×
☰ فهرست و مشخصات
مستمسک العروة الوثقی1

الخطبة ؛ ج‌1، ص : 5

الجزء الأول

[الخطبة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ، و صلى اللّه على محمد خير خلقه و آله الطاهرين. و بعد فيقول المعترف بذنبه المفتقر إلى رحمة ربه محمد كاظم الطباطبائي: هذه جملة مسائل مما تعم به البلوى و عليها الفتوى، جمعت شتاتها و أحصيت متفرقاتها عسى أن ينتفع بها إخواننا المؤمنون، و تكون ذخراً ليوم لٰا يَنْفَعُ فيه مٰالٌ وَ لٰا بَنُونَ. و اللّه ولي التوفيق.

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ، الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ، مٰالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. و الصلاة و السلام على أشرف النبيين و خاتم المرسلين محمد و آله الطيبين الطاهرين.

و بعد فيقول العبد الفقير الى اللّه الغني «محسن» خلف العلامة المرحوم السيد «مهدي» الطباطبائي الحكيم: قد يكون من دواعي الخير و أسباب التوفيق أن يجتمع لدي فريق من أرباب العلم و الفضل، و يرغبوا إلى رغبة ملحة في تدريس علم الفقه الشريف على أن يكون محور البحث و النظر كتاب (العروة الوثقى) تأليف سيدنا الأعظم فخر الفقهاء المحققين المرحوم المبرور السيد محمد كاظم الطباطبائي، أعلى اللّه مقامه، فنزلت عند رغبتهم متوكلا على اللّه تعالى و مستمداً منه المعونة و التسديد. و كنت في أثناء ذلك أدون ما ألقيه إليهم كشرح للكتاب المذكور بشكل موجز. آملا منه- جل شأنه- أن يكون وافياً بمداركه كافياً في تعرف أحكامه، فأكون قد أديت وظيفة جُلي في خدمة هذا العلم الجليل. و إني لأرجو منه تعالى ببركة من أنا في جوار حرمه، و أستجير في كثير من الأحيان بذمته- صلوات اللّه عليه- أن يتقبله بقبول حسن، و يثبته في ديوان الحسنات، ليكون ذخراً لي يوم ألقاه (يَوْمَ لٰا يَنْفَعُ مٰالٌ وَ لٰا بَنُونَ إِلّٰا مَنْ أَتَى اللّٰهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) إنه ولي التوفيق، و هو حسبنا وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ.

5
مستمسک العروة الوثقی1

أحكام التقليد و الاجتهاد ؛ ج‌1، ص : 6

[أحكام التقليد و الاجتهاد]

[ (مسألة 1): يجب على كل مكلف في عباداته و معاملاته أن يكون مجتهداً أو مقلداً أو محتاطا]

(مسألة 1): يجب على كل مكلف (1) في عباداته و معاملاته (2) أن يكون مجتهداً أو مقلداً أو محتاطا (3).

[ (مسألة 2): الأقوى جواز العمل بالاحتياط]

(مسألة 2): الأقوى جواز العمل بالاحتياط (4) الوجوب التخييري المذكور من قبيل وجوب الإطاعة، فطري بمناط وجوب دفع الضرر المحتمل، حيث أن في ترك جميع الابدال احتمال الضرر. و عقلي بمناط وجوب شكر المنعم. و لأجل ذلك اختص بصورة احتمال التكليف المنجز، فمع الغفلة عن التكليف، أو احتمال التكليف غير الإلزامي، أو الإلزامي غير المنجز، لم يجب شي‌ء من ذلك، لعدم احتمال الضرر في تركها، و لا هو مما ينافي الشكر الواجب.

بل في جميع أفعاله و تروكه- كما سيأتي ذلك منه رحمه اللّه- لوجود المناطين المذكورين في الجميع.

يعني: يجب أن يعمل على طبق الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط.

أما الاكتفاء بالأولين فلاقتضاء كل منهما العلم بأداء الوظيفة شرعية أو عقلية الموجب للأمن من العقاب، أو من حصول ما ينافي الشكر، و ان احتمل مخالفته للواقع. و أما الاكتفاء بالأخير فلأنه يوجب القطع بأداء الواقع الموجب للأمن مما ذكر أيضاً. و أما عدم الاكتفاء بغيرها كالظن مثلا فلعدم اقتضاء العمل المطابق له للأمن لاحتمال مخالفته للواقع.

خلافاً لما عن المشهور، من بطلان عبادة تارك طريقي الاجتهاد‌

6
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 3): قد يكون الاحتياط في الفعل ؛ ج‌1، ص : 7

مجتهداً أو لا. لكن يجب أن يكون عارفا بكيفية الاحتياط بالاجتهاد أو بالتقليد (1).

[ (مسألة 3): قد يكون الاحتياط في الفعل]

(مسألة 3): قد يكون الاحتياط في الفعل، كما إذا احتمل كون الفعل واجباً و كان قاطعاً بعدم حرمته، و قد يكون في الترك، كما إذا احتمل حرمة فعل و كان قاطعاً بعدم وجوبه، و التقليد معاً، بل لعل ظاهر المحكي عن السيد المرتضى و أخيه الرضي- قدس سرهما- دعوى الاتفاق عليه. لكنه لا دليل عليه بعد ما عرفت من أن العمل الموافق للاحتياط موجب للعلم بمطابقة الواقع. و أما أدلة وجوب التعلم فتأبى الحمل على الوجوب النفسي، و الوجوب الغيري ممتنع، لعدم المقدمية بين العلم و العمل، فالمراد منها الوجوب الإرشادي، و المقصود منه عدم عذرية الجهل في مخالفة الواقع قبل التعلم، كما هو أيضاً ظاهر وجوب التبين في آية النبإ «1». و الإجماع المدعى على المنع غير واضح الحجية. كما أن اعتبار الإطاعة في صحة العبادة لا يقتضي ذلك» لتحقق الإطاعة عند العقلاء بنفس الفعل الصادر عن داعي الأمر و لو كان محتملا، و التمييز مما لا يعتبر عندهم فيها قطعاً. و احتمال دخله في حصول الغرض- مع أنه قد يندفع بالإطلاقات المقامية- لا يصلح علة لوجوب الاحتياط في نظر العقل، كاحتمال اعتبار شي‌ء جزءاً أو شرطاً في المأمور به، كما هو موضح في محله من الأصول.

هذا شرط للاكتفاء بالاحتياط في نظر العقل، بل لعل عدم المعرفة مانع من حصول الاحتياط، فلا يحصل الأمن.

______________________________
(1) و هي قوله تعالى (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهٰالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلىٰ مٰا فَعَلْتُمْ نٰادِمِينَ) الحجرات: 49.

7
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 4): الأقوى جواز الاحتياط و لو كان مستلزما للتكرار ؛ ج‌1، ص : 8

و قد يكون في الجمع بين أمرين مع التكرار (1) كما إذا لم يعلم أن وظيفته القصر أو التمام.

[ (مسألة 4): الأقوى جواز الاحتياط و لو كان مستلزماً للتكرار]

(مسألة 4): الأقوى جواز الاحتياط و لو كان مستلزماً للتكرار (2) و أمكن الاجتهاد أو التقليد.

الأولى إسقاط هذا القيد، إذ التكرار هنا عين الجمع بين الأمرين كالقصر و التمام، فيغني ذكره عن ذكره. و تسميته تكراراً بلحاظ مفهوم الصلاة و إلا فمع الاختلاف في الكيفية لا تكرار حقيقة. و الاحتياط بفعل محتمل الجزئية أو الشرطية و ترك محتمل المانعية داخل في أحد الأولين. بل الجمع يمكن أن يكون داخلا في الأول. فتأمل.

و عن جماعة منعه، بل هو الذي أصر عليه بعض الأعاظم (دام ظله) «1».

و قد يستدل له (أولا): بأن فيه فوات نية الأمر، لأن الفعل حينئذ يكون بداعي احتمال الأمر، لا بداعي الأمر. (و ثانياً): بأنه لعب أو عبث بأمر المولى.

و كلا الأمرين ممنوعان. أما الأول: فلأن فعل كل واحد من الأطراف ناشئ عن داعي الأمر بفعل الواجب. و الاحتمال دخيل في داعوية الأمر، لا أنه الداعي إليه، و الا كان اللازم في فرض العلم التفصيلي البناء على كون الفعل ناشئاً عن داعي العلم بالأمر لا عن داعي نفس الأمر، إذ الفرق بين المقامين غير ظاهر. (و بالجملة): العلم في فرض العلم التفصيلي و الاحتمال في فرض عدمه دخيلان في داعوية الأمر إلى الفعل، لا أنهما داعيان اليه. و من ذلك تعرف أن مرجع الشك في المقام إلى الشك في اعتبار العلم بالأمر في تحقق الإطاعة، فيكون من قبيل الدوران بين الأقل و الأكثر‌

______________________________
(1) الشيخ ميرزا محمد حسين النائيني.

8
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 5): في مسألة جواز الاحتياط يلزم أن يكون مجتهدا أو مقلدا ؛ ج‌1، ص : 9

[ (مسألة 5): في مسألة جواز الاحتياط يلزم أن يكون مجتهداً أو مقلداً]

(مسألة 5): في مسألة جواز الاحتياط يلزم أن يكون مجتهداً أو مقلداً (1)، لأن المسألة خلافية.

لا من قبيل الدوران بين التعيين و التخيير. نعم يتم ذلك بناء على أن الباعث على العمل الاحتمال لتباين نحوي الامتثال، إذ في أحدهما يكون الباعث الأمر، و في الآخر الاحتمال، فالشك في اعتبار الامتثال التفصيلي يكون من التردد بين التعيين و التخيير.

و أما الثاني: فلأنه قد يكون في الفحص بالاجتهاد أو التقليد من العناء و المشقة ما لا يكون بالاحتياط- مع أنه لو سلم، فكونه عبثاً بأمر المولى ممنوع، إذ الإتيان بالفعل المتكرر- بعد ما كان عن محض الأمر- موجب لكونه أبلغ في الإطاعة، و أظهر في استشعار العبودية من الفعل بدون التكرار. غاية الأمر أنه عبث في كيفية الإطاعة، و هو مما لا يقدح في حصولها، كيف و هو متأخر عنها رتبة؟! لا ريب في أن الاكتفاء بالاحتياط في نظر العقل إنما هو لكونه موجباً للعلم بأداء الواقع المؤدي إلى الأمن من تبعة مخالفته. فإذا أدرك عقل المكلف ذلك كان مجتهداً في مسألة جواز الاحتياط حينئذ و لزم الاكتفاء به، و إلا امتنع الاكتفاء به. إلا أن يدرك عقله حجية رأي الغير، فيفتي له بجواز الاحتياط، فيكتفي به أيضاً. و كون المسألة وفاقية أو خلافية لا يصلح علة للاكتفاء به و عدمه. بل الاكتفاء به دائر مدار إدراك عقله لذلك، كما عرفت. مع أن كون المسألة خلافية لا يختص بجواز الاحتياط، فإن مسألة جواز التقليد أيضاً خلافية، إذ المحكي عن علماء حلب و غيرهم وجوب الاجتهاد عيناً، فاختصاص الاحتياط بذلك غير ظاهر. و سيأتي أنه لا بد للعامي من أن يكون مجتهداً في جواز التقليد.

9
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 6): في الضروريات لا حاجة إلى التقليد ؛ ج‌1، ص : 10

[ (مسألة 6): في الضروريات لا حاجة إلى التقليد]

(مسألة 6): في الضروريات لا حاجة إلى التقليد (1) كوجوب الصلاة و الصوم و نحوهما. و كذا في اليقينيات إذا حصل له اليقين. و في غيرهما يجب التقليد (2) إن لم يكن مجتهداً إذا لم يمكن الاحتياط، و إن أمكن تخير بينه و بين التقليد.

[ (مسألة 7): عمل العامي بلا تقليد و لا احتياط باطل]

(مسألة 7): عمل العامي بلا تقليد و لا احتياط باطل (2).

لوضوح أن وجوب العمل شرعاً برأي الغير حكم ظاهري كوجوب العمل بسائر الحجج، و من المعلوم أن الحكم الظاهري يختص جعله بحال الشك، فيمتنع جعل حجية رأي الغير مع العلم بالواقع، كما في الضروريات و اليقينيات.

على المعروف. لما دل على حجية رأي المجتهد لغيره، من الكتاب و السنة و بناء العقلاء، و السيرة القطعية في زمان المعصومين (ع)- كما هو محرر في محله من الأصول- من غير فرق في دلالتها عليه بين إمكان الاحتياط و تعذره. و خلاف بعضهم في ذلك ضعيف، و بذلك يظهر التخيير بينه و بين الاحتياط مع إمكانه.

بمعنى عدم الاكتفاء به في نظر العقل في حصول الأمن من العقاب لاحتمال عدم مطابقته للواقع. فلو علم بعد العمل بصحته واقعاً، أو ظاهراً لمطابقته لرأيه أو رأي من يجب عليه تقليده حال النظر، اكتفى به في نظر العقل حينئذ. أما في الأول فواضح. و أما في الثاني فلحصول الأمن من تبعة مخالفته على تقديرها من جهة مطابقته للحجة. و سيأتي لذلك تتمة في كلام المصنف (ره) «1». و لو انكشف مطابقته لرأي من يجب عليه تقليده حال العمل مع مخالفته لرأي من يجب عليه تقليده حال النظر، ففي الاكتفاء به و عدمه وجهان، أقواهما الثاني. و ليس الحكم فيه حكم ما لو قلد‌

______________________________
(1) راجع المسألة: 16 من هذا الفصل.

10
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 8): التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين ؛ ج‌1، ص : 11

[ (مسألة 8): التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين]

(مسألة 8): التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين (1)، و ان لم يعمل بعد، بل و لو لم يأخذ فتواه، فإذا أخذ رسالته و التزم بما فيها كفى في تحقق التقليد.

مجتهداً ثمَّ عدل عنه إلى غيره- لموت أو نحوه مما يسوغ العدول- فكان رأي من قلده ثانياً مخالفاً لرأي من قلده أولا. للفرق بين المسألتين بحصول التقليد في الثانية دون الأولى، و ربما كان فارقاً في الحكم. و سيأتي التعرض لذلك إن شاء اللّه تعالى «1».

قد اختلفت كلماتهم في تعريف التقليد. ففي بعضها: «أنه الأخذ بقول الغير من غير حجة»، و في آخر: «أنه العمل بقول الغير ..»‌

و في ثالث: «أنه قبول قول الغير ..». لكن هذا الاختلاف و إن كان- لأول نظرة- ظاهراً في الاختلاف في معنى التقليد و مفهومه، إلا أن عدم تعرضهم للخلاف في ذلك مع تعرضهم لكثير من الجهات غير المهمة يدل على كون مراد الجميع واحداً، و أن اختلافهم بمحض التعبير. و ظاهر القوانين أن مراد الجميع العمل، حيث نسب تعريفه بالعمل بقول الغير ..

إلى العضدي و غيره، مع أن تعريف العضدي كان بالأخذ. و ظاهر الفصول أن المراد الالتزام حيث قال: «و اعلم أنه لا يعتبر في ثبوت التقليد وقوع العمل بمقتضاه. لأن العمل مسبوق بالعلم، فلا يكون سابقاً عليه. و لئلا يلزم الدور في العبادات، من حيث أن وقوعها يتوقف على قصد القربة، و هو يتوقف على العلم بكونها عبادة، فلو توقف العلم بكونها عبادة على وقوعها كان دوراً .. (إلى أن قال): و قول العلامة (ره) في النهاية:

بأن التقليد هو العمل بقول الغير من غير حجة معلومة، بيان لمعناه اللغوي- كما يظهر من ذيل كلامه- و إطلاقه على هذا شائع في العرف العام».

______________________________
(1) في المسألة: 53 من هذا الفصل.

11
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 8): التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين ؛ ج‌1، ص : 11

.....

و ظاهره تسليم كون التقليد لغة هو العمل إلا أنه يجب حمله اصطلاحاً على مجرد الالتزام فراراً عن الإشكالين المذكورين في عبارته. لكن يدفعهما أن دليل حجية الفتوى يقتضي كونها بمنزلة العلم و هي سابقة على العمل، و كافية في حصول نية القربة. (و دعوى): أن حجية الفتوى مشروطة بالالتزام بالعمل، كما يظهر منه (قده) في شرح قولهم- في تعريف التقليد-: من غير حجة (يدفعها): أنها خلاف ظاهر أدلة الحجية، بل خلاف المقطوع به من بعضها، كما لا يخفى. هذا مضافاً إلى النظر و الاشكال في مقدمات الإشكالين المذكورين، كما يظهر ذلك بالتأمل.

و أما التعبير بالأخذ في كلام الجماعة- كما سبق- فالظاهر أن المراد منه العمل، كما في كثير من المقامات، مثل الأخذ بما وافق الكتاب، و الأخذ بما خالف العامة، و الأخذ بقول أعدلهما، و من أخذ بالشبهات وقع في المحرمات .. إلى غير ذلك مما هو كثير. و لعله المراد أيضاً من القبول المذكور في كلام بعضهم. مع أن عدم إرادته منه لا يهم بعد ما عرفت من كون مقتضى الأدلة جواز العمل بالفتوى بلا توسيط الالتزام، فلا يكون دخيلا في حصول الأمن من الضرر، و لا واجباً تخييرياً بالوجوب الفطري و العقلي المتقدمين آنفاً.

فالمتحصل إذاً: أن التقليد عبارة عن العمل اعتماداً على رأى الغير، و هو المناسب جداً لمعناه اللغوي- كما تقدم من الفصول- و يعبر عنه في العرفيات بقوله: إني أعمل كذا و يكون ذلك في رقبتك- مخاطباً من يشير عليه بالفعل- و الالتزام أجنبي عنه.

هذا كله مع اتحاد المجتهد، أما مع تعدده: فاما أن يتفقوا في الفتوى أو يختلفوا فيها. فان اتفقوا فالظاهر أنه لا دليل على تعيين واحد منهم، فيجوز تقليد جميعهم كما يجوز تقليد بعضهم. و أدلة حجية الفتوى- كأدلة‌

12
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 8): التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين ؛ ج‌1، ص : 11

.....

حجية الخبر- إنما تدل على حجية الفتوى بنحو صرف الوجود الصادق على القليل و الكثير، فكما أنه لو تعدد الخبر الدال على حكم معين يكون الجميع حجة على ذلك الحكم كما يكون البعض كذلك و لا تختص الحجية بواحد منها معين أو مردد، كذلك لو تعددت الفتوى. و يشير إلى ذلك آيتا النفر «1» و السؤال «2»- بناء على ظهورهما في التقليد- و رواية ابن مهزيار الواردة في حكم الإتمام بمكة «3»، و رواية صاحب السابري الواردة في من أوصى أن يحج عنه بمال لا يفي بالحج «4»، و خبر حمران بن أعين، و مرفوع إبراهيم بن هاشم الواردان في أكثر النفاس «5»، و غير ذلك.

و منه يظهر ضعف أخذ التعيين للمجتهد في مفهوم التقليد. إلا أن يكون المراد به ما يقابل الترديد، فإنه حينئذ لا بأس به، إذ الفرد المردد ليس له خارجية كي يصلح أن يكون موضوعاً للحجية أو غيرها من الأحكام.

و إن اختلف المجتهدون في الفتوى، فلما امتنع أن يكون الجميع حجة للتكاذب الموجب للتناقض، و لا واحد معين، لأنه بلا مرجح، و لا التساقط و الرجوع إلى غير الفتوى، لأنه خلاف الإجماع و السيرة، تعين أن يكون الحجة هو ما يختاره، فيجب عليه الاختيار مقدمة لتحصيل الحجة، و ليس‌

______________________________
(1) و هي قوله تعالى (وَ مٰا كٰانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) التوبة: 122.

(2) و هي قوله تعالى (وَ مٰا أَرْسَلْنٰا قَبْلَكَ إِلّٰا رِجٰالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ) النحل: 43، الأنبياء: 7.

(3) الوسائل باب: 25 من أبواب صلاة المسافر حديث: 4.

(4) الوسائل باب: 37 من كتاب الوصايا حديث: 2 و سيأتي ذكر الرواية مفصلا في الجزء العاشر في المسألة التاسعة من فصل الوصية بالحج.

(5) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 11، 7.

13
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 9): الأقوى جواز البقاء على تقليد الميت ؛ ج‌1، ص : 14

[ (مسألة 9): الأقوى جواز البقاء على تقليد الميت]

(مسألة 9): الأقوى جواز البقاء على تقليد الميت (1).

الاختيار إلا الالتزام بالعمل على طبق إحدى الفتويين أو الفتاوى بعينها، و حينئذ يكون الالتزام مقدمة للتقليد لا أنه عينه، و مما ذكرنا يظهر أن دعوى أن التقليد هو الالتزام مما لم يتضح له مأخذ. و اللّه سبحانه أعلم.

الكلام في هذه المسألة، (تارة): يكون في صورة موافقة رأي الميت لرأي الحي الذي يجب عليه تقليده على تقدير عدم جواز البقاء على تقليد الميت، (و أخرى): في صورة مخالفة رأيه لرأيه.

أما الكلام في الصورة الأولى: فهو أنه- بناء على ما عرفت من أن التقليد هو العمل برأي الغير واحداً كان أو متعدداً- لا تترتب صحة العمل واقعاً و عدمها على الجواز و عدمه، لأن العمل الموافق لرأي الميت موافق لرأي الحي أيضاً، فيكون صحيحاً مطلقاً، كان رأي الميت حجة أولا. غاية الأمر أنه على تقدير حجيته تكون صحة العمل عقلا- بمعنى الاجتزاء به في نظر العقل- لموافقته لرأي الجميع، و على تقدير عدم حجيته يكون الاجتزاء به في نظر العقل لموافقته لرأي الحي، فالصحة و الاجتزاء به عند العقل محرز على كل تقدير. نعم يثمر الكلام في حجية رأى الميت من حيث جواز البناء عليها لعدم كونه تشريعاً، و عدمه لكونه كذلك. لكنه شي‌ء آخر أجنبي عن صحة العمل. أما بناء على كونه الالتزام بالعمل فصحة العمل عقلا و عدمها يبتنيان على حجية رأى الميت و عدمها، فإنه على تقدير الحجية يكون الالتزام بالعمل برأيه تقليداً صحيحاً و العمل الموافق للالتزام المذكور عملا عن تقليد صحيح، و ليس كذلك على تقدير عدم الحجية.

و أما الكلام في الصورة الثانية: فهو بعينه الكلام في الصورة الأولى بناء على كون التقليد هو الالتزام بالعمل، لما عرفت من توقف الحجية حينئذ على الالتزام بواحد من الرأيين بعينه، فتبتني الصحة و عدمها على حجية‌

14
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 9): الأقوى جواز البقاء على تقليد الميت ؛ ج‌1، ص : 14

.....

رأى الميت و عدمها. إذا عرفت ذلك نقول: بناء على ما عرفت من أن الأدلة اللفظية الدالة على حجية الفتوى لو تمت في نفسها فإنها تدل على حجيتها بنحو صرف الوجود الصادق على القليل و الكثير. كأدلة حجية الخبر- فلا مجال للتمسك بها مع اختلاف الرأيين. لتكاذبهما المانع من شمول الدليل لهما و لا أحدهما.

فلا بد في إثبات الحجة من رأي الميت أو الحي من الرجوع إلى دليل آخر، من إجماع، أو بناء العقلاء، أو سيرة المتشرعة، أو الأصل. (و الأول) لم يثبت بالنسبة إلى الميت، بل قد يدعى على عدم جواز الرجوع إليه، فضلا عن العلم بعدم انعقاده على الجواز. (و أما الثاني) فالظاهر أنه لا يشمل صورة الاختلاف أيضاً كالأدلة اللفظية. (و أما السيرة) فهي و إن ادعي استقرارها في عصر المعصومين (ع) على البقاء على تقليد الميت، كما هو المظنون قوياً، لكن بلوغه حداً يصح التعويل عليه لا يخلو من: إشكال.

فيتعين الأخير. و ستأتي وجوه تقريره.

و أما بناء على أن مفاد أدلة التقليد هو الحجية على تقدير الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين فلا مانع من الرجوع إلى إطلاق تلك الأدلة لو كان.

لكن عرفت أنا لا نعرف ذلك الدليل لنعرف إطلاقه.

فالعمدة إذاً هو الأصل. و تقريره (تارة): بإجرائه في الحكم الوضعي الأصولي- أعني: الحجية- فيقال: كان رأي فلان حجه- يعني حال حياته- و هو على ما كان. (و أخرى): في نفس المؤدى الواقعي المحكي بالرأي، فيقال مثلا: كانت السورة واجبة واقعاً حال حياة فلان فهي باقية على وجوبها. (و ثالثة): في الحكم الظاهري، فيقال مثلا: كانت السورة واجبة ظاهراً حال حياة فلان فهي باقية على وجوبها الظاهري، فنقول:

أما إجراؤه في الحكم الوضعي على النحو الأول- أعني: الحجية-

15
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 9): الأقوى جواز البقاء على تقليد الميت ؛ ج‌1، ص : 14

.....

فيتوقف أولا على كونها متأصلة في الجعل، بحيث يصح اعتبارها من مجرد جعلها، و تترتب عليها آثارها عقلا من صحة اعتذار كل من المولى و العبد بها. لكنه غير ظاهر، بل الظاهر أنها منتزعة من الحكم الظاهري الراجع إلى الأمر بالعمل بالواقع على تقدير المصادفة- نظير الأمر بالاحتياط في بعض موارد الشك- و إلى الترخيص على تقدير المخالفة، فإن ذلك هو منشأ صحة الاعتذار و الاحتجاج، فالحجية نظير الوجوب و الحرمة المنتزعين من مقام الإرادة و الكراهة، و لا يصح اعتبارهما من مجرد جعلهما مع قطع النظر عن الإرادة و الكراهة. و على هذا لا مجال لجريان الاستصحاب فيها، لعدم كونها أثراً شرعياً و لا موضوعاً لأثر شرعي.

و يتوقف ثانياً على أن يكون موضوع الحجية مجرد حدوث الرأي، أما إذا كانت منوطة به حدوثاً و بقاء، بحيث يكون موضوعها في الآن الثاني بقاء الرأي، فلا مجال لاستصحابها، لعدم بقاء موضوعها، لانتفاء الرأي بالموت. و قد يستظهر ذلك من بناء الأصحاب- بل ظهور الإجماع- على ارتفاع الحجية بتبدل رأي المجتهد، و بارتفاع الشرائط من العدالة و العقل و الضبط و غيرها. و لأن حجية الرأي بالإضافة إلى العامي ليست بأعظم منها بالإضافة إليه نفسه، و من المعلوم أن حجية الرأي بالإضافة إلى نفسه على النحو الثاني، فإن الحجية لرأي المجتهد بالإضافة إلى نفسه في كل زمان موضوعها الرأي في ذلك الزمان، لا مجرد الحدوث.

فان قلت: سلمنا كونها كذلك بالإضافة إلى العامي، لكن لا دليل على ارتفاع الرأي بالموت فيجري فيه استصحاب بقائه، و يكون حجة.

(قلت): لو سلمنا تقوم الرأي بالنفس عقلا لا بالبدن فليس كذلك عرفا، فإنه يصدق عرفاً أن هذا الميت لا رأي له. مع أن الموت ملازم لارتفاع الرأي- غالباً- قبله آناً ما فلا مجال لاستصحابه.

16
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 9): الأقوى جواز البقاء على تقليد الميت ؛ ج‌1، ص : 14

.....

هذا و لكن الإنصاف أن الإجماع على عدم حجية رأي المجتهد مع اختلال الشرائط- لو تمَّ- لا يقتضي عدم الحجية مع ارتفاع الحياة إذا كان محلا للخلاف و ارتفاع الحجية بتبدل الرأي إنما هو لكون الحجية مشروطة بعدم ظهور الخطأ له في المستند، لا لكونها منوطة بالرأي حدوثاً و بقاء.

و لذا ترى الشهادة تسقط عن مقام الحجية إذا ظهر للشاهد الخطأ في المستند، مع أنها حجة بحدوثها إلى الأبد و لا ترتفع حجيتها بموت الشاهد أو نسيانه.

و ارتفاع الرأي قبل الموت غالباً إن قام إجماع على قدحه فهو خارج عن محل الكلام، و الكلام في غيره من الفروض و إن لم يقم إجماع على ذلك لم يقدح في جريان الاستصحاب. و بالجملة: احتمال حجية الرأي بحدوثه إلى الأبد لا رافع له، فلا مانع من الاستصحاب.

فان قلت: رأى المجتهد حال حياته و إن دل على ثبوت الحكم في جميع الوقائع السابقة و المقارنة و اللاحقة، إلا أن القدر المتيقن حجيته في غير الوقائع اللاحقة، فهو بالنسبة إليها غير معلوم الحجية حتى تستصحب بعد الموت، إذ الاستصحاب حينئذ يكون من قبيل القسم الثالث من استصحاب الكلي.

قلت: إنما يتم الاشكال لو كانت الوقائع ملحوظة بخصوصها موضوعاً للحجية في قبال غيرها، كأفراد الكلي الملحوظ بعضها في قبال آخر. أما إذا كانت جميع الوقائع ملحوظة بنحو القضية الحقيقية، و الشك إنما هو في مجرد استمرار الحكم إلى الأزمنة اللاحقة، فلا مانع من الاستصحاب، إذ الواقعة اللاحقة- على هذا المعنى- تكون موضوعاً للحكم لو كانت واقعة في حياة المفتي و إنما الشك في خصوصية زمان الحياة، و الاستصحاب شأنه إلغاء احتمال دخل خصوصية الزمان السابق في الحكم. نظير ما لو ثبت أن من ولد في يوم الجمعة يجب ختانه و شك في استمرار الحكم لمن ولد في يوم السبت، فمن ولد في يوم السبت يعلم بثبوت الحكم له لو كان ولد في يوم الجمعة‌

17
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 9): الأقوى جواز البقاء على تقليد الميت ؛ ج‌1، ص : 14

.....

و يشك في بقائه على ما كان. فصورة القضية المستصحبة هكذا: هذا- يعني:

المولود في يوم السبت- كان لو ولد وجب ختانه فهو على ما كان.

و كذلك نقول في المقام: هذه الواقعة كانت لو وجدت فيما مضى لكان الرأي فيها حجة فهي باقية على ما كانت، فالشك ليس لاحتمال دخل خصوصية أفراد الوقائع، بل لاحتمال دخل خصوصية الزمان السابق في الحكم، و شأن الاستصحاب إلغاء احتمال ذلك. فهذا الاستصحاب نظير استصحاب الشرائع السابقة عند الشك المحرر جوازه في مبحث الاستصحاب. نعم هو من قبيل الاستصحاب التعليقي المحقق في محله جريانه، إذ لا فرق بين الحكم التعليقي و التنجيزي في الدخول في عموم دليل الاستصحاب. لكنه ربما يكون معارضاً بالاستصحاب التنجيزي لعدم الدليل على حكومته عليه، و حينئذ يسقط للمعارضة، و في المقام يعارض بأصالة عدم الحجية الثابت قبل الوجود.

لكنه مبني على جريان الأصل في العدم الأزلي، و إلا كان الأصل التعليقي بلا معارض.

و أما إجراؤه في الحكم الواقعي: فيشكل بأنه يتوقف على اليقين بالحدوث و الشك في البقاء، و كلاهما غير حاصل. أما الأول فلعدم اليقين الوجداني حال الوفاة بثبوت الحكم الواقعي حال الحياة، إذ لا منشأ له. و مثله اليقين التنزيلي. و كون رأي المجتهد بمنزلة اليقين مسلم لو ثبتت حجيته حال الوفاة، و هي محل الكلام، و حجيته حال الحياة على ثبوت الحكم الواقعي حينئذ لا تجدي في ثبوت اليقين التنزيلي بعد الوفاة بأصل الثبوت، فلا يقين و لا ما هو بمنزلته بثبوت الحكم الواقعي من أول الأمر. و أما الثاني فانتفاؤه أظهر، للعلم بثبوت الحكم الواقعي على تقدير حدوثه، و إنما الشك في أصل ثبوته لا غير.

و أما إجراؤه في الحكم الظاهري: فلا ضير فيه، لاجتماع أركانه،

18
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 9): الأقوى جواز البقاء على تقليد الميت ؛ ج‌1، ص : 14

.....

لليقين الوجداني حال الوفاة بثبوته حال الحياة الملازم لحجية الفتوى حال الحياة، و الشك في بقائه، للشك في بقاء الحجية إلى زمان الوفاة. نعم يتوجه عليه الإشكال الأخير في استصحاب الحجية. و يندفع بما عرفت من الاستصحاب التعليقي. بل جريانه هنا أوضح، لأن الحكم المستصحب إن لم يكن اقتضائياً- كما لو كانت فتوى الميت عدم الوجوب أو عدم الحرمة- فاستصحابهما التعليقي لا يعارضه الاستصحاب التنجيزي، لأنه لو جرى كان مفاده نفي الوجوب أو الحرمة- لأصالة عدمهما- فالاستصحاب التنجيزي- لو جرى- فهو موافق لا مخالف كي يسقطا بالمعارضة. نعم لو كان اقتضائياً- كما لو كانت فتوى الميت الوجوب أو الحرمة- فالأصل التنجيزي و إن كان معارضاً، لكن البقاء على التقليد في الأحكام الاقتضائية مما لا بأس به قطعاً من حيث العمل، لموافقته للاحتياط. و لو كانت فتوى الميت الوجوب، و فتوى الحي الحرمة، فالفتوى الأولى لما كان مفادها نفي الحرمة كانت من هذه الجهة غير اقتضائية، فلا مانع من جريان الاستصحاب في مضمونها، و من حيث نفس الوجوب اقتضائية فلا بأس بالبقاء عليها من حيث العمل، كما عرفت.

هذا كله مضافاً إلى ما أشرنا إليه آنفاً من أن المظنون قويا استقرار السيرة على البقاء على تقليد الميت، بل دعوى الجزم بذلك قريبة جداً.

و عليه فلا تنتهي النوبة إلى الأصول و إن كان مقتضاهما مختلفاً، إذ القدر المتيقن من السيرة صورة العلم بالمسألة أو خصوص صورة العمل، لا مطلقاً و إن لم يعمل، فضلا عما لو لم يعلم. أما الأصل فمقتضاه الجواز مطلقاً عمل أولا، علم أولا. و التشكيك في ثبوته في الوقائع مع عدم العلم في غير محله، إذ اعتبار العلم بالفتوى في الحجية خلاف الإجماع كما لا يخفى.

هذا كله مع تساوي المجتهدين الميت و الحي في العلم. أما مع الاختلاف‌

19
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 9): الأقوى جواز البقاء على تقليد الميت ؛ ج‌1، ص : 14

.....

فالظاهر أنه لا إشكال في بناء العقلاء على تعين الرجوع إلى الأعلم، فيجب العدول إلى الحي إن كان أعلم، كما يجب البقاء إن كان الميت أعلم. بلا فرق بين ما علم و عمل و بين غيره، لعدم الفرق في بناء العقلاء المذكور. و لا مجال حينئذ للرجوع إلى الأصول شرعية أو عقلية، نعم لو كان الرجوع إلى الأعلم من جهة الحكم العقلي بالتعيين عند الدوران بينه و بين التخيير كان الأصل الشرعي وارداً عليه، فيتعين الرجوع إلى الأصل المتقدم. لكن الظاهر استقرار بناء العقلاء على تعين الرجوع إلى الأعلم، فيتعين العمل به.

هذا و لو بني على جواز البقاء على تقليد الميت فهل يجوز العدول- كما هو ظاهر المتن و المنسوب إلى بعضهم- أولا؟- كما نسب إلى أكثر القائلين بجواز البقاء- وجهان.

أما وجه الأول: فهو استصحاب التخيير الثابت قبل الرجوع إلى الميت. و فيه: أن مرجع التخيير الثابت سابقا إلى أنه لو اختار أي واحد منهما كان رأيه حجة عليه، فيقال: كان لو اختار الحي الذي يقع الكلام في جواز العدول إليه لكان رأيه حجة. و هو من الاستصحاب التعليقي المعارض باستصحاب عدم الحجية الثابت قبل الاختيار.

و أما وجه الثاني: فهو إما الإجماع على عدم جواز العدول الثابت قبل الوفاة و بعد الوفاة، أو الثابت قبل الوفاة فيستصحب المنع إلى ما بعد الوفاة.

أو أصالة الاحتياط، لكون المورد من قبيل الدوران بين التعيين و التخيير.

و فيه: أن عموم معقد الإجماع إلى ما بعد الوفاة ممنوع، بل ثبوت الإجماع على المنع حال الحياة عن العدول تعبداً غير ظاهر كي يجري استصحابه.

و أما أصالة الاحتياط عند الدوران بين التعيين و التخيير فلا مجال لها، إذ كما يحتمل وجوب البقاء على تقليد الميت يحتمل وجوب العدول عنه إلى الحي، فاحتمال التعيين موجود في كل من الطرفين كما يحتمل التخيير أيضا،

20
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 9): الأقوى جواز البقاء على تقليد الميت ؛ ج‌1، ص : 14

.....

و في مثله يجب البناء على التخيير بعد قيام الإجماع على عدم وجوب الاحتياط على العامي، حتى أحوط القولين المتعين في نظر العقل- لو لا الإجماع المذكور- للعلم الإجمالي بثبوت الحجة بينهما، المستوجب لوجوب موافقتهما عقلا، و العمل بأحوطهما موافقة لهما معا. لكن الإجماع على عدم وجوب الاحتياط مطلقاً على العامي يستوجب الحكم بالتخيير.

نعم البناء على ذلك موقوف على عدم جريان الأصول الشرعية، و إلا كان عليها المعول فنقول: أما من حيث العمل و صحته فقد عرفت أنه إذا كانت فتوى الميت الرخصة، كما لو أفتى بعدم وجوب الكفارة للوطء في الحيض، و كانت فتوى الحي وجوبها لا مانع من جريان استصحاب الحكم الظاهري لعدم المعارض. فنقول هنا: أنه لا مانع من العدول إلى فتوى الحي من حيث العمل، لموافقتها للاحتياط. أما إذا كانت فتوى الميت حكماً اقتضائياً- كالوجوب و الحرمة- فلا مجال للاستصحاب التعليقي و ان البقاء لا بأس به. أما جواز العدول فمقتضى الإجماع على التخيير في تعيين الحجة عند احتمال التعيين في كل واحد من محتملي الحجية، لما عرفت أنه كما يحتمل حجية رأى الميت يحتمل حجية رأي الحي كما يحتمل التخيير بينهما أيضاً، فله اختيار البقاء و له اختيار العدول.

هذا كله من حيث العمل. و أما من حيث جواز الالتزام و الاعتقاد القلبي، و من حيث جواز النقل و الاخبار عن الحكم الواقعي،- اللذين هما من آثار العلم المترتبين على الطرق الشرعية بمقتضى دلالة أدلتها على تنزيلها بمنزلة العلم، فحيث أن هذا التنزيل أيضاً من الأحكام الشرعية يجري فيه ما تقدم في الأحكام الاقتضائية التي تتضمنها فتوى الميت، و يجري الأصل فيه على نحو جريانه في تلك الأحكام. و لأجل السقوط بالمعارضة يرجع إلى التخيير المستفاد من الإجماع عليه، عند تردد الحجة تعييناً بين فردين حسبما‌

21
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 9): الأقوى جواز البقاء على تقليد الميت ؛ ج‌1، ص : 14

و لا يجوز تقليد الميت ابتداء (1).

عرفت. و قد عرفت أن هذا الكلام كله مع تساوي الحي و الميت في العلم لا مع الاختلاف، و إلا تعين الرجوع إلى الأعلم كان الحي أو الميت.

فلاحظ و تأمل.

إجماعاً إلا من جماعة من علمائنا الأخباريين، على ما نسب إليهم على تأمل في صحة النسبة، لظهور كلمات بعضهم في كون ذلك في التقليد بمعنى آخر غير ما هو محل الكلام. و كيف كان فالوجه في المنع: أنك عرفت قصور أدلة حجية الفتوى عن شمول الفتاوى المختلفة، فلا مجال للرجوع إلى الآيات و الروايات لإثبات حجية فتوى الميت- على تقدير تمامية دلالتها في نفسها على الحجية، و كونها مطلقة- و كذلك بناء العقلاء عليها، و كذلك الإجماع. إذ لا إجماع على جواز الرجوع إلى الميت ابتداء، بل المنع مظنته، كما عرفت. و كذلك السيرة، فإن دعواها على الرجوع ابتداء إلى الأموات مجازفة. و قد عرفت إشكال استصحاب الحجية، و استصحاب الأحكام الواقعية، في مسألة جواز البقاء على تقليد الميت، فضلا عن المقام، لعدم ثبوت الحجية هنا حدوثاً، و لا قام عند المقلد طريق على ثبوت الحكم الواقعي في وقت من الأوقات. و من هنا كان الإشكال في جريانهما هنا أعظم.

و لأجل ذلك يشكل جريان استصحاب الأحكام الظاهرية، إذ لا يقين بالثبوت لا وجداني و لا تعبدي. فيتعين الرجوع إلى الأصل العقلي عند الدوران بين التعيين و التخيير، حيث يعلم بجواز الرجوع إلى الحي و يشك في الميت، فان الحكم العقلي في مثله الاحتياط بالرجوع إلى معلوم الحجية.

و من ذلك تعرف الفرق بين تقليد الميت ابتداء و استمراراً، و أنه في الأول لا يقين بثبوت أمر شرعي سابقاً كي يجري الاستصحاب فيه، بخلاف الثاني، لليقين بثبوت الحجية سابقاً أو الحكم الظاهري، فيمكن جريان‌

22
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 9): الأقوى جواز البقاء على تقليد الميت ؛ ج‌1، ص : 14

.....

الاستصحاب فيه. و أن الشك في الأول بين التعيين و التخيير، بخلاف الثاني فإن احتمال التعيين موجود في كل من الميت و الحي. و لأجل ذلك كان الأصل العقلي التعيين في الأول دون الثاني، بل المرجع فيه التخيير بعد الإجماع على عدم وجوب الاحتياط.

هذا كله مع تساوي الميت و الحي في الفضيلة. أما إذا كان الميت أعلم فمقتضى بناء العقلاء لزوم تقليده تعييناً. و ليس ما يوجب الخروج عنه إلا حكاية الإجماع على المنع عنه، فقد حكاه غير واحد عليه، كما في الجواهر، و جعله فيها مفروغاً عنه بين أصحابنا، و قد تعرض في تقريرات درس شيخنا الأعظم (ره) لكلماتهم في حكاية الإجماع على المنع. و لعل هذا المقدار كاف في رفع اليد عن بناء العقلاء على وجوب الرجوع إلى الأفضل، فإن الحاكين للإجماع و إن كانوا جماعة خاصة، لكن تلقي الأصحاب لنقلهم له بالقبول، من دون تشكيك أو توقف من أحد، و تسالمهم على العمل به، يوجب صحة الاعتماد عليه. و لا سيما مع كون نقلة الإجماع المذكور من أعاظم علمائنا و أكابر فقهائنا، و لهم المقام الرفيع في الضبط و الإتقان و التثبت. قدس اللّه تعالى أرواحهم، و رفع منازل كرامتهم و جزاهم عنا أفضل الجزاء.

و من هذا الإجماع تعرف سقوط ما يتصور في المقام أيضاً من الاستصحاب الجاري في الحكم الظاهري، نظير ما سبق في مسألة الاستدامة. و تقريبه:

أن هذا المقلد و ان لم يثبت في حقه حكم ظاهري إلى حين موت المجتهد، لعدم وجوده في حياته، أو لعدم تكليفه أصلا حينئذ. لكن كان بحيث لو كان موجوداً في حياة المجتهد و رجع إليه لثبت الحكم الظاهري في حقه، فيستصحب ذلك إلى ما بعد موت المجتهد و وجود ذلك العامي، فيثبت حينئذ أنه لو رجع إليه لكان محكوماً بالحكم الظاهري، فتكون هذه المسألة نظير‌

23
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 10): إذا عدل عن الميت إلى الحي لا يجوز له العدول إلى الميت ؛ ج‌1، ص : 24

[ (مسألة 10): إذا عدل عن الميت إلى الحي لا يجوز له العدول إلى الميت]

(مسألة 10): إذا عدل عن الميت إلى الحي لا يجوز له العدول إلى الميت (1).

المسألة السابقة من هذه الجهة. غاية الأمر أن الشك هنا من حيث الشخص المقلد، و هناك من حيث الواقعة المتجددة، و هذا غير فارق في جريان الاستصحاب بنحو استصحاب أحكام الشرائع السابقة. فالعمدة إذاً في الخروج عن الاستصحاب المذكور في الفرض الإجماع المتقدم. على أنه لا يطرد في بعض الفروض كما لو كان مقلداً في حال حياته لغيره الأعلم ففقد بعض الشرائط المانعة من البقاء على تقليده، فإنه لا مجال للاستصحاب بالنسبة إلى الميت، كما لا يخفى.

و أما الأصل العقلي عند الدوران بين التعيين و التخيير في الحجية، فلا تنتهي النوبة إليه إلا بعد سقوط الأصل الشرعي. و قد عرفت أن هذا الأصل في الفرض المتقدم لو جرى في الحكم الظاهري غير الاقتضائي فلا معارض له من حيث العمل. نعم هو من حيث الاخبار عن الواقع، أو الالتزام به، و من حيث العمل أيضاً- لو كان الحكم اقتضائياً- معارض في الجميع بالاستصحاب التنجيزي. فالمرجع في ذلك يكون هو الأصل العقلي.

فالعمدة في الفرق المطرد بين المسألتين على هذا يكون في مقتضى الأصل العقلي لا غير، و إلا ففي الأصل الشرعي قد لا يكون فرق بينهما.

و كيف كان ففي الإجماع المذكور كفاية. و به يكون الفرق بين المسألتين أيضاً، إذ القول بجواز تقليد الميت استدامة محكي عن جماعة من الأكابر، بل القول بوجوب ذلك محكي في الجواهر و غيرها، فكيف يمكن دعوى الإجماع على المنع أو يجب العمل بها؟! و اللّه سبحانه أعلم، و هو حسبنا وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ.

لما يأتي في المسألة اللاحقة. مضافاً إلى أنه من التقليد الابتدائي‌

24
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 11): لا يجوز العدول عن الحي إلى الحي ؛ ج‌1، ص : 25

[ (مسألة 11): لا يجوز العدول عن الحي إلى الحي]

(مسألة 11): لا يجوز العدول عن الحي إلى الحي، إلا إذا كان الثاني اعلم (1).

الذي قد عرفت قيام الإجماع على المنع عنه.

إجماعاً في الجملة حكاه غير واحد. و يقتضيه الأصل العقلي المتقدم، للشك في حجية فتوى من يريد العدول إليه، و العلم بحجية فتوى من يريد العدول عنه، و في مثله يبنى على عدم حجية مشكوك الحجية.

و ليس ما يوجب سقوط هذا الأصل العقلي من دليل أو أصل شرعي. إذ أدلة التقليد اللفظية قد عرفت عدم شمولها لصورة الاختلاف في الفتوى، بلا فرق بين إطلاق الآيات و الروايات. و كذلك بناء العقلاء. و لا إجماع على جواز العدول و لا سيرة. و أما استصحاب التخيير فقد تقدم في مسألة جواز العدول عن الميت إلى الحي: أنه من الاستصحاب التعليقي المعارض بالاستصحاب التنجيزي، فلا مرجع إلا الأصل العقلي، و هو أصالة التعيين عند التردد في الحجية بين التعيين و التخيير. نعم مع الاتفاق في الفتوى لا مانع من الاعتماد على فتوى كل من المجتهدين عملا بإطلاق أدلة الحجية كما عرفت، لكن الظاهر أن هذه الصورة خارجة عن محل الكلام.

هذا كله إذا لم يكن المعدول إليه أعلم. و إلا- فبناء على ما يأتي من وجوب الرجوع إلى الأعلم- يجب الرجوع إليه. لعدم الفرق في كون مقتضى أدلة وجوب الرجوع إلى الأعلم وجوب الرجوع إليه بين سبق تقليد غيره فيجب العدول إليه. و عدمه فيرجع إليه ابتداء. نعم لو كان الوجه في وجوب الرجوع إلى الأعلم الأصل العقلي- أعني: أصالة التعيين عند الدوران بين التعيين و التخيير- و كان الوجه في عدم جواز العدول استصحاب حجية فتوى من يريد العدول عنه و نحوه من الأصول الشرعية، لزم عدم جواز العدول و لو إلى الأعلم، لأن الأصل الشرعي وارد على الأصل العقلي. فلاحظ.

25
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 12): يجب تقليد الأعلم مع الإمكان ؛ ج‌1، ص : 26

[ (مسألة 12): يجب تقليد الأعلم مع الإمكان]

(مسألة 12): يجب تقليد الأعلم مع الإمكان (1) على الأحوط.

هذا و المحكي عن جماعة التفصيل بين الوقائع التي التزم فيها بتقليد من قلده فلا يجوز العدول عنه إلى غيره، كما لو عقد على زوجته بالفارسية اعتماداً على فتوى مجتهد يجوّز ذلك، فلا يجوز العدول إلى غيره فيه، بأن لا يرتب آثار الزوجية من النفقة و القسمة و نحوهما اعتماداً على فتوى مجتهد آخر لا يصح عنده العقد الفارسي، و بين غيرها من الوقائع، كالعقد على امرأة أخرى، فيجوز له العدول إليه فيه، فلو عقد على امرأة أخرى بالفارسية بعد العدول جاز له عدم ترتيب آثار الزوجية عليها. و اختار هذا القول في الجواهر. و كأنه لاستصحاب التخيير الذي لا إجماع على خلافه هنا. و فيه ما عرفت.

كما هو المشهور بين الأصحاب، بل عن المحقق الثاني الإجماع عليه، و عن ظاهر السيد في الذريعة كونه من المسلمات عند الشيعة.

و عن جماعة ممن تأخر عن الشهيد الثاني جواز الرجوع إلى غير الأعلم.

لإطلاق الأدلة كتاباً و سنة، بل حمل مثل آيتي النفر و السؤال «1» على صورة تساوي النافرين و المسؤولين في الفضيلة حمل على فرد نادر. و لاستقرار سيرة الشيعة في عصر المعصومين (ع) على الأخذ بفتاوى العلماء المعاصرين لهم مع العلم باختلاف مراتبهم في العلم و الفضيلة. و لأن في وجوب الرجوع إلى الأعلم عسراً، و هو منفي في الشريعة. و لأنه لو وجب تقليد الأعلم لوجب الرجوع إلى الأئمة (ع) لأنهم أولى من الأعلم.

و فيه: أن الإطلاقات لا تشمل صورة الاختلاف في الفتوى- كما هو محل الكلام- و لا فرق بين آيتي النفر و السؤال و غيرهما، كيف و قد عرفت‌

______________________________
(1) تقدم ذكرهما في المسألة: 8 من هذا الفصل.

26
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 12): يجب تقليد الأعلم مع الإمكان ؛ ج‌1، ص : 26

.....

أنه غير معقول. و ندرة تساوي النافرين و المسؤولين مسلمة، لكنها غير كافية إلا مع ندرة الاتفاق في الفتوى، و هي ممنوعة، بل الاختلاف في مورد الآيتين أولى بالندرة. بل ما لم يحرز الاختلاف لا تصلح الآيتان الشريفتان دليلا على جواز الرجوع إلى غير الأعلم، لأن الحمل على الحجية التخييرية خلاف ظاهر الأدلة، و منها الآيتان، فالحمل عليها محتاج إلى قرينة. نعم لو علم الاختلاف كان هو القرينة، و إلا فلا قرينة تستدعي الحمل على خلاف الظاهر.

