×
☰ فهرست و مشخصات
موسوعة الإمام الخوئي15

تتمة كتاب الصلاة ؛ ج 15، ص : 1

 

الجزء الخامس عشر

[تتمة كتاب الصلاة]

[فصل في الرّكوع]

فصل في الرّكوع يجب في كل ركعة من الفرائض و النوافل ركوع واحد إلّا في صلاة الآيات ففي كل ركعة من ركعتيها خمس ركوعات كما سيأتي، و هو ركن تبطل الصلاة بتركه عمداً كان أو سهواً، و كذا بزيادته في الفريضة إلّا في صلاة الجماعة فلا تضر بقصد المتابعة (1).

______________________________
(1) الركوع لغة
«1» هو مطلق الانحناء و تطأطؤ الرأس، يقال ركع الشيخ، أي انحنى من الكبر، سواء أ كان حسِّياً كالمثال أو معنوياً كمن أكبّه الدّهر فصار فقيراً بعد أن كان غنيّاً، فيقال ركع زيد، أي انحطّت حالته، و في الشرع انحناء مخصوص كما ستعرف.

و لا إشكال بضرورة الدين في وجوبه مرّة واحدة في كل ركعة من الفرائض و النوافل، بل باعتباره سمِّيت الركعة ركعة، ما عدا صلاة الآيات فيجب في كل ركعة من ركعتيها خمس ركوعات كما سيأتي الكلام عليها في محلّها إن شاء اللّٰه تعالى «2».

و لا ينبغي الإشكال في أنّه ركن، بل ممّا تتقوّم به حقيقة الصلاة و ماهيّتها‌

______________________________
(1) لسان العرب 8: 133، مجمع البحرين 4: 339.

(2) شرح العروة 16/ بعد المسألة [1752].

 

1
موسوعة الإمام الخوئي15

و واجباته أمور ؛ ج 15، ص : 2

 

[و واجباته أُمور]

و واجباته أُمور:

[أحدها: الانحناء على الوجه المتعارف]

أحدها: الانحناء على الوجه المتعارف بمقدار تصل يداه إلى ركبتيه وصولًا لو أراد وضع شي‌ء منهما عليهما لوضعه، و يكفي وصول مجموع أطراف الأصابع التي منها الإبهام على الوجه المذكور، و الأحوط الانحناء بمقدار إمكان وصول الراحة إليها، فلا يكفي مسمّى الانحناء (1).

______________________________
بحيث ينتفي بانتفائه الاسم كما يشهد به حديث التثليث، «قال (عليه السلام): الصلاة ثلاثة أثلاث: ثلث طهور، و ثلث ركوع، و ثلث سجود»
«1» فهو دخيل في المسمّى و ركن فيه. و مع الغض فلا شك في كونه ركناً في المأمور به، بمعنى أنّ الإخلال به من حيث النقص عمداً أو سهواً موجب للبطلان كما يشهد به حديث لا تعاد، و يأتي الكلام عليه في بحث الخلل إن شاء اللّٰه تعالى «2».

و أمّا الإخلال من حيث الزيادة، فهو و إن لم يكن معتبراً في صدق الركن لعدم إناطته إلّا بالإخلال من حيث النقص فحسب كما عرفت سابقاً، إلّا أنّه لا شك في قادحية الإخلال به من حيث الزيادة أيضاً عمداً أو سهواً كما سيجي‌ء في محلّه أيضاً «3»، إلّا في صلاة الجماعة فيغتفر فيها الزيادة بقصد المتابعة كما ستعرفه في مبحث الجماعة «4».

(1) قد عرفت أنّ الركوع لغة هو مطلق الانحناء، و في الشرع انحناء خاص فهو في إطلاق الشارع على ما هو عليه من المعنى اللّغوي غايته مع اعتبار بعض القيود كما ستعرف. و عن صاحب الحدائق «5» دعوى ثبوت الحقيقة الشرعية فيه‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 310/ أبواب الركوع ب 9 ح 1.

(2) شرح العروة 18: المسألة [2015].

(3) شرح العروة 18: المسألة [2012].

(4) شرح العروة 17: المسألة [1931].

(5) الحدائق 8: 236.

 

2
موسوعة الإمام الخوئي15

أحدها: الانحناء على الوجه المتعارف ؛ ج 15، ص : 2

..........

______________________________
في قبال اللّغة، مستشهداً له بموثقة سماعة قال: «سألته عن الركوع و السجود هل نزل في القرآن؟ قال: نعم، قول اللّٰه عزّ و جلّ
يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا ... إلخ «1» و بصحيحة محمّد بن قيس «2» الواردة بهذا المضمون.

و ليت شعري أيّ دلالة في الروايتين على ثبوت الحقيقة الشرعية، فإنّ غاية مفادهما ورود الركوع في القرآن، و هل هذا إلّا كورود البيع فيه بقوله تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ «3» فهل مجرّد ذلك يقتضي ثبوت الحقيقة الشرعية، و هل يلتزم بمثله في البيع و نحوه من ألفاظ المعاملات الواردة في القرآن. فالإنصاف أنّ هذه الدعوى غريبة جدّاً، بل الصحيح أنّ الركوع يطلق في لسان الشرع على ما هو عليه من المعنى اللّغوي، غايته مع اعتبار بعض القيود كما هو الحال في البيع و نحوه.

و كيف كان، فلا ينبغي الإشكال في عدم كفاية مطلق الانحناء في تحقّق الركوع الواجب في الصلاة، بل إنّ هذا مسلّم مفروغ عنه عند جميع فرق المسلمين، عدا ما ينسب إلى أبي حنيفة «4» من الاكتفاء بذلك و هو متفرِّد به.

إنّما الكلام في تحديد المقدار الواجب، فالمشهور ما ذكره في المتن من الانحناء بمقدار تصل يداه إلى ركبتيه بحيث لو أراد وضع شي‌ء منهما عليهما لوضعه، بل ادّعي الإجماع عليه في كثير من الكلمات و إن اختلف التعبير باليد تارة و بالكف اخرى، و بالراحة ثالثة. و قد استدلّ له بوجوه.

أحدها: قاعدة الاحتياط، فانّ فراغ الذمّة عن عهدة التكليف المعلوم‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 312/ أبواب الركوع ب 9 ح 7.

(2) الوسائل 6: 311/ أبواب الركوع ب 9 ح 6 لكن الموجود فيه و في التهذيب [2: 97/ 362] و الوافي [8: 692/ 6880] خال عن ذاك المضمون الّذي حكاه في الحدائق [8: 235] عن الشيخ.

(3) البقرة 2: 275.

(4) المجموع 3: 410، حلية العلماء 2: 117، بدائع الصنائع 1: 162.

3
موسوعة الإمام الخوئي15

أحدها: الانحناء على الوجه المتعارف ؛ ج 15، ص : 2

..........

______________________________
لا يتحقّق إلّا بالبلوغ إلى هذا الحد.

و فيه أوّلًا: أنّ المورد من دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين و المقرّر فيه هو البراءة دون الاشتغال.

و ثانياً: مع الغض، يدفعه إطلاقات الأدلّة، لما عرفت من صدق الركوع على مطلق الانحناء، و عدم ثبوت الحقيقة الشرعية، فلو أغضينا النظر عن بقية الأدلّة كان مقتضى الإطلاق الاجتزاء بمسمّى الانحناء كما يقول به أبو حنيفة و لا تصل النوبة إلى الأصل كي يقتضي الاشتغال.

الثاني: الإجماع المنقول كما ادّعاه غير واحد على ما مرّ. و فيه: مضافاً إلى عدم حجّيته في نفسه و إلى وهن دعواه حيث ذكر المجلسي في البحار «1» أنّ المشهور هو الاجتزاء ببلوغ أطراف الأصابع، أنّه معارض بنقل الإجماع على الخلاف كما ادّعاه بعض فيسقطان بالمعارضة.

الثالث: و هو العمدة، الروايات:

منها: صحيحة حماد قال فيها: «ثمّ ركع و ملأ كفّيه من ركبتيه مفرّجات ثمّ قال (عليه السلام) في ذيلها: يا حماد هكذا صلّ» «2» و ظاهر الأمر الوجوب.

و منها: صحيحة زرارة: «... و تمكن راحتيك من ركبتيك و تضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى» «3».

و منها: صحيحته الأُخرى: «... فإذا ركعت فصفّ في ركوعك بين قدميك تجعل بينهما قدر شبر و تمكّن راحتيك من ركبتيك و تضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى ...» إلخ «4».

______________________________
(1) البحار 82: 119.

(2) الوسائل 5: 459/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

(3) الوسائل 6: 295/ أبواب الركوع ب 1 ح 1.

(4) الوسائل 5: 461/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 3.

4
موسوعة الإمام الخوئي15

أحدها: الانحناء على الوجه المتعارف ؛ ج 15، ص : 2

..........

______________________________
و منها: النبوي الّذي رواه الجمهور عن النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) قال «قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) إذا ركعت فضع كفيك على ركبتيك» «1».

و الجواب: أنّ دلالة هذه النصوص على المدّعى قاصرة مضافاً إلى ضعف سند النبوي إذ لا تعرّض فيها لبيان حدّ الانحناء بالدلالة المطابقية، و إنّما مدلولها المطابقي وجوب وضع الكف أو الراحة على الركبتين المستلزم بطبيعة الحال للانحناء بهذا المقدار، فالتحديد بذلك مستفاد منها بالدلالة الالتزامية، و حيث إنّا نقطع بعدم وجوب وضع اليد على الركبتين حال الركوع لا لمجرّد الإجماع المدّعى على العدم، بل للتصريح به في نفس صحيحة زرارة الأخيرة و أنّ ذلك أحب إليه (عليه السلام) قال «و أحب إليّ أن تمكن كفّيك من ركبتيك» فالدلالة المطابقية ساقطة لا محالة، و بتبعها تسقط الدلالة الالتزامية، لمتابعتها لها في الوجود و الحجّية كما تقرّر في محلّه «2»، و عليه فلا دلالة في شي‌ء من هذه النصوص على تحديد الانحناء بهذا المقدار، هذا.

و ربّما يستدل له كما في مصباح الفقيه «3» برواية عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «عن الرجل ينسى القنوت في الوتر أو غير الوتر، فقال: ليس عليه شي‌ء، و قال: إن ذكره و قد أهوى إلى الركوع قبل أن يضع يديه على الركبتين فليرجع قائماً و ليقنت ثمّ ليركع، و إن وضع يديه على الركبتين فليمض في صلاته و ليس عليه شي‌ء» «4».

دلّت على أنّ تدارك القنوت المنسي إنّما يمكن ما لم يدخل في الركوع، و أنّ الضابط في الدخول فيه الانحناء بمقدار تصل يداه إلى الركبتين، فان بلغ هذا‌

______________________________
(1) المعتبر 2: 193 و فيه «على ركبتك».

(2) محاضرات في أُصول الفقه 3: 71 74.

(3) مصباح الفقيه (الصلاة): 326 السطر 34.

(4) الوسائل 6: 286/ أبواب القنوت ب 15 ح 2.

5
موسوعة الإمام الخوئي15

أحدها: الانحناء على الوجه المتعارف ؛ ج 15، ص : 2

..........

______________________________
الحد فقد دخل في الركوع و فات محل التدارك حذراً عن زيادة الركن، و إلّا فلم يدخل فيه و له التدارك، قال (قدس سره) فتكون هذه الموثقة بمنزلة الشرح لموثقته الأُخرى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)
«1».

و الإنصاف: أنّ هذه أصرح رواية يمكن أن يستدل بها على هذا القول و لكنّها أيضاً غير صالحة للاستدلال.

أمّا أوّلًا: فلضعفها سنداً و إن عبّر المحقِّق الهمداني (قدس سره) بالموثقة لأنّ في السند علي بن خالد و لم يوثق بل هو مهمل.

و أمّا ثانياً: فلقصور الدلالة، فإنّ ظاهرها متروك قطعاً، لظهورها في أنّ الميزان في تحقّق الركوع المانع عن التدارك وضع اليدين على الركبتين حيث أُنيط فيها الرجوع إلى القنوت و عدمه بوضع اليدين و عدمه، مع أنّ الوضع غير معتبر في حقيقة الركوع قطعاً، فإنّه مهما بلغ هذا الحد لم يجز له الرجوع، سواء وضع يديه على الركبتين أم لا بلا إشكال، فظاهرها غير ممكن الأخذ، و لا دليل على تأويلها بإرادة بلوغ هذا الحد من وضع اليدين ثمّ الاستدلال بها.

فتحصّل: أنّه لم ينهض دليل يمكن المساعدة عليه على هذا القول. فالأقوى وفاقاً لجمع من الأصحاب كفاية الانحناء حدّا تصل أطراف أصابعه الركبتين و إن لم تصل الراحة إليهما، بل قد سمعت من المجلسي نسبته إلى المشهور.

و يدلُّ عليه صريحاً مضافاً إلى الإطلاقات النافية للأكثر الصحيحة الثانية لزرارة المتقدِّمة قال (عليه السلام) فيها: «فان وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك أجزأك ذلك و أحب إليّ أن تمكن كفّيك من ركبتيك فتجعل أصابعك في عين الركبة و تفرج بينهما ...» إلخ «2» فانّ التعبير بالإجزاء صريح في كفاية هذا‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 286/ أبواب القنوت ب 15 ح 3.

(2) الوسائل 5: 461/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 3.

6
موسوعة الإمام الخوئي15

أحدها: الانحناء على الوجه المتعارف ؛ ج 15، ص : 2

..........

______________________________
المقدار في حصول الانحناء الواجب في الركوع، و أنّ الزائد عليه فضل و ندب كما صرّح به بقوله (عليه السلام) «و أحب إلىّ ...» إلخ. و بذلك يحمل الأمر في صحيحته الاولى و كذا صحيحة حماد المتقدِّمتين على الاستحباب.

و يؤيِّده ما نقله المحقِّق في المعتبر و العلّامة في المنتهي عن معاوية بن عمار و ابن مسلم و الحلبي قالوا: «و بلغ بأطراف أصابعك عين الركبة ...» إلخ «1» لكنّها مرسلة بالنسبة إلينا، و إن استظهر صاحب الحدائق «2» أنّ المحقِّق قد نقلها من الأُصول التي عنده و لم تصل إلينا إلّا منه، فإنّه لو سلّم ذلك لا تخرج الرواية عن كونها مرسلة بالإضافة إلينا كما لا يخفى. فالعمدة هي صحيحة زرارة المتقدِّمة المؤيّدة بهذه الرواية.

و لا فرق في صحّة الاستدلال بها على المطلوب بين استظهار كونها مسوقة لبيان حدّ الانحناء المعتبر في الركوع بجعل الوصول طريقاً إلى معرفة ذلك الحد كما هو الظاهر منها و بين دعوى كونها مسوقة لبيان جعل البدل و أنّ إيصال الأصابع إلى الركبة بدل عن وضع اليد عليها من غير تعرّض لبيان الحد فيها أصلًا كما قيل.

أمّا على الأوّل فواضح جدّاً كما عرفت. و أمّا على الثاني فكذلك و إن لم يكن بذلك الوضوح، إذ قد يقال بناءً عليه بعدم المنافاة بينها و بين الصحيحة الأُولى لزرارة المتضمِّنة لتحديد الانحناء بما يشتمل على وضع اليدين على الركبتين غايته أنّ المستفاد من هذه الصحيحة عدم لزوم وضع تمام اليد و الاكتفاء بوضع أطراف الأصابع بدلًا عنه، فيحمل وضع تمام اليد فيها على الاستحباب مع‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 335/ أبواب الركوع ب 28 ح 2، المعتبر 2: 193، المنتهي 1: 281 السطر 36.

(2) الحدائق 8: 237.

7
موسوعة الإمام الخوئي15

أحدها: الانحناء على الوجه المتعارف ؛ ج 15، ص : 2

..........

______________________________
الالتزام بلزوم الانحناء بذاك المقدار عملًا بتلك الصحيحة، لعدم المنافاة بينهما من هذه الجهة كما مرّ.

و فيه: ما عرفت من أنّ الانحناء بمقدار يتمكّن من وضع اليد على الركبة إنّما استفيد من تلك الصحيحة بالدلالة الالتزامية، فإذا بنى على سقوط الدلالة المطابقية و عدم وجوب وضع اليد عليها و لو من أجل جعل البدل المستفاد من هذه الصحيحة سقطت الدلالة الالتزامية قهراً، لما تقدّم من تبعيتها للمطابقية في الوجود و الحجّية. إذن لا دليل على التحديد ببلوغ اليد إلى الركبة، فلا فرق في صحّة الاستدلال بين الأمرين و إن كان على الأوّل أوضح و أظهر كما عرفت.

نعم، بينهما فرق من ناحية أُخرى و هو أنّه بناءً على الأوّل و استظهار كونها في مقام التحديد كما هو الصحيح فهي بنفسها تدل على نفي الزائد و عدم وجوب الانحناء أكثر من ذلك. و أمّا على الثاني فحيث إنّ النظر فيها مقصور على جعل البدل حسب الفرض فلا تعرّض فيها بالنسبة إلى الزائد نفياً و لا إثباتاً، و بما أنّ الصحيحة الأُولى أيضاً ساقطة الدلالة بالإضافة إليه كما عرفت آنفاً، فيتمسّك حينئذ بأصالة البراءة لنفيه، إذ المتيقّن إنّما هو الانحناء بمقدار تصل أطراف الأصابع إلى الركبتين لوجوب هذا المقدار على كلّ حال، و أمّا الزائد عليه فمشكوك يدفع بأصالة البراءة كما هو المقرّر في الدوران بين الأقل و الأكثر الارتباطيين.

و قد يقال بعدم التفاوت بين التحديدين، و عدم التنافي بين الصحيحتين، إذ المذكور في هذه الصحيحة بلوغ الأصابع، و هو جمع محلّى باللّام، و مقتضى دلالته على الاستغراق لزوم رعايته حتّى في الخنصر و الإبهام، و هو ملازم لوصول الكف، غايته أنّه لا يلزم وضع تمام الكف، بل يكفي وضع بعضها عملًا بهذه الصحيحة، فيتصرّف في الأُولى بهذا المقدار و تحمل على الفضل.

8
موسوعة الإمام الخوئي15

أحدها: الانحناء على الوجه المتعارف ؛ ج 15، ص : 2

و لا الانحناء على غير الوجه المتعارف بأن ينحني على أحد جانبيه أو يخفض كفليه و يرفع ركبتيه و نحو ذلك (1)

______________________________
و فيه أوّلًا: منع الصغرى، فإنّ رأس الإبهام لا يساوي الراحة، بل هو أطول منها بمقدار عقد غالباً، فوصول رأس الإبهام لا يلازم وضع شي‌ء من الكف و الراحة على الركبة.

و ثانياً: مع التسليم فارادة العموم الأفرادي الشامل للإبهام متعذِّر في المقام إذ لازمه إرادته خاصّة من أطراف الأصابع، لوضوح أنّه بالإضافة إلى ما عداها من بقية الأصابع وضع لتمامها لا وصول لطرفها، للملازمة بين وصول طرف الإبهام و وضع الباقي، و إرادة خصوصه من مثل هذا التعبير مستبشع جدّاً كما لا يخفى. بل المتعيِّن حينئذ التعبير بوصول طرف الإبهام أو الراحة لا أطراف الأصابع، فلا مناص من أن يراد به العموم المجموعي الصادق على الثلاثة الوسطى، فيكون التفاوت حينئذ في مقدار الانحناء فاحشا.

هذا، مع أنّ العموم في المقام منفي من أصله، لعدم التعبير بالأصابع في الصحيحة كي يكون جمعاً محلّى باللّام و من صيغ العموم، و إنّما الموجود فيها هكذا: «فان وصلت أطراف أصابعك» و هو من الجمع المضاف الّذي لا يدل على الشمول إلّا بالإطلاق لا بالعموم الوضعي و إن كان الحال لا يفرق بذلك فيما تقدّم إلّا من حيث كون الدلالة وضعية أو إطلاقية غير المؤثر في محل الكلام كما لا يخفى.

فتحصّل: أنّ الأقوى كفاية الانحناء بمقدار تصل أطراف الأصابع إلى الركبتين فلا يجب الزائد و إن كان أحوط كما ذكره في المتن، و قد علم وجهه ممّا مرّ.

(1) قد عرفت الكلام في حدّ الانحناء، و أمّا كيفيته فلا بدّ و أن تكون عن‌

9
موسوعة الإمام الخوئي15

أحدها: الانحناء على الوجه المتعارف ؛ ج 15، ص : 2

و غير المستوي الخلقة كطويل اليدين أو قصيرهما يرجع إلى المستوي (1)،

______________________________
قيام على النحو المتعارف، فلا يكفي الانحناء على أحد الجانبين أو خفض الكفلين و رفع الركبتين و نحو ذلك من الانحناءات غير المتعارفة، لما عرفت من أنّ البلوغ إلى الركبتين لا موضوعية له كي يكفي كيف ما اتّفق، بل طريقي، فهو منزّل على النهج المتعارف.

(1) ما ذكرناه لحدّ الآن كان تحديداً لمستوي الخلقة المتناسب الأعضاء، و أمّا غير المستوي الّذي يحتاج في إيصال يديه أو أصابعه إلى الركبتين إلى الانحناء أكثر من المستوي لو كان قصير اليدين، أو أقل لو كان طويلهما، فالمشهور و هو الأقوى رجوعه في ذلك إلى المستوي، فلا يجب عليه الانحناء أكثر من المتعارف كما لا يجزي الأقل.

و خالف فيه الأردبيلي (قدس سره) «1» فحكم بوجوب تطبيق الحد بالقياس إليه أيضاً فيجب إيصال يديه إلى ركبتيه و إن استوجب الانحناء أكثر من المتعارف عملًا بإطلاق النص الشامل لهذا الشخص.

و فيه: ما عرفت من أنّ وصول اليد طريق إلى معرفة الحد و لا خصوصية فيه، فاعتباره طريقي لا موضوعي كي يراعى في كل أحد، و إلّا فلو بني على الجمود على ظاهر النص كان مقتضاه عدم الانحناء في طويل اليد رأساً أو إلّا قليلًا، و هو كما ترى لا يظن أن يلتزم به الفقيه، و السرّ أنّ الخطاب الّذي تضمنه النص متوجه إلى المتعارفين الّذين منهم زرارة فالعبرة بهم، فلا مناص من رجوع غيرهم إليهم.

______________________________
(1) مجمع الفائدة و البرهان 2: 256.

10
موسوعة الإمام الخوئي15

أحدها: الانحناء على الوجه المتعارف ؛ ج 15، ص : 2

و لا بأس باختلاف أفراد المستوين خلقة فلكل حكم نفسه بالنسبة إلى يديه و ركبتيه [1] (1).

______________________________
(1) لا شك في اختلاف أفراد المستوين خلقه في قصر الأيدي و طولها مع فرض تناسب الأعضاء فتختلف الانحناءات المتعارفة بطبيعة الحال قلّة و كثرة و لو بقدر نصف إصبع و نحوه.

فهل العبرة حينئذ بالانحناء الأقل أو الأكثر أو المتوسط، أم أنّ لكل مكلّف حكم نفسه بالنسبة إلى يده و ركبته؟ وجوه اختار الماتن (قدس سره) الأخير، و الأقوى الأوّل.

و توضيح المقام: أنّا إذا بنينا على أنّ وضع اليد المأخوذ في النص ملحوظ على وجه الموضوعية كما هو الحال في غسل الوجه و الأيدي في باب الوضوء بلا إشكال، اتّجه ما أفاده في المتن من أنّ لكل مكلّف حكم نفسه، فكما يجب على كل مكلّف غسل تمام وجهه و يديه و إن كانت أعرض أو أطول من الآخر، فكذا يجب في المقام وضع كل أحد يده على ركبته و إن استلزم الانحناء أكثر من غيره أو أقل، فإنّه حكم منحل على حسب آحاد المكلّفين، فيعمل كل على طبق حالته و وظيفته.

لكنّك عرفت ضعف المبنى، و أنّ الوضع المزبور مأخوذ طريقاً إلى بيان مرتبة الانحناء، فالواجب على الكل ليس إلّا مرتبة واحدة و حدّاً معيّناً يشترك فيه الجميع و لا يختلف باختلاف الأشخاص، بل الواجب في حقّ الجميع شي‌ء واحد بحسب الواقع، فهذا القول ساقط، و عليه يتعيّن الاقتصار على الأقل لوجهين:

______________________________
[1] لا يبعد أن يكون المدار على مقدار انحناء أقل المستوين خلقة.

11
موسوعة الإمام الخوئي15

الثاني: الذكر ؛ ج 15، ص : 12

[الثاني: الذكر]

الثاني: الذكر و الأحوط اختيار التسبيح من أفراده مخيّراً بين الثلاث من الصغرى و هي «سبحان اللّٰه»، و بين التسبيحة الكبرى و هي «سبحان ربِّي العظيم و بحمده» (1).

______________________________
أحدهما: إطلاق الأمر بالركوع، لما عرفت «1» من عدم ثبوت الحقيقة الشرعية له، بل يطلق على ما كان عليه من المعنى اللّغوي مع مراعاة بعض القيود، فلا يكفي مسمّى الانحناء بل لا بدّ من الزيادة و المتيقِّن منها الانحناء بأقل مقدار ينحني فيه المتعارف عند وضع يده على ركبته، و أمّا الزائد فمشكوك يدفع بأصالة الإطلاق.

الثاني: أصالة البراءة من اعتبار الانحناء الأكثر مع الغض عن الإطلاق كما هو المقرّر في باب الدوران بين الأقل و الأكثر الارتباطيين.

(1) لا إشكال في وجوب الذكر في الركوع بالإجماع و النصوص المعتبرة كما ستعرف، فلو أخلّ به عمداً بطلت صلاته، كما لا إشكال في الاجتزاء بالتسبيح في الجملة، و إنّما الكلام يقع في جهات:

الاولى: لا ينبغي الإشكال في كفاية التسبيحة الكبرى و هي سبحان ربِّي العظيم و بحمده مرّة واحدة، للنصوص الكثيرة و المعتبرة التي من أجلها يحمل الأمر بالثلاث في صحيحة حماد «2» على الفضل، فمنها: صحيحة زرارة قال «قلت له: ما يجزي من القول في الركوع و السجود؟ فقال: ثلاث تسبيحات في ترسّل، و واحدة تامّة تجزي» «3».

______________________________
(1) في ص 2.

(2) الوسائل 5: 459/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

(3) الوسائل 6: 299/ أبواب الركوع ب 4 ح 2.

12
موسوعة الإمام الخوئي15

الثاني: الذكر ؛ ج 15، ص : 12

..........

______________________________
و صحيحة عليّ بن يقطين «سألته عن الركوع و السجود كم يجزي فيه من التسبيح؟ فقال: ثلاثة، و تجزيك واحدة، إذا أمكنت جبهتك من الأرض»
«1». و نحوها صحيحته الأُخرى «2».

فانّ المراد بالواحدة في هذه النصوص إنّما هي التسبيحة الكبرى، لما ستعرف من النصوص الصريحة في عدم الاجتزاء بها في الصغرى الموجبة لحمل هذه الأخبار على الكبرى خاصّة.

و تؤيِّده: رواية أبي بكر الحضرمي قال «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أيّ شي‌ء حدّ الركوع و السجود؟ قال تقول: سبحان ربِّي العظيم و بحمده ثلاثاً في الركوع، و سبحان ربِّي الأعلى و بحمده ثلاثاً في السجود، فمَن نقص واحدة نقص ثلث صلاته، و مَن نقص اثنتين نقص ثلثي صلاته، و مَن لم يسبِّح فلا صلاة له» «3».

و دلالتها و إن كانت واضحة، فإنّ المراد من نقص الثلث و الثلثين النقصان بحسب الفضل و الثواب لا في أصل أداء الواجب بقرينة قوله (عليه السلام) في الذيل: «و من لم يسبِّح فلا صلاة له» الدال على تحقّق الصلاة و حصول المأمور به بفعل الواحدة.

لكنّها ضعيفة السند بعثمان بن عبد الملك فإنّه لم يوثق، و من هنا ذكرناها بعنوان التأييد.

الجهة الثانية: قد عرفت أنّ صورة التسبيحة الكبرى هي سبحان ربِّي العظيم و بحمده، و عن صاحب المدارك «4» جواز الاقتصار عليها بدون كلمة و بحمده،

______________________________
(1) الوسائل 6: 300/ أبواب الركوع ب 4 ح 3، 4.

(2) الوسائل 6: 300/ أبواب الركوع ب 4 ح 3، 4.

(3) الوسائل 6: 300/ أبواب الركوع ب 4 ح 5.

(4) المدارك 3: 393.

13
موسوعة الإمام الخوئي15

الثاني: الذكر ؛ ج 15، ص : 12

..........

______________________________
لخلو جملة من النصوص عنها، فيحمل الأمر بها في الباقي على الندب جمعاً و هي نصوص ثلاثة استدلّ بها على ذلك.

إحداها: رواية هشام بن سالم قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن التسبيح في الركوع و السجود، فقال: تقول في الركوع: سبحان ربِّي العظيم، و في السجود سبحان ربِّي الأعلى» «1».

الثانية: صحيحة الحلبي أو حسنته باعتبار إبراهيم بن هاشم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: إذا سجدت فكبِّر و قل اللّٰهمّ لك سجدت إلى أن قال: ثمّ قل سبحان ربِّي الأعلى ثلاث مرّات» «2».

الثالثة: خبر عقبة بن عامر الجهني أنّه قال: «لمّا نزلت فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قال لنا رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) اجعلوها في ركوعكم، فلمّا نزلت سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال لنا رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله): اجعلوها في سجودكم» «3».

و الجواب: أمّا عن الاولى، فبأنّها ضعيفة السند بالقاسم بن عروة. هذا مضافاً إلى احتمال أن يكون ذلك إشارة إلى ما هو المتعارف المتداول من التسبيح الخارجي المشتمل على كلمة «و بحمده»، فيكون من باب استعمال اللفظ في اللّفظ فاقتصر هنا على ذكر العظيم و الأعلى امتيازاً بين تسبيحي الركوع و السجود لا اجتزاءً بهما، فالمستعمل فيه هو ذلك اللفظ الخارجي المعهود.

و هذا استعمال متعارف كما يشهد به ما رواه الشيخ و غيره بسنده عن حمزة ابن حمران، و الحسن بن زياد قالا: «دخلنا على أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و عنده‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 299/ أبواب الركوع ب 4 ح 1.

(2) الوسائل 6: 339/ أبواب السجود ب 2 ح 1.

(3) الوسائل 6: 327/ أبواب الركوع ب 21 ح 1.

14
موسوعة الإمام الخوئي15

الثاني: الذكر ؛ ج 15، ص : 12

..........

______________________________
قوم فصلّى بهم العصر و قد كنّا صلّينا فعددنا له في ركوعه «سبحان ربِّي العظيم» أربعاً أو ثلاثاً و ثلاثين مرّة، و قال أحدهما في حديثه و بحمده في الركوع و السجود»
«1». فانّ الصادر عنه (عليه السلام) كان مشتملًا على كلمة و بحمده كما اعترف به أحد الراويين على ما صرّح به في الذيل، و لا يحتمل تعدّد الواقعة كما هو ظاهر. و مع ذلك فقد عبّر الراوي الآخر عن تسبيحه (عليه السلام) بقوله: سبحان ربِّي العظيم، و ليس ذلك إلّا من باب استعمال اللفظ في اللفظ كما ذكرناه.

و أمّا عن الثانية، فبأنّها مضطربة المتن أوّلًا لاختلاف النسخ، فإنّ الطبعة الجديدة من الوسائل مشتملة على كلمة «و بحمده»، و طبعة عين الدولة خالية عنها، و أمّا التهذيب «2» فمشتمل عليها لكن بعنوان النسخة الكاشف عن اختلاف نسخ التهذيب. و أمّا الكافي «3» فمشتمل عليها و هو أضبط، و كيف كان فلم يحصل الوثوق بما هو الصادر عن المعصوم (عليه السلام)، فلا يمكن الاستدلال بها على شي‌ء منهما.

و ثانياً: على تقدير تسليم خلوّها عنها فهي مقيّدة بالثلاث، و لا شكّ في الاجتزاء بذلك، بل يجزي قول سبحان اللّٰه ثلاثاً فضلًا عن سبحان ربِّي الأعلى فلا يدل ذلك على الاجتزاء به مرّة واحدة كما هو المدّعى.

و أمّا عن الثالثة، فمضافاً إلى ضعف سندها بعدّة من المجاهيل، يجري فيها ما عرفت في الجواب عن الاولى من احتمال كونها من باب استعمال اللّفظ في اللّفظ و أنّ المراد به ما هو الثابت في الخارج المشتمل على «و بحمده»، فلا دلالة فيها‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 304/ أبواب الركوع ب 6 ح 2، التهذيب 2: 300/ 1210.

(2) التهذيب 2: 79/ 295 [و قد أُشير إلى اختلاف النسخ في الطبعة الحجرية، راجع التهذيب 1: 188 السطر 19].

(3) الكافي 3: 321/ 1.

15
موسوعة الإمام الخوئي15

الثاني: الذكر ؛ ج 15، ص : 12

..........

______________________________
على نفي ذلك.

و يؤيِّده: ما رواه الصدوق مرسلًا من نقل هذا المضمون مع كلمة «و بحمده» قال «قال الصادق (عليه السلام): سبِّح في ركوعك ثلاثاً تقول سبحان ربِّي العظيم و بحمده ثلاث مرّات، و في السجود سبحان ربِّي الأعلى و بحمده ثلاث مرّات لأنّ اللّٰه عزّ و جلّ لمّا أنزل على نبيّه (صلّى اللّٰه عليه و آله) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قال النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله): اجعلوها في ركوعكم، فلمّا أنزل اللّٰه سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال: اجعلوها في سجودكم ...» إلخ «1».

فتحصّل: عدم صحّة الاستدلال بشي‌ء من هذه الأخبار، لضعفها سنداً أو دلالة على سبيل منع الخلو، فالأقوى لزوم ضم «و بحمده» في التسبيحة الكبرى كما اشتملت عليها الروايات الكثيرة المعتبرة و غيرها مثل صحيحة حماد «2» و نحوها فلاحظ.

الجهة الثالثة: لا ريب في كفاية التسبيحة الصغرى و هي سبحان اللّٰه ثلاث مرّات بدلًا عن الكبرى، فيكون مخيّراً بين الأمرين، و تدل عليه جملة من النصوص المعتبرة كصحيحة زرارة قال «قلت: ما يجزي من القول في الركوع و السجود؟ فقال: ثلاث تسبيحات في ترسّل، و واحدة تامّة تجزي» «3». و صحيحة معاوية بن عمار قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أخف ما يكون من التسبيح في الصلاة، قال: ثلاث تسبيحات مترسلًا تقول: سبحان اللّٰه، سبحان اللّٰه، سبحان اللّٰه» «4» و موثقة سماعة «... أمّا ما يجزيك من الركوع فثلاث‌

______________________________
(1) المستدرك 4: 437/ أبواب الركوع ب 16 ح 2.

(2) الوسائل 5: 459/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

(3) الوسائل 6: 299/ أبواب الركوع ب 4 ح 2.

(4) الوسائل 6: 303/ أبواب الركوع ب 5 ح 2.

16
موسوعة الإمام الخوئي15

الثاني: الذكر ؛ ج 15، ص : 12

..........

______________________________
تسبيحات تقول: سبحان اللّٰه، سبحان اللّٰه، سبحان اللّٰه ثلاثاً»
«1» و الأخيرتان تفسِّران المراد من التسبيح في الأُولى و نحوها غيرها.

و هل تجزي الصغرى مرّة واحدة؟ قد يقال بل قيل بذلك، و يمكن أن يستدل له بوجهين:

أحدهما: إطلاق الأمر بالتسبيحة الواحدة في جملة من النصوص الشامل للكبرى و الصغرى، كصحيحة زرارة و صحيحتي ابن يقطين «2».

الثاني: دعوى كفاية مطلق الذكر الصادق على الواحدة من الصغرى.

و يردّ الأوّل أنّ الإطلاق يقيّد بما دلّ على عدم الاجتزاء في الصغرى بأقل من ثلاث كموثقة سماعة و صحيحة معاوية المتقدِّمتين آنفاً و غيرهما، فلا مناص من حمل التسبيح في تلك النصوص على الكبرى، بل إنّ في نفسها ما يشهد بذلك، كصحيحة زرارة الآنفة الذكر، فانّ المراد بالواحدة المجزية لا بدّ و أن يكون غير الثلاث التي حكم أوّلًا باجزائها، إذ لو كانتا من سنخ واحد لزم اللغوية بل التناقض، فان مقتضى جعل المجزي هو الثلاث عدم كفاية الأقل كما يعطيه لفظ الإجزاء الظاهر في بيان أقل الواجب، و معه كيف حكم (عليه السلام) بإجزاء الواحدة، فلو كانت العبرة بها كان التحديد بالثلاث لغواً محضا.

فلا مناص من أن يراد بالواحدة تسبيحة أُخرى مغايرة للثلاث، بأن يراد بها الكبرى، و بالثلاث الصغرى كما فسّر الثلاث بها في صحيحة معاوية بن عمار المتقدِّمة، فإنّها تؤيِّد أنّ المراد بالواحدة التامّة في هذه الصحيحة هي الكبرى في مقابل الناقصة و هي الصغرى، و أنّها المراد بالثلاث في ترسّل فيها.

و على الجملة: فصحيحة زرارة بنفسها تدل على إرادة الكبرى من الواحدة‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 303/ أبواب الركوع ب 5 ح 3.

(2) الوسائل 6: 299/ أبواب الركوع ب 4 ح 2، 3، 4.

17
موسوعة الإمام الخوئي15

الثاني: الذكر ؛ ج 15، ص : 12

و إن كان الأقوى كفاية مطلق الذكر من التسبيح أو التحميد أو التهليل، أو التكبير بل و غيرها (1).

______________________________
التامّة فلا إطلاق لها كي تشمل الصغرى. و هكذا الحال في صحيحتي علي بن يقطين.

و أمّا الوجه الثاني، فسيتّضح الجواب عنه قريباً إن شاء اللّٰه تعالى و تعرف أنّ الذكر المطلق على القول بكفايته لا بدّ و أن يكون بقدر التسبيحات الثلاث، و لا يجزي الأقل منها.

فتحصّل: أنّ مقتضى الجمع بين الأخبار هو التخيير بين التسبيحة الكبرى مرّة واحدة أو الصغرى ثلاثاً، و لا دليل على إجزاء الواحدة منها.

(1) قد عرفت أنّ التسبيح في الجملة ممّا لا إشكال في كفايته في مقام الامتثال، كما تقدّم المراد منه كمّاً و كيفاً، و هل يتعيّن الامتثال به بالخصوص كما نسب إلى المشهور بين القدماء أم يكفي مطلق الذكر و إن كان غيره كالتحميد أو التهليل أو التكبير و نحوها كما هو المشهور بين المتأخِّرين؟ الأقوى هو الثاني.

و قد استدلّ للأوّل بعدّة من الأخبار الآمرة بالتسبيح، و ظاهر الأمر التعيين. و لا يخفى أنّ جملة منها غير صالحة للاستدلال كصحيحة علي بن يقطين «1» فإنّ السؤال فيها عمّا يجزي من التسبيح، لا عمّا يجزي من مطلق الذكر فلا يدل على نفي غيره كما هو ظاهر. نعم، لا بأس بالاستدلال بمثل صحيحة زرارة قال «قلت له: ما يجزي من القول في الركوع و السجود؟ فقال: ثلاث تسبيحات» «2» فإنّ السؤال عن مطلق القول الّذي يجزي في الركوع فالأمر بالتسبيح ظاهر في التعيين.

______________________________
(1) الوسائل 6: 300/ أبواب الركوع ب 4 ح 3، 2.

(2) الوسائل 6: 300/ أبواب الركوع ب 4 ح 3، 2.

18
موسوعة الإمام الخوئي15

الثاني: الذكر ؛ ج 15، ص : 12

..........

______________________________
إلّا أنّه لا بدّ من رفع اليد عنها و حمل الأمر فيها على بيان أفضل الأفراد أو أحدها، لمعارضتها بصحيحتين صريحتين في الاجتزاء بمطلق الذكر:

إحداهما: صحيحة هشام بن سالم: «سألته يجزي عنِّي أن أقول مكان التسبيح في الركوع و السجود لا إلٰه إلّا اللّٰه و اللّٰه أكبر؟ فقال: نعم» «1».

و الأُخرى: صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال «قلت له: يجزي أن أقول مكان التسبيح في الركوع و السجود لا إلٰه إلّا اللّٰه و الحمد للّٰه و اللّٰه أكبر؟ فقال: نعم، كل هذا ذكر اللّٰه» «2»، و رواها الكافي مصدّرة بقوله «ما من كلمة أخف على اللِّسان منها و لا أبلغ من سبحان اللّٰه» «3».

فإنّهما صريحتان في أنّ العبرة بمطلق الذكر، و أمّا تلك النصوص فغايتها الظهور في تعيّن التسبيح، و لا ريب في تقدّم الأظهر على الظاهر، فمقتضى الجمع العرفي حملها على بيان أفضل الأفراد كما عرفت. بل يظهر من صدر رواية الكافي أنّ التسبيح لا خصوصية فيه، غير أنّه أخف على اللِّسان و أبلغ، فيكشف عن أنّ الأمر به في سائر الأخبار إنّما هو لهذه النكتة، و إلّا فالاعتبار بمطلق الذكر كيف ما اتّفق. لكن الشأن في الاعتماد على هاتين الصحيحتين، فإنّه قد يقال بعدم حجّيتهما من جهة إعراض المشهور عنهما المسقط لهما عن الحجّية.

و الجواب عنه ظاهر بناءً على منع الكبرى كما هو المعلوم من مسلكنا و أنّ الإعراض غير قادح، كما أنّ العمل غير جابر. و مع التسليم فالصغرى ممنوعة في المقام، فانّ الشيخ قد أفتى بمضمونهما في بعض كتبه «4»، بل إن ابن إدريس «5»

______________________________
(1) الوسائل 6: 307/ أبواب الركوع ب 7 ح 2.

(2) الوسائل 6: 307/ أبواب الركوع ب 7 ح 1.

(3) الكافي 3: 329/ 5.

(4) المبسوط 1: 111.

(5) السرائر 1: 224.

19
موسوعة الإمام الخوئي15

الثاني: الذكر ؛ ج 15، ص : 12

بشرط أن يكون بقدر الثلاث الصغريات فيجزي أن يقول «الحمد للّٰه» ثلاثاً، أو «اللّٰه أكبر» كذلك أو نحو ذلك (1).

______________________________
ادّعى الإجماع على العمل بهما. و معه كيف يمكن دعوى الإعراض.

و لا يبعد أن يكون مراد الأصحاب من تعيّن التسبيح في فتاواهم و معاقد إجماعاتهم تعيّنه من حيث التوظيف في أصل الشرع، طعناً على أبي حنيفة و الشافعي و غيرهما المنكرين لاستحباب هذا التسبيح، و كيف كان فالأقوى الاجتزاء بمطلق الذكر و إن كان التسبيح أفضل كما عرفت، تبعاً لما هو المشهور بين المتأخِّرين.

(1) قد عرفت أنّ الأقوى هو الاجتزاء بمطلق الذكر و إن كان من غير التسبيح، فهل يجتزى فيه بمسمّاه تسبيحاً كان أم غيره، فيكفي قول: سبحان اللّٰه، أو الحمد للّٰه، أو اللّٰه أكبر مرّة واحدة، أم لا بدّ و أن يكون بقدر الثلاث الصغريات؟

قد يقال بالأوّل استناداً إلى إطلاق الصحيحتين المتقدِّمتين آنفا.

و فيه أوّلًا: منع الإطلاق فيهما، فإنّهما في مقام بين الاجتزاء بمطلق الذكر و نفي تعيّن التسبيح، فلا نظر فيهما إلى سائر الجهات من العدد و نحوه حتّى ينعقد الإطلاق.

و ثانياً: مع التسليم لا بدّ من تقييده بصحيحتين لمسمع و هو المكنّى بأبي سيار، و ما في الوسائل الطبعة الجديدة من قوله مسمع بن أبي سيار غلط فإن أبا سيار كنيته كما عرفت، أمّا اسم أبيه فهو مالك، قال الصدوق في مشيخة الفقيه «1»: يُقال إنّ الصادق (عليه السلام) قال لمسمع أوّل ما رآه ما اسمك؟ فقال‌

______________________________
(1) الفقيه 4 (المشيخة): 45.

20
موسوعة الإمام الخوئي15

الثالث: الطمأنينة فيه بمقدار الذكر الواجب ؛ ج 15، ص : 21

[الثالث: الطمأنينة فيه بمقدار الذكر الواجب]

الثالث: الطمأنينة فيه بمقدار الذكر الواجب (1)، بل الأحوط ذلك في الذكر المندوب أيضاً إذا جاء به بقصد الخصوصية

______________________________
مسمع، فقال ابن من؟ فقال: ابن مالك، فقال: بل أنت مسمع بن عبد الملك و لعلّه (عليه السلام) أشار بذلك إلى أنّ مالك من أسماء اللّٰه تعالى فلا يجوز التسمِّي به، فأضاف (عليه السلام) إليه كلمة عبد. و عليه لا يبعد أنّه عبد المالك فكتب عبد الملك، فان لفظة مالك تكتب بالنحوين.

و كيف ما كان فمسمع هذا ثقة و الروايتان صحيحتان قال في إحداهما عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «يجزيك من القول في الركوع و السجود ثلاث تسبيحات أو قدرهن مترسّلًا، و ليس له و لا كرامة أن يقول: سبِّح سبِّح سبِّح» «1» و هي ظاهرة الدلالة في عدم الاكتفاء بالأقل من هذا العدد.

و أصرح منها صحيحته الأُخرى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: لا يجزي الرجل في صلاته أقل من ثلاث تسبيحات أو قدرهنّ» «2» حيث تضمّنت بالصراحة نفي الاجتزاء بالأقل، فلا يجزي من مطلق الذكر إلّا التسبيحات الثلاث الصغرى أو ما يعادل هذا المقدار من سائر الأذكار، فلو اختار الحمد للّٰه أو اللّٰه أكبر و نحوهما لا بدّ و أن يكرِّرها ثلاثاً حتّى يساوي هذا المقدار، و التسبيحة الكبرى أيضاً تعادله بحسب المعنى و إن لم تساو الحروف، فكأنّ سبحان ربِّي تسبيحة و العظيم تسبيحة اخرى، و بحمده تسبيحة ثالثة. و كيف كان فبهاتين الصحيحتين يقيّد الإطلاق في الصحيحتين السابقتين للهشامين لو سلم الإطلاق كما عرفت.

(1) إجماعاً كما ادّعاه غير واحد من الأصحاب كالمحقِّق في المعتبر «3» و العلّامة‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 302/ أبواب الركوع ب 5 ح 1، 4.

(2) الوسائل 6: 302/ أبواب الركوع ب 5 ح 1، 4.

(3) المعتبر 2: 194.

21
موسوعة الإمام الخوئي15

الثالث: الطمأنينة فيه بمقدار الذكر الواجب ؛ ج 15، ص : 21

..........

______________________________
في المنتهي
«1» و غيرهما. فكأنه من المتسالم عليه، و هو العمدة في المقام.

و هل يمكن الاستدلال بوجه آخر؟ قال في الحدائق «2»: و الأصحاب لم يذكروا هنا دليلًا على الحكم المذكور من الأخبار، و ظاهرهم انحصار الدليل في الإجماع ثمّ استدلّ هو (قدس سره) بصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: بينا رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) جالس في المسجد إذ دخل رجل فقام يصلِّي فلم يتم ركوعه و لا سجوده، فقال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله): نقر كنقر الغراب لئن مات هذا و هكذا صلاته ليموتنّ على غير ديني» «3»، و رواها البرقي في المحاسن عن ابن فضّال، عن عبد اللّٰه بن بكير عن زرارة «4». و عليه تكون موثقة، كما أنّها بالطريق الأوّل صحيحة أو حسنة لمكان إبراهيم بن هاشم.

و قد روي هذا المضمون عن عبد اللّٰه بن ميمون عن علي (عليه السلام) «5» لكنّها كما ترى قاصرة الدلالة على المطلوب، إذ غايتها لزوم المكث في الركوع برهة و لو متمايلًا من جانب إلى آخر و عدم الاستعجال في رفع الرأس الّذي به يكون ركوعه كنقر الغراب، و هذا أعم من الاستقرار المدّعى كما لا يخفى.

و أمّا مرسلة الذكرى «... ثمّ اركع حتّى تطمئن راكعاً ...» إلخ «6» و النبوي المحكي عنه «7» فضعفهما ظاهر، و لا مجال للاعتماد عليهما.

______________________________
(1) المنتهىٰ 1: 282 السطر 5.

(2) الحدائق 8: 242.

(3) الوسائل 6: 298/ أبواب الركوع ب 3 ح 1.

(4) المحاسن 1: 158/ 222.

(5) الوسائل 4: 36/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 9 ح 2.

(6) الذكرى 3: 363.

(7) الذكرى 3: 367.

22
موسوعة الإمام الخوئي15

الثالث: الطمأنينة فيه بمقدار الذكر الواجب ؛ ج 15، ص : 21

..........

______________________________
نعم، لا بأس بالاستدلال بصحيحة بكر بن محمّد الأزدي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سأله أبو بصير و أنا جالس عنده إلى أن قال (عليه السلام) فاذا ركع فليتمكّن، و إذا رفع رأسه فليعتدل ...» إلخ
«1»، و قد عبّر عنها بالخبر مشعراً بضعفها، لكن الظاهر صحّتها، فانّ بكر بن محمّد ثقة وثّقه النجاشي «2» و الراوي عنه أحمد بن إسحاق مردّد بين الرازي و الأشعري و كلاهما ثقة، و إن كان الأظهر أنّ المراد به الأشعري، لأنّ الصدوق ذكره في المشيخة في طريقه إلى بكر مصرّحاً بالأشعري «3»، فبهذه القرينة يظهر أنّ الراوي عنه هو الأشعري، و هو و إن كان من أصحاب الجواد (عليه السلام) إلّا أنّه لا مانع بحسب الطبقة من روايته عن بكر الّذي هو من أصحاب الصادق و الكاظم بل و الرِّضا (عليهم السلام).

و كيف كان، فهي صحيحة السند كما أنّها ظاهرة الدلالة، إذ التعبير بقوله: «إذا ركع فليتمكّن» ظاهر في الإرشاد إلى شرطية التمكّن في تحقّق الركوع المأمور به نظير قوله: «إذا صلّيت فاستقبل» لا أنّه واجب نفسي مستقل أو جزء ضمني للصلاة، فدلالتها على اعتبار الاطمئنان في تحقّق الركوع الواجب ممّا لا ينبغي الإشكال فيه.

و أمّا الدلالة على اعتباره في الذكر الواجب فقد تمنع بأنّ غايتها الاعتبار في مسمّى الركوع دون الأكثر، لكنّه في غير محله، بل الظاهر أنّها تدل عليه أيضاً بالدلالة الالتزامية، إذ دليل وجوب الذكر قد دلّ على الإتيان به في الركوع المأمور به لا مطلقاً، فاذا كان الركوع المأمور به متقوّماً بالاطمئنان كما دلّت عليه هذه الصحيحة بالمطابقة، فلازمه كون الاطمئنان بمقدار يتحقّق الذكر‌

______________________________
(1) الوسائل 4: 35/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 8 ح 14.

(2) رجال النجاشي: 108/ 273.

(3) الفقيه 4 (المشيخة): 33.

23
موسوعة الإمام الخوئي15

الثالث: الطمأنينة فيه بمقدار الذكر الواجب ؛ ج 15، ص : 21

فلو تركها عمداً بطلت صلاته [1] بخلاف السهو على الأصح و إن كان الأحوط الاستئناف إذا تركها فيه أصلًا و لو سهواً، بل و كذلك إذا تركها في الذكر الواجب (1).

______________________________
الواجب في ضمنه فلا يكفي مسمّاه.

و على الجملة ضم أحد الدليلين إلى الآخر يستوجب اعتبار الاستقرار في الركوع نفسه، و في الذكر الواجب فيه، بل إنّ مقتضى هذا البيان اعتباره حتّى في الذكر المستحب إذا قصد به الخصوصية و الورود، فإنّه كالذكر الواجب في أنّ محله الركوع المأمور به فيعتبر الاستقرار في كليهما بملاك واحد. نعم، لا يعتبر في المستحب المأتي به بقصد مطلق الذكر لا التوظيف، إذ ليس له حينئذ محل معيّن كما هو ظاهر. فما ذكره في المتن من الاحتياط في الذكر المندوب إذا جاء به بقصد الخصوصية في محلّه.

(1) لا إشكال في البطلان لو أخلّ بالاطمئنان عمداً في الذكر الواجب فضلًا عن أصل الركوع كما هو ظاهر. و هل هو ركن تبطل الصلاة بتركه حتّى سهوا؟

نسب ذلك إلى بعض كالشيخ «1»، و الإسكافي «2»، و كأنّه أخذاً بإطلاق معاقد الإجماعات، لكنّه واضح المنع كما لا يخفى، هذا.

و الصحيح في المقام هو التفصيل بين الإخلال به في أصل الركوع و بين تركه في الذكر الواجب.

ففي الأوّل، لا يبعد القول بالبطلان لما عرفت من أنّ ظاهر صحيحة الأزدي‌

______________________________
[1] في البطلان بترك الطمأنينة في الذكر المندوب إشكال بل منع.

______________________________
(1) الخلاف 1: 348 المسألة 98.

(2) حكاه عنه في مفتاح الكرامة 2: 417 السطر 3.

24
موسوعة الإمام الخوئي15

الرابع: رفع الرأس منه حتى ينتصب قائما ؛ ج 15، ص : 25

[الرابع: رفع الرأس منه حتّى ينتصب قائماً]

الرابع: رفع الرأس منه حتّى ينتصب قائماً (1)، فلو سجد قبل ذلك عامداً بطلت الصلاة.

______________________________
اعتباره في الركوع و الإرشاد إلى شرطيته فيه، و مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين العمد و السهو، إذ ليس هو حكماً نفسياً حتّى ينصرف إلى حال الاختيار بل إرشاد إلى الاعتبار الشامل بإطلاقه لكلتا الصورتين، و معه لا مجال للتمسّك بأصالة البراءة، إذ لا سبيل إلى الأصل بعد إطلاق الدليل.

كما لا مجال للتمسّك بحديث لا تعاد، إذ بعد تقوّم الركوع المأمور به بالاطمئنان كما نطق به الصحيح فالإخلال به إخلال بالركوع لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه، و هو داخل في عقد الاستثناء في حديث لا تعاد.

و أمّا في الثاني، فالظاهر الصحّة لأنّه إخلال بشرط الذكر، فغايته الإخلال بالذكر نفسه فلا يزيد على تركه رأساً، و معلوم أنّ الإخلال بالذكر الواجب سهواً لا يقتضي البطلان لدخوله في عقد المستثنى منه في حديث لا تعاد. فظهر أنّ الأوجه كون الاطمئنان ركناً في أصل الركوع فلو تركه رأساً و لو سهواً بطلت صلاته، و أمّا في الذكر الواجب فليس بركن فلا يضر تركه السهوي.

و ممّا ذكرنا تعرف أنّ ما أفاده في المتن من الاحتياط في الاستئناف لو تركه أصلًا صحيح، بل هو الأظهر كما عرفت. و أمّا احتياطه (قدس سره) فيما لو تركه سهواً في الذكر الواجب فلا وجه له.

(1) بلا خلاف و لا إشكال، بل عليه دعوى الإجماع في كثير من الكلمات و تقتضيه نصوص كثيرة، بل في الجواهر «1» أنّها مستفيضة، إلّا أنّ غالبها ضعيفة السند.

______________________________
(1) الجواهر 10: 87.

25
موسوعة الإمام الخوئي15

الخامس: الطمأنينة حال القيام بعد الرفع ؛ ج 15، ص : 26

[الخامس: الطمأنينة حال القيام بعد الرفع]

الخامس: الطمأنينة حال القيام بعد الرفع (1) فتركها عمداً مبطل للصلاة.

______________________________
نعم، يمكن الاستدلال عليه بصحيحة حماد قال فيها: «ثمّ استوى قائماً»
«1» فانّ الاستواء في القيام هو الانتصاب.

و بصحيحة أبي بصير «... و إذا رفعت رأسك من الركوع فأقم صلبك حتّى ترجع مفاصلك» «2»، و يؤيِّده خبره الآخر: «إذا رفعت رأسك من الركوع فأقم صلبك فإنّه لا صلاة لمن لا يقيم صلبه» «3».

و عليه فلو سجد قبل رفع الرأس و الانتصاب عامداً بطلت صلاته. نعم لا بأس بذلك سهواً لحديث لا تعاد كما هو ظاهر.

(1) إجماعاً كما حكاه جماعة، و استدلّ له في المدارك «4» بالأمر بإقامة الصلب و الاعتدال في خبري أبي بصير المتقدِّمين و غيرهما، و هذا و إن كان ممكناً في حدّ نفسه إلّا أنّ الجزم به مشكل، إذ الاعتدال و الإقامة غير ملازم للاستقرار فانّ معناهما رفع الرأس إلى حدّ الانتصاب غير المنافي للتزلزل و عدم القرار كما لا يخفى.

فالأولى الاستدلال له بصحيحة حماد قال فيها: «فلمّا استمكن من القيام قال سمع اللّٰه لمن حمده» «5»، بضميمة ما في ذيلها من قوله (عليه السلام): «يا حماد هكذا صل»، فانّ الاستمكان ظاهره أخذ المكان المساوق للثبات‌

______________________________
(1) الوسائل 5: 459/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

(2) الوسائل 5: 465/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 9.

(3) الوسائل 6: 321/ أبواب الركوع ب 16 ح 2.

(4) المدارك 3: 389.

(5) الوسائل 5: 459/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

26
موسوعة الإمام الخوئي15

مسائل ؛ ج 15، ص : 27

 

[مسائل]

[مسألة 1: لا يجب وضع اليدين على الركبتين حال الركوع]

[1581] مسألة 1: لا يجب وضع اليدين على الركبتين حال الركوع بل يكفي الانحناء بمقدار إمكان الوضع كما مرّ (1).

______________________________
و الاطمئنان كما لا يخفى.

و كيف كان، فلا إشكال في الحكم فلو أخلّ به عمداً بطلت صلاته، لا سهواً لحديث لا تعاد، فليس بركن كما هو ظاهر.

(1) تقدّم الكلام حول هذه المسألة سابقاً «1» و عرفت أنّ الوضع مستحب لا واجب إجماعاً كما ادّعاه غير واحد، كما عرفت أنّه الظاهر من النص أيضاً على ما مرّ.

نعم، ذكر في الحدائق بعد أن اعترف بالإجماع و عدم الخلاف بين الأصحاب ما لفظه: ثمّ لا يخفى أنّ ظاهر أخبار المسألة هو الوضع لا مجرّد الانحناء بحيث لو أراد لوضع، و أنّ الوضع مستحب كما هو المشهور في كلامهم و الدائر على رؤوس أقلامهم، فإنّ هذه الأخبار و نحوها ظاهرة في خلافه، و لا مخصّص لهذه الأخبار إلّا ما يدعونه من الإجماع على عدم وجوب الوضع «2».

و جوابه يظهر ممّا أسلفناك، فإنّ الأمر بالوضع في الأخبار محمول على الاستحباب لا محالة بقرينة قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدِّمة: «فإن وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك أجزأك ذلك و أحبّ إليَّ أن تمكن كفّيك من ركبتيك ...» «3» فإنّه ظاهر بل صريح في عدم وجوب الانحناء حدّا يتمكّن معه من وضع اليدين على الركبتين فضلًا عن وجوب الوضع، بل‌

______________________________
(1) في ص 5.

(2) الحدائق 8: 240.

(3) الوسائل 5: 461/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 3.

 

27
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 2: إذا لم يتمكن من الانحناء على الوجه المذكور ؛ ج 15، ص : 28

[مسألة 2: إذا لم يتمكّن من الانحناء على الوجه المذكور]

[1582] مسألة 2: إذا لم يتمكّن من الانحناء على الوجه المذكور و لو باعتماد على شي‌ء أتى بالقدر الممكن [1] و لا ينتقل إلى الجلوس و إن تمكّن من الركوع منه، و إن لم يتمكن من الانحناء أصلًا و تمكّن منه جالساً أتى به جالساً و الأحوط صلاة أُخرى بالإيماء [2] قائماً، و إن لم يتمكّن منه جالساً أيضاً أومأ له و هو قائم برأسه إن أمكن، و إلّا فبالعينين تغميضاً له و فتحاً للرّفع منه، و إن لم يتمكّن من ذلك أيضاً نواه بقلبه و أتى بالذكر الواجب [3] (1).

______________________________
قد صرّح (عليه السلام) باستحبابه بقوله «و أحبّ إلىَّ ...» إلخ فليس عليه إلّا إيصال أطراف الأصابع إلى الركبتين لا وضع الكف عليهما.

بل إنّ الإيصال الخارجي أيضاً غير واجب، لما مرّ من أنّه ملحوظ على سبيل الطريقية لا الموضوعية لكونه واقعاً موقع التحديد، فاللّازم إنّما هو الانحناء حدّا يتمكّن معه من إيصال أطراف الأصابع إلى الركبتين سواء أوصلها إليهما خارجاً أم لا، إذ العبرة بالمنكشف لا الكاشف، لعدم خصوصية للوصول الخارجي بعد لحاظه طريقاً كما عرفت.

(1) للمسألة صور:

إحداها: ما إذا لم يتمكّن من الانحناء على الوجه المأمور به مع تمكّنه منه في الجملة، و المشهور حينئذ وجوب الانحناء بالمقدار الممكن، بل ادّعى غير واحد الإجماع عليه، و يستدل له بوجهين:

______________________________
[1] و يومئ معه أيضاً على الأحوط.

[2] الظاهر كفايتها بلا حاجة إلى الصلاة جالسا.

[3] على الأحوط.

28
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 2: إذا لم يتمكن من الانحناء على الوجه المذكور ؛ ج 15، ص : 28

..........

______________________________
أحدهما: التمسّك بإطلاقات الأمر بالركوع، لما مرّ «1» من عدم ثبوت الحقيقة الشرعية، و أنّ الركوع في لسان الشرع على ما هو عليه من المعنى اللّغوي أعني مطلق الانحناء، غايته ثبوت التقييد بالبلوغ إلى مرتبة خاصّة يتمكّن معها من إيصال أطراف الأصابع إلى الركبتين، و حيث إنّه كغيره من سائر التكاليف مشروط بالقدرة فلا تقييد بالإضافة إلى العاجز فتشمله الإطلاقات.

و فيه أوّلًا: أنّ دليل التقييد لم يتضمّن حكماً تكليفياً نفسياً كي يختصّ بالقادرين، و إنّما هو إرشاد إلى اعتبار المرتبة الخاصّة من الانحناء في الركوع المأمور به و كونها شرطاً فيه كأدلّة سائر الأجزاء و الشرائط كما تقدّم، و مقتضى الإطلاق في مثله عدم الفرق بين حالتي العجز و الاختيار.

و ثانياً: مع التسليم فلازمه التخيير بعد العجز عن تلك المرتبة الخاصّة بين جميع مراتب الانحناء، لصدق الركوع لغة على مطلقها كما عرفت، لا وجوب الإتيان بالمقدار الممكن كما هو المدّعى لعدم الدليل عليه.

ثانيهما: التمسّك بقاعدة الميسور المنجبر ضعفها بقيام الإجماع على العمل بها في المقام.

أقول: إن تمّ الإجماع في المسألة فهو المستند، و إلّا فالقاعدة في نفسها غير صالحة للاستدلال، لمنعها كبرى من أجل ضعف مدركها كما نقحناه في الأُصول «2». و كذا صغرى، لتوقفها على كون الهوي من أجزاء الواجب، و تركب المأمور به منه و من غيره كي يجب البعض لدى تعذّر الكل لكونه ميسوراً منه. و أمّا بناءً على ما هو التحقيق من خروجه عنه و كونه معتبراً فيه شرطاً لا شطراً، و أنّ الواجب أمر وحداني بسيط، و هي الهيئة الخاصّة الحاصلة من الانحناء البالغ‌

______________________________
(1) في ص 3.

(2) مصباح الأُصول 2: 477.

29
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 2: إذا لم يتمكن من الانحناء على الوجه المذكور ؛ ج 15، ص : 28

..........

______________________________
حدّا مخصوصاً، و الركوع الواجب اسم لتلك المرتبة الخاصّة البسيطة، و الهوي إليها مقدّمة خارجية غير داخلة في حقيقة المأمور به، فلا مجال حينئذ لتطبيق قاعدة الميسور، لوضوح أنّ المقدّمة مباينة مع ذيها و أجنبية عنه، لا أنّها من مراتبه كي تكون ميسوراً منه.

و دعوى أنّ الركوع عبارة عن الحركة من الانتصاب إلى حدّ الركوع، فكل حركة بين الحدّين جزء المجموع، أو أنّه من التأكّد في الكيف، لم نتحقّقها، بل الظاهر خلافها كما عرفت.

فما أفاده المحقِّق الهمداني (قدس سره) «1» من أنّ المقام من أظهر مصاديق القاعدة و مجاريها لا يمكن المساعدة عليه، فإنّه إنّما يتّجه بناءً على كون الهوي من أجزاء الواجب، و قد عرفت أنّه من المقدّمات، بل و مع الشك في ذلك أيضاً لا مجال لها، لعدم إحراز صغراها، فيكفينا مجرّد الشك فضلًا عن استظهار العدم كما عرفت.

و عليه، فلا دليل على الاجتزاء بالمقدار الممكن من الانحناء، بل الأقوى أنّ الوظيفة حينئذ هو الإيماء، لإطلاق ما دلّ على بدليّته عن الركوع التام لدى العجز عنه كما تقدّم البحث عنه في أحكام القيام «2»، و لا تنتقل الوظيفة إلى الركوع الجلوسي التام و إن تمكّن منه، كما نبّه عليه في المتن، لاختصاصه بالعاجز عن الصلاة قائماً بحيث كانت وظيفته الصلاة عن جلوس، و هو خارج عن محل البحث.

نعم، لا بأس بضمّ الانحناء إلى الإيماء احتياطاً حذراً عن مخالفة المشهور قاصداً بأحدهما لا بعينه ما هي الوظيفة الواقعية في حقِّه فيقع الآخر لغواً‌

______________________________
(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 327 السطر 30.

(2) شرح العروة 14: 222.

30
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 2: إذا لم يتمكن من الانحناء على الوجه المذكور ؛ ج 15، ص : 28

..........

______________________________
غير مضر.

الصورة الثانية: ما إذا لم يتمكّن من الانحناء حال القيام أصلًا، و هي على صور، لأنّه قد يتمكّن من الركوع الجلوسي التام، و أُخرى لا يتمكّن إلّا من الناقص منه، و ثالثة لا يتمكّن منه أصلا.

أمّا في الأخير فلا ريب أنّ الوظيفة هي الإيماء، لأدلّة بدليّته عن الركوع كما مرّ التعرّض لها في بحث القيام «1».

و أمّا الفرض الأوّل، أعني صورة التمكّن من الركوع الجلوسي التام، فقد ذكر العلّامة الطباطبائي (قدس سره) في منظومته تعيّنه «2» و اختاره في المتن و كأنّه لأقربيّته إلى الصلاة التامّة من الإيماء قائماً، لكنّه كما ترى مجرّد استحسان و وجه اعتباري لا يصلح لأن يكون مدركاً لحكم شرعي، بل الظاهر عدم جوازه فضلًا عن وجوبه، فانّ الركوع الجلوسي وظيفة العاجز عن القيام، و هذا قادر عليه على الفرض، فلا يشرع في حقّه إلّا الإيماء أخذاً بدليل بدليّته لدى العجز عن الركوع الاختياري.

و على الجملة: المتحصل من الأدلّة كما فصّلنا الكلام حولها في بحث القيام «3» أنّ المتمكِّن من القيام وظيفته الصلاة قائماً، و العاجز عنه يصلِّي عن جلوس و العاجز عنه أيضاً يصلِّي مضطجعاً إلى أحد الجانبين أو مستلقياً على تفصيل تقدّم. و في كل من هذه المراحل إن تمكّن من الركوع و السجود على حسب وظيفته أتى بهما، و إلّا أومأ إليهما.

و نتيجة ذلك: أنّه لو تمكّن من الصلاة عن قيام كما هو محل الكلام، و لم‌

______________________________
(1) شرح العروة 14: 222.

(2) الدرّة النجفية: 125.

(3) شرح العروة 14: 211 و ما بعدها.

31
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 2: إذا لم يتمكن من الانحناء على الوجه المذكور ؛ ج 15، ص : 28

..........

______________________________
يتمكّن من الركوع القيامي فليست وظيفته إلّا الإيماء إليه، و لا ينتقل إلى الركوع الجلوسي، فإنّه وظيفة العاجز عن القيام الّذي يصلِّي عن جلوس و المفروض في المقام أنّه يصلِّي عن قيام لقدرته عليه.

فظهر أنّ الأقوى في هذه الصورة أيضاً هو الإيماء. فما ذكره في المتن من أنّه أحوط فيأتي بصلاة اخرى بالإيماء قائماً في غير محلّه، بل إنّ هذا هو المتعيِّن بلا حاجة إلى الصلاة جالساً كما نبّه عليه سيِّدنا الأُستاذ في التعليقة.

و أمّا ما في الجواهر «1» من الاشكال على ترجيح الركوع الجلوسي في المقام باستلزامه الإخلال بالركن و هو القيام المتّصل بالركوع، بخلاف ما لو صلّى قائماً مومئاً، فإنّه محافظ عليه.

فساقط، لما عرفت سابقاً «2» من عدم وجوب هذا القيام في نفسه فضلًا عن ركنيته، و إنّما اعتباره من أجل تقوّم الركوع به، فإنّه ليس عبارة عن مجرّد الهيئة الحاصلة من الانحناء الخاص كيف ما اتّفق، بل بشرط كونه مسبوقاً بالقيام فالمسمّى بالركوع لغة و شرعاً خصوص الحصّة الخاصّة و هي الانحناء الحاصل عن القيام لا مطلقاً، فهو دخيل في حقيقة الركوع لا أنّه واجب مستقل، و مع سقوطه لمكان العجز كما هو المفروض يسقط القيام بتبعه لا محالة، فلا يلزم الإخلال بالركن زائداً على الركوع الساقط على كلّ حال. و كيف ما كان فلا ينبغي الرّيب في تعين الإيماء قائماً و عدم الانتقال إلى الركوع جالساً للوجه الّذي عرفت.

و أمّا الفرض الثاني: أعني ما إذا لم يتمكّن إلّا من الركوع الجلوسي الناقص أي مع الانحناء إليه في الجملة، فدار الأمر بينه و بين الإيماء قائماً، و هو الّذي‌

______________________________
(1) لاحظ الجواهر 10: 80.

(2) شرح العروة 14: 168.

32
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 3: إذا دار الأمر بين الركوع جالسا مع الانحناء في الجملة ؛ ج 15، ص : 33

[مسألة 3: إذا دار الأمر بين الركوع جالساً مع الانحناء في الجملة]

[1583] مسألة 3: إذا دار الأمر بين الركوع جالساً مع الانحناء في الجملة و قائماً مومئاً لا يبعد تقديم الثاني [1]، و الأحوط تكرار الصلاة (1).

[مسألة 4: لو أتى بالركوع جالساً و رفع رأسه منه]

[1584] مسألة 4: لو أتى بالركوع جالساً و رفع رأسه منه (2) ثمّ حصل له التمكّن [2] من القيام لا يجب بل لا يجوز له إعادته قائماً، بل لا يجب عليه القيام للسجود خصوصاً إذا كان بعد السمعلة، و إن كان أحوط و كذا لا يجب إعادته بعد إتمامه بالانحناء غير التام،

______________________________
تعرّض (قدس سره) إليه في المسألة الآتية، فقد ذكر في المتن أنّه لا يبعد تقديم الثاني، و الأحوط تكرار الصلاة.

و قد ظهر ممّا مرّ أنّه لا ينبغي الريب في تعيّن الإيماء حينئذ و إن قلنا بتقديم الركوع الجلوسي التام عليه في الصورة السابقة بدعوى أقربيّته منه إلى الركوع القيامي المتعذِّر، إذ لا مجال لتوهّم الأقربية هنا أصلًا بعد أن لم يكن الانحناء في الجملة من الركوع الشرعي في شي‌ء كما لا يخفى.

فتحصّل: أنّ المتعيِّن في جميع صور المسألة هو الإيماء، سواء تمكّن من الانحناء في الجملة قائماً أم لا، و سواء تمكّن من الركوع الجلوسي التام أو الناقص أم لا عملًا بإطلاق أدلّة بدليّته عن الركوع القيامي لدى تعذّره كما ظهر وجهه ممّا مرّ و إن كان الاحتياط المذكور في المتن في فروض المسألة ممّا لا بأس به فإنّه حسن على كلّ حال.

(1) قد ظهر الحال ممّا قدّمناه آنفاً فلاحظ.

(2) تعرّض (قدس سره) في هذه المسألة لفروض تجدّد القدرة أثناء الصلاة‌

______________________________
[1] بل هو الأظهر و رعاية الاحتياط أولى.

[2] مرّ ضابط هذا الفرع في بحث القيام [في المسألة 1486].

33
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 4: لو أتى بالركوع جالسا و رفع رأسه منه ؛ ج 15، ص : 33

و أمّا لو حصل له التمكّن في أثناء الركوع جالساً، فان كان بعد تمام الذكر الواجب يجتزئ به، لكن يجب عليه الانتصاب للقيام بعد الرفع، و إن حصل قبل الشروع فيه أو قبل تمام الذكر يجب عليه أن يقوم منحنياً إلى حدّ الركوع القيامي ثمّ إتمام الذكر و القيام بعده و الأحوط مع ذلك إعادة الصلاة، و إن حصل في أثناء الركوع بالانحناء غير التام أو في أثناء الركوع الايمائي فالأحوط الانحناء [1] إلى حدّ الركوع و إعادة الصلاة.

______________________________
فذكر أنّ التجدّد إن كان بعد رفع الرأس عن الركوع جالساً لا يجب، بل لا يجوز له إعادته قائماً لاستلزام زيادة الركن، كما لا يجب عليه القيام للسجود لعدم وجوبه إلّا من باب المقدّمة و قد حصلت. و يلحق بذلك ما لو تجدّدت بعد الانتهاء عن الانحناء غير التام حال القيام بناءً على الاجتزاء به عن التام.

و إن كان قبل رفع الرأس، فإن كان بعد تمام الذكر الواجب لزمه الانتصاب تحصيلًا للقيام الواجب بعد الرفع، لقدرته عليه و لم يحصل بدله كما حصل في الفرض السابق.

و إن كان قبله سواء أ كان أثناء الذكر أم قبل الشروع فيه فمن حيث نفس الركوع يجتزي به كسابقه لحصوله حال العجز غير أنّ الذكر الواجب لم يتحقّق أو لم يكمل بعد، و حيث لا اعتبار بهذا الركوع بقاءً لارتفاع العذر فلا مناص له من أن يقوم متقوّساً إلى حدّ الركوع القيامي، فيأتي بالذكر حينئذ أو يتمّه كما يأتي بالقيام بعده، و احتاط حينئذ بإعادة الصلاة.

و أمّا إذا كان التجدّد أثناء الانحناء أو الإيماء فالأحوط الانحناء إلى حدّ‌

______________________________
[1] بل الأظهر ذلك بلا حاجة إلى الإعادة.

34
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 4: لو أتى بالركوع جالسا و رفع رأسه منه ؛ ج 15، ص : 33

..........

______________________________
الركوع ثمّ إعادة الصلاة.

أقول: قدّمنا في بحث القيام «1» ما هو الضابط العام لأمثال المقام ممّا تجدّدت فيه القدرة أثناء الصلاة.

و حاصله: أنّ التجدّد تارة يفرض في ضيق الوقت بحيث لا يتمكّن من إعادة الصلاة، و أُخرى في سعته، و على التقديرين فان لم يلزم من تدارك الفائت محذور زيادة الركن وجب ذلك كما لو قرأ جالساً و قبل الدخول في الركوع تمكن من القيام فإنّه يجب عليه حينئذ إعادة القراءة قائماً و لا محذور فيها، فان مثل هذه الزيادة غير قادحة.

و إن لزم المحذور المزبور فان لم يكن الفائت ركناً مضى في صلاته و صحّت لحديث لا تعاد، كما لو قرأ جالساً لعجزه عنها قائماً و بعد الركوع الاختياري تمكن من القراءة قائما.

و إن كان ركناً كما لو ركع جالساً و تمكن بعد ذلك من الركوع القيامي، فإن كان في ضيق الوقت صحّت صلاته أيضاً و مضى فيها، فانّ ذلك غاية ما في وسعه من الامتثال و الصلاة لا تسقط بحال.

و إن كان في سعته ففي الصحّة إشكال، بل منع لعدم الدليل على الاجتزاء بهذا الفرد الناقص بعد تعلّق الأمر بالطبيعة الجامعة المحدودة بين الحدّين و تمكنه منها بالإتيان بفرد آخر.

فتحصّل: أنّ مقتضى القاعدة هو الحكم بالصحّة في جميع فروض المسألة من غير فرق بين الضيق و السعة ما عدا صورة واحدة، و هي ما إذا كان الفائت ركناً و الوقت واسعاً، فإنّ الأقوى حينئذ البطلان كما عرفت.

هذا هو الضابط الكلِّي لكبرى هذه المسألة و نظائرها.

______________________________
(1) شرح العروة 14: 251 المسألة [1486].

35
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 4: لو أتى بالركوع جالسا و رفع رأسه منه ؛ ج 15، ص : 33

..........

______________________________
و أمّا التطبيق على المقام فنقول: قد تكون الوظيفة هي الركوع الجلوسي و أُخرى الانحناء غير التام حال القيام بناءً على الاجتزاء به-، و ثالثة الإيماء و على التقادير فقد يكون التجدّد بعد الانتهاء عنها، و أُخرى في الأثناء، ففروض المسألة ستّة تعرّض لجميعها في المتن ما عدا صورة واحدة، و هي التجدّد بعد الانتهاء من الإيماء.

فإن تجدّدت القدرة على الركوع التام القيامي بعد رفع الرأس عن الركوع جالساً فقد ذكر في المتن أنّه لا يجب بل لا يجوز له إعادته قائماً. و هذا هو الصحيح فيجتزى به، لكن في ضيق الوقت خاصّة، و أمّا في السعة فحيث إنّ الفائت ركن و لا يمكن تداركه فالصلاة باطلة و الإعادة واجبة كما ظهر وجهه ممّا مرّ آنفاً. فما أفاده (قدس سره) لا يتم على إطلاقه.

و إن تجدّدت بعد الانتهاء عن الانحناء غير التام فقد ألحقه الماتن بسابقه.

و الأولى أن يقال: إذا بنينا على أنّ الدليل المانع من زيادة الركوع من حديث لا تعاد أو غيره يشمل ما إذا كان الزائد مثل هذا الركوع، فالإلحاق في محلّه مع مراعاة التفصيل بين السعة و الضيق كما عرفت.

و أمّا إذا بنينا على انصرافه عن الركوع الانحنائي كما لا يبعد و سيجي‌ء الكلام عليه إن شاء اللّٰه تعالى، فاللّازم تدارك الركوع مطلقاً لعدم محذور فيه، غايته أنّه تخيّل أنّ وظيفته الانحناء و الانتقال إلى البدل و اعتقد أمراً خيالياً، و مثله لا يجزي عن الواقع بعد انكشاف الخلاف، فيلغى بعد عدم ضير في زيادته و يجب الإتيان بالركوع قائما.

و أولى بذلك ما لو كان التجدّد بعد الانتهاء عن الإيماء و هو الّذي لم يتعرّض له في المتن بل لا ينبغي الإشكال في انصراف دليل الزيادة عن مثل ذلك. نعم، لو كان الزائد من سنخ المزيد عليه فكرّر الانحناء أمكن دعوى‌

36
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 4: لو أتى بالركوع جالسا و رفع رأسه منه ؛ ج 15، ص : 33

..........

______________________________
زيادة الركوع، و أمّا مع الاختلاف في السنخ فكانت الوظيفة الركوع القيامي لقدرته عليه فأضاف عليه الإيماء أو الانحناء، ففي مثله يشكل صدق تعدّد الركوع سيّما في الأوّل، لعدم كون الإيماء من الركوع في شي‌ء لا شرعاً و لا لغة و إنّما هو بدل و وظيفة مقرّرة لدى العجز عنه، بل لا ينبغي الريب في عدم الصدق كما عرفت، فاللّازم إعادة الركوع قائماً و لا محذور فيها.

و إن تجدّدت أثناء الركوع جالساً، فان كان بعد تمام الذكر الواجب فقد ذكر في المتن أنّه يجتزئ به، لكن يجب عليه الانتصاب للقيام بعد الرفع.

أقول: أمّا الاجتزاء فوجيه في فرض الضيق فقط، و إلّا ففي السعة يحكم بالبطلان كما مرّ. و أمّا الانتصاب فلا دليل عليه، فانّ الانتصاب القيامي إنّما يجب بعد الركوع القيامي كي لا يهوي إلى السجود من الركوع، و لا دليل على وجوبه بعد مطلق الركوع حتّى الجلوسي منه.

و إن شئت فقل: إنّ اللّازم بعد كل ركوع الانتصاب المناسب له و عدم الهوي منه إلى السجود، فان ركع قائماً وجب الانتصاب القيامي، و إن ركع جالساً فالانتصاب الجلوسي، و بعد فرض الاجتزاء في المقام بالركوع الجلوسي إمّا مطلقاً على مسلكه، أو في خصوص الضيق على المختار كما عرفت فلا يجب إلّا الانتصاب جالساً الحاصل في المقام، فالانتصاب للقيام لا دليل على جوازه فضلًا عن وجوبه.

و إن كان قبل تمام الذكر، أو قبل الشروع فيه فقد حكم في المتن بوجوب القيام متقوّساً إلى حدّ الركوع القيامي ثمّ إتمام الذكر و القيام بعده.

و هذا أيضاً لا يمكن المساعدة عليه، لما مرّ غير مرّة من تقوّم الركوع بالانحناء عن قيام، و ليس هو عبارة عن مطلق إحداث تلك الهيئة الانحنائية كيف ما اتّفق، فالقيام متقوّساً ليس من الركوع في شي‌ء بعد عدم سبقه بالقيام‌

37
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 5: زيادة الركوع الجلوسي و الايمائي مبطلة ؛ ج 15، ص : 38

[مسألة 5: زيادة الركوع الجلوسي و الايمائي مبطلة]

[1585] مسألة 5: زيادة الركوع الجلوسي و الايمائي مبطلة و لو سهواً كنقيصته (1).

______________________________
فلا فائدة في ذلك. و لو فرض صدق الركوع عليه فاللّازم الحكم بالبطلان لزيادة الركن كما لا يخفى.

و بالجملة: فليس له إلّا إتمام الذكر في نفس هذا الركوع، و لا يشرع له القيام منحنياً و الإتيان بالذكر فضلًا عن وجوبه، و لا حاجة إلى إعادة الصلاة.

و إن تجدّدت أثناء الركوع بالانحناء غير التام، أو أثناء الركوع الايمائي، فقد احتاط في المتن بالانحناء إلى حدّ الركوع و إعادة الصلاة.

و قد ظهر ممّا مرّ: أنّ ذلك هو الأظهر، بلا حاجة إلى إعادة الصلاة، لعدم صدق الزيادة في الركوع سيّما في الانحناء غير التام، فإنّه من مقدّمات الركوع الشرعي و مبادئه، إذ هو زيادة في الانحناء و تشديد في الكيف، فلا يعد وجوداً مستقلا آخر في قباله كي يعد من زيادة الركوع كما هو ظاهر جدّا.

(1) أمّا البطلان في فرض النقص فظاهر، فانّ الركوع من مقوّمات الصلاة كما يشهد به ما دلّ على أنّ الصلاة ثلث طهور و ثلث ركوع، و ثلث سجود «1» فمع خلوّها عنه و عن بدله و هو الإيماء لا يصدق عنوان الصلاة، مضافاً إلى عقد الاستثناء في حديث لا تعاد، و هذا ظاهر جدّاً بلا فرق فيه بين العمد و السهو.

و أمّا في فرض الزيادة فكذلك بالإضافة إلى الركوع الجلوسي، فإنّه ركوع حقيقة لغة و شرعاً، فيشمله ما دلّ على البطلان بزيادة الركوع فإنّه بإطلاقه يعمّ الركوع القيامي و الجلوسي.

______________________________
(1) الوسائل 6: 310/ أبواب الركوع ب 9 ح 1.

38
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 6: إذا كان كالراكع خلقة أو لعارض فان تمكن من الانتصاب ؛ ج 15، ص : 39

[مسألة 6: إذا كان كالراكع خلقة أو لعارض فان تمكن من الانتصاب]

[1586] مسألة 6: إذا كان كالراكع خلقة أو لعارض (1) فان تمكن من الانتصاب و لو بالاعتماد على شي‌ء وجب عليه ذلك، لتحصيل القيام الواجب حال القراءة و للركوع، و إلّا فللركوع فقط فيقوم و ينحني، و إن لم يتمكّن من ذلك لكن تمكن من الانتصاب في الجملة فكذلك، و إن لم يتمكّن أصلًا، فإن تمكن من الانحناء أزيد من المقدار الحاصل بحيث لا يخرج عن حدّ الركوع وجب [1]، و إن لم يتمكّن من الزيادة أو كان على أقصى مراتب الركوع بحيث

______________________________
و أمّا بالنسبة إلى الايمائي فالمشهور أنّه كذلك، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه، استناداً إلى سراية أحكام المبدل إلى البدل.

لكنّه كما ترى، فإنّ البدلية لا تستدعي إلّا تنزيل البدل منزلة المبدل في وجوب الإتيان به، و لا نظر في دليلها إلى بقية الأحكام كي يقتضي سرايتها إليه. و عليه فان تمّ الإجماع على الإلحاق و لم يتم فهو، و إلّا ففي الحكم بالبطلان إشكال بل منع، لعدم كون الإيماء ركوعاً لا لغةً و لا شرعاً، و إنّما هو بدل عن الركوع و وظيفة مقرّرة لدى العجز عنه، فلا يشمله ما دلّ على البطلان بزيادة الركوع «1» فانّ ذاك الدليل خاص بالركوع و لا يعم بدله الّذي ليس هو من الركوع في شي‌ء.

(1) تفصيل المقام: أنّ من كان على هيئة الراكع خلقة أو لعارض، إن تمكن من الانتصاب قليلًا و لو بالاعتماد على شي‌ء وجب ذلك على حسب طاقته رعاية للقيام الواجب حال تكبيرة الإحرام و القراءة و القيام المتّصل بالركوع، فإن أمكنه الكل فهو، و إلّا فبالمقدار الميسور، لا أقل من القيام آناً ما الّذي يتقوّم به الركوع‌

______________________________
[1] لا تبعد كفاية الإيماء حينئذٍ، و إن كان الجمع بينه و بين ما في المتن أحوط.

______________________________
(1) نعم، و لكنّه زيادة في الصلاة بعد الإتيان به بقصد الجزئية كما هو المفروض، فتقدح مع العمد و إن لم يصدق عنوان الركوع.

39
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 6: إذا كان كالراكع خلقة أو لعارض فان تمكن من الانتصاب ؛ ج 15، ص : 39

لو انحنى أزيد خرج عن حدّه فالأحوط له الإيماء بالرأس [1]، و إن لم يتمكّن فبالعينين له تغميضاً و للرفع منه فتحاً، و إلّا فينوي به قلباً و يأتي بالذكر [1].

______________________________
فيأتي حينئذ بالركوع الاختياري.

و إن عجز عن ذلك أيضاً فلم يتمكّن من الانتصاب أصلًا، فإن تمكن من القيام في الجملة و لو منحنياً الّذي هو حد متوسط بين الركوع و بين الانتصاب التام وجب ذلك و كان ركوعه اختيارياً أيضاً فإنّه متقوّم بمطلق القيام لا بخصوص القيام الانتصابي، فانّ الانتصاب واجب آخر حال القيام قد سقط لدى العجز غير معتبر في حقيقة الركوع، و إنّما يتقوّم بطبيعي القيام الحاصل في المقام و لو في ضمن فرد آخر و هو القيام الانحنائي فيجب مع التمكّن منه.

و إن لم يتمكّن من القيام أصلًا، فتارة يفرض تمكنه من ازدياد الانحناء و الانتقال إلى مرتبة اخرى اخفض ممّا هو عليه مع المحافظة على عدم الخروج عن أقصى مراتب الركوع، و أُخرى لا يتمكّن من الزيادة أصلًا، أو لو زاد خرج بذلك عن حدّ الركوع الشرعي، فهنا فرضان.

أمّا الفرض الأوّل ففيه وجوه بل أقوال:

أحدها: ما اختاره في المتن و لعلّه المشهور من وجوب الانحناء أزيد ممّا هو عليه، استناداً إلى لزوم الفرق بين قيامه و ركوعه، كما هو الحال في الإيماء للركوع و للسجود، فكما يومئ للثاني أخفض منه للأوّل، لمكان الفرق بينهما فكذا في المقام.

______________________________
[1] بل الأظهر ذلك.

[1] على الأحوط كما مرّ.

40
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 6: إذا كان كالراكع خلقة أو لعارض فان تمكن من الانتصاب ؛ ج 15، ص : 39

..........

______________________________
و فيه: منع ظاهر، فإنّه وجه استحساني و مجرد اعتبار لا يصلح لأن يكون مدركاً لحكم شرعي، و التفرقة في الإيماء قد دلّ عليها النص المختص بمورده فلا وجه للتعدِّي منه إلى المقام، فلم ينهض دليل شرعي على وجوب إحداث الفارق في محل الكلام، هذا.

و قد استدلّ له المحقِّق الهمداني (قدس سره) «1» بأنّ الركوع و إن كان متقوّماً بالانحناء عن القيام إلّا أنّ قيام كل شخص بحسبه، ففي القادر قيامه الاعتدال و في من كان على هيئة الراكع الاستقامة على ما هو عليه بحسب حاله، فانّ هذا هو قيامه بحسب العرف، فبطبيعة الحال يكون ركوعه هو الانحناء عن هذه الحالة بأن يزيد انحناؤه عمّا هو عليه ممّا يعد قياماً له، فانّ ذلك هو ركوعه في نظر العرف كما يشهد به جريان عادتهم في الركوع أمام الجبابرة و الملوك سيّما سيرة أهل الفرس بالنسبة إلى أُمرائهم، فان ركوع القادر هو الانحناء عن الانتصاب، و من كان منحني الظهر ركوعه الازدياد في انحنائه و لو يسيراً كل منهم على حسب حاله.

و فيه أوّلًا: منع صدق الركوع عليه عرفاً، و إنّما هو انتقال من مرتبة من الانحناء إلى أُخرى، كيف و قد عرفت أنّه متقوّم لغة و عرفاً بالانحناء عن القيام و من احدودب ظهره عاجز عن القيام و ليس هو إلّا على هيئة الراكع، فصدق الركوع في حقّه ممنوع جدّاً، و أمّا تعظيم مثله أمام الجبابرة و الملوك بزيادة الانحناء فإنّما هو تواضع و خضوع، و لا يعد من الركوع في شي‌ء كما لا يخفى.

و ثانياً: سلّمنا صدق الركوع عليه عرفاً إلّا أنّه لا دليل على وجوب الانحناء الزائد في المقام، فانّ المستفاد من الأدلّة الواردة في تحديد الركوع الشرعي وجوب الانحناء عن القيام حدّا يتمكن معه من إيصال أطراف‌

______________________________
(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 328 السطر 9.

41
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 6: إذا كان كالراكع خلقة أو لعارض فان تمكن من الانتصاب ؛ ج 15، ص : 39

..........

______________________________
أصابعه الركبتين و يستحبّ الزيادة قليلًا بحيث تصل الراحة إليهما كما مرّ. و هذا التكليف ساقط عن هذا الشخص لعجزه عن إيجاد هذا الحد و إحداثه حسب الفرض، فبأيّ دليل يجب عليه الانحناء الزائد على هذا المقدار ممّا هو عليه فإنّه يحتاج إلى دليل بالخصوص و هو مفقود.

و دعوى انصراف هذا التحديد إلى الأفراد الشائعة دون من كان على هيئة الراكع كما ترى، فإنّه إرشاد إلى الحد المعتبر في الركوع المأمور به، و مقتضى الإطلاق «1» عدم الفرق بين الموارد كما لا يخفى. فالأقوى حينئذ لزوم الانتقال إلى البدل المقرّر لدى العجز عن الركوع و هو الإيماء لعدم قصور في شمول إطلاق دليله للمقام.

القول الثاني: ما اختاره صاحب الجواهر (قدس سره) «2» من أنّه ينوي الركوع ببقائه على هذه الحالة، لعدم الدليل على وجوب الانحناء الزائد و ليس ذلك من تحصيل الحاصل كي يكون الأمر به لغواً، لإمكان هدم تلك الهيئة الركوعية بالجلوس و نحوه فيؤمر بالبقاء على تلك الهيئة قاصداً بها الركوع المأمور به في الصلاة.

أقول: أمّا عدم الدليل على الانحناء الزائد فهو حق كما عرفت آنفاً. و أمّا الاجتزاء بقصد الركوع بتلك الهيئة فيتوقف على أمرين:

أحدهما: أنّ الركوع عبارة عن نفس تلك الهيئة الخاصّة، و الهوي مقدّمة عقلية صرفة.

______________________________
(1) لقائل أن يقول: إنّ الخطاب في نصوص التحديد متوجِّه إلى الأشخاص العاديين المستوين في الخلقة كزرارة و أبي بصير و نحوهما، و لعل هذا يجعله من اكتناف الكلام بما يصلح للقرينية المانع عن انعقاد الإطلاق.

(2) الجواهر 10: 81.

42
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 6: إذا كان كالراكع خلقة أو لعارض فان تمكن من الانتصاب ؛ ج 15، ص : 39

..........

______________________________
ثانيهما: أنّ المأمور به هو الركوع الأعم من الحدوثي و البقائي، و عليه فلا مانع من قصد الركوع بتلك الهيئة الخاصّة بقاءً، هذا.

و للمناقشة في كلا الأمرين مجال واسع.

أمّا الأوّل: فلما عرفت من أنّ الركوع متقوّم بالانحناء عن القيام، فهو معتبر في حقيقته شطراً أو شرطاً و إن كان الأظهر هو الثاني. و على أيّ حال فليست تلك الهيئة على إطلاقها و كيف ما اتّفقت ركوعاً كي يكون الهوي مقدّمة محضة. و من هنا لو جلس عن القيام ثمّ قام متقوساً إلى حدّ الركوع لا يجتزى به و لا يتحقّق معه الركوع قطعا.

و أما الثاني: فلأنّ الظاهر من الأمر بشي‌ء هو إحداثه و إيجاده بعد ان لم يكن، و لا يكفي فيه مجرّد البقاء و لو بقصد الأمر، بل كيف يمكن توجيه الخطاب نحو الراكع بقوله اركع فإنّه يعد لغواً و من تحصيل الحاصل في نظر العرف كما لا يخفى. فهذا القول يتلو سابقه في الضعف.

و من جميع ما قدّمناه يظهر أنّ الأقوى هو القول الثالث، أعني سقوط الركوع عنه، لمكان العجز و الانتقال إلى بدله و هو الإيماء، لعدم قصور دليله عن الشمول للمقام فيومئ برأسه إن أمكن و إلّا فبالعينين تغميضاً له و فتحاً للرفع منه، و مع العجز عنه أيضاً الّذي هو فرض نادر جدّاً فينوي بقلبه على الأحوط و إلّا فلا دليل عليه، و مقتضى القاعدة حينئذ سقوط الصلاة لتقوّمها بالركوع و هو عاجز عنه و عن بدله، لكن الفرض في غاية الشذوذ كما عرفت و قد مرّ تفصيل ذلك كلّه في بحث القيام.

نعم، الأحوط في المقام أن يجمع بين الإيماء و بين زيادة الانحناء قاصداً بأحدهما ما هو الركوع المأمور به في حقّه و ما هي وظيفته واقعاً، فيقع الآخر لغواً غير مضر فإنّه جامع بين الأقوال، و بذلك يخرج عن شبهة الخلاف، فإنّ‌

43
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 7: يعتبر في الانحناء أن يكون بقصد الركوع و لو إجمالا بالبقاء على نيته في أول الصلاة ؛ ج 15، ص : 44

[مسألة 7: يعتبر في الانحناء أن يكون بقصد الركوع و لو إجمالًا بالبقاء على نيّته في أوّل الصلاة]

[1587] مسألة 7: يعتبر في الانحناء أن يكون بقصد الركوع و لو إجمالًا بالبقاء على نيّته في أوّل الصلاة بأن لا ينوي الخلاف، فلو انحنى بقصد وضع شي‌ء على الأرض أو رفعه، أو قتل عقرب أو حيّة، أو نحو ذلك، لا يكفي في جعله ركوعاً، بل لا بدّ من القيام ثمّ الانحناء للركوع، و لا يلزم منه زيادة الركن (1).

______________________________
صاحب الجواهر أيضاً لا يأبى عن ذلك و إنّما يرى جواز قصد الركوع بالبقاء على تلك الحالة، لا عدم جوازه بالانحناء الزائد كما لا يخفى.

و أمّا في الفرض الثاني فلا ينبغي الشك في تعيّن الإيماء في حقّه، لفرض عدم تمكنه من الانحناء الزائد كي يحتمل وجوبه، أو لو انحنى خرج عن أقصى مراتب الركوع. و قد عرفت ضعف مقالة صاحب الجواهر (قدس سره) لتوقّفها على مقدّمتين كلتاهما ممنوعة. فلا مناص من الانتقال إلى البدل و هو الإيماء عملًا بإطلاق دليله الّذي لا يقصر عن الشمول للمقام.

(1) لا يخفى أنّ المحتملات في حقيقة الركوع المأمور به أُمور:

أحدها: أنّه عبارة عن الحركة عن حالة الانتصاب إلى أن تبلغ أطراف أصابعه الركبتين، أو أن يضع كفّيه عليهما على الخلاف في ذلك كما مرّ «1»، فيكون في ابتداء الحركة شارعاً في الركوع، لكونه مؤلفاً من عدّة أجزاء و هي الانحناءات المتتالية المحدودة بين الحدّين، فكل مرتبة جزء من الركوع لتركبه من المجموع.

الثاني: أنّه مفهوم بسيط لا جزء له، و هو نفس الهيئة الخاصّة المنتزعة عن الانحناء البالغ حدّا يتمكّن من إيصال الأصابع أو اليدين إلى الركبتين، لكن لا‌

______________________________
(1) في ص 3 و ما بعدها.

44
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 7: يعتبر في الانحناء أن يكون بقصد الركوع و لو إجمالا بالبقاء على نيته في أول الصلاة ؛ ج 15، ص : 44

..........

______________________________
على إطلاقها، بل حصّة خاصّة من تلك الهيئة و هي المسبوقة بالقيام، فالواجب هي الهيئة الحاصلة عن انحناء قيامي، فيكون الهوي عن القيام معتبراً فيه شرطاً لا شطراً و تقيّداً لا قيداً، بخلاف الوجه السابق الّذي كان عليه معتبراً قيداً و تقيّداً كما عرفت.

الثالث: أنّه عبارة عن نفس تلك الهيئة الخاصّة على إطلاقها كيف ما اتّفقت و حيثما تحقّقت، فيكون الهوي إليها مقدّمة عقلية صرفة لا دخل لها في المأمور به أصلًا بخلاف الوجه الثاني، إذ عليه كان مقدّمة شرعية كما هو الحال في سائر الشرائط من الستر و الطهور و نحوهما.

و يترتّب على الاحتمالين الأوّلين ما أفاده في المتن من لزوم كون الانحناء بقصد الركوع، و أنّه لو انحنى لغاية أُخرى من وضع شي‌ء على الأرض أو رفعه أو قتل عقرب أو حيّة، و بعد بلوغ حدّ الركوع بدا له أن يجعله ركوعاً لا يكتفي به، بل لا بدّ من القيام ثمّ الانحناء للركوع، و لا يلزم منه زيادة الركن.

أمّا مع الاحتمال الأوّل فظاهر، و كذا على الثاني، فإنّ الشرط ليس مطلق الهوي و الانحناء، بل خصوص ما كان بقصد الركوع كما لا يخفى، فالهوي العاري عن هذا القصد ليس مصداقاً للشرط فينتفي المشروط بانتفائه.

و أمّا على الاحتمال الأخير فقد يقال كما عن العلّامة الطباطبائي في منظومته «1»، و تبعه صاحب الجواهر «2» بالاكتفاء في المقام، إذ الواجب هو نفس تلك الهيئة و قد حصلت، و الهوي مقدّمة عقلية محضة لا دخل له في الركوع المأمور به بوجه عدا حيثية المقدّمية الصرفة، كما أنّه كذلك بالإضافة إلى السجود بلا خلاف و لا إشكال، لكونه متقوّماً بوضع الجبهة على الأرض‌

______________________________
(1) الدرّة النجفية: 123.

(2) الجواهر 10: 76.

45
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 7: يعتبر في الانحناء أن يكون بقصد الركوع و لو إجمالا بالبقاء على نيته في أول الصلاة ؛ ج 15، ص : 44

..........

______________________________
فقط، و لا دخل للهوي فيه إلّا من باب المقدّمة، فكما أنّه لو هوى إلى الأرض لغاية أُخرى ثمّ بدا له في السجود يجتزي به من دون حاجة إلى القيام و الهوي إليه مرّة أُخرى، فكذا في المقام.

و اعترض عليه شيخنا الأنصاري «1» و قد أجاد فيما أفاد فأورد (قدس سره).

أوّلًا: بإنكار المبنى، و أنّ الركوع ليس مطلق تلك الهيئة كي يكون الهوي مقدّمة عقلية صرفة، بل خصوص المسبوق بالقيام كما هو المستفاد من ظواهر النصوص، بل من كلمات اللّغويين أيضاً، فلا يطلق الراكع إلّا على المنحني عن قيام، فهو مشروط بسبق الهوي و متقوّم بالانحناء القيامي. و من هنا لو جلس عن قيامه ثمّ قام متقوّساً إلى حدّ الركوع لا يجتزى به بلا إشكال، لعدم كونه مصداقاً للركوع، و إنّما هو على هيئة الراكع. و لا يقاس ذلك بالسجود، لما عرفت من أنّه متقوّم بوضع الجبهة على الأرض فقط، و لا دخل للهوي و الانحناء في حقيقته بوجه، فهو فيه مقدّمة عقلية محضة لا محالة، بخلاف الركوع فإنّه متقوّم بالانحناء المسبوق بالقيام المستلزم لكون الهوي شرطاً شرعياً فيه كما عرفت.

و ثانياً: سلّمنا ذلك، لكن دعوى الاكتفاء مبنية على أن يكون الأمر بالركوع متعلِّقاً بالطبيعي الجامع بين الحدوث و البقاء، فإنّه بعد ما بلغ إلى هذا الحد و لو لغاية أُخرى جاز له أن يقصد به الركوع بقاء.

لكنّه خلاف ظواهر الأدلّة قطعاً، بل المنصرف منها خصوص الإحداث و إيجاد الركوع بعد أن لم يكن، كما هو الحال في السجود أيضاً و غيره من سائر التكاليف، فلو عثر في صلاته فاتّصلت جبهته بالأرض قهراً ليس له أن يقصد به السجود بقاءً بلا إشكال، بل لا بدّ من رفع الجبهة ثمّ وضعها ثانياً بقصد‌

______________________________
(1) كتاب الصلاة: 157.

46
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 8: إذا نسي الركوع فهوى إلى السجود و تذكر قبل وضع جبهته على الأرض ؛ ج 15، ص : 47

[مسألة 8: إذا نسي الركوع فهوى إلى السجود و تذكّر قبل وضع جبهته على الأرض]

[1588] مسألة 8: إذا نسي الركوع فهوى إلى السجود و تذكّر قبل وضع جبهته على الأرض رجع إلى القيام ثمّ ركع، و لا يكفي أن يقوم منحنياً إلى حدّ الركوع من دون أن ينتصب، و كذا لو تذكّر بعد الدخول في السجود أو بعد رفع الرأس من السجدة الأُولى قبل الدخول في الثانية على الأقوى و إن كان الأحوط في هذه الصورة إعادة الصلاة أيضاً بعد إتمامها و إتيان سجدتي السهو لزيادة السجدة (1).

______________________________
السجود كي يتحقّق الإحداث، كما أنّ الواجب في المقام هو القيام ثمّ الانحناء ثانياً بقصد الركوع. فظهر أنّ ما ذكره في المتن هو الصحيح على جميع التقادير.

(1) لا إشكال في أنّ من نسي الركوع و تذكّره بعد السجدتين أو بعد الدخول في السجدة الثانية بطلت صلاته لعدم إمكان تصحيحها بوجه، للزوم زيادة الركن من التدارك، و نقيصته مع عدمه كما لا يخفى.

كما لا إشكال في الصحّة لو كان التذكّر قبل الدخول في السجود و وضع الجبهة على الأرض، لإمكان التدارك من دون أيّ محذور، فيرجع إلى القيام ثمّ يركع، و لا يكفي القيام متقوّساً إلى حدّ الركوع من دون أن ينتصب، لاعتبار كون الركوع عن قيام متّصل به كما عرفت في المسألة السابقة و لا اتِّصال في المقام.

إنّما الكلام فيما إذا كان التذكّر بعد السجدة الأُولى أو أثناءها، فهل يلحق ذلك بالصورة الأُولى كما لعلّه المشهور فيحكم بالبطلان، أم بالصورة الثانية كما اختاره جماعة منهم الماتن فيحكم بالصحّة؟

لا ينبغي الشك في أنّ مقتضى القاعدة هو الثاني، إذ لا يلزم من تدارك الركوع أيّ محذور عدا زيادة سجدة واحدة سهواً، و لا ضير فيها بعد أن لم‌

47
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 8: إذا نسي الركوع فهوى إلى السجود و تذكر قبل وضع جبهته على الأرض ؛ ج 15، ص : 47

..........

______________________________
تكن ركناً، و قد ورد أنّ الصلاة لا تعاد من سجدة واحدة، و إنّما تعاد من ركعة
«1».

و إنّما المنشأ للخلاف ورود روايات في المقام ربما يتوهّم دلالتها على البطلان في خصوص المقام أعني نسيان الركوع و بذلك يخرج عن مقتضى القاعدة المزبورة، لكن الظاهر عدم دلالتها عليه، بل المستفاد منها أيضاً هي الصحّة فتكون الصحّة مطابقة للقاعدة و للنص فلا بدّ من التعرّض إليها.

فمنها: موثقة إسحاق بن عمار قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل ينسى أن يركع، قال يستقبل حتّى يضع كل شي‌ء من ذلك موضعه» «2» قالوا إنّ الموضوع نسيان الركوع مطلقاً فيشمل ما لو كان التذكّر بعد السجدة الواحدة.

و فيه: أنّ الذيل مانع عن انعقاد الإطلاق لقوله (عليه السلام): «حتّى يضع كلّ شي‌ء موضعه»، فيظهر أنّ موضوع الحكم نسيان لا يتمكّن معه من وضع كل شي‌ء موضعه، و هذا كما ترى مختص بما إذا كان التذكر بعد السجدتين، إذ لو كان بعد السجدة الواحدة يتمكّن من وضع كل شي‌ء موضعه، لما عرفت من أنّ زيادة السجدة الواحدة سهواً غير قادحة فيتمكّن من تدارك الركوع و وضعه في موضعه من دون أيّ محذور. و مع تسليم الإطلاق فلا بدّ من تقييده بما ستعرف.

و منها: صحيحة رفاعة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل ينسى أن يركع حتّى يسجد و يقوم، قال: يستقبل» «3».

______________________________
(1) الوسائل 6: 319/ أبواب الركوع ب 14 ح 2، 3.

(2) الوسائل 6: 313/ أبواب الركوع ب 10 ح 2.

(3) الوسائل 6: 312/ أبواب الركوع ب 10 ح 1.

48
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 8: إذا نسي الركوع فهوى إلى السجود و تذكر قبل وضع جبهته على الأرض ؛ ج 15، ص : 47

..........

______________________________
و هذه أيضاً كما ترى لا إطلاق لها، لقوله: «يسجد و يقوم»، إذ من الواضح أنّ القيام إنّما هو بعد السجدتين فلا يشمل ما لو كان التذكّر بعد السجدة الواحدة لعدم القيام معها، و مع تسليم الإطلاق فيقيّد أيضاً بما سيجي‌ء.

و منها: خبر أبي بصير قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل نسي أن يركع قال: عليه الإعادة» «1».

و فيه: مضافاً إلى ضعف سنده بمحمّد بن سنان، عدم ظهوره في الإطلاق و إلّا لزم الحكم بالبطلان، و لو كان التذكّر قبل وضع الجبهة على الأرض لصدق نسيان الركوع حينئذ مع أنّها صحيحة بعد تدارك الركوع بلا خلاف و لا إشكال كما تقدّم، فيظهر أنّ المراد به نسيان لا يتمكّن معه من التدارك و وضع كل شي‌ء موضعه المختص بما إذا كان التذكّر بعد السجدتين، فيكون مفاده مساوقاً لموثقة إسحاق بن عمار المتقدِّمة.

و على تقدير تسليم الإطلاق فلا بدّ من تقييده كغيره من النصوص المتقدِّمة «2» بصحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: إذا أيقن الرجل أنّه ترك ركعة من الصلاة و قد سجد سجدتين و ترك الركوع استأنف الصلاة» «3» فإنّ الجملة الشرطية تضمّنت قيدين:

أحدهما: تيقن ترك الركعة أي الركوع كما يشهد به قوله: «و ترك الركوع» ثانيهما: أن يكون التذكّر بعد السجدتين، فمفهومها عدم وجوب الاستئناف عند‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 313/ أبواب الركوع ب 10 ح 4.

(2) هذا وجيه في غير صحيحة رفاعة، أمّا فيها فالنسبة بينها على تقدير تسليم الإطلاق كما هو المفروض و بين مفهوم صحيحة أبي بصير عموم من وجه كما لا يخفى، و معه لا موجب لتقديم هذه الصحيحة.

(3) الوسائل 6: 313/ أبواب الركوع ب 10 ح 3.

49
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 9: لو انحنى بقصد الركوع فنسي في الأثناء و هوى إلى السجود ؛ ج 15، ص : 50

[مسألة 9: لو انحنى بقصد الركوع فنسي في الأثناء و هوى إلى السجود]

[1589] مسألة 9: لو انحنى بقصد الركوع فنسي في الأثناء و هوى إلى السجود، فان كان النسيان قبل الوصول إلى حدّ الركوع انتصب قائماً ثمّ ركع، و لا يكفي الانتصاب إلى الحدّ الّذي عرض له النسيان ثمّ الركوع، و إن كان بعد الوصول إلى حدّه فان لم يخرج عن حدّه وجب عليه البقاء مطمئنّاً و الإتيان بالذكر، و إن خرج عن حدّه فالأحوط إعادة الصلاة بعد إتمامها بأحد الوجهين من العود إلى القيام [1] ثمّ الهويّ للركوع أو القيام بقصد الرّفع منه ثمّ الهويّ للسجود، و ذلك لاحتمال كون الفرض من باب نسيان الركوع فيتعيّن الأوّل، و يحتمل كونه من باب نسيان الذكر و الطمأنينة في الركوع بعد تحقّقه و عليه فيتعيّن الثاني، فالأحوط أن يتمّها بأحد الوجهين ثمّ يعيدها (1).

______________________________
فقد أحد القيدين فلا تجب الإعادة لو شكّ في ترك الركوع، لكونه مجرى لقاعدة التجاوز، كما لا تجب لو كان التذكّر قبل السجدتين الشامل لما إذا تذكّر بعد السجدة الواحدة. فبمفهوم هذه الصحيحة يقيّد الإطلاق في بقية النصوص لو كان. فما أفاده في المتن من الحكم بالصحّة في هذه الصورة بعد تدارك الركوع هو الصحيح، و إن كان الأحوط الإعادة.

(1) قد عرفت أنّ الركوع ليس عبارة عن مجرّد الهيئة الخاصّة كيف ما اتّفقت بل خصوص المسبوق بالانحناء عن القيام بحيث يكون لدى الهوي عن القيام قاصداً للركوع في جميع مراتب الانحناءات إلى أن يبلغ حدّ الركوع، و من هنا أشرنا سابقاً إلى أنّ القيام المتّصل بالركوع ليس واجباً بنفسه فضلًا عن أن يكون ركناً بحياله، بل هو تابع في الوجوب و الركنية لنفس الركوع، حيث إنّ‌

______________________________
[1] هذا هو الظاهر و إعادة الصلاة بعد ذلك أحوط.

50
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 9: لو انحنى بقصد الركوع فنسي في الأثناء و هوى إلى السجود ؛ ج 15، ص : 50

..........

______________________________
الإخلال به إخلال بالركوع لتقوّمه به و دخله في حقيقته. و على هذا الأساس يبتني حكم هذه المسألة كالمسألة السابقة.

ثمّ إنّ هذه المسألة تنحل إلى صور:

إحداها: أن ينحني بقصد الركوع و في الأثناء قبل أن يصل إلى حدّ الركوع ينسى فيهوي إلى السجود ثمّ يتذكّر، سواء أ كان تذكّره قبل الوصول إلى حدّ الركوع أيضاً أو في أثنائه، أو بعد التجاوز عن حدّه، لاشتراك الجميع في ملاك الحكم و هو عدم حصول الركوع المأمور به منه، لما عرفت من تقوّمه بالانحناء الحاصل بقصده في جميع مراحله و مراتبه، و المفروض أنّ قطعة خاصّة من الهوي و هي المتحققة بعد النسيان لم تكن بقصده، فقد تخلل الفصل بالهوي غير الصلاتي المانع من اتِّصال الركوع بالقيام بالمعنى الّذي عرفت. فلا مناص من رجوعه و انتصابه قائماً ثمّ الركوع.

و منه تعرف أنّه لا يجديه الانتصاب إلى الحدّ الّذي عرض له النسيان ثمّ الركوع، لعدم حصول الاتِّصال بالقيام معه بعد تخلّل الفصل بينهما بالهوي الأجنبي غير المقصود به الركوع. و هذا ظاهر لا سترة عليه.

الصورة الثانية: أن يعرض النسيان بعد البلوغ حدّ الركوع، فيهوي بقصد السجود قليلًا ثمّ يتذكّر قبل الخروج عن الحد، و حكم هذا أيضاً ظاهر، فإنّه يبقى مطمئنّاً ثمّ يأتي بالذكر و لا شي‌ء عليه، غايته أنّه انتقل من مرتبة من الركوع إلى مرتبة اخرى بلا قصد إليها، و هذا لا ضير فيه بعد تحقّق مسمّى الركوع عن قصد إليه، و لا يعد ذلك زيادة في الركوع، إذ ليس هو ركوعاً آخر و وجوداً ثانياً له، بل هو إبقاء و استمرار للوجود الأوّل. نعم، هو هوي زائد لعدم كونه بقصد الركوع حسب الفرض، و لا دليل على قادحية مثله بعد أن صدر سهواً، إنّما الإشكال في:

51
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 9: لو انحنى بقصد الركوع فنسي في الأثناء و هوى إلى السجود ؛ ج 15، ص : 50

..........

______________________________
الصورة الثالثة: و هي ما لو عرض النسيان بعد البلوغ حدّ الركوع و لم يتذكّر إلّا بعد الخروج عن حدّه، و قد احتمل الماتن (قدس سره) فيها احتمالين:

أحدهما: أن يكون ذلك من باب نسيان الركوع، فيلحق بما لو هوى عن القيام إلى السجود و قبل الدخول فيه تذكّر ترك الركوع الّذي تقدّم حكمه في المسألة السابقة من لزوم التدارك بالرجوع إلى القيام ثمّ الإتيان بالركوع، و بعد الانتصاب منه يهوي إلى السجود و يتم صلاته.

ثانيهما: أن يكون ذلك من باب نسيان الذكر و الطمأنينة في الركوع بعد تحقّقه، و حيث قد مضى محلّهما فلا مجال لتداركهما، نعم القيام الواجب بعد الركوع محلّه باق، فليس عليه إلّا الانتصاب بقصد رفع الرأس من الركوع ثمّ الهوي إلى السجود، و حيث إنّه (قدس سره) لم يجزم بشي‌ء من الاحتمالين فذكر أنّ الأحوط اختيار أحد الوجهين و العمل بإحدى الوظيفتين ثمّ إعادة الصلاة.

أقول: قد يفرض عروض النسيان بعد حصول الاستقرار على هيئة الركوع و لو آناً ما، و لا شك في الصحّة حينئذ و عدم لزوم التدارك، إذ قد تحقّق معه مسمّى الركوع الواجب، غايته فوات الذكر و الاطمئنان حاله غير الممكن تداركهما لفوات المحل و لا ضير فيه بعد أن لم يكن ركناً، و قد تعرّض (قدس سره) لهذا الفرع في بحث الخلل «1» و حكم بالصحّة غير أنّه ذكر وجوب القيام بعدئذ تحصيلًا للقيام الواجب بعد الركوع، و لنا معه كلام في ذلك ستعرفه.

إلّا أنّ هذا الفرض خارج عن منصرف كلامه في المقام كما لا يخفى.

و قد يفرض عدم حصول الاستقرار أصلًا و استمراره في الهوي من غير مكث كما هو محط نظره و مفروض كلامه. و الظاهر حينئذ تعيّن الاحتمال الأوّل‌

______________________________
(1) في مطاوي المسألة الثامنة عشرة [شرح العروة 18/ المسألة 2019].

52
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 9: لو انحنى بقصد الركوع فنسي في الأثناء و هوى إلى السجود ؛ ج 15، ص : 50

..........

______________________________
و أنّ المقام من نسيان الركوع، لوضوح أنّ الهيئة الخاصّة التي هي حقيقة الركوع لا تكاد تتحقّق إلّا بالاستقرار عليها و لو هنيئة بحيث ينتهي به الانحناء و تأخذ الهيئة حدّها و إلّا فلا ركوع مع التوالي في الانحناء و الاستمرار في الهوي، لعدم حصول تلك الهيئة بحدّها مع التجاوز و عدم الاستقرار، كيف و لو صدق عليه الركوع لكان الهاوي إلى السجود راكعاً أيضاً في ضمنه، فيلزم اشتمال كل ركعة على ركوعين و هو كما ترى
«1».

و بالجملة: لا ينبغي الرّيب في عدم تحقّق الركوع في المقام لفقد فصله المقوّم له، فلا مناص من تداركه لنسيانه.

ثمّ إنّ ما ذكره الماتن بناءً على الاحتمال الثاني من وجوب القيام بقصد الرفع من الركوع تحصيلًا للقيام الواجب بعده مبني على أن يكون الواجب مطلق القيام الحاصل بعد الركوع كيف ما اتّفق، و هو خلاف التحقيق، بل الظاهر من النصوص أنّ الواجب هو القيام عن الركوع لا القيام بعد الركوع و كم فرق بينهما، و من هنا لو جلس عن ركوعه اختياراً ثمّ قام لا يكون مجدياً بلا كلام و ليس ذلك إلّا لكون الواجب خصوص الحصّة الخاصّة و هي القيام الناشئ عن رفع رأسه من الركوع، و حيث إنّ هذا القيام متعذِّر في المقام لعدم إمكانه إلّا بإعادة الركوع المستلزمة لزيادة الركن فيسقط و لا ضير فيه، لعدم كونه ركناً و إنّما هو واجب مستقل بعد الركوع.

فالأقوى عدم الحاجة إلى القيام على هذا الاحتمال، أو على تقدير حصول الاستقرار في الركوع و لو قليلًا كما في الفرض السابق و مرّت الإشارة إليه.

فتحصّل: أنّ الأقوى هو الاحتمال الأوّل و إن كان الاحتياط بالإعادة حسنا.

______________________________
(1) هذا وجيه لولا تقوّم الركوع بالقصد المنفي في الفرض.

53
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 10: ذكر بعض العلماء أنه يكفي في ركوع المرأة الانحناء ؛ ج 15، ص : 54

[مسألة 10: ذكر بعض العلماء أنّه يكفي في ركوع المرأة الانحناء]

[1590] مسألة 10: ذكر بعض العلماء أنّه يكفي في ركوع المرأة الانحناء بمقدار يمكن معه إيصال يديها إلى فخذيها فوق ركبتيها (1)، بل قيل باستحباب ذلك، و الأحوط كونها كالرجل في المقدار الواجب من الانحناء نعم الأولى لها عدم الزيادة في الانحناء لئلّا ترتفع عجيزتها.

______________________________
(1) حكي ذلك عن المقنعة
«1» و النهاية «2»، بل عن كثير من كتب المتقدِّمين و أكثر كتب المتأخِّرين كما في الجواهر «3» استناداً إلى صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: المرأة إذا قامت في الصلاة جمعت بين قدميها و تضم يديها إلى صدرها لمكان ثدييها، فاذا ركعت وضعت يديها فوق ركبتيها على فخذيها لئلّا تطأطأ كثيراً فترتفع عجيزتها» «4».

و لا يخفى أنّه بناءً على مسلك المشهور من تحديد الانحناء المعتبر في الركوع بإمكان وضع اليدين على الركبتين تتحقّق المنافاة بينه و بين هذه الصحيحة، إذ مقتضى النصوص المستدل بها على هذا القول أنّ التحديد المزبور معتبر في ماهية الركوع حيثما تحقّق، و قضيّة الإطلاق و لو بمعونة قاعدة الاشتراك عدم الفرق في ذلك بين الرجل و المرأة، فتنافيها هذه الصحيحة الدالّة على كفاية الأقل بالنسبة إليها. فلا مناص من ارتكاب التخصيص جمعاً، و حمل تلك النصوص على الرِّجال، و نتيجة ذلك الالتزام بافتراقها عن الرِّجال في مقدار الانحناء.

و أمّا بناءً على القول الآخر و هو المختار كما تقدّم «5» من كفاية الانحناء‌

______________________________
(1) المقنعة: 111.

(2) النهاية: 73.

(3) الجواهر 10: 74.

(4) الوسائل 6: 323/ أبواب الركوع ب 18 ح 2.

(5) في ص 6.

54
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 11: يكفي في ذكر الركوع التسبيحة الكبرى مرة واحدة ؛ ج 15، ص : 55

[مسألة 11: يكفي في ذكر الركوع التسبيحة الكبرى مرّة واحدة]

[1591] مسألة 11: يكفي في ذكر الركوع التسبيحة الكبرى مرّة واحدة كما مرّ و أمّا الصغرى إذا اختارها فالأقوى وجوب تكرارها ثلاثاً، بل الأحوط [1] و الأفضل في الكبرى أيضاً التكرار ثلاثاً، كما أنّ الأحوط في مطلق الذكر غير التسبيحة أيضاً الثلاث و إن كان كل واحد منه بقدر الثلاث من الصغرى (1).

______________________________
حدّا يتمكّن من إيصال رؤوس الأصابع إلى الركبتين، فلا منافاة حينئذ بينه و بين هذه الصحيحة في مقدار الانحناء، إذ التمكن من الإيصال المزبور يستلزم بطبيعة الحال وضع اليدين فوق الركبتين و على الفخذين الّذي تضمّنته هذه الصحيحة فينطبق أحدهما على الآخر، فاذن لا فرق بينهما في حدّ الانحناء الواجب.

نعم، يفترقان في الحكم الاستحبابي، إذ لا ريب في استحباب الانحناء الأكثر للرجال بحيث يتمكّن من وضع اليدين على الركبتين كما تقدّم. و أمّا النِّساء فالأولى و الأفضل لهنّ الوقوف على هذا الحد و عدم الانحناء الأكثر لئلّا يطأطئن كثيراً فترتفع عجيزتهن كما تضمنته هذه الصحيحة، فيلتزم بالتخصيص في هذا الحكم الاستحبابي مع المساواة في الحدّ الوجوبي. فما ذكره في المتن من أنّها كالرجل في المقدار الواجب من الانحناء غير أنّ الأولى لها عدم الزيادة فيه هو الصحيح.

(1) تقدّم الكلام حول هذه المسألة عند التعرّض للواجب الثاني من واجبات الركوع مستقصى و عرفت كفاية التسبيحة الكبرى مرّة واحدة، و لزوم تكرار الصغرى ثلاثاً، بل كفاية مطلق الذكر إذا كان بقدر الثلاث الصغريات.

______________________________
[1] لم يظهر لنا وجه الاحتياط.

55
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 11: يكفي في ذكر الركوع التسبيحة الكبرى مرة واحدة ؛ ج 15، ص : 55

و يجوز الزيادة على الثلاث و لو بقصد الخصوصية و الجزئية (1)

______________________________
نعم، أضاف في المقام احتياطين:

أحدهما: استحبابي قال (قدس سره): بل الأحوط و الأفضل في الكبرى أيضاً التكرار ثلاثاً. أمّا كونه أفضل فلا إشكال فيه، للأمر به في جملة من النصوص المحمول على الاستحباب كما تقدّم «1». و أمّا الاحتياط فلم يظهر وجهه بعد التصريح في غير واحد من النصوص بكفاية المرّة، و أنّ واحدة تامّة تجزي فلا مجال لاحتمال وجوب الثلاث كي يكون أحوط «2».

ثانيهما: وجوبي و هو قوله: كما أنّ الأحوط في مطلق الذكر غير التسبيحة أيضاً الثلاث و إن كان كل واحدة منه بقدر الثلاث من الصغرى. و هذا أيضاً لم يظهر وجهه، للتصريح في صحيحة مسمع المتقدِّمة بكفاية ما يعادل التسبيحات الثلاث، قال (عليه السلام): «يجزيك من القول في الركوع و السجود ثلاث تسبيحات أو قدرهنّ مترسلًا» إلخ «3» فلو اختار ذكراً يوازي مجموع الثلاث من الصغرى كقوله لا إلٰه إلّا اللّٰه و اللّٰه أكبر مثلًا، كفى من دون حاجة إلى تكراره ثلاثاً، فالاحتياط المذكور في غير محله.

(1) أمّا قصد الجزئية فمشكل بل ممنوع، لما مرّ غير مرّة من منافاتها مع الاستحباب، و لذا أنكرنا وجود الجزء المستحبِّي، و إنّما هو مستحب ظرفه الواجب أو المستحب.

______________________________
(1) في ص 12.

(2) حكى في الحدائق 8: 248 عن العلّامة في التذكرة [3: 169] عن بعض علمائنا وجود القول بوجوب الثلاث، فلعل احتياط المتن مبني على رعاية هذا القول.

(3) الوسائل 6: 302/ أبواب الركوع ب 5 ح 1.

56
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 11: يكفي في ذكر الركوع التسبيحة الكبرى مرة واحدة ؛ ج 15، ص : 55

و الأولى أن يختم على وتر كالثلاث و الخمس و السبع و هكذا (1)، و قد سمع من الصادق (صلوات اللّٰه عليه) ستّون تسبيحة في ركوعه و سجوده.

______________________________
و أمّا قصد الخصوصية أي الإتيان بالزائد بعنوان الوظيفة المقرّرة في هذه الحالة لا بعنوان مطلق الذكر الّذي هو حسن على كلّ حال فدلّ عليه النصوص الدالّة على استحباب إطالة الركوع و السجود و إكثار الذكر فيهما، التي منها موثقة سماعة قال (عليه السلام) فيها: «و من كان يقوى على أن يطوّل الركوع و السجود فليطوّل ما استطاع يكون ذلك في تسبيح اللّٰه و تحميده و تمجيده، و الدُّعاء و التضرّع، فإنّ أقرب ما يكون العبد إلى ربّه و هو ساجد»
«1».

(1) على المشهور، و كأنّه لما في بعض نصوص الباب من أنّ «الفريضة من ذلك تسبيحة، و السنة ثلاث و الفضل في سبع» «2» حيث لم يتعرّض للاشفاع، المؤيّد بما ورد من أنّ اللّٰه سبحانه وتر يحب الوتر «3».

لكن في صحيح أبان بن تغلب قال: «دخلت على أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و هو يصلِّي فعددت له في الركوع و السجود ستِّين تسبيحة» «4».

فربّما يتوهّم المنافاة بينها و بين استحباب الإيتار، و قد تعرّض لذلك في الذكرى و قال: إنّ عدّ الستِّين لا ينافي الزيادة عليه «5». و لم يبيِّن وجه عدم‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 305/ أبواب الركوع ب 6 ح 4.

(2) الوسائل 6: 299/ أبواب الركوع ب 4 ح 1 لكن السند مشتمل على القاسم بن عروة و لم يوثق.

(3) الوسائل 1: 436/ أبواب الوضوء ب 31 ح 2.

(4) الوسائل 6: 304/ أبواب الركوع ب 6 ح 1.

(5) الذكرى 3: 376.

57
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 12: إذا أتى بالذكر أزيد من مرة لا يجب عليه تعيين الواجب منه ؛ ج 15، ص : 58

[مسألة 12: إذا أتى بالذكر أزيد من مرّة لا يجب عليه تعيين الواجب منه]

[1592] مسألة 12: إذا أتى بالذكر أزيد من مرّة لا يجب عليه تعيين الواجب منه، بل الأحوط عدمه [1] خصوصاً إذا عيّنه في غير الأوّل لاحتمال كون الواجب هو الأوّل مطلقاً، بل احتمال كون الواجب هو المجموع فيكون من باب التخيير بين المرّة و الثلاث و الخمس مثلًا (1).

______________________________
المنافاة، و لعلّه من أجل أنّ الراوي إنّما تعرّض لفعله و هو العدّ لا لفعل المعصوم (عليه السلام)، إذ لم يقل إنّه سبّح ستِّين، فلعلّ الصادر عنه (عليه السلام) كان بزيادة الواحدة و لو خفاءً، إمّا قبل الستِّين المعدودة أو بعدها و لم يسمعها الراوي فلا تدل الصحيحة على عدم صدور الزائد كي تنافي استحباب الختم على الوتر.

و هكذا الحال في موثقة حمزة بن حمران و الحسن بن زياد اللّذين عدّا تسبيحه (عليه السلام) فكان أربعاً أو ثلاثاً و ثلاثين مرّة «1».

و كيف كان فلا تنافي في البين، إلّا أنّ أصل الاستحباب بحيث إنّ السبع مثلًا أفضل من الثمان إلّا إذا زاد عليه واحدة مشكل، لقصور ما عرفت عن إثباته كما لا يخفى. إلا أن يستند فيه إلى فتوى المشهور بناءً على كفايته في الحكم بالاستحباب.

(1) احتاط (قدس سره) حينئذ بعدم تعيين الواجب من بين الأفراد لا سيّما في غير الأوّل، لاحتمال كون الواجب خصوص الأوّل أو المجموع من باب التخيير بين الأقل و الأكثر، و إنّما له التعيين لو كان الواجب واحداً لا بعينه مخيّراً في تطبيقه و لم يثبت.

هذا و قد ظهر لك بما قدّمناه في بحث التسبيحات الأربع في الركعتين‌

______________________________
[1] لا بأس بقصد الوجوب في الذكر الأوّل و قد مرّ نظيره.

______________________________
(1) الوسائل 6: 304/ أبواب الركوع ب 6 ح 2.

58
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 13: يجوز في حال الضرورة و ضيق الوقت الاقتصار على الصغرى ؛ ج 15، ص : 59

[مسألة 13: يجوز في حال الضرورة و ضيق الوقت الاقتصار على الصغرى]

[1593] مسألة 13: يجوز في حال الضرورة و ضيق الوقت الاقتصار على الصغرى مرّة واحدة (1) فيجزئ «سبحان اللّٰه» مرّة.

______________________________
الأخيرتين جواز قصد التعيين بالفرد الأوّل، إذ المأمور به إنّما هو الطبيعي اللّابدية بشرط المساوق لصرف الوجود المنطبق بطبيعة الحال على أوّل الوجودات فانّ الانطباق قهري و الإجزاء عقلي، فيقع الزائد على صفة الاستحباب لا محالة.

و أمّا احتمال التخيير بين الأقل و الأكثر فساقط، لامتناعه عقلًا في الوجودات المستقلّة كما في المقام إلّا أن يكون الأقل ملحوظاً بشرط لا كما في القصر و التمام، و هو مع اندراجه حينئذ في المتباينين كما لا يخفى غير محتمل في المقام.

(1) على المشهور، و يمكن أن يستدل له بأحد وجهين:

الأوّل: مرسلة الصدوق في الهداية قال: «قال الصادق (عليه السلام) سبِّح في ركوعك ثلاثاً تقول سبحان ربِّي العظيم و بحمده إلى أن قال فان قلت سبحان اللّٰه سبحان اللّٰه سبحان اللّٰه أجزأك، و تسبيحة واحدة تجزي للمعتل و المريض و المستعجل» «1».

دلّت على كفاية الواحدة من الصغرى لدى المرض و الاستعجال، الظاهر في الاستعجال العرفي الّذي هو أعم من الاستعجال الشرعي، نظير ما تقدّم في السورة من سقوطها لدى العجلة العرفية. و عليه فتدل على السقوط عند الضرورة و ضيق الوقت بطريق أولى كما لا يخفى.

لكنّها كما ترى ضعيفة السند بالإرسال فلا تصلح للاستدلال حتّى بناءً على مسلك الانجبار لعدم العامل بها بالإضافة إلى الاستعجال.

______________________________
(1) المستدرك 4: 437/ أبواب الركوع ب 16 ح 2، الهداية: 136.

59
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 13: يجوز في حال الضرورة و ضيق الوقت الاقتصار على الصغرى ؛ ج 15، ص : 59

..........

______________________________
الثاني: و هو العمدة، صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «قلت له أدنى ما يجزي المريض من التسبيح في الركوع و السجود؟ قال: تسبيحة واحدة» «1»، و هي من حيث السند صحيحة، لما عرفت سابقاً من جواز العمل بما تفرد به محمّد بن عيسى العبيدي عن يونس بن عبد الرّحمن و إن لم يعمل به الصدوق و لا شيخه، و قد مرّ الكلام عليه مستقصى «2».

و أمّا من حيث الدلالة فهي كالصريح في إرادة الصغرى من الواحدة بعد ضمّها بما رواه معاوية بن عمار نفسه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال «قلت: أخف ما يكون من التسبيح في الصلاة؟ قال: ثلاث تسبيحات مترسّلًا تقول: سبحان اللّٰه سبحان اللّٰه سبحان اللّٰه» «3».

فانّا لو ضممنا إحدى الروايتين إلى الأُخرى و جعلناهما بمثابة رواية واحدة كانت الثانية قرينة قطعية على أنّ المراد من الواحدة في الأُولى خصوص الصغرى التي هي من سنخ الثلاث الصغريات المذكورات في الثانية. و ينتج أنّ الأخف و ما هو أقل الواجب ثلاث من الصغرى لغير المريض، و واحدة منها للمريض كما هو واضح جدّاً بعد ملاحظة اتِّحاد الراوي و المروي عنه.

و مع الغض عن هذا الاستظهار و تسليم الإطلاق في الصحيحة الأُولى فقد يقال بمعارضته مع إطلاق ما دلّ على لزوم كون الواحدة لو اختار هي الكبرى الشامل للمريض و غيره، كصحيحة زرارة «ما يجزي من القول في الركوع و السجود؟ فقال: ثلاث تسبيحات في ترسّل و واحدة تامّة تجزي» «4»

______________________________
(1) الوسائل 6: 301/ أبواب الركوع ب 4 ح 8.

(2) [و سيأتي في ص 193].

(3) الوسائل 6: 303/ أبواب الركوع ب 5 ح 2.

(4) الوسائل 6: 299/ أبواب الركوع ب 4 ح 2.

60
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 13: يجوز في حال الضرورة و ضيق الوقت الاقتصار على الصغرى ؛ ج 15، ص : 59

..........

______________________________
و غيرها الدالّة على أنّ الواحدة المجزية هي التامّة، أي الكبرى.

و ليس تقييد الإطلاق الثاني بالأوّل أولى من العكس، و النسبة عموم من وجه، و بعد تساقط الإطلاقين فالمرجع إطلاق ما دلّ على عدم كفاية الواحدة من الصغرى.

لكن الظاهر تعيّن الأوّل، إذ لا محذور فيه، و لا مجال للعكس فان فيه محذوراً، و هو لزوم إلغاء خصوصية المورد غير الخالي عن الاستهجان، إذ لو قيّدنا صحيحة معاوية بهذه النصوص و حملنا الواحدة فيها على الكبرى لم يبق إذن فرق بين المريض و غيره، و كان الأحرى حينئذ أن يقول في الجواب بأنّ المريض و غيره سواء، لا أن يجيب بقوله (عليه السلام) «تسبيحة واحدة» الظاهر في تقريره على ما اعتقده من ثبوت الفرق بين المريض و غيره. فيلزم من التقييد المزبور إلغاء عنوان المرض و هو قبيح كما عرفت.

و هذا بخلاف تقييد هذه النصوص بالصحيحة، فإن غايته حملها على غير المريض و لا ضير فيه، فلا مناص من المحافظة على إطلاق الصحيحة، و نتيجة ذلك أنّ المريض يمتاز عن غيره باجتزائه بالتسبيحة الواحدة مطلقاً و إن كانت هي الصغرى.

فظهر صحّة الاستدلال بالصحيحة سواء تمّ الاستظهار الّذي قدّمناه أم لا.

نعم، قد يقال بأنّ موردها المريض، و لا قائل باستثنائه بعنوانه فلا دليل على التعدِّي إلى مطلق الضرورة.

و فيه: ما لا يخفى، لوضوح أنّ المريض المأخوذ في النص لا خصوصية فيه كي يكون ملحوظاً على وجه الصفتية و الموضوعية، فيسأل عن حكمه بما هو كذلك، و إن كان قادراً على الثلاث الصغريات، فان ذلك أظهر من أن يحتاج إلى السؤال سيّما من مثل معاوية بن عمار، بل مناسبة الحكم و الموضوع تقضي‌

61
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 14: لا يجوز الشروع في الذكر قبل الوصول إلى حد الركوع ؛ ج 15، ص : 62

[مسألة 14: لا يجوز الشروع في الذكر قبل الوصول إلى حدّ الركوع]

[1594] مسألة 14: لا يجوز الشروع في الذكر قبل الوصول إلى حدّ الركوع (1)، و كذا بعد الوصول و قبل الاطمئنان و الاستقرار، و لا النهوض قبل تمامه و الإتمام حال الحركة للنهوض،

______________________________
بأنّ ذكره من باب المثال، و أنّ موضوع السؤال مطلق من يشق عليه الثلاث إمّا لمرض أو لغيره من سائر الضرورات كما هو الحال في قوله تعالى
فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ «1» إذ لا يحتمل سقوط الصوم عن مطلق المريض و لو كان علاجه الإمساك طول النهار، أو فرض امتناعه عن استعمال المفطرات خلال اليوم بطبعه صام أم لم يصم فكما أنّ المراد من المريض هناك بمناسبة الحكم و الموضوع من يشق عليه الصوم لا بما هو كذلك فكذا في المقام.

و عليه فالمستفاد من الصحيحة بعد إمعان النظر أنّ من لم يتمكّن من الثلاث إمّا لعجزه تكويناً و عدم قدرته عليه كما في ضيق الوقت حيث إنّ الإتيان بالثلاث مع فرض إيقاع الصلاة بتمامها في الوقت متعذِّر حسب الفرض، أو لكونه مشقّة و عسراً عليه، كما في موارد الضرورة أمّا لمرض أو غيره، جاز له الاقتصار على الصغرى مرّة واحدة، فما أفاده في المتن هو الصحيح.

(1) فانّ الذكر الواجب ظرفه و محله بعد الوصول إلى حدّ الركوع و حصول الاطمئنان، فالإتيان به كلّاً أو بعضاً قبل الوصول أو حال النهوض، أو من غير استقرار يعد من الزيادة المبطلة إذا كان بقصد الجزئية فلا يجديه التدارك. نعم، لا بأس به بقصد الذكر المطلق إذا تداركه بشرط بقاء محلّه، لعدم صدق الزيادة حينئذ كما هو ظاهر، هذا كلّه في صورة العمد.

______________________________
(1) البقرة 2: 184.

62
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 14: لا يجوز الشروع في الذكر قبل الوصول إلى حد الركوع ؛ ج 15، ص : 62

فلو أتى به كذلك بطل و إن كان بحرف واحد منه، و يجب إعادته إن كان سهواً و لم يخرج عن حدّ الركوع، و بطلت الصلاة مع العمد و إن أتى به ثانياً مع الاستقرار، إلّا إذا لم يكن ما أتى به حال عدم الاستقرار بقصد الجزئية بل بقصد الذكر المطلق.

______________________________
و أمّا إذا كان ذلك عن سهو فلا إشكال في الصحّة و لزوم التدارك فيما إذا أتى به كلا أو بعضاً قبل الوصول إلى حدّ الركوع ثمّ تذكّر قبل الخروج عنه، فان غايته وقوع الأوّل زائداً، و لا بأس بالزيادة السهوية.

كما لا إشكال فيها من دون تدارك فيما إذا كان التذكّر بعد الخروج عن حدّ الركوع، لعدم إمكان التدارك حينئذ، فإن أقصى ما هناك وقوع الخلل سهواً في جزء غير ركني و هو الذكر و هو محكوم بالصحّة بمقتضى حديث لا تعاد.

إنّما الكلام فيما إذا أتى به حال الركوع غير مستقر ثمّ تذكّر قبل الخروج عن حدّه، فهل يجب التدارك حينئذ بإعادة الذكر مستقراً أم لا، بعد الفراغ عن صحّة الصلاة؟

قد يقال بالثاني، نظراً إلى أنّ الاستقرار واجب مستقل حال الاشتغال بالذكر الواجب، و قد فات محله لحصول الذكر و سقوط الأمر، و الشي‌ء لا ينقلب عمّا هو عليه لامتناع إعادة المعدوم، فلو أعاد فهو ذكر مستحب لا واجب فيمتنع التدارك.

نعم، بناءً على اعتبار الاطمئنان في الذكر و كونه شرطاً فيه لا أنّه واجب مستقل لزمت الإعادة، لعدم حصول الواجب وقتئذ، لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه، إلّا أنّ المبنى غير ثابت، و مقتضى الأصل البراءة عن الإعادة. و قد أشار الماتن إلى ذلك في مبحث الخلل.

63
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 14: لا يجوز الشروع في الذكر قبل الوصول إلى حد الركوع ؛ ج 15، ص : 62

..........

______________________________
أقول: الظاهر وجوب الإعادة على التقديرين، و لا أثر للمبنيين في المقام، لما قدّمناه في بحث القراءة الفاقدة للقيام من أنّ فرض الارتباطية بين الأجزاء مساوق لفرض التقييد و الاشتراط، فكل جزء مشروط بمسبوقيته بالجزء أو الشرط المتقدِّم عليه، و بملحوقيته بالمتأخِّر عنه، و بمقارنته بما يعتبر في تلك الحال قضاءً للارتباطية الملحوظة بين الأجزاء. فمثلًا القراءة المأمور بها في الصلاة هي حصّة خاصّة منها، و هي المسبوقة بالتكبير و الملحوقة بالركوع و المقارنة للستر و الاستقبال و نحوهما، و هكذا الحال في سائر الأجزاء.

و عليه فالذكر الواجب في الركوع هو خصوص ما يقع مقارناً للاطمئنان، فهو مقيّد به لا محالة، و الاستقرار معتبر فيه بطبيعة الحال، سواء بنينا على ظهور دليله في الاعتبار فيه و كونه شرطاً أم بنينا على ظهوره في كونه جزءاً مستقلا للصلاة غير معتبر في الذكر، فانّ الاعتبار و التقييد مستفاد ممّا دلّ على مراعاة الارتباطية بين أجزاء المركّب كما عرفت.

و نتيجة ذلك: أنّ ما صدر منه من الذكر العاري عن الاستقرار لم يكن مصداقاً للذكر الواجب، فلا مناص من تداركه و إعادته مع بقاء المحل كما هو المفروض، هذا.

بل يجب التدارك حتّى مع الغض عن هذا البيان، و ذلك لقيام الدليل على اعتبار الاستقرار في الذكر مطلقاً و هو قوله (عليه السلام) في صحيحة الأزدي: «إذا ركع فليتمكّن» التي مرّ التعرّض لها عند التكلّم في الواجب الثالث من واجبات الركوع «1» حيث أشرنا هناك إلى أنّ هذه الصحيحة كما تدل بالمطابقة على اعتبار الاستقرار في الجملة في الركوع المأمور به تدل بالالتزام على اعتباره في الذكر، لوضوح أنّ محل الذكر و ظرفه إنّما هو الركوع المأمور به، فاذا كان‌

______________________________
(1) في ص 23.

64
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 15: لو لم يتمكن من الطمأنينة لمرض أو غيره سقطت ؛ ج 15، ص : 65

[مسألة 15: لو لم يتمكّن من الطمأنينة لمرض أو غيره سقطت]

[1595] مسألة 15: لو لم يتمكّن من الطمأنينة لمرض أو غيره سقطت لكن يجب عليه إكمال الذكر الواجب قبل الخروج عن مسمّى الركوع، و إذا لم يتمكّن من البقاء في حدّ الركوع إلى تمام الذكر يجوز له الشروع [1] قبل الوصول أو الإتمام حال النهوض (1).

______________________________
هذا الركوع متقيِّداً بالاستقرار بمقتضى هذه الصحيحة فلا بدّ من استمرار الاستقرار و إبقائه بمقدار يقع الذكر الواجب فيه قضاءً للظرفية، فتدل لا محالة بالدلالة الالتزامية على اعتباره في الذكر أيضاً، و حيث إنّه إرشاد إلى الشرطية فمقتضى الإطلاق عدم الفرق بين صورتي العمد و السهو، و عليه فمع الإخلال به و لو سهواً لم يتحقّق الذكر الواجب فلا بدّ من إعادته و تداركه.

و على الجملة: فليس الدليل على اعتبار الاستقرار منحصراً في الإجماع كي يقال إنّ المتيقّن منه حال الاختيار فلا يعم النسيان، بل الدليل اللفظي المتضمِّن للإطلاق الشامل لكلتا الحالتين موجود كما عرفت، فلا مجال للرجوع إلى الأصل العملي الّذي مقتضاه البراءة عن الاعتبار في حال النسيان.

(1) قد عرفت أنّ الواجب في الركوع الذكر و الاطمئنان حاله، فان تمكن منهما فلا كلام، و إن تعذّر الثاني سقط وجوبه للعجز، و لا موجب لسقوط الأوّل بعد القدرة عليه، فانّ الصلاة بمالها من الأجزاء لا تسقط بحال.

فلا بدّ من الإتيان به على حسب وظيفته و طاقته. و حينئذ فان تمكن من الإتيان به بتمامه في حال الركوع و قبل الخروج عن مسمّاه و إن كان مضطرباً وجب لما عرفت، و إن لم يتمكّن لعجزه عن البقاء في حدّ الركوع إلى تمام الذكر‌

______________________________
[1] كما يجوز له الاكتفاء بتسبيحة صغرى مرّة واحدة، و إن لم يتمكّن من ذلك أيضاً لا يبعد سقوطه.

65
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 16: لو ترك الطمأنينة في الركوع أصلا بأن لم يبق في حده بل رفع رأسه ؛ ج 15، ص : 66

[مسألة 16: لو ترك الطمأنينة في الركوع أصلًا بأن لم يبق في حدّه بل رفع رأسه]

[1596] مسألة 16: لو ترك الطمأنينة في الركوع أصلًا بأن لم يبق في حدّه بل رفع رأسه بمجرّد الوصول سهواً (1) فالأحوط [1] إعادة الصلاة لاحتمال توقّف صدق الركوع على الطمأنينة في الجملة، لكن الأقوى الصحّة.

______________________________
فقد ذكر في المتن أنّه يتخيّر بين الشروع قبل الوصول إلى حدّ الركوع و إتمامه فيه، و بين الشروع فيه و إتمامه حال النهوض لعدم الترجيح بين الأمرين.

و هذا منه (قدس سره) مبني على تمامية قاعدة الميسور، فانّ الواجب عليه أوّلًا الإتيان بتمام الذكر حال الركوع، فمع العجز يأتي بما تيسّر منه حاله و الباقي خارجه إمّا قبله أو بعده، أو بالتلفيق بأن يأتي مقداراً قبله و مقداراً فيه و مقداراً بعده لما عرفت من عدم الترجيح.

إلّا أنّ المبنى غير صحيح، فإنّ القاعدة غير تامّة عندنا كما مرّ غير مرّة.

و عليه فالأقوى سقوط وجوب الذكر التام حينئذ، لمكان العجز و جواز الاقتصار على الناقص و هي الواحدة من الصغرى، لما تقدّم في المسألة الثالثة عشرة من الاكتفاء بها لدى الضرورة، لاندراج المقام في كبرى تلك المسألة كما لا يخفى. فلا يجب عليه الشروع قبله و لا الإتمام بعده، بل يأتي بالواحدة حال الركوع، و لو لم يتمكّن منها أيضاً سقط لمكان العجز.

(1) احتمل (قدس سره) حينئذ وجهين:

أحدهما: أن يكون ذلك من نسيان الذكر و الطمأنينة بعد تحقّق أصل الركوع و بما أنّ المنسي جزء غير ركني و لا يمكن تداركه لاستلزام زيادة الركن يحكم بصحّة الصلاة لحديث لا تعاد.

______________________________
[1] بل الأظهر ذلك.

66
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 16: لو ترك الطمأنينة في الركوع أصلا بأن لم يبق في حده بل رفع رأسه ؛ ج 15، ص : 66

..........

______________________________
ثانيهما: أن يكون ذلك من نسيان الركوع، لاحتمال توقف صدقه على الاطمئنان في الجملة المقتضي لإعادة الصلاة، و قد اختار (قدس سره) الأوّل و إن احتاط في الثاني.

أقول: لا ينبغي الشك في صدق الركوع العرفي بمجرد ذلك، لعدم احتمال دخل الاستقرار في مفهومه، و لا ينافي هذا ما قدّمناه في بعض المباحث السابقة «1» من اعتباره آناً ما في الصدق، و رتبنا عليه عدم تحقّقه لو هوى إليه ثمّ ذهل فترك الاستقرار فيه حتّى هنيئة و استمرّ في هويّه إلى السجود، للفرق الواضح بينه و بين المقام، إذ لم تتحقّق الهيئة الركوعية هناك المتقوّمة حينئذ بالمكث آناً ما قبال استرساله في الهوي. و أمّا في المقام فقد تحقّقت تلك الهيئة و أخذت حدّها بمجرّد رفع الرأس و لو من غير مكث.

و الحاصل: أنّ الهيئة الخاصّة المقوّمة لمفهوم الركوع يحقِّقها أحد أمرين: إمّا المكث آناً ما، أو رفع الرأس و إن لم يمكث أصلًا، فالركوع بما له من المفهوم العرفي متحقِّق في المقام بلا كلام، و حينئذ فان بنينا على المسلك المشهور من انحصار الدليل على اعتبار الاستقرار بالإجماع، فبما أنّه دليل لبي يقتصر على المتيقن منه و هو حال العمد و الاختيار، فلا دليل على اعتباره لدى السهو فيتمسّك بإطلاق دليل الركوع أو أصالة البراءة عن التقييد، فيكون الركوع الصادر منه صحيحاً مجزياً، غايته أنّه ترك الذكر سهواً و لا ضير فيه بعد أن لم يكن ركناً كما تقدّم.

و أمّا بناءً على المختار من الاستناد إلى الدليل اللّفظي و هو قوله (عليه السلام) في صحيحة الأزدي المتقدِّمة «2» «إذا ركع فليتمكّن» فمقتضاه البطلان في المقام‌

______________________________
(1) في ص 53.

(2) في ص 23.

67
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 17: يجوز الجمع بين التسبيحة الكبرى و الصغرى ؛ ج 15، ص : 68

[مسألة 17: يجوز الجمع بين التسبيحة الكبرى و الصغرى]

[1597] مسألة 17: يجوز الجمع بين التسبيحة الكبرى و الصغرى و كذا بينهما و بين غيرهما من الأذكار (1).

[مسألة 18: إذا شرع في التسبيح بقصد الصغرى يجوز له أن يعدل في الأثناء إلى الكبرى]

[1598] مسألة 18: إذا شرع في التسبيح بقصد الصغرى يجوز له أن يعدل في الأثناء إلى الكبرى (2) مثلًا إذا قال: «سبحان» بقصد أن يقول:

______________________________
إذ قد عرفت سابقاً أنّ المستفاد من الصحيحة دخل التمكّن في الجملة في ماهية الركوع الشرعي كدخل الانحناء إلى أن تبلغ أصابعه الركبتين و إن لم يعتبر شي‌ء منهما في صدق الركوع العرفي، و حيث إنّه إرشاد إلى الاشتراط فمقتضى الإطلاق عدم الفرق بين السهو و العمد، و الاختيار و الاضطرار.

و عليه فالإخلال به و كون ركوعه نقراً كنقر الغراب كما في المقام مانع عن تحقّق الركوع الشرعي، فيكون الإخلال به و لو سهواً إخلالًا بالركوع لا محالة فيحكم بالبطلان بمقتضى عقد الاستثناء في حديث لا تعاد، هذا و لا مجال للتدارك بإعادة الركوع للزوم زيادة الركن، إذ ليس المراد بها زيادة الركوع المأمور به بما هو مأمور به، لعدم تصوير الزيادة بهذا العنوان كما لا يخفى، بل زيادة مسمّى الركوع و لو العرفي منه الحاصلة بالإعادة و التدارك، فالأقوى هو الحكم بالبطلان لفقد الركوع و عدم سبيل للتدارك.

(1) لإطلاق الدليل، إذ لم يقيّد الذكر الواجب بعدم اقترانه بالزائد كي يكون بالإضافة إليه ملحوظاً بشرط لا، بل المأمور به هو الطبيعي لا بشرط، فيقع الباقي على صفة الاستحباب، لا لمجرد اندراجه في عموم الذكر المطلق، بل لاستحبابه في الركوع بخصوصه لما تقدّم «1» من الأمر بذلك بالخصوص، و استحباب إطالة الركوع.

(2) كما هو مقتضى القاعدة في كل ما كان المأمور به هو الطبيعي الجامع‌

______________________________
(1) في ص 57.

68
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 19: يشترط في ذكر الركوع العربية و الموالاة ؛ ج 15، ص : 69

«سبحان اللّٰه» فعدل و ذكر بعده «ربِّي العظيم» جاز، و كذا العكس، و كذا إذا قال: «سبحان اللّٰه» بقصد الصغرى ثمّ ضمّ إليه «و الحمد للّٰه و لا إلٰه إلّا اللّٰه و اللّٰه أكبر»، و بالعكس.

[مسألة 19: يشترط في ذكر الركوع العربية و الموالاة]

[1599] مسألة 19: يشترط في ذكر الركوع العربية و الموالاة (1) و أداء الحروف من مخارجها الطبيعية، و عدم المخالفة في الحركات الإعرابية و البنائية.

[مسألة 20: يجوز في لفظة «ربِّي العظيم» أن يقرأ بإشباع كسر]

[1600] مسألة 20: يجوز في لفظة «ربِّي العظيم» أن يقرأ بإشباع كسر

______________________________
بين الأمرين أو الأُمور، فإنّه لا دليل على تعيّن الجامع بمجرد الشروع فيما اختار ما لم يفرغ عنه.

و من هنا ذكرنا «1» أنّ في مواطن التخيير لو شرع في الصلاة بنيّة القصر و بعد الركعتين بدا له العدول إلى التمام جاز له ذلك، إذ المأمور به هو الطبيعي الجامع فقبل التجاوز عن الحدّ المشترك صالح للانطباق على كل من الفردين، و لا دليل على التعيّن بمجرّد القصد إلى أحدهما. و عليه ففي المقام لو قال: سبحان بقصد أن يقول سبحان اللّٰه ثمّ عدل بعد النون من سبحان إلى ربِّي العظيم و كذا العكس جاز.

(1) لانصراف الدليل إلى أداء تلك الألفاظ على النهج العربي الصحيح، فلا تكفي الترجمة إلى لغة أُخرى و لا الفصل الطويل بين الكلمات المخل بالموالاة أو أدائها عن غير مخارجها، أو مخالفة الحركات الإعرابية و البنائية لعدّ ذلك من الغلط في الكلام العربي، و قد مرّ كل ذلك في بحث القراءة.

______________________________
(1) شرح العروة 20/ المسألة [2358].

69
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 21: إذا تحرك في حال الذكر الواجب بسبب قهري بحيث خرج عن الاستقرار ؛ ج 15، ص : 70

الباء من «ربِّي» و عدم إشباعه [1] (1).

[مسألة 21: إذا تحرّك في حال الذكر الواجب بسبب قهري بحيث خرج عن الاستقرار]

[1601] مسألة 21: إذا تحرّك في حال الذكر الواجب بسبب قهري بحيث خرج عن الاستقرار وجب إعادته [2] (2) بخلاف الذكر المندوب.

______________________________
(1) يريد (قدس سره) بالإشباع و عدمه إظهار ياء المتكلِّم و إسقاطه، فإنّه جائز الوجهين كما ورد بهما في الذكر الحكيم قال تعالى
إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً «1» و قال تعالى رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ «2».

و ليس المراد الإشباع الاصطلاحي كما لعلّه الظاهر من العبارة بأن يشبع كسر الباء على نحو يتولّد منه الياء المستلزم بعد ضمّه بياء المتكلِّم نوع مد في مقام التلفظ و الأداء، إذ ليس المقام من موارد الإشباع بهذا المعنى كما لا يخفى، فلا دليل على جواز زيادة الحرف لو لم يكن ملحقاً بالغلط.

(2) لما قدّمناه «3» من دلالة صحيحة الأزدي بالالتزام على اعتبار الاستقرار في الذكر و تقيده به، حيث عرفت أنّه إرشاد إلى الشرطية، و مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين صورتي العجز و الاختيار، فحيث إنّ الإخلال بالشرط إخلال بالمشروط لا بدّ من الإعادة و التدارك بعد فرض بقاء المحل، بل مقتضى ذلك عدم الفرق بين الذكر الواجب و المندوب إذا كان بقصد الخصوصية لا الذكر المطلق كما نبّهنا عليه هناك.

______________________________
[1] جواز الإشباع بالمعنى المعروف مشكل.

[2] على الأحوط.

______________________________
(1) الفرقان 25: 30.

(2) البقرة 2: 258.

(3) في ص 23.

70
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 22: لا بأس بالحركة اليسيرة التي لا تنافي صدق الاستقرار ؛ ج 15، ص : 71

[مسألة 22: لا بأس بالحركة اليسيرة التي لا تنافي صدق الاستقرار]

[1602] مسألة 22: لا بأس بالحركة اليسيرة التي لا تنافي صدق الاستقرار (1) و كذا بحركة أصابع اليد أو الرجل بعد كون البدن مستقرّا.

[مسألة 23: إذا وصل في الانحناء إلى أوّل حدّ الركوع فاستقرّ و أتى بالذكر]

[1603] مسألة 23: إذا وصل في الانحناء إلى أوّل حدّ الركوع فاستقرّ و أتى بالذكر أو لم يأت به ثمّ انحنى أزيد بحيث وصل إلى آخر الحد لا بأس به، و كذا العكس و لا يعدّ من زيادة الركوع، بخلاف ما إذا وصل إلى أقصى الحد ثمّ نزل أزيد ثمّ رجع فإنّه يوجب زيادته [1] فما دام في حدِّه يُعدّ ركوعاً واحداً و إن تبدّلت الدرجات منه (2).

______________________________
نعم، بناءً على المسلك المشهور من الاستناد في الاعتبار إلى الإجماع، فحيث إنّه دليل لبي يقتصر على المتيقن منه و هو حال الاختيار فلا دليل على الاعتبار لدى العجز و الاضطرار، فيرجع إلى أصالة البراءة على ما هو الشأن في الأقل و الأكثر الارتباطيين. فالحركة الناشئة عن السبب القهري إنّما تقدح على المبنى المختار لا على مسلك المشهور.

(1) فانّ المدار في صدق التمكّن و الاستقرار المأخوذين في النص و معاقد الإجماعات هو العرف، و لا شك أنّ الحركة اليسيرة غير قادحة في الصدق العرفي، كما أنّ العبرة في نظرهم باستقرار معظم البدن، فلا يقدح تحريك أصابع اليد أو الرجل، بل نفس اليد ما لم يستلزم تحريك البدن.

(2) قد عرفت أنّ الركوع هو الانحناء إلى حد خاص، و حيث إنّ ذاك الحد له مراتب و درجات، فلو استقرّ في أوّل الحد سواء أتى بالذكر أم لا ثمّ انحنى‌

______________________________
[1] ليس هذا من زيادة الركوع، نعم لو فعله عمداً بطلت الصلاة من ناحية عدم اتِّصال القيام بعد الركوع به و من ناحية الإخلال بالذكر إذا كان قبل إتمامه.

71
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 23: إذا وصل في الانحناء إلى أول حد الركوع فاستقر و أتى بالذكر ؛ ج 15، ص : 71

..........

______________________________
إلى آخره فهو انتقال من مرتبة إلى أُخرى و تبدل في الدرجة، و ليس من زيادة الركوع في شي‌ء كما هو ظاهر، بل المجموع ركوع واحد. هذا إذا لم يتجاوز الحدّ و أمّا إذا وصل إلى أقصاه ثمّ نزل أزيد بحيث جاوز الحد ثمّ رجع، فقد حكم في المتن باستلزامه زيادة الركوع.

و هو كما ترى، لتقوّم الركوع بالانحناء عن القيام لا مجرّد تلك الهيئة، و هذا لم يتكرّر في المقام كي يوجب تعدّد الركوع، بل غايته العود إلى الهيئة الركوعية و هذا بمجرّده لا ضير فيه كما لا يخفى.

نعم، الأقوى هو البطلان في المقام، لا لزيادة الركوع، بل للإخلال بالقيام الواجب بعد الركوع عامداً، لما تقدّم «1» من أنّ الواجب في هذا القيام أن يكون عن ركوع لا مطلق كونه بعد الركوع، و لذا ذكرنا أنّه لو جلس عن ركوعه ثمّ استقام لم يكن مجزياً بلا كلام.

و عليه، فما دام كونه في الحد و إن تبدّلت درجته يصدق على القيام الواقع بعده أنّه قيام عن الركوع، و أمّا إذا جاوز الحد و تخلّل الفصل و إن رجع و مكث فلا يصدق عليه هذا العنوان، بل يصح أن يقال إنّه قام عن انحناء غير ركوعي إذ بالخروج عن الحدّ انعدمت تلك الهيئة المسبوقة بالقيام التي كانت هي الركوع و بالعود حصلت هيئة أُخرى مشابهة لها لا نفسها، و لذا قلنا آنفاً إنّه ليس من زيادة الركوع، فالقيام الحاصل بعده لا يكون من القيام عن ركوع، و بما أنّ الإخلال عمدي كما هو المفروض و لا يمكن تداركه، لاستلزام زيادة الركن فلا مناص من الحكم بالبطلان لهذه العلّة، و للإخلال بالذكر الواجب إن كان ذلك قبل استكماله.

______________________________
(1) في ص 53.

72
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 24: إذا شك في لفظ«العظيم» مثلا أنه بالضاد أو بالظاء ؛ ج 15، ص : 73

[مسألة 24: إذا شكّ في لفظ «العظيم» مثلًا أنّه بالضاد أو بالظاء]

[1604] مسألة 24: إذا شكّ في لفظ «العظيم» مثلًا أنّه بالضاد أو بالظاء (1) يجب عليه ترك الكبرى و الإتيان بالصغرى ثلاثاً أو غيرها من الأذكار، و لا يجوز له أن يقرأ بالوجهين، و إذا شكّ في أنّ «العظيم» بالكسر أو بالفتح يتعيّن عليه أن يقف عليه، و لا يبعد عليه جواز قراءته وصلًا بالوجهين (2) لإمكان أن يجعل العظيم مفعولًا لأعني مقدّراً.

______________________________
(1) بناءً على اختلاف مخرجي الضاد و الظاء و أنّهما حرفان كما هو المشهور فإذا شكّ في لفظ العظيم أنّه بأيّ الوجهين وجب ترك الكبرى و الإتيان بالصغرى ثلاثاً، إذ لو اقتصر على أحدهما لم يحرز الامتثال، و لو جمع بينهما لزمت الزيادة العمدية في غير ما هو الصحيح منهما، اللّٰهمّ إلّا أن يأتي بها رجاءً و بقصد الجزئية بما هو الصحيح واقعاً، فيقع الآخر ذكراً مطلقاً بناءً على جوازه و إن لم يقع بالعربي الصحيح.

و أمّا إذا شكّ في إعراب العظيم و أنّه بالكسر أو بالفتح تعيّن الوقف حينئذ لعدم إحراز الامتثال بدونه.

(2) أي بكل واحد منهما، فله الاقتصار على أحدهما كما لعلّه الظاهر من العبارة و لا يلزم الجمع بينهما، و علّله (قدس سره) بإمكان أن يجعل العظيم مفعولًا لأعني مقدّراً.

أقول: تقدير العامل و إن أوجب صحّة الكلام في لغة العرب، لما ذكره علماء الأدب من جريان الوجوه الثلاثة في الصفة بتبعيّتها للموصوف، و النصب بتقدير أعني، و الرفع خبراً لمبتدإ محذوف، إلّا أنّك عرفت في بحث القراءة أنّ المأمور به في الصلاة ليس مطلق الإتيان باللّفظ العربي على النهج الصحيح، بل بخصوص الكيفية النازلة على ما هي عليه، و عليه ففي المقام يجب الإتيان بهذا الذكر على‌

73
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 25: يشترط في الركوع الجلوسي أن ينحني بحيث يساوي وجهه ركبتيه ؛ ج 15، ص : 74

[مسألة 25: يشترط في الركوع الجلوسي أن ينحني بحيث يساوي وجهه ركبتيه]

[1605] مسألة 25: يشترط في الركوع الجلوسي أن ينحني بحيث يساوي وجهه ركبتيه و الأفضل الزيادة على ذلك بحيث يساوي مسجده و لا يجب فيه على الأصح الانتصاب على الركبتين شبه القائم ثمّ الانحناء و إن كان هو الأحوط (1).

______________________________
النحو الوارد المقرّر في الشرع المشتمل على كيفية خاصّة لا مطلقاً و إن كان صحيحاً، و حيث إنّها مشكوكة حسب الفرض فلا مناص من الوقف أو الترك و اختيار الثلاث من الصغرى فليتأمّل.

(1) المعروف و المشهور بينهم أنّه يعتبر في تحقّق الركوع الجلوسي أن ينحني بحيث يساوي وجهه ركبتيه، بأن تكون نسبة هذا الانحناء إلى القاعد المنتصب كنسبة الراكع عن قيام إلى القائم المنتصب.

و عن بعضهم عدم كفاية هذا المقدار، بل لا بدّ و أن يكون انحناؤه على نحو يساوي وجهه مسجده، بحيث لو نهض على تلك الكيفية إلى حدِّ الركوع القيامي لا يحتاج في تحقّق الركوع الشرعي منه إلى مزيد الانحناء، و تكون يداه واصلتين إلى الركبة أو ما فوقها، و الوجه في اعتبار ذلك إطلاق ما دلّ على تحديد الركوع الشرعي، فإنّ الجالس و إن كانت تبلغ يداه إلى ذاك الحدّ حتّى قبل الانحناء إلّا أنّه حيث كان طريقاً إلى مقدار الانحناء فلا بدّ من رعايته قائماً و جالسا.

و لكن الأظهر كفاية الحد الأوّل، لصدق الركوع عليه حقيقة فتشمله الإطلاقات و ما دلّ على التحديد بذاك الحد فإنّما هو بالنسبة إلى الركوع القيامي، فلا دليل على التحديد بالنسبة إلى الركوع الجلوسي، فتكون الإطلاقات محكّمة.

كما لا دليل يعتد به على ما حكي عن جماعة من أنّه يجب فيه قبل الانحناء الانتصاب على الركبتين شبه القائم، فإنّهم استدلّوا لذلك أوّلًا بأنّ انتصاب‌

74
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 26: مستحبات الركوع أمور ؛ ج 15، ص : 75

[مسألة 26: مستحبّات الركوع أُمور]

[1606] مسألة 26: مستحبّات الركوع أُمور (1):

أحدها: التكبير له و هو قائم منتصب، و الأحوط عدم تركه، كما أنّ الأحوط عدم قصد الخصوصية، إذا كبّر في حال الهوي أو مع عدم الاستقرار.

الثاني: رفع اليدين حال التكبير على نحو ما مرّ في تكبيرة الإحرام.

الثالث: وضع الكفّين على الركبتين مفرجات الأصابع ممكّناً لهما من عينيهما واضعاً اليمنى على اليمنى و اليسرى على اليسرى.

الرابع: ردّ الركبتين إلى الخلف.

الخامس: تسوية الظهر بحيث لو صبّ عليه قطرة من الماء استقرّ في مكانه لم يزل.

السادس: مدّ العنق موازياً للظهر.

______________________________
الفخذين كان معتبراً في الركوع القيامي فلا بدّ من مراعاته في الركوع الجلوسي أيضاً، لعدم الدليل على اختصاصه بذلك، بل إطلاق الدليل شامل لكلتا الحالتين.

و ثانياً: أنّه أقرب إلى الركوع القيامي من إتيانه بدون انتصاب فيكون ميسوراً له.

و كلا الوجهين كما ترى، فانّ الدليل الدال على اعتباره إنّما هو بالنسبة إلى حال الركوع القيامي، و قاعدة الميسور ممنوعة كبرى و صغرى، و لا قصور في شمول إطلاقات الركوع للفاقد للانتصاب، بل إنّ الركوع مع الانتصاب لعلّه يعد من الغرائب و غير مأنوس عند المتشرِّعة، و عليه فلا ينبغي الشك في كفاية الانحناء من دون انتصاب.

(1) ذكر (قدس سره) في هذه المسألة و المسألة التي بعدها جملة من مستحبّات الركوع و مكروهاته و لا موجب للتعرّض لها، لوضوحها سوى ما ذكره (قدس سره)

75
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 27: يكره في الركوع أمور ؛ ج 15، ص : 76

السابع: أن يكون نظره بين قدميه.

الثامن: التجنيح بالمرفقين.

التاسع: وضع اليد اليمنى على الركبة قبل اليسرى.

العاشر: أن تضع المرأة يديها على فخذيها فوق الركبتين.

الحادي عشر: تكرار التسبيح ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، بل أزيد.

الثاني عشر: أن يختم الذكر على وتر.

الثالث عشر: أن يقول قبل قوله «سبحان ربِّي العظيم و بحمده»: «اللّٰهمّ لك ركعت، و لك أسلمت، و بك آمنت، و عليك توكّلت و أنت ربِّي خشع لك سمعي و بصري و شعري و بشري و لحمي و دمي و مخي و عصبي و عظامي و ما أقلّت قدماي غير مستنكف و لا مستكبر و لا مستحسر».

الرابع عشر: أن يقول بعد الانتصاب «سمع اللّٰه لمن حمده» بل يستحب أن يضم إليه قوله: «الحمد للّٰه ربّ العالمين أهل الجبروت و الكبرياء و العظمة الحمد للّٰه ربّ العالمين» إماماً كان أو مأموماً أو منفردا.

الخامس عشر: رفع اليدين للانتصاب منه، و هذا غير رفع اليدين حال التكبير للسجود.

السادس عشر: أن يصلِّي على النبيّ و آله بعد الذكر أو قبله.

[مسألة 27: يكره في الركوع أُمور]

[1607] مسألة 27: يكره في الركوع أُمور:

أحدها: أن يطأطئ رأسه بحيث لا يساوي ظهره، أو يرفعه إلى فوق كذلك.

الثاني: أن يضم يديه إلى جنبيه.

76
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 27: يكره في الركوع أمور ؛ ج 15، ص : 76

الثالث: أن يضع إحدى الكفّين على الأُخرى و يدخلهما بين ركبتيه، بل الأحوط اجتنابه.

الرابع: قراءة القرآن فيه.

الخامس: أن يجعل يديه تحت ثيابه ملاصقاً لجسده.

______________________________
في أوّل المستحبّات و هو التكبير للركوع و هو قائم منتصب. و يظهر منه (قدس سره) أنّ المستحب هو التكبير في حال الانتصاب، لا أنّ المستحب هو مطلق التكبيرة و لو حال الهوي، و يكون إيقاعها حال الانتصاب مستحبّاً آخر، و ذلك حيث احتاط بعدم تركه و أنّ الأحوط عدم قصد الخصوصية إذا كبّر حال الهوي أو مع عدم الاستقرار.

و كيف ما كان فالأقوال في المسألة ثلاثة:

أحدها: و هو المشهور، استحباب إتيان التكبيرة قائماً قبل الركوع، حتّى ذكر بعضهم أنّه لو أتى بها في حال الهوي أثم بل بطلت صلاته و إن كان ذلك في حيِّز المنع كما لا يخفى.

ثانيها: استحباب إتيانها قبله و لو في حال الهوي، و إن كان الأفضل إتيانها منتصبا.

ثالثها: وجوب إتيانها منتصباً قبل الركوع كما عن السيِّد المرتضى «1» و الديلمي «2» و العماني «3».

______________________________
(1) الانتصار: 147، و حكاه عنه في المختلف 2: 188 المسألة 106.

(2) المراسم: 69.

(3) حكاه عنه في المختلف 2: 187 المسألة 105.

77
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 27: يكره في الركوع أمور ؛ ج 15، ص : 76

..........

______________________________
أمّا الوجوب، فمستنده صحاح أربع: إحداها: صحيحة حماد، و ثلاث صحاح لزرارة.

ففي صحيحة حماد «رفع يديه حيال وجهه و قال: اللّٰه أكبر و هو قائم ثمّ ركع» و قد ورد في ذيلها «هكذا صلّ يا حماد»، المتضمِّن للأمر الظاهر في الوجوب «1». و في إحدى صحاح زرارة «إذا أردت أن تركع فقل و أنت منتصب اللّٰه أكبر ثمّ اركع» «2». و في الأُخرى «فارفع يديك و كبِّر ثمّ اركع» «3» و في الثالثة «إذا كنت إماماً أو وحدك، فقل: سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إلٰه إلّا اللّٰه ثلاث مرّات تكمله تسع تسبيحات ثمّ تكبِّر و تركع» «4».

فإنّها كما ترى ظاهرة في وجوب التكبير قائماً و لو بعد تقييد إطلاق الصحيح الأخير لو كان له إطلاق بما تقدّمه من الصحاح.

و بإزاء هذه الروايات روايات أُخر صريحة في استحباب هذا التكبير و بها ترفع اليد عن ظاهر تلك الصحاح و تحمل على أصل الرجحان.

منها: رواية أبي بصير المعبّر عنها في مصباح الفقيه بالموثقة «5»، قال: «سألته عن أدنى ما يجزي في الصلاة من التكبير؟ قال: تكبيرة واحدة» «6» فإنّها صريحة في أنّ التكبير الواجب في الصلاة إنّما هي تكبيرة واحدة لا غير، و ليس هي إلّا تكبيرة الإحرام للمفروغية عن وجوبها.

______________________________
(1) الوسائل 5: 459/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1، 2.

(2) الوسائل 6: 295/ أبواب الركوع ب 1 ح 1.

(3) الوسائل 6: 296/ أبواب الركوع ب 2 ح 1.

(4) الوسائل 6: 122/ أبواب القراءة في الصلاة ب 51 ح 1.

(5) مصباح الفقيه (الصلاة): 334 السطر 15.

(6) الوسائل 6: 10/ أبواب تكبيرة الإحرام ب 1 ح 5.

78
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 27: يكره في الركوع أمور ؛ ج 15، ص : 76

..........

______________________________
و منها: صحيحة زرارة قال «قال أبو جعفر (عليه السلام): إذا كنت كبّرت في أوّل صلاتك بعد الاستفتاح بإحدى و عشرين تكبيرة ثمّ نسيت التكبير كلّه أو لم تكبِّر أجزأك التكبير الأوّل عن تكبير الصلاة كلّها» «1» فانّ الاجتزاء بما يأتي به في مفتتح صلاته من التكبيرات المقرّرة في محلّها آية عدم كون تلك التكبيرات المقرّرة و منها تكبيرة الركوع بواجبة، و إلّا لما جاز تركها إلّا إذا كانت واجبة بالوجوب التخييري بينها و بين الإتيان في مفتتح الصلاة و هو خلاف المفروض، و لم يدّعه أحد أيضا.

و منها: رواية الفضل بن شاذان في حديث «... فلمّا أن كان في الاستفتاح الّذي هو الفرض رفع اليدين أحب اللّٰه أن يؤدّوا السنة على جهة ما يؤدّى الفرض» «2». فإنّها صريحة في أنّ الفرض إنّما هو تكبيرة الإحرام و ما عداها سنّة مستحبّة، فتكون هذه الروايات قرينة على عدم إرادة ظاهر تلك الصحاح من الوجوب، بل الثابت أصل الرجحان. و بما أنّ الصحيحة الثالثة من صحاح زرارة مطلقة شاملة لحال الهوي، و ما عداها مقيّدة بحال الانتصاب، و من المعلوم عدم جريان قانون حمل المطلق على المقيّد في باب المستحبّات، فلا محالة يكون أصل التكبيرة و لو في حال الهوي مستحبّاً، و إتيانها حال الانتصاب أفضل الأفراد، كما هو القول الثاني.

هذا، و لكن للمناقشة في هذه الروايات سنداً أو دلالة، أو هما معاً مجال واسع فلا تصلح لأن تكون قرينة على إرادة خلاف الظاهر من تلك الصحاح لترفع اليد عنها.

أمّا رواية أبي بصير، ففيها أوّلًا: أنّها ضعيفة السند بمحمّد بن سنان، إذن‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 19/ أبواب تكبيرة الإحرام ب 6 ح 1.

(2) الوسائل 6: 29/ أبواب تكبيرة الإحرام ب 9 ح 11.

79
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 27: يكره في الركوع أمور ؛ ج 15، ص : 76

..........

______________________________
فتعبير المحقِّق الهمداني (قدس سره) عنها بالموثقة في غير محله.

و ثانياً: ما ذكره المحقِّق المزبور (قدس سره) من استبعاد أن يكون السؤال ناظراً إلى الاستفهام عن حال التكبيرات المستقلّة المشروعة في الصلاة في مواضع مختلفة من أنّها هل هي بأسرها واجبة، أو أنّه يجوز ترك بعضها لعدم وقوع التعبير عن ذلك بمثل هذه العبارة. مضافاً إلى أنّه لا يجديه حينئذ الجواب بأنّها واحدة أو اثنتان أو ثلاث في تمييز واجبها عن غيره حتّى تترتّب عليه ثمرة عملية. فالظاهر أنّ المسئول عنه هو أدنى ما يجزي من التكبير في افتتاح الصلاة، لا في مجموعها كي يعم مثل تكبير الركوع و السجود «1».

و يؤيِّد ذلك: صحيح زرارة حيث قيّد فيه بالتكبيرات الافتتاحية قال: «أدنى ما يجزي من التكبير في التوجّه تكبيرة واحدة و ثلاث تكبيرات أحسن و سبع أفضل» «2».

و أمّا صحيحة زرارة، فهي قويّة السند ظاهرة الدلالة، إلّا أنّ هذا على رواية الصدوق «3»، و لكن الشيخ في التهذيب «4» ذكرها بعنوان «و لم تكبِّر» بالعطف بالواو لا بأو. و عليه فيكون الحكم بالإجزاء مختصّاً بفرض النسيان و لا يشمل فرض العمد كي يستفاد منه الاستحباب، و بما أنّه لم يعلم الصواب منهما و أنّ الصادر منه (عليه السلام) أيّهما، فلا محالة تكون الرواية مجملة غير صالحة للاستدلال بها.

______________________________
(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 334 السطر 15.

(2) الوسائل 6: 11/ أبواب تكبيرة الإحرام ب 1 ح 8.

(3) الفقيه 1: 227/ 1002.

(4) التهذيب 2: 144/ 564.

80
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 27: يكره في الركوع أمور ؛ ج 15، ص : 76

..........

______________________________
و أمّا رواية الفضل، فهي من حيث الدلالة و إن لم يكن بها بأس
«1»، إلّا أنّها من حيث السند ضعيفة، لضعف طريق الصدوق إلى الفضل.

فظهر أنّه ليس هناك ما يوجب أن يرفع اليد به عن ظواهر تلك الصحاح بل هي باقية على حجّيتها، و لذا مال صاحب الحدائق «2» إلى الوجوب لولا قيام الإجماع على عدمه و توقف صاحب المدارك في الحكم «3».

و لكن مع ذلك كلّه فالأظهر عدم الوجوب، بل هو مستحب حال الانتصاب كما عليه المشهور، و ذلك لأنّ الصحيحة الثالثة إن قلنا بأنّها مطلقة و شاملة لحال الهوي فلا بدّ من رفع اليد عن إطلاقها و حملها على الصحاح الثلاث الأُخر المقيّدة بحال الانتصاب، فان قانون حمل المطلق على المقيّد و إن لم يجر في المستحبّات، بل يؤخذ و يعمل بكلا الدليلين، إلّا أنّ كون الحكم في المقام مستحبّاً بعدُ أوّل الكلام، فلا يمكن إجراء حكمه عليه.

و عليه ينتج وجوب التكبيرة حال الانتصاب، و هذا ما تكذّبه السيرة العملية المتّصلة بزمن المعصومين (عليهم السلام) حيث إنّها جارية على إتيانها عند الهوي و لو لا بقصد الخصوصية. على أنّه لو كان واجباً لكان شائعاً و ذائعاً كيف لا و هو ممّا يكون مورداً لابتلاء عامّة المكلّفين في اليوم عدّة مرّات، مع أنّه لم يذهب إليه إلّا أفراد معدودون لم يتجاوزوا الأصابع، فلا بدّ من رفع اليد عن ظواهرها أو حملها على الاستحباب.

و إن قلنا بأنّها ليست مطلقة كما لا يبعد، فإنّه و إن لم يكن العاطف فيها «ثمّ»‌

______________________________
(1) بل لا تخلو عن البأس، لتوقّفها على إرادة الاستحباب من السنّة الواقعة في مقابل الفريضة و هو أوّل الكلام.

(2) الحدائق 8: 257.

(3) المدارك 3: 394.

81
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 28: لا فرق بين الفريضة و النافلة في واجبات الركوع و مستحباته و مكروهاته ؛ ج 15، ص : 82

[مسألة 28: لا فرق بين الفريضة و النافلة في واجبات الركوع و مستحبّاته و مكروهاته]

[1608] مسألة 28: لا فرق بين الفريضة و النافلة في واجبات الركوع و مستحبّاته و مكروهاته و كون نقصانه موجباً للبطلان، نعم الأقوى عدم بطلان النافلة بزيادته سهواً (1).

______________________________
الظاهر في الترتيب، إلّا أنّ الظاهر أنّ التكبير يقع قبل الهوي، إمّا باعتبار أن يكون الهوي من أجزاء الركوع كما هو أحد الأقوال، أو من جهة كونه مقدّمة عقلية له. و الحاصل أنّ الواو لو كانت حالية كان مفادها وقوع التكبير حال الهوي، و لكنّها ليست حالية، فتكون ظاهرة في وقوعها قبل الهوي.

و كيف ما كان، فعلى هذا القول لا حاجة إلى التعبّد، بل تكون الصحاح الأربع بوزان واحد، و لا بدّ من رفع اليد عن ظواهر جميعها من جهة القرينة العامّة المشار إليها و السيرة، فتكون النتيجة هو استحبابها قبل الركوع حال الانتصاب، فلو أتى بها حال الهوي لا يكون ذلك بقصد الخصوصية، بل بعنوان مطلق الذكر.

(1) لا ريب في أنّه لا فرق بين الفريضة و النافلة بحسب الحقيقة و الماهية و إنّما الفرق بينهما من جهة الحكم، و لذا لو أمر المولى بالصلاة فريضة بعد بيان كيفيتها ثمّ أمر بها نافلة، يعلم أنّ المطلوب منه استحباباً إنّما هو نفس تلك الأجزاء و الشرائط، فعليه لا فرق بينهما في جميع واجبات الركوع و مستحبّاته و مكروهاته إلّا إذا لم يكن لأدلّتها إطلاق، و لأجله كان نقصان الركوع عمداً أو سهواً في النافلة موجباً للبطلان، لإطلاق لا تعاد الحاكم بالإعادة فيما إذا كان الإخلال النقصي من ناحية الركوع. مضافاً إلى حديث التثليث «1» الدال على أنّ الركوع من مقوّمات الصلاة، و بدونها تكون الصلاة منتفية.

______________________________
(1) الوسائل 6: 310/ أبواب الركوع ب 9 ح 1.

82
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 28: لا فرق بين الفريضة و النافلة في واجبات الركوع و مستحباته و مكروهاته ؛ ج 15، ص : 82

..........

______________________________
و أمّا زيادته العمدية فهي أيضاً توجب البطلان، لأنّ الركوع أُخذ في الصلاة بشرط لا، و المفروض اتِّحاد الماهيتين، فلا محالة تكون الزيادة فيها موجبة للبطلان.

و أمّا الزيادة السهوية فمقتضى القاعدة من اتِّحاد الماهيتين هو البطلان أيضاً إلّا أنّ الأقوى الصحّة، نظراً إلى قصور المقتضي عن الشمول للنافلة، فإنّ المقتضي للبطلان حينئذ هو قوله (عليه السلام) من استيقن أنّه زاد في المكتوبة ركعة فعليه الإعادة «1» حيث دلّ على البطلان فيما لو زاد ركعة سواء أُريد بها الركوع أو نفس الركعة زيادة سهوية كما يقتضيه التعبير بالاستيقان و هو كما ترى خاص بالمكتوبة فلا يعم النافلة.

و على الجملة: لا دليل على التعدِّي إلى النافلة بعد تقييد الحكم بالمكتوبة و الوصف و إن لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح، لكن له مفهوم بالمعنى الآخر و هو الدلالة على عدم ثبوت الحكم للطبيعة المطلقة على سريانها كما أسلفناك مراراً، فيكون مفهومه في المقام: إنّ مطلق الصلوات الأعم من الفريضة و النافلة ليس محكوماً بوجوب الإعادة لدى زيادة الركوع سهواً، و هو المطلوب. و تمام الكلام في بحث الخلل إن شاء اللّٰه تعالى.

______________________________
(1) الوسائل 8: 231/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 1.

83
موسوعة الإمام الخوئي15

فصل في السجود ؛ ج 15، ص : 84

[فصل في السجود]

فصل في السجود و حقيقته وضع الجبهة على الأرض بقصد التعظيم و هو أقسام: السجود للصلاة و منه قضاء السجدة المنسيّة، و للسهو و للتلاوة و للشكر و للتذلّل و التعظيم أمّا سجود الصلاة فيجب في كل ركعة من الفريضة و النافلة سجدتان (1)

______________________________
(1) السجود لغة
«1» يطلق على معانٍ لعل أكثرها استعمالًا: نهاية التذلّل و الخضوع التي أظهرها مصداقاً وضع الجبهة على الأرض، و ربما يطلق على وضع ما عدا الجبهة من سائر أعضاء الوجه، لكنّه مختص بفرض العجز عن الجبهة فهو في طول الاستعمال الأوّل.

و المراد بالأرض أن يكون الاعتماد عليها، سواء أ كان مع الواسطة أو بدونها فلا يصدق السجود على الفاقد للاعتماد، كأن يضع جبهته على يده المرتفعة عن الأرض، بحيث يكون السجود على الفضاء.

و كيف ما كان، فهو بمفهومه اللّغوي و العرفي متقوّم بوضع الجبهة على الأرض و لا مدخل لوضع سائر المساجد في الصدق المزبور.

و الظاهر أنّه في لسان الشرع أيضاً يطلق على ما هو عليه من المعنى اللّغوي غايته مع مراعاة خصوصيات أُخر كما ستعرف، فالسجود الوارد في الكتاب و السنّة كالواقع في حديث لا تعاد و غيره كلّها تنصرف إلى هذا المعنى، و ليس للشارع اصطلاح جديد في ذلك.

______________________________
(1) لسان العرب 3: 204، مجمع البحرين 3: 62.

84
موسوعة الإمام الخوئي15

فصل في السجود ؛ ج 15، ص : 84

و هما معاً من الأركان (1) فتبطل بالإخلال بهما معاً، و كذا بزيادتهما معاً في

______________________________
و أمّا ما ورد في جملة من الأخبار
«1» من أنّ السجود على سبعة أعظم: الجبهة و الكفّان و الركبتان و الإبهامان، فليس ذلك بياناً لمفهوم السجود شرعاً كي يقتضي الحقيقة الشرعية، و لا شارحاً للمراد من لفظ السجود الوارد في لسان الشارع و لو مجازاً، فانّ كلا من الأمرين مخالف لظواهر هذه النصوص بل هي مسوقة لبيان واجبات السجود و الأُمور المعتبرة فيه، فمفادها إيجاب هذه الأُمور في تحقّق السجود الواجب، و إن كان ذلك لا يخلو عن ضرب من المسامحة كما لا يخفى، لا دخلها في المفهوم أو في المراد.

و منه تعرف أنّ ما ورد من المنع عن السجود على القير مثلًا، إنّما يراد به المنع عن وضع الجبهة عليه، الّذي هو حقيقة السجود كما عرفت، لا عن وضع سائر المساجد، كما أنّ ما دلّ على وجوب السجود على الأرض أو نباتها يراد به اعتباره في خصوص مسجد الجبهة لا سائر المساجد كما عليه السيرة، بل الإجماع من دون نكير.

و يترتّب عليه أيضاً: أنّ المدار في زيادة السجود و نقيصته الموجبتين للبطلان على وضع الجبهة و عدمه و لا عبرة بسائر المساجد، فلو ترك وضع الجبهة في السجدتين بطلت صلاته و إن كان واضعاً لسائر المساجد، كما أنّه من طرف الزيادة لو وضع جبهته مرّتين بطلت و إن لم يضع مساجده الأُخر، فالركنية تدور مدار وضع الجبهة و عدمه كما نبّه عليه الماتن (قدس سره) في ذيل كلامه.

(1) لا ريب في وجوب السجود في الصلاة فريضة كانت أم نافلة، لكل ركعة مرّتين بضرورة من الدين، و قد اشتهر التعبير عنهما معاً بالركن، و أنّ‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 343/ أبواب السجود ب 4 ح 2، 8.

85
موسوعة الإمام الخوئي15

فصل في السجود ؛ ج 15، ص : 84

الفريضة عمداً كان أو سهواً أو جهلًا، كما أنّها تبطل بالإخلال بإحداهما عمداً و كذا بزيادتها، و لا تبطل على الأقوى بنقصان واحدة و لا بزيادتها سهواً.

______________________________
زيادتهما أو نقيصتهما عمداً أو سهواً موجبة للبطلان، بخلاف السجدة الواحدة حيث إنّ الإخلال بها سهواً نقصاً أو زيادة غير قادح فليست هي بركن.

فيقع الكلام أوّلًا في تحديد الركن و تطبيقه على المقام ثمّ في بيان مدرك الحكم المزبور.

فنقول: قد أشرنا في أوائل بحث أفعال الصلاة «1» إلى أنّ الركن بلفظه لم يرد في شي‌ء من النصوص، و إنّما هو اصطلاح محدث دارج في ألسنة الفقهاء (قدس سرهم) من دون أن يكون له في الأخبار عين و لا أثر، كما نصّ عليه شيخنا الأنصاري (قدس سره) «2» و لا بأس بهذا الإطلاق حيث إنّ ركن الشي‌ء هو عموده و ما يبتني عليه بحيث ينتفي بانتفائه عمداً كان أو سهواً، و ما يعد من الأركان في الصلاة كذلك، غير أنّهم (قدس سرهم) فسّروه بما يوجب الإخلال به عمداً و سهواً زيادة و نقصاً البطلان.

و من هنا أشكل الأمر في تطبيقه على المقام مع الالتزام بعدم قدح السجدة الواحدة سهواً زيادة و نقصاً، حيث إنّ الركن إن كان هو مجموع السجدتين على صفة الانضمام، فزيادته و إن أوجب البطلان إلّا أنّ نقيصته المتحققة بترك إحدى السجدتين نسياناً لانتفاء المركب بانتفاء أحد أجزائه لا توجبه، لالتزامهم بالصحّة حينئذ كما عرفت. و إن كان مسمّى السجود و ماهيّته، فنقصه و إن أوجب البطلان، إلّا أنّ زيادته لا توجبه، لبنائهم على عدم قدح زيادة السجدة‌

______________________________
(1) شرح العروة 14: 3.

(2) كتاب الصلاة 1: 487.

86
موسوعة الإمام الخوئي15

فصل في السجود ؛ ج 15، ص : 84

..........

______________________________
الواحدة سهواً كما مرّ مع صدق زيادة المسمّى حينئذ.

و قد وقعوا في الجواب عن هذا الاشكال المشهور في حيص و بيص، و ذكروا أجوبة مختلفة مذكورة في الكتب المطوّلة «1» لا يخلو شي‌ء منها بحيث يتّجه انطباق ضابط الركن من طرفي الزيادة و النقيصة على محل واحد عن تكلّف.

و هذا الاشكال كما ترى إنّما نشأ من التفسير المزبور الّذي لا شاهد عليه لا من العرف و لا اللّغة و لا غيرهما، لعدم تقوّم مفهوم الركن إلّا بما يقدح الإخلال به من ناحية النقص فقط دون الزيادة. أ ترى أنّ أركان البنيان لو تعدّدت أو أعمدة الفسطاط لو تكثرت يوجب ذلك خللًا في البناء لو لم يستوجب مزيد الاستحكام.

و على الجملة: لو تمّ الاشكال فإنّما هو متوجِّه على القوم في تفسيرهم الركن بما ذكر، و أمّا على المبنى الآخر في تفسيره المطابق لمفهوم اللفظ عرفاً و لغة من تحديده بما يوجب البطلان من ناحية النقص فقط كما قدّمناه، فلا إشكال أصلًا، إذ عليه يمكن الالتزام بأنّ الركن في المقام هو مسمّى السجود، فلو أخلّ به رأساً عمداً أو سهواً بطلت الصلاة، و أمّا من طرف الزيادة، فحكمه صحّة و فساداً خارج عن شأن الركنية و أجنبي عنه بالكلِّيّة. نعم، دلّ الدليل على البطلان بزيادة السجدتين، و الصحّة بزيادة السجدة الواحدة، و كل ذلك لا مساس له بحديث الركنية بوجه.

و أمّا مستند الحكم في المسألة: أمّا من حيث النقيصة و الزيادة العمديتين فظاهر، كما هو الشأن في بقية الأجزاء. و أمّا الإخلال السهوي فمستند البطلان في ترك السجدتين عقد الاستثناء في حديث لا تعاد. مضافاً إلى حديث التثليث «2»

______________________________
(1) ذكر في الجواهر 10: 134 وجهاً وجيهاً لتصوير الركنية بناءً على المسلك المشهور في تفسيرها لعلّه أحسن ما قيل في المقام و إن كان بعد لا يخلو عن النظر فراجع و تدبر.

(2) الوسائل 6: 389/ أبواب السجود ب 28 ح 2.

87
موسوعة الإمام الخوئي15

و واجباته أمور ؛ ج 15، ص : 88

 

[و واجباته أُمور]

و واجباته أُمور:

[أحدها: وضع المساجد السبعة على الأرض]

أحدها: وضع المساجد السبعة (1) على الأرض، و هي الجبهة و الكفّان و الركبتان و الإبهامان من الرجلين، و الركنية تدور مدار وضع الجبهة، فتحصل الزيادة و النقيصة به دون سائر المساجد، فلو وضع الجبهة دون سائرها تحصل الزيادة، كما أنّه لو وضع سائرها و لم يضعها يصدق تركه.

______________________________
الذي عدّ فيه السجود من مقوّمات الصلاة بحيث تنتفي الماهيّة بانتفائه. و مستنده في زيادتهما إطلاق مثل قوله (عليه السلام): «من زاد في صلاته فعليه الإعادة»
«1» فانّ هذا الإطلاق و إن قيّد بما ستعرف، لكنّه لا مقيّد له في محل الكلام، و مقتضاه عدم الفرق بين العمد و السهو.

و أمّا الصحّة بزيادة السجدة الواحدة، فللروايات الدالّة عليها المقيّدة للإطلاق المزبور، التي منها صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل صلّى فذكر أنّه زاد سجدة، قال: لا يعيد صلاة من سجدة و يعيدها من ركعة» «2».

و أمّا الصحّة بنقيصتها، فلروايات اخرى دلّت عليها أيضاً و قد تضمّنت وجوب التدارك إن كان التذكّر قبل الدخول في الركوع و إلّا فيقضيها بعد الصلاة «3».

و بالجملة: فالبطلان بترك السجدتين أو زيادتهما سهواً مطابق للقاعدة و موافق للإطلاقات. و أمّا الصحّة في الإخلال بالواحدة نقصاً أو زيادة فللروايات الخاصّة و سيأتي التعرّض لكل ذلك مستقصى في أحكام الخلل إن شاء اللّٰه تعالى.

(1) على المعروف المشهور بين الأصحاب، بل ادّعي الإجماع عليه في كثير‌

______________________________
(1) الوسائل 8: 231/ أبواب الخلل ب 19 ح 2.

(2) الوسائل 6: 319/ أبواب الركوع ب 14 ح 2.

(3) الوسائل 6: 364/ أبواب السجود ب 14.

 

88
موسوعة الإمام الخوئي15

أحدها: وضع المساجد السبعة على الأرض ؛ ج 15، ص : 88

..........

______________________________
من الكلمات، و تدل عليه جملة وافرة من النصوص فيها الصحيح و غيره. نعم ورد في بعضها بدل الكف اليد و المراد واحد، فان لليد إطلاقات منها الكف فلو لم تكن هي المنصرف منها عند الإطلاق فلا بدّ من صرفها و حملها عليها جمعاً، فلا تنافي بينهما، ففي صحيح زرارة قال «قال أبو جعفر (عليه السلام) قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله): السجود على سبعة أعظم: الجبهة و اليدين و الركبتين و الإبهامين من الرجلين». و نحوه صحيحة القداح و غيرهما
«1». و في صحيحة حماد «2» الكفّين و الركبتين و أنامل إبهامي الرجلين، و الجبهة و الأنف و هل المراد بالكف تمامها أو البعض؟ سيأتي الكلام عليه.

هذا، و لم ينسب الخلاف إلّا إلى السيِّد المرتضى «3»، و ابن إدريس «4» حيث ذكرا بدل اليدين المفصل عند الزندين، و لم يعرف مستنده كما اعترف به غير واحد، إذ لم يرد ذلك في شي‌ء من النصوص حتّى الضعيف منها، و من هنا قد يستبعد إرادة الظاهر من كلامهما، و يحمل على ما لا يخالف المشهور، و أنّهما يوجبان استيعاب الكف لدى السجود، الملازم لوقوع الثقل على المفصل من الزندين، فيكون عمدة الاعتماد عليه كما يشهد به الاختبار، و يشير إليه قوله (عليه السلام) في الصحيح المتقدِّم: «السجود على سبعة أعظم» فإن ما يقع السجود عليه و يتوجّه الثقل إليه إنّما هو عظم المفصل، بل ربّما استظهر هذا المعنى من صدر كلام الحلِّي في السرائر.

و كيف كان، فإن أرادا ما هو الظاهر من كلامهما من اعتبار خصوص المفصل‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 343/ أبواب السجود ب 4 ح 2، 8.

(2) الوسائل 5: 459/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

(3) جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى 3): 32.

(4) السرائر 1: 225.

89
موسوعة الإمام الخوئي15

أحدها: وضع المساجد السبعة على الأرض ؛ ج 15، ص : 88

..........

______________________________
فلا شاهد عليه، بل الأخبار المتقدِّمة حجّة عليهما، و إن أرادا ما عرفت ممّا لا يخالف المشهور و أنّ العدول إلى التعبير المزبور لنكتة سمعتها تبعاً للنصوص فنعم الوفاق.

كما قد وقع الخلاف بالنسبة إلى الإبهامين أيضاً، فإنّ المشهور اعتبارهما بالخصوص كما صرّح به في بعض النصوص كصحيحة زرارة المتقدِّمة. نعم، في بعضها كصحيحة عبد اللّٰه بن ميمون القداح ذكر الرجلين بدل الإبهامين، و الظاهر أنّها ليست في مقام البيان إلّا من ناحية تعداد مواضع السجود على سبيل الإجمال، فلا إطلاق لها من سائر الخصوصيات كي يتمسّك به، و على تقديره فهو مقيّد بصحيحة زرارة و غيرها ممّا اشتملت على الإبهامين.

و عن جملة من الأصحاب كالشيخين «1»، و السيِّد أبي المكارم «2»، و أبي الصلاح «3» أنّ العبرة بوضع أطراف أصابع الرجلين لا خصوص الإبهامين، بل نسب ذلك إلى كثير من القدماء، و هذا لم يظهر له مستند من طرقنا.

نعم، روى الجمهور بسندهم عن النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) أنّه قال: «أُمرت بالسجود على سبعة أعظم: اليدين و الركبتين و أطراف القدمين و الجبهة» «4» و نحوه ما عن ابن أبي جمهور في عوالي اللآلي «5» المتضمِّن لذكر أطراف أصابع الرجلين، و لا عبرة بشي‌ء من ذلك بعد عدم تمامية السند، فالأقوى تبعاً للمشهور و عملًا بالنصوص اعتبار السجود على الإبهامين بخصوصهما.

______________________________
(1) المفيد في أحكام النِّساء (مصنفات الشيخ المفيد 9): 27، الطوسي في المبسوط 1: 112.

(2) الغنية: 80.

(3) الكافي في الفقه: 119.

(4) سنن البيهقي 2: 103، سنن ابن ماجة 1: 286/ 883.

(5) عوالي اللآلي 1: 196/ 5، المستدرك 4: 455/ أبواب السجود ب 4 ح 3.

90
موسوعة الإمام الخوئي15

الثاني: الذكر ؛ ج 15، ص : 91

[الثاني: الذِّكر]

الثاني: الذِّكر و الأقوى كفاية مُطلقه، و إن كان الأحوط اختيار التسبيح على نحو ما مرّ في الركوع، إلّا أنّ في التسبيحة الكبرى يبدل [1] العظيم بالأعلى (1).

[الثالث: الطمأنينة فيه بمقدار الذكر الواجب]

الثالث: الطمأنينة فيه بمقدار الذكر الواجب (2) بل المستحب أيضاً إذا أتى

______________________________
و أمّا سائر الأحكام و الخصوصيات المتعلِّقة بالمساجد السبعة فسنتكلّم فيها إن شاء اللّٰه تعالى عند تعرّض الماتن إليها في مطاوي المسائل الآتية.

هذا، و قد أشرنا فيما سبق «1» إلى وجه ما نبّه إليه الماتن في المقام من أنّ الركنية تدور مدار وضع الجبهة بخصوصها، و لا دخل لوضع سائر المساجد و عدمه من هذه الجهة فراجع.

(1) قدّمنا الكلام حول ذلك مستقصًى في مبحث الركوع «2»، فانّ ملاك البحث مشترك بينهما بكامله فيجري فيه ما مرّ حرفاً بحرف، و قد عرفت أنّ الأقوى الاجتزاء بمطلق الذكر بشرط أن يعادل ثلاث تسبيحات من الصغرى، و عليه فهو مخيّر في المقام بين ذلك و بين التسبيحة الكبرى بتبديل العظيم بالأعلى كما في النصوص «3».

(2) بل المستحب أيضاً إذا أتى به بقصد الخصوصية كما جزم به في المقام و إن توقف فيه في بحث الركوع، مع عدم وضوح الفرق بين المقامين، و كيف ما كان فالمشهور اعتبار الطمأنينة في السجود بمقدار الذكر بل لم يعرف فيه خلاف بل قد ادّعي عليه الإجماع في كثير من الكلمات، إنّما الكلام في مستند ذلك.

______________________________
[1] على الأحوط.

______________________________
(1) في ص 85.

(2) في ص 12 و ما بعدها.

(3) الوسائل 6: 299/ أبواب الركوع ب 4 ح 1، 5، 7.

91
موسوعة الإمام الخوئي15

الثالث: الطمأنينة فيه بمقدار الذكر الواجب ؛ ج 15، ص : 91

به بقصد الخصوصية، فلو شرع في الذكر قبل الوضع أو الاستقرار عمداً بطل و أبطل، و إن كان سهواً وجب التدارك إن تذكر قبل رفع الرأس، و كذا لو أتى به حال الرفع أو بعده و لو كان بحرف واحد منه فإنّه مبطل إن كان عمداً، و لا يمكن التدارك إن كان سهواً، إلّا إذا ترك الاستقرار و تذكر قبل رفع الرأس.

______________________________
قال في المدارك بعد دعوى الإجماع عليه ما لفظه: و تدل عليه مضافاً إلى التأسّي روايتا حريز و زرارة المتقدِّمتان، انتهى
«1».

أقول: أمّا الإجماع فالمنقول منه ليس بحجّة، و المحصل منه على