيفائها حتى من الدائن الذي قد استوفي حقه من التركة باقياً بحاله، فتؤخذ الزكاة من الدائن. و كذا الحال في أمثال المورد من أنواع الحقوق.

إذ لا حق هنا يصلح للترجيح.

لأن التعلق بملكهم، فلا بد فيه من وجود شرطه، و هو بلوغ حصة كل منهم قدر النصاب، فمن لم تبلغ حصته ذلك القدر لم يجب في ماله شي‌ء.

ينشأ: من الإشكال في تعلق حق الديان بالتركة، على نحو يمنع‌

169
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 28): لو مات الزارع أو مالك النخل و الشجر و كان عليه دين ؛ ج‌9، ص : 168

للديان أو استرضاؤهم. و أما إن كان قبل الظهور وجب على من بلغ نصيبه النصاب من الورثة، بناء على انتقال (1) التركة إلى الوارث و عدم تعلق الدين بنمائها الحاصل قبل أدائه و أنه للوارث من غير تعلق حق الغرماء به (2).

من تصرف الوارث فيه، فينتفي شرط تعلق الزكاة و عدمه. و قد أشرنا في بعض مباحث مكان المصلي إلى أن ظاهر جملة من النصوص: أن ما يقابل الدين من التركة باق على ملك الميت لا ينتقل الى الوارث، فلا يجوز له التصرف فيه، فلا يكون فيه الزكاة. نعم لو ضمن الورثة الدين، و رضي الدائن بذلك صح الضمان- كما تضمنه الصحيح- و برئت ذمة الميت من الدين و كانت التركة للورثة، كما لو لم يكن دين أصلا.

قد عرفت الإشكال في الانتقال.

إذا بنينا على بقاء ما يساوي الدين على ملك الميت فالنماء الحادث بعد الموت يتبعه، فيوزع عليه الدين و على الأصل بالنسبة. فإذا كان الدين عشرين، و الأصل ثلاثين، يكون ثلث الأصل باقياً على ملك الميت، فاذا نما نماء قيمته عشرة، كان مجموع الأصل و النماء أربعين، فيكون نصف الأصل و نصف النماء على ملك الميت، فنصف النماء الثاني يوزع على الورثة، فإذا بلغت حصة أحدهم النصاب وجبت فيه الزكاة. و إذا قلنا بانتقال التركة إلى الوارث، و يتعلق بها حق الديان كحق الرهانة، فالنماء و إن كان تابعاً للأصل في الملك، لكنه غير تابع له في تعلق الحق.

و حينئذ يكون جميعه ملكاً للوارث، فتتعلق الزكاة بحصة كل منهم من المجموع إذا بلغت النصاب.

نعم يشكل هذا القول في مثل الزرع، مما يكون النماء فيه موجباً لسقوط الأصل عن المالية، لأن النماء إذا لم يتعلق به حق الدين لم يبق‌

170
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 29): إذا اشترى نخلا أو كرما أو زرعا - مع الأرض أو بدونها - قبل تعلق الزكاة ؛ ج‌9، ص : 171

[ (مسألة 29): إذا اشترى نخلا أو كرماً أو زرعاً- مع الأرض أو بدونها- قبل تعلق الزكاة]

(مسألة 29): إذا اشترى نخلا أو كرماً أو زرعاً- مع الأرض أو بدونها- قبل تعلق الزكاة، فالزكاة عليه بعد التعلق (1)، مع اجتماع الشرائط. و كذا إذا انتقل إليه بغير الشراء. و إذا كان ذلك بعد وقت التعلق فالزكاة على البائع فإن علم بأدائه أو شك في ذلك ليس عليه شي‌ء (2)، و إن علم من الأصل ما يمكن وفاء الدين به. و الالتزام بتبعية النماء فيه للأصل- في تعلق الحق به- لا وجه له ظاهر. و الالتزام بسقوط حق الديان فيه أشكل.

و هذا مما يستوجب القول ببقاء ما يقابل الدين من التركة على ملك الميت، من دون انتقال الى الوارث.

لأنها تتعلق الزكاة بملكه، لا بملك البائع.

قد يشكل ذلك بمخالفته لأصالة عدم أداء الزكاة، و ان كان الانتقال إليه بمعاوضة و نحوها، لأن إثبات خلو المال عن الزكاة- بقاعدة الصحة الجارية في المعاملة أو نحوها- يختص بالشك الحادث بعد المعاملة، بل قد قيل: إنه يختص بخصوص صورة احتمال التفاته حين المعاملة، و علمه بوجوب الأداء، فلا تجري أصالة الصحة إلا في تلك الصورة لا غير، فضلا عما إذا كان الانتقال بالموت و نحوه من الأسباب التي لا تتصف بالصحة و الفساد. اللهم إلا أن يتمسك باليد، فتجعل أمارة على الملكية الطلقة.

نعم ظاهر المشهور عدم حجية اليد إذا كانت مسبوقة بكونها أمانة أو عادية، لاستصحاب كونها كذلك. و فيه: أن عنوان اليد الأمانية أو العادية لم يؤخذ عدمه قيداً في موضوع حجية اليد، كي يكون الاستصحاب جارياً في قيد الموضوع الشرعي، فيكون حجة. كيف و اليد حجة مطلقاً و لو احتمل كونها يد أمانة أو عادية؟ غاية الأمر إنه إذا علم بكون اليد أمانة أو عادية فقد علم بعدم الملكية، فلا مجال لجعل الحجية على الملكية‌

171
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 29): إذا اشترى نخلا أو كرما أو زرعا - مع الأرض أو بدونها - قبل تعلق الزكاة ؛ ج‌9، ص : 171

بعدم أدائه فالبيع بالنسبة إلى مقدار الزكاة فضولي، فان أجازه الحاكم الشرعي طالبه بالثمن (1) بالنسبة إلى مقدار الزكاة، و إن دفعه إلى البائع رجع- بعد الدفع إلى الحاكم- عليه، و إن لأن الأحكام الظاهرية يمتنع جعلها في ظرف العلم بالواقع، لا أن موضوع الحجية اليد التي ليست يد أمانة أو عادية، فإن ذلك غير معقول، لأنه إذا كانت اليد ليست أمانة و لا عادية فهي مالكة واقعاً. و حينئذ لا مجال لجعل الحكم الظاهري المحتمل المصادفة للواقع و المخالفة. مع أنه يلزم عدم جواز التمسك باليد على الملكية، لأن الشك في الملكية ملازم للشك في الأمانة و العدوان، و مع الشك في عنوان العام لا يجوز الرجوع الى العام، كما هو ظاهر. اللهم إلا أن يرجع إلى استصحاب عنوان العام، أعني:

استصحاب عدم كونها أمانة أو عادية. لكنه يختص ذلك بما إذا كانت مسبوقة بالعلم بعدم كونها كذلك، و إلا فلا أصل ينفي كونها كذلك إلا استصحاب العدم الأزلي الذي هو محل الاشكال بين الاعلام.

نعم يمكن أن يقال: إن حجية اليد عند العقلاء مختصة بما إذا لم تكن مسبوقة بالأمانة و العدوان، و لا تشمل المسبوقة بذلك، و الدليل الدال على الحجية منزل على ذلك. و عليه يشكل جعلها حجة على الملكية في الموارد التي تعارف فيها القبض بالسوم قبل الشراء ثمَّ تشتري بعد ذلك، و الأعيان التي تكون بأيدي الدلالين التي يعلم بكون حدوث يدهم بالولاية و الوكالة و يجهل الحال بعد ذلك، و غير ذلك.

يعني: طالب المشتري بالثمن. و هذا يتوقف على أن يكون تعلق الزكاة من تعلق الجزء المشاع أو الكلي في المعين. أما إذا كان بنحو آخر- كما سيأتي- فله المطالبة بالزكاة، لا بالثمن.

172
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 30): إذا تعدد أنواع التمر مثلا ؛ ج‌9، ص : 173

لم يجز كان له أخذ مقدار الزكاة من المبيع (1). و إن أدى البائع الزكاة بعد البيع، ففي استقرار ملك المشتري، و عدم الحاجة إلى الإجازة من الحاكم إشكال (2).

[ (مسألة 30): إذا تعدد أنواع التمر مثلا]

(مسألة 30): إذا تعدد أنواع التمر مثلا، و كان فان المالك و إن كان له دفع الزكاة من غير العين، لكن المشتري ليس له ذلك، إذ لا ولاية له. فالولاية تكون للحاكم، فله أن يأخذ من المبيع، و لا يرضى بالأخذ من غيره.

لا يظهر وجه للتوقف على إجازة الحاكم، لأنه بعد دفع الزكاة من غير النصاب سقط التكليف بها، فلا مقتضي للرجوع الى الحاكم، كما لو لم تجب. و لعل العبارة: (من البائع) بدل: (من الحاكم). و يشير بهذا الإشكال إلى ما في الجواهر حيث قال: «و لو أدى المالك الزكاة من غيره بعد البيع لم يجد في الصحة، ضرورة عدم الملك حال البيع. اللهم إلا أن يجعل الشرط الملك و لو متأخراً عنه، و فيه بحث، أو منع ..»‌

و المحقق في محله من مبحث الفضولي: أن من باع مال غيره ثمَّ اشتراه، توقف نفوذ البيع على إجازته.

نعم مقتضى ظاهر صحيح عبد الرحمن البصري عدم اعتباره إجازة المالك‌

قال: «قلت لأبي عبد اللّه (ع): رجل لم يزك إبله أو شاءه عامين فباعهما على من اشتراها أن يزكيها لما مضى؟ قال (ع): نعم، تؤخذ منه زكاتها و يتبع بها البائع. أو يؤدي زكاتها البائع» «1».

لكن لا ينبغي التأمل في وجوب العمل على الصحيح، لأنه أخص. و به يخرج عن القواعد العامة بل لو قيل: بأن تعلقها من قبيل تعلق حق الجناية أو الرهانة، يكون الصحيح موافقاً للقواعد.

______________________________
(1) الوسائل باب: 12 من أبواب زكاة الأنعام حديث: 1.

173
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 30): إذا تعدد أنواع التمر مثلا ؛ ج‌9، ص : 173

بعضها جيداً أو أجود، و بعضها الآخر ردي‌ء أو أردأ، فالأحوط الأخذ من كل نوع (1) بحصته. و لكن الأقوى الاجتزاء بمطلق الجيد (2)، و إن كان مشتملا على الأجود.

و لا يجوز دفع الردي (3) عن الجيد و الأجود على الأحوط.

ليطابق القول بأن الزكاة جزء مشاع في العين. قال في محكي التذكرة: «و لو تعددت الأنواع أخذ من كل نوع بحصته، لينتفي الضرر عن المالك بأخذ الجيد، و عن الفقراء بأخذ الردي. و هو قول عامة أهل العلم. و قال مالك و الشافعي: إذا تعددت الأنواع أخذ من الوسط ..».

لما سيأتي: من أن الزكاة كلي في العين، أو حق في العين، و هو صادق على الجيد.

كما جزم به في الحدائق و الجواهر و غيرهما: لقوله تعالى: (وَ لٰا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ..) «1»، و‌

خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (ع): «في قول اللّه عز و جل (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا كَسَبْتُمْ وَ مِمّٰا أَخْرَجْنٰا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ لٰا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ..)، قال (ع): كان رسول اللّه (ص) إذا أمر بالنخل أن يزكى، تجي‌ء أقوام بألوان من التمر- و هو من أردأ التمر- يؤدونه من زكاتهم، تمراً يقال له الجعرور و المعى فأرة، قليلة اللحا، عظيمة النوى و كان بعضهم يجي‌ء بها عن التمر الجيد. فقال رسول اللّه (ص): لا تخرصوا هاتين التمرتين، و لا تجيئوا منها بشي‌ء. و في ذلك نزل: (وَ لٰا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلّٰا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ..). و الإغماض:

أن يأخذ هاتين التمرتين» «2».

و نحوه غيره.

______________________________
(1) البقرة: 267.

(2) الوسائل باب: 19 من أبواب زكاة الغلات حديث: 1.

174
مستمسک العروة الوثقى9

(مسألة 31): الأقوى أن الزكاة متعلقة بالعين ؛ ج‌9، ص : 175

[ (مسألة 31): الأقوى أن الزكاة متعلقة بالعين]