و من ذلك يظهر الإشكال في الاستدلال بالسيرة، إذ مجرد قيام السيرة على الرجوع إلى المختلفين في الفضيلة لا يجدي في جواز الرجوع إليهم مع الاختلاف في الفتوى، و لم تثبت سيرة على ذلك. و العلم بوجود الخلاف بينهم و إن كان محققاً، لكن ثبوت السيرة على الرجوع إلى المفضول غير معلوم، بل بعيد جداً فيما هو محل الكلام، أعني: صورة الاختلاف المعلوم و إمكان الرجوع إلى الأعلم.

و أما لزوم العسر فممنوع كلية، كيف و قد عرفت أن المشهور المدعى عليه الإجماع وجوب الرجوع إلى الأعلم في أكثر الأعصار، و لم يلزم من العمل بهذه الفتوى عسر على المقلدين. نعم لو بني على وجوب الرجوع إلى الأعلم على نحو يجب الفحص عنه مهما احتمل وجوده كان ذلك موجباً للعسر غالباً. لكنه ليس كذلك، لما يأتي. و بالجملة: محل الكلام ما إذا أمكن الرجوع إلى الأعلم بلا عسر و لا حرج.

و أما الاستدلال الأخير: فإنما يتم لو كان الرجوع إلى غير الأعلم ممنوعاً عقلا ذاتاً، و أما إذا كان من جهة عدم الدليل على حجية فتوى غير الأعلم فالمقايسة غير ظاهرة، لقيام الدليل على جواز الرجوع إلى غير المعصوم مع إمكان الرجوع إليه.

27
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 12): يجب تقليد الأعلم مع الإمكان ؛ ج‌1، ص : 26

.....

و ربما يستدل على الجواز بما ورد في الرجوع إلى شخص معين، فإن إطلاقه يقتضي جواز الرجوع إليه و إن كان غيره أعلم. و فيه: أن الإرجاع على نحو الخصوص كالارجاع على نحو العموم إنما يقتضي الحجية في الجملة و لا يشمل صورة الاختلاف، و إلا تعارض مع ما دل على الإرجاع إلى غيره بالخصوص، بل مع ما دل على الإرجاع على نحو العموم، فيكون كتعارض تطبيقي العام بالإضافة إلى الفردين المختلفين، كما لا يخفى. و احتمال التخصيص يتوقف على احتمال الخصوصية في الشخص المعين و هو منتف. و لو سلم اختص الحكم بذلك الشخص بعينه، و لا يطرد في غيره من الأشخاص.

و بالجملة: فلا يتضح دليل على جواز تقليد المفضول مع تيسر الرجوع إلى الأفضل، و مقتضى بناء العقلاء تعين الرجوع إلى الأفضل، و التشكيك في ثبوت بناء العقلاء على ذلك يندفع بأقل تأمل.

مضافاً إلى الأصل العقلي عند دوران الأمر في الحجية بين التعيين و التخيير الذي عرفته فيما سبق، فان رأي الأفضل معلوم الحجية، و رأي المفضول مشكوك الحجية. لكنه لا يطرد العمل بهذا الأصل مع سبق تقليد المفضول، لعدم وجود الأفضل ثمَّ تجدد وجوده، فان استصحاب بقاء الأحكام الظاهرية وارد على الأصل المذكور إذا كانت الأحكام غير اقتضائية، و كذا إذا كانت اقتضائية من جهة الإشكال في جريان استصحابها، لأنه من الاستصحاب التعليقي بالإضافة إلى الوقائع المتجددة، المعارض بالاستصحاب التنجيزي، و بعد التساقط يرجع إلى الأصل العقلي المقتضي للتخيير بين البقاء و العدول، كما عرفت ذلك في مسألة جواز البقاء على تقليد الميت فلاحظ.

و أما مقبولة ابن حنظلة «1» الواردة في رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث قال فيها:

«فان كان كل منهما اختار رجلا من أصحابنا

______________________________
(1) الوسائل باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 1.

28
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 12): يجب تقليد الأعلم مع الإمكان ؛ ج‌1، ص : 26

و يجب الفحص عنه (1).

فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما، فاختلفا فيما حكما، و كلاهما اختلفا في حديثنا؟ فقال (ع): الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما، و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر»

. فإنها- بقرينة التنازع الذي لا يكون إلا مع العلم حقيقة أو تعبداً، و بقرينة ما في ذيلها من الرجوع إلى المرجحات الداخلية و الخارجية- ظاهرة في الحكم الفاصل للخصومة، و لا تشمل الفتوى. و إلحاق الفتوى به لعدم القول بالفصل غير ظاهر. مع أن ظهورها في جواز فصل الخصومة بالحكم الصادر من الحكام المتعددين مما يظهر من الأصحاب عدم جواز العمل به، لاعتبار الوحدة في القاضي عندهم ظاهراً. فلاحظ و تأمل.

الكلام في وجوب الفحص (تارة): يكون في صورة العلم بالاختلاف في الفتوى و بالتفاضل، بأن يعلم بأن أحدهما أفضل من الآخر و لم يعرف الأفضل بعينه. (و أخرى): في صورة الجهل بالاختلاف و العلم بالتفاضل. (و ثالثة): في صورة العكس. (و رابعة): في صورة الجهل بهما معاً. (و خامسة): في صورة الشك في وجود مجتهد غير من يعرف.

أما الكلام في الأولى: فهو أنه بعد ما عرفت من عدم شمول أدلة الحجية للفتويين المختلفتين، و أن العمدة في التخيير بين المجتهدين هو الإجماع، فلا مجال للرجوع إلى واحد بعينه، إذ لا إجماع عليه قبل الفحص، فيجب الفحص لأصالة عدم الحجية. بل مقتضى ما دل على وجوب الرجوع إلى الأعلم يكون الفرض من باب اشتباه الحجة باللاحجة، المستوجب للأخذ بأحوط القولين حتى بعد الفحص و العجز عن معرفة الأفضل. لكن الظاهر الاتفاق على جواز الرجوع حينئذ إلى أيهما شاء، و عدم وجوب الاحتياط‌

29
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 12): يجب تقليد الأعلم مع الإمكان ؛ ج‌1، ص : 26

.....

المذكور عليه. و بالجملة: الرجوع إلى أحد المجتهدين قبل الفحص اعتماد على مشكوك الحجية، فلا يجوز في نظر العقل فلاحظ.

و أما في الثانية: فهو أن مقتضى إطلاق أدلة الحجية حجية كل واحدة من الفتويين. و احتمال الاختلاف بين الفتويين الموجب لسقوط الإطلاق عن الحجية لا يعتنى به في رفع اليد عن الإطلاق، كما في سائر موارد التخصيص اللبي، و إذا ثبتت حجية كل منهما جاز الاعتماد عليها قبل الفحص. (و دعوى):

أن العمل المطابق لإحدى الفتويين و ان جاز الاجتزاء به في نظر العقل لموافقته للحجة، لكن لما كان مقتضى إطلاق دليل الحجية حجية الفتوى الأخرى، و يحتمل مخالفة العمل لها لاحتمال الاختلاف بين الفتويين، كان العمل مما يحتمل مخالفته للحجة، و العمل المحتمل المخالفة للحجة مما لا يجوز الاجتزاء به في نظر العقل، لاحتمال الخطر. (مندفعة): بأنه يعلم بانتفاء الخطر من قبل الفتوى الأخرى، لأن احتمال الخطر إنما جاء من قبل احتمال مخالفة العمل لها، لاحتمال مخالفتها للفتوى الأولى، و احتمال ذلك ملازم لاحتمال عدم حجيتها، لعدم شمول دليل الحجية للفتويين المختلفتين، فلا خطر في العمل بالإضافة إلى تطبيق الدليل على الفتوى الأخرى قطعاً. مضافاً إلى ما ربما قيل من أن إطلاق دليل الحجية الشامل لإحدى الفتويين يدل بالالتزام على نفي الاختلاف بينهما، و على موافقة العمل لهما معاً. و ان كان صلاحية العموم لإثبات مثل هذه اللوازم الخارجية محل تأمل و اشكال.

و أما الصورة الثالثة: فالكلام فيها هو الكلام في الصورة الأولى، لاشتراكهما في العلم بالاختلاف المانع من العمل بإطلاق أدلة الحجية، فتكون كل من الفتويين مشكوكة الحجية قبل الفحص. كما أن الكلام في الصورة الرابعة، هو الكلام في الصورة الثانية، لاشتراكهما في عدم المانع من الأخذ بإطلاق دليل الحجية بالإضافة إلى إحدى الفتويين، و أن احتمال اختلافهما‌

30
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 13): إذا كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة يتخير بينهما ؛ ج‌1، ص : 31

[ (مسألة 13): إذا كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة يتخير بينهما]

(مسألة 13): إذا كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة يتخير بينهما، إلا إذا كان أحدهما أورع، فيختار الأورع (1).

الموجب لسقوط دليل الحجية بالإضافة إلى كل منهما لا يؤبه به، كما عرفت.

ثمَّ إنه قيل بعدم وجوب الفحص مع العلم بالاختلاف لوجهين. (الأول):

أصل البراءة، للشك في وجوبه. (و الثاني): أنهما أمارتان تعارضتا لا يمكن الجمع بينهما، و لا طرحهما، و لا تعيين إحداهما، فلا بد من التخيير بينهما. و يشكل الأول: بأنه ليس الكلام في وجوب الفحص مولوياً كي يرجع الى أصل البراءة في نفيه، و إنما الكلام في وجوبه عقلا وجوباً إرشادياً الى الخطر بدونه، إذ قد عرفت أنه لو لا الفحص لا تحرز حجية إحدى الفتويين.

و من ذلك يظهر الإشكال في الثاني، إذ لا حكم للعقل بالتخيير بين الفتويين المتعارضتين، و إنما التخيير بين الفتويين بتوسط الإجماع على حجية ما يختاره منهما، و قد عرفت أن معقد الإجماع إنما هو الحجية بعد الفحص لا قبله.

و أما الصورة الخامسة: فإثبات حجية فتوى من يعرف بإطلاق دليل الحجية أظهر مما سبق، للشك في وجود مفت آخر، فضلا عن كونه أفضل و كون فتواه مخالفة. و لا يبعد استقرار بناء العقلاء، و سيرة المتشرعة، على العمل بالفتوى مع الشك في وجود مجتهد آخر من دون فحص عنه.

فعدم وجوب الفحص في هذه الصورة أظهر منه فيما سبق. فتأمل جيداً.

كما عن النهاية، و التهذيب، و الذكرى، و الدروس، و الجعفرية و المقاصد العلية، و المسالك، و غيرها، و يقتضيه أصالة التعيين الجارية عند الدوران بينه و بين التخيير. و لا يظهر على خلافها دليل، إذ الإطلاقات الدالة على الحجية- لو تمت- لا تشمل صورة الاختلاف. اللهم الا أن يكون بناء العقلاء على التخيير بين المتساويين في الفضل و ان كان أحدهما‌

31
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 14): إذا لم يكن للأعلم فتوى في مسألة من المسائل يجوز في تلك المسألة الأخذ من غير الأعلم ؛ ج‌1، ص : 32

[ (مسألة 14): إذا لم يكن للأعلم فتوى في مسألة من المسائل يجوز في تلك المسألة الأخذ من غير الأعلم]

(مسألة 14): إذا لم يكن للأعلم فتوى في مسألة من المسائل يجوز في تلك المسألة الأخذ من غير الأعلم (1) و إن أمكن الاحتياط (2).

[ (مسألة 15): إذا قلد مجتهداً كان يجوّز البقاء على تقليد الميت]

(مسألة 15): إذا قلد مجتهداً كان يجوّز البقاء على تقليد الميت (3)، فمات ذلك المجتهد، لا يجوز البقاء على تقليده في هذه المسألة، بل يجب الرجوع الى الحي الأعلم في جواز البقاء و عدمه.

أورع، فيتبع اتباعه في حجية رأي العالم. لكن هذا البناء غير ظاهر مع الاختلاف، كما عرفت آنفاً. و لو كان أحد المجتهدين أفضل و الآخر أورع قدم الأفضل، لما عرفت من بناء العقلاء على تعينه.

سيجي‌ء التقييد بالأعلم فالأعلم، كما هو مقتضى ما تقدم في وجوب تقليد الأعلم.

لعدم وجوبه على العامي. لما عرفت من الأدلة القطعية على جواز رجوع الجاهل الى العالم و لو مع إمكان الاحتياط.

الظاهر أن المراد تقليده في المسائل الفرعية، كما لو قلده حين البلوغ. و يحتمل أن يكون المراد أنه قلده في خصوص مسألة جواز البقاء على تقليد الميت. و كيف كان فقد عرفت أنه مع الشك في جواز البقاء على تقليد الميت يتعين عليه الرجوع الى الحي في نظر العقل، فيعمل على مقتضى فتواه في جواز العدول و حرمته، و وجوبه. و هو ظاهر في الصورة الأولى التي هي ظاهر المتن. و أما في الفرض الثاني- الذي هو محتمل العبارة- فقد يشكل فيما لو أفتاه الحي بوجوب البقاء- مثلا- فهل يتعين عليه الرجوع الى المجتهد الأول؟ أو يتخير بينه و بين الرجوع الى الثاني؟

32
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 15): إذا قلد مجتهدا كان يجوز البقاء على تقليد الميت ؛ ج‌1، ص : 32

.....

أو يفصل بين ما لو كان رأي الثاني جواز البقاء، فالثاني، و وجوبه فالأول؟ فيه وجوه. و أشكل منه ما لو أفتاه الحي بوجوب البقاء، و كانت فتوى المجتهد الثاني وجوب العدول، لتناقض الفتويين عملا و لذلك بنى شيخنا الأعظم (ره) على عدم الأخذ بعموم فتوى الحي بالنسبة إلى مسألة البقاء و العدول، للزوم تخصيص الأكثر، و لاقتضائه وجوب العدول مع أن المفتي الحي لا يقول به.

و الذي ينبغي أن يقال: إذا قلد زيداً في المسألة الفرعية، كوجوب صلاة الظهر يوم الجمعة- مثلا- فمات زيد، فقلد عمراً في جواز البقاء على تقليد زيد في وجوب صلاة الظهر، فاذا مات عمرو فقلد بكراً فأفتى له بوجوب البقاء على تقليد الميت، كان مقتضى ذلك وجوب العمل برأي زيد دون رأي عمرو. و ذلك أن عمراً و إن كان ميتاً قد قلده حال حياته في جواز البقاء على تقليد الميت، إلا أنه يمتنع الرجوع إليه في مسألة جواز تقليد الميت، لأن هذه المسألة قد قلد فيها بكراً بعد موت عمرو، فلا مجال لتقليد عمرو فيها، لأن المسألة الواحدة لا تحتمل تقليدين مترتبين. لأنه لو بني على جواز اجتماع المثلين في رتبتين فلا أقل من لزوم اللغوية مع اتفاقهما عملا، أو التناقض مع اختلافهما، و بطلانه ظاهر.

و توهم: أن رأي بكر حجة في مسألة جواز البقاء على تقليد عمرو و رأي عمرو حجة في مسألة جواز البقاء على تقليد زيد، فيكون هناك مسألتان لاختلاف موضوعيهما يرجع في إحداهما إلى بكر، و في الأخرى إلى عمرو، و لا يكون تقليد أحدهما فيما قلد فيه الآخر، كما لو أخبر بكر بحجية خبر عمرو، و أخبر عمرو بحجية خبر زيد، فيكون كل منهما حجة في مؤداه، و لا اشتراك بينهما في موضوع واحد. (مندفع): بأن خصوصية عمرو ليست مقومة للقضية الشرعية التي يرجع فيها العامي إلى بكر، و يكون رأيه حجة فيها، فان فتوى بكر جواز تقليد الميت بنحو الكلية، لا خصوص عمرو،

33
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 15): إذا قلد مجتهدا كان يجوز البقاء على تقليد الميت ؛ ج‌1، ص : 32

.....

فاذا كان رأي بكر حجة فيها على عمومها امتنع في الرتبة اللاحقة جعل حجة أخرى عليها. و من ذلك يظهر الفرق بين المقام و بين المثال المذكور.

و من ذلك أيضاً يظهر أنه لو كان رأي بكر وجوب البقاء، وجب البقاء على تقليد زيد و إن كان رأي عمرو وجوب العدول أو جواز كل من البقاء و العدول. كما أنه لو كان رأي بكر جواز كل من البقاء و العدول، جاز البقاء على تقليد زيد و العدول عنه، و إن كان رأي عمرو وجوب البقاء أو وجوب العدول. ثمَّ إن العدول هنا إنما يكون إلى الحي لا إلى الميت الثاني، لأنه من التقليد الابتدائي للميت. فتأمل.

ثمَّ إنه يمكن أن يقرر المنع عن الرجوع إلى الميت في جواز البقاء و عدمه بوجه آخر، و هو أنه إذا رجع إلى الحي في مسألة جواز البقاء على تقليد الميت، فالتقليد المأخوذ موضوعاً في هذه القضية لا بد أن يكون في غير هذه المسألة، لامتناع أخذ الحكم في موضوع نفسه، فيمتنع أن يفتي الحي بجواز البقاء على تقليد الميت في جواز البقاء على تقليد الميت، أو بحجية رأى الميت في حجية رأى الميت، فلا بد أن يكون موضوع الحجية غير هذه المسألة. و هذا الاشكال قد أورد نظيره في عموم حجية الخبر للخبر بالواسطة، و دفع بما لا يطرد في المقام لما عرفت من أن الخصوصيات الموجبة للاختلاف مثل خصوصية كون الميت زيداً أو عمراً ليست دخيلة في القضية الشرعية التي يرجع فيها إلى المجتهد، فيلزم المحذور المتقدم. و من هنا يظهر امتناع حجية رأى الميت في حجية رأى الميت، فكما يمتنع أن يكون ذلك بتوسط الرجوع إلى الحي يمتنع في نفسه أيضاً، و أن امتناع ذلك في نفسه مانع من احتماله، ليصح الرجوع فيه إلى الحي، و ان كان يمنع من الرجوع فيه إلى الحي ما عرفت آنفاً من اجتماع تقليدين مترتبين في مسألة واحدة.

و من ذلك يظهر الوجه في قول المصنف (ره): «لا يجوز البقاء‌

34
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 16) عمل الجاهل المقصر الملتفت باطل و ان كان مطابقا للواقع ؛ ج‌1، ص : 35

[ (مسألة 16) عمل الجاهل المقصر الملتفت باطل و ان كان مطابقاً للواقع]

(مسألة 16) عمل الجاهل المقصر الملتفت باطل و ان كان مطابقاً للواقع (1).

على تقليده في هذه المسألة» مع أنه (ره) قد تقدم منه جواز البقاء على تقليد الميت. للفرق بين هذه المسألة و غيرها من المسائل، بامتناع جعل حجية رأى الميت فيها و إمكانه في غيرها، فاذا مات المجتهد الذي يفتي بجواز البقاء على تقليد الميت فمقلده لا يشك في عدم جواز البقاء على تقليده في هذه المسألة، و إنما الشك في جواز البقاء على تقليده في بقية المسائل.

فلاحظ و تدبر.

قد تقدم هذا الحكم في المسألة السابعة، و حملناه على صورة عدم العلم بالمطابقة للواقع أو لرأي من رأيه حجة، لكون البطلان حينئذ عقلياً.

لكن هنا قد صرح بالبطلان و لو مع المطابقة للواقع. و الوجه فيه- مضافاً إلى نفي الاشكال و الخلاف فيه ظاهراً، على ما ادعاه شيخنا الأعظم (ره) في مبحث العمل قبل الفحص من رسالة البراءة- ما ذكره (قده) في ذلك المقام من عدم تحقق نية القربة، لأن الشاك في كون المأتي به موافقاً للمأمور به كيف يتقرب به؟ و قال (ره) في مبحث الشبهة الوجوبية: «من قصد الاقتصار على أحد الفعلين ليس قاصداً لامتثال الأمر الواقعي على كل تقدير.

نعم هو قاصد لامتثاله على تقدير مصادفة هذا المحتمل له لا مطلقاً، و هذا غير كاف في العبادات المعلوم وقوع التعبد بها ..» «1» إلى آخر ما ذكره في المقامين. و محصله اعتبار الجزم بالنية في التعبد المعتبر في صحة العبادات. هذا و لكن التحقيق منع ذلك، لعدم ظهور بناء العقلاء عليه، و قد عرفت في أوائل الكتاب أن الإطاعة الاحتمالية كالاطاعة الجزمية في‌

______________________________
(1) التنبيه الثاني من تنبيهات الشبهة الوجوبية من مبحث اشتباه المكلف به مع العلم بأصل التكليف.

35
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 17): المراد من الأعلم من يكون أعرف بالقواعد و المدارك للمسألة ؛ ج‌1، ص : 36

و أما الجاهل القاصر أو المقصر الذي كان غافلا حين العمل (1) و حصل منه قصد القربة، فإن كان مطابقاً لفتوى المجتهد الذي قلده بعد ذلك كان صحيحاً (2). و الأحوط مع ذلك مطابقته لفتوى المجتهد الذي كان يجب عليه تقليده حين العمل.

[ (مسألة 17): المراد من الأعلم من يكون أعرف بالقواعد و المدارك للمسألة]

(مسألة 17): المراد من الأعلم (3) من يكون أعرف كون صدور الفعل عن الإرادة التكوينية الحاصلة للعبد بداعي إطاعة الإرادة التشريعية المولوية، و احتمال الانطباق كالجزم به دخيلان في تأثير الإرادة المتعلقة بمعلوم الفردية أو محتملها.

و دعوى: أن الاقتصار على بعض المحتملات مع البناء على عدم فعل الباقي. يدل على أن الباعث ليس هو الإرادة المولوية، و إلا لأثرت في غيره من المحتملات. (مندفعة): بإمكان أن يكون قد منع من تأثيرها مانع من مشقة أو غيرها، و لذلك تختلف الواجبات في ترتب الإطاعة على العلم بوجوبها و عدمه. و أما دعوى نفي الاشكال و الخلاف فلم يعتن بها شيخنا الأعظم (قده) في رسالته المعمولة في التقليد- على ما حكاه بعض الأكابر من تلامذته- فكيف يصح الاعتماد عليها حينئذ؟.

المراد به الملتفت إلى الأحكام فلم يتعلم تهاوناً حتى غفل حين العمل. و يقابله القاصر.

عملا بما دل على حجية رأيه و لو بعد العمل مع عدم ورود الشبهة المتقدمة. أما اعتبار مطابقته لرأي من يجب عليه تقليده حال العمل فلا دليل عليه فان أدلة الحجية لا تقتضي السببية، كما هو محقق في محله.

الظاهر أن المراد به الأعرف في تحصيل الوظيفة الفعلية، عقلية كانت أم شرعية. فلا بد أن يكون أعرف في أخذ كل فرع من أصله.

36
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 18): الأحوط عدم تقليد لمفضول ؛ ج‌1، ص : 37

بالقواعد و المدارك للمسألة، و أكثر اطلاعا لنظائرها و للأخبار و أجود فهما للأخبار، و الحاصل أن يكون أجود استنباطاً.

و المرجع في تعيينه أهل الخبرة و الاستنباط.

[ (مسألة 18): الأحوط عدم تقليد لمفضول]

(مسألة 18): الأحوط عدم تقليد (1) المفضول حتى في المسألة التي توافق فتواه فتوى الأفضل.

[ (مسألة 19): لا يجوز تقليد غير المجتهد]

(مسألة 19): لا يجوز تقليد غير المجتهد و ان كان من أهل العلم (2).

و لا يلزم فيه أن يكون أقرب إلى الواقع. كما لا يكفي ذلك إذا كان سالكاً ما لا يجوز سلوكه من الطرق في مقام الاستنباط غفلة منه و قصوراً، كما يوجد عند كثير من البسطاء و لو كان معذوراً لقصوره. و أما حمل الأعلم على معنى أكثر علما و أوسع إحاطة بالمعلومات. فهو و ان كان أقرب إلى معنى التفضيل المدلول لهيئة (أفعل) إلا أن الظاهر كونه غير مراد القائلين بوجوب تقليد الأعلم، و لا يقتضيه الدليل المتقدم عليه. فلاحظ.

قد تقدم «1» أنه مع اتفاق الآراء فالجميع حجة، و العمل المطابق لواحد منها مطابق للجميع، فكما يجوز العمل اعتماداً على رأي الأفضل، يجوز اعتماداً على رأي المفضول أيضاً، و كما يجوز الالتزام بالعمل بالأول، يجوز الالتزام بالعمل بالثاني أيضاً. فاحتمال المنع عن الثاني غير ظاهر الوجه، إلا إطلاق قولهم: لا يجوز تقليد المفضول. لكن لو تمَّ الإطلاق، فليس معقداً لإجماع واجب العمل.

إجماعاً. لعدم الدليل على حجية فتواه.

______________________________
(1) في المسألة: 8 من هذا الفصل.

37
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 20): يعرف اجتهاد المجتهد بالعلم الوجداني ؛ ج‌1، ص : 38

كما أنه يجب على غير المجتهد التقليد (1) و ان كان من أهل العلم.

[ (مسألة 20): يعرف اجتهاد المجتهد بالعلم الوجداني]

(مسألة 20): يعرف اجتهاد المجتهد بالعلم الوجداني كما إذا كان المقلد من أهل الخبرة و علم باجتهاد شخص. و كذا يعرف بشهادة عدلين (2) من أهل الخبرة إذا لم تكن معارضة بشهادة آخرين من أهل الخبرة ينفيان عنه الاجتهاد. و كذا يعرف بالشياع المفيد للعلم (3). و كذا الأعلمية تعرف بالعلم أو البينة غير المعارضة، أو الشياع المفيد للعلم.

يعني: إذا لم يكن محتاطاً، كما عرفت فيما سبق.

سيأتي «1»- إن شاء اللّه- في مبحث المياه تقريب العموم الدال على حجية البينة في المقام و غيره.

الفرق بينه و بين الأول من حيث السبب لا غير، و إلا فهما مشتركان في كون العلم هو الحجة و إن كانت عبارة المتن توهم غير ذلك.

هذا و ربما يقال بثبوته بخبر الثقة، لعموم ما دل على حجيته في الأحكام الكلية، إذ المراد منه ما يؤدي إلى الحكم الكلي، سواء كان بمدلوله المطابقي أم الالتزامي، و المقام من الثاني، فإن مدلول الخبر المطابقي هو وجود الاجتهاد، و هو من هذه الجهة يكون إخباراً عن الموضوع، لكن مدلوله الالتزامي هو ثبوت الحكم الواقعي الكلي الذي يؤدي إليه نظر المجتهد.

فان قلت: أدلة حجية خبر الثقة مختصة بالأخبار عن حس، و لا تشمل الاخبار عن حدس، و لذا لم تكن تلك الأدلة دالة على حجية فتوى المجتهد مع أنها اخبار عن الحكم الكلي إلا أن مستنده الحدس. (قلت): الاخبار عن الاجتهاد من قبيل الاخبار عن الحس. نعم المدلول الالتزامي- و هو‌

______________________________
(1) في المسألة: 6 من الفصل المتعرض لأحكام ماء البئر.

38
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 21): إذا كان مجتهدان لا يمكن تحصيل العلم بأعلمية أحدهما ؛ ج‌1، ص : 39

[ (مسألة 21): إذا كان مجتهدان لا يمكن تحصيل العلم بأعلمية أحدهما]

(مسألة 21): إذا كان مجتهدان لا يمكن تحصيل العلم بأعلمية أحدهما و لا البينة (1)، فإن حصل الظن بأعلمية أحدهما تعين تقليده، بل لو كان في أحدهما احتمال الأعلمية يقدم، كما إذا علم أنهما إما متساويان أو هذا المعين أعلم و لا يحتمل أعلمية الآخر، فالأحوط تقديم من يحتمل أعلميته.

الحكم الكلي- إنما كان بتوسط الحدس. لكن هذا المقدار لا يقدح في الحجية، لأن الحس إنما يعتبر في المدلول المطابقي، لا في الملازمة التي يتوقف عليها ثبوت المدلول الالتزامي، و إلا فأخبار زرارة- مثلا- عن قول الإمام الذي هو إخبار عن موضوع يكون أيضاً إخباراً عن الحكم الكلي و يكون حجة على المجتهد، و ربما يكون بتوسط حدس المجتهد الذي هو حجة عليه أيضاً.

و بالجملة: الاخبار عن الاجتهاد كالاخبار عن قول الامام، و دلالتهما على الحكم الكلي بالالتزام إنما يكون بتوسط الحدس، غاية الأمر أن الحدس في الثاني من المجتهد و حجة عليه، و الحدس في الأول من المجتهد و حجة على العامي المقلد له. و على هذا المبنى يكفي توثيق رجال السند بخبر الثقة.

و كذا في إثبات المعنى بأخبار اللغوي الثقة، كما حررنا ذلك في مبحث حجية قول اللغوي. و لو قلنا بحجية خبر الثقة في الموضوعات- كما عليه بناء العقلاء- فالحكم أظهر. لكنه محل تأمل، لإمكان دعوى تحقق الردع عنه.

و سيأتي «1»- إن شاء اللّه- التعرض لذلك في بعض المباحث.

هذه المسألة، تارة: تكون ثلاثية الاحتمالات، و أخرى: ثنائية.

فالأولى: أن يحتمل كونهما متساويين، و يحتمل أعلمية زيد من عمرو مثلا، و يحتمل العكس. و الثانية صورتان: الأولى: أن يعلم أعلمية أحدهما و يحتمل‌

______________________________
(1) في المسألة: 6 من الفصل المتعرض لأحكام البئر.

39
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 22): يشترط في المجتهد أمور ؛ ج‌1، ص : 40

[ (مسألة 22): يشترط في المجتهد أمور]

(مسألة 22): يشترط في المجتهد أمور (1): البلوغ و العقل، و الايمان و العدالة، و الرجولية، و الحرية- على قول- و كونه مجتهداً مطلقاً، فلا يجوز تقليد المتجزئ، و الحياة، فلا يجوز تقليد الميت ابتداء. نعم يجوز البقاء كما مر، و ان يكون أعلم فلا يجوز- على الأحوط- تقليد المفضول مع التمكن من الأفضل، و أن لا يكون متولداً من الزنا، و أن لا يكون كونه زيداً و يحتمل كونه عمراً أيضاً. و الثانية: أن يحتمل تساويهما و يحتمل أعلمية زيد لا غير.

و الحكم في الأولى التخيير مع تساوي الاحتمالات. و إن كان مقتضى القاعدة الأخذ بأحوط القولين، لأن الاعتماد على كل واحد من القولين اعتماد على مشكوك الحجية، إلا أن الظاهر الاتفاق على عدم وجوب الاحتياط المذكور و على جواز الرجوع إلى أيهما شاء. و لو ظن أن أحدهما بعينه أعلم ففي الترجيح بالظن إشكال، لعدم الدليل عليه بعد ما لم يكن معتبراً في نفسه. اللهم إلا أن يكون احتمال الترجيح به موجباً لكون رأي مظنون الأعلمية معلوم الحجية، و رأي الآخر مشكوك الحجية، فيتعين الأول، كما في جميع موارد الدوران بين التعيين و التخيير في الحجية. و منه يظهر الحكم في الصورة الثانية، فإنه- لعدم المرجح، و عدم محتمل المرجحية- يتعين التخيير، بناء على ما عرفت آنفاً من الاتفاق فتوى على جواز رجوع الجاهل إلى العالم و إن أمكن الاحتياط، حتى في مثل المقام. و أما الصورة الثالثة:

فلا ينبغي التأمل في تعين محتمل الأعلمية للمرجعية للدوران بين التعيين و التخيير الذي يجب فيه عقلا الأخذ بمحتمل التعيين.

قد أشرنا سابقاً إلى أن جواز التقليد في الجملة لا بد أن يكون بغير التقليد، و إلا لزم الدور أو التسلسل، فاذاً لا بد أن يستند جواز التقليد‌

40
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 22): يشترط في المجتهد أمور ؛ ج‌1، ص : 40

مقبلا على الدنيا و طالبا لها مكبا عليها مجداً في تحصيلها،

ففي الخبر: «من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه»

.- في الجملة- إلى الاجتهاد. و مستند هذا الاجتهاد بناء العقلاء عليه مع الغفلة عن احتمال الردع أو القطع بعدمه و لو بالإضافة إلى شخص معين بخصوصه، لاجتماع جميع ما يحتمل اعتباره شرعا فيه، مثل كونه بالغاً، عاقلا، عادلا، حياً، أفضل .. الى غير ذلك. فهذا البناء المرتكز في نفس العامي هو المسوغ له الرجوع الى غيره في الخصوصيات المعتبرة في المفتي، فإذا رجع الى غيره أفتى له بما يقتضيه نظره الحاصل له من مراجعة الأدلة المستفاد منها شرائط التقليد، و يكون عمله حينئذ على ما تقتضيه فتواه عموماً أو خصوصاً. و هذا و لأجل أن من أدلة جواز التقليد بناء العقلاء عليه في الجملة، فهذا البناء محكم مهما تحقق في مورد من الموارد و العمل عليه متعين، إلا مع ثبوت الردع عنه.

و حينئذ نقول: لا ينبغي التأمل في عدم الفرق في بناء العقلاء بين البالغ و غيره إذا كان غير البالغ قد حاز مراتب الفضل حتى صار كالبالغ، فاعتبار البلوغ في المفتي لا بد أن يكون بدليل شرعي يكون رادعاً عن إطلاق بناء العقلاء، و ليس هو إلا الإجماع إن تمَّ. و مجرد كونه محجوراً عن التصرف و مرفوعا عنه القلم، و مولى عليه و عمده خطأ، و نحو ذلك. لا يصلح رادعاً لأنه لا يوجب إلا الاستبعاد المحض كيف؟! و ربما كان غير البالغ حائزاً مرتبة النبوة أو الإمامة، فكيف لا يصلح أن يجوز منصب الفتوى؟! اللهم إلا أن يقوم الدليل على كون منصب الفتوى مختصاً بالمعصوم و بمن يجعله له، فالشك في الجعل كاف في المنع. لكنه خلاف إطلاق الأدلة، و لا سيما بناء العقلاء.

41
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 22): يشترط في المجتهد أمور ؛ ج‌1، ص : 40

.....

و أما اعتبار العقل: فأمره ظاهر عند العقلاء، فضلا عن المتشرعة، فقد قيل: إنه مما أجمع عليه الخلف و السلف. نعم المجنون الأدواري في حال إفاقته لا مانع عند العقلاء من الرجوع اليه، و حكي القول به عن بعض متأخري المتأخرين كصاحبي المفاتيح و الإشارات، و لا بأس به إن لم ينعقد الإجماع على خلافه. لعموم الأدلة أيضاً.

و أما اعتبار الايمان: فغير ظاهر عند العقلاء. نعم حكي عليه إجماع السلف الصالح و الخلف. و هو العمدة فيه، دون مثل‌

قول أبي الحسن (ع) فيما كتبه لعلي بن سويد: «لا تأخذن معالم دينك عن غير شيعتنا، فإنك إن تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا اللّه و رسوله (ص) و خانوا أماناتهم، إنهم ائتمنوا على كتاب اللّه فحرفوه و بدلوه ..» «1»

و‌

قول أبي الحسن الثالث (ع) فيما كتبه لأحمد بن حاتم بن ماهويه و أخيه: «فاصمدا في دينكما على كل مسنّ في حبنا، و كل كثير القدم في أمرنا، فإنهما كافوكما إن شاء اللّه». «2»

إذ الظاهر من الأول كون المانع عدم الايتمان لا مجرد اعتقاد الخلاف. مع أن منصرفه القضاة الذين كانوا يعتمدون على القياس و نحوه من الحجج الظنية في مقابل فتوى المعصومين (ع) و ليس مثلهم محل الكلام. و الثاني محمول على الاستحباب للإجماع القطعي على خلاف ظاهره.

و أما اعتبار العدالة: فهو كسابقه عند العقلاء. لكنه المعروف بين الأصحاب بل هو إجماع كما قيل. و هو العمدة- لو تمَّ- دون مثل آية النبإ إذ هي في الخبر لا في الفتوى. مع أن مقتضى الجمع بينها و بين ما دل على اعتبار الوثوق و كفايته في حجية الخبر، حمل التبين فيها على الوثوق. و كذا‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 11 من أبواب صفات القاضي حديث: 43.

(2) الوسائل باب: 11 من أبواب صفات القاضي حديث: 46.

42
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 22): يشترط في المجتهد أمور ؛ ج‌1، ص : 40

.....

خبر الاحتجاج المروي عن تفسير العسكري (ع) «1» الآتي ذكره، «2» فإنه- مع ضعفه في نفسه- ظاهر في اعتبار الامانة و الوثوق، كما يظهر من ملاحظته بتمامه. مع أن مورده أصول الدين التي لا يجوز فيها التقليد و لا يقبل فيها الخبر تعبداً، فلا بد من حمله على غير التقليد الذي هو محل الكلام.

و كأنه لأجل ذلك و نحوه جوز بعض تقليد الفاسق المأمون عملا بإطلاق الأدلة و ان كان هو مما لا ينبغي، لأنه خلاف المتسالم عليه بين الأصحاب، و مخالف للمرتكز في أذهان المتشرعة، بل المرتكز عندهم قدح المعصية في هذا المنصب على نحو لا تجدي عندهم التوبة و الندم، فالعدالة المعتبرة عندهم مرتبة عالية لا تزاحم و لا تغلب. و الانصاف أنه يصعب جداً بقاء العدالة للمرجع العام في الفتوى- كما يتفق ذلك في كل عصر لواحد أو جماعة- إذا لم تكن مرتبة قوية عالية ذات مراقبة و محاسبة، فإن ذلك مزلة الاقدام و مخطرة الرجال العظام. و منه سبحانه نستمد الاعتصام.

و أما اعتبار الرجولة: فهو أيضاً كسابقه عند العقلاء. و ليس عليه دليل ظاهر غير دعوى انصراف إطلاقات الأدلة الى الرجل و اختصاص بعضها به. لكن لو سلم فليس بحيث يصلح رادعا عن بناء العقلاء. و كأنه لذلك أفتى بعض المحققين بجواز تقليد الأنثى و الخنثى.

و أما اعتبار الحرية: فهو المحكي عن جماعة- منهم ثاني الشهيدين- بل قيل: انه مشهور. لكن مقتضى بناء العقلاء و غيره من المطلقات عدمه.

و بعض الاستحسانات المقتضية لاعتبارها، مثل كونه مملوكا لا يقدر على شي‌ء و كونه مولى عليه، لا تصلح للاعتماد عليها في الردع و تقييد المطلق.

و أما كونه مجتهداً مطلقاً: فاعتباره هو المعروف المدعى عليه الوفاق‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 10 من أبواب صفات القاضي حديث: 20.

(2) في كلام الماتن في هذه المسألة.

43
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 22): يشترط في المجتهد أمور ؛ ج‌1، ص : 40

.....

أو الإجماع فلا يصح تقليد المتجزئ. لكنه غير ظاهر الدليل. لعموم بناء العقلاء له. و كذا‌

مشهورة أبي خديجة عن الصادق (ع): «إياكم أن يحاكم بعضكم بعضاً الى أهل الجور، و لكن انظروا الى رجل منكم يعلم شيئاً من قضائنا (قضايانا خ ل) فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضياً فتحاكموا اليه» «1».

و سندها لا يخلو من اعتبار. و كونها في القضاء لا يمنع من الاستدلال بها في المقام، لأن منصب القضاء منصب للفتوى و لا عكس، فما دل على عدم اعتبار شي‌ء في القاضي يدل على عدم اعتباره في المفتي.

و دعوى: أن ما يعلم من المعصوم ليس من الاجتهاد، و لم يكونوا يحتاجون في تلك الأزمنة إلى الاجتهاد. كما ترى! و لا سيما و ان ذلك يمنع من التمسك بالنصوص على نفوذ القضاء، لاشتراك الجميع في الاشكال المذكور.

و مثلها في الاشكال دعوى معارضتها‌

بمقبولة عمر بن حنظلة: «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث

.. (الى أن قال):

قال (ع) ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكماً ..» «2».

لظهور قوله (ع):

«حلالنا و حرامنا .. و أحكامنا»

في العموم. وجه الاشكال: أن قوله (ع):

«روى حديثنا»

ليس المراد منه كل حديث لهم (ع) فان ذلك مقطوع بخلافه، لتعذر ذلك، و لا سيما في زمان صدور الرواية، فيمتنع أخذه شرطاً في القضاء، فيتعين أن يكون المراد أحاديثهم عليهم السلام في الجملة، فيكون المراد من قوله (ع):

«و نظر في حلالنا و حرامنا»

أنه نظر في الحلال و الحرام اللذين تضمنتهما الأحاديث التي رواها، لا عموم الحلال و الحرام، و كذلك المراد من أحكامهم (ع)

______________________________
(1) الوسائل باب: 1 من أبواب صفات القاضي حديث: 5.

(2) الوسائل باب: 11 من أبواب صفات القاضي حديث: 1 و قد تقدم قسم منه في مسألة: 12.

44
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 22): يشترط في المجتهد أمور ؛ ج‌1، ص : 40

.....

يعني: الاحكام التي عرفها بعد النظر في الحلال و الحرام اللذين تضمنتهما الأحاديث، فيتعين أن يكون المراد بعض الاحكام لا جميعها. مضافا الى الإجماع على عدم اعتبار رواية جميع أحاديثهم و لا النظر في جميع حلالهم و حرامهم، حتى من القائلين باعتبار الاجتهاد المطلق لاجتزائهم بالنظر في الجملة. فيتعين حمل الحديث و الحلال و الحرام على الجنس الصادق على البعض و هكذا الحال في معرفة أحكامهم. و حمل المعرفة على الملكة- كما يدعيه القائلون باعتبار الاجتهاد المطلق- مع أنه خلاف ظاهر المعرفة- تفكيك بين فقرات الرواية، يأباه سياقها. فلاحظ و تأمل. و لو أغمضنا النظر عن ذلك كله فلا أقل من عدم صلاحية المقبولة لمعارضة رواية أبي خديجة، لإمكان حملها على ما لا ينافيها عرفا، فيتعين في مقام الجمع العرفي بينهما، و يكون العمل على ظاهر رواية أبي خديجة بلا مانع.

نعم لو فرض ملازمة الأفضلية للاجتهاد المطلق تعين تقليد المجتهد المطلق عند الدوران بينه و بين المتجزئ. لكن الفرض المذكور غير ظاهر مع أن الكلام في الشرطية مطلق و لو مع عدم وجود المجتهد المطلق.

هذا كله بناء على إمكان التجزي في الاجتهاد- كما لعله المشهور و المنصور- لاختلاف مراتب الملكة قوة و ضعفاً، كاختلاف المسائل وضوحا و خفاء. أما بناء على امتناعه فلا ثمرة عملية للنزاع المذكور.

و أما اعتبار الحياة: فقد تقدم الكلام فيه، و أن العمدة فيه الإجماع المفقود في الاستمراري منه على ما عرفت.

و أما اعتبار الأعلمية: فقد تقدم الكلام فيه أيضاً و أنه الذي يقتضيه الأصل و بناء العقلاء.

و أما طهارة المولد: فهي داخلة في الايمان بناء على كفر المتولد من الزنا، أما بناء على خلافه فلا دليل على اعتبارها غير الأصل المحكوم ببناء‌

45
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 23): العدالة عبارة عن ملكة إتيان الواجبات و ترك المحرمات ؛ ج‌1، ص : 46

[ (مسألة 23): العدالة عبارة عن ملكة إتيان الواجبات و ترك المحرمات]

(مسألة 23): العدالة عبارة عن ملكة إتيان الواجبات و ترك المحرمات (1).

العقلاء. نعم عن الروضة دعوى الإجماع عليه. و عليه فهو المعتمد.

و أما اعتبار أن لا يكون مقبلا على الدنيا: فإن أريد من الإقبال على الدنيا ما ينافي العدالة أغنى عن اعتباره اعتبارها، و ان أريد غير ذلك فدليله غير ظاهر. و لذا لم أقف على من ذكره بخصوصه. و أما الخبر الذي ذكره المصنف «1» فقد عرفت أنه المروي عن تفسير العسكري (ع)، و قد ذكره شيخنا الأعظم (ره) في أدلة حجية الخبر. و قد عرفت الإشكال في سنده، و في كونه فيما نحن فيه من التقليد في الفروع. و في دلالته على أكثر من اعتبار الامانة و الوثوق، كما يظهر ذلك من ملاحظة مجموع الفقرات، و ان كان الجمود على الفقرة الأخيرة يقتضي ظهوره في اعتبار العدالة. فلاحظ و تأمل. و اللّه سبحانه هو الموفق.

كما نسب الى المشهور بين المتأخرين، بل الى المشهور مطلقاً، بل الى العلماء، أو الفقهاء، أو المخالف و المؤالف. و عن ظاهر الحلي و غيره:

أنها مجرد ترك المعاصي، أو خصوص الكبائر. و عن ظاهر المقنعة و غيرها:

أنها الاجتناب عن المعاصي عن ملكة. و مقتضى الجمود على عبارة الأول أنه بحسب المورد أعم من وجه من الثاني، و أعم مطلقاً من الثالث. إلا أن الاتفاق ظاهراً على ثبوت الفسق بارتكاب الكبيرة يقتضي أن يكون المراد من الأول الملكة الباعثة فعلا على الطاعات و ترك المعاصي، فيكون أخص مورداً من الثاني و مساوياً للثالث. و هناك أقوال أخر- على تقدير ثبوتها- نادرة تأتي الإشارة إلى بعضها.

و كيف كان فقد استدل على الأول‌

بصحيح عبد اللّه بن أبي يعفور

______________________________
(1) تقدمت الإشارة إلى مصدره قريباً.

46
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 23): العدالة عبارة عن ملكة إتيان الواجبات و ترك المحرمات ؛ ج‌1، ص : 46

«قلت لأبي عبد اللّه (ع): بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم و عليهم؟ فقال (ع): أن تعرفوه بالستر و العفاف، و كف البطن و الفرج و اليد و اللسان، و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه تعالى عليها النار من شرب الخمر و الزنا و الربا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف و غير ذلك. و الدلالة على ذلك كله أن يكون ساتراً لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه ..» «1».

و تقريب الاستدلال به: أن ظاهر السؤال فيه و ان كان السؤال عن الطريق إلى العدالة بعد معرفة مفهومها، لكن يتعين حمله على السؤال عن مفهومها بقرينة ما في الجواب، فان الستر و العفاف المذكورين فيه من سنخ الملكات، و كف البطن و ما بعده من سنخ الافعال، فلو كان ذلك طريقاً إلى العدالة لزم كونها أمراً آخر وراء ما ذكر، و هو مما لم يقل به أحد، و لا يمكن الالتزام به، فيتعين لذلك حمل السؤال على السؤال عن مفهومها، لجهل السائل به الموجب للجهل بوجودها. و يشهد لذلك أيضاً قوله (ع):

«و الدلالة على ..»

فإنه كالصريح في كونه وارداً لبيان الطريق. فان كان المراد منه بيان الطريق إلى العدالة، فحمل الأول على بيان الطريق أيضاً يلزم منه أن يكون المقصود جعل طريقين إلى العدالة، و لأجل أن الأول أخص يكون لغواً. و ان كان المراد منه الطريق إلى الأول فيكون طريقاً الى الطريق فهو- مع بعده في نفسه- ينافيه قوله (ع) بعده:

«و يجب عليهم تزكيته و إظهار عدالته»

فإنه ظاهر في كونه طريقاً إلى العدالة لا طريقا الى الطريق إليها. و يناسب ما ذكرنا جداً اختلاف التعبير، فإنه عبر في الصدر بالمعرفة المشاكلة للتعبير في السؤال و في الذيل بالدلالة المخالفة له، فيدل ذلك كله على أن المعرفة في السؤال و في الصدر بمعنى معرفة المفهوم، و ان الدلالة في الذيل بمعنى معرفة وجود‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 41 من كتاب الشهادات حديث: 1.

47
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 23): العدالة عبارة عن ملكة إتيان الواجبات و ترك المحرمات ؛ ج‌1، ص : 46

.....

المفهوم. و بذلك تعرف أن قوله (ع):

«و يعرف باجتناب ..»

متمم للتعريف الأول، لا طريق اليه. و لا سيما بملاحظة ما بينهما من الاشتراك، فان كف البطن .. راجع الى اجتناب جملة من الكبائر. و لأجل ذلك أيضا يمتنع أن يكون طريقاً إلى العدالة لو حمل الأول على بيان المفهوم.

و المتحصل مما ذكرنا: أن الرواية الشريفة صدر الجواب فيها ظاهر في بيان مفهوم العدالة، و ما بعده ظاهر في بيان الطريق الى المصداق، فان حمل السؤال على السؤال عن المفهوم- بقرينة صدر الجواب، لما بينه و بين السؤال من المشاكلة في التعبير- كان بيان الطريق في الذيل تفضلا من الامام (ع)، و إن حمل على السؤال عن الطريق الى المصداق كان ما في الصدر من بيان المفهوم تفضلا أو تمهيداً للجواب.

و من ذلك يظهر ضعف ما تقدم عن الحلي و غيره، بل صريح الكفاية أنه الأشهر، قال (ره): «و الأقرب الأشهر في معنى العدالة أن لا يكون مرتكباً للكبائر و لا مصراً على الصغائر»، و نحوه في النسبة إلى الأشهر ما في البحار و مال اليه شيخنا الأعظم (ره) في صلاة الجماعة، عملا بظاهر السؤال في كونه سؤالا عن الطريق إلى العدالة، فيكون الستر و العفاف المذكوران في الجواب طريقاً إليها لا نفسها. و لا ينافيه قوله (ع) في الجواب:

«و يعرف باجتناب ..»

لأن المراد به الاجتناب الظاهر للناس عند معاشرته، فيختص بالمعاصي الظاهرة مثل قتل المسلم، و إهانة المؤمنين و شتمهم و نحو ذلك، فيكون المقصود جعل الاجتناب عن هذه المعاصي طريقاً الى الاجتناب عن جميع المعاصي حتى الخفية، مثل الإفطار في الخلوات و نكاح الحائض و السرقة عند الفرصة و بغض المؤمنين.

و توضيح الاشكال عليه: أن كف البطن و ما عطف عليه راجع الى الاجتناب عن جملة من الكبائر، فإذا كان الستر و العفاف طريقاً إلى العدالة‌

48
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 23): العدالة عبارة عن ملكة إتيان الواجبات و ترك المحرمات ؛ ج‌1، ص : 46

.....

تعين أن يكون اجتناب المعاصي كذلك، فكيف يمكن أن تكون نفس الاجتناب؟! مضافاً الى أن حمل الاجتناب في قوله (ع):

«و يعرف باجتناب ..»

على الاجتناب الظاهر للناس عند المعاشرة خلاف الظاهر، و خلاف ظاهر الكبائر في العموم للكبائر الخفية. مع أنه يلزم رجوعه الى قوله (ع):

«و الدلالة على ..»

لأن المراد منه الاجتناب في الظاهر و ظاهر الرواية مخالفته له، فان الدال غير المدلول عليه، و جعل المدلول عليه نفس العدالة لا الاجتناب- فيكون الطريق إلى العدالة كلا من الأمرين- خلاف الظاهر جداً. مع أنه يلزم منه لغوية الثاني لكونه أخص.

نعم يبقى الإشكال في الرواية من جهة الاقتصار فيها على الستر و العفاف و عدم التعرض فيها لبقية الملكات الباعثة على التقوى. و من جهة عدم التعرض فيها لفعل الواجبات. لكن لا يبعد- و لو بقرينة النصوص الأخر التي تشير الى بعضها- أن يكون المراد من الستر الاستحياء من فعل المعصية مطلقاً، و من العفاف التعفف عن عامة المعاصي. كما أنه لا يبعد أن يكون ترك ذكر الواجبات لأن ترك الواجبات من الكبائر، كما في صحيح عبد العظيم (ره) «1» فيكون قد اكتفى عنه بذكر الكبائر. مع أن الإجماع على اعتبارها، و ما يظهر من مثل رواية علقمة «2» الآتية، بل من ذيل الصحيح المذكور- فتأمل- كاف في إثبات اعتبارها فيها.

و مثل الصحيح المذكور‌

موثقة ابن أبي يعفور عن أخيه عن أبي جعفر (ع): «تقبل شهادة المرأة و النسوة إذا كن مستورات من أهل البيوتات معروفات بالستر و العفاف مطيعات للأزواج تاركات البذاء و التبرج

______________________________
(1) الوسائل باب: 46 من أبواب جهاد النفس حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 41 من أبواب كتاب الشهادات حديث: 13.

49
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 23): العدالة عبارة عن ملكة إتيان الواجبات و ترك المحرمات ؛ ج‌1، ص : 46

.....

الى الرجال في أنديتهم» «1».

و يعضدهما في الدلالة على اعتبار الملكة كثير من النصوص، مثل ما دل على قبول شهادة الرجل لولده أو والده أو امرأته إذا كان خيراً «2»، و ما دل على قبول شهادة المكاري و الجمال و الملاح إذا كانوا صلحاء «3»، و ما دل على قبول شهادة الضيف إذا كان عفيفاً صائناً «4»، و‌

ما ورد في تفسير قوله تعالى (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدٰاءِ):

أنه ممن ترضون دينه و أمانته و صلاحه و عفته «5»

.. الى غير ذلك.

و حمل هذه النصوص على كون الملكات المذكورة ملازمة لموضوع الحكم لا نفسه، خلاف الظاهر و لا موجب له.

و من ذلك كله يظهر لك أيضاً ضعف القول بكونها حسن الظاهر- كما نسب إلى جماعة- أو الإسلام مع عدم ظهور الفسق، كما عن ابن الجنيد و كتاب الاشراف للمفيد، و ان استدل لذلك‌

بصحيح حريز: «إذا كان أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أجيزت شهادتهم جميعاً» «6»

و ما‌

في صحيح ابن المغيرة: «كل من ولد على الفطرة و عرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته» «7»

، و نحوه ما في غيره، و‌

مرسل يونس: «إذا كان ظاهره ظاهراً مأمونا جازت شهادته، و لا يسأل عن باطنه» «8»

، و ما‌

في رواية علقمة: «فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً

______________________________
(1) الوسائل باب: 41 من أبواب كتاب الشهادات حديث: 19.

(2) الوسائل باب: 41 من أبواب كتاب الشهادات حديث: 9.

(3) الوسائل باب: 34 من أبواب كتاب الشهادات حديث: 1.

(4) الوسائل باب: 29 من أبواب كتاب الشهادات حديث: 3.

(5) الوسائل باب: 41 من أبواب كتاب الشهادات حديث: 22.

(6) الوسائل باب: 41 من أبواب كتاب الشهادات حديث: 17.

(7) الوسائل باب: 41 من أبواب كتاب الشهادات حديث: 5.

(8) الوسائل باب: 41 من أبواب كتاب الشهادات حديث: 3.

50
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 23): العدالة عبارة عن ملكة إتيان الواجبات و ترك المحرمات ؛ ج‌1، ص : 46

.....

أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة و الستر و شهادته مقبولة و ان كان في نفسه مذنباً» «1»

.. الى غير ذلك. فإنه مع إمكان المناقشة في دلالة بعضها يتعين حملها- بعد تقييد بعضها ببعض- على كون حسن الظاهر طريقاً إلى العدالة شرعياً، جمعاً بينها و بين ما تقدم. كما يشهد به أيضاً ما‌

في رواية أحمد بن عامر الطائي قال رسول اللّه (ص) «من عامل الناس فلم يظلمهم و حدثهم فلم يكذبهم و وعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروته و ظهرت عدالته» «2»

و نحوها رواية ابن سنان «3»، فهذه النصوص واردة في مقام الإثبات لا في مقام الثبوت. فلاحظ و تأمل.

و اللّه سبحانه ولي التوفيق و هو حسبنا وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ.

ثمَّ إن ملكة العدالة من الستر و العفاف و الصلاح و نحوها مما ذكر في النصوص ذات مراتب متفاوتة جداً تفاوت سائر الملكات بالقوة و الضعف، يكفي في ثبوتها أدنى مراتبها، و لا ينافي وجودها ارتكاب المعصية و لو كانت كبيرة لجواز غلبة المزاحم من قوتي الشهوة و الغضب عليها، كما لا ينافي وجود سائر الملكات- كملكتي الشجاعة و الكرم- تخلف مقتضاها أحياناً، و لذا قيل: «إن الجواد قد يكبو و السيف قد ينبو». و ليس المراد منها خصوص المرتبة العالية التي لا يتخلف مقتضاها، و لا يغلبها المزاحم. فان ذلك خلاف إطلاق الأدلة، و يستوجب ندرة وجودها جداً بل يمتنع إحراز وجود هذه المرتبة في أكثر الأعصار، فيلزم منه تعطيل الاحكام و اختلال النظام، و لذا‌

قال الصادق (ع) في رواية علقمة:

«لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت إلا شهادة الأنبياء و الأوصياء (ع)

______________________________
(1) الوسائل باب: 41 من أبواب كتاب الشهادات حديث: 13.

(2) الوسائل باب: 41 من أبواب كتاب الشهادات حديث: 14.

(3) الوسائل باب: 41 من أبواب كتاب الشهادات حديث: 15.

51
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 23): العدالة عبارة عن ملكة إتيان الواجبات و ترك المحرمات ؛ ج‌1، ص : 46

.....

لأنهم المعصومون دون سائر الخلق» «1».

و قد ورد في جملة من النصوص قبول شهادة المحدود بعد توبته «2»، و جملة منها واردة في خصوص القاذف بعد التوبة «3». و بالجملة: عدم اعتبار المرتبة العالية في ترتب أحكام العدالة مما لا ريب فيه إجماعا و نصاً و سيرة.

نعم لا يكفي أقل مراتب وجودها إذا كان بنحو لا يصدق الستر، و العفاف و الصلاح، و نحو ذلك من العناوين المذكورة في النصوص التي تقدم بعضها. لظهور النصوص المذكورة في اعتبار الأوصاف المذكورة في العدالة مفهوما- كما عرفت- بحيث لا تصدق مع فقدها و ان كان للمكلف حالة تبعثه على فعل الطاعة، كما هو الحال في كثير من الفساق، فان التدين بالدين الإسلامي. و اعتقاد المعاد، و الثواب، و العقاب، و الجزاء على الأعمال- إن خيراً فخير و ان شراً فشر- يستوجب حدوث حالة مقتضية لفعل الطاعات، و الانزجار عن المعاصي، لكنها فيهم مغلوبة للقوى المزاحمة، فكلما عرضت لهم المعصية وقعوا فيها، لقوة الشهوة أو الغضب فيهم على نحو تغلب تلك الحال الخاصة المقتضية للطاعة، و مع سكون القوة المزاحمة من الشهوة و الغضب يحصل لهم حالة الندم مع الالتفات الى تقصيرهم.

لكن لما كان ذلك غالبياً لهم لا يصدق في حقهم الستر و العفاف و الصلاح و نحو ذلك، بل يصدق خلافها.

نعم لو كان ذلك- أعني الوقوع في المعصية- نادراً لقلة الابتلاء، أو لقصور الفاعل عن الفعل الحرام، أو لضعف الشهوة المزاحمة- لمرض أو هرم أو تشويش بال أو نحو ذلك- كفى ذلك في صدق الستر و نحوه‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 41 من أبواب كتاب الشهادات حديث: 13.

(2) الوسائل باب: 37 من كتاب الشهادات.

(3) الوسائل باب: 36 من كتاب الشهادات.

52
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 23): العدالة عبارة عن ملكة إتيان الواجبات و ترك المحرمات ؛ ج‌1، ص : 46

.....

عرفا، و تحققت العدالة، و جاز ترتيب أحكامها، كما يوجد في كثير من النساء و الفقراء، فان سترهم و عفافهم لا يكون لقوة الملكة الباعثة على التقوى، بل لفقد المزاحم. و من ذلك تعرف أن العدالة في الملوك و نحوهم من أهل الحول و الطول إنما تكون- غالباً- لقوة الحال الباعثة، و في غيرهم من الضعفاء قد تكون لذلك، و قد تكون لعدم المزاحم للحال الباعثة على التقوى مع كونها ضعيفة جداً.

و المتحصل مما ذكرنا أمور: (الأول): اعتبار الملكة في العدالة.

(الثاني): عدم اعتبار كونها بمرتبة لا يغلبها المزاحم بنحو يستوجب العصمة. (الثالث): أنه لا يكفي أدنى مراتبها إذا كان بنحو لا يصدق الستر و الصلاح. (الرابع): أن من لوازم الملكة المذكورة حصول الندم بعد فعل المعصية و الالتفات الى ذلك، و ان كانت الملكة بمرتبة دانية ضعيفة جداً، فاذا لم يحصل الندم بعد الالتفات الى فعل المعصية كشف ذلك عن عدم الملكة كما يتفق ذلك نادراً من بعض الفساق المتمردين.

هذا و المراد باجتناب المعاصي المعتبر في العدالة نصاً و إجماعاً- كما عرفت- أن لا يكون مطالباً بالمعصية حال الابتلاء ببعض آثار العدالة و أحكامها- كالايتمام و الشهادة و الولاية و غيرها- اما بأن لا يكون عاصياً أصلا، أو يكون عاصياً فيتوب. للإجماع و النصوص على عدم جواز ترتيب آثار العدالة على العصاة قبل التوبة و جواز ترتيبها بعدها «1». و يشهد به أيضاً قوله تعالى (وَ لٰا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهٰادَةً أَبَداً وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تٰابُوا) «2» و بمضمونها جملة من النصوص أشرنا إلى بعضها آنفاً،

______________________________
(1) الوسائل باب: 11 من أبواب صلاة الجماعة، و من باب: 30 الى: 37، و باب: 41 من كتاب الشهادات.

(2) النور: 4- 5.

53
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 23): العدالة عبارة عن ملكة إتيان الواجبات و ترك المحرمات ؛ ج‌1، ص : 46

و تعرف بحسن الظاهر الكاشف (1) عنها علماً أو ظناً، و تثبت بشهادة العدلين و بالشياع المفيد للعلم.

و هي مذكورة في بعض أبواب شهادات الوسائل فراجعها. مضافا الى ما دل على قبول التوبة، و أنها ماحية للذنوب، من الآيات «1» و الروايات «2».

فلاحظ و تأمل.

هذا و في المقام مباحث شريفة، منها البحث عن اعتبار الاجتناب عن منافيات المروءة في العدالة، و البحث عن انقسام المعصية إلى كبيرة و صغيرة، و الميزان الفارق بينهما، و طريق إثبات كون المعصية كبيرة، و غير ذلك.

تركنا التعرض لها اعتماداً على التعرض لها عند تعرض المصنف (ره) في شرائط الإمام من مباحث صلاة الجماعة. و اللّه سبحانه ولي التوفيق.

اعلم أن الطريق إلى إثبات العدالة أمور:

الأول: العلم الوجداني، سواء أحصل من حسن الظاهر، أم من الشياع، أم من غيرهما. و لا إشكال في كونه طريقاً إليها، لكونه حجة بالذات في نظر العقل، كما هو محرر في محله.

الثاني: البينة بلا إشكال ظاهر، و هو واضح بناء على عموم حجيتها، كما سيأتي تقريبه في مباحث المياه «3» إن شاء اللّه. أما بناء على عدمه فقد تستفاد حجيتها في المقام- مما في ذيل صحيح ابن أبي يعفور المتقدم «4» من‌

قوله (ع): «فإذا سئل عنه في قبيلته و محلته قالوا ما رأينا منه إلا

______________________________
(1) و هي كثيرة يسهل الاطلاع عليها بالاستعانة بمعاجم الآيات.

(2) الوسائل باب: 47، 82، 83، 85، 86، 89، 92 من أبواب جهاد النفس و يوجد في أبواب أخر أيضاً.

(3) في مسألة: 6 من الفصل المتعرض لأحكام البشر.

(4) راجع أوائل شرح المسألة السابقة.

54
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 23): العدالة عبارة عن ملكة إتيان الواجبات و ترك المحرمات ؛ ج‌1، ص : 46

.....

خيراً»

بضميمة الإجماع على عدم اعتبار أكثر من البينة، و مما‌

في خبر جابر عن أبي جعفر (ع): «شهادة القابلة جائزة على أنه استهل أو برز ميتاً إذا سئل عنها فعدلت» «1»

، و ما‌

في رواية علقمة «فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة و الستر» «2»

- بالفحوى، أو بضميمة عدم الفصل بين الفسق و العدالة. هذا و في اعتبار حصول الوثوق بصدقها، أو الظن به، أو عدم الظن بالخلاف، أو عدم اعتبار شي‌ء من ذلك، وجوه مبنية على ثبوت إطلاق يعتمد عليه في إثبات الحجية و عدم انصرافه إلى شي‌ء من ذلك، و عدمه. و الظاهر عدم الفرق بين الشهادة الفعلية و القولية.

الثالث: حسن الظاهر. و يشهد له كثير من النصوص المتقدم بعضها «3» مثل ما في صحيح ابن أبي يعفور من‌

قوله (ع): «و الدلالة على ذلك ..»

و ما في رواية علقمة، و ما في رواية أحمد بن عامر الطائي و ما في رواية ابن سنان، و غيرها. و مقتضى إطلاقها حجية حسن الظاهر و ان لم يفد الظن بل و ان كان الظن على خلافه. لكن يجب تقييدها بما‌

في مرسل يونس من قول الصادق (ع): «فاذا كان ظاهر الرجل ظاهراً مأمونا جازت شهادته و لا يسأل عن باطنه» «4»

. و إرساله لا يقدح بعد كون المرسل من أصحاب الإجماع، و رواية المشايخ الثلاثة- قدس سرهم- له في كتبهم بأسانيد مختلفة، و فيهم جماعة من الأعاظم، كأحمد بن محمد ابن عيسى، و علي بن إبراهيم و غيرهما، و اعتماد المشهور عليه في بعض‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 24 من كتاب الشهادات حديث: 39.

(2) الوسائل باب: 41 من كتاب الشهادات حديث: 13.

(3) في شرح المسألة السابقة.

(4) الوسائل باب: 41 من كتاب الشهادات حديث: 3.

55
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 23): العدالة عبارة عن ملكة إتيان الواجبات و ترك المحرمات ؛ ج‌1، ص : 46

.....

مضمونه، فان مجموع ذلك مما يستوجب الوثوق المدخل له تحت دليل الحجية. و أما التقييد بالظن- كما في المتن- فليس عليه دليل ظاهر.

و أما‌

خبر إبراهيم الكرخي «من صلى خمس صلوات في اليوم و الليلة في جماعة فظنوا به خيراً و أجيزوا شهادته» «1».

فالأمر فيه بالظن و ان كان ظاهراً في لزوم ترتيب أثر الظن، لكنه لا يقتضي تقييد حجية الظاهر بالظن، و إنما يدل على حجية الظاهر كالظن، فهو بإطلاقه من أدلة حجية الظاهر مطلقاً كالظن، و لا يصلح لتقييد حجيته بالظن. و لا يبعد أن يكون المراد من كونه مأموناً كونه موجباً للأمن فعلا، و الحمل على الأمن النوعي محتاج إلى قرينة مفقودة.

الرابع: الوثوق بها و ان لم يكن مستنداً الى ظاهر حسن. و قد يشهد له‌

رواية أبي علي بن راشد: «لا تصل إلى خلف من تثق بدينه» «2»

و نحوها رواية يزيد بن حماد «3». لكن مع أن المنصرف اليه من الدين الأصول لا الفروع، محمول على ذلك بقرينة السؤال. نعم‌

رواها الشيخ (قده) بزيادة «و أمانته»

و لا يجري فيها الاشكال المذكور. لكن التعدي عن الايتمام إلى سائر الاحكام لا يخلو من تأمل. و ان كان هو الأقرب، و لا سيما بملاحظة مرسل يونس المتقدم، فان الارتكاز العقلائي يناسب كون الوجه في الحجية هو الأمن لا الخصوصية في حسن الظاهر. فلاحظ.

و عن بعض: حجية مطلق الظن. و كأنه لرواية إبراهيم الكرخي.

و قريب منه‌

مرسل الفقيه: «من صلى الصلوات الخمس في جماعة فظنوا به كل خير» «4».

و فيه: أنه لو تمَّ حمل الظن على ما هو محل الكلام‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 41 من كتاب الشهادات حديث: 12.

(2) الوسائل باب: 11 من أبواب صلاة الجماعة حديث: 8.

(3) الوسائل باب: 12 من أبواب صلاة الجماعة حديث: 1.

(4) الوسائل باب: 1 من أبواب صلاة الجماعة حديث: 6.

56
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 24): إذا عرض للمجتهد ما يوجب فقده للشرائط يجب على المقلد العدول الى غيره ؛ ج‌1، ص : 57

[ (مسألة 24): إذا عرض للمجتهد ما يوجب فقده للشرائط يجب على المقلد العدول الى غيره]

(مسألة 24): إذا عرض للمجتهد ما يوجب فقده للشرائط يجب على المقلد العدول الى غيره (1).

[ (مسألة 25): إذا قلد من لم يكن جامعاً و مضى عليه برهة من الزمان كان كمن لم يقلد أصلا]

(مسألة 25): إذا قلد من لم يكن جامعاً و مضى عليه برهة من الزمان كان كمن لم يقلد أصلا (2).

يتعين تقييده بخبر ابن راشد بل و مرسل يونس بالأولوية، فيحمل على الظن الاطمئناني.

و أما الشياع الموجب للعلم: فليس بحجة، و انما الحجة هو العلم لا غير كما تقدم في نظيره.

و المتحصل مما ذكر: أن طرق العدالة ثلاثة: العلم، و البينة، و الوثوق، سواء أحصل من حسن الظاهر أم من غيره. و منه تعرف الاشكال فيما ذكره المصنف (قده) عبارة و مؤدى. و اللّه سبحانه الهادي.

قال في الفصول: «و لو تسافل المجتهد عن الاجتهاد، أو صار مجنونا مطبقاً، ففي إلحاقه بالميت في الحكم السابق وجهان أظهرهما ذلك ..»‌

و لكن الذي يظهر من بعض أدلة وجوب العدول عن الميت: أن وجوب العدول هنا من المسلمات. و الذي تقتضيه القواعد ما ذكره في الفصول، و كذا في بقية موارد طروء فقد الشرائط، إذ أكثر ما تقدم في جواز البقاء على تقليد الميت جار بعينه هنا. نعم لا يطرد بعضه في المقام، و لكن ذلك لا يهم بعد اطراد غيره. فما لم ينعقد إجماع معتبر على وجوب العدول ينبغي الرجوع الى ما تقدم في مسألة جواز البقاء على تقليد الميت «1»، فإن المسألتين من باب واحد.

لبطلان التقليد بفقد شرطه.

______________________________
(1) راجع المسألة: 9.

57
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 26): إذا قلد من يحرم البقاء على تقليد الميت فمات ؛ ج‌1، ص : 58

فحاله حال الجاهل القاصر أو (1) المقصر.

[ (مسألة 26): إذا قلد من يحرّم البقاء على تقليد الميت فمات]

(مسألة 26): إذا قلد من يحرّم البقاء على تقليد الميت فمات، و قلد من يجوّز البقاء، له أن يبقى على تقليد الأول في جميع المسائل إلا مسألة حرمة البقاء (2).

[ (مسألة 27): يجب على المكلف العلم بأجزاء العبادات و شرائطها و موانعها و مقدماتها]

(مسألة 27): يجب على المكلف العلم بأجزاء العبادات و شرائطها و موانعها و مقدماتها (3)، و لو لم يعلمها لكن علم إجمالا أن عمله واجد لجميع الاجزاء و الشرائط و فاقد للموانع صح (4) و ان لم يعلمها تفصيلا.

[ (مسألة 28): يجب تعلم مسائل الشك و السهو بالمقدار الذي هو محل الابتلاء غالباً]

(مسألة 28): يجب تعلم مسائل الشك و السهو بالمقدار الذي هو محل الابتلاء غالباً (5). نعم لو اطمأن من نفسه أنه لا يبتلي بالشك و السهو صح عمله (6) و ان لم يحصل العلم بأحكامهما.

حرف العطف للتقسيم لا للترديد.

كما تقدم في المسألة الخامسة عشرة.

هذا الوجوب عقلي أو فطري، لتوقف العلم بالفراغ عليه، و هو واجب عقلا أو فطرة، كما تقدم في أول الكتاب.

لحصول العلم بالفراغ و لو إجمالا، و هو كاف في نظر العقل.

نعم بناء على اعتبار التمييز في حصول الامتثال في العبادات وجب العلم التفصيلي بإجزاء العبادة و شرائطها و موانعها. لكن التحقيق عدم اعتبار ذلك في العبادية عند العقلاء. مع أن الشك كاف في عدم الاعتبار بناء على التحقيق من الرجوع إلى البراءة في مثله.

هذا الوجوب كسابقه.

و كذا لو لم يطمئن فاتفق عدم الابتلاء بها، أو ابتلي بها فعمل‌

58
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 29): كما يجب التقليد في الواجبات و المحرمات يجب في المستحبات، و المكروهات و المباحات ؛ ج‌1، ص : 59

[ (مسألة 29): كما يجب التقليد في الواجبات و المحرمات يجب في المستحبات، و المكروهات و المباحات]

(مسألة 29): كما يجب التقليد في الواجبات و المحرمات يجب في المستحبات، و المكروهات و المباحات (1). بل يجب تعلم حكم كل فعل يصدر منه سواء كان من العبادات أو المعاملات أو العاديات.

على أحد الاحتمالات فاتفق كونه مطابقاً للواقع أو للحجة. لما عرفت من الاجتزاء عقلا بالعمل المعلوم كونه مطابقاً للواقع أو قامت الحجة على ذلك.

و أما الاطمئنان بعدم الابتلاء فلا أثر له في الصحة، كما تقدم في المسألة السادسة عشرة. نعم له دخل في نفي العقاب، فلو احتمل الابتلاء فلما ابتلي بالواقعة احتمل التكليف بأحد الوجوه مثل حرمة قطع الفريضة، فإنه لو قطعها حينئذ كان آثماً في نظر العقل، لأنه مقدم على مخالفة التكليف المحتمل المنجز على تقدير ثبوته. نعم مع الاطمئنان بعدم الابتلاء لو اتفق الابتلاء فعمل على أحد الوجوه في موارد الدوران بين المحذورين كان معذوراً في نظر العقلاء، كما هو كذلك في سائر موارد الدوران بين المحذورين بعد الفحص و اليأس. فحكم العمل قبل الفحص مع الاطمئنان بعدم الابتلاء حكم العمل بعد الفحص و اليأس عن الدليل في عدم استحقاق العقاب.

لا يخفى أن الفتوى (تارة): تكون حجة للمكلف لا غير، كما لو كان مفادها حكما غير لزومي. كالإباحة أو الاستحباب أو الكراهة فإنها حينئذ تكون حجة للعبد على نفي الحكم اللزومي كالحرمة و الوجوب.

(و أخرى): تكون حجة عليه لا غير، كما لو كان مفادها حكما لزومياً مع عدم احتمال حكم لزومي على خلافه، كما لو كان مفادها وجوب فعل مع عدم احتمال الحرمة أو بالعكس. (و ثالثة): تكون حجة له و عليه كما لو كان مفادها حكما لزومياً مع احتمال حكم لزومي على خلافه، كما لو أفتي بالوجوب مع احتمال الحرمة، فإن الفتوى تكون للمولى حجة على‌

59
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 30): إذا علم أن الفعل الفلاني ليس حراما ؛ ج‌1، ص : 60

[ (مسألة 30): إذا علم أن الفعل الفلاني ليس حراما]

(مسألة 30): إذا علم أن الفعل الفلاني ليس حراما و لم يعلم أنه واجب أو مباح أو مستحب أو مكروه، يجوز له أن يأتي به لاحتمال كونه مطلوبا و برجاء الثواب (1). و إذا علم أنه ليس بواجب، و لم يعلم أنه حرام أو مكروه أو مباح، له أن يتركه لاحتمال كونه مبغوضاً.

الوجوب، و للعبد حجة على نفي الحرمة. و لو أفتى بالحرمة مع احتمال الوجوب كان الأمر بالعكس. و ربما لا تكون الفتوى حجة للمكلف و لا عليه، كما لو أفتى بالإباحة مع العلم بانتفاء الوجوب و الحرمة، فإن مثل هذه الفتوى لا يصح اعتبار الحجية لها لا للمولى و لا للعبد. هذا كله بلحاظ العمل، و أما بلحاظ التشريع فيصح اعتبار الحجية لها على أن تكون حجة للعبد في جواز اعتقاد الإباحة، إذ لولاها كان اعتقاد الإباحة تشريعاً محرما.

و حينئذ نقول: يجب التقليد في جميع الأحكام- إلزامية كانت أم غيرها- من حيث جواز الالتزام بها و نفي التشريع. و أما من حيث العمل فان لم تكن الفتوى حجة على العبد و لا له لم يجب التقليد، و ان كانت حجة له- سواء أ كانت حجة عليه أم لا- يجب التقليد، سواء ا كان هو الالتزام أم العمل، اعتماداً على الفتوى، لتوقف الأمن من العقاب عليه.

و ان كانت الفتوى حجة عليه لا غير لم يجب التقليد، إذ لا أثر له في الأمن من العقاب، لكون المفروض عدم كون الفتوى حجة له. و ان شئت قلت: إذا كان مفاد الفتوى مطابقاً للاحتياط المطلق لا يجب التقليد لأنه لغو. و ان كان مفادها مخالفا للاحتياط المطلق أو للاحتياط من وجه يجب التقليد. و ان لم يكن المورد من موارد الاحتياط لا يجب التقليد، لأنه لغو أيضا. فلاحظ و تأمل.

الحكم المذكور مبني على جواز الامتثال الإجمالي مع التمكن من‌

60
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 31): إذا تبدل رأي المجتهد لا يجوز للمقلد البقاء على رأيه الأول ؛ ج‌1، ص : 61

[ (مسألة 31): إذا تبدل رأي المجتهد لا يجوز للمقلد البقاء على رأيه الأول]

(مسألة 31): إذا تبدل رأي المجتهد لا يجوز للمقلد البقاء على رأيه الأول (1).

[ (مسألة 32): إذا عدل المجتهد عن الفتوى الى التوقف و التردد يجب على المقلد الاحتياط]

(مسألة 32): إذا عدل المجتهد عن الفتوى الى التوقف و التردد يجب على المقلد الاحتياط أو العدول إلى الأعلم بعد ذلك المجتهد (2).

[ (مسألة 33): إذا كان هناك مجتهدان متساويان في العلم كان للمقلد تقليد أيهما شاء]

(مسألة 33): إذا كان هناك مجتهدان متساويان في العلم كان للمقلد تقليد أيهما شاء (3). و يجوز التبعيض في المسائل (4).

الامتثال التفصيلي، فلو بني على عدم جوازه تعين تقييد الجواز في العبارة بصورة عدم التمكن من الاجتهاد أو التقليد. هذا إذا كان المورد من العبادات- كما هو ظاهر العبارة- و إلا فلا حاجة إلى التقييد.

هذا ينبغي أن يكون من الواضحات، لاختصاص أدلة جواز رجوع الجاهل إلى العالم بصورة عدم اعترافه بخطإ الواقع.

هذا نظير ما سبق، لاعتراف المفتي بالخطإ في الاستناد و ان لم يعترف بخطإ الواقع لجهله بذلك.

إجماعا من القائلين بجواز التقليد، من دون فرق بين صورة الاتفاق في الفتوى و الاختلاف، و موافقة فتوى أحدهما للاحتياط المطلق دون الآخر و غيرها. نعم مع الاتفاق في الفتوى قد عرفت أنه يجوز تقليدهما معاً كما يجوز تقليد أحدهما بعينه «1».

قد عرفت أنه مع اختلاف المجتهدين في الفتوى تسقط إطلاقات أدلة الحجية عن المرجعية، و ينحصر المرجع بالإجماع، فمشروعية التبعيض تتوقف على عموم الإجماع على التخيير بينهما لصورة التبعيض. لكن لم‌

______________________________
(1) راجع المسألة: 8.

61
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 34): إذا قلد من يقول بحرمة العدول حتى إلى الأعلم، ثم وجد أعلم من ذلك المجتهد ؛ ج‌1، ص : 62

و إذا كان أحدهما أرجح من الآخر في العدالة أو الورع أو نحو ذلك، فالأولى بل الأحوط اختياره (1).

[ (مسألة 34): إذا قلد من يقول بحرمة العدول حتى إلى الأعلم، ثمَّ وجد أعلم من ذلك المجتهد]

(مسألة 34): إذا قلد من يقول بحرمة العدول حتى إلى الأعلم، ثمَّ وجد أعلم من ذلك المجتهد، فالأحوط العدول الى ذلك الأعلم (2) و ان قال الأول بعدم جوازه.

يتضح عموم الإجماع و لم أقف عاجلا على من ادعاه، بل يظهر من بعض أدلة المانعين عن العدول في غير المسألة التي قد قلد فيها المنع عن التبعيض فراجع كلماتهم. و مثلها دعوى السيرة عليه في عصر المعصومين (ع).

فالتبعيض إذاً لا يخلو من إشكال. نعم بناء على كون التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين لا مانع من التبعيض لإطلاق أدلة الحجية. إذ قد أشرنا في أوائل الشرح «1» الى أن اختلاف المجتهدين في الفتوى لا يوجب سقوط أدلة الحجية على هذا المبنى. فلاحظ.

لما عرفت آنفا «2» من نسبة القول بوجوب تقديم الأورع إلى جماعة، و أنه الذي تقتضيه أصالة التعيين عند الدوران بينه و بين التخيير في الحجية من دون ظهور دليل على خلافها. و بناء العقلاء على التخيير و عدم الترجيح بالأورعية غير ثابت، بل الظاهر عدم ثبوت بنائهم مع اختلاف الفتوى، كسائر إطلاقات أدلة الحجية، فإنها جميعاً لا تشمل صورة التعارض.

أقول: المسألة لها صورتان:

الاولى: أن يقلد أحد المجتهدين المتساوين في الفضل في المسائل الفرعية غير مسألة جواز العدول إلى الأعلم، ثمَّ بعد مدة يصير غيره أعلم منه، فاذا‌

______________________________
(1) راجع المسألة: 8.

(2) راجع المسألة: 13.

62
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 34): إذا قلد من يقول بحرمة العدول حتى إلى الأعلم، ثم وجد أعلم من ذلك المجتهد ؛ ج‌1، ص : 62

.....

التفت المقلد الى ذلك شك في جواز البقاء و حرمته، و حينئذ يمتنع أن يرجع في جواز البقاء الى المجتهد الذي قد قلده، للشك في حجية فتواه، فلا بد أن يرجع الى غيره. نظير ما لو مات المجتهد، فان الشك في حجية فتواه بعد الموت لا يرتفع بفتواه بجواز البقاء على تقليد الميت، فيتعين على المقلد بمقتضى حكم عقله الرجوع الى الحي. و كذا في مسألتنا يتعين عليه الرجوع الى الأعلم، و لا يلتفت الى فتوى من قلده مهما كانت و لو كانت حرمة العدول، لامتناع رجوعه إليه في ذلك بعد كون مناط الشك في الحجية موجوداً في مسألة جواز البقاء كسائر المسائل الفرعية. هذا حال المقلد في نفسه بملاحظة شكه. و أما حكمه بعد الرجوع إلى الأعلم في مسألة جواز البقاء و عدمه فهو وجوب العدول، لأن بناء العقلاء على وجوب الرجوع الى الأعلم لا فرق فيه بين الابتداء و الاستدامة، و كما يجب الرجوع إليه في الابتداء يجب العدول إليه في الاستدامة.

الصورة الثانية: أن يقلده في هذه المسألة بالخصوص ثمَّ يصير غيره أعلم فإن الرجوع إليه في هذه المسألة ممتنع، لأنه من إثبات حجية الفتوى بالفتوى نفسها، و لأجل ذلك كان عدم جواز رجوع المقلد اليه فيها أوضح من الصورة السابقة لاختلاف الموضوع فيها، لأن الرجوع إليه في المسألة الأصولية بلحاظ البقاء في المسألة الفرعية، و في هذه الصورة يكون الرجوع إليه في المسألة الأصولية بلحاظ البقاء فيها نفسها، فيتعين عليه الرجوع فيها الى غيره، و لا يلتفت الى فتوى مرجعه الأول أصلا، و حكمه بعد الرجوع الى الأعلم أيضاً وجوب العدول في المسائل الفرعية، و أما المسألة الأصولية- أعني: مسألة جواز البقاء و عدمه- فلا يمكن فيها البقاء و العدول لكون المفروض الرجوع فيها الى غيره، فلو كانت فتوى غيره الأعلم وجوب البقاء فالمراد البقاء في المسائل الفرعية لا المسألة الأصولية، كما هو‌

63
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 35) إذا قلد شخصا بتخيل أنه زيد فبان عمرا ؛ ج‌1، ص : 64

[ (مسألة 35) إذا قلد شخصاً بتخيل أنه زيد فبان عمراً]

(مسألة 35) إذا قلد شخصاً بتخيل أنه زيد فبان عمراً (1)، فان كانا متساويين في الفضيلة و لم يكن على وجه التقييد صح، و الا فمشكل (2).

واضح بالتأمل.

هذا و كأن تعبير المصنف (ره) بقوله: «فالأحوط العدول»، مبني على عدم جزمه بوجوب تقليد الأعلم و أنه أحوط كما تقدم. لكن قد يشكل:

بأن كونه أحوط يختص بالتقليد الابتدائي، و أما في مسألة العدول فليس العدول أحوط، لوجود القول بحرمة العدول، فالأحوط فيها الرجوع الى أحوط القولين اللهم إلا أن يختص كلامه بصورة كون قول المعدول إليه أحوط، فيرجع الى الأخذ بأحوط القولين. أو يختص بالصورة الأولى مع البناء على أن الرجوع في مسألة جواز العدول و البقاء من قبيل التقليد الابتدائي، لان تقليده الأول كان في غيرها من المسائل الفرعية. لكنهما معا خلاف ظاهر العبارة.

يشكل فرضه بناء على أن التقليد هو العمل و قد كان المجتهدان متفقين في الفتوى. نعم مع الاختلاف فيها، أو القول بأنه الالتزام، يكون الفرض ظاهراً.

بل الظاهر جريان حكم العمل بلا تقليد، لأن فوات القيد يستلزم فوات المقيد. (و دعوى): أن الشخص الذي قلده جزئي حقيقي، و الجزئي لا يقبل الإطلاق كي يقبل التقييد، فلا بد أن يرجع القيد إلى الداعي، و حينئذ لا يقدح تخلفه لأن الداعي إنما يؤثر بوجوده العلمي لا بوجوده الخارجي، و الوجود العلمي غير منتف، بل المنتفي إنما هو الوجود الخارجي. (مندفعة): بأن ذلك يتم بالإضافة إلى العوارض الطارئة على نفس الوجود الخارجي، أما ما كان طارئاً حقيقة على الصورة الذهنية- مثل الإرادة و الكراهة و الايتمام و التقليد‌

64
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 36): فتوى المجتهد تعلم بأحد أمور ؛ ج‌1، ص : 65

[ (مسألة 36): فتوى المجتهد تعلم بأحد أمور]

(مسألة 36): فتوى المجتهد تعلم بأحد أمور (الأول) أن يسمع منه شفاها (1). (الثاني): أن يخبر بها عدلان (2) (الثالث): إخبار عدل واحد (3). بل يكفي إخبار شخص موثق (4) يوجب قوله الاطمئنان و ان لم يكن عادلا (الرابع) الوجدان في رسالته، و لا بد أن تكون مأمونة من الغلط (5).

و البيع و الطلاق و نحوها- فلا مانع من تقييد تلك الصورة في مقام الموضوعية لهذه الطوارئ، فالموضوع الخارجي إذا كان فاقداً لقيد الصورة لا يصح أن يكون موضوعا للطارئ و لو بالعناية و المجاز، فالشخص الذي لم يكن زيداً في فرض المسألة غير مقلد، لأن التقليد إنما طرأ على المقيد بزيد، و كذا الحال في غيره. فان كان من يقلده بعد الالتفات هو الذي قلده أولا- لكونه أعلم، أو مساويا و قد اختاره- صح العمل، و ان كان قد قلد غيره- إما لكونه أعلم أو مساويا فاختاره- تعين العمل على طبق فتواه من حيث صحة العمل الأول و فساده.

فيأخذ و لو بظاهر كلامه، الذي هو حجة بلا إشكال.

بناء على ثبوت عموم يقتضي حجية البينة بنحو يشمل المقام، كما ادعاه شيخنا الأعظم (ره) في رسالة الجماعة و نسب الى المشهور في كلام غير واحد. و يأتي- إن شاء اللّه- في مبحث المياه «1» تقريبه.

لا يخفى ما في المقابلة بينه و بين البينة.

بناء على عموم حجية خبر الثقة في الأحكام الكلية لمثل المقام، من جهة دلالة الخبر عن الفتوى بالالتزام على ثبوت الحكم الكلي، كما أشرنا الى ذلك في المسألة العشرين.

بل يكفي أن تكون مورداً لأصالة عدم الخطأ المعول عليها عند‌

______________________________
(1) في المسألة: 6 من الفصل المتعرض لأحكام البئر.

65
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 37): إذا قلد من ليس له أهلية الفتوى ثم التفت وجب عليه العدول ؛ ج‌1، ص : 66

[ (مسألة 37): إذا قلد من ليس له أهلية الفتوى ثمَّ التفت وجب عليه العدول]

(مسألة 37): إذا قلد من ليس له أهلية الفتوى ثمَّ التفت وجب عليه العدول (1). و حال الأعمال السابقة حال عمل الجاهل غير المقلد. و كذا إذا قلد غير الأعلم وجب على الأحوط (2) العدول إلى الأعلم. و إذا قلد الأعلم ثمَّ صار بعد ذلك غيره أعلم وجب العدول الى الثاني، على الأحوط.

[ (مسألة 38): ان كان الأعلم منحصراً في شخصين و لم يمكن التعيين]

(مسألة 38): ان كان الأعلم منحصراً في شخصين و لم يمكن التعيين، فإن أمكن الاحتياط بين القولين فهو الأحوط (3)، و الا كان مخيراً بينهما.

العقلاء و الظاهر أنه يكفي في جريانها عدم الظن بالغلط الناشئ من كثرته.

هذا إذا كانت الرسالة بخط المجتهد، أما لو كانت بغير خطه اعتبر أن يكون الكاتب ثقة لأن الكتابة نوع من الخبر عن الفتوى.

بل هو في الحقيقة تقليد ابتدائي لا عدول. و كذا الحال فيما بعده.

قد عرفت سابقا أنه الأقوى. و كذا ما بعده. مضافا الى ما عرفت في المسألة الرابعة و الثلاثين من أن كون العدول في الفرض أحوط غير ظاهر، لوجود القول بحرمة العدول حتى إلى الأعلم.

تقدم التعرض لهذا في المسألة الحادية و العشرين، و ذكرنا هناك أن ظاهر الأصحاب الاتفاق على عدم وجوب الاحتياط على العامي، من دون فرق بين أن يتردد الأعلم بين اثنين أو عشرة- مثلا- و بين غيره من الفروض. و لا تبعد دعوى السيرة أيضاً على ذلك، لندرة تساوي المجتهدين، و غلبة حصول التفاوت بينهم و لو يسيرا، و شيوع الجهل بالأفضل و فقد أهل الخبرة في أكثر البلاد. و كون بنائهم على الاحتياط في مثل ذلك بعيد جدا.

66
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 39): إذا شك في موت المجتهد، أو في تبدل رأيه ؛ ج‌1، ص : 67

[ (مسألة 39): إذا شك في موت المجتهد، أو في تبدل رأيه]

(مسألة 39): إذا شك في موت المجتهد، أو في تبدل رأيه، أو عروض ما يوجب عدم جواز تقليده، يجوز له البقاء (1) الى أن يتبين الحال.

[ (مسألة 40): إذا علم أنه كان في عباداته بلا تقليد مدة من الزمان]

(مسألة 40): إذا علم أنه كان في عباداته بلا تقليد مدة من الزمان، و لم يعلم مقداره، فان علم بكيفيتها و موافقتها للواقع، أو لفتوى المجتهد الذي يكون مكلفاً بالرجوع اليه (2) فهو، و الا فيقضي المقدار الذي يعلم معه بالبراءة على الأحوط و ان كان لا يبعد جواز الاكتفاء بالقدر المتيقن (3).

للاستصحاب.

يعني: بالرجوع اليه حين الالتفات إلى ذلك، لا حين العمل، كما تقدم في المسألة السادسة عشرة. لكن سيأتي في المسألة الثالثة و الخمسين تفصيل في المسألة. فانتظر.

يعني: المتيقن بطلانه، إما يقينا وجدانيا، لليقين بمخالفته للواقع، أو تنزيلا، لمخالفته لفتوى من يجب الرجوع اليه بذلك. و وجه عدم وجوب قضاء المشكوك أصالة الصحة، لاحتمال مصادفته للواقع، بناء على جريانها في مثل ذلك، و عدم اختصاصها بصورة عدم الشك على تقدير الالتفات، كما يشهد به خبر الحسين بن أبي العلاء «1». و لعله مورد لبناء العقلاء. و سيأتي التعرض لذلك في مباحث الوضوء «2» إن شاء اللّه.

و ان كان الظاهر من المصنف (ره) في جملة من الفروع الآتية هناك هو التأمل و الاشكال في ذلك.

______________________________
(1) الوسائل باب: 41 من أبواب الوضوء حديث: 1.

(2) راجع المسألة: 51 من فصل شرائط الوضوء. و يأتي أيضا في المسألة: 11 من فصل الماء المشكوك من مباحث المياه.

67
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 41): إذا علم أن أعماله السابقة كانت مع التقليد ؛ ج‌1، ص : 68

[ (مسألة 41): إذا علم أن أعماله السابقة كانت مع التقليد]

(مسألة 41): إذا علم أن أعماله السابقة كانت مع التقليد، لكن لا يعلم أنها كانت عن تقليد صحيح (1) أم لا، بنى على الصحة.

و يحتمل أن يكون الوجه في عدم وجوب القضاء: أنه بأمر جديد و موضوعه فوت الواجب، و لا يمكن إحرازه بالأصل. لكن يشكل: بأن مقتضى الجمع بين أدلة القضاء و الأداء، أنه بالأمر الأول، و أن وجوب الأداء في الوقت بنحو تعدد المطلوب، فيكفي في وجوب القضاء استصحاب التكليف. مع أن الظاهر من أدلة القضاء أن الفوت المأخوذ موضوعا مجرد ترك الواجب في وقته، و هو مما يمكن إثباته بالأصل. نعم مع العلم بالكيفية لو جهل انطباق الواجب على المأتي به، أشكل جريان أصالة عدم الواجب، لأنه من قبيل الأصل الجاري في المفهوم المردد بين معلوم الوجود و معلوم الانتفاء، المحقق في محله عدم جريانه.

هذا لو كان الشك حادثا بعد العمل، أما إذا كان مقارنا، بأن كان المكلف ملتفتا حين العمل الى عدم التقليد في عمله، فلا مجال لأصالة الصحة، لاختصاص أدلتها بصورة حدوث الشك بعد العمل. كما أنه لو كان الشك في القضاء ناشئاً من الشك في التكليف بالأداء- كما لو كان عمره عشرين سنة، و شك في أن بلوغه كان في سن خمس عشرة أو أربع عشرة- فإنه لا ريب في عدم وجوب القضاء، لأصالة البراءة.

صحة التقليد و فساده إنما يكونان مجرى للأصول الشرعية إذا كانا مورداً لأثر عملي، و لا يتضح ذلك إلا في فروض عدول العامي عن المجتهد إلى غيره مع اختلافهما في الفتوى، بأن كان رأي الثاني بطلان العمل المطابق لفتوى الأول. فإن قلنا بعدم لزوم التدارك بالقضاء إذا كان تقليده للأول صحيحاً، كانت صحة التقليد موضوعا للأثر العملي، فيجري الأصل لإثباتها‌

68
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 42): إذا قلد مجتهدا، ثم شك في أنه جامع للشرائط أم لا وجب عليه الفحص ؛ ج‌1، ص : 69

[ (مسألة 42): إذا قلد مجتهداً، ثمَّ شك في أنه جامع للشرائط أم لا وجب عليه الفحص]

(مسألة 42): إذا قلد مجتهداً، ثمَّ شك في أنه جامع للشرائط أم لا وجب عليه الفحص (1).

[ (مسألة 43): من ليس أهلا للفتوى يحرم عليه الإفتاء]

(مسألة 43): من ليس أهلا للفتوى يحرم عليه الإفتاء (2).

كما في سائر موارد الشك في الصحة. غاية الأمر أن الصحة هنا إنما صارت موضوعا للأثر العملي بلحاظ كونها قيد موضوع الأثر، و هو صحة العمل المستوجبة للاجزاء، نظير صحة الوضوء المأخوذة قيدا في موضوع صحة الصلاة.

و كذا الحال لو شك في كون عمله عن تقليد صحيح مع شكه في أصل التقليد، فإن أصل الصحة في عمله كاف في الاجتزاء به، و عدم الاحتياج إلى الإعادة أو القضاء. هذا و سيأتي في المسألة الثالثة و الخمسين ما له نفع في المقام فانتظر.

إذ لا فرق بين الابتداء و البقاء، فكما يجب الفحص في التقليد الابتدائي- لعدم حجية مشكوك الحجية- كذلك في البقاء على التقليد.

نعم لو علم باجتماع الشرائط فيه سابقاً بنى على بقائها، للاستصحاب، كما تقدم.

كما صرح به جماعة من الأعيان، مرسلين له إرسال المسلمات، و ظاهر المسالك و غيرها: أنه إجماعي.

إما لأنها منصب للنبي (ص) و الامام علي (ع) من بعده، فلا تجوز بغير إذنهما، و لا إذن مع فقد بعض الشرائط. لكن دليله غير ظاهر، إذ ما تقدم من أدلة الشرائط إنما يدل على اعتبارها في حجية الفتوى لا في جوازها تكليفاً، و لا على كونها من المناصب المختصة بالمعصوم. و أما ما دل على حرمة القول على اللّه سبحانه بغير علم «1»، فإنما يقتضي حرمة الفتوى‌

______________________________
(1) أما من الكتاب العزيز فكثير من الآيات. و أما من السنة فاحاديث كثيرة ارجع الى بعضها في الوسائل باب: 4 من أبواب صفات القاضي.

69
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 43): من ليس أهلا للفتوى يحرم عليه الإفتاء ؛ ج‌1، ص : 69

و كذا من ليس أهلا للقضاء يحرم عليه القضاء بين الناس (1).

من غير المجتهد لا من المجتهد الفاقد لبقية الشرائط. بل يشكل اقتضاؤه الحرمة في غير المجتهد إذا كانت فتواه تطابق فتوى مرجعه في العمل، لأن حجية فتواه كافية في صدق العلم بالحكم، فالفتوى- اعتماداً عليها- قول على اللّه بعلم. نعم لو اعتمد على رأيه الناقص، كان تشريعاً منه في حجية رأيه، فيكون به آثما، لا أنه قول بغير علم.

و إما لأنها إغواء و إضلال، لأن تكليف المفتي له لزوم العمل بغيرها.

و لكنه يشكل (أولا): بأنه لا يتم ذلك مع موافقتها لفتوى الجامع للشرائط. (و ثانياً): بأن المفتي إذا كان عالماً بالحكم و لو من جهة قيام الحجة عنده عليه تكون الفتوى موافقة لما دل على وجوب الاعلام، و عدم الحجية لا ينافي ذلك. نظير ما لو أخبر غير الثقة عند المخبر بثبوت الحكم الواقعي المعلوم لديه، فإنه اخبار عن الحكم الواقعي و لا يكون إضلالا و لا إغواء أصلا. و لا سيما إذا قال المفتي- بعد أن أفتى بوجوب شي‌ء-: أن فتواي ليست بحجة، و ليس عليك العمل بها، و انما عليك العمل بفتوى فلان.

فالمتحصل إذاً: أنه لا دليل على حرمة الفتوى ممن فقد بعض الشرائط إلا إذا صدق عليها أنها فتوى بغير علم. و ان كان الذي يظهر منهم- قدس سرهم- التسالم على إطلاق الحرمة. فراجع كلماتهم.

بلا إشكال فيه، و لا خلاف ظاهر. و في المسالك: أنه موضع وفاق بين أصحابنا، و قد صرحوا بكونه إجماعياً انتهى. و يقتضيه ظهور النصوص و الفتاوى في كونه من المناصب المختصة بالإمام، على نحو لا يجوز لغيره التصدي له إلا بإذنه.

ففي رواية إسحاق بن عمار أنه قال أمير المؤمنين (ع) لشريح: «يا شريح قد جلست مجلساً لا يجلسه إلا نبي، أو وصي نبي،

70
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 43): من ليس أهلا للفتوى يحرم عليه الإفتاء ؛ ج‌1، ص : 69

و حكمه ليس بنافذ. و لا يجوز الترافع اليه (1). و لا الشهادة عنده (2). و المال الذي يؤخذ بحكمه حرام و ان كان الآخذ محقاً (3).

أو شقي» «1».

و‌

رواية سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه (ع): «اتقوا الحكومة، فإن الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين لنبي أو وصي نبي» «2».

و في المسالك: «إن ذلك كبيرة عندنا». و يقتضيه ما دل على حرمة الإعانة على الإثم «3»، و ما دل على حرمة الأمر بالمنكر «4»، و‌

في مقبولة ابن حنظلة الواردة في التحاكم إلى السلطان و إلى القضاة قال (ع):

«من تحاكم إليهم في حق أو باطل، فإنما تحاكم إلى الطاغوت، و ما يحكم له فإنما يؤخذ سحتاً و ان كان حقاً ثابتاً له، لأنه أخذه بحكم الطاغوت، و قد أمر اللّه تعالى أن يكفر به ..» «5»

، و نحوها غيرها.

بلا إشكال ظاهر، لأنها معاونة على الإثم إذا كانت بقصد فصل الخصومة، و إلا ففي صدق المعاونة على الإثم إشكال، بل لا يبعد عدم الصدق. و حينئذ يشكل تحريمها، إلا من باب الأمر بالمعروف، على تقدير اجتماع شرائطه.

كما هو المعروف و المدعى عليه الإجماع. و يقتضيه صريح ما تقدم‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 3 من أبواب صفات القاضي حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 3 من أبواب صفات القاضي حديث: 3.

(3) قال تعالى (وَ تَعٰاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوىٰ وَ لٰا تَعٰاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ)- المائدة: 2- و وردت به أحاديث كثيرة ارجع الى بعضها في الوسائل باب: 80 من أبواب جهاد النفس، و باب: 71، 72 من أبواب مقدمات التجارة.

(4) الوسائل باب: 1 من أبواب الأمر بالمعروف حديث: 11، 12، 14.

(5) الوسائل باب: 1 من أبواب صفات القاضي حديث: 4.

71
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 43): من ليس أهلا للفتوى يحرم عليه الإفتاء ؛ ج‌1، ص : 69

إلا إذا انحصر استنقاذ حقه بالترافع عنده (1).

من مقبولة ابن حنظلة. و إطلاقه يقتضي عدم الفرق بين الدين و العين، بل لعل ظاهر ما في صدرها من فرض التنازع في الدين أو الميراث ذلك، إذ حمل الميراث على ما كان دينا بعيد جداً. و على هذا فالتحريم المذكور من قبيل التحريم بالعنوان الثانوي، فيحرم التصرف فيه، كما يحرم التصرف في المغصوب. و حملها على مجرد العقاب في الأخذ- و ان جاز التصرف في المأخوذ- خلاف الظاهر بلا موجب له. و استبعاد ذلك لا يجدي في رفع اليد عن ظاهر الدليل. نعم مورد الرواية المأخوذ بحكم السلطان و القضاة، فلا يعم المأخوذ بحكم غيرهم من فاقدي شرائط القضاء. اللهم إلا أن يستفاد العموم من التعليل‌

بقوله (ع): «لأنه أخذه بحكم الطاغوت ..»

إذ الظاهر شمول الطاغوت لكل متصد للقضاء المحرم. فتأمل جيداً.

هذا و قد يتوهم معارضة المقبولة‌

بخبر ابن فضال في تفسير قوله تعالى:

(وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ وَ تُدْلُوا بِهٰا إِلَى الْحُكّٰامِ) «1» فكتب (ع) اليه بخطه: «الحكام القضاة» قال: «ثمَّ كتب تحته: هو أن يعلم الرجل أنه ظالم فيحكم له القاضي، فهو غير معذور في أخذ ذلك الذي حكم به إذا كان قد علم أنه ظالم» «2».

و يدفعه- مع أن الخبر وارد في تفسير الآية الشريفة، لا في بيان موضوع الحرمة مطلقاً، و اعتبار الظلم في صدق الباطل لا ينافي عدم اعتباره في صدق الحرمة و لو بعنوان آخر-: أنه لا يظهر منه أن المراد من القضاة قضاة الجور، فيمكن حمله على قضاة العدل و لو من جهة الجمع العرفي بينه و بين المقبولة.

فإنه يجوز، كما عن جماعة منهم الشهيدان في الحواشي و المسالك.

______________________________
(1) البقرة: 188.

(2) الوسائل باب: 1 من أبواب صفات القاضي حديث: 9.

72
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 44): يجب في المفتي و القاضي العدالة ؛ ج‌1، ص : 73

[ (مسألة 44): يجب في المفتي و القاضي العدالة]

(مسألة 44): يجب في المفتي و القاضي العدالة (1).

و تثبت العدالة (2) بشهادة عدلين، و بالمعاشرة المفيدة للعلم و عن الأكثر المنع، بل عن الروضة الإجماع عليه. و كأنه لإطلاق النصوص.

و لكن لو سلم- و لم تتم دعوى الانصراف عن صورة الانحصار- فمحكوم بحديث نفي الضرر «1». و منه يظهر الإشكال في الاستدلال على المنع بأن الترافع إعانة على الإثم، فإنه مسلم، لكن حديث نفي الضرر حاكم عليه. و كذلك الاستدلال على المنع بأن الترافع إليه أمر بالمنكر، و هو حرام، فان دليل تحريمه محكوم أيضاً لعموم نفي الضرر، لحكومته على جميع أدلة التكاليف مهما كانت. و يؤيد الجواز ما ورد من الحلف كاذباً باللّه تعالى لدفع الضرر المالي «2».

ثمَّ إن مقتضى عموم نفي الضرر عدم الفرق بين صورة فقد وجود الجامع للشرائط، و صورة تعسر الوصول اليه، و صورة عدم نفوذ قضائه مطلقاً أو على خصوص المدعى عليه، و صورة عدم إمكان إثبات الحق عنده، لفقد مقدمات الحكم لمن له الحق. نعم تختص بصورة العلم بالحق وجداناً، أو تعبداً، لقيام حجة عليه من إقرار أو بينة أو غيرهما، و لا تشمل صورة الجهل بالحق، لعدم ثبوت الضرر المالي كي ينفى بدليل نفيه.

أما في الأول فلما تقدم «3». و أما في القاضي فللإجماع.

قد تقدم الكلام في طرق ثبوتها «4». كما تقدم منه- قدس سره-

______________________________
(1) راجع الوسائل باب: 16 من أبواب الخيار في كتاب البيع، و باب: 5 من كتاب الشفعة، و باب: 7، 12 من كتاب احياء الموات.

(2) راجع الوسائل باب: 12، 42 من كتاب الايمان.

(3) في المسألة: 22.

(4) في المسألة: 23.

73
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 45): إذا مضت مدة من بلوغه و شك بعد ذلك في أن أعماله كانت عن تقليد صحيح أم لا ؛ ج‌1، ص : 74

بالملكة، أو الاطمئنان بها، و بالشياع المفيد للعلم.

[ (مسألة 45): إذا مضت مدة من بلوغه و شك بعد ذلك في أن أعماله كانت عن تقليد صحيح أم لا]

(مسألة 45): إذا مضت مدة من بلوغه و شك بعد ذلك في أن أعماله كانت عن تقليد صحيح أم لا، يجوز له البناء على الصحة في أعماله السابقة (1) و في اللاحقة يجب عليه التصحيح فعلا (2).

[ (مسألة 46): يجب على العامي أن يقلد الأعلم في مسألة وجوب تقليد الأعلم أو عدم وجوبه]

(مسألة 46): يجب على العامي أن يقلد الأعلم في مسألة وجوب تقليد الأعلم أو عدم وجوبه (3)، و لا يجوز أن يقلد غير الأعلم إذا أفتى بعدم وجوب تقليد الأعلم. بل لو أفتى الأعلم بعدم وجوب تقليد الأعلم يشكل جواز الاعتماد عليه (4). فالقدر المتيقن للعامي تقليد الأعلم في الفرعيات.

الاكتفاء بحسن الظاهر المفيد للظن. و تقدم وجهه و اشكاله. فراجع.

كما سبق في المسألة الواحدة و الأربعين.

بالرجوع إلى المجتهد الجامع للشرائط. و لا يجوز له البناء على صحة الأعمال اللاحقة المطابقة للأعمال الماضية من جهة تلازمهما في الصحة، لأن أصل الصحة- سواء قلنا أنه من الامارات أم من الأصول- لا يثبت اللوازم العقلية لقصور دليله عن ذلك. فالمقام نظير ما لو شك في الطهارة بعد الفراغ من الصلاة فإن قاعدة الفراغ الجارية في الصلاة لا تثبت جواز الدخول في الصلاة الثانية بلا طهارة.

فإن جواز تقليد الأعلم و ان كان متيقناً لا يحتاج إلى التقليد، لكن وجوبه و عدمه، بحيث يجوز تقليد غير الأعلم مشكوك، فلا بد فيه من التقليد.

هذا الاشكال غير ظاهر، لإطلاق دليل التقليد الشامل للمسألة‌

74
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 47): إذا كان مجتهدان أحدهما أعلم في أحكام العبادات و الآخر أعلم في المعاملات ؛ ج‌1، ص : 75

[ (مسألة 47): إذا كان مجتهدان أحدهما أعلم في أحكام العبادات و الآخر أعلم في المعاملات]

(مسألة 47): إذا كان مجتهدان أحدهما أعلم في أحكام العبادات و الآخر أعلم في المعاملات، فالأحوط تبعيض التقليد (1) و كذا إذا كان أحدهما أعلم في بعض العبادات- مثلا- و الآخر في البعض الآخر.

[ (مسألة 48): إذا نقل شخص فتوى المجتهد خطأ يجب عليه إعلام من تعلم منه.]

(مسألة 48): إذا نقل شخص فتوى المجتهد خطأ يجب عليه إعلام من تعلم منه. و كذا إذا أخطأ المجتهد في بيان فتواه يجب عليه الإعلام (2).

المذكورة و عموم بناء العقلاء عليه. و إلا أشكل تقليد الحي في جواز البقاء على تقليد الميت- الذي قد سبق منه قدس سره الجزم به «1»- مع أنه تقليد في حكم التقليد كمفروض المسألة. على أن وجوب تقليد الأعلم و عدمه، كجواز البقاء على تقليد الميت، من قبيل المسائل الفرعية، لعدم وقوعها في طريق استنباط الاحكام لتكون من المسائل الأصولية.

بل الأقوى، لما عرفت آنفاً «2» من وجوب تقليد الأعلم و لو مع التبعيض، لعدم الفرق في بناء العقلاء عليه.

المستفاد من آية النفر الشريفة «3» وجوب الاعلام حيث يترتب عليه إحداث الداعي العقلي إلى العمل بالواقع الذي هو متعلق الاعلام، لاختصاص الإنذار بذلك، فاذا كان المكلف غافلا عن الحكم الكلي أو قاطعاً بالخلاف، أو متردداً على نحو يكون جهله عذراً، وجب إعلامه، لما يترتب عليه من إحداث الداعي العقلي، و إذا كان جاهلا جهلا لا يعذر فيه لا يجب إعلامه. و كذا لو انحصر الاعلام بطريق الخبر الذي لا يكون‌

______________________________
(1) في المسألة: 15.

(2) في المسألة: 12.

(3) تقدم ذكرها في شرح المسألة الثامنة.

75
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 48): إذا نقل شخص فتوى المجتهد خطأ يجب عليه إعلام من تعلم منه ؛ ج‌1، ص : 75

.....

حجة في نظر السامع، فإنه لا يجب، لعدم ترتب الأثر المذكور. و لا تبعد استفادة ذلك أيضاً مما تضمن أن الغرض من إرسال الرسل قطع اعذار المكلفين و اقامة الحجة عليهم، مثل قوله تعالى (أَنْ تَقُولُوا مٰا جٰاءَنٰا مِنْ بَشِيرٍ وَ لٰا نَذِيرٍ فَقَدْ جٰاءَكُمْ بَشِيرٌ وَ نَذِيرٌ) «1» (لِئَلّٰا يَكُونَ لِلنّٰاسِ عَلَى اللّٰهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ» «2» «فَلِلّٰهِ الْحُجَّةُ الْبٰالِغَةُ» «3» و نحوه. فتأمل.

ثمَّ إن الظاهر اختصاص هذا الصنف من الآيات بالحكم الإلزامي، فإذا كان المجهول حكما غير إلزامي لم يجب إعلامه.

و أما آية الكتمان «4» فظاهرها وجوب الإظهار في مقام الاستعلام، سواء ترتب عليه الإنذار أم لا، و سواء ا كان الاستعلام بطريق السؤال- كما في المتردد إذا سأل عن الحكم- أم بمحض وجود الداعي إلى معرفة الحكم و العلم به و ان كان غافلا عن ذلك، سواء ا كان معتقداً لخلاف الواقع أم غافلا عنه، أم متردداً غافلا عن وجود من يجب سؤاله، أم غير ذلك من موارد وجود الرغبة النفسانية في معرفة الحكم، و لو لم تدفع إلى السؤال لوجود المانع. فيكون بين مفاد الآية الشريفة و ما سبق العموم من وجه، و لعدم التنافي بين المفادين- لكونهما من قبيل المثبتين- يتعين العمل بهما معاً. و لازم ذلك وجوب البيان مع السؤال و ان لم يكن السائل معذوراً في جهله. بل لعلها تقتضي وجوبه مع عدم اعتقاد السائل حجية الخبر، و قد عرفت عدم اقتضاء آية النفر وجوب الإعلام حينئذ.

______________________________
(1) المائدة: 19.

(2) النساء: 165.

(3) الانعام: 149.

(4) و هي قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مٰا أَنْزَلْنٰا مِنَ الْبَيِّنٰاتِ وَ الْهُدىٰ مِنْ بَعْدِ مٰا بَيَّنّٰاهُ لِلنّٰاسِ فِي الْكِتٰابِ أُولٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللّٰهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللّٰاعِنُونَ) البقرة: 159.

76
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 49): إذا اتفق في أثناء الصلاة مسألة لا يعلم حكمها يجوز له أن يبني على أحد الطرفين ؛ ج‌1، ص : 77

[ (مسألة 49): إذا اتفق في أثناء الصلاة مسألة لا يعلم حكمها يجوز له أن يبني على أحد الطرفين]

(مسألة 49): إذا اتفق في أثناء الصلاة مسألة لا يعلم حكمها يجوز له أن يبني على أحد الطرفين بقصد أن يسأل عن الحكم بعد الصلاة (1)، و انه إذا كان ما أتى به على خلاف الواقع يعيد صلاته، فلو فعل ذلك، و كان ما فعله مطابقاً للواقع، لا يجب عليه الإعادة.

و كيف كان ففي فرض المسألة، كما يجب على الناقل أو المفتي خطأ إخبار الجاهل، كذلك يجب على غيره من المكلفين، لعموم الأدلة الدالة على وجوب الاعلام. نعم بناء على حرمة التسبيب إلى فعل الحرام يتأكد وجوب الاعلام بالنسبة إلى الناقل و المفتي خطأ، لاستناد عمل العامي إلى فعلهما. لكنه يختص بصورة الفتوى بإباحة الواجب، أو الحرام، و لا يطرد في غيرهما. مع أن الاستناد إلى الفتوى إنما يقتضي حرمتها لو كانت عمداً، و المفروض خلافه، و ترك الإعلام الذي هو محل الكلام غير مستند اليه العمل.

و أما ما دل على أن من أفتى الناس بغير علم لحقه وزر من عمل بفتواه «1»، فهو و ان دل على وجوب الإعلام فطرة و عقلا على خصوص المفتي تخفيفاً للوزر، لكنه مختص بالفتوى بخلاف الواقع عمداً، فلا يشمل ما نحن فيه. و سيأتي في بعض مباحث النجاسات «2» التعرض إلى قاعدة حرمة التسبيب فانتظر.

قد عرفت في المسألة السادسة عشرة صحة الصلاة مع المطابقة للواقع، و لو لم يكن المصلي قاصداً للسؤال و للامتثال على الوجه الصحيح على تقدير الخطأ، حتى مع قصد الاقتصار على بعض المحتملات. نعم لا بد‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 4 من أبواب صفات القاضي حديث: 1.

(2) في المسألة: 32 من فصل أحكام النجاسات.

77
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 50): يجب على العامي في زمان الفحص عن المجتهد، أو عن الأعلم، أن يحتاط في أعماله ؛ ج‌1، ص : 78

[ (مسألة 50): يجب على العامي في زمان الفحص عن المجتهد، أو عن الأعلم، أن يحتاط في أعماله]

(مسألة 50): يجب على العامي في زمان الفحص عن المجتهد، أو عن الأعلم، أن يحتاط في أعماله (1).

[ (مسألة 51): المأذون و الوكيل، عن المجتهد في التصرف في الأوقات أو في أموال القصر، ينعزل بموت المجتهد]

(مسألة 51): المأذون و الوكيل، عن المجتهد في التصرف في الأوقات أو في أموال القصر، ينعزل بموت المجتهد (2). بخلاف المنصوب من قبله، كما إذا نصبه متولياً للوقف أو قيما على القصر، فإنه لا تبطل توليته و قيمومته على الأظهر (3).

من الإتمام في الفرض برجاء الواقع، و إلا كان تشريعاً محرما، فيلحقه حكمه من البطلان في بعض صوره، حسبما حررناه في الأصول.

لعدم الأمن من العقاب بدونه، و يكفي في الاحتياط الأخذ بأحوط القولين أو الأقوال. لكن في وجوب الاحتياط على العامي في صورة الفحص عن الأعلم تأمل، لاحتمال عموم دعوى الاتفاق على جواز التقليد للفرض، و ان لم يحضرني عاجلا من ادعاه صريحاً، فلا بد من مراجعة كلماتهم.

لارتفاع الاذن بالموت، و بطلان الوكالة به إجماعا.

أقول: المجتهد الجاعل للولاية، (تارة): يجعلها عن نفسه للولي، بحيث تكون ولاية الولي من شؤون ولاية المجتهد الذي نصبه.

(و أخرى): يجعلها عن الامام (ع)، فتكون من شؤون ولاية الإمام (ع) و ان كان الجاعل لها المجتهد، بناء على أن له ولاية الجعل عنهم (ع). و ما ذكره في المتن، يتم في الثانية لا في الاولى. و حينئذ فاللازم التفصيل بين الصورتين. إلا أن يقوم إجماع على خلافه، كما يظهر مما عن الإيضاح من نفي الخلاف عن عدم انعزال الأولياء و القوام المجعولين من قبل المجتهدين‌

78
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 51): المأذون و الوكيل، عن المجتهد في التصرف في الأوقات أو في أموال القصر، ينعزل بموت المجتهد ؛ ج‌1، ص : 78

.....

و لذلك قال في الجواهر في كتاب القضاء- بعد ما حكى ما عن الإيضاح-:

«إن تمَّ إجماعا فذاك، و إلا كان المتجه ما ذكرنا (يعني: الانعزال) نعم لو كان النصب وكيلا أو ولياً عن الامام، و كان ذلك جائزاً له، لم ينعزل قطعاً».

نعم قد يستشكل في صحة الصورة الأولى: بأن النيابة عن المجتهد إنما تصح لو كانت الولاية ثابتة للمجتهد بما هو في مقابل الامام، أما إذا كانت ثابتة له بما هو نائب عن الامام، فلا يصح منه جعلها لغيره بعنوان كونه نائباً عنه، إذ ليس لذاته موضوعية في الأثر المذكور، فلا معنى للنيابة عنه فيه، إذ لا معنى للاستخلاف عن شخص فيما ليس له.

و لكن يدفعه: أن نيابة الولي عن المجتهد على الأول ليس في نفس الولاية بل في نيابته عن الإمام في الولاية، فالمقام نظير ما لو كان في ذمة زيد واجب فاستناب فيه عمراً، فلما اشتغلت ذمة عمرو بالواجب المستناب فيه مات فاستناب وارثه بكراً عنه، فبكر ينوب عن عمرو في النيابة عن زيد بالواجب، لا أنه ينوب عن زيد بالواجب. و هكذا لو استناب بكر شخصاً ثالثاً- كخالد- فإنه ينوب عن بكر في النيابة عن عمرو في النيابة عن زيد بالواجب. فاذاً لا مانع ثبوتاً من جعل المجتهد الولاية لشخص على كل من النحوين.

نعم قد يشكل إثباتا جعلها على النحو الثاني، كما تقدمت الإشارة إليه في عبارة الجواهر المتقدمة، من جهة عدم ظهور دليل عليه، فان العمدة في ولاية الفقيه ما دل على كونه حاكما و قاضيا، و ثبوت ذلك للحكام و القضاة الذين كانوا في عصر صدور النصوص المتضمنة لذلك غير ظاهر، و المتيقن ثبوتها على النحو الأول، فإذا جعلها المجتهد على النحو الثاني فالمرجع أصالة عدم ترتب الأثر. و يدفع ذلك أن المرتكز في أذهان المتشرعة و يستفاد‌

79
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 52): إذا بقي على تقليد الميت من دون أن يقلد الحي في هذه المسألة كان كمن عمل من غير تقليد ؛ ج‌1، ص : 80

[ (مسألة 52): إذا بقي على تقليد الميت من دون أن يقلد الحي في هذه المسألة كان كمن عمل من غير تقليد]

(مسألة 52): إذا بقي على تقليد الميت من دون أن يقلد الحي في هذه المسألة كان كمن عمل من غير تقليد (1).

من النصوص «1»: أن منصب القضاء منصب نيابي، فجميع الوظائف التي يؤديها القاضي- من فصل خصومة و نصب قيم و نحو ذلك- يؤديه نيابة عن الامام، فمنصوبه منصوب الامام، و لا يقصد به كونه نائباً عن الإمام أو عن المجتهد، و لازم ذلك البناء على عدم البطلان بالموت. مع أنه لو سلم كون منصوب المجتهد نائبا عنه فانعزاله بالموت غير ظاهر، لجواز كون نيابته من قبيل نيابة الوصي لا الوكيل الذي قام الإجماع على انعزاله بالموت.

ثمَّ لو بني على جواز الجعل لكل من النحوين، و أنه على التقدير الأول ينعزل بموت المجتهد، فشك في كيفية الجعل امتنع الاستصحاب، لتردد المجعول بين فردين معلوم الزوال و معلوم البقاء، و لا أثر للجامع ليجري استصحابه. و أما استصحاب جواز التصرف فهو من الاستصحاب التعليقي المعارض بأصالة عدم ترتب الأثر، كما حقق في محله.

لأن المراد من صحة التقليد كونه جاريا على الموازين العقلائية، و هذا المعنى مفقود في صورة الشك في جواز البقاء. و كذا في صورة الغفلة عن ذلك و اعتقاده جواز البقاء، فإنه و ان كان معذوراً في هذه الصورة عند العقل، لكنه لا يخرج عن كونه غير جار على الموازين العقلائية، لأن جواز البقاء على تقليد الميت مشكوك، و الغفلة عن ذلك لا تجعله صحيحاً، كما لو غفل و قلد من لا يكون واجدا للشرائط كالكافر و الفاسق. كما أن كون رأي الحي جواز البقاء على تقليد الميت لا يجعله صحيحا، إذ لا يكون به جاريا على الموازين اللازمة في التقليد. نعم لو كان قد اجتهد في مسألة‌

______________________________
(1) راجع الوسائل باب: 11 من أبواب صفات القاضي.

80
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 53): إذا قلد من يكتفي بالمرة مثلا في التسبيحات الأربع و اكتفى بها ؛ ج‌1، ص : 81

[ (مسألة 53): إذا قلد من يكتفي بالمرة مثلا في التسبيحات الأربع و اكتفى بها]

(مسألة 53): إذا قلد من يكتفي بالمرة مثلا في التسبيحات الأربع و اكتفى بها، أو قلد من يكتفي في التيمم بضربة واحدة، ثمَّ مات ذلك المجتهد فقلد من يقول بوجوب التعدد، لا يجب عليه إعادة الأعمال السابقة (1).

جواز البقاء على تقليد الميت فأدى رأيه الى ذلك كغيره من المجتهدين كان تقليده بذلك صحيحا. لأن التقليد الصحيح لا بد أن يكون من مباديه الاجتهاد لما عرفت آنفا من أن حجية التقليد لا بد أن تنتهي إلى الاجتهاد، لئلا يلزم الدور أو التسلسل. و على هذا لا بأس باستثناء هذه الصورة من حكم المسألة لكن المنصرف من العبارة غيرها.

هذا إما مبني على اقتضاء موافقة الأمر الظاهري للاجزاء. لكن المحقق في محله خلافه، لقصور أدلته عن إثبات ذلك، و إطلاق دليل الواقع محكم. أو على دعوى قيام الدليل عليه بالخصوص، و هو إما ظاهر الإجماع بل نسب إلى بعض دعوى صريح الإجماع بل الضرورة عليه. و فيه- مع أنه غير ثابت-: أن المحكي عن العلامة و العميدي (قدهما) دعوى الإجماع على خلافه. و إما لأنه لولاه لم يبق وثوق بالفتوى. لكنه جار في كثير من موارد الأحكام الظاهرية التي يحتمل قيام أمارة في المستقبل على خلافها و إما لدعوى قيام السيرة عليه. لكنها غير ثابتة أيضا. و إما لدعوى كونه مقتضى نفي العسر و الحرج. لكنها غير مطردة في جميع فروض المسألة.

و إما لأن ما دل على جواز العدول أو وجوبه إنما دل عليه بالإضافة إلى الوقائع اللاحقة، إذ العمدة فيهما الإجماع أو أصالة التعيين في الحجية عند الدوران بينه و بين التخيير، و كلاهما لا يثبتان الحجية بالإضافة إلى الوقائع السابقة، لإهمال الأول فيقتصر فيه على القدر المتيقن، و لا سيما مع تصريح جماعة من الأعاظم بالرجوع في الوقائع السابقة إلى فتوى الأول و عدم وجوب‌

81
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 53): إذا قلد من يكتفي بالمرة مثلا في التسبيحات الأربع و اكتفى بها ؛ ج‌1، ص : 81

.....

التدارك بالإعادة أو القضاء. و لورود استصحاب الأحكام الظاهرية الثابتة بمقتضى فتوى الأول في الوقائع السابقة على أصالة التعيين، لأنها أصل عقلي لا يجري مع جريان الأصل الشرعي. و بالجملة: استصحاب الحجية لفتوى الميت بالإضافة إلى الوقائع السابقة لا يظهر له دافع.

نعم لو كان دليل حجية فتوى الحي بعينها دليلا لفظيا أمكن التمسك بإطلاقه بالإضافة الى جميع الوقائع لاحقة و سابقة. لكنه غير ظاهر، كما عرفت في مسألة جواز تقليد الميت.

و كذا الحال في جميع الموارد التي يكون فيها العدول الى مجتهد مخالف في الفتوى للمرجع في الزمان السابق إذا كان دليله لبيا لا يمكن التمسك بإطلاقه بالإضافة إلى الوقائع السابقة، فإن القدر المتيقن في حجية فتوى اللاحق لما كان خصوص الوقائع اللاحقة كان المرجع في الوقائع السابقة استصحاب الحجية لفتوى السابق بلا مانع. فاذا عرض للمجتهد ما يوجب فقده للشرائط فعدل المقلد إلى غيره المحالف له في الفتوى اقتصر في العدول على الوقائع اللاحقة لا غير.

نعم لو كان العدول لأجل أعلمية المعدول اليه فوجوب العدول إليه يقتضي تدارك الأعمال السابقة، لإطلاق دليل حجية فتوى الأعلم حتى بناء العقلاء الشامل للأعمال السابقة كاللاحقة. أما في غير ذلك من من موارد العدول فالحكم فيه كما تقدم. و كذلك الحكم لو عدل المجتهد عن الفتوى بالطهارة إلى الفتوى بالنجاسة مثلا، فان المقلد يجب عليه العمل بالفتوى اللاحقة في الوقائع المتجددة اللاحقة، و لا يجب عليه التدارك بالإعادة أو القضاء بالإضافة إلى الوقائع السابقة لعين الوجه المتقدم. اللهم إلا أن يقال: اعتراف المفتي بخطئه في فتواه الأولى مانع من صحة الاعتماد عليها من أول الأمر، لأن حجيتها مشروطة بعدم الاعتراف بالخطإ و لو بعد حين، فالفتوى التي يعلم بلحوق الاعتراف بالخطإ فيها ليست موضوعا لدليل الحجية و لا مشمولة لعمومه.

82
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 53): إذا قلد من يكتفي بالمرة مثلا في التسبيحات الأربع و اكتفى بها ؛ ج‌1، ص : 81

و كذا لو أوقع عقداً أو إيقاعا بتقليد مجتهد يحكم بالصحة ثمَّ مات و قلد من يقول بالبطلان يجوز له البناء على الصحة (1).

نعم فيما سيأتي يجب عليه العمل بمقتضى فتوى المجتهد الثاني.

و أما إذا قلد من يقول بطهارة شي‌ء- كالغسالة- ثمَّ مات و قلد من يقول بنجاسته، فالصلوات و الأعمال السابقة محكومة نعم لو كان العدول لنسيان المستند من دون اعتراف منه بخطئه و احتمل صحته كان استصحاب الحكم الظاهري الثابت سابقاً في محله. فتأمل جيداً.

و أما حكم المجتهد نفسه بالإضافة إلى إعماله السابقة على العدول الى خلاف ما أفتى به أولا، فالظاهر وجوب التدارك عليه، لأن الدليل الدال في نظره على مضمون الفتوى اللاحقة لا فرق فيه بين الوقائع السابقة و اللاحقة فمقتضى وجوب العمل به لزوم التدارك بالإعادة أو القضاء. و دليل الفتوى الاولى بعد نسيانه أو اعتقاده الخطأ فيه لا يصلح لإثبات صحة الأعمال السابقة كما هو ظاهر.

هذا و مقتضى ما ذكرنا في وجه عدم لزوم التدارك في مفروض مسألة المتن: أنه لو كان عمل العامي في مدة من عمره بلا تقليد غفلة أو عمدا، فالمدار في صحة أعماله مطابقتها لفتوى من يجب الرجوع اليه حال العمل، لا حال الالتفات أو الندم، لحجية الفتوى السابقة في حقه دون اللاحقة.

نعم لو فرض اختلاف الفتوى حال العمل، فلأجل عدم حجية إحدى الفتويين بعينها قبل الاختيار، يكون المدار في صحة العمل مطابقته لما يختاره من الفتويين و لو بعد العمل. أما مع فرض اتفاق الفتاوى حال العمل، أو انفراد المجتهد المفتي، فالمدار في صحة العمل مطابقته للفتوى حينه لا غير و ان حدث الاختلاف في الفتوى بعد ذلك.

لا فرق في جميع ما ذكرنا بين العبادات و المعاملات. و التفصيل بينهما‌

83
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 53): إذا قلد من يكتفي بالمرة مثلا في التسبيحات الأربع و اكتفى بها ؛ ج‌1، ص : 81

بالصحة و ان كانت مع استعمال ذلك الشي‌ء. و أما نفس ذلك الشي‌ء إذا كان باقياً فلا يحكم بعد ذلك بطهارته (1). و كذا في الحلية و الحرمة، فإذا أفتى المجتهد الأول بجواز الذبح بغير الحديد مثلا. فذبح حيواناً كذلك فمات المجتهد و قلد من يقول بحرمته، فان باعه أو أكله حكم بصحة البيع و اباحة الأكل. و أما إذا كان الحيوان المذبوح موجوداً فلا يجوز بيعه و لا أكله، و هكذا.

بوجوب التدارك في الثانية دون الاولى، بدعوى اختصاص الإجماع على عدم التدارك بها دون الثانية. ضعيف، لما عرفت من منع الإجماع، و المتعين العمل بما ذكرنا.

و المتحصل منه أمور: (الأول): إذا عدل جوازاً أو وجوبا لا يجب عليه تدارك الأعمال السابقة المخالفة لفتوى المعدول اليه إلا إذا كان أعلم.

(الثاني): إذا عدل المجتهد عن فتواه الى ما يخالفها عملا وجب على مقلديه تدارك الأعمال السابقة المخالفة للفتوى اللاحقة إذا كان يعترف بخطئه في الفتوى. (الثالث): ان حكم المجتهد نفسه لو عدل إلى ما يخالف فتواه وجب تدارك الأعمال السابقة المخالفة للمعدول إليها (الرابع) أن العامل بلا تقليد المدار في صحة عمله الموافقة للفتوى حين العمل، إلا إذا تعددت و اختلفت فان المدار الموافقة للفتوى التي يختارها بعد ذلك (الخامس): أن الكلام في هذه الأمور يطرد في العبادات و المعاملات على نسق واحد.

هذا غير ظاهر، فإن طهارة الماء من آثار عدم انفعاله بملاقاة النجاسة في مقام التطهير، و الملاقاة لما كانت سابقة كانت مورداً لتقليد الأول لا الثاني. و كذا الحال في حلية لحم الحيوان المذبوح بغير الحديد،

84
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 53): إذا قلد من يكتفي بالمرة مثلا في التسبيحات الأربع و اكتفى بها ؛ ج‌1، ص : 81

.....

فإنها من آثار تذكيته بغير الحديد، و هي واقعة سابقة يكون المرجع فيها فتوى الأول و تترتب عليها أحكامها، فلا فرق بين الزوجة المعقود عليها بالفارسية التي تبقى على الحلية بعد العدول الى الثاني، لأن حليتها من آثار صحة العقد بالفارسي الواقع في حال تقليد الأول، و بين المثالين المذكورين.

و كذا لو قلد الأول في تطهير الثوب و البدن بالماء مرة، ثمَّ بعد وقوع التطهير قلد الثاني، فإن الطهارة في حال تقليد الثاني من آثار التطهير السابق، فهو واقعة سابقة يرجع فيها الى تقليد الأول، و هكذا الحال في أمثال ذلك من الموارد.

و المعيار: أن الأثر الثابت حال تقليد الثاني ان كان من آثار السبب الواقع في حال تقليد الأول فالعمل فيه على تقليد الأول، و ان كان من آثار أمر حاصل حين تقليد الثاني فالعمل فيه عليه لا على تقليد الأول. مثلا لو كان عنده مسكر فأفتى له الأول بطهارته فرتب عليه أحكام الطهارة ثمَّ مات فقلد من يقول بنجاسته وجب عليه اجتنابه، لأن الحكم المذكور من آثار ذاته الحاضرة، بخلاف حلية الزوجة المعقود عليها بالفارسية سابقاً، أو اللحم المذبوح حيوانه بغير الحديد، أو الثوب الذي طهره سابقا بالماء مرة، أو الماء الملاقي للنجس في مقام التطهير أو نحو ذلك، فان الجميع يرجع فيها الى فتوى الأول، لاستنادها إلى أمر سابق صحيح في نظر الأول و قد قلده فيه، و لا فرق في الواقعة السابقة بين سببية شي‌ء و عدمها، و اشتغال ذمة و فراغها و حصول امتثال و عدمه. فلاحظ و تأمل.

(تنبيه): قد تقدم في المسألة الإحدى و الأربعين أنه إذا شك في صحة التقليد بنى على الصحة، و ذكرنا هناك أن جريان أصل الصحة مبني على اعتبار صحة التقليد في الاجزاء ظاهراً بعد العدول. و هذا المبنى لا يتم بناء على ما ذكرنا، لأن حجية الفتوى الأولى بالإضافة إلى الأعمال السابقة‌

85
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 54): الوكيل في عمل عن الغيركإجراء عقد أو إيقاع يجب أن يعمل بمقتضى تقليد الموكل ؛ ج‌1، ص : 86

[ (مسألة 54): الوكيل في عمل عن الغيركإجراء عقد أو إيقاع يجب أن يعمل بمقتضى تقليد الموكل]

(مسألة 54): الوكيل في عمل عن الغير كإجراء عقد أو إيقاع أو إعطاء خمس أو زكاة أو كفارة أو نحو ذلك- يجب أن يعمل بمقتضى تقليد الموكل لا تقليد نفسه (1) إذا كانا مختلفين. و كذلك الوصي في مثل ما لو كان وصياً في استيجار الصلاة عنه يجب أن يكون وفق فتوى مجتهد الميت.

حتى بعد العدول لم يشترط فيها التقليد. و حينئذ لو شك في صحة التقليد السابق، فان رجع الى الشك في حجية الفتوى التي يطابقها العمل وجب عليه الفحص عن ذلك، ليحرز الاجتزاء به ظاهراً. و لا مجال لإجراء أصالة الصحة، لعدم كونها موضوعا لأثر عملي. و إن رجع الى الشك في صحة المقدمات التي اعتمد عليها عند التقليد- مثل صحة البينة القائمة على عدالة المجتهد أو اجتهاده أو نحو ذلك- فلا أثر للشك المذكور بعد أن أحرز بعد العدول شرائط الحجية (و بالجملة): المدار في عدم وجوب التدارك حجية الفتوى السابقة التي كان العمل على طبقها، سواء أ كان اعتماداً عليها أم لا و سواء أ كان اعتماده على حسب الموازين أم لا. فلاحظ.

لا ينبغي التأمل في أن إطلاق الوكالة يقتضي إيكال تطبيق العمل الموكل عليه الى نظر الوكيل، فاذا وكله على شراء فرس بدرهم، و كان نظر الوكيل أن المطابق لمفهوم شراء الفرس بالدرهم هو كذا، كان موضوعا للتوكيل و نافذاً في نظره. نعم إذا اتفق التفات الموكل إلى الاختلاف في التطبيق فقد يشكل ذلك من جهة أن نظر الموكل مانع من عموم التوكيل لمورد الاختلاف. و يدفعه: أنه و ان كان يمنع من عمومه بنظر الموكل تفصيلا، لكن لا يمنع من عمومه إجمالا، و هو كاف في جواز العمل. مثلا إذا وكله في أن يعقد له على امرأة، و كان الموكل يعتقد فساد العقد بالفارسية و الوكيل يعتقد صحته، فان موضوع الوكالة و هو العقد الصحيح بإطلاقه الإجمالي ينطبق على‌

86
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 54): الوكيل في عمل عن الغيركإجراء عقد أو إيقاع يجب أن يعمل بمقتضى تقليد الموكل ؛ ج‌1، ص : 86

.....

العقد بالفارسية و ان كان لا ينطبق بإطلاقه التفصيلي بنظر الموكل. نعم إذا كانت قرينة على تقييد الوكالة بالعمل بنظر الموكل، أو كان ما يصلح أن يكون قرينة على ذلك، لم يصح عمل الوكيل بنظره المخالف لنظر الموكل، و ان لم يكن كذلك فإطلاق التوكيل يقتضي جواز عمل الوكيل بنظره، و مجرد التفات الموكل إلى الاختلاف غير كاف في تقييد إطلاق التوكيل، ففي مقام الإثبات لا مانع من الأخذ بالإطلاق إذا تمت مقدمات الحكمة.

و كذلك الكلام في الوصي إذ هو كالوكيل من هذه الجهة، فإن الوصاية استنابة في التصرف بعد الممات، و الوكالة استنابة في حال الحياة.

و أما المتبرع عن الغير في عبادة- كصلاة و صوم- أو غير عبادة- كوفاء دين- فلا ينبغي التأمل في جواز عمله بنظره حتى مع التفات المتبرع عنه إلى خطأ المتبرع في التطبيق، و منعه عن العمل، لان عمل المتبرع ليس منوطا بأمر المتبرع عنه، و لا بإذنه، و إنما هو منوط بحصول الجهات المصححة للتبرع، فاذا علم بحصولها صح منه التبرع و ان كان يخالفه المتبرع عنه و يخطؤه بنظره التفصيلي.

و أما الأجير على عمل فيجوز أن يستأجر على العمل بنظره، كما يجوز أن يستأجر على العمل بنظر المستأجر، و على العمل بنظر شخص ثالث و ان كان نظرهما مخالفا لنظره، لأنه يكفي في صحة الإجارة ترتب أثر عقلائي على العمل، و كل ذلك مما يترتب عليه أثر عقلائي و لو كان هو الفراغ الاحتياطي. نعم مع علم الأجير ببطلان العمل العبادي لا تصح الإجارة، لعدم القدرة على التقرب. أما إذا لم يكن العمل عبادة يكون الأجير قادراً على العمل حتى مع اعتقاد البطلان، و كذا لو كان عبادة مع احتمال كونه موضوعا للأمر. و حينئذ لا مانع من صحة الإجارة إذا كان يترتب عليه تفريغ ذمة المنوب عنه احتياطا و لو بنظر المستأجر، حتى لو كان الأجير‌

87
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 55): إذا كان البائع مقلدا لمن يقول بصحة المعاطاة مثلا ؛ ج‌1، ص : 88

[ (مسألة 55): إذا كان البائع مقلداً لمن يقول بصحة المعاطاة مثلا]

(مسألة 55): إذا كان البائع مقلداً لمن يقول بصحة المعاطاة مثلا، أو العقد بالفارسي، و المشتري مقلداً لمن يقول بالبطلان، لا يصح البيع بالنسبة إلى البائع أيضاً، لأنه متقوم بطرفين (1) فاللازم أن يكون صحيحاً من الطرفين. و كذا في كل عقد كان مذهب أحد الطرفين بطلانه، و مذهب الأخر صحته.

يعتقد عدم ترتب الأثر المذكور عليه، فان أمان المستأجر من الخطر كاف في كونه أثراً مصححا للإجارة و أخذ الأجرة. هذا حال الإجارة في مقام الثبوت، أما في مقام الإثبات فإن كانت قرينة على تقييد العمل بنظر شخص معين تعين العمل عليها، و إلا كان مقتضى إطلاق الإجارة العمل بنظر الأجير على نحو ما تقدم في الوكيل.

و من ذلك تعرف حكم الوصي عن الميت في الاستنابة عنه في صلاة أو صيام فإنه إن كانت قرينة على تقييد الوصية بالعمل بنظر شخص معين فالعمل عليها، و إلا كان مقتضى إطلاقها الاستنابة في العمل المطابق لنظر الوصي. و كذلك الحال في الوكيل عن الحي في الاستنابة عنه في العبادات التي تجوز فيها النيابة عن الحي فإن مقتضى إطلاق التوكيل أن يكون عمل الأجير صحيحاً بنظره لا بنظر الأجير و لا بنظر الأصيل. و من ذلك تعرف الإشكال في بعض الحواشي على المقام.

هذا غير ظاهر، فان وجود العقد و ان كان متقوما بالطرفين، كما أن حكمه الواقعي في مقام الثبوت متقوم بهما أيضاً، فلا يكون إلا صحيحا للمتعاقدين معا أو فاسداً كذلك، إلا أن حكمه الظاهري يمكن التفكيك فيه بين الطرفين فيكون صحيحا في حق أحدهما فاسداً في حق‌

88
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 56): في المرافعات اختيار تعيين الحاكم بيد المدعي ؛ ج‌1، ص : 89

[ (مسألة 56): في المرافعات اختيار تعيين الحاكم بيد المدعي]

(مسألة 56): في المرافعات اختيار (1) تعيين الحاكم بيد المدعي، إلا إذا كان مختار المدعى عليه أعلم. بل مع وجود الأعلم و إمكان الترافع إليه الأحوط الرجوع اليه مطلقاً.

الآخر، كما أنه يمكن اختلافه بالنظر فيكون صحيحا بنظر أحدهما فاسداً بنظر الآخر و تختلف الآثار بالنسبة إليهما. و لا مانع من مثل هذا التفكيك فان الماء الواحد يمكن أن يكون طاهراً في حق أحد المكلفين و نجسا في حق الآخر. نعم ربما يؤدي ذلك إلى النزاع و المخاصمة فيتعين الرجوع إلى الحاكم في حسمهما.

الكلام (تارة): في صورة تساوي الحكام في الفضيلة، (و أخرى): في صورة اختلافهم، و كل منهما إما يكون الخصمان فيها مدعيا و منكراً أو متداعيين.

ففي الأول من الاولى لا اشكال عندهم في كون الاختيار بيد المدعي و في المستند: دعوى الإجماع عليه. و هو العمدة فيه، المعتضد بالإجماع على أنه لو رفع أحد الخصمين أمره إلى الحاكم فطلب الحاكم الخصم الآخر وجب عليه الإجابة، و هذا لا يطرد في المنكر، لأنه لو رفع امره إلى الحاكم لا يسمع منه إنكاره، و ان طلب تخليصه من دعوى المدعي لا تجب على الحاكم اجابته. هذا و قد استدل على الحكم المذكور بأن المدعي له الحق.

فإن كان المقصود منه الإشارة إلى الإجماع المذكور فهو، و إلا توجه عليه الإشكال: بأن المراد من الحق ان كان الحق المدعى فهو غير ثابت، و ان كان حق الدعوى فهو لا يوجب كون اختيار الحاكم له.

و في الثاني من الأولى لا يكون الاختيار لواحد معين منهما، بل إذا سبق أحدهما إلى رفع امره إلى الحاكم فحكم له نفذ حكمه. و لو رفعا أمرهما إلى حاكمين ينفذ حكم من سبق بالحكم، لدخوله تحت أدلة النفوذ بلا مانع.

89
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 56): في المرافعات اختيار تعيين الحاكم بيد المدعي ؛ ج‌1، ص : 89

.....

و لو اقترنا لم ينفذ أحدهما، لعدم المرجح، و نفوذهما معا ممتنع للتنافي.

و في كفاية سبق حضور أحدهما عند الحاكم في تعينه إشكال، و الأظهر عدمه لعدم الدليل عليه. نعم وجوب طلب الحاكم لغير الحاضر و وجوب اجابته عليه يقتضي تقديم الحاكم الذي يسبق الحضور عنده بعد الطلب، لا تقديم الحاكم بمجرد الحضور عنده و ان لم يطلب لعذر.

و أما الصورة الثانية بقسميها: فالمشهور المدعى عليه الإجماع وجوب الرجوع إلى الأعلم، لما‌

في مقبولة ابن حنظلة من قوله: «فان كان كل واحد اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما و اختلفا فيما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم. فقال (ع): الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما ..» «1».

لكن موردها صورة اختلاف الحكمين، و التعدي عنه إلى غيرها محتاج إلى قرينة مفقودة.

بل هو خلاف ظاهر إطلاق ما في صدر الرواية فالعمل عليه متعين. و لا سيما و أن البناء على الترجيح بذلك يستدعي الترجيح بغيره من المرجحات المذكورة في رتبة المرجح المذكور و في غيرها من الرتب، و هو مما لم يلتزم به أحد.

نعم إذا كانت الشبهة حكمية و كان الأعلم قد تعين تقليده على المتخاصمين وجب الترافع عنده، لما عرفت من وجوب تقليد الأعلم. أما إذا كانت الشبهة موضوعية، أو كان الخصمان مجتهدين، أو مقلدين لمن هو أعلم منه مع الاتفاق في الفتوى، جاز الترافع إلى غير الأعلم.

و بالجملة: ما دام لم يلزم من رفع المدعي أمره إلى غير الأعلم مخالفة لفتوى الأعلم الحجة لا مانع من الرجوع إلى غير الأعلم و يجب على الخصم متابعته. بل بناء على ما يأتي- من حجية الحكم بنحو يجوز نقض الفتوى به، و من وجوب سماع الدعوى غير الجازمة يجوز لمن يقلد الأعلم في عدم‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 1.

90
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 57): حكم الحاكم الجامع للشرائط لا يجوز نقضه ؛ ج‌1، ص : 91

[ (مسألة 57): حكم الحاكم الجامع للشرائط لا يجوز نقضه]

(مسألة 57): حكم الحاكم الجامع للشرائط لا يجوز نقضه (1) استحقاق الحبوة أن يدعي الاستحقاق عند من يرى استحقاقها فاذا حكم له بها جاز له أخذها و ان كان مذهب مقلده عدم جواز أخذها، لأن حكم الحاكم مقدم في الحجية على الفتوى. فلاحظ.

كما لعله المشهور، و في الجواهر: «لما هو المعلوم، بل حكى عليه الإجماع بعضهم من عدم جواز نقض الحكم الناشئ عن اجتهاد صحيح باجتهاد كذلك، و انما يجوز نقضه بالقطعي من إجماع أو سنة متواترة أو نحوهما».

و كأنه لما‌

في مقبولة ابن حنظلة من قوله (ع): «فاذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم اللّه و علينا رد، و الراد علينا الراد على اللّه تعالى، و هو على حد الشرك باللّه» «1».

لكن أطلق جماعة جواز النقض عند ظهور الخطأ، ففي الشرائع:

«كل حكم قضى به الأول و بان للثاني فيه الخطأ فإنه ينقضه، و كذا لو حكم به ثمَّ تبين الخطأ، فإنه يبطل الأول و يستأنف الحكم بما علمه»، و نحوها ما في القواعد و الإرشاد. فيحتمل أن يكون مرادهم صورة العلم بوقوع الخطأ فيه، سواء أعلم بخطئه للواقع أم بخطئه في طريق الواقع و ان احتمل موافقته للواقع. و لعله مقتضى إطلاق العبارة. و حملها بعضهم على ما إذا كان الحكم ناشئاً عن اجتهاد غير صحيح. و احتمل في الجواهر حملها على ما إذا تراضى الخصمان بتجديد الدعوى عند حاكم آخر. لكن كلا من الحملين مشكل، فإن الثاني خلاف إطلاق ما دل على حرمة رد الحكم و وجوب تنفيذه، الشامل لصورة تراضي الخصمين برده، و ليس هو من حقوق المحكوم له، كي يكون منوطا برضاه و عدمه. و الأول مبني على‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 11 من أبواب صفات القاضي الحديث: 1.

91
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 57): حكم الحاكم الجامع للشرائط لا يجوز نقضه ؛ ج‌1، ص : 91

.....

أن الحكم الصادر عن اجتهاد صحيح حكم بحكمهم (ع) دون غيره، و هو غير ظاهر مع ثبوت الخطأ في الاستناد- كما إذا حكم اعتماداً على بينة غير عادلة مع اعتقاد عدالتها، أو على رواية اعتقد ظهورها في الحكم مع عدم ظهورها لدى الحاكم الآخر- أو ثبوت الخطأ في المستند- كما إذا اعتمد على ظاهر رواية لم يعثر على قرينة على خلافه و قد عثر عليها الحاكم الآخر، أو على بينة تزكي الشهود مع علم الحاكم الثاني بفسقهم و نحو ذلك- فان القضاء الصادر من الحاكم و ان كان عن مبادي مشروعة و اجتهاد صحيح، إلا أنه مخالف للواقع في نظر الحاكم الثاني، لقيام حجة عنده على الخلاف و حينئذ لا يكون حكما بحكمهم (ع).

و بالجملة: الحكم الصادر من الحاكم الجامع لشرائط الحكم الصادر عن اجتهاد صحيح و ان كان طريقا شرعا إلى الواقع لكل أحد، لكن كما يسقط عن الطريقية عند العلم بمخالفته للواقع، كذلك يسقط عن الطريقية عند العلم بوقوع الخطأ في طريقه و في مباديه و قيام الحجة على خلافه، و ان احتمل موافقته للواقع. و على هذا فإطلاق ما ذكره الجماعة من جواز نقض الحكم مع وقوع الخطأ فيه في محله.

اللهم إلا أن يقال قوله (ع):

«فاذا حكم بحكمنا»

لا يراد منه الحكم الواقعي الإلهي، لأن لازمه عدم وجوب تنفيذ الحكم مع الشك في كونه كذلك لعدم إحراز قيد موضوعه. و كذا مع العلم، لأن العلم حينئذ حجة، و لا معنى لجعل حجية الحكم حينئذ، بل المراد منه الحكم الواقعي بنظر الحاكم، فيكون النظر موضوعا لوجوب التنفيذ، فالمعنى أنه إذا حكم بما يراه حكمهم (ع) وجب قبوله و حرم رده، و مقتضى إطلاقه وجوب القبول و لو مع العلم بالخطإ في مباديه. نعم ينصرف عن الحكم الجاري على خلاف موازين الاستنباط عمداً أو سهواً أو نسيانا، و يبقى غيره داخلا في‌

92
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 57): حكم الحاكم الجامع للشرائط لا يجوز نقضه ؛ ج‌1، ص : 91

.....

عموم الدليل و ان علم فيه الخطأ في بعض المبادي الذي يكثر وقوعه من المجتهدين، و لذا وقع الاختلاف بينهم في كثير من المسائل.

نعم قد يشكل ذلك: بأن الارتكاز العقلائي في باب الحجية يساعد على اعتبار عدم العلم بالخطإ فيها، فمعه تنتفي الحجية. و يدفعه: أن حجية الحكم ليست من قبيل حجية الخبر عن حس أو حدس، بل فيه نحو من الموضوعية و شبه بها لأنه منصب و ولاية، فحكم الحاكم نظير حكم الوالي و الأمير واجب الاتباع و لو مع العلم بالخطإ ما دام يحتمل موافقته للواقع.

و بالجملة: فرق واضح- في نظر العرف- بين جعل قول المجتهد:

«حكمت بأن هذا نجس» حجة، و جعل قوله: «هذا نجس» حجة، فإنه مع العلم بالخطإ في طريق الأول لا يسقط عن الحجية، و في الثاني يسقط و ان شئت قلت: مقتضى إطلاق ما دل على نفوذ الحكم نفوذه مطلقا على نحو الموضوعية.

و لذا صرح المصنف (ره) في قضائه «1»- تبعاً لما في الجواهر- بوجوب تنفيذ الحكم و ان كان مخالفاً لدليل قطعي نظري كإجماع استنباطي و خبر محفوف بقرائن و أمارات قد توجب القطع مع احتمال عدم حصوله للحاكم الأول. انتهى. و هذا لا يتم إلا على السببية المحضة و الموضوعية الصرفة و إلا فلا معنى لجعل الطريقية في ظرف العلم بالخلاف أو الوفاق، فكيف يكون الحكم حجة مع القطع بخلافه؟.

و ان كان الالتزام بذلك صعباً جداً، لأنه حكم بخلاف ما أنزل اللّه تعالى فكيف يحتمل وجوب قبوله و حرمة درة، و يكون الراد عليه الراد على اللّه تعالى، و أنه على حد الشرك باللّٰه تعالى؟!. و‌

في صحيح هشام بن الحكم:

«قال رسول اللّٰه (ص). إنما أقضي بينكم بالبينات و الايمان، و بعضكم

______________________________
(1) راجع المسألة: 32 من الفصل الأول من كتاب القضاء.

93
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 57): حكم الحاكم الجامع للشرائط لا يجوز نقضه ؛ ج‌1، ص : 91

.....

ألحن بحجته من بعض، فأيما رجل اقتطعت له من مال أخيه شيئاً فإنما قطعت له به قطعة من النار» «1».

فان هذا صريح في عدم موضوعية للحكم. و مورده و ان كان الشبهات الموضوعية، لكن دليل وجوب القبول و حرمة الرد. إذا حمل على الطريقية في الشبهات الموضوعية لا بد أن يحمل عليها في الشبهات الحكمية، لعدم إمكان التفكيك عرفا بين الموردين في الدليل الواحد، فيتعين حمل الدليل على الطريقية و الحجية. و لأجل أنه يمتنع جعل الطريقية في ظرف العلم بالواقع يمتنع العمل بالدليل مع العلم بمخالفة الحكم للواقع. أما مع احتمال الموافقة للواقع فيجب العمل بدليل حجيته و ان علم بوقوع الخطأ في طريقه، لما عرفت من أنه سنخ آخر في قبال سنخ الخبر و الفتوى، و لم يثبت عند العقلاء قدح مثل هذا العلم بالخطإ في الحجية عندهم على نحو يكون كالقرينة المتصلة التي يسقط بها إطلاق المطلق، فالعمل بالإطلاق متعين.

فان قلت: سلمنا عموم دليل الحجية لجميع صور احتمال الموافقة للواقع حتى مع العلم بالخطإ في الاستناد، أو المستند، أو قيام حجة على خلافه، لكن العموم المذكور معارض بدليل حجية الحجة القائمة على الخلاف، فما الوجه في تقديم دليله على دليل تلك الحجة؟

قلت: مورد دليل حجيته- و هو مقبولة ابن حنظلة- صورة التنازع في الميراث، الظاهر في التنازع في الحكم الكلي على وجه الجزم، و هو إنما يكون مع الحجة، فلو بني على العمل بالحجة في مقابل الحكم لزم تخصيص المورد و هو غير جائز، فيتعين البناء على الأخذ بالحكم و رفع اليد عن الحجة. نعم مقتضى إطلاق مورد المقبولة العموم لصورة العلم بالخلاف.

لكن يجب الخروج عن الإطلاق في الصورة المذكورة بقرينة امتناع جعل‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 2 من أبواب كيفية الحكم من كتاب القضاء حديث: 1.

94
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 58): إذا نقل ناقل فتوى المجتهد لغيره، ثم تبدل رأي المجتهد ؛ ج‌1، ص : 95

و لو لمجتهد آخر، إلا إذا تبين خطؤه (1).

[ (مسألة 58): إذا نقل ناقل فتوى المجتهد لغيره، ثمَّ تبدل رأي المجتهد]

(مسألة 58): إذا نقل ناقل فتوى المجتهد لغيره، ثمَّ تبدل رأي المجتهد في تلك المسألة، لا يجب على الناقل إعلام من سمع منه الفتوى الاولى، و ان كان أحوط. بخلاف ما إذا تبين له خطوة في النقل، فإنه يجب عليه الإعلام (2) الحجية في صورة العلم بالخلاف.

هذا و المتحصل مما ذكرنا: أن الحكم إذا كان معلوم المخالفة للواقع لا يجوز الأخذ به، و متى كان محتمل الموافقة للواقع يجوز الأخذ به، بل يجب سواء أعلم بالخطإ في طريق ذلك الحكم في الاستناد أو المستند أم لا، و سواء أقامت حجة على خلافه أم لا. نعم إذا كان الخطأ ناشئاً عن تقصير في الاجتهاد عمدا أو سهوا، بحيث كان جاريا على خلاف الموازين اللازمة في الاجتهاد، فلا يجوز العمل به، لانصراف دليل حجيته عن مثل ذلك.

نعم يشكل ذلك بأن لازمه أن لو كان المختصمان عالمين بالواقع لا مجال لحكم الحاكم، مع قيام الإجماع على فصل الخصومة به. و يدفعه: أن الإجماع المذكور هو المستند لا المقبولة و نحوها، بل ما في ذيل المقبولة من الرجوع الى المرجحات ظاهر في اختصاصها بصورة عدم العلم بالواقع.

بناء على ما عرفت منا لا يصح هذا الاستثناء، إلا إذا حمل على تبين خطأ المجتهد في مخالفة الواقع تبينا علمياً. و بناء على ما ذكره المصنف (ره)- تبعا لصاحب الجواهر- لا يصح إلا إذا حمل على تبين الخطأ على نحو لا يكون الاجتهاد صحيحا.

الظاهر أن هذا التفصيل بين الفرضين مبني على حرمة التسبيب الى الوقوع في الحرام، و كون الفرض الثاني منه دون الأول. و قد تقدم الكلام في ذلك في المسألة الثامنة و الأربعين فراجع.

95
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 59): إذا تعارض الناقلان في نقل الفتوى تساقطا ؛ ج‌1، ص : 96

[ (مسألة 59): إذا تعارض الناقلان في نقل الفتوى تساقطا]

(مسألة 59): إذا تعارض الناقلان في نقل الفتوى تساقطا (1). و كذا البينتان. و إذا تعارض النقل مع السماع من المجتهد شفاها قدم السماع (2). و كذا إذا تعارض ما في الرسالة مع السماع (3). و في تعارض النقل مع ما في الرسالة قدم ما في الرسالة (4).

لأصالة التساقط في المتعارضين. لكن عرفت فيما سبق تقريب عموم أدلة الترجيح و التخيير للمقام. فلاحظ المسألة العشرين. هذا مع العلم بعدم العدول، فلو احتمل و كان التاريخ مختلفا تعين العمل بالمتأخر. و كذا الكلام فيما يأتي من صور التعارض.

لأن النقل طريق الى السماع، فالعلم بالسماع يستوجب العلم بمخالفته للواقع. هذا مع وحدة التاريخ، و أما مع اختلافه و عدم احتمال العدول، فإنه و ان كان التعارض- بدواً- حاصلا بينهما لكن العرف يقدم السماع على النقل. بل يمكن دعوى انصراف دليل الحجية عن مثله.

إذا لم تكن الرسالة بخط المجتهد كان الفرض راجعاً الى الفرض السابق، لأن الكاتب للرسالة بمنزلة المخبر عن المجتهد، و لو بواسطة حكاية الكاتب عن خط المجتهد الحاكي عن قوله. و أما إذا كانت الرسالة بخط المجتهد فيشكل الترجيح، لأن الخط حاك عن الفتوى، فيكون التعارض قائماً بين خطه و قوله، و أصالة عدم الخطأ فيهما على حد واحد. نعم لو ثبت عند العقلاء ترجيح الأوثق منهما كان العمل عليه أيهما كان. و كذا في الفرض الآتي.

إن كانت الرسالة بخطه كان الفرض نظير تعارض السماع و النقل لأن الخط بمنزلة القول. و ان كانت بغير حطه كان من قبيل تعارض النقلين فيجري عليه حكمه.

96
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 60): إذا عرضت مسألة لا يعلم حكمها ؛ ج‌1، ص : 97

مع الأمن من الغلط (1).

[ (مسألة 60): إذا عرضت مسألة لا يعلم حكمها]

(مسألة 60): إذا عرضت مسألة لا يعلم حكمها، و لم يكن الأعلم حاضراً فإن أمكن تأخير الواقعة إلى السؤال وجب ذلك (2)، و إلا فإن أمكن الاحتياط تعين (3)، و ان لم يمكن يجوز الرجوع الى مجتهد آخر الأعلم فالأعلم، و ان لم يكن هناك مجتهد آخر، و لا رسالته، يجوز العمل بقول المشهور بين العلماء (4)، إذا كان هناك من يقدر على تعيين يعني: بالمقدار اللازم في جريان أصالة عدم الخطأ. و يحتمل أن يكون المراد الوثوق التام، و يكون هو الوجه في الترجيح على النقل، لعدم حصول ذلك فيه.

قد عرفت في أوائل المبحث أنه لا مانع من العمل بالاحتياط حتى مع التمكن من الامتثال التفصيلي، و عليه فلا يجب التأخير إلا حيث يتعذر الاحتياط.

هذا مبني على عدم عموم الإجماع على عدم لزوم الاحتياط على العامي مع إمكان التقليد للمقام، و إلا جاز له الرجوع الى غير الأعلم. و على عدم إطلاق يدل على حجية الفتوى، و إلا تعين العمل به بالنسبة إلى فتوى غير الأعلم مع عدم العلم بالمخالفة للأعلم تفصيلا أو إجمالا، كما أشرنا الى ذلك في مبحث وجوب الفحص عن الأعلم. فراجع المسألة الثانية عشرة.

فكأن موضوع كلام المصنف (ره) صورة العلم بالاختلاف، و أن الإجماع على جواز الرجوع الى غير الأعلم مختص عنده بصورة تعذر الاحتياط.

كما تقتضيه مقدمات الانسداد الجارية في الواقعة الخاصة المقتضية للأخذ بالظن الأقوى فالأقوى، فلو بني على عدم تماميتها جاز عقلا الأخذ‌

97
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 61): إذا قلد مجتهدا ثم مات، فقلد غيره فمات، فقلد من يقول بوجوب البقاء على تقليد الميت ؛ ج‌1، ص : 98

قول المشهور. و إذا عمل بقول المشهور، ثمَّ تبين له بعد ذلك مخالفته لفتوى مجتهده فعليه الإعادة أو القضاء (1)، و إذا لم يقدر على تعيين قول المشهور يرجع الى أوثق الأموات، و ان لم يمكن ذلك أيضاً يعمل بظنه، و ان لم يكن له ظن بأحد الطرفين يبني على أحدهما. و على التقادير بعد الاطلاع على فتوى المجتهد ان كان عمله مخالفا لفتواه فعليه الإعادة أو القضاء.

[ (مسألة 61): إذا قلد مجتهدا ثمَّ مات، فقلد غيره فمات، فقلد من يقول بوجوب البقاء على تقليد الميت]

(مسألة 61): إذا قلد مجتهدا ثمَّ مات، فقلد غيره فمات، فقلد من يقول بوجوب البقاء على تقليد الميت أو جوازه، فهل يبقى على تقليد المجتهد الأول أو الثاني؟ الأظهر الثاني (2)، و الأحوط مراعاة الاحتياط.

بأحد المحتملات على التخيير. و كذا الحال في الرجوع الى أوثق الأموات و ما بعده.

بناء على أن مقدمات الانسداد الجارية في الواقعة إنما تقتضي حجية الظن بنحو الحكومة لا الكشف، و إلا جرى ما تقدم في المسألة الثالثة و الخمسين، و كذا الحال في صورة الرجوع الى غير الأعلم، فإنه لو بني على حجية فتواه شرعا- و لو بتوسط مقدمات الانسداد بناء على الكشف- كان الحكم ما تقدم في المسألة المذكورة. أما بناء خلاف ذلك، فيتعين التدارك بالإعادة أو القضاء.

لأن تقليد الأول قد انقطع بتقليد الثاني المفروض الصحة، فالرجوع إلى الأول بعد تقليد الثاني ليس من البقاء على التقليد، بل هو من التقليد الابتدائي، فإذا كان رأي الثالث وجوب البقاء تعين البقاء على تقليد الثاني و إذا كان رأيه جواز البقاء و جواز العدول تخير المكلف بين البقاء‌

98
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 62): يكفي في تحقق التقليد أخذ الرسالة و الالتزام بالعمل بما فيها ؛ ج‌1، ص : 99

[ (مسألة 62): يكفي في تحقق التقليد أخذ الرسالة و الالتزام بالعمل بما فيها]

(مسألة 62): يكفي في تحقق التقليد أخذ الرسالة و الالتزام بالعمل بما فيها (1)، و ان لم يعلم ما فيها و لم يعمل فلو مات مجتهده يجوز له البقاء. و ان كان الأحوط مع عدم العلم، بل مع عدم العمل و لو كان بعد العلم، عدم البقاء على تقليد الثاني و العدول إلى الثالث.

هذا بناء على ما تقدم في المسألة الثالثة و الخمسين من عدم انتقاض التقليد الصحيح الواقع في زمان بتقليد مجتهد آخر في زمان لاحق، لعدم حجية رأي المجتهد اللاحق بالإضافة إلى الوقائع السابقة المطابقة لرأي المجتهد في ذلك الزمان. أما بناء على الانتقاض، فان كان رأي المجتهد الثالث وجوب البقاء على تقليد الميت، تعين على المكلف البقاء على تقليد الأول لأن عدوله السابق الى الثاني- بعد موت الأول- في غير محله في نظر المجتهد الثالث. و ان كان رأيه جواز العدول و جواز البقاء جاز للمكلف البقاء على تقليد الثاني، و العدول الى الثالث. و إن كان رأيه وجوب العدول تعين العدول من الثاني اليه. و على هذا ما استظهره المصنف (ره) مبني على ما تقدم منه في المسألة الثالثة و الخمسين.

قد عرفت أن أخذ الرسالة و الالتزام، و نحوهما، مما لا يرتبط بالتقليد، بل ليس هو إلا العمل اعتماداً على فتوى المجتهد. كما لا ينبغي التأمل في كفاية ثبوت حجية الرأي آنا ما في جواز الاستصحاب الذي هو الوجه في وجوب البقاء و جوازه، و لا يتوقف على العمل، و لا على الالتزام.

نعم بناء على ما ذكرنا من كون التقليد هو العمل برأي الغير فمع عدم العمل حال الحياة يكون العمل بعد الوفاة برأي المجتهد من قبيل التقليد الابتدائي للميت الذي حكي الإجماع على المنع عنه، و ان كان الاستصحاب، و بناء العقلاء، يقتضيان عدم الفرق بين العمل و عدمه. و لكن عموم الإجماع لمثل‌

99
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 63): في احتياطات الأعلم إذا لم يكن له فتوى يتخير المقلد بين العمل بها ؛ ج‌1، ص : 100

و العدول إلى الحي. بل الأحوط استحبابا على وجه عدم البقاء مطلقا، و لو كان بعد العلم و العمل (1).

[ (مسألة 63): في احتياطات الأعلم إذا لم يكن له فتوى يتخير المقلد بين العمل بها]

(مسألة 63): في احتياطات الأعلم إذا لم يكن له فتوى يتخير المقلد بين العمل بها، و بين الرجوع الى غيره (2) الأعلم فالأعلم.

[ (مسألة 64): الاحتياط المذكور في الرسالة]

(مسألة 64): الاحتياط المذكور في الرسالة أما الفرض لا يخلو من تأمل. و أشكل منه ما لو تحقق الالتزام فقط بلا عمل فان وجود القول بجواز البقاء في مثله مانع عن انعقاد الإجماع على المنع عنه و ان لم يتحقق التقليد. و مثله ما لو تحقق العمل بلا اعتماد على الفتوى، فإنه و ان لم يتحقق التقليد، لكن انعقاد الإجماع على المنع عن بقاء الحجية في مثله غير واضح، و ان كان قريباً. فراجع و تأمل. كما أنك عرفت في المسألة الثالثة و الخمسين: أن صحة الأعمال السابقة تتوقف على مطابقتها للفتوى الحجة حال العمل و لا تتوقف على الاعتماد على الفتوى حال العمل الذي هو من مقومات التقليد، فالصحة ليست موقوفة على تحقق التقليد، بل موقوفة على الحجية واقعاً. فلاحظ.

كأن المراد بهذا الوجه احتمال عموم معاقد الإجماعات على عدم جواز تقليد الميت للحدوث و البقاء، و ان كان يعارض هذا الاحتمال احتمال المنع، كما نسب الى أكثر القائلين بجواز البقاء. فالعدول موافق للاحتياط في وجه مخالف له في وجه آخر.

هذا التخيير موقوف في العبادات على جواز الامتثال الإجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي، فلو قيل بعدمه تعين التقليد لغير الأعلم، و لا يجوز له العمل بالاحتياط مع التمكن من تقليد غيره الأعلم.

100
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 65): في صورة تساوي المجتهدين يتخير بين تقليد أيهما شاء ؛ ج‌1، ص : 101

استحبابي، و هو ما إذا كان مسبوقا أو ملحوقا بالفتوى، و إما وجوبي، و هو ما لم يكن معه فتوى، و يسمى بالاحتياط المطلق و فيه يتخير المقلد بين العمل به و الرجوع الى مجتهد آخر (1).

و أما القسم الأول، فلا يجب العمل به، و لا يجوز الرجوع الى الغير بل يتخير بين العمل بمقتضى الفتوى، و بين العمل به.

[ (مسألة 65): في صورة تساوي المجتهدين يتخير بين تقليد أيهما شاء]

(مسألة 65): في صورة تساوي المجتهدين يتخير بين تقليد أيهما شاء كما يجوز له التبعيض حتى في أحكام العمل الواحد (2)، حتى أنه لو كان- مثلا- فتوى أحدهما وجوب جلسة الاستراحة و استحباب التثليث في التسبيحات الأربع، و فتوى الأخر بالعكس، يجوز أن يقلد الأول في استحباب التثليث، و الثاني في استحباب الجلسة.

قد عرفت أنه لا يتم على إطلاقه، بناء على عدم جواز الامتثال الإجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي.

قد عرفت في المسألة الثالثة و الثلاثين الإشكال في جواز التبعيض و لا سيما في العمل الواحد، فقد يشكل بالخصوص بأن الصلاة الفاقدة لجلسة الاستراحة المقتصر فيها علي تسبيحة واحدة باطلة في نظر كل واحد منهما، فالاقتصار عليها في مقام الامتثال مخالفة لهما معاً. و فيه: أنه- بعد البناء على جواز التبعيض في التقليد- لا تقدح مخالفة كل واحد من المجتهدين مستقلا، لعدم تقليد كل واحد منهما كذلك، بل لما كان التقليد لهما معا على نحو الانضمام فالقادح مخالفتهما كذلك و هي منتفية، لأن الصلاة المذكورة موافقة لهما معا.

فان قلت: كما أنها موافقة لهما كذلك مخالفة لهما. (قلت): هذا‌

101
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 66): لا يخفى أن تشخيص موارد الاحتياط عسر على العامي ؛ ج‌1، ص : 102

[ (مسألة 66): لا يخفى أن تشخيص موارد الاحتياط عسر على العامي]

(مسألة 66): لا يخفى أن تشخيص موارد الاحتياط عسر على العامي إذ لا بد فيه من الاطلاع التام. و مع ذلك قد يتعارض الاحتياطان، فلا بد من الترجيح. و قد لا يلتفت الى إشكال المسألة حتى يحتاط. و قد يكون الاحتياط في ترك الاحتياط. مثلا الأحوط ترك الوضوء بالماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر، لكن إذا فرض انحصار الماء فيه الأحوط التوضؤ به، بل يجب ذلك بناء على كون احتياط الترك استحبابياً، و الأحوط الجمع بين التوضؤ به و التيمم. و أيضا الأحوط التثليث في التسبيحات الأربع، لكن إذا كان في ضيق الوقت و يلزم من التثليث وقوع بعض الصلاة خارج الوقت، فالأحوط ترك هذا الاحتياط، أو يلزم تركه. و كذا التيمم بالجص خلاف الاحتياط، لكن إذا لم يكن معه الا هذا فالأحوط التيمم به، و ان كان عنده الطين- مثلا- فالأحوط الجمع، و هكذا.

مسلم، لكن مخالفتهما في غير مورد التقليد لهما، أما في مورد التقليد لهما فهي موافقة لهما لا غير، كما يظهر من مقايسة المقام بالتبعيض في عملين كالصلاة و الصيام.

فان قلت: المجتهد المفتي بعدم وجوب جلسة الاستراحة إنما يفتي بذلك في الصلاة المشتملة على التسبيحات الثلاث، كما أن المفتي بالاقتصار على تسبيحة واحدة إنما يفتي بذلك فيما اشتمل على جلسة الاستراحة، فترك جلسة الاستراحة و الاقتصار على تسبيحة واحدة ليس عملا بفتوى المجتهدين و لو على نحو الانضمام (قلت): الارتباط بين الاجزاء في الثبوت و السقوط لا يلازم الارتباط بينها في الفتوى، فان مرجع الفتويين الى عدم جزئية الجلسة‌

102
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 67): محل التقليد و مورده هو الأحكام الفرعية العملية، فلا يجري في أصول الدين ؛ ج‌1، ص : 103

[ (مسألة 67): محل التقليد و مورده هو الأحكام الفرعية العملية، فلا يجري في أصول الدين]

(مسألة 67): محل التقليد و مورده هو الأحكام الفرعية العملية، فلا يجري في أصول الدين (1).

و عدم جزئية ما زاد على التسبيحة الواحدة، و ليس هو ارتباطياً. فالعمدة في الاشكال على جواز التقليد للمجتهدين في العمل الواحد هو إشكال التبعيض الذي تقدمت الإشارة إليه.

إجماعا ادعاه جماعة، بل ادعي إجماع المسلمين عليه. و يقتضيه في معرفة اللّه جل شأنه، و في معرفة نبيه الكريم (ص): أن الوجه في وجوب المعرفة عقلا من مناط وجوب شكر المنعم، و في وجوبها فطرة من مناط وجوب دفع الضرر المحتمل لا يحصل بالتقليد، لاحتمال الخطأ في الرأي فلا يحصل الأمن من الخطر و لا الأمن مما ينافي الشكر. و حجية الرأي تعبداً إنما توجب الأمن من ذلك على تقدير المعرفة، فيمتنع أن تثبت بها و لو تعبداً. و أما باقي الأصول فعدم جواز التقليد فيها للإجماع المتقدم.

و أما ما دل على وجوب العلم و المعرفة من الآيات، و الروايات، فلا يقتضي ذلك، لأن دليل حجية الرأي- لو تمَّ- يوجب حصول المعرفة بها تعبداً تنزيلا. و لا يتوجه الاشكال المتقدم هنا، لأن المعرفة فيما عدا الأصلين الأولين ليست شرطا في الحجية، و انما الشرط المعرفة بهما لا غير و المفروض حصولها، فإذاً العمدة في عدم جواز التقليد هو الإجماع.

فإن قلت: تكفي في عدم جواز التقليد أصالة عدم الحجية. (قلت):

لا مجال للأصل المذكور مع الدليل، و هو ما دل على حجية الرأي في الفروع كبناء العقلاء، و قوله تعالى (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ)+ «1» و قوله تعالى:

(فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ) «2» و نحوهما من أدلة التقليد في‌

______________________________
(1) النحل: 43.

(2) التوبة: 122.

103
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 67): محل التقليد و مورده هو الأحكام الفرعية العملية، فلا يجري في أصول الدين ؛ ج‌1، ص : 103

و في مسائل أصول الفقه (1)، و لا في مبادي الاستنباط من النحو و الصرف و نحوهما (2).

الفروع، فإنها- لو تمت دلالتها على جوازه في الفروع- دلت على جوازه في الأصول بنحو واحد، فليس الموجب للخروج عن عموم الأدلة إلا الإجماع المستفيض النقل. و تمام الكلام في هذا المقام موكول الى محله، كالكلام في وجوب كون المعرفة عن النظر و الدليل- كما هو المنسوب الى جمع- و عدم وجوبه- كما نسب الى آخرين- و حرمته- كما نسب الى غيرهم- و ان كان الأظهر الأول مع خوف الضلال بدون النظر، و الأخير مع خوف الضلال به، و الثاني مع الأمن من الضلال على تقدير كل من النظر و عدمه فراجع و تأمل.

لخروجها عن محل الابتلاء للعوام المقلدين، فلو فرض كونها محلا للابتلاء- و لو بتوسط النذر و نحوه- لم يكن مانع من عموم أدلة التقليد لها. و لذا جزم المصنف- رحمه اللّٰه- في صدر المسألة السادسة و الأربعين: بأنه يجب على العامي أن يقلد الأعلم في مسألة وجوب تقليد الأعلم و في المسألة الخامسة عشرة بوجوب رجوع العامي إلى الحي الأعلم في جواز البقاء و عدمه، و يظهر منه- قدس سره- و من غيره كونهما من المسائل الأصولية، و ان كان التحقيق أنهما من المسائل الفرعية، لا من الأصولية، لعدم وقوعهما في طريق استنباط الاحكام كما أشرنا الى ذلك آنفا.

هذا يتم في ما يقع في طريق استنباط الحكم الكلي، أما ما يقع في طريق تطبيق الحكم الكلي و تشخيص موضوع الامتثال- مثل كثير من مسائل النحو و الصرف المحتاج إليها في تصحيح القراءة و الذكر، و الأذان، و الإقامة و صيغ العقود، و الإيقاعات، مثل مسائل الإدغام، و المد و الوقف على الساكن و التحريك في الدرج، و غير ذلك من المسائل الموقوفة على نظر‌

104
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 67): محل التقليد و مورده هو الأحكام الفرعية العملية، فلا يجري في أصول الدين ؛ ج‌1، ص : 103

و لا في الموضوعات المستنبطة العرفية أو اللغوية (1)، و لا في الموضوعات الصرفة. فلو شك المقلد في مائع أنه خمر أو خل- مثلا- و قال المجتهد إنه خمر لا يجوز له تقليده. نعم من حيث أنه مخبر عادل يقبل قوله كما في اخبار العامي العادل، و هكذا. و أما الموضوعات المستنبطة الشرعية- كالصلاة و الصوم و نحوهما- فيجري التقليد فيها كالأحكام العملية.

لا يتمكن منه العامي مما سيتعرض له المصنف (ره) في مباحث القراءة- فلا بد فيها من التقليد لعموم أدلته. نعم المسائل التي لا يحتاج إليها إلا في مقام استنباط الحكم الكلي لا مجال للتقليد فيها، لخروجها عن محل الابتلاء بالنسبة إلى العامي.

موضوعات الأحكام الشرعية قسمان: (الأول): ما يكون مفهومه شرعياً مخترعا للشارع الأقدس، سواء قلنا بالحقيقة الشرعية أم لا كالصلاة و الصيام و نحوهما. (الثاني): ما لا يكون كذلك بأن كان عرفياً أو لغويا. و كل منهما إما أن يكون المفهوم بذاته و حدوده واضحاً لا يحتاج إلى نظر و اجتهاد، و إما أن يكون محتاجا إلى ذلك. فالأول من كل منهما لا يحتاج الى تقليد لوضوحه لدى العامي كالمجتهد، فلا معنى لحجية رأي المجتهد فيه، و الثاني من كل منهما محتاج إلى التقليد، لعموم أدلته، كالصلاة و الصيام، و الصعيد، و الغناء و الإناء، و الجذع و الثني، و نحوها. و البناء على عدم جواز التقليد فيها يقتضي البناء على وجوب الاجتهاد أو الاحتياط فيها و لا يظن الالتزام به من أحد، فضلا عن المصنف (ره) فقد أدرج- كغيره- بيان مفهوم مثل هذه الموضوعات في هذه الرسالة و غيرها من رسائله المعدة للفتوى و العمل بها. فلاحظ.

105
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 68): لا يعتبر الأعلمية في ما أمره راجع الى المجتهد إلا في التقليد ؛ ج‌1، ص : 106

[ (مسألة 68): لا يعتبر الأعلمية في ما أمره راجع الى المجتهد إلا في التقليد]

(مسألة 68): لا يعتبر الأعلمية في ما أمره راجع الى المجتهد (1) إلا في التقليد. و أما الولاية على الأيتام و المجانين و الأوقاف التي لا متولي لها و الوصايا التي لا وصي لها و نحو ذلك، فلا يعتبر فيها الأعلمية. نعم الأحوط في القاضي أن الظاهر أن هذا مما لا إشكال فيه، لإطلاق مثل‌

التوقيع الشريف:

«و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواه حديثنا» «1».

و ما دل على أن العلماء ورثة الأنبياء «2»، و أنهم كأنبياء بني إسرائيل «3»، و انهم خلفاء النبي (ص) «4»، و نحو ذلك. لكن قد تعرضنا في (نهج الفقاهة) «5» للمناقشة في تمامية ما ذكر لإثبات الولاية للفقيه، لقصور سند بعضها، و دلالة الآخر. و ذكرنا هناك أن العمدة في إثبات الولاية ما دل على كون المجتهد قاضيا و حاكماً الظاهر في ثبوت جميع ما هو من مناصب القضاة و الحكام له. فحينئذ يشكل الحكم فيما لم يثبت كونه من مناصب القضاة و الحكام، فان ثبوت ولاية المجتهد فيه إنما يكون من جهة العلم بإذن الشارع في التصرف، أو عدم رضاه بتركه و إهمال الواقعة.

لكن الدليل المذكور لما كان لبيا تعين الاقتصار فيه على القدر المتيقن، و هو ولاية الأعلم عند التمكن منه، كالاقتصار على المتيقن و هو ولاية المجتهد عند التمكن منه. فالعمدة إذاً في عدم اعتبار الأعلمية ظهور الإجماع عليه.

______________________________
(1) الوسائل باب: 11 من أبواب صفات القاضي حديث: 10.

(2) الوسائل باب: 8 من أبواب صفات القاضي حديث: 2.

(3) مستدرك الوسائل باب: 11 من أبواب صفات القاضي حديث: 30.

(4) الوسائل باب: 11 من صفات القاضي حديث: 8.

(5) راجع الصفحة: 299.

106
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 69): إذا تبدل رأي المجتهد هل يجب عليه اعلام المقلدين أم لا؟ ؛ ج‌1، ص : 107

يكون أعلم (1) من في ذلك البلد أو في غيره مما لا حرج في الترافع إليه.

[ (مسألة 69): إذا تبدل رأي المجتهد هل يجب عليه اعلام المقلدين أم لا؟]

(مسألة 69): إذا تبدل رأي المجتهد هل يجب عليه اعلام المقلدين أم لا؟ فيه تفصيل (2)، فان كانت الفتوى السابقة موافقة للاحتياط، فالظاهر عدم الوجوب، و ان كانت مخالفة فالأحوط الأعلام، بل لا يخلو عن قوة.

[ (مسألة 70): لا يجوز للمقلد إجراء أصالة البراءة]

(مسألة 70): لا يجوز للمقلد إجراء (3) أصالة البراءة، أو الطهارة أو الاستصحاب في الشبهات الحكمية. و أما في الشبهات الموضوعية فيجوز بعد أن قلد مجتهده في حجيتها. مثلا إذا شك في أن عرق الجنب من الحرام نجس أم لا ليس له إجراء أصل الطهارة، لكن في أن هذا الماء أو غيره لاقته النجاسة أم لا، يجوز له إجراؤها بعد أن قلد المجتهد في جواز الإجراء.

[ (مسألة 71): المجتهد غير العادل، أو مجهول الحال لا يجوز تقليده]

(مسألة 71): المجتهد غير العادل، أو مجهول الحال لا يجوز تقليده (4) و ان كان موثوقا به في فتواه. و لكن فتاواه معتبرة لعمل نفسه. و كذا لا ينفذ حكمه و لا تصرفاته في الأمور تقدم الكلام في هذا في المسألة السادسة و الخمسين.

تقدم الكلام في هذا في المسألة الثامنة و الأربعين و غيرها.

لأن إجراءها مشروط بالفحص، و هو عاجز عنه، فاجراؤها بدونه مخالفة لدليل الشرطية. و هذا بخلاف الشبهات الموضوعية، فان إجراءها ليس مشروطا بالفحص، و لو فرض اشتراطه به فليس هو بعاجز عنه، فلا مانع من رجوعه إليها عند اجتماع الشرائط كالمجتهد.

يعني: لا يجوز تقليده واقعاً في الأول، لفقد الشرط، و ظاهراً في الثاني، لعدم ثبوت حجية رأيه. و كذا الحال في باقي الاحكام.

107
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 72): الظن بكون فتوى المجتهد كذا لا يكفي في جواز العمل ؛ ج‌1، ص : 108

العامة، و لا ولاية له في الأوقات و الوصايا و أموال القصر و الغيب.

[ (مسألة 72): الظن بكون فتوى المجتهد كذا لا يكفي في جواز العمل]

(مسألة 72): الظن بكون فتوى المجتهد كذا لا يكفي في جواز العمل، الا إذا كان حاصلا من ظاهر لفظه شفاهاً، أو لفظ الناقل، أو من ألفاظه في رسالته. و الحاصل: أن الظن ليس حجة (1) إلا إذا كان حاصلا من ظواهر الألفاظ منه أو من الناقل.

لما دل على نفي حجيته من الأدلة الشرعية و العقلية، من دون ثبوت مخصص.

و اللّه سبحانه ولي التوفيق، و هو حسبنا وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ، ... وَ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ+

108
مستمسک العروة الوثقی1

كتاب الطهارة ؛ ج‌1، ص : 109

 

[كتاب الطهارة]

[فصل في المياه]

فصل في المياه الماء إما مطلق (1) أو مضاف، كالمعتصر من الأجسام أو الممتزج بغيره مما يخرجه عن صدق اسم الماء. و المطلق أقسام (2): بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ+ كتاب الطهارة الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ+. و الصلاة و السلام على سيد المرسلين محمد و آله الغر الميامين. و اللعنة على أعدائهم أجمعين.

و عرف بما يصح إطلاق لفظ الماء عليه من غير إضافة. يعني:

يصح بلا تجوز و لا عناية. و هذا بخلاف الماء المضاف كماء الرمان، و ماء الورد، فإن إطلاق لفظ الماء- مفرداً بلا إضافة- عليه مجاز، و الذي يكون إطلاقه عليه حقيقة، ماء الرمان، أو ماء الورد، كما أن إطلاق ماء الورد على ماء الرمان مجاز، و كذا إطلاق ماء الرمان على ماء الورد. و من هنا ظهر أن تقسيم الماء إلى المطلق و المضاف بلحاظ المسمى. كما ظهر أن مفهوم الماء جامع حقيقي بين أفراده، و مفهوم الماء المضاف جامع انتزاعي بين أفراده، فإنها حقائق متباينة.

الموجود في كلام جماعة تقسيمه إلى جار، و محقون، و ماء بئر و تقسيم المحقون إلى كثير و قليل. و كأن موضوع القسمة ماء الأرض، و لذا‌

 

109
مستمسک العروة الوثقی1

فصل في المياه ؛ ج‌1، ص : 109

الجاري، و النابع غير الجاري و البئر، و المطر، و الكر، و القليل و كل واحد منها مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر مطهر من الحدث و الخبث (1).

لم يذكر في أقسامه ماء المطر. و عدم ذكر النابع في الأقسام إما لدخوله في الجاري- كما صرح به بعض، حيث عرفه بالنابع غير البئر- أو في البئر- كما هو ظاهر آخرين- بل عن المحقق البهبهاني: «أن النابع الراكد عند الفقهاء في حكم البئر» و الأمر سهل.

إجماعا مستفيض النقل، بل وضوحه أغنى عن الاستدلال عليه بالآيات الشريفة مثل قوله تعالى (وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً) «1» بناء على أن المراد من لفظ الطهور فيها إما المطهر بناء على أنه أحد معانيه- كما عن بعض- فيدل على طهارته في نفسه بالالتزام، أو الطاهر المطهر- كما عن جمع أنه أحد معانيه- أو ما يتطهر به كالسحور و الفطور- كما هو أحد معانيه قطعا- فيدل أيضاً بالالتزام على طهارته في نفسه. هذا و لكن من المحتمل إرادة المبالغة منه، فان (فعول) أيضاً من صيغ المبالغة كالصبور و الحسود، فإن الطهارة ذات مراتب متفاوتة، و لذا صح التفضيل فيها بلفظ: (أطهر) و مع هذا الاحتمال يشكل الاستدلال. و أشكل منه الاستدلال به على المطهرية لغيره- حتى بناء على حمل الهيئة على المبالغة- بدعوى: أن المبالغة لا معنى لها إلا بلحاظ المطهرية لغيره. إذ فيه-- مضافاً إلى ما عرفت-: أن هذا المعنى من المبالغة مجاز لا يجوز ارتكابه في الاستدلال. و إن كان الأقرب الحمل على المعنى الثالث، لعدم ثبوت المعنيين الأولين، و لكونه أقرب من الحمل على المبالغة، لخفاء وجهها.

و أما قوله تعالى (وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) «2»

______________________________
(1) الفرقان: 48.

(2) الأنفال: 11.

110
مستمسک العروة الوثقی1

في الماء المضاف ؛ ج‌1، ص : 111

 

[في الماء المضاف]

[ (مسألة 1): الماء المضاف مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر]

(مسألة 1): الماء المضاف مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر (1)، لكنه غير مطهر، لا من الحدث (2).

فدلالته على المطلوب سالمة عن الاشكال المتقدم، و إن كانت لا عموم فيها لوروده في واقعة خاصة، إلا أن يتمسك بالإجماع على عدم الفرق، كالإجماع على عدم الفرق بين ماء السماء و غيره.

ثمَّ إنه لا تخلو النصوص الشريفة من الدلالة على طهارته و مطهريته،

ففي رواية السكوني عن النبي (ص): «الماء يطهر و لا يطهر» «1».

و‌

في صحيح ابن فرقد عن أبي عبد اللّه (ع): «كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض، و قد وسع اللّٰه تعالى عليكم بأوسع ما بين السماء و الأرض، و جعل لكم الماء طهوراً» «2»

، و‌

في غيرهما: أنه تعالى جعل التراب طهوراً كما جعل الماء طهوراً «3».

و مورد الأخير الحدث، كما أن مورد ما قبله الخبث، بل هو ظاهر رواية السكوني بقرينة المقابلة بالنفي. كما أنه لا عموم في الجميع بالإضافة إلى ما يتطهر به فلا بد من تتميم الدلالة بالإجماع المحقق في الجملة.

يعني: مع طهارة أصله. و يكفي في ذلك الاستصحاب، و أصالة الطهارة.

كما هو المشهور، و يقتضيه الكتاب المجيد، مثل قوله تعالى:

(فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)+ «4». و السنة التي هي بمضمونه و بغير مضمونه كما ستأتي في محلها إن شاء اللّٰه. و عن الصدوق: جواز‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 1 من أبواب الماء المطلق حديث: 6.

(2) الوسائل باب: 1 من أبواب الماء المطلق حديث: 4.

(3) الوسائل باب: 1 من أبواب الماء المطلق حديث: 1.

(4) النساء: 43. و المائدة: 6.

 

111
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 1): الماء المضاف مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر ؛ ج‌1، ص : 111

و لا من الخبث (1).

الوضوء و غسل الجنابة بماء الورد،

لخبر يونس عن أبي الحسن (ع) قال:

«قلت له: الرجل يغتسل بماء الورد و يتوضأ به للصلاة. قال (ع):

لا بأس بذلك» «1».

لكن عن الشيخ أنه خبر شاذ أجمعت العصابة على ترك العمل بظاهره. انتهى. و كفى بهذا موهنا له و مانعاً عن الاعتماد عليه. و عن الحسن جواز استعمال مطلق المضاف عند عدم الماء. و لم يظهر له مستند.

كما هو المشهور أيضاً. و يقتضيه ظاهر كثير من النصوص الواردة في الموارد المتفرقة مثل‌

قوله (ع): «لا يجزئ من البول إلا الماء» «2»

و‌

قوله (ع) في تطهير الإناء من الولوغ: «اغسله بالتراب أول مرة ثمَّ بالماء» «3»

و نحوهما غيرهما و هو كثير. و قد تقدم صحيح ابن فرقد الظاهر- بقرينة الامتنان- في انحصار المطهر بالماء.

و عن المفيد و السيد- قدهما- جواز رفع الخبث به. و عن الأول الاستدلال عليه بالرواية. و عن الثاني الاستدلال عليه بالإجماع. لكن الرواية مرسلة و الإجماع معلوم العدم. و أما إطلاق الأمر بالغسل و التطهير، فمقيد بالنصوص المشار إليها. مع قرب دعوى انصراف الأول إلى الغسل بالماء لارتكاز مطهريته عرفا و شرعا دون غيره من المائعات. كما لا تبعد دعوى إجمال الثاني، و حصوله بغير الماء يحتاج إلى دليل، و لو بني على إطلاقه كان مقتضاه الاكتفاء بزوال العين. و أما‌

رواية غياث: «لا بأس أن يغسل الدم بالبصاق» «4»

فلعلها المشار إليها في كلام المفيد. لكنها مع أنها‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 3 من أبواب الماء المضاف و المستعمل حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 30 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

(3) الوسائل باب: 1 من أبواب الأسئار حديث: 1.

(4) الوسائل باب: 4 من أبواب الماء المضاف و المستعمل حديث: 2.

112
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 1): الماء المضاف مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر ؛ ج‌1، ص : 111

.....

مهجورة- أخص من المدعى- لو كان البصاق من المضاف- و إلا كانت أجنبية عنه. مع أن ظاهر‌

رواية غياث الأخرى: «لا يغسل بالبصاق شي‌ء غير الدم!» «1»

مناف له فلا مجال لتتميمها بعدم القول بالفصل و نحوه.

ثمَّ إن المحكي عن السيد (ره) الاستدلال على ما ذكرنا: بأن الغرض ازالة عين النجاسة، و هو يحصل بالغسل بالمضاف. و مقتضى هذا الاستدلال عدم وجوب تطهير المتنجس بما لا تبقى عينه، و حصول الطهارة بمجرد زوال عين النجاسة بكل مزيل و ان لم يكن مضافا، و لكنه- كما ترى- خلاف النصوص المتقدمة الآمرة بالغسل و التطهير، فضلا عن النصوص الظاهرة في تعيين الماء.

و عن الكاشاني (ره) التفصيل بين الموارد التي ورد فيها ذلك فلا بد من الماء و بين غيرها فيكفي زوال العين. و فيه: أن هذا خلاف استصحاب النجاسة من دون دليل عليه. مضافا إلى أنه خلاف ما ثبت إجماعا و ارتكازاً من عدم الفرق بين الموارد. و إنكار سراية النجاسة إلى الجسم- ليسقط الاستصحاب- خلاف ظاهر النصوص، الموافق للارتكاز العرفي من سراية أثر عين النجاسة إلى ملاقيها. فلاحظ ما ورد في المرق و العجين اللذين أصابهما قطرة من خمر أو نبيذ «2»، و‌

قوله (ع): «ما يبل الميل ينجس حباً من الماء» «3».

و يشير إلى ذلك ما‌

في رواية عمر بن شمر الواردة في طعام ماتت فيه الفارة، قال (ع): «إنما استخففت بدينك حيث أن اللّه تعالى حرم الميتة من كل شي‌ء» «4»

، و ما ورد في التطهير من البول‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 4 من أبواب الماء المضاف و المستعمل حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 38 من أبواب النجاسات حديث: 8.

(3) الوسائل باب: 38 من أبواب النجاسات حديث: 6.

(4) الوسائل باب: 5 من أبواب الماء المضاف و المستعمل حديث: 2.

113
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 1): الماء المضاف مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر ؛ ج‌1، ص : 111

و لو في حال الاضطرار (1)، و ان لاقى نجسا تنجس (2) و ان كان كثيراً بل و ان كان مقدار ألف كر (3) فإنه ينجس بمجرد من أن الغسلة الثانية لازالة الأثر [1]، و غير ذلك. فلاحظ.

لعدم الفرق بين الحالين فيما ذكرنا. و عن ابن أبي عقيل مطهرية المضاف حينئذ. و دليله غير ظاهر، كما تقدم في رفع الحدث.

إجماعا محكيا عن كتب الفاضلين و الشهيدين، و غيرها، و عن السرائر: نفي الخلاف فيه. و قد تدل عليه الاخبار الواردة في نجاسة الزيت و السمن و المرق و نحوها بملاقاة النجاسة «1»، لأنها و إن لم تكن من المضاف، إلا أنها مثله في الميعان، الموجب لسراية النجاسة حسب الارتكاز العرفي، فالتعدي عنها إلى المضاف نظير التعدي منها إلى المائعات التي ليست من المضاف. بل قد عرفت أنه يظهر من رواية عمر بن شمر المتقدمة أن ذلك من أحكام النجاسة.

كما يقتضيه إطلاق معاقد الإجماعات و الكلمات. لكنه لا يخلو من تأمل، لعدم السراية عرفا في مثله، نظير ما يأتي من عدم السراية إلى العالي الجاري إلى السافل. و النصوص الواردة في السمن و المرق و نحوهما غير شاملة لمثله. و ثبوت الإجماع على السراية في الكثرة المفرطة غير ظاهر و من هنا يسهل الأمر في عيون النفط المستخرج في عصرنا، المعلوم غالباً مباشرة الكافر له بالرطوبة المسرية.

______________________________
[1] لم نعثر على ما تضمن ذلك في كتب الحديث. نعم روى في المعتبر صفحة: 121 من الحسين بن أبي العلاء عن الصادق (ع) قال: «سألته .. عن الثوب يصيبه البول قال: اغسله مرتين الأول للإزالة و الثاني للإنقاء» و رواه مرسلا في الذكرى صفحة: 15.

______________________________
(1) راجع الوسائل باب: 5 من أبواب الماء المضاف و المستعمل. و باب: 38 من أبواب النجاسات حديث: 8.

114
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 2): الماء المطلق لا يخرج بالتصعيد عن إطلاقه ؛ ج‌1، ص : 115

ملاقاة النجاسة و لو بمقدار رأس ابرة في أحد أطرافه فينجس كله. نعم إذا كان جاريا من العالي الى السافل و لاقى سافله النجاسة لا ينجس العالي منه (1)، كما إذا صب الجلاب من إبريق على يد كافر، فلا ينجس ما في الإبريق و ان كان متصلا بما في يده.

[ (مسألة 2): الماء المطلق لا يخرج بالتصعيد عن إطلاقه]

(مسألة 2): الماء المطلق لا يخرج بالتصعيد عن إطلاقه (2). نعم لو مزج معه غيره و صعد- كماء الورد- يصير مضافا.

[ (مسألة 3): المضاف المصعد مضاف]

(مسألة 3): المضاف المصعد مضاف (3).

[ (مسألة 4): المطلق أو المضاف النجس يطهر بالتصعيد]

(مسألة 4): المطلق أو المضاف النجس يطهر بالتصعيد، لاستحالته بخاراً (4) ثمَّ ماء.

كما هو المشهور، بل قيل: الظاهر أنه مذهب الكل عدا السيد في المناهل. لعدم ثبوت سراية النجاسة كلية في المائعات، و انما الثابت منها في غير مثل ذلك. و الرجوع إلى العرف- الذي هو مقتضى الإطلاقات المقامية- يقتضي البناء على عدم السراية للنجاسة من السافل إلى العالي، فإنه المطابق لمرتكزاتهم. و مثله الكلام في سراية النجاسة من العالي إلى السافل مع تدافع السافل عليه كما في الفوارة. أما مع عدم التدافع من أحدهما إلى الآخر فلا إشكال في السراية من كل منهما إلى الآخر.

لصدق الماء عليه عرفا، الذي هو المعيار في الإطلاق.

لما تقدم من الصدق العرفي. لكن في اطراده في جميع الموارد تأملا.

الموجبة لمغايرته له عرفا، على نحو لا يجري معه استصحاب الحكم لتعدد الموضوع. و هذا هو المدار في مطهرية الاستحالة، لجريان أصالة‌

115
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 5): إذا شك في مائع أنه مضاف أو مطلق ؛ ج‌1، ص : 116

[ (مسألة 5): إذا شك في مائع أنه مضاف أو مطلق]

(مسألة 5): إذا شك في مائع أنه مضاف أو مطلق فان علم حالته السابقة أخذ بها (1). و إلا فلا يحكم عليه بالإطلاق، و لا بالإضافة (2). لكن لا يرفع الحدث و الخبث (3) و ينجس، بملاقاة النجاسة إن كان قليلا، و إن كان بقدر الكر لا ينجس، لاحتمال كونه مطلقاً، و الأصل الطهارة (4).

الطهارة حينئذ بلا معارض، كما سيأتي في محله إن شاء اللّه. فاذا انقلب البخار ماء كان المرجع في حكمه أصالة الطهارة أيضاً، لا استصحابها، لتعدد الموضوع عرفا، كما في البخار.

للاستصحاب. هذا إذا كان الشك بنحو الشبهة الموضوعية، أما لو كان بنحو الشبهة المفهومية- للشك في حدود المفهوم و قيوده، على نحو يستوجب الشك في صدقه على المورد- أشكل جريان الاستصحاب، لأنه من الاستصحاب الجاري في المفهوم المردد، كالجاري في الفرد المردد و أما استصحاب الحكم السابق فلا مانع منه، مثل استصحاب كونه مطهراً من الحدث و الخبث، إذا علم انه كان مطلقاً، أو استصحاب انفعاله بالملاقاة إذا علم كونه مضافا كثيراً. لكنه من الاستصحاب التعليقي المعارض بالاستصحاب التنجيزي غالباً. فلو لم يكن معارضا أو بنينا على حكومة الاستصحاب التعليقي على الاستصحاب التنجيزي، أو كان الحكم السابق تنجيزياً، فلا بأس بجريانه.

إذ لا موجب للحكم بذلك من دليل أو أصل.

لاستصحاب بقائهما.

يعني: استصحابها. نعم ربما يكون بعض الوجوه الموجبة للنجاسة في فرض الملاقاة مع الشك في الكرية مقتضياً للحكم بالنجاسة في المقام فانتظر.

116
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 6): المضاف النجس يطهر بالتصعيد ؛ ج‌1، ص : 117

[ (مسألة 6): المضاف النجس يطهر بالتصعيد]

(مسألة 6): المضاف النجس يطهر بالتصعيد كما مر- و بالاستهلاك في الكر أو الجاري (1).

بتفرق أجزائه فيه على نحو لا يبقى له وجود محفوظ في نظر العرف يجري فيه الاستصحاب. نظير الاستحالة في الأعيان النجسة المطهرة للمستحيل بالمناط المذكور. و أما المطلق المستهلك فيه فالمرجع فيه دليل اعتصامه كراً كان أو جاريا، أو ماء بئر، بناء على اعتصامه. و يعضده بعض النصوص الواردة في طهارة الماء الذي وقع فيه بول أو دم أو خمر أو نحوها «1» بعد حملها على المعتصم.

و لو انقلب المضاف مطلقا. بقي على نجاسته، للاستصحاب، إذ لا دليل على مطهرية الانقلاب كلية. و حينئذ يطهر بكل ما يطهر القليل النجس الآتي بيانه [1] إن شاء اللّه.

و عن العلامة- رحمه اللّه- القول بطهر المضاف بمجرد الاتصال بالكثير لكن لا دليل عليه. و‌

قول علي (ع): «الماء يطهر و لا يطهر» «2»

لا عموم له لكل متنجس، كما أشرنا إليه آنفاً. مع أن العموم غير كاف في ذلك، إذ لا إطلاق له في كيفية التطهير، و ليس بناء العرف على كفاية مجرد الاتصال في مثل ذلك.

و أما ما عن الشيخ (ره) من اعتبار عدم تغير المطلق المستهلك فيه المضاف بصفات المضاف، و مع التغير يتنجس المطلق. فغير ظاهر، إلا بناء على نجاسة المطلق المتغير بصفات المتنجس الملاقي له، و سيأتي الكلام فيه.

______________________________
[1] راجع المسألة: 2 و ما بعدها من مسائل الفصل المتعرض فيه لماء البئر.

______________________________
(1) الوسائل باب: 3 من أبواب الماء المطلق حديث: 3، 7 و باب: 5 حديث: 6، و باب: 9 حديث: 14.

(2) الوسائل باب: 1 من أبواب الماء المطلق حديث: 7.

117
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 7): إذا القي المضاف النجس في الكر، فخرج عن الإطلاق إلى الإضافة، تنجس إن صار مضافا قبل الاستهلاك ؛ ج‌1، ص : 118

[ (مسألة 7): إذا القي المضاف النجس في الكر، فخرج عن الإطلاق إلى الإضافة، تنجس إن صار مضافا قبل الاستهلاك.]

(مسألة 7): إذا القي المضاف النجس في الكر، فخرج عن الإطلاق إلى الإضافة، تنجس إن صار مضافا قبل الاستهلاك. و ان حصل الاستهلاك و الإضافة دفعة لا يخلو الحكم بعدم تنجسه عن وجه (1) لكنه مشكل.

[ (مسألة 8): إذا انحصر الماء في مضاف مخلوط بالطين]

(مسألة 8): إذا انحصر الماء في مضاف مخلوط بالطين، ففي سعة الوقت يجب عليه أن يصبر حتى يصفو و يصير الطين إلى الأسفل، ثمَّ يتوضأ على الأحوط (2). و في ضيق الوقت يتيمم، لصدق الوجدان مع السعة دون الضيق.

إذ في حال وجود المضاف كان المطلق الملاقي له معتصما، و بعد انقلاب المطلق مضافاً لا مضاف نجس كي ينجس بملاقاته. نعم قد تشكل صحة الفرض: بأن الاستهلاك يلازم صدق المطلق على الجميع، فكيف يكون الماء حينئذ مضافاً، و الإضافة و الإطلاق ضدان يمتنع اجتماعهما في محل واحد؟! و فيه: ما عرفت من أن الاستهلاك عبارة أخرى عن ذهاب الموضوع بنحو يمتنع أن يجري استصحاب نجاسته، و لا ملازمة عقلا بين ذلك و بين صدق الماء المطلق على المستهلك فيه كي يلزم اجتماع الضدين.

نعم في الغالب يكون انقلاب المطلق إلى المضاف ناشئاً من غلبة المضاف النجس عليه بنحو يمتنع صدق استهلاكه مع غلبته على المطلق. و لكن هذا المقدار لا يوجب امتناع الفرض.

بل الأقوى، بناء على أن المصحح للتيمم و المسقط لوجوب الطهارة المائية عدم القدرة عليها، لا مجرد عدم وجود الماء، كما سيأتي [1] إن شاء اللّه.

______________________________
[1] يأتي توضيح ان المراد عدم القدرة على المأمور به حتى في آخر الوقت (منه قدس سره)

118
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 9): الماء المطلق بأقسامه - حتى الجاري منه ينجس إذا تغير ؛ ج‌1، ص : 119

[ (مسألة 9): الماء المطلق بأقسامه- حتى الجاري منه ينجس إذا تغير]

(مسألة 9): الماء المطلق بأقسامه- حتى الجاري منه- ينجس إذا تغير بالنجاسة في أحد أوصافه الثلاثة من الطعم، و الرائحة، و اللون (1). بشرط أن يكون بملاقاة النجاسة، فلا يتنجس إذا كان بالمجاورة (2)، كما إذا وقعت ميتة قريباً من الماء فصار جائفا. و أن يكون التغير بأوصاف النجاسة (3) إجماعا محصلا و منقولا كاد يكون متواتراً، كما في الجواهر.

و يدل عليه الاخبار الكثيرة منها النبوي المتفق على روايته- كما عن السرائر- المتواتر عن الصادق (ع) عن آبائه- كما عن ابن أبي عقيل- الذي عمل به الأمة و قبلوه- كما‌

عن الذخيرة-: «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء، إلا ما غير لونه، أو طعمه، أو ريحه» «1»

و نحوه غيره [1].

و لا يقدح عدم ذكر اللون في جملة منها، فقد ذكر في بعضها الآخر، كمعتبر شهاب، و‌

فيه: «قلت: و ما التغير؟ قال: الصفرة» «2»

و‌

معتبر العلاء بن الفضيل: «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الحياض يبال فيها.

قال (ع): لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول» «3»

و قريب منهما غيرهما.

لعله لا خلاف فيه بل مجمع عليه، كذا في الجواهر. لأنه خارج عن مورد أكثر النصوص و منصرف الباقي.

سيأتي بيان المراد منه في المسألة الحادية عشرة.

______________________________
[1] الوسائل باب: 3 من أبواب الماء المطلق ففيها جملة أحاديث، و يوجد بعض الأحاديث في أبواب أخر متفرقة.

______________________________
(1) الوسائل باب: 1 من أبواب الماء المطلق حديث: 9.

(2) الوسائل باب: 9 من أبواب الماء المطلق حديث: 11.

(3) الوسائل باب: 3 من أبواب الماء المطلق حديث: 7.

119
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 9): الماء المطلق بأقسامه - حتى الجاري منه ينجس إذا تغير ؛ ج‌1، ص : 119

دون أوصاف المتنجس (1). فلو وقع فيه دبس نجس فصار أحمر، أو أصفر لا ينجس إلا إذا صيره (2) مضافا. نعم لا يعتبر أن يكون بوقوع عين النجس فيه (3)، بل لو وقع فيه متنجس حامل لأوصاف النجس فغيره بوصف النجس كما صرح به جماعة كثيرة، بل في الجواهر: «يمكن استنباط الإجماع عند التأمل عليه». إذ مورد أكثر النصوص نجس العين كالميتة، و الدم، و البول. و أما النبوي و نحوه فهو و ان كان لفظه عاماً للمتنجس، إلا أن منصرفه خصوص وصف نجس العين، إذ هو الذي يساعده الارتكاز العرفي من اختصاص النفرة بذلك لا غير عندهم، للفرق بين ظهور أثر النجس بالذات في الماء، و بين ظهور أثر الطاهر بالذات فيه، و ان كان نجساً بالعرض، فإن الأول يناسب البناء على نجاسة الماء دون الثاني، لأن النفرة الذاتية في الأول تستوجب النفرة عن الأثر، بخلاف الثاني، لعدم النفرة الذاتية فيه، و النفرة العرضية زائلة بزوال موضوعها، لفرض الاستهلاك فتأمل جيداً.

يعنى: مع بقاء الدبس بنحو يصح استصحاب نجاسته. أما لو صيره مضافا بعد الاستهلاك أو مقارنا له فقد تقدم أن للطهارة وجها وجيها.

كما صرح بذلك جماعة. و قد يشكل: بأن المعيار في التنجس ان كان ظهور أثر النجاسة في الماء- و لو لم تكن ملاقاة لها- فاللازم الاكتفاء بذلك و لو مع المجاورة، و ان كان بشرط الملاقاة فالتغير بالمتنجس الحامل لصفات عين النجاسة لا يوجب النجاسة لعدم الملاقاة. نعم إذا كان المتنجس حاملا لاجزاء النجاسة- و لو كانت متفرقة فيه- كانت الملاقاة للنجاسة، لكنه ليس من محل الكلام، أو أنه ليس كذلك دائما.

فإن قلت: المتنجس إذا كان حاملا لأوصاف النجاسة فلا بد أن يكون حاملا لأجزائها لامتناع انتقال العرض من محل الى محل آخر، و حينئذ فالملاقي‌

120
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 9): الماء المطلق بأقسامه - حتى الجاري منه ينجس إذا تغير ؛ ج‌1، ص : 119

تنجس أيضاً. و أن يكون التغير حسياً (1)، فالتقديري لا يضر، له ملاق لعين النجاسة حقيقة (قلت): هذا المقدار غير كاف في التنجس لأن‌

قوله (ص): «لا ينجسه شي‌ء إلا ما غير ..».

قد عرفت أنه منصرف الى المتغير بملاقاة النجاسة عرفا، و هو غير حاصل في جميع أفراد المتغير بالمتنجس و ان كان حاصلا عقلا.

اللهم إلا أن يبنى على عموم الموصول في النبوي و نحوه للنجس و المتنجس و على انصرافه الى خصوص صورة الملاقاة و كون التغير بوصف النجس ذاتاً لمساعدة الارتكاز العرفي عليه، كما أشرنا الى ذلك آنفا. و يؤيده أن الغالب في التغير بالجيفة و نحوها سراية التغير مما حولها الى ما يتصل به و هكذا.

و من هذا يظهر الاشكال فيما في الجواهر من اختصاص الحكم بالنجاسة بصورة استناد التغير إلى النجاسة التي تغير بها المتنجس دون غيرها من الصور و ان كان التغير بصفة النجاسة. فإنه مبني على اختصاص الموصول في النبوي و نحوه بالنجس دون المتنجس، و لكنه خلاف الإطلاق. فلاحظ.

و قد يقرر الوجه في النجاسة: بأن المتغير بعين النجاسة إذا امتزج بالكثير فغيره، فاما أن يطهر المتنجس، و هو خلاف النص و الإجماع على اعتبار زوال التغير في طهارة المتغير، أو يبقى كل على حكمه، و هو خلاف الإجماع على اتحاد الماء الواحد في الحكم، أو ينجس الطاهر، و هو المطلوب و يتم الحكم في غير الممتزج بالإجماع على عدم الفصل.

المراد بالحسي (تارة): ما يقابل الواقعي الذي لا يدركه الحس (و أخرى): الفعلي ما يقابل التقديري. و اعتبار الحسي بالمعنى الأول مقتضى النصوص الدالة على الطهارة بملاقاة البول و الدم و غيرهما إذا لم يتغير الماء، فإنه لا بد من وجود التغير واقعاً لاختلاف اللونين. و أما اعتباره بالمعنى الثاني فهو المشهور بل لم ينسب الخلاف فيه إلا الى العلامة في القواعد و غيرها‌

121
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 9): الماء المطلق بأقسامه - حتى الجاري منه ينجس إذا تغير ؛ ج‌1، ص : 119

فلو كان لون الماء أحمر أو أصفر، فوقع فيه مقدار من الدم كان يغيره لو لم يكن كذلك لم ينجس، و كذا إذا صب فيه بول كثير لا لون له بحيث لو كان له لون غيره، و كذا لو كان و بعض من تأخر عنه. و يشكل: بأن التغير كغيره من العناوين المذكورة في القضايا الشرعية ظاهر في الوجود الفعلي، و لا سيما بملاحظة الارتكاز العرفي فلا يشمل التقدير الفرضي.

و دعوى: كون التغير ملحوظا طريقاً الى كم النجاسة، لا موضوعا ليدور الحكم مداره. مندفعة أولا: بأنه خلاف الظاهر، كما عرفت. و ثانياً: بأن لازمه عدم نجاسة المتغير إذا كان كم النجاسة قليلا و وصفها شديداً. و ثالثا:

بأن تحديد الكم المقتضي للتغير مجهول لا طريق إلى معرفته، و لازمه أنه مع الشك يرجع الى استصحاب الطهارة و لو مع العلم بالتغير. اللهم إلا أن يدعى ان التغير طريق شرعي إلى حصول الكم المنجس، فتكون النصوص المتضمنة للنجاسة مع التغير واردة في مقام جعل الحكم الظاهري لا الواقعي و لكنه كما ترى.

و عن البيان و جامع المقاصد الاكتفاء بالتقدير فيما لو كان عدم ظهور أثر النجاسة لوجود وصف في الماء، معللا: بأن التغير فيه حقيقي مستور، و وافقهما عليه جماعة من الأساطين، بل في الحدائق: نسبه الى قطع المتأخرين من دون خلاف ظاهر معروف. و فيه ما لا يخفى، لامتناع اجتماع المثلين كالضدين، فاذا كان الماء متلوناً بمثل لون النجاسة كيف يتلون بلونها؟

و أشكل من ذلك ما عن المحقق الخونساري من التفصيل في اعتبار التقدير بين الصفات العارضية، كما في المصبوغ بطاهر أحمر، فيعتبر فيه التقدير، و بين الصفات الأصلية، كما في المياه الكبريتية، فلا يعتبر فيه التقدير. فإنه بلا فاصل ظاهر.

122
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 10): لو تغير الماء بما عدا الأوصاف المذكورة ؛ ج‌1، ص : 123

جائفاً فوقع فيه ميتة كانت تغيره لو لم يكن جائفا، و هكذا.

ففي هذه الصور ما لم يخرج عن صدق الإطلاق (1) محكوم بالطهارة، على الأقوى.

[ (مسألة 10): لو تغير الماء بما عدا الأوصاف المذكورة]

(مسألة 10): لو تغير الماء بما عدا الأوصاف المذكورة من أوصاف النجاسة، مثل الحرارة و البرودة، و الرقة و الغلظة، و الخفة و الثقل، لم ينجس ما لم يصر مضافا (2).

[ (مسألة 11): لا يعتبر في تنجسه أن يكون التغير بوصف النجس بعينه]

(مسألة 11): لا يعتبر في تنجسه أن يكون التغير بوصف النجس (3) بعينه، فلو حدث فيه لون أو طعم أو ريح غير ما بالجنس- كما لو اصفر الماء مثلا بوقوع الدم- تنجس. و كذا لو حدث فيه بوقوع البول أو العذرة رائحة أخرى غير رائحتهما. فالمناط تغير أحد الأوصاف المذكورة بسبب النجاسة و ان كان من غير سنخ وصف النجس (4).

يعني: مع عدم استهلاك النجاسة، أما لو كان الخروج عن ذلك بعد الاستهلاك فالحكم الطهارة أيضا.

إجماعا محكياً عن غير واحد. و يقتضيه الحصر المستفاد من النبوي و غيره يعني: قبل الملاقاة.

محتملات التغير بدواً أربعة: (الأول): التغير بمثل وصف النجاسة (الثاني): التغير بسنخ وصفها قبل الملاقاة، مثل التغير بالصفرة من وقوع الدم الأحمر. (الثالث): التغير بوصف النجاسة في الجملة و لو كان وصفا لها بعد ملاقاة الماء، نظير الحناء التي وصفها الخضرة، فاذا لاقت الماء صار وصفها الحمرة، و الزاج الذي وصفه البياض، فاذا لاقى الماء الذي فيه شي‌ء من الدباغ صار وصفه السواد. (الرابع): التغير‌

123
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 12): لا فرق بين زوال الوصف الأصلي للماء أو العرضي ؛ ج‌1، ص : 124

[ (مسألة 12): لا فرق بين زوال الوصف الأصلي للماء أو العرضي]

(مسألة 12): لا فرق بين زوال الوصف الأصلي للماء أو العرضي، فلو كان الماء أحمر أو أسود لعارض، فوقع فيه البول حتى صار أبيض، تنجس. و كذا إذا زال طعمه مطلقاً و لو بوصف أجنبي عن وصف النجاسة مطلقا أو بزوال وصفه.

هذا و قد يظهر من الجواهر أحد الأولين، للتبادر، أو لأنه المتيقن و يرجع في غيره الى استصحاب الطهارة. كما أن مقتضى الإطلاق في النبوي و غيره الأخير. اللهم إلا أن يناقش في الإطلاق: بأن الارتكاز العرفي يساعد على اعتبار ظهور وصف النجاسة في الماء، لاختصاص الاستقذار العرفي بذلك و طروء وصف أجنبي أو زوال وصف الماء لا يوجب النفرة. و يعضده ظهور جملة من النصوص في ذلك،

ففي صحيح شهاب الوارد في الجيفة تكون في الغدير قال (ع): «إلا أن يغلب الماء الريح فينتن

.. (إلى أن قال):

قلت: فما التغير؟ قال (ع): الصفرة» «1».

و‌

في موثق سماعة: «إذا كان النتن الغالب على الماء فلا يتوضأ و لا يشرب» «2».

و‌

في خبر العلاء:

«لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول» «3».

و‌

في صحيح ابن بزيع:

«حتى يذهب الريح و يطيب طعمه» «4».

فان ظاهر الجميع اعتبار التغير بوصف النجاسة في الجملة و لو كان ثبوته لها في حال الملاقاة للماء، كما عرفت في الاحتمال الثالث. و على هذا يكون هو المتعين. و من ذلك يظهر الاشكال فيما ذكره المصنف- رحمه اللّه- في المسألة اللاحقة بقوله. «لا فرق بين». فلاحظ و تأمل.

______________________________
(1) الوسائل باب: 9 من أبواب الماء المطلق حديث: 11.

(2) الوسائل باب: 3 من أبواب الماء المطلق حديث: 6.

(3) الوسائل باب: 3 من أبواب الماء المطلق حديث: 7.

(4) الوسائل باب: 3 من أبواب الماء المطلق حديث: 12.

124
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 13): لو تغير طرف من الحوض مثلا - تنجس ؛ ج‌1، ص : 125

العرضي، أو ريحه العرضي.

[ (مسألة 13): لو تغير طرف من الحوض مثلا- تنجس]

(مسألة 13): لو تغير طرف من الحوض- مثلا- تنجس، فان كان الباقي أقل من الكر تنجس الجميع (1)، و ان كان بقدر الكر بقي على الطهارة و إذا زال تغير ذلك البعض طهر الجميع و لو لم يحصل الامتزاج، على الأقوى (2) لانفعال الباقي بملاقاة المتغير.

كما نسب إلى الأكثر، و عن المحقق و الشهيد الثانيين و أكثر من تأخر عنهما التصريح به. بل قيل: «لم يعرف القول بالامتزاج من قبل المحقق في المعتبر». و ان كان ذلك لا يخلو عن نظر.

لصحيح ابن بزيع عن الرضا (ع): «ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء، إلا أن يتغير ريحه أو طعمه، فينزح حتى يذهب الريح و يطيب طعمه، لأن له مادة» «1»

و محصل ما ينبغي أن يقال في تقريب الاستدلال: أن قوله (ع):

«واسع»

و ان كان يحتمل أن يراد منه الكثير، لكن لما كان ذلك أمراً خارجياً عرفياً كان خلاف ظاهر البيان الوارد من الشارع. فيتعين أن يكون المراد منه أنه واسع الحكم. و لا سيما بملاحظة عدم المناسبة في التعبير عن الكثرة بالسعة و عليه فيكون قوله (ع):

«لا يفسده شي‌ء»

. من قبيل التفصيل بعد الاجمال، فترجع الجملتان الى مضمون واحد، و رجوع التعليل اليه محتمل و أما الاستثناء فلا معنى لرجوع التعليل اليه. أما قوله:

«فينزح»

فرجوع التعليل اليه و ان كان ممكنا عقلا إلا أنه بعيد جداً، لخلوه عن المناسبة العرفية و أما قوله (ع):

«حتى يذهب الريح ..»

. فلما كان المستفاد منه أمرين أحدهما عرفي خارجي، و هو ترتب ذهاب الريح و طيب الطعم على النزح و الثاني حصول الطهارة بذلك، كما هو مفاد حرف الانتهاء، لم يكن مانع‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 3 من أبواب الماء المطلق حديث: 12.

125
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 13): لو تغير طرف من الحوض مثلا - تنجس ؛ ج‌1، ص : 125

.....

عقلي من رجوعه الى كل منهما.

لكن رجوعه إلى الأول يبعده أمور: (الأول): أنه أمر عرفي واضح التحقق، فيكون تعليله في لسان الشارع تعليلا على خلاف وظيفته و بيانا للواضح، (الثاني): أن ذهاب الريح لا يترتب على مجرد وجود المادة، و انما يترتب على ذلك منضما الى تزايد الماء النقي، و نقص المتغير و غلبة الأول على الثاني، فلو رجع التعليل اليه لزم الاقتصار على بعض العلة في التعليل و هو خلاف الظاهر. (الثالث): أن المفاد المذكور ليس مدلولا عليه بالكلام و لا مما سيق لأجله، و انما هو متصيد. و هذا بخلاف المفاد الثاني كما لا يخفى.

و من ذلك يظهر لك الاشكال فيما عن الشيخ البهائي (ره) في الحبل المتين من إجمال التعليل، لاحتمال رجوعه الى ترتب ذهاب الريح و طيب الطعم على النزح، نظير قولك: لازم غريمك حتى يوفيك حقك فإنه يكره ملازمتك.

و على ما ذكرنا فالمتعين إرجاع التعليل إما الى المفاد الثاني للفقرة الأخيرة وحده، أو مع الفقرة الأولى فيكون تعليلا لمجموع المفادين. و الأول متيقن و الأظهر الأخير. و احتمال إرجاعه إلى الفقرة الأولى فقط- فيكون تعليلا للدفع فقط- بعيد، لان الكلام السابق عليه مشتمل على الدفع و الرفع معا و كون الرفع أقرب إليه، فيكون تعليل الدفع الذي هو أبعد إيهاما لخلاف المقصود، فهو خلاف الظاهر. بل عرفت أن رجوعه الى الرفع الذي هو أقرب متيقن، و رجوعه اليه و الى الدفع الأبعد أظهر، لأن تخصيصه بأحدهما دون الآخر مع احتياج كل منهما اليه بلا مخصص، فهو خلاف الظاهر.

و كون الثاني من متعلقات الأول- لو تمَّ- فأولى أن يقتضي الرجوع إليهما معا لا إلى أحدهما وحده. على أن تعلق الثاني بالأول من جهة عطفه عليه‌

126
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 14): إذا وقع النجس في الماء فلم يتغير ؛ ج‌1، ص : 127

[ (مسألة 14): إذا وقع النجس في الماء فلم يتغير]

(مسألة 14): إذا وقع النجس في الماء فلم يتغير، بالفاء، و التعلق بالعطف لا يمنع من كون الثاني متيقناً في مرجعية التعليل.

ثمَّ إن مقتضى ظهور التعليل في العموم للمورد و غيره عدم الفرق بين ماء البئر و غيره، فيشمل المقام و ان لم يصدق عرفا على مقدار الكر أنه مادة، لأن الارتكاز العرفي يقتضي كون المراد من المادة مطلق المعتصم و ان لم يسم بالمادة. و لو بني على الاقتصار في التعليل على خصوص ما يسمى بالمادة كان تعليلا تعبديا، و هو خلاف الظاهر.

فان قلت: مورد التعليل صورة امتزاج ما في المادة بالماء المتغير على نحو يزول تغيره بتوسط النزح، لأن الحكم المعلل مطهرية زوال التغير بتوسط النزح، و هو إنما يكون مع الامتزاج لا بدونه، فكيف يستفاد من التعليل مطهرية الاتصال مطلقاً؟! قلت: خصوصية النزح ليست معتبرة. أولا: للإجماع على كفاية الامتزاج و لو لم يكن نزح. و ثانياً: لأجل أن البناء على اعتبارها تعبداً يوجب حمل التعليل على التعبدي لعدم دخل النزح في الطهارة في مرتكز العرف، و انما الدخيل مجرد زوال التغير بأي سبب كان، فإذا بني لذلك على إلغاء خصوصية النزح كان المدار على مجرد زوال التغير. و أما الامتزاج و غيره من الخصوصيات الموجودة في ماء البئر عند ذهاب تغيره فالغاؤها لازم، للاقتصار في التعليل على ذكر المادة فلو كانت خصوصية غيرها دخيلة في الطهارة عند زوال الريح كان اللازم ذكرها، فعدم التعرض لذلك دليل على عدم اعتباره.

و المتحصل مما ذكرنا: أن ظاهر الصحيح الشريف رجوع التعليل الى الدفع و الرفع معا، فكما أن الاتصال بالمادة موجب لاعتصام الماء حدوثاً كذلك يوجب ارتفاع النجاسة عند زوال التغير الموجب للنجاسة.

127
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 15): إذا وقعت الميتة خارج الماء و وقع جزء منها في الماء ؛ ج‌1، ص : 128

ثمَّ تغير بعد مدة، فإن علم استناده الى ذلك النجس تنجس، و إلا فلا (1).

[ (مسألة 15): إذا وقعت الميتة خارج الماء و وقع جزء منها في الماء]

(مسألة 15): إذا وقعت الميتة خارج الماء و وقع جزء منها في الماء (2) و تغير بسبب المجموع من الداخل و الخارج، تنجس (3)، بخلاف ما إذا كان تمامها خارج الماء.

[ (مسألة 16): إذا شك في التغير و عدمه]

(مسألة 16): إذا شك في التغير و عدمه، أو في كونه للمجاورة أو بالملاقاة، أو كونه بالنجاسة أو بطاهر، لم يحكم بالنجاسة (4).

[ (مسألة 17): إذا وقع في الماء دم و شي‌ء طاهر أحمر فاحمر بالمجموع لم يحكم بنجاسته]

(مسألة 17): إذا وقع في الماء دم و شي‌ء طاهر أحمر فاحمر بالمجموع لم يحكم بنجاسته (5).

للأصل.

يعني: بعضها في الماء و بعضها في الأرض.

كما استظهره شيخنا الأعظم (ره) «1» لإطلاق النصوص، مع أن الغالب الجيفة التي تكون في الماء بروز بعضها. و التفكيك بينه و بين فرض المسألة في الحكم بعيد عن المرتكز العرفي، و البناء على الطهارة فيهما معا في صورة الاستناد الى الداخل و الخارج كما ترى. بل من المحتمل شمول الإطلاقات لصورة الاستناد إلى ما هو خارج فقط بلا مشاركة ما هو في الماء نعم لو كانت الجيفة في الخارج و بعضها اليسير في الماء كطرف رجلها و ذنبها و نحوهما لم تبعد دعوى الانصراف عن مثله.

لأصالة عدم التغير، و عدم الملاقاة، و عدم التغير بالنجس.

بل ينبغي الحكم بها لو كان بعض مراتب الحمرة مستنداً الى الدم‌

______________________________
(1) المحقق الشيخ الأنصاري.

128
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 18): الماء المتغير إذا زال تغيره بنفسه من غير اتصاله بالكر أو الجاري لم يطهر ؛ ج‌1، ص : 129

[ (مسألة 18): الماء المتغير إذا زال تغيره بنفسه من غير اتصاله بالكر أو الجاري لم يطهر]

(مسألة 18): الماء المتغير إذا زال تغيره بنفسه من غير اتصاله بالكر أو الجاري لم يطهر (1). نعم الجاري و النابع و بعضها مستندا إلى الأحمر، لتحقق التغير بالنجاسة عرفا على سبيل الاستقلال نعم لو كان التغير بمرتبة ضعيفة، بحيث كان أثر الدم استقلالا غير محسوس لم يبعد ما في المتن، لظهور الأدلة في الاستناد الاستقلالي.

إجماعا في القليل- كما قيل- و على المشهور في الكثير. و عن يحيى بن سعيد: القول بالطهارة فيه. لأصالة الطهارة. و للنصوص الدالة على إناطة النجاسة بالتغير وجودا و عدما. و‌

للخبر: «إذا بلغ الماء قدر كر لم يحمل خبثا» «1».

و‌

لقول الرضا (ع) في صحيح ابن بزيع المتقدم:

«حتى يذهب الريح و يطيب طعمه» «2»

بناء على كون‌

(حتى)

تعليلية مع رجوع التعليل الى الأمر العرفي كما سبق احتماله في الحبل المتين.

و فيه: أن أصل الطهارة محكوم باستصحاب النجاسة. و الاشكال على الاستصحاب: بأن موضوع اليقين فيه المتغير و موضوع الشك غير المتغير، فيتعدد فيه الموضوع، و مع تعدد الموضوع لا يجري الاستصحاب. مندفع:

بأن التغير و عدمه من قبيل الأحوال، التي لا يوجب اختلافها تعدداً في الموضوع عرفا، كما حقق في محله.

و أما النصوص: فظاهرها إناطة النجاسة حدوثاً بالتغير و عدمه، لا ما يعم الحدوث و البقاء، كي تصلح حجة في المقام.

و أما الخبر: فسيأتي- إن شاء اللّه تعالى- في حكم المتمم كراً الاشكال فيه، لضعف سنده، و هجره عند المشهور، و معارضته بما دل على انفعال‌

______________________________
(1) السرائر صفحة: 8.

(2) الوسائل باب: 3 من أبواب الماء المطلق حديث: 12.

129
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 18): الماء المتغير إذا زال تغيره بنفسه من غير اتصاله بالكر أو الجاري لم يطهر ؛ ج‌1، ص : 129

إذا زال تغيره بنفسه طهر، لاتصاله بالمادة. و كذا البعض من الحوض إذا كان الباقي بقدر الكر كما مر (1).

الماء القليل [1]. نعم لو جاز العمل به هناك تعين العمل به هنا، لأن خروج الماء عنه حال التغير إنما يقتضي تقييد إطلاقه الاحوالي، لا تخصيص عمومه الأفرادي، فإذا وجب الخروج عنه في حال تعين الرجوع إليه في غيره من الأحوال، لوجوب الرجوع إلى المطلق مع الشك في التقييد، فاذا شك في طهارته في حال زوال التغير كان إطلاقه الدال على الطهارة مرجعاً رافعا للشك، فلا مجال لاستصحاب النجاسة.

و أما صحيح ابن بزيع: فكون‌

(حتى)

فيه تعليلية غير ظاهر، و انما تتعين (حتى) لذلك إذا لم يمكن استمرار ما قبلها بدون ما بعدها، مثل:

أسلم حتى تسلم، أما إذا أمكن استمراره كذلك فهي فيه للغاية. نعم ربما يكون مدخولها علة غائية و ربما لا يكون، و الحمل على واحد منهما بعينه يحتاج إلى قرينة، و هي مفقودة في المقام. و قد عرفت ضعف احتمال رجوع التعليل إلى الأمر العرفي.

و مر وجهه في شرح المسألة الثالثة عشرة.

______________________________
[1] يأتي منه- قدس سره- في المسألة الرابعة عشرة من فصل الماء الراكد الاشكال بذلك تبعا لما هو المشهور بين الفقهاء. لكنه- قدس سره- دفع المعارضة و استشكل في الخبر يضعف الدلالة. فراجع.

130
مستمسک العروة الوثقی1

فصل في حكم الماء الجاري ؛ ج‌1، ص : 131

[فصل في حكم الماء الجاري]

فصل الماء الجاري- و هو النابع (1) السائل على وجه الأرض (2) فوقها أو تحتها، كالقنوات- لا ينجس بملاقاة النجس ما لم يتغير، سواء كان كراً أو أقل (3).

فصل في حكم الماء الجاري بلا خلاف فيه، كما عن جماعة. و في جامع المقاصد: إن الجاري لا عن نبع من أقسام الراكد، يعتبر فيه الكرية اتفاقا ممن عدا ابن أبي عقيل انتهى. و يساعده المتفاهم العرفي، فإن الاستعداد للجريان مقوم لمفهوم الجاري و ما لا يكون له نبع فاقد لذلك الاستعداد. نعم الجاري لغة أعم من ذلك.

كما نص عليه جماعة. لكن في المسالك: أنه النابع غير البئر سواء جرى أم لا. انتهى. فإن أراد أنه كذلك لغة أو عرفا فممنوع. و ان أراد أنه كذلك اصطلاحا فغير ظاهر، لما عرفت من تصريح جمع بخلافه.

أما نجاسته مع التغير فمتفق عليها نصاً و فتوى. و أما عدم نجاسته بالملاقاة- و ان كان قليلا- فظاهر محكي عبارات جماعة انه إجماعي، بل عن حواشي التحرير نقل الإجماع عليه صريحاً، و في الجواهر: «يمكن للمتروي في كلمات الأصحاب تحصيل الإجماع على عدم اشتراط الكرية».

و يشهد له التعليل في صحيح ابن بزيع المتقدم «1»، على ما عرفت‌

______________________________
(1) راجع المسألة: 13 من الفصل الأول في المياه.

131
مستمسک العروة الوثقی1

فصل في حكم الماء الجاري ؛ ج‌1، ص : 131

.....

من عمومه للمقام. و‌

صحيح داود بن سرحان: «قلت لأبي عبد اللّه (ع):

ما تقول في ماء الحمام؟ قال (ع): بمنزلة الماء الجاري» «1».

لكن يشكل بإجمال الحكم الملحوظ في التنزيل، إذ يحتمل أن لا يكون هو الاعتصام و لا قرينة في الكلام على تعيينه.

و أما الإشكال: بأنه على خلاف المطلوب أدل، بناء على اشتراط بلوغ المادة و لو مع ما في الحياض كراً، لأن مقتضى التنزيل مساواة الشيئين في الحكم. (فيدفعه): أن التنزيل إنما يقتضي ثبوت حكم ذي المنزلة لما جعل بمنزلته، أعني: حكم الجاري لماء الحمام، لا حكم ماء الحمام للجاري و لو سلم فغاية ما يقتضي ذلك اعتبار الكرية في مادة الجاري- و لو بضميمة الخارج عنها- و لا مضايقة في ذلك. لكن حينئذ يدل على عدم اعتبار الكرية في الماء الجاري، كما ذهب إليه العلامة (ره) و من تبعه.

نعم من هنا يظهر أنه لو فرض ظهور الرواية في كون التنزيل بلحاظ الاعتصام لا حكم آخر مجهول فلا يظهر منها التنزيل في الاعتصام مطلقاً، بل من الجائز أن يكون التنزيل بلحاظ الاعتصام في حال كون المادة كراً، و عدمه عند كونها دون الكر، فاعتصام الجاري مطلقاً مما لا يمكن إثباته من الرواية بوجه.

نعم لا يتوجه هذا الاشكال على رواية ابن أبي يعفور «2» المتضمنة أن ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضاً، للتصريح فيها بكون الاعتصام هو الملحوظ في التنزيل. كما لا يتوجه عليها الاشكال بمنع عموم النهر للقليل إذ هو خلاف الإطلاق. كالإشكال بمنع اختصاص النهر بما له نبع، إذ هو لا يقدح في الاستدلال بها على حكم ذي النبع.

______________________________
(1) الوسائل باب: 7 من أبواب الماء المطلق حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 7 من أبواب الماء المطلق حديث: 7.

132
مستمسک العروة الوثقی1

فصل في حكم الماء الجاري ؛ ج‌1، ص : 131

.....

نعم تشكل هذه الرواية: بأن ظاهر‌

قوله (ع): «يطهر بعضه بعضاً»

أن الاعتصام يكون لماء النهر بنفسه، لا بالمادة، و حيث عرفت الاتفاق على أن ما لا مادة له بحكم المحقون يتعين له حمل الرواية على النهر المشتمل على الكر و تكون أجنبية عما نحن فيه (و دعوى): أن حملها على الكر يستوجب إلغاء خصوصية النهرية. (يدفعها): أن ارتكاب ذلك أولى من التصرف في ظاهر قوله (ع):

«يطهر ..»

بحمله على التطهير بالمادة.

و أما الإشكال عليها: بأن مقتضى المماثلة المساواة من الطرفين ..

إلى آخر ما تقدم في صحيح ابن سرحان. فقد عرفت ما فيه، و أنه لا مضايقة في الالتزام باعتبار الكرية في المادة في الجاري و غيره و لو بضميمة ما في الحياض.

بل لا يبعد اعتبار الكرية فيها مستقلة- و إن قيل: انه لا قائل به ظاهراً- لانصراف إطلاق المادة في التعليل إلى ما كانت كراً، بقرينة الارتكاز العرفي المتعين حمل التعليل عليه، فان البناء على الأخذ بالإطلاق يوجب كون التعليل تعبدياً، إذ لا ارتكاز عرفي يساعد على كون المادة مطلقا عاصمة لغيرها. فلاحظ.

ثمَّ إن اعتبار الكرية في المادة مستقلة، أو بضميمة ما في الحياض، أجنبي عن مذهب العلامة (ره)، فدعوى: أنه عين مذهب العلامة في الجاري غير ظاهرة. و من ذلك تعرف وجوه النظر في كلمات شيخنا الأعظم (ره) في طهارته. فراجع.

و أما‌

صحيحة ابن مسلم في الثوب يصيبه البول: «فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة» «1»

فالاستدلال بها يتوقف إما على اعتبار التعدد في غير المعتصم، أو على اعتبار ورود الماء في غير المعتصم مع ظهورها في ورود النجاسة على الماء، و كلا المبنيين غير ظاهر. نعم ورد في البول وجوب‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 2 من أبواب النجاسات حديث: 1.

133
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 1): الجاري على الأرض من غير مادة نابعة أو راشحة إذا لم يكن كرا ينجس بالملاقاة ؛ ج‌1، ص : 134

و سواء كان بالفوران أو بنحو الرشح (1). و مثله كل نابع و ان كان واقفا (2).

[ (مسألة 1): الجاري على الأرض من غير مادة نابعة أو راشحة إذا لم يكن كراً ينجس بالملاقاة]

(مسألة 1): الجاري على الأرض من غير مادة نابعة التعدد. لكن لا مانع من تخصيصه بغير الجاري، عملا بالصحيح المذكور.

و من هذا كله يظهر لك: أن العمدة في اعتصام الجاري- و ان كان قليلا- عموم التعليل في صحيح ابن بزيع و كفى به حجة على ذلك.

و به يظهر ضعف ما ذهب إليه العلامة (ره) في أكثر كتبه- و تبعه عليه الشهيد الثاني (ره) في المسالك، و الروض، و الروضة- من اعتبار الكرية فيه تمسكا بعموم ما دل على انفعال القليل، إذ هو مخصص بالتعليل المذكور حتما، لأن ظهور التعليل في العموم أقوى من ظهور ذلك الدليل فيه. و لو سلم التساوي فلأجل أن بينهما عموما من وجه، يتعين الرجوع الى عموم النبوي الدال على اعتصام الماء مطلقا و لو كان قليلا ما لم يتغير، أو الى أصالة الطهارة.

لإطلاق المادة. و في الحدائق عن والده (ره): عدم تطهير الآبار التي في بعض البلدان بالنزح بل بإلقاء كر، لأن ماءها يخرج رشحاً. انتهى و فيه: أن ذلك لا يأبى شمول إطلاق المادة له. نعم بناء على ما عرفت من اتفاقهم على اعتبار النبع في الجاري قد يشكل صدقه إذا كانت المادة راشحة لخروج الرشح عن النبع. لكن الظاهر أن المراد من النبع ما هو أعم من الرشح مقابل ما لا مادة له. و لو سلم ذلك فلا يهم بعد ما عرفت من أن العمدة في دليل حكم الجاري ما دل على عاصمية المادة، و هي أعم من الرشح بل قد قيل: إن الغالب في الآبار الرشح.

لما عرفت من عموم التعليل في صحيح ابن بزيع.

134
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 2): إذا شك في أن له مادة أم لا و كان قليلا، ينجس بالملاقاة ؛ ج‌1، ص : 135

أو راشحة إذا لم يكن كراً ينجس بالملاقاة (1). نعم إذا كان جاريا من الأعلى إلى الأسفل لا ينجس أعلاه بملاقاة الأسفل للنجاسة (2)، و ان كان قليلا.

[ (مسألة 2): إذا شك في أن له مادة أم لا و كان قليلا، ينجس بالملاقاة]

(مسألة 2): إذا شك في أن له مادة أم لا و كان قليلا، ينجس بالملاقاة (3).

لعدم شمول التعليل له. و نصوص الجاري، لو تمت دلالتها على اعتصامه فهي غير واضحة الشمول للفرض، كما عرفت.

كما تقدم في المسألة الأولى من الفصل السابق. نعم لو لم يكن الجريان بقوة و دفع تعين البناء على سراية النجاسة إلى العالي، لموافقته للمرتكز العرفي.

لأن الجمع بين ما دل على انفعال القليل، و ما دل على اعتصام ذي المادة، يقتضي كون موضوع الانفعال القليل الذي ليس له مادة، فاذا أحرزت قلة الماء، و جرت أصالة عدم المادة، فقد أحرز موضوع الانفعال بعضه بالوجدان، و بعضه بالأصل، فيترتب حكمه.

ثمَّ إن الشك في وجود المادة (تارة): يكون في وجودها المقارن لوجود الماء. (و أخرى): في وجودها اللاحق بعد وجود الماء. و في الصورة الثانية: إن علم بانتفائها قبل زمان الشك بني على استصحاب عدمها فيترتب الحكم بلا إشكال. و ان علم بوجودها قبل زمان الشك بني على استصحاب وجودها، و يترتب حكمه و هو الاعتصام بلا إشكال أيضاً.

أما في الصورة الأولى: فأصالة العدم فيها من قبيل استصحاب العدم الأزلي الثابت قبل وجود الموضوع، و هو محل كلام بين الأعلام، و إن كان الأظهر جريانه، لعموم الأدلة بعد اجتماع أركانه من اليقين و الشك (و دعوى): أن العدم الأزلي مغاير للعدم اللاحق للوجود، لكون الأول‌

135
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 2): إذا شك في أن له مادة أم لا و كان قليلا، ينجس بالملاقاة ؛ ج‌1، ص : 135

.....

عدماً لعدم الموضوع، و الثاني عدماً لعدم المقتضي أو لوجود المانع، و ليس عدم الموضوع دخيلا فيه، لفرض وجوده. (مندفعة): بأن هذا الاختلاف لا يستوجب اختلافهما ذاتاً، و انما يستوجب اختلافهما منشأ و علة، و ذلك لا يمنع من إجراء الاستصحاب، و لا يوجب التعدد عرفاً، كما يظهر من ملاحظة النظائر، فإنه يجوز استصحاب ترك الأكل و الشرب للصائم بعد الغروب، مع أن الترك الى الغروب كان بداعي الأمر الشرعي- و هو منتف بعد الغروب- و الترك بعده لا بد أن يكون بداع آخر.

فان قلت: عدم العارض لما كان نقيضاً لوجود العارض، و لا بد من وحدة الرتبة بين النقيضين، و من المعلوم أن وجود العارض متأخر رتبة عن وجود المعروض، فعدم العارض المأخوذ قيداً في الحكم لا بد أن يكون متأخراً رتبة عن وجود الموضوع، و العدم الأزلي ليس كذلك، لأنه سابق على وجود الموضوع.

قلت: السبق الزماني على وجود الموضوع لا ينافي التأخر الرتبي عنه فان وجود المعروض و عدمه نقيضان، و هما في رتبة واحدة، و وجود العارض و عدمه نقيضان و هما في رتبة واحدة أيضاً، فعدم العارض لما كان بمنزلة المعلول لعدم المعروض كان متأخراً عنه رتبة، و هو عين تأخره عن وجود المعروض المتأخر زماناً، لكون وجود المعروض في رتبة عدمه فالمتأخر عن أحدهما متأخر عن الآخر، و تأخر وجود المعروض زماناً لا ينافي ذلك.

و بالجملة: ثبوت شي‌ء لشي‌ء فرع ثبوت المثبت له، و مقتضى الفرعية الانتفاء عند الانتفاء المعبر عنه بالسالبة بانتفاء الموضوع، فاذا وجد زيد بعد العدم صح أن يقال: لم يكن زيد موجوداً- يعني: قبل أن يوجد- كما يصح أن يقال: لم يكن زيد هاشمياً، و بعد ما تبدل الأول بنقيضه و صح أن يقال: وجد زيد، فاذا شك في تبدل الثاني بنقيضه يبنى على بقائه،

136
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 3): يعتبر في عدم تنجس الجاري اتصاله بالمادة ؛ ج‌1، ص : 137

[ (مسألة 3): يعتبر في عدم تنجس الجاري اتصاله بالمادة]

(مسألة 3): يعتبر في عدم تنجس الجاري اتصاله بالمادة (1) فلو كانت المادة من فوق تترشح و تتقاطر، فان كان دون الكر ينجس. نعم إذا لاقى محل الرشح للنجاسة لا ينجس.

فيقال بعد ما وجد زيد: لم يكن هاشمياً. بالاستصحاب، و قد عرفت أن السلب بانتفاء الموضوع عين السلب بانتفاء المحمول لا غيره، فلا مانع من استصحابه عند الشك فيه.

و دعوى: أن التقابل بين عدم المحمول و وجوده المأخوذين في موضوع الحكم الشرعي- مثل القرشية و اللاقرشية- تقابل العدم و الملكة، لا تقابل النقيضين، و عدم العارض عند عدم المعروض يقابل وجود العارض عند وجود المعروض تقابل النقيضين، فلا يكون أحدهما عين الآخر، كي تكون القضية المتيقنة عين القضية المشكوكة كي يصح الاستصحاب. (لا مأخذ) لها ظاهر، فان المذكور في كلامهم أن نقيض الجزاء يثبت مع نقيض الشرط ففي قوله (ع):

«لأن له مادة»

يكون المفهوم: (إذا لم يكن له مادة) الذي هو نقيض: كان له مادة. و كذلك مثل قوله: «إن كانت المرأة قرشية تحيض الى الستين» يكون المفهوم: «إذا لم تكن المرأة قرشية لا تحيض الى الستين»، فشرط المفهوم نقيض شرط المنطوق. (و بالجملة):

الوحدة بين العدمين- عرفاً- لا مجال لإنكارها، و هي كافية في صحة الاستصحاب و من ذلك كله يظهر أن استصحاب العدم الأزلي لإثبات القيد السلبي في محله.

و قد أطال بعض الأعاظم من مشايخنا «1» في تقريب المنع من جريان الأصل المذكور، بترتيب مقدمات غير واضحة في نفسها، و لا في صلاحيتها لنفي الاستصحاب المبني على صدق الشك في البقاء عرفاً و إن لم يصدق عقلا.

هذا مما لا ريب فيه، فإنه منصرف الدليل، لمطابقته للمرتكز العرفي‌

______________________________
(1) الميرزا النائيني (قدس سره).

137
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 4): يعتبر في المادة الدوام ؛ ج‌1، ص : 138

[ (مسألة 4): يعتبر في المادة الدوام]

(مسألة 4): يعتبر في المادة الدوام (1)، فلو اجتمع الماء من المطر أو غيره تحت الأرض و يترشح إذا حفرت لا يلحقه حكم الجاري.

قال الشهيد (ره) في الدروس: «و لا يشترط فيه- أي في الجاري- الكرية على الأصح. نعم يشترط دوام النبع». و ظاهر العبارة غير مراد قطعاً. فيحتمل أن يكون المراد الاحتراز عن العيون التي لا يتصل نبعها لضعف الاستعداد فيه فتنبع آناً و تقف آناً، كما عن المحقق الكركي احتماله. أو الاحتراز به عن العيون التي يقف نبعها لسد المادة. أو الاحتراز عن العيون التي يقف نبعها لوصول الماء الى حد مساو لسطح النبع، فاذا نقص من الماء شي‌ء نبعت حينئذ. أو الاحتراز عن العيون التي تنبع في الشتاء و تجف في الصيف، فلا يدوم في فصول السنة، كما عن كثير احتماله بل عن المحقق الكركي: أن أكثر المتأخرين عن الشهيد- رحمه اللّه- ممن لا تحصيل لهم فهموا هذا المعنى من كلامه. انتهى. و الأظهر منها الأول كما أن الحكم بعدم الاعتصام في الثانية ظاهر، لعدم الاتصال. و في الأخيرتين مشكل، لأنه خلاف الإطلاق. و أما الأولى فإن كان الآن الذي يكون فيه النبع مما يعتد به عرفاً في صدق أن له مادة، كان الماء معتصما في ذلك الآن لا غيره. و إن كان لا يعتد به فلا اعتصام للماء حينئذ دائماً. و أما الدوام في عبارة المتن فالمراد منه غير ظاهر.

نعم في الجواهر: ان الثمد- و هو ما يتحقق تحت الرمل من ماء المطر كما عن الأصمعي و غيره- الأقوى إلحاقه بالمحقون مطلقا، جري أو لم يجر، للاستصحاب مع الظن أو القطع بعدم شمول ذي المادة له، لا أقل من الشك فيبقى على حكم المحقون من القليل أو الكثير. اللهم إلا أن يفرض كونه على وجه يصدق ذو المادة عليه. أو يقال: إنه مطلقا من ذي المادة‌

138
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 5): لو انقطع الاتصال بالمادة ؛ ج‌1، ص : 139

[ (مسألة 5): لو انقطع الاتصال بالمادة]

(مسألة 5): لو انقطع الاتصال بالمادة كما لو اجتمع الطين فمنع من النبع- كان حكمه حكم الراكد (1)، فإن أزيل الطين لحقه حكم الجاري و ان لم يخرج من المادة شي‌ء، فاللازم مجرد الاتصال.

[ (مسألة 6): الراكد المتصل بالجاري كالجاري]

(مسألة 6): الراكد المتصل بالجاري كالجاري (2)، فالحوض المتصل بالنهر بساقية يلحقه حكمه، و كذا أطراف النهر و ان كان ماؤها واقفاً.

أو بحكمه و لو مع الشك، كما ستعرف. انتهى. و أشار بما ذكره أخيراً الى ما ذكره بعد ذلك من أن عموم الأدلة يقتضي اعتصام كل ماء، و الخارج عنه القليل المعلوم عدم المادة له كالحياض و الغدران و نحوهما. انتهى.

و حاصل وجه الإشكال في اعتصام الثمد و نحوه التشكيك في شمول ذي المادة له. لكنه غير ظاهر، لصدق المادة فيه كغيره. و أما ما ذكره أخيراً من وجه الاعتصام، فهو على خلاف إطلاق أدلة انفعال القليل.

و اختصاصه بالمعلوم عدم المادة له غير ظاهر الوجه، بل إطلاقه شامل للمعلوم وجود المادة له. غاية الأمر يجب الخروج عنه بما دل على الاعتصام بالمادة، فإذا شك في صدق المادة بنحو الشبهة الموضوعية يتعين الرجوع الى الأصول، بناء على التحقيق من عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. و كيف كان فالدوام في عبارة المصنف رحمه اللّٰه لا يخلو من إجمال.

لما عرفت من ظهور دليل الاعتصام بالمادة في اعتبار الاتصال بها، فاذا انقطع الاتصال لا يدخل المورد تحت ذلك الدليل، و يتعين الرجوع الى عموم انفعال القليل.

لصدق أن له مادة.

139
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 7): العيون التي تنبع في الشتاء مثلا و تنقطع في الصيف يلحقها الحكم في زمان نبعها ؛ ج‌1، ص : 140

[ (مسألة 7): العيون التي تنبع في الشتاء مثلا و تنقطع في الصيف يلحقها الحكم في زمان نبعها]

(مسألة 7): العيون التي تنبع في الشتاء مثلا- و تنقطع في الصيف يلحقها الحكم في زمان نبعها (1).

[ (مسألة 8): إذا تغير بعض الجاري دون بعضه الآخر]

(مسألة 8): إذا تغير بعض الجاري دون بعضه الآخر فالطرف المتصل بالمادة لا ينجس بالملاقاة (2) و ان كان قليلا (3) و الطرف الآخر حكمه حكم الراكد (4) إن تغير تمام قطر ذلك البعض المتغير، و إلا فالمتنجس هو المقدار المتغير فقط، لاتصال ما عداه بالمادة.

قد تقدم أن المحكي عن جماعة ممن تأخر عن الشهيد- رحمه اللّه- أنهم فهموا من اعتبار الدوام في النبع في اعتصام الجاري المذكور في عبارة الدروس الاحتراز عن العيون التي تنبع في الشتاء و تجف في الصيف. و عن المحقق الثاني إنكاره، و أنه لا شاهد له من الاخبار و لا يساعد عليه الاعتبار و أنه تخصيص لعموم الدليل بمجرد التشهي. و جعل من فهم ذلك من عبارته ممن لا تحصيل له. و أنه منزه عن أن يذهب الى مثله، فإنه تقييد لإطلاق النص بمجرد الاستحسان، و هو أفحش أغلاط الفقهاء.

لاتصاله بالمادة.

لما عرفت من عدم اعتبار الكرية في اعتصام المتصل بالمادة.

بل عن بعض الحكم بعدم الانفعال مع القلة و إن اعتبرنا الكرية في الجاري لأن جهة المنع في الجاري أعلى سطحاً فلا تسري النجاسة إليه من المتغير السائل عنه. و فيه: أن العلو الموجب للجريان لا يمنع من سراية النجاسة إلى العالي.

يعني يعتصم إن كان كراً، لعموم اعتصام الكر. و ينفعل إن كان قليلا، لعموم انفعال القليل و احتمال طهارته- عملا بإطلاق ما دل على اعتصام المتصل بالمادة- يندفع بانصراف الإطلاق إلى صورة اتصال الأثر، لا بنحو يكون منفصلا كالطفرة. فان ذلك خلاف المرتكز العرفي المنزل عليه التعليل.

و من ذلك يظهر لك الاشكال فيما ذكره في الجواهر، فإنه- بعد ما جزم بأن الحكم بالطهارة في غاية الضعف- قال «و المسألة لا تخلو من تأمل، لأنه يمكن أن يقال: إن تغير بعض الجاري لا يخرج البعض الآخر عن هذا الإطلاق. و أيضاً احتمال الدخول تحت الجاري معارض باحتمال الخروج، فيبقى أصل الطهارة سالماً، فيحكم عليه بالطهارة». إذ فيه:

أن الانصراف موجب للخروج عن الإطلاق. و أن معارضة احتمال الدخول باحتمال الخروج مرجعها إلى إجمال دليل اعتصام الجاري، و المتعين الرجوع حينئذ إلى عموم انفعال القليل، لا أصالة الطهارة.

140
مستمسک العروة الوثقی1

فصل في الراكد بلا مادة ؛ ج‌1، ص : 141

[فصل في الراكد بلا مادة]

فصل الراكد بلا مادة إن كان دون الكر ينجس بالملاقاة (1) من غير فرق بين النجاسات، حتى برأس إبرة.

فصل في الراكد بلا مادة إجماعاً صريحا و ظاهراً، حكاه جماعة كثيرة من القدماء و المتأخرين و متأخريهم، و بعضهم استثنى ابن أبي عقيل، و كأن إطلاق غيرهم لعدم اعتنائهم بخلافه. و عن صاحب المعالم و العلامة المجلسي و المحقق البهبهاني:

ان الأخبار بذلك متواترة، و في الرياض: «جمع منها بعض الأصحاب‌

141
مستمسک العروة الوثقی1

فصل في الراكد بلا مادة ؛ ج‌1، ص : 141

.....

مائتي حديث» و عن العلامة الطباطبائي قدس سره- في أثناء تدريسه في الوافي- إنها تزيد على ثلاثمائة رواية. منها الطائفة المتضمنة‌

قولهم (ع):

«إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شي‌ء» «1»

الوارد بعضها ابتداء، و بعضها جوابا عن السؤال عن الماء الذي تبول فيه الدواب، و تلغ فيه الكلاب، و يغتسل فيه الجنب، و تدخله الدجاجة و قد وطئت العذرة. و المناقشة فيها بعدم عموم الشي‌ء في المفهوم، لأن نقيض السلب الكلي هو الإيجاب الجزئي، لو سلمت، فلا تقدح في الاستدلال فيما نحن فيه، لأن المقصود هو الإيجاب الجزئي في مقابل مذهب ابن أبي عقيل من السلب الكلي. و ما ورد في سؤر الكلب و الخنزير، مثل‌

صحيح ابن مسلم عن أبي عبد اللّه (ع) قال: «سألته عن الكلب يشرب من الإناء. قال (ع): اغسل الإناء «2»

و‌

صحيح ابن جعفر (ع) عن أخيه موسى (ع) قال: «سألته عن خنزير شرب من إناء كيف يصنع به؟ قال (ع): يغسل سبع مرات» «3»

و ما ورد في الإناءين المشتبهين،

كموثق سماعة عن أبي عبد اللّه (ع): «عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيهما هو و ليس يقدر على ماء غيره. قال (ع): يهريقهما جميعا و يتيمم» «4»

و نحوه موثق عمار «5»، و‌

موثق أبي بصير عن أبي عبد اللّه (ع) قال (ع):

«إذا أدخلت يدك في الإناء قبل أن تغسلها فلا بأس، إلا أن يكون أصابها قذر بول أو جنابة، فإن أدخلت يدك في الماء و فيها شي‌ء من ذلك فأهرق

______________________________
(1) راجع أحاديث باب: 9 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

(2) الوسائل باب: 1 من أبواب الأسئار حديث: 3.

(3) الوسائل باب: 1 من أبواب الأسئار حديث: 2.

(4) الوسائل باب: 8 من أبواب الماء المطلق حديث: 2.

(5) الوسائل باب: 8 من أبواب الماء المطلق حديث: 14.

142
مستمسک العروة الوثقی1

فصل في الراكد بلا مادة ؛ ج‌1، ص : 141

.....

ذلك الماء» «1»

و نحوه غيره مما ورد في الجنب و غيره .. إلى غير ذلك من النصوص الواردة في أبواب الماء المحقون، و الجاري، و الحمام، و البئر، و مباحث النجاسات، و غير ذلك.

هذا و لم يعرف الخلاف في ذلك إلا من ابن أبي عقيل، و تبعه عليه الكاشاني و الفتوني. و استدل لهم بروايات هي ما بين مطلق قابل للتقييد بما سبق كالنبوي «2» و نحوه. أو ظاهر في الكثير، كالروايات الواردة في الغدير الواقع فيه جيفة، و أنه لا بأس به إذا غلب الماء ريح الجيفة «3» أو مجمل، مثل‌

صحيح زرارة عن أبي عبد اللّه (ع) قال: «سألته عن الحبل من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر أ يتوضأ من ذلك الماء؟

قال (ع): لا بأس» «4»

إذ لا يعلم أن السؤال كان لأجل تقاطر الماء من شعر الخنزير في ماء الدلو، أو من جهة الشك في التقاطر، أو من جهة انفعال ماء البئر، أو من جهة استعمال شعر الخنزير في الوضوء العبادي فعلى الاحتمالات الثلاثة الأخيرة يكون أجنبيا عما نحن فيه.

و أما‌

خبر محمد بن ميسر: «عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، و يريد أن يغتسل منه، و ليس معه إناء يغرف به، و يداه قذرتان. قال (ع): يضع يده و يتوضأ ثمَّ يغتسل. هذا مما قال اللّٰه

______________________________
(1) الوسائل باب: 8 من الماء المطلق حديث: 4.

(2) الوسائل باب: 1 من أبواب الماء المطلق حديث: 9 و أكثر أحاديث هذا الباب يدل على إطلاق طهورية الماء.

(3) الوسائل باب: 3 من أبواب الماء المطلق حديث: 11، 13، و باب: 9 من أبواب الماء المطلق حديث: 11.

(4) الوسائل باب: 14 من أبواب الماء المطلق حديث: 2.

143
مستمسک العروة الوثقی1

فصل في الراكد بلا مادة ؛ ج‌1، ص : 141

.....

عز و جل (مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) «1»» «2»

فغير ظاهر في القليل بمعنى ما لم يكن كراً، بل من الجائز أن يكون المراد منه ما لا يمكن الاغتسال بنحو الارتماس فيه. و لا سيما بملاحظة الاستدلال بآية نفي الحرج فان اقتضاءه لاعتصام ما دون الكر خفي، بخلاف اقتضائه اعتصام مراتب الكر، فان لزوم الحرج من عدم اعتصامها ظاهر، كما لا يخفى مع أن ذكر الوضوء مع الغسل خلاف المذهب.

نعم‌

خبر زرارة عن أبي جعفر (ع): «قلت له: راوية من ماء سقطت فيها فأرة أو جرذ أو صعوة ميتة. قال (ع): إذا تفسخ فيها فلا تشرب من مائها و لا تتوضأ و صبها، و إذا كان غير متفسخ فاشرب منه و توضأ و اطرح الميتة إذا أخرجتها طرية. و كذلك الجرة و حب الماء و القربة و أشباه ذلك من أوعية الماء. و قال أبو جعفر (ع): إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجسه شي‌ء تفسخ فيه أو لم يتفسخ. إلا أن يجي‌ء له ريح تغلب على ريح الماء» «3»

لا مجال للإشكال في دلالته على الاعتصام لكن التفصيل فيه بين التفسخ و عدمه مما لم يقل به أحد. و كذلك التفصيل بين الراوية و ما زاد عليها. و حمل التفسخ على التغير يأباه ما في ذيله. كما أن حمل ما زاد على الراوية على الكر غريب، لأنه خلاف المعهود من مقدار الراوية، و لا يناسبه التعبير المذكور، كما يظهر بأقل تأمل.

و مثله في الدلالة‌

خبر أبي مريم الأنصاري: «كنت مع أبي عبد اللّه (ع) في حائط له فحضرت الصلاة فنزح دلواً للوضوء من ركي له فخرجت عليه قطعة عذرة يابسة فأكفأ رأسه و توضأ بالباقي» «4»

بناء على أن المراد‌

______________________________
(1) الحج: 78.

(2) الوسائل باب: 8 من أبواب الماء المطلق حديث: 5.

(3) الوسائل باب: 3 من أبواب الماء المطلق حديث: 8- 9.

(4) الوسائل باب: 8 من أبواب الماء المطلق حديث: 12.

144
مستمسک العروة الوثقی1

فصل في الراكد بلا مادة ؛ ج‌1، ص : 141

.....

بالعذرة عذرة الإنسان، كما هو الظاهر. لكن قال شيخنا الأعظم (ره):

«إن أحداً لا يرضى أن يتوضأ الإمام (ع) من هذا. بل لا يرضى أحد أن يستعمل الامام (ع) هذا الماء في مطلق الانتفاع فضلا عن الوضوء.

بل قد ورد الأمر بالإراقة لمثله في جملة من النصوص «1»، فلا بد من توجيه الرواية قلنا بالنجاسة أو الطهارة. فلا يبعد إذاً حمل العذرة فيه على الروث الطاهر، أو الحمل على خطأ الراوي في اعتقاده أنها عذرة. و ليس ذلك بأبعد من حمل الفعل على إرادة بيان الجواز على تقدير القول بالطهارة.

و مثلهما في الدلالة‌

خبر علي بن جعفر (ع): «عن جنب أصابت يده جنابة فمسحها بخرقة، ثمَّ أدخل يده في غسله هل يجزؤه أن يغتسل من ذلك الماء؟ قال (ع): إن وجد ماء غيره فلا يجزؤه أن يغتسل، و ان لم يجد غيره أجزأه» «2».

لكن التفصيل المذكور فيه مما لم يقل به أحد. مع أن مورده المتنجس.

و لو أغمض النظر عن هذه المناقشات في الروايات المذكورة لم يجز الاعتماد عليها- بعد إعراض جماهير الأصحاب عنها، و صيرورة الحكم بالانفعال من الواضحات المتسالم عليها عند الإمامية- فضلا عن معارضتها لما عرفت ليلتزم بالجمع العرفي، بحمل نصوص الانفعال على الكراهة، أو اختلاف مراتب النجاسة و الطهارة، فإنه تأباه نصوص الانفعال باختلاف مواردها و أحكامها و ألسنتها، كما لعله ظاهر بالتأمل فيها. و ليس ورود مثل هذه النصوص الا كورود غيرها في كثير من المسائل المعلوم حكمها نصا و فتوى مما علم وقوع الخطأ فيه، إما في أصالة الجهة، أو في أصالة صحة النقل،

______________________________
(1) الوسائل باب: 8 من أبواب الماء المطلق حديث: 2، 4، 7، 10، 11، 14 و باب: 1 من أبواب الأسئار حديث: 4، 5.

(2) لم نعثر عليه في الوسائل، راجع قرب الاسناد المطبوع في إيران سنة 1370 ه‍ صفحة: 48.

145
مستمسک العروة الوثقی1

فصل في الراكد بلا مادة ؛ ج‌1، ص : 141

.....

أو غير ذلك، و لو بني على إعمال قواعد التعارض في مثله لزم تأسيس فقه جديد. و منه سبحانه نستمد التأييد و هو حسبنا وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ.

هذا و قد فصل استاذنا الأعظم (قدس سره) «1» بين النجس و المتنجس فبنى على طهارة الماء بملاقاة الثاني. إذ لا إجماع على الانفعال بملاقاته، و لا خبر دل عليه، خصوصا أو عموماً، منطوقا أو مفهوماً، لاختصاص الأخبار الخاصة بعين النجاسة و انسباقها من الشي‌ء في الاخبار العامة- كما ادعي‌

في خبر: «خلق اللّه الماء ..» «2»

- و لا أقل من أنه القدر المتيقن. و لو سلم شمول المنطوق له فلا عموم في المفهوم، فان الظاهر أن يكون مثل:

«إذا كان الماء قدر كر ..» «3»

لتعليق العموم لا لتعليق كل فرد من أفراد العام، فيكون مفهومه إيجابا جزئياً و المتيقن عين النجاسة. و لو سلم عدم ظهوره في تعليق العموم فلا ظهور له في تعليق أفراد العام، و عموم:

«خلق اللّٰه ..»

يكون مرجعاً، مضافا الى استصحاب الطهارة أو قاعدتها.

أقول: أما نفي الإجماع، فهو خلاف إطلاق معاقد الإجماعات المدعاة على انفعال الماء القليل. و ستأتي أيضاً حكاية الإجماع على تنجيس المتنجس- مطلقا- من جماعة كثيرة. و في المحكي في جملة من عباراتهم دعوى الضرورة عليه.

و أما أنه لا خبر يدل عليه، ففيه: أنه ظاهر جملة من النصوص‌

كصحيح شهاب عن أبي عبد اللّه (ع): «في الرجل الجنب يسهو فيغمس يده في

______________________________
(1) المحقق الخراساني (ره).

(2) الوسائل باب: 1 من أبواب الماء المطلق حديث: 9.

(3) الوسائل باب: 9 من أبواب الماء المطلق حديث: 1، 2، 5، 6.

146
مستمسک العروة الوثقی1

فصل في الراكد بلا مادة ؛ ج‌1، ص : 141

.....

الإناء قبل أن يغسلها أنه لا بأس إذا لم يكن أصاب يده شي‌ء» «1»

و‌

قوية أبي بصير عنه (ع): «سألته عن الجنب يحمل الركوة أو التور فيدخل إصبعه فيه قال (ع): إن كانت يده قذرة فأهرقه و ان كان لم يصبها قذر فليغتسل منه. هذا مما قال اللّٰه تعالى (مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)» «2».

و نحوهما حسنة زرارة «3»، و موثقة سماعة «4» و خبر علي بن جعفر (ع) «5». و‌

في صحيح البزنطي: «سألت أبا الحسن (ع) عن الرجل يدخل يده في الإناء و هي قذرة. قال (ع): يكفئ الإناء» «6»

نعم قد يعارضها موثق أبي بصير المتقدم في أخبار الانفعال، فان صدره و ان كان موافقا لما سبق، إلا أن التقييد في ذيله بقوله (ع):

«و فيها شي‌ء من ذلك»

يقتضي اشتراط الانفعال بملاقاة عين النجاسة. و كذا خبر ابن جعفر المتقدم في أخبار الاعتصام. لكن لا يبعد أن يكون المراد من الأول: «و قد كان فيها» و لو بقرينة ظهور كون الذيل تصريحاً بمفهوم الشرط السابق في الصدر، أو بقرينة ظهور الإجماع على الانفعال بالمتنجس و أما الثاني فلو لم يدل على النجاسة لم يدل على الطهارة أيضاً، إذ التفصيل لا يقول به أحد كما عرفت.

و أما أن الشرط في أخبار الكر لتعليق العموم. (ففيه): أنه لو سلم كونه مقتضى التركيب في نفسه، فالظاهر منه في المقام كونه لتعليق‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 8 من أبواب الماء المطلق حديث: 3.

(2) الوسائل باب: 8 من أبواب الماء المطلق حديث: 11.

(3) الوسائل باب: 26 من أبواب الجناية حديث: 2.

(4) الوسائل باب: 8 من أبواب الماء المطلق حديث: 9.

(5) الوسائل باب: 8 من أبواب الماء المطلق حديث: 13.

(6) الوسائل باب: 8 من أبواب الماء المطلق حديث: 7.

147
مستمسک العروة الوثقی1

فصل في الراكد بلا مادة ؛ ج‌1، ص : 141

من الدم الذي لا يدركه الطرف (1) الافراد، بقرينة وروده مورد بيان حكم النجاسات المختلفة من بول الدواب و ولوغ الكلاب، و اغتسال الجنب، و دخول الدجاجة، و الحمامة، و قد وطئت العذرة، التي قصد السؤال عن انفعال الماء بها، و بأمثالها من النجاسات و المتنجسات التي من شأنها التنجيس و ليس وارداً في خصوص النفي في مقابل الإثبات في الجملة، و لا في خصوص الأعيان المذكورة، كما يظهر بالتأمل. و على هذا فلا مجال للرجوع الى عموم:

«خلق اللّٰه الماء ..»

، و لا الى استصحاب الطهارة، أو قاعدتها.

عن الشيخ في الاستبصار طهارة الماء القليل عند ملاقاة ما لا يدركه الطرف من الدم، كرؤوس الأبر، و عن غاية المراد نسبته الى كثير من الناس.

لصحيح ابن جعفر (ع) عن أخيه (ع): «عن رجل رعف فامتخط فصار ذلك الدم قطعاً صغاراً فأصاب إناءه هل يصلح له الوضوء منه؟ فقال (ع): إن لم يكن شيئاً يستبين في الماء فلا بأس و ان كان شيئا بينا فلا تتوضأ منه» «1».

و الطعن في سنده بأن فيه محمد بن أحمد العلوي المجهول غير ظاهر- لو سلم- فإنه مروي في الكافي بطريق صحيح ليس فيه العلوي الموجود في طريق الشيخ. و مثله الطعن في دلالته بأن إصابة الإناء لا تقتضي إصابة الماء. فان الظاهر منه إصابة نفس الماء، كما قد يشهد به لسان الجواب. نعم مورده أخص من المدعى، و معرض عنه عند المشهور، فيسقط بذلك عن الحجية.

إلا أن يقال: إن ظاهره عدم الانفعال بما لا يكون مرئيا من أجزاء الدم، و هذا هو مقتضى الأصل، إذ لا دليل على نجاسة الذرات الدموية التي لا يدركها الطرف، لعدم ثبوت كونها دما عرفا، نظير الأجزاء المائية‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 8 من أبواب الماء المطلق حديث: 1.

148
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 1): لا فرق في تنجس القليل بين أن يكون واردا على النجاسة و مورودا ؛ ج‌1، ص : 149

سواء كان مجتمعا أم متفرقا مع اتصالها بالسواقي (1). فلو كان هناك حفر متعددة فيها الماء و اتصلت بالسواقي، و لم يكن المجموع كراً، إذا لاقى النجس واحدة منها تنجس الجميع، و ان كان بقدر الكر لا ينجس، و ان كان متفرقا على الوجه المذكور، فلو كان ما في كل حفرة دون الكر و كان المجموع كراً، و لاقى واحدة منها النجس، لم تنجس، لاتصالها بالبقية.

[ (مسألة 1): لا فرق في تنجس القليل بين أن يكون وارداً على النجاسة و موروداً]

(مسألة 1): لا فرق في تنجس القليل بين أن يكون وارداً على النجاسة (2) أو موروداً.

المنتشرة في البخار. لا أقل من انصراف دليل النجاسة عنها، أو دليل انفعال الماء بملاقاة النجاسة. و على هذا فان كان هذا هو مراد الشيخ (ره) فلا بأس به. و في المبسوط جزم بعدم انفعاله بما لا يمكن التحرز منه، مثل رؤوس الابر من الدم و غيره، لأنه لا يمكن التحرز عنه. انتهى. فإن أراد ما ذكرنا ففي محله أيضاً. و ان أراد غيره فهو خلاف إطلاقات الانفعال و التعليل الذي ذكره غير ظاهر صغرى و كبرى.

لإطلاق الأدلة. خلافا للمحكي عن المعالم من اعتبار الاجتماع و كأنه لدعوى الانصراف. لكنه- على تقدير ثبوته- بدوي لا يرفع الإطلاق هذا مع تساوي السطوح، أما مع الاختلاف فسيأتي.

خلافا للسيد المرتضى (ره) في الناصريات، و الحلي في السرائر بل جعله الصحيح المستمر على أصل المذهب و فتاوى الأصحاب. قال السيد (ره): «و الوجه فيه: إنا لو حكمنا بنجاسة القليل الوارد على النجاسة لأدى ذلك الى أن الثوب لا يطهر إلا بإيراد كر من الماء عليه، و ذلك يشق، فدل على أن الماء الوارد على النجاسة لا يعتبر فيه القلة و الكثرة‌

149
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 2): الكر بحسب الوزن ألف و مائتا رطل بالعراقي ؛ ج‌1، ص : 150

[ (مسألة 2): الكر بحسب الوزن ألف و مائتا رطل بالعراقي]

(مسألة 2): الكر بحسب الوزن ألف و مائتا رطل بالعراقي (1) كما يعتبر في ما يرد عليه النجاسة». لكنه ليس في الحقيقة تفصيلا بين الوارد و المورود، بل هو قول بطهارة خصوص المستعمل في التطهير، و لو كان موروداً، بناء على عدم اعتبار الورود فيه. و سيأتي- إن شاء اللّه تعالى- في حكم ماء الغسالة التعرض للوجه الذي ذكره.

على المشهور.

لمرسلة ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه (ع): «الكر من الماء الذي لا ينجسه شي‌ء ألف و مائتا رطل» «1»

بحمل الرطل فيها على العراقي، بقرينة‌

صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (ع): «قال: و الكر ستمائة رطل» «2»

بحمل الرطل فيها على المكي- الذي هو ضعف العراقي- بقرينة المرسلة الأولى، حيث يدور الأمر بين الجمع بينهما بذلك و بين طرح إحداهما، و الأول متعين عرفا، فإن الأخذ بالتعيين حيث يدور الأمر بينه و بين الطرح أولى من الأخذ بالتخصيص حيث يدور الأمر بينه و بينه، إذ التخصيص لا يخلو من ارتكاب خلاف الظاهر، بخلاف تعيين المشترك في أحد معانيه.

فان قلت: كل واحدة من الروايتين ليس لها ظاهر حجة، كي يدور الأمر بين طرحه و بين التعيين. (قلت): بلى كل واحدة منهما نص في أحد المعاني على البدل، و انما لا يكون لها ظاهر في واحد بعينه، فلو حملت المرسلة على غير الرطل العراقي كانت الصحيحة منافية لها على أى معنى حمل الرطل فيها، فيتعين حمل الرطل فيها على العراقي. و كذا القول في الصحيحة فإنها لو حملت على غير المكي لنافتها المرسلة على أي معنى حمل الرطل فيها:

فيتعين حمل الرطل فيها على المكي. فيكون تعيين أحد المحتملات في كل‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 11 من أبواب الماء المطلق حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 11 من أبواب الماء المطلق حديث: 3.

150
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 2): الكر بحسب الوزن ألف و مائتا رطل بالعراقي ؛ ج‌1، ص : 150

.....

واحدة منهما لئلا يلزم طرح النص من الأخرى.

هذا مضافا الى ما قيل من دعوى الإجماع على عدم كون الكر ستمائة رطل بالعراقي و المدني، و هو قرينة على حمل رواية الستمائة على المكي، فتكون هي قرينة على حمل المرسلة على العراقي. بل لا حاجة الى الحمل المذكور، لأن الستمائة بعد حملها على المكي تكون ألفاً و مائتين بالعراقي، و ان بقيت المرسلة على إجمالها.

نعم رواية ابن جعفر (ع) «1» الواردة في ألف رطل وقع فيها أوقية من بول، المتضمنة أنه لا يصلح شربه و لا الوضوء منه، بناء على ظهورها في الرطل المدني- بقرينة كونه مدنيا- تنافي حمل المرسلة على العراقي.

و كأنه لذلك ذهب الصدوقان و المرتضى قدس سرهم- على ما حكي- الى كون الكر ألفاً و مائتين بالمدني. لكن هذه القرينة غير ظاهرة، إذ من المحتمل استعمال الرطل شائعاً في المدينة في العراقي، كما يستعمل في المدني.

بل قد يظهر من رواية الكلبي النسابة «2» أن الاستعمال في العراقي أشيع. فتأمل.

و أشكل من ذلك دعوى تعين حمل المرسلة على الرطل العراقي، بقرينة أن ابن أبي عمير كوفي، و مشايخه من أهل الكوفة، و حمل الصحيحة على الرطل المكي، بقرينة أن ابن مسلم من أهل الطائف. وجه الإشكال (أولا): ما عرفت من احتمال استعمال الرطل شائعا في كل من المقادير الثلاثة (و ثانيا): أنه لم يثبت وجوب حمل الكلام على عرف السامع في قبال عرف المتكلم. مع أن ابن مسلم من أهل الكوفة، كما يظهر بمراجعة ترجمته في كتب الرجال. و كون المراد من بعض أصحابنا في كلام ابن أبي عمير‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 8 من أبواب الماء المطلق حديث: 16.

(2) الوسائل باب: 2 من أبواب الماء المضاف حديث: 2.

151
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 2): الكر بحسب الوزن ألف و مائتا رطل بالعراقي ؛ ج‌1، ص : 150

و بالمساحة ثلاثة و أربعون شبراً إلا ثمن شبر (1) بعض الكوفيين غير واضح.

على الأشهر أو المشهور.

لموثق أبي بصير أو صحيحه: «سألت أبا عبد اللّٰه (ع) عن الكر من الماء كم يكون قدره؟ قال (ع): إذا كان الماء ثلاثة أشبار و نصفا (و نصف خ ل)، في مثله ثلاثة أشبار و نصف في عمقه في الأرض، فذلك الكر من الماء» «1».

و المناقشة في السند لا تهم بعد كون الحديث موثقا و لا سيما بعد اعتماد المشهور عليه.

نعم تشكل دلالته بعدم التعرض فيه للبعد الثالث. و دعوى: حذفه من العمق لدلالة ما قبله عليه، غير ظاهرة. كدعوى أن قوله (ع) ثانيا:

«ثلاثة أشبار»

ليس بدلا من قوله: «مثله» بل هو معطوف على:

«مثله»

و التقدير: «و في ثلاثة أشبار ..» فيكون بيانا لتقدير العمق. بل في الجواهر: أنه عثر على نسخة مقروءة على المجلسي الكبير مصححة هكذا:

«في ثلاثة أشبار و نصف في عمقه»

. إذ تشكل: بأن تقدير العاطف خلاف الأصل. و النسخة التي عثر عليها في الجواهر لا يعتمد عليها في قبال النسخ المعروفة، حتى أن المجلسي الكبير (ره) صار في مقام توجيه الدلالة بجعل:

«ثلاثة أشبار»

الثانية خبراً ثانيا ل‍‌

«كان»

لا بدلا من:

«مثله»

، على ما حكاه عنه ولده الأعظم (قده) في مرآة العقول: و لو كانت هذه النسخة صحيحة لما احتاج إلى هذا التوجيه الذي هو خلاف الظاهر كغيره من التوجيهات التي اعترف في مرآة العقول:

بأن ارتكابها إنما يسوغ بعد البناء على كون المراد بيان تحديد الجهات الثلاث، إذ تحديد البعض و إهمال الباقي لا معنى له. و الحمل على القطر- المبني على فرض نادر الوقوع و هو الحوض المدور- بعيد غاية البعد، و أنه لو لا‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 10 من أبواب الماء المطلق حديث: 6.

152
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 2): الكر بحسب الوزن ألف و مائتا رطل بالعراقي ؛ ج‌1، ص : 150

.....

ذلك لكان من الاستدلال المبني على الاحتمال. انتهى. (أقول): بل هو من الاستدلال بخلاف الظاهر.

و أما ندرة الشكل المدور في الماء فغير ظاهرة. و لا سيما بملاحظة أن المدور مقتضى طبع الماء فتأمل. مع أن تساوي خطوط السطح لا تختص بالمربع بل تكون في المسدس، و المثمن، و غيرهما من الاشكال. فالحمل على المربع بخصوصه غير ظاهر، و لا قرينة عليه. و مقتضى إطلاق الكلام الحمل على المدور، فإنه الذي تستوي فيه الخطوط من جميع النقاط، بخلاف غيره من المضلعات، فان الخطوط فيه لا تستوي إذ هي بين الزوايا أطول منها بين الأضلاع. فإطلاق الاقتصار على بيان بعد واحد يقتضي الحمل على الأول. مع أن المدور ليس له- عرفا- إلا بعد واحد، لأن تمايز أبعاده بمجرد الفرض العقلي بخلاف المضلع، فان تمايز أضلاعه يستوجب تمايز ابعاده، سواء أ تساوت- كالمربع و المسدس و نحوهما- أم اختلفت كالمستطيل. و هذه جهة أخرى تستوجب حمل الكلام على المدور دون غيره من الاشكال. (و بالجملة): تساوي الخطوط في المدور من جميع النقاط مع كونه عرفا له بعد واحد يستوجبان حمل الكلام غير المتعرض إلا لبعد واحد عليه دون غيره لفقد كل من الأمرين المذكورين فيه، كما لعله ظاهر بالتأمل.

و أما ما ذكره في الجواهر، من أن الحمل على المدور حمل على ما لا يعرفه إلا الخواص من علماء الهيئة، فيمتنع. ففيه: أنه إنما يتم لو كان المقصود بيان نتيجة ضرب الابعاد بعضها ببعض، لكنه غير ظاهر، بل المراد ذكر علامة على الكر، و هي أن يكون قطره ثلاثة و نصفا و عمقه كذلك، و هو شي‌ء يعرفه أجهل العوام. و لو كان المراد بيان حاصل ضرب الابعاد كان المناسب- بل المتعين- أن يقول (ع): «ثلاثة و أربعون شبراً إلا ثمن شبر» فإنه أصرح، و أخصر، و أفيد.

153
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 2): الكر بحسب الوزن ألف و مائتا رطل بالعراقي ؛ ج‌1، ص : 150

.....

هذا و قد يستدل على المشهور أيضاً‌

برواية الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبد اللّه (ع): «إذا كان الماء في الركي كراً لم ينجسه شي‌ء.

قلت: و كم الكر؟ قال (ع): ثلاثة أشبار و نصف عمقها، في ثلاثة أشبار و نصف عرضها» «1»

بناء على ما تقدم في تقريب الأول من الاكتفاء بذكر أحد البعدين عن ذكر الآخر، الذي عرفت ما فيه من أنه خلاف الظاهر. أو لأن الطول إما مساو أو أكثر، و المتيقن الأول.

و فيه: أن هذا لا يقتضي الظهور في الأقل. مع أن الطول لا يكون مساويا للعرض، و استعماله فيه مبني على المسامحة، فالعرض في الرواية الشريفة بمعنى السعة، نظير قوله تعالى (وَ جَنَّةٍ عَرْضُهٰا كَعَرْضِ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ) و قد عرفت أن إطلاق كون سعة السطح ثلاثة و نصفا منزل على المدور، و لا سيما في الرواية التي موردها الركية التي هي غالبا من المدور، كما قيل، و ان كان لا يخلو من تأمل.

و على هذا يكون ظاهر الروايتين حصول الكر في ثلاثة و ثلاثين شبراً و خمسة أثمان الشبر و نصف ثمنه، بمقتضى ما ذكر في معرفة مقدار المدور من أنه ينقص عن المربع بسبع و نصف سبع، فان التفاوت بين ما ذكرناه و ما هو المشهور سبع و نصفه. لا ما ذكر في الجواهر من أن تنزيلها على المدور يقتضي كون‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 9 من أبواب الماء المطلق حديث: 8 هكذا رواه في الوسائل القديمة، و هو كذلك في الكافي و التهذيب و الوافي و زاد في الوسائل الحديثة ذكر الطول، فقال: «ثلاثة أشبار و نصف طولها في ثلاثة أشبار و نصف عمقها في ثلاثة أشبار و نصف عرضها». و لعله تبع فيه الاستبصار المطبوع في النجف الأشرف أخيراً، فيكون دليلا صريحاً للمشهور و لا يتم ما ذكره قدس سره في رد الاستدلال به. لكن في الوسائل في باب: 10 من أبواب الماء المطلق حديث: 5 قال بعد ذكر ذيل الحديث: «ذكر العرض يغني عن ذكر الطول لأنه لا بد أن يساويه أو يزيد عليه» و هو صريح في عدم اشتمال الحديث على بعد الطول.

154
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 2): الكر بحسب الوزن ألف و مائتا رطل بالعراقي ؛ ج‌1، ص : 150

.....

الكر اثنين و ثلاثين شبرا و ثمنا و ربع ثمن. و كأنه لتوهم كون قطر الدائرة ثلث محيطها، مع أن المذكور في محله أن المحيط ثلاثة أمثال القطر و سبع فيكون محيط الدائرة التي يكون قطرها (ثمانية) خمسة و عشرين و سبعاً، لا أربعة و عشرين. فاذا كان قطر سطح الماء المدور الشكل ثلاثة أشبار و نصفا، فضرب نصفه في نصف المحيط الذي هو أحد عشر شبراً، ثمَّ ضرب الحاصل في العمق الذي هو ثلاثة و نصف، كان الحاصل ما ذكرنا- الذي ذكره الوحيد (ره)- لا ما في الجواهر.

هذا و في المدارك استوجه العمل‌

بصحيحة إسماعيل بن جابر: «قلت لأبي عبد اللّه (ع): الماء الذي لا ينجسه شي‌ء؟ قال (ع): ذراعان عمقه في ذراع و شبر سعته» «1»

مستظهراً من اعتبار الذراع و الشبر في السعة اعتبارهما في كل من البعدين. و لم يتعرض لمقدار الذراع. فان كان شبرين- كما يظهر من بعض أخبار المواقيت «2»، و يساعده الاختبار- يكون الكر ستة و ثلاثين شبراً حاصلة من ضرب ثلاثة في ثلاثة، و الحاصل في أربعة العمق. و ان كان الذراع قدمين- كما يظهر من جملة من أخبار ذلك الباب «3»- يكون الكر اثنين و خمسين شبراً تقريباً، لأن القدم يزيد على الشبر بسدس تقريباً.

هذا و لما عرفت ظهور مثل هذا التحديد في تحديد بعدين لا غير، و أنه منزل على الشكل المدور، تعرف أن مقتضاها كون الكر ثمانية و عشرين شبراً و سبعين بناء على أن الذراع شبران و أربعين شبرا تقريباً، بناء على أنه قدمان.

______________________________
(1) الوسائل باب: 10 من أبواب الماء المطلق حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 8 من أبواب مواقيت الصلاة حديث: 18.

(3) الوسائل باب: 8 من أبواب مواقيت الصلاة حديث: 3 و قد يستفاد من غيره من اخبار الباب و غيرها.

155
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 2): الكر بحسب الوزن ألف و مائتا رطل بالعراقي ؛ ج‌1، ص : 150

.....

و المحكي عن القميين و جماعة من المتأخرين- كالعلامة في المختلف، و الشهيد الثاني في روض الجنان و الروضة. و الأردبيلي في مجمع البرهان، و السيد بحر العلوم في سياق أخبار القلتين في المصابيح «1» و غيرهم-:

أنه سبعة و عشرون شبراً‌

لرواية إسماعيل بن جابر: «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن قدر الماء الذي لا ينجسه شي‌ء. فقال (ع): كر. قلت: و كم الكر؟ قال (ع): ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار» «2».

و قد وصفت هذه الرواية بالصحة في كلام جماعة، بل عن البهائي أنها موصوفة بالصحة من زمن العلامة- رحمه اللّٰه- الى زماننا. انتهى.

و الظاهر أن الوجه في ذلك أن الشيخ (ره) رواها في الاستبصار و موضع من التهذيب. عن عبد اللّه بن سنان. لكن في الكافي رواها عن ابن سنان و قد استظهر غير واحد أنه محمد. و عن موضع من التهذيب، أنه رواها عن محمد بن سنان. و من المستبعد كونهما معاً روياها. و لأجل ذلك يشكل الحكم بصحة الرواية، كما يشكل انجبارها بعمل الجماعة بعد ظهور خطئهم في اعتقادهم صحة سندها. كما يشكل انجبارها بعمل القميين. لعدم ثبوته، فان مضمونها و ان نسب الى القميين في كلام جماعة- كالحلي و العلامة و الشهيدين، و غيرهم- على ما حكي، لكنه في المنتهى خصه بابن بابويه، و في الخلاف نسبة الأول إلى جميع القميين و أصحاب الحديث. فالعمدة: أن الظاهر جواز العمل بأخبار محمد بن سنان لثبوت وثاقته. فلا ينبغي التوقف عن العمل بها من جهة السند.

و أما الطعن في دلالتها، فيندفع بشيوع الاكتفاء بذكر البعدين عن‌

______________________________
(1) لكن السيد في مفتاح الكرامة بعد أن قال: «و هو (يعني تحديد الكر بسبعة و عشرين شبراً) مختار الأستاذ الشريف أيده اللّه تعالى، حيث قال: و الانصاف ترك الانصاف» قال:

«لكن عدل عنه في الهداية». فراجع.

(2) الوسائل باب: 9 من أبواب الماء المطلق حديث: 7.

156
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 2): الكر بحسب الوزن ألف و مائتا رطل بالعراقي ؛ ج‌1، ص : 150

.....

ذكر البعد الثالث فيما لم ينص على بعد بعينه. و بذلك افترقت هذه الرواية عن السوابق للتنصيص فيها على العمق و العرض و السعة، بخلاف هذه الرواية. مع تأيدها أو اعتضادها بالمرسل عن المجالس و الأمالي: أنه ثلاثة طولا في ثلاثة عرضاً في ثلاثة عمقاً «1». و بالإجماع على عدم كون الكر أقل من سبعة و عشرين، فيمتنع حملها على المدور. و احتمال سقوط لفظ النصف منها، لا يعتد به. لأنه خلاف الأصل كما أن إعراض المشهور عنها لا يصلح موهناً لها. لاحتمال أن يكون لبعض الوجوه المرجحة لغيرها عليها في نظرهم.

نعم لو بني على إعمال قواعد التعارض بين النصوص لتعذر الجمع العرفي بينها، يتعين العمل بصحيحة إسماعيل بن جابر، المتضمنة للذراع و الشبر- التي تقدم ظهورها في المستدير- لأنها أصح الاخبار- كما قيل- لو لا أن تسقط عن الحجية بإعراض الأصحاب عنها، قال في المنتهى- بعد ذكر الصحيحة المذكورة-: «و تأولها الشيخ على احتمال بلوغ الأرطال و هو حسن، لأنه لم يعتبر أحد من أصحابنا هذا المقدار». فيبقى التعارض بين خبر أبي بصير المتقدم في دليل المشهور، و بين رواية إسماعيل التي هي مستند ابن بابويه. و لا يبعد كون سند الأول أوثق فيترجح. و قد عرفت ظهوره في المدور. و أنه عليه يكون الكر أربعة و ثلاثين شبراً إلا ثمنين و نصف ثمن. هذا بناء على تعذر الجمع العرفي بين النصوص، لورودها في مقام التقدير، الذي يمتنع فيه الاختلاف، للزوم وحدة القدر، فاختلافها فيه يستوجب التعارض.

لكن هذا المبنى غير ظاهر في المقام، لتحقق الاختلاف بين نصوص الوزن و نصوص المساحة اختلافا واضحا. إذ المحكي عن الأمين الأسترابادي:

______________________________
(1) الوسائل باب: 10 من أبواب الماء المطلق حديث: 2.

157
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 2): الكر بحسب الوزن ألف و مائتا رطل بالعراقي ؛ ج‌1، ص : 150

.....

أنه وزن ماء المدينة فكان يساوي ستة و ثلاثين شبراً تقريباً، و ظاهر مرآة العقول للمجلسي (ره): أن وزنه يساوي ثلاثة و ثلاثين شبراً تقريباً، و وزن ماء النجف في هذه الأزمنة جماعة فكان وزنه يساوي ثمانية و عشرين شبراً تقريبا، و بعض الأفاضل منهم ذكر أنه يساوي سبعة و عشرين شبرا.

و هذه الأوزان لا توافق المشهور في المساحة. و من العجيب أن المشهور ذهبوا الى أن الرطل في التقدير بالوزن عراقي، و أن مساحة الكر ثلاثة و أربعون إلا ثمناً، مع ما بينهما من التفاوت الظاهر. و أن الصدوقين ذهبا الى أن الرطل مدني. و أن مساحة الكر سبعة و عشرون، مع ما بينهما أيضاً من التفاوت الظاهر. و قد كان الأنسب للمشهور في المساحة الرطل المدني و الأنسب لمذهب القميين في المساحة الرطل العراقي، فجمع كل من المشهور و غيرهم بين المذهبين في تقديري الوزن و المساحة جمع بين المتنافيين. و لا بد من علاج هذا التنافي كالتنافي بين نصوص التقديرين. و التنافي في الفتاوى أشكل و أبعد.

و الظاهر انحصار العلاج بجعل الأكثر عندهم علامة على وجود الأقل، نظير ما ذكرنا في تقدير حد الترخص بخفاء الجدران و خفاء الأذان، حيث اخترنا أن الحد خفاء الأذان، و أن خفاء الجدران علامة على تحقق الحد و لو قبله. فيكون مراد المشهور من تقدير الكر بالمساحة كونها علامة على وجود الكر، و ان قدره الحقيقي هو الوزن لا غير، فيكونون قد تصرفوا بأخبار المساحة بحملها على كونها علامة على وجود المقدر. كما أن مراد القائلين بالقول الآخر من تقديري الكر بالوزن كونه علامة على وجود الكر، و أن قدره الحقيقي ما كان بالمساحة فيكونون قد تصرفوا بأخبار الوزن بحملها على كونه علامة على وجود المقدر.

فاذا كان بناء الأصحاب على التصرف في نصوص التقدير على كل‌

158
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 2): الكر بحسب الوزن ألف و مائتا رطل بالعراقي ؛ ج‌1، ص : 150

.....

حال، لم تكن نصوص التقدير بالمساحة في نفسها متعارضة، لإمكان أن يكون كل واحد من تلك التحديدات المشتملة عليها علامة. و لا يقدح في ذلك اختلافها بالقلة و الكثرة، بدعوى لغوية جعل الأكثر علامة في ظرف جعل الأقل. لأن ذلك الاختلاف في نتيجة ضرب الابعاد، لا في نفس الاشكال المختلفة، و إلا فهي متباينة، و المجعول علامة ليس هو النتيجة.

و يؤيد ذلك أنك لا تجد رواية من روايات الباب تعرضت لذكر النتيجة. بل الجميع تضمن التقدير بخصوص المساحة الخاصة، و لو كان المقصود التقدير بالنتيجة كان ذكرها هو المتعين، فإنه أصرح و أخصر و أفيد كما عرفت. لكن لما كان تطبيق النتيجة من الأمور الصعبة على أكثر الناس أهمل التعرض لها، فلم تجعل بياناً للمقدار و لا علامة على وجود المقدر أصلا. و انما ذكر في البيان الشكل الخاص لسهولة معرفته و ترتب الفائدة على بيانه، و الاشكال كلها متباينات، فلا مانع من أن يكون كل واحد منها علامة على وجود الكر المقدر حقيقة بالوزن، لا أنه تقدير للكر. و على هذا لا مانع من العمل بجميع نصوص المساحة بعد ما كان كل واحد منها جامعا لشرائط الحجية.

نعم قد يشكل الأمر في رواية إسماعيل التي هي معتمد القميين، من جهة أن المساحة المذكورة فيها، ربما تكون أقل من الوزن، فلا تكون علامة عليه. و حينئذ لا يبعد الالتزام بأن الوزن المذكور أيضاً علامة، فيكون مقدار الكر الأصلي ما يساوي سبعة و عشرين شبرا، و الوزن علامة عليه. كما تقدم في مذهب الصدوقين في التقديرين. و يؤيد ذلك أن المرتكز عند العرف أن الوزن الخاص لا يكون عاصما، و انما العاصم كثرة الماء و سعة وجوده، بحيث تكون الجهة العاصمة عندهم فيما يساوي السبعة و العشرين شبرا هو الكم الخاص، سواء كان وزنه ألفا و مائتي رطل أم‌

159
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 2): الكر بحسب الوزن ألف و مائتا رطل بالعراقي ؛ ج‌1، ص : 150

.....

ألفا و خمسمائة رطل، و ثقل الماء و خفته ليسا دخيلين في الاعتصام و عدمه.

نعم لو ثبت أن بعض المياه الثقيلة وزنها المساوي لألف و مائتي رطل أقل من سبعة و عشرين شبرا، أشكل ما ذكرنا من كون الوزن علامة على بلوغ الأشبار المذكورة لتخلفه عنها. فلا بد إما من الالتزام بكونها علامة عند الشك، فتكون امارة على قدر الأشبار المذكورة مع الجهل بوجوده لا مع العلم بعدم وجوده، بل العمل حينئذ يكون على العلم، لامتناع جعل الأمارة بخلافه. و إما من الالتزام بأن الكرية العاصمة عبارة عن الجامع بين بلوغ الأشبار السبعة و العشرين، و بين بلوغ المقدار الخاص من الوزن. فالماء الواجد لأحدهما يكون كرا و ان فقد الآخر. و لا يبعد البناء على الثاني، فإن حمل الدليل عليه اولى من التصرف فيه بحمله على الحكم الظاهري، أو تقييد كل منهما بالآخر.

و المتحصل مما ذكرنا أمور: (الأول): أن تقدير الأصحاب للكر بالوزن يغاير تقديره بالمساحة (الثاني): أن المقدر الواحد لا يقبل تقديرين فيتنافى الدليلان المشتملان على التقديرين (الثالث): أنه لا بد من علاج هذا التنافي في الفتاوى، و أن الأظهر فيه حمل التقدير المساحتي المشهوري على العلامة و التقدير الوزني على الحد الحقيقي الأصلي، و العكس يكون الحمل على مذهب الصدوقين. (الرابع): أن هذا التصرف بعينه جار في النصوص المتضمنة للمساحة التي هي أكثر من الوزن، و في الوزن الذي هو أكثر من المساحة. لكن لو ثبت أن بين أقل المساحات و بين الوزن عموما من وجه. كمساحة السبعة و العشرين شبرا، فالمتعين كون القدر هو الجامع بين الوزن و بينه، فاذا حصل أحدهما حصل الكر، و ان لم يحصل الآخر. و مما ذكرنا تعرف مواقع النظر في كثير من الكلمات في المقام.

و منه سبحانه نستمد الاعتصام، و هو حسبنا وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ.

160
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 2): الكر بحسب الوزن ألف و مائتا رطل بالعراقي ؛ ج‌1، ص : 150

فبالمن الشاهي (1)- و هو ألف و مائتان و ثمانون مثقالا (2)- يصير أربعة و ستين منا إلا عشرين مثقالا (3).

المشهور أن الرطل العراقي مائة و ثلاثون درهما. و تدل عليه‌

رواية إبراهيم بن محمد الهمداني في مكاتبة أبي الحسن صاحب العسكر (ع) إليه في الفطرة، أنها ستة أرطال برطل المدينة قال: «و الرطل مائة و خمسة و تسعون درهما» «1».

بضميمة‌

رواية جعفر بن إبراهيم المذكور في مكاتبته الى أبي الحسن (ع) و فيها: «الصاع ستة أرطال بالمدني، و تسعة أرطال بالعراقي» «2».

و‌

رواية علي بن بلال في مكاتبته إلى الرجل في الفطرة:

«فكتب (ع): ستة أرطال من تمر بالمدني و ذلك تسعة أرطال بالبغدادي» «3»

و عن النهاية و في المنتهى: أنه مائة و ثمانية و عشرون درهما و أربعة أسباع.

و لم يعرف له مستند. نعم يظهر من رواية المروزي «4»- المتضمنة كون المد مائتين و ثمانين درهما- أنه مائة و أربعة و عشرون درهما و أربعة أتساع.

لكنه لم يحك العمل بها إلا من المقنع. فالعمل على المشهور. و عليه يكون الكر مائة و ستة و خمسين ألف درهم. و مقتضى ما ذكروه من أن العشرة دراهم سبعة مثاقيل شرعية، يكون الكر مائة ألف و تسعة آلاف و مائتين مثقالا شرعيا. و مقتضى أن المثقال الشرعي ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي، يكون الكر واحدا و ثمانين ألفا و تسعمائة مثقال صيرفي.

يعني: صيرفيا.

لأنه إذا ضرب عدد الأمنان في عدد المثاقيل المذكورة، يكون‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 7 من أبواب زكاة الفطرة حديث: 4.

(2) الوسائل باب: 7 من أبواب زكاة الفطرة حديث: 1.

(3) الوسائل باب: 7 من أبواب زكاة الفطرة حديث: 2.

(4) الوسائل باب: 50 من أبواب الوضوء حديث: 3.

161
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 3): الكر بحقة الاسلامبول ؛ ج‌1، ص : 162

[ (مسألة 3): الكر بحقة الاسلامبول]

(مسألة 3): الكر بحقة الاسلامبول و هي مائتان و ثمانون مثقالا- مائتا حقة و اثنتان و تسعون حقة و نصف حقة.

[ (مسألة 4): إذا كان الماء أقل من الكر و لو بنصف مثقال، يجري عليه حكم القليل]

(مسألة 4): إذا كان الماء أقل من الكر و لو بنصف مثقال، يجري عليه حكم القليل (1).

[ (مسألة 5): إذا لم يتساو سطوح القليل ينجس العالي بملاقاة السافل]

(مسألة 5): إذا لم يتساو سطوح القليل ينجس العالي بملاقاة السافل (2) كالعكس. نعم لو كان جاريا من الأعلى إلى الأسفل لا ينجس العالي بملاقاة السافل (3)، من غير فرق بين العلو التسنيمي و التسريحي.

الحاصل زائداً على مقدار الكر من المثاقيل الصيرفية بعشرين مثقالا. و منه يعلم ما ذكر في المسألة الآتية.

إذ ظاهر أدلة التقدير بالوزن، أو المساحة، كونه تحقيقيا لا تقريبيا فلا مجال للمسامحة فيه حينئذ.

بلا إشكال. لإطلاق أدلة الانفعال، المنزل على المرتكز العرفي.

إجماعا، حكاه جماعة في روض الجنان، و مصابيح العلامة الطباطبائي (ره) و مقابيس المحقق التستري (ره)، و الجواهر و غيرها- على ما حكي عن بعضهم- بل عن الأول: أن سراية النجاسة إلى العالي غير معقولة. و ان كان فيه تأمل ظاهر ضرورة معقوليتها لو قام دليل عليها.

و لعل المراد- كما قيل- انها غير مفهومة من الدليل الدال على انفعال القليل لعدم مساعدة الارتكاز العقلائي عليه في القذارات العرفية، كما أشرنا إليه آنفا. و هو واضح مع العلو التسنيمي و التسريحي الشبيه به، أما في غير ذلك فلا يخلو من تأمل. و الرجوع الى العموم مع الشك- كما استوضحه شيخنا الأعظم (ره)- غير واضح، لأن دليل الانفعال إنما يدل على سراية‌

162
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 6): إذا جمد بعض ماء الحوض و الباقي لا يبلغ كرا، ينجس بالملاقاة و لا يعصمه ما جمد ؛ ج‌1، ص : 163

[ (مسألة 6): إذا جمد بعض ماء الحوض و الباقي لا يبلغ كراً، ينجس بالملاقاة و لا يعصمه ما جمد]

(مسألة 6): إذا جمد بعض ماء الحوض و الباقي لا يبلغ كراً، ينجس بالملاقاة و لا يعصمه ما جمد (1). بل إذا ذاب شيئاً فشيئاً ينجس أيضاً. و كذا إذا كان هناك ثلج كثير فذاب منه أقل من الكر فإنه ينجس بالملاقاة، و لا يعتصم بما بقي من الثلج.

[ (مسألة 7): الماء المشكوك كريته]

(مسألة 7): الماء المشكوك كريته مع عدم العلم بحالته السابقة في حكم القليل (2) على الأحوط، النجاسة إلى جميع أجزاء الماء بتوسط الارتكاز العرفي، و إلا فنجاسة الماء بملاقاة النجاسة أعم من نجاسة الجزء الملاقي فقط- كما في الجامدات- و من نجاسة الجميع بالسراية، و حمله على الثاني إنما كان بقرينة الارتكاز العرفي، فإذا كان الارتكاز مجملا كان الحكم بالسراية بلا قرينة، فيرجع إلى عموم اعتصام الماء، أو استصحاب الطهارة.

لأن السيلان معتبر في مفهوم الماء عرفا، فمع الجمود لا يصدق.

لا أقل من انصراف مفهوم الماء عنه، فلا يدخل في إطلاق أدلة أحكام الماء. و منه يظهر ضعف ما عن المنتهى، من إلحاق الجامد بالمائع، و عن حواشي الشهيد: أنه الأقوى، و ما في القواعد و عن التحرير من التوقف فيه.

إما لأنه يستفاد من النصوص أن الملاقاة مقتضية للانفعال و الكرية مانعة عنه، فمع الشك في المانع يرجع الى أصالة عدمه. و إما لأن إناطة الرخصة- تكليفية كانت أو وضعية- بأمر وجودي، يدل بالالتزام العرفي على إناطة الرخصة بإحراز ذلك الأمر، و انتفائها بعدم إحرازه. و إما لأن مقتضى العمومات انفعال الماء إلا الكر، فمع الشك في كرية الموجود يشك في مصداق الخاص، و العموم مرجع في الشبهات المصداقية. و إما لأن‌

163
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 7): الماء المشكوك كريته ؛ ج‌1، ص : 163

.....

أصالة عدم وجود الكر في المكان المعين كافية. في إثبات عدم كرية الماء الموجود، فيترتب حكمه و هو عدم الاعتصام. و إما لأصالة عدم الكرية الأزلي، نظير أصالة عدم القرشية، لأن الكرية وصف زائد على صرف وجود الماء، كوصف القرشية، و قد عرفت فيما سبق صحة جريان الأصل في العدم الأزلي.

لكن الأول: مبني على تمامية قاعدة الاقتضاء، و المحقق في محله عدمها و الثاني: إن كان المراد منه أن إناطة الرخصة بالأمر الوجودي مرجعها إلى إناطة الرخصة الواقعية بذلك الأمر، و اناطة الرخصة الظاهرية بالعلم بوجوده فيكون المجعول حكمين: واقعيا منوطاً بوجود ذلك الأمر الواقعي و ظاهرياً منوطا بالشك فيه. فذلك مما لا يقتضيه ظاهر الدليل أصلا، و ليست إناطة الرخصة بأمر إلا كاناطة المنع بأمر، ليس المقصود منها إلا جعل حكم واقعي لموضوعه الواقعي. و إن كان المراد أن هناك قاعدة عقلائية ظاهرية، نظير جواز الرجوع إلى العام عند الشك في وجود الخاص. فهو أيضاً غير ثابت. نعم إذا كان الأصل يقتضي انتفاء الأمر المنوط به الجواز كان الأصل النافي له نافيا لحكمه و هو الجواز. و لكن هذا وجه آخر يأتي و يتوقف على جريان الأصل النافي للكرية.

و الثالث: يتوقف على أن مقتضى العموم انفعال الماء و الخارج منه الكر. و هذا ليس بأولى من القول: بأن مقتضى العموم الاعتصام و الخارج عنه القليل، كما يشهد به النبوي المشهور [1]، و جملة من النصوص المتقدمة في انفعال الماء القليل. مضافا إلى أن التحقيق، عدم مرجعية العام في الشبهات المصداقية.

و الرابع: يتوقف على القول بالأصل المثبت، لان موضوع الانفعال‌

______________________________
[1] و هو قوله (ص): «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء ..» الوسائل باب: 1 من أبواب الماء المطلق حديث: 9.

164
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 7): الماء المشكوك كريته ؛ ج‌1، ص : 163

و ان كان الأقوى عدم تنجسه بالملاقاة. نعم لا يجري عليه حكم الكر، فلا يطهر ما يحتاج تطهيره إلى إلقاء الكر عليه (2)، و لا يحكم بطهارة متنجس غسل فيه (2).

الماء الذي ليس بكر- الذي هو مفاد ليس الناقصة- لا عدم وجود الكر- الذي هو مفاد ليس التامة- و إثبات الأول بالأصل الجاري لإثبات الثاني من العمل بالأصل المثبت.

و الخامس: يتوقف على أن الكرية من عوارض وجود الماء عرفا بنحو تصدق في الأزل السالبة بانتفاء الموضوع، و ليس كذلك، فإنها نحو سعة في مرتبة الطبيعة، فلا يصح أن تشير الى كر من الماء و تقول: هذا قبل وجوده ليس بكر كما لا يصح أن تقول: هؤلاء العشرة من الرجال قبل وجودهم ليسوا بعشرة، و هذا المثقال من الدقيق قبل وجوده ليس بمثقال. و ليست الكرية منتزعة من صفات عارضة على وجود الماء. مثل الحمرة و الصفرة و نحوهما. فليس المقام من موارد جريان الأصل في العدم الأزلي، الذي عرفت فيما سبق صحة جريانه.

لأن التطهير من أحكام الكر، فلا يترتب مع الشك في موضوعه بل يرجع الى استصحاب النجاسة. نعم لو قام إجماع على عدم اختلاف الماء الواحد في الحكم الظاهري، و قد كان الماءان ممتزجين على نحو يصدق أنهما ماء واحد. أمكن القول بحصول الطهارة للملقى عليه، لأنه بعد تعارض استصحاب الطهارة في مشكوك الكرية، و استصحاب النجاسة فيما ألقي عليه، يرجع الى قاعدة الطهارة فيهما. لكن الإجماع غير ثابت، كما يظهر من ملاحظة كلماتهم في المتمم كرا بطاهر.

يعني: إذا بنينا على الفرق بين الكر و غيره في شرائط التطهير من علو المطهر. و التعدد، و العصر، و نحوها، و قد فقد بعض تلك الشرائط‌

165
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 8): الكر المسبوق بالقلة ؛ ج‌1، ص : 166

و ان علم حالته السابقة يجري عليه حكم تلك الحالة (1).

[ (مسألة 8): الكر المسبوق بالقلة]

(مسألة 8): الكر المسبوق بالقلة إذا علم ملاقاته للنجاسة و لم يعلم السابق من الملاقاة و الكرية إن جهل تاريخهما أو علم تاريخ الكرية، حكم بطهارته (2) و ان كان الأحوط عند التطهير بمشكوك الكرية. لا يحكم بالطهارة، للشك في حصولها، الموجب للرجوع الى استصحاب النجاسة.

لاستصحابها. و الاشكال في الاستصحاب بتعدد الموضوع، يندفع بأن الكثرة و القلة من قبيل الحالات المتبادلة على موضوع واحد عرفا، و هو كاف في صحة الاستصحاب.

أما في صورة الجهل بالتاريخين. فلأصالة الطهارة، التي هي المرجع بعد تعارض أصالة عدم الملاقاة إلى زمان الكرية- المقتضية للطهارة- مع أصالة عدم الكرية إلى زمان الملاقاة، المقتضية للنجاسة. هذا على المشهور، من جريان الأصل ذاتاً في مجهول التاريخ، إذا كان الأثر مترتبا على عدمه في زمان الآخر، و ان كان يسقط للمعارضة. أما بناء على التحقيق من عدم جريانه ذاتا، لأن الشك فيه ليس في امتداد المستصحب و عدمه بل في اتصال المستصحب بوجود الحادث الآخر، من جهة الشك في التقدم و التأخر، و دليل الاستصحاب قاصر عن إثبات هذه الجهة- كما سيجي‌ء في أواخر مباحث الوضوء- فالمرجع أصالة الطهارة ابتداء، بناء على أنها المرجع في ملاقاة النجاسة لمشكوك الكرية، كما تقدم في المسألة السابقة.

و بعض الوجوه المتقدمة للحكم بالنجاسة جار هنا أيضاً. و أما في صورة العلم بتاريخ الكرية و الجهل بتاريخ الملاقاة، فلأصالة عدم الملاقاة إلى زمان الكرية فإنها تقتضي الطهارة.

166
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 9) إذا وجد نجاسة في الكر ؛ ج‌1، ص : 167

التجنب. و ان علم تاريخ الملاقاة حكم بنجاسته (1). و أما القليل المسبوق بالكريه الملاقي لها، فان جهل التاريخان أو علم تاريخ الملاقاة حكم فيه بالطهارة (2)، مع الاحتياط المذكور. و ان علم تاريخ القلة حكم بنجاسته.

[ (مسألة 9) إذا وجد نجاسة في الكر]

(مسألة 9) إذا وجد نجاسة في الكر، و لم يعلم أنها وقعت فيه قبل الكرية أو بعدها، يحكم بطهارته، إلا إذا علم لاستصحاب عدم الكرية إلى زمان الملاقاة، فيثبت موضوع النجاسة و هو ملاقاة ما ليس بكر. و لا يعارضه استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان الكرية، لعدم الشك في الملاقاة بالنسبة إلى الأزمنة التفصيلية، و بالنسبة إلى الزمان الإجمالي و ان كانت الملاقاة مشكوكة، لكن الشك فيها ليس من الشك في البقاء، الذي هو قوام الاستصحاب، كما عرفت.

أما مع الجهل بتاريخهما فلما تقدم من أن المرجع أصالة الطهارة.

و أما مع العلم بتاريخ الملاقاة، فلاستصحاب الكرية إلى زمان الملاقاة. و قد عرفت أنه لا مجال لمعارضته بأصالة عدم الملاقاة إلى زمان القلة. مع أنه لو جرى لم يثبت الملاقاة في حال القلة، فلا يثبت النجاسة. و منه يظهر أنه لو علم تاريخ القلة، فأصالة عدم الملاقاة إلى زمان القلة و ان كان صحيحا في نفسه، لكنه لا يثبت النجاسة إلا إذا أثبت الملاقاة حال القلة، و ذلك موقوف على القول بالأصل المثبت، لأن ثبوت الملاقاة حال القلة من اللوازم العقلية لعدم الملاقاة إلى زمان القلة. و أصالة تأخر الحادث لا أصل لها، إلا بمعنى أصالة عدم وجود الحادث في زمان الشك في وجوده، لا بمعنى أصالة وجوده في الزمان اللاحق. و منه يشكل ما في المتن من الحكم بالنجاسة في الفرض، فان مقتضى ما ذكرنا هو الطهارة.

167
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 10): إذا حدثت الكرية و الملاقاة في آن واحد حكم بطهارته ؛ ج‌1، ص : 168

تاريخ الوقوع (1).

[ (مسألة 10): إذا حدثت الكرية و الملاقاة في آن واحد حكم بطهارته]

(مسألة 10): إذا حدثت الكرية و الملاقاة في آن واحد حكم بطهارته (2)، و ان كان الأحوط الاجتناب.

هذا مثل ما قبله في الحكم، بل هو هو بتفاوت يسير لا يوجب فرقا في الحكم.

لإطلاق‌

قولهم (ع): «إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شي‌ء» [1]

الشامل للملاقاة المقارنة و اللاحقة. و التخصيص بالثانية فيه- مع أنه خلاف الإطلاق المؤيد بالارتكاز العقلائي في المانع، فإنه يكفي عندهم في مانعية المانع عن أثر المقتضي مقارنته للمقتضي حدوثا، و ليس سبق حدوث المانع دخيلا في مانعيته، كما هو ظاهر-: أنه لو حمل الدليل المذكور على الكرية السابقة على الملاقاة حدوثا لزم اعتبار [2] اللحوق في الملاقاة- يعني لم ينجسه شي‌ء لو لاقاه بعد صيرورته كراً- و تقييد الجزاء بالملاقاة اللاحقة يستلزم تقييد المفهوم بها، لأن حكم المفهوم نقيض حكم المنطوق، فاذا قيد الحكم في المنطوق بقيد تعين تقييد الحكم في المفهوم به، فيكون مفهوم القضية المذكورة: إذا لم يكن الماء قدر كر في زمان ينجسه الشي‌ء الملاقي له بعد ذلك. فتكون صورة المقارنة خارجة عن كل من المنطوق و المفهوم، و المرجع فيها إما عموم طهارة الماء أو استصحاب الطهارة. فتأمل‌

______________________________
[1] الوسائل باب: 9 من أبواب الماء المطلق تضمن ذلك عدة اخبار منها.

[2] فإن الملاقاة غير مصرح بها في الدليل، فضلا عن وصف كونها لاحقة للكرية، و انما تستفاد الملاقاة من انصراف الشي‌ء في (الجزاء) إلى الملاقي، فاللحوق ان تمت استفادته من الدليل فهو أيضا للانصراف إلى الملاقي ملاقاة لاحقة، فيكون مفاد الشرطية: إذا كان الماء قدر كر في زمان لا ينجسه شي‌ء لاقاه بعد ذلك. و مفهومها: إذا لم يكن قدر كر في زمان ينجسه شي‌ء يلاقيه بعد ذلك. فتكون صورة التقارن خارجة عن المنطوق و المفهوم «منه قدس سره».

168
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 11): إذا كان هناك ماءان أحدهما كر و الآخر قليل ؛ ج‌1، ص : 169

[ (مسألة 11): إذا كان هناك ماءان أحدهما كر و الآخر قليل]

(مسألة 11): إذا كان هناك ماءان أحدهما كر و الآخر قليل، و لم يعلم أن أيهما كر، فوقعت نجاسة في أحدهما معيناً أو غير معين لم يحكم بالنجاسة (1)، و ان كان الأحوط في صورة التعين الاجتناب (2).

[ (مسألة 12): إذا كان ماءان أحدهما المعين نجس]

(مسألة 12): إذا كان ماءان أحدهما المعين نجس، فوقعت نجاسة لم يعلم وقوعها في النجس أو الطاهر، لم يحكم بنجاسة الطاهر (3).

[ (مسألة 13): إذا كان كر لم يعلم أنه مطلق أو مضاف، فوقعت فيه نجاسة لم يحكم بنجاسته]

(مسألة 13): إذا كان كر لم يعلم أنه مطلق أو مضاف، فوقعت فيه نجاسة لم يحكم بنجاسته (4). و إذا كان جيداً. نعم لو كان لسان الدليل هكذا: كل ماء ينفعل بملاقاة النجاسة إلا ما كان كراً قبل الملاقاة. كانت صورة المقارنة داخلة في المستثنى منه لكنه ليس كذلك.

للشك في ملاقاتها للقليل، و المرجع استصحاب الطهارة سواء أ كانت الملاقاة لمعين أم لغير معين. هذا إذا كانت الحالة السابقة مجهولة.

أما إذا كانا معلومي الكرية سابقا، فاستصحاب الكرية المقتضي للطهارة هو المرجع. كما أنه لو كانا معلومي القلة، فاستصحابها كاف في الحكم بالنجاسة.

تخصيص الاحتياط بهذه الصورة غير ظاهر الوجه، لأن أكثر الوجوه المقتضية للحكم بالنجاسة، المتقدمة في المسألة السابعة- من قاعدة المقتضى و المانع، و التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، و غيرهما- جار في صورتي تعين الملاقي و عدمه.

لانحلال العلم الإجمالي بنجاسة أحدهما المردد، بالعلم التفصيلي بنجاسة أحدهما المعين، فلا مانع من الرجوع الى استصحاب الطهارة.

للشك فيها، من جهة احتمال الإطلاق، و المرجع استصحاب‌

169
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 14): القليل النجس المتمم كرا بطاهر أو نجس نجس على الأقوى ؛ ج‌1، ص : 170

كران أحدهما مطلق و الآخر مضاف، و علم وقوع النجاسة في أحدهما، و لم يعلم على التعيين، يحكم بطهارتهما (1).

[ (مسألة 14): القليل النجس المتمم كراً بطاهر أو نجس نجس على الأقوى]

(مسألة 14): القليل النجس المتمم كراً بطاهر أو نجس نجس على الأقوى (2).

الطهارة. نعم بعض الوجوه المتقدمة في المسألة السابعة للقول بالنجاسة مقتض له هنا أيضاً.

أما مطلق فطهارته معلومة، لأنه كر بالفرض. و أما المضاف فيحكم بطهارته ظاهراً، للشك في ملاقاته للنجاسة، فيرجع الى استصحاب الطهارة.

كما هو المشهور، كما عن جماعة. و عن الوسيلة: الطهارة إن تمم بطاهر. و نسبه في المبسوط الى بعض الأصحاب و قال: إنه قوي. أما إذا تمم بنجس ففي المبسوط: «لا شك أنه ينجس الكل». لكن عن رسيات السيد و المراسم و جواهر القاضي و غيرها: الطهارة أيضاً. و هو صريح السرائر. و العمدة من أدلتهم المرسل في المبسوط من‌

قولهم (ع): «إذا بلغ الماء كرا لم يحمل نجاسة» «1»

، و في السرائر:

«قول الرسول (ص) المجمع عليه عند المخالف و المؤالف: إذا بلغ الماء كراً لم يحمل خبثا» «2»

، و أرسله السيد (ره) فيما عن المسائل الرسية، و استدل- مضافا إليه- بالإجماع على أن الماء المعلوم وقوع النجاسة فيه المشكوك سبقه على الكرية و لحوقه لها طاهر، فلو لا بناؤهم على طهارة المتنجس ببلوغ الكرية لم يكن لذلك وجه.

لكن الإجماع المذكور- على تقدير ثبوته و حجيته- إنما يثبت الطهارة فيما نحن فيه لو كان إجماعا على الطهارة واقعا في مورده، أما لو كان على‌

______________________________
(1) آخر صفحة 3 من المبسوط المطبوع في إيران.

(2) صفحة: 8 سطر 14 من كتاب السرائر المطبوع في إيران.

170
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 14): القليل النجس المتمم كرا بطاهر أو نجس نجس على الأقوى ؛ ج‌1، ص : 170

.....

الطهارة ظاهراً فهو أجنبي عن المقام، لإمكان أن يكون الوجه في مورده أصالة الطهارة، كما عرفته في المسألة الثامنة. أما المقام فلا مجال فيه لأصل الطهارة. أما في المتمم بنجس فواضح، لحكومة استصحاب النجاسة عليها و أما في المتمم بطاهر، فلأن مقتضى عموم انفعال القليل نجاسة المقدار الطاهر المتمم للنجس كرا، لملاقاته لذلك النجس. و أدلة اعتصام الكر مختصة بالكر الملحوظ موضوعا للملاقاة، فلا بد من ثبوت كريته في رتبة سابقة على الملاقاة، فلا يشمل ما نحن فيه. و من ذلك يظهر أنه لا مجال في المقام للرجوع إلى عموم:

«خلق اللّٰه الماء طهورا ..» «1».

لأنه مخصص بأدلة انفعال القليل. كما لا مجال لمعارضة استصحاب الطهارة في المقدار الطاهر لاستصحاب النجاسة في المقدار النجس- بناء على عدم اختلاف الماء الواحد في الحكم واقعا و ظاهرا- و الرجوع الى قاعدة الطهارة. و ذلك لأن الرجوع إلى الأصل إنما يكون مع عدم الدليل، و قد عرفت الدليل على النجاسة. مع أن ذلك إنما يتم بعد امتزاج الماءين، لا قبله بمحض الاتصال، لعدم ثبوت وحدة حكم الماءين حينئذ، كما يظهر مما ذكروه في الجاري و الكثير إذا تغير بعضهما حيث ذكروا اختصاص النجاسة بالمتغير لا غير، كما تضمن ذلك النص في الكثير أيضاً. مع أن الإجماع على الوحدة في الحكم ظاهراً غير ثابت، و المتيقن الوحدة في الحكم واقعاً.

و أما المرسل فضعف سنده بالإرسال، و اعراض المشهور عنه، يمنعان عن العمل به. و عمل ابن إدريس به مبني على اعتقاده رواية المؤالف و المخالف له، و قد قال المحقق: «و الذي رواه مرسلا السيد و الشيخ و آحاد ممن جاء بعده و المرسل لا يعمل به، و كتب الحديث عن الأئمة (ع) خالية عنه أصلا. و أما المخالفون فلم أعرف به عاملا سوى ما يحكى عن‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 1 من أبواب الماء المطلق حديث: 9.

171
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 14): القليل النجس المتمم كرا بطاهر أو نجس نجس على الأقوى ؛ ج‌1، ص : 170

.....

ابن حي، و هو زيدي منقطع المذهب. و أما رأيت أعجب ممن يدعي إجماع المخالف و المؤالف فيما لا يوجد إلا نادرا». و أما السيد (ره) فلم يظهر منه الاعتماد عليه لو لا الإجماع الذي ادعاه. بل من المحتمل أن يكون ذلك الإجماع قرينة عنده على صحته و ثبوته. و كذلك القاضي في جواهره، فإنه و ان رواه عنهم (ع)، لكنه استدل على الطهارة في المتمم بطاهر- الذي هو موضوع كلامه- بأن الطاهر لا ينجس بالملاقاة للنجس، لصيرورته كرا، و بضميمة الإجماع على عدم اختلاف الماء الواحد في الحكم يحكم بطهارة النجس. و أطال في النقض و الإبرام في إثبات ذلك. و من الجائز أن يكون اعتماده عليه لذلك. مع أن اعتماد مثله غير كاف في حجية الخبر و أما الشيخ فإنه و ان ظهر من كلامه في المبسوط الميل إلى الطهارة، لكن ظاهر عبارة المبسوط أن النجاسة أقوى. فلاحظ كلامه. و بالجملة:

وجود هذه الضمائم في كلمات الجماعة مانعة من الوثوق باعتمادهم على الخبر بحيث يخرج به عن القواعد.

هذا مضافا إلى تأتي المناقشة في دلالته، لأن‌

قوله (ع): «لم يحمل خبثاً»

يحتمل- بدوا- أن يراد منه تشريع اعتصام الكر عن حدوث النجاسة، و انفعال ما دونه، فيكون مفاده منطوقا و مفهوما مفاد‌

الرواية المشهورة: «إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شي‌ء» «1».

و يحتمل أن يراد منه الرفع، يعني: إذا بلغ الماء النجس كرا ارتفعت عنه النجاسة الثابتة له قبل البلوغ. و مفهومه- على هذا- دال على انحصار مطهرية الماء النجس بالبلوغ كرا، و بقاء النجاسة للماء بدون أن يبلغ كرا، فيكون حجة على بقاء نجاسته مهما شك في ارتفاعها لطروء أمر ما غير الكرية و لا مجال للرجوع الى استصحابها إذ لا مجال للاستصحاب مع الدليل. و على هذا‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 9 من أبواب الماء المطلق تضمن ذلك عدة احاديث منها.

172
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 14): القليل النجس المتمم كرا بطاهر أو نجس نجس على الأقوى ؛ ج‌1، ص : 170

.....

المعنى تكون الرواية واردة في مقام تشريع البقاء و الارتفاع، المترتب على تشريع الحدوث و العدم الذي هو مفاد الرواية المشهورة.

و بالجملة: على هذا المعنى يكون قد صدر من الشارع المقدس تشريعان (أحدهما): تشريع الانفعال و عدمه منوطين بالقلة و الكثرة، و هو مفاد الرواية المشهورة. (و ثانيهما) تشريع بقاء الانفعال و ارتفاعه منوطين بطروء الكرية و عدمه، و هذان التشريعان مترتبان، لترتب البقاء و الارتفاع على الحدوث و تفرعهما عليه، فيكون كل من منطوق القضية الشرطية و مفهومها على المعنى الثاني متفرعا على مفهومها بالمعنى الأول. و لأجل ذلك يمتنع عرفا أن تكون الجملة المذكورة في مقام إنشاء الحكمين المذكورين، بأن يراد من‌

قوله (ع): «لم يحمل خبثا»

أنه ان كان كرا لم ينفعل و إلا انفعل، و أنه إن كان كرا لم يبق فيه الانفعال، و إلا بقي. فحمل الرواية على إنشاء الحكمين معا متعذر.

و حينئذ يدور الأمر بين حملها على الأول- و هو الدفع- فتتحد مع الرواية المشهورة في المفاد، و بين حملها على الرفع فتخالفها فيه، و تكون متضمنة للتشريع الثاني. و الأظهر الحمل على الأول، لأن الحمل على الثاني يتوقف على تقييد الماء بالماء النجس قبل البلوغ كرا، و العبارة المناسبة له أن يقال: إذا بلغ الماء النجس كرا طهر، لا مثل العبارة المذكورة. نعم لو كانت الجملة الشرطية المذكورة في الحديث خبرية، أمكن أن يراد منها المفادان معا. لكنه خلاف الظاهر. و من ذلك يظهر عدم صلاحية الحديث المذكور لإثبات طهارة المتمم كرا بطاهر، فضلا عن المتمم بالنجس.

كما يظهر أن التفصيل بينهما- كما عن الجماعة- اعتمادا على الحديث المذكور ضعيف، فإنه لو تمت دلالته لم يكن فرق بين الفرضين، كما اختاره الحلي. اللهم إلا أن يكون الوجه في الفرق بينهما الإجماع على عدم‌

173
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 14): القليل النجس المتمم كرا بطاهر أو نجس نجس على الأقوى ؛ ج‌1، ص : 170

.....

الطهارة في النجس المتمم بنجس، كما يظهر من المبسوط، حيث نفى الشك في النجاسة فيه. لكن خلاف ابن إدريس قادح في جواز الاعتماد عليه. فتأمل.

و أما معارضته- على تقدير تمامية دلالته- بما دل على انفعال القليل المقتضي للحكم بنجاسة الطاهر المتمم، المنافي للحكم بطهارته حين الملاقاة المقتضية للكرية، لامتناع الحكم بالطهارة و النجاسة لموضوع واحد في زمان واحد.

و مجرد اختلاف مفاد الدليلين، من أجل أن أحدهما في مقام الدفع، و الآخر في مقام الرفع، و لا يجدي في رفع المنافاة المذكورة. (فيدفعها): أنه يمكن الجمع بين الدليلين بحمل الثاني على مجرد الاقتضاء دون الفعلية، فلا ينافي فعلية الطهارة، و يكون نظير الجمع بين دليلي العنوان الاولي و الثانوي كما يظهر بالتأمل. و الجمع بينهما بذلك أقرب من غيره من وجوه الجمع.

و أشكل من ذلك معارضته بما تضمن النهي عن غسالة الحمام،

كموثق ابن أبي يعفور عن الصادق (ع): «و إياك أن تغتسل من غسالة الحمام، ففيها يجتمع غسالة اليهودي، و النصراني، و المجوسي، و الناصب لنا أهل البيت، و هو شرهم، فان اللّه تبارك و تعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب و إن الناصب لنا- أهل البيت- لأنجس منه» «1».

إذ يدفعها قصور الدلالة على النجاسة مع بلوغ الكرية، لإجمال المراد من الغسالة، لأن موردها من قبيل قضايا الأحوال، بقرينة ذكر اليهودي و اخوته- و من الجائز أن يكون مورد السؤال ما لا يبلغ الكر. مع أن العمل بهذه الاخبار لا يخلو من اشكال، كما يأتي فلاحظ.

______________________________
(1) الوسائل باب: 11 من أبواب الماء المضاف حديث: 5.

174
مستمسک العروة الوثقی1

فصل في ماء المطر ؛ ج‌1، ص : 175

[فصل في ماء المطر]

فصل ماء المطر حال تقاطره من السماء كالجاري (1)، فلا ينجس ما لم يتغير و ان كان قليلا، سواء جرى من الميزاب، أو على وجه الأرض، أم لا (2).

فصل في ماء المطر بذلك طفحت عباراتهم. بل استفاض نقل الإجماع عليه في الجملة صريحاً و ظاهراً.

كما هو المشهور. و يشهد له‌

مرسلة الكاهلي عن أبي عبد اللّٰه (ع) في حديث: «قلت: يسيل علي من ماء المطر أرى فيه التغير و أرى فيه آثار القذر فتقطر القطرات علي و ينتضح علي منه. و البيت يتوضأ على سطحه فيكف على ثيابنا، قال (ع): ما بذا بأس لا تغسله. كل شي‌ء يراه ماء المطر فقد طهر» «1»

و‌

صحيح هشام بن سالم: «أنه سأل أبا عبد اللّه (ع) عن السطح يبال عليه فتصيبه السماء فيكف فيصيب الثوب فقال (ع): لا بأس به، ما أصابه من الماء أكثر منه» «2»

فان الوكوف في الثاني و ان كان ملازما للجريان غالباً، فلا يكون له إطلاق يشمل صورة عدم الجريان، إلا أن التعليل بقوله (ع):

«ما أصابه ..»

ظاهر في الاكتفاء بالمسمى إذا كان غالباً على النجاسة، و الأخذ به لازم. و كذلك‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 6 من أبواب الماء المطلق حديث: 5.

(2) الوسائل باب: 6 من أبواب الماء المطلق حديث: 1.

175
مستمسک العروة الوثقی1

فصل في ماء المطر ؛ ج‌1، ص : 175

.....

السيلان في الأول، و ان كان لا يعم صورة عدم الجريان. و قوله (ع):

«كل شي‌ء يراه ..»

غير ظاهر في الاعتصام، لأن المطهرية أعم منه و لذا يقال بنجاسة ماء الغسالة و لو طهر المحل بها و لذلك قد تشكل دلالته على المشهور. إلا أن قوله (ع):

«كل شي‌ء يراه ..»

لما كان مسوقا مساق الكبرى الكلية للجواب بنفي البأس، دل على عموم نفي البأس لكل ما يسمى ماء المطر، و ان لم يكن جاريا.

هذا و قد ينسب الى ابن حمزة اعتبار الجريان. و الى التهذيب و المبسوط و الجامع اشتراط الجريان من الميزاب. و لعل ذكر الميزاب في كلامهم من باب المثال، فيرجع الى القول الأول. و يشهد له حينئذ‌

صحيح ابن جعفر (ع) عن أخيه موسى (ع): «سألته عن البيت يبال على ظهره، و يغتسل من الجنابة ثمَّ يصيبه المطر، أ يؤخذ من مائه فيتوضأ به للصلاة؟ فقال: إذا جرى فلا بأس به» «1»

و‌

خبره المروي عن قرب الاسناد: «سألته عن الكنيف يكون فوق البيت فيصيبه المطر فيكف فيصيب الثياب، أ يصلى فيها قبل أن تغسل؟ قال (ع): إذا جرى من ماء المطر فلا بأس» «2»

و نحوه خبره- المروي عن كتابه- في المطر يجري في المكان فيه العذرة «3».

و ظاهرها اعتبار الجريان الفعلي: فيشكل الأمر في المطر الواقع على الأرض الرملية، و في البحر، و نحوهما مما يمتنع فيه الجريان. و حملها على الجريان بالقوة- كما عن المحقق الأردبيلي- قدس سره- لا قرينة عليه.

و أشكل منه ما تقدم عن ظاهر الشيخ و غيره من اعتبار الجريان من ميزاب، فإنه تقييد للنصوص المذكورة بلا مقيد، و يلزمه القول بعدم اعتصام‌

______________________________
(1) الوسائل باب: 6 من أبواب الماء المطلق حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 6 من أبواب الماء المطلق حديث: 3.

(3) الوسائل باب: 6 من أبواب الماء المطلق حديث: 9.

176
مستمسک العروة الوثقی1

فصل في ماء المطر ؛ ج‌1، ص : 175

بل و ان كان قطرات، بشرط صدق المطر عليه (1) و إذا المطر الواقع في الصحاري و البحار، و هو كما ترى. و من هنا يظهر الإشكال في هذه الفتاوى، كالإشكال في النصوص.

و لا يبعد ما ذكره بعض مشايخنا (قده) من كون مراد الجماعة إلحاق ماء المطر الجاري على وجه الأرض، بماء المطر النازل من السماء، لدفع توهم اختصاص الحكم بماء المطر حال نزوله، و أنه بعد نزوله و استقراره في الأرض يكون بحكم المحقون. و عبارة بعضهم لا تأبى ذلك. ففي الوسيلة- بعد أن ذكر أن الماء الجاري طاهر و مطهر- قال (ره): «و ما يكون في حكم الجاري هو ماء الحمام .. (إلى أن قال): و حكم الماء الجاري من الشعب من ماء المطر كذلك». و عن التهذيب و الاستبصار: «ماء المطر إذا جرى من الميزاب فحكمه حكم الجاري».

و كيف كان فالنصوص المتقدمة المستدل بها على اعتبار الجريان في اعتصام ماء المطر يعارضها التعليل في صحيح هشام المتقدم، الظاهر في الاكتفاء بأكثرية ماء المطر على المتنجس، الظاهر في غلبته عليه، كما هو اللازم في مطهرية الماء. لأن المراد من البول الذي يكون المطر أكثر منه هو الأثر الموجود في السطح، و لعدم السنخية بينه و بين الماء يتعين حمل الأكثرية على الأغلبية، و لأجل ذلك يجب أن تحمل نصوص الجريان على أن اعتباره في موارد السؤال فيها، للمحافظة على الغلبة المذكورة، كما يساعده مواردها.

بأن يكون له نحو كثرة بها يتحقق صدق الاسم، و ان كان الملاقي للنجس قطرات منه، فلو كان مجموع ما نزل من السماء قطرات يسيرة فلم يصدق عليها ماء المطر لم يترتب الحكم. و في روض الجنان: «كان بعض من عاصرناه من السادة الفضلاء يكتفي في تطهير الماء النجس بوقوع قطرة واحدة عليه. و ليس ببعيد، و ان كان العمل على خلافه». و اشكاله‌

177
مستمسک العروة الوثقی1

فصل في ماء المطر ؛ ج‌1، ص : 175

اجتمع في مكان و غسل فيه النجس طهر و ان كان قليلا (1).

لكن ما دام يتقاطر عليه من السماء (2).

ظاهر، لمنع الصدق، أو عدم ثبوته. و لعل مراده الاكتفاء في التطهير بالقطرة من المطر النازل، لا الاكتفاء بها في صدق المطر. و عليه فهو في محله.

و الفرق بين المقامين واضح- كما في الجواهر- فلاحظ.

و لا يحتاج إلى وروده على النجس في حصول طهارته به، لاختصاص اعتبار الورود في التطهير بغير المعتصم، أما المعتصم فلا يعتبر فيه ذلك.

هذا بناء على اعتبار الورود في التطهير بغير المعتصم، أما بناء على عدم اعتباره فلا فرق بين ماء المطر و غيره في الحكم المذكور في المتن.

أما اعتبار التقاطر من السماء- في الجملة- في الاعتصام فالظاهر أنه لا إشكال فيه، و في كشف اللثام و ظاهر غيره الاتفاق عليه. و اما اعتبار كون التقاطر عليه، فهو ظاهر محكي مصابيح العلامة الطباطبائي (قده) بل في الجواهر أنه صريحه، و أنه لم يتعرض لذلك سوى العلامة المزبور، في الكتاب المذكور، و أما غيره فأطلق، بل هو نفسه في منظومته كذلك أيضاً.

و مال في الجواهر الى الاكتفاء في اعتصام المجتمع في الأرض بوجود التقاطر من السماء و ان لم يكن عليه. و جعله ظاهر صحيح ابن الحكم «1» و صحيح ابن سالم «2»، و مرسل الكاهلي «3»، و غيرها. بل جعله ظاهر جميع ما ورد في ماء المطر، و أن ماء المطر كما يصدق على النازل حال نزوله، يصدق على المستقر في الأرض، و ان اعتصام الثاني لأنه ماء مطر، لا لأنه متصل بالنازل. نعم يشترط في ثبوت الحكم له- مضافا الى وجود التقاطر-

______________________________
(1) الوسائل باب: 6 من أبواب الماء المطلق حديث: 4.

(2) الوسائل باب: 6 من أبواب الماء المطلق حديث: 1.

(3) الوسائل باب: 6 من أبواب الماء المطلق حديث: 5.

178
مستمسک العروة الوثقی1

فصل في ماء المطر ؛ ج‌1، ص : 175

.....

أن يكون متهيئاً للتقاطر عليه فلو وضع في خابية و ترك في بيت مثلا لم يجر الحكم المذكور عليه.

و فيه: أن ماء المطر (تارة): يراد منه النازل من السماء (و أخرى):

يراد منه ما كان أصله كذلك و ان كان فعلا في خابية أو مصنع أو نحوهما و لا ريب أن موضوع النصوص و الفتاوى هو الأول، لا الثاني، فإن جملة من نصوص انفعال القليل موردها الحياض و الغدران التي أصلها من المطر، و لا يتوهم المعارضة بينها و بين نصوص الباب، لما عرفت أن موردها المعنى الأول، و كونه جاريا على السطح أو من ميزاب، أو نحو ذلك لا ينافي هذا المعنى، لأن اتصاله بالنازل بتوالي القطرات عليه يوجب الوحدة العرفية بينهما، فالنازل من السماء قبل الجريان و بعده مع توالي القطرات عليه، إطلاق المطر، أو ماء المطر عليه في الحالين بمعنى واحد.

و كذلك الكلام في أمثال المقام مثل ماء النهر و ماء البئر، فإنه أيضاً يطلق (تارة): على ما كان في النهر أو في البئر، (و أخرى): على ما كان أصله منهما، فاذا قيل ماء النهر‌

يطهر بعضه بعضاً

، و‌

ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء

، يكون ظاهراً في المعنى الأول، فإذا سئل عن ماء البئر الجاري على جوانبها، أو ماء النهر كذلك لا يحمل على المعنى الثاني، بل هو ظاهر في الأول، كما لا يخفى. هذا مضافا الى أن الحمل على الثاني في المقام يقتضي عموم الحكم لصورة انقطاع التقاطر بالمرة، و صورة وضعه في خابية و نحوها، فإخراج الصورتين المذكورتين لا وجه له. اللهم إلا أن يكون من جهة الإجماع. و لكن الإجماع تعبداً على خروجهما غير واضح.

و أما التمسك باستصحاب حكم الجاري، فيدفعه: أن عموم انفعال القليل حاكم عليه. مع أنه من الاستصحاب التعليقي، و هو و ان كان معتضداً- بالنسبة إلى اعتصامه- باستصحاب الطهارة، لكنه معارض- بالنسبة إلى‌

179
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 1): الثوب أو الفراش النجس إذا تقاطر عليه المطر ؛ ج‌1، ص : 180

[ (مسألة 1): الثوب أو الفراش النجس إذا تقاطر عليه المطر]

(مسألة 1): الثوب أو الفراش النجس إذا تقاطر عليه المطر، و نفذ في جميعه طهر، و لا يحتاج الى العصر أو التعدد (1)، و إذا وصل الى بعضه دون بعض طهر ما وصل اليه. هذا إذا لم يكن فيه عين النجاسة، و الا فلا يطهر إلا إذا تقاطر عليه بعد زوال عينها (2).

مطهريته لغيره- باستصحاب النجاسة، و ان كان المرجع بعد التعارض قاعدة الطهارة، فتتحد النتيجة. فالعمدة في البناء على انفعاله بانقطاع التقاطر، عموم أدلة انفعال القليل التي مورد بعضها ماء المطر بعد انقطاع تقاطره، و بها يخرج عن نصوص الباب.

لإطلاق مرسلة الكاهلي المتقدمة «1». و معارضتها بما دل على اعتبار العصر أو التعدد بالعموم من وجه، المقتضية للرجوع الى استصحاب النجاسة. مندفعة: بأنه لو تمَّ إطلاق دليلهما بنحو يشمل المقام، فرفع اليد عن إطلاق المرسلة و تقييدها بدليلهما يوجب إلغاء خصوصية المطر، و ذلك خلاف ظاهر الرواية جدا فيتعين العكس، أعني: تقييد دليلي العصر و التعدد و الأخذ بإطلاقها. مع أن العمدة في دليل اعتبار العصر هو ارتكاز العرف من جهة انفعال الماء المغسول به، و مع اعتصام الماء- كما في المقام- لا مجال له. و كذا في كل ماء معتصم.

لعل مقتضى صحيح ابن سالم المتقدم «2» الاكتفاء بغلبة المطر على عين النجاسة حتى يزيلها. بل لعل إطلاق رواية الكاهلي «3» دال على ذلك، فلا يحتاج إلى التقاطر بعد زوال عين النجاسة.

______________________________
(1) في أول هذا الفصل.

(2) في أول هذا الفصل.

(3) و هي مرسلة الكاهلي المتقدمة في أول هذا الفصل.

180
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 2): الإناء المتروس بماء نجس كالحب و الشربة و نحوهما - إذا تقاطر عليه طهر ماؤه و اناؤه ؛ ج‌1، ص : 181

[ (مسألة 2): الإناء المتروس بماء نجس كالحب و الشربة و نحوهما- إذا تقاطر عليه طهر ماؤه و اناؤه]

(مسألة 2): الإناء المتروس بماء نجس كالحب و الشربة و نحوهما- إذا تقاطر عليه طهر ماؤه و اناؤه (1) بالمقدار الذي فيه ماء. و كذا ظهره و أطرافه إن وصل اليه المطر حال التقاطر، و لا يعتبر فيه الامتزاج، بل و لا وصوله الى تمام ليس في نصوص الباب ما هو ظاهر في ذلك. و دعوى: صدق الرؤية الواردة في المرسلة بمجرد التقاطر، غير ظاهرة إلا بالإضافة إلى السطح الملاقي للقطرات لا غير. مع أنه لو تمَّ ذلك هنا اقتضى طهارة المضاف بذلك أيضاً، و الظاهر عدم القول به من أحد، و ان كان مقتضى ما عن العلامة (ره) في طهر المضاف باتصاله بالجاري، قوله به هنا أيضاً، للإجماع على أنه بحكم الجاري، لكنه لم ينقل ذلك عنه هنا. اللهم إلا أن يدعى خروج المضاف عن القاعدة من جهة الإجماع. فالعمدة الإشكال الأول، و هو عدم ثبوت صدق الرؤية لتمام أجزاء الماء بمجرد التقاطر على سطحه. و ما في الجواهر من أنه لا ينبغي الإصغاء إلى هذه الدعوى غير واضح. بل يشكل الحكم بالطهارة حتى مع الامتزاج، لأن انفصال القطرات بعضها عن بعض موجب لانفعال كل قطرة بعد الاستقرار. و لا ينافي هذا ما تقدم من أن ماء المطر الجاري على الأرض معتصم بنفسه ما دام التقاطر عليه، لاختصاص النصوص الدالة على ذلك [1] بغير الممتزج، و رواية الميزابين «1» محمولة- جزما- على صورة استهلاك البول في ماء المطر.

(و بالجملة): لا دليل على أن القطرات الممتزجة بالماء النجس معتصمة ما دام التقاطر، و لا سيما مع استهلاكها فيه.

فالعمدة إذاً في طهارة الماء المتنجس بتقاطر المطر عليه الإجماعات‌

______________________________
[1] المتقدمة في أول هذا الفصل.

______________________________
(1) الوسائل باب: 6 من أبواب الماء المطلق حديث: 4.

181
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 3): الأرض النجسة تطهر بوصول المطر إليها ؛ ج‌1، ص : 182

سطحه الظاهر، و ان كان الأحوط ذلك (1).

[ (مسألة 3): الأرض النجسة تطهر بوصول المطر إليها]

(مسألة 3): الأرض النجسة تطهر بوصول المطر إليها بشرط أن يكون من السماء، و لو بإعانة الريح. و أما لو وصل إليها بعد الوقوع على محل آخر، كما إذا ترشح بعد الوقوع المستفيضة على أنه بحكم الجاري، و قد عرفت آنفا طهارة الماء النجس بمجرد اتصاله بالجاري. هذا مضافا الى الإجماع المحكي على طهارته بوقوع المطر عليه كما عن المفاتيح و الروضة.

و يمكن الاستدلال له بما في مرسلة الكاهلي، على ما في بعض نسخ الكافي. و في نسخة الوافي «1» عن بعض المتبحرين «2» من مشايخنا المعاصرين (قده) تصحيحها هكذا: «يسيل على الماء المطر» بجر الماء و رفع المطر، على أن يكون الضمير في قول السائل:

«أرى فيه»

راجعا إلى الماء لا الى المطر. و كأنه بقرينة قوله (ع) في الجواب:

«كل شي‌ء يراه ..»

إذ لو كان راجعا الى المطر كان المراد من الجواب أنه مطهر لنفس القذر، و هو ممتنع. و الذي يشهد لهذا التصحيح أن مجرور: (على) لو كان ياء المتكلم لكان فرض السيلان عليه منافيا لفرض ورود القطرات عليه، كما لا يخفى.

ثمَّ إن الظاهر أنه لا كلام عندهم في طهارة الإناء بطهارة الماء، لأن ملاقاته للماء المعتصم مطهرة له، و لو لاستفادته من عموم مرسلة الكاهلي الدالة بعمومها على أن ملاقاة المطر للإناء مطهرة له، فيتعدى منه إلى كل ماء معتصم، كما يأتي ذلك في محله إن شاء اللّه تعالى. و منه يظهر الحكم في طهارة ظهره و أطرافه.

لأنه المتيقن من معاقد الإجماع على مطهريته للماء و اختاره في المستند.

______________________________
(1) الباب الرابع من أبواب أحكام المياه حديث: 3.

(2) شيخ الشريعة الأصفهاني «ره».

182
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 4): الحوض النجس تحت السماء يطهر بالمطر ؛ ج‌1، ص : 183

على مكان فوصل مكاناً آخر، لا يطهر (1). نعم لو جرى على وجه الأرض فوصل الى مكان مسقف بالجريان اليه طهر (2)

[ (مسألة 4): الحوض النجس تحت السماء يطهر بالمطر]

(مسألة 4): الحوض النجس تحت السماء يطهر بالمطر (3)، و كذا إذا كان تحت السقف و كان هناك ثقبة ينزل منها على الحوض، بل و كذا لو أطارته الريح حال تقاطره فوقع في الحوض، و كذا إذا جرى من ميزاب فوقع فيه.

[ (مسألة 5): إذا تقاطر من السقف لا يكون مطهراً]

(مسألة 5): إذا تقاطر من السقف لا يكون مطهراً (4) بل و كذا إذا وقع على ورق الشجر ثمَّ وقع على الأرض نعم لو لاقى في الهواء شيئا- كورق الشجر أو نحوه- حال نزوله لا يضر، إذا لم يقع عليه ثمَّ منه على الأرض، فبمجرد المرور على الشي‌ء لا يضر (5).

للشك في ذلك من دون دليل عليه. بل عموم انفعال القليل يقتضي انفعال الماء الواصل اليه. و قد عرفت أن هذا العموم مقدم على استصحاب الاعتصام الثابت له حال النزول.

لإطلاق نصوص الباب الواردة في ماء المطر الجاري. فلاحظ ما سبق «1».

يعلم الحكم المذكور مما سبق في المسألة الثانية.

لما تقدم في المسألة الثانية. و لا فرق بين السقف و ورق الشجر و غيرهما من الوسائط. نعم لو كان يجري من الواسطة إلى غيرها مع توالي التقاطر عليه كان معتصما و مطهراً.

لإطلاق الأدلة.

______________________________
(1) في أول هذا الفصل.

183
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 6): إذا تقاطر على عين النجس، فترشح منها على شي‌ء آخر، لم ينجس ؛ ج‌1، ص : 184

[ (مسألة 6): إذا تقاطر على عين النجس، فترشح منها على شي‌ء آخر، لم ينجس]

(مسألة 6): إذا تقاطر على عين النجس، فترشح منها على شي‌ء آخر، لم ينجس (1)، إذا لم يكن معه عين النجاسة، و لم يكن متغيراً (2).

[ (مسألة 7): إذا كان السطح نجساً فوقع عليه المطر و نفذ و تقاطر من السقف، لا تكون تلك القطرات نجسة]

(مسألة 7): إذا كان السطح نجساً فوقع عليه المطر و نفذ و تقاطر من السقف، لا تكون تلك القطرات نجسة و ان كان عين النجاسة موجودة على السطح و وقع عليها. لكن بشرط أن يكون ذلك حال تقاطره من السماء. و أما إذا انقطع ثمَّ تقاطر من السقف مع فرض مروره على عين النجس فيكون نجساً. و كذا الحال إذا جرى من الميزاب بعد وقوعه على السطح النجس.

[ (مسألة 8): إذا تقاطر من السقف النجس يكون طاهرا]

(مسألة 8): إذا تقاطر من السقف النجس يكون طاهرا إذا كان التقاطر حال نزوله من السماء، سواء كان السطح أيضاً نجساً أم طاهراً.

[ (مسألة 9): التراب النجس يطهر بنزول المطر عليه]

(مسألة 9): التراب النجس يطهر بنزول المطر عليه إذا وصل إلى أعماقه حتى صار طيناً (3).

يعني: ما دام متصلا بماء السماء بتوالي تقاطره عليه، كما هو مورد النصوص المتقدمة، فإنه معتصم حينئذ. و لا يضر أن يكون معه عين النجاسة فإنه لا ينجس بها، كما هو مورد مرسلة الكاهلي «1».

إذ لا إشكال في نجاسته بذلك، كما يستفاد من صحيح ابن سالم «2» و مما ذكرنا هنا تعرف وجه الحكم في المسألة السابعة و الثامنة.

يدل على ذلك إطلاق ما دل على مطهريته. مضافا الى المرسل‌

______________________________
(1) تقدم ذكرهما في أول هذا الفصل.

(2) تقدم ذكرهما في أول هذا الفصل.

184
مستمسک العروة الوثقی1

(مسألة 10): الحصير النجس يطهر بالمطر ؛ ج‌1، ص : 185

[ (مسألة 10): الحصير النجس يطهر بالمطر]

(مسألة 10): الحصير النجس يطهر بالمطر، و كذا الفراش المفروش على الأرض و إذا كانت الأرض التي تحتها أيضاً نجسة تطهر إذا وصل إليها (1). نعم إذا كان الحصير منفصلا عن الأرض، يشكل طهارتها بنزول المطر عليه إذا تقاطر منه عليها، نظير ما مر من الاشكال (2) فيما وقع على ورق الشجر و تقاطر منه على الأرض.

[ (مسألة 11): الإناء النجس يطهر إذا أصاب المطر جميع مواضع النجس منه]

(مسألة 11): الإناء النجس يطهر إذا أصاب المطر جميع مواضع النجس منه. نعم إذا كان نجساً بولوغ الكلب يشكل طهارته بدون التعفير (3) لكن بعده إذا نزل عليه يطهر من غير حاجة الى التعدد.

عن أبي الحسن (ع) في طين المطر: «انه لا بأس به أن يصيب الثوب ثلاثة أيام، إلا أن يعلم أنه قد نجسه شي‌ء بعد المطر» «1»

فتأمل.

يستفاد ذلك كله من مرسلة الكاهلي «2» و غيرها.

تقدم منه (قده) الجزم بالعدم.

لأن‌

قوله (ع): «كل شي‌ء يراه ماء المطر فقد طهر» «3»

ليس بأقوى مما دل على اعتبار التعفير، لقرب دعوى ظهوره في تميز ماء المطر عن سائر أفراد الماء، فلا يعتبر في مطهريته ما يعتبر في مطهرية غيره لا جعله مطهراً لما لا يطهره الماء، كالتراب، فإطلاق ما دل على اعتبار التعفير محكم. لا أقل من تساويهما في الظهور، فيرجع بعد المعارضة إلى استصحاب النجاسة.

______________________________
(1) الوسائل باب: 6 من أبواب الماء المطلق حديث: 6.

(2) تقدم في أول هذا الفصل.

(3) تقدم في أول هذا الفصل.

185
مستمسک العروة الوثقی1

فصل في ماء الحمام ؛ ج‌1، ص : 186

[فصل في ماء الحمام]

فصل ماء الحمام بمنزلة الجاري (1)، بشرط اتصاله بالخزانة (2) فالحياض الصغار فيه إذا اتصلت بالخزانة لا تنجس بالملاقاة فصل في ماء الحمام في الجواهر الإجماع محصلا و منقولا عليه. و يشهد له‌

صحيح داود ابن سرحان: «قلت لأبي عبد اللّه (ع): ما تقول في ماء الحمام؟ قال (ع):

هو بمنزلة الجاري» «1».

و‌

خبر ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّٰه (ع): «إن ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا» «2».

و قريب منهما غيرهما.

إجماعا كما في الجواهر. و يقتضيه الجمع بين ما تقدم و بين‌

رواية بكر بن حبيب عن أبي جعفر (ع): «ماء الحمام لا بأس به إذا كانت له مادة» «3».

و ضعفها بجهالة بكر منجبر بعمل المشهور. بل في الحبل المتين: ان جمهور الأصحاب تلقوا روايته هذه بالقبول. انتهى. هذا مضافا الى رواية صفوان عنه الذي هو من أصحاب الإجماع، و ممن لا يروي إلا عن ثقة، كما عن الشيخ (ره) في العدة و أما ما في طهارة شيخنا الأعظم (ره) من أن الظاهر أنه بكر بن محمد بن حبيب- الذي ظاهر المحكي عن النجاشي و صريح الخلاصة: أنه من علماء الإمامية، و حكى ابن داود عن الكشي.

______________________________
(1) الوسائل باب: 7 من أبواب الماء المطلق حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 7 من أبواب الماء المطلق حديث: 7.

(3) الوسائل باب: 7 من أبواب الماء المطلق حديث: 4.

186
مستمسک العروة الوثقی1

فصل في ماء الحمام ؛ ج‌1، ص : 186

إذا كان ما في الخزانة وحده، أو مع ما في الحياض بقدر الكر (1)، من غير فرق بين تساوي سطحها مع الخزانة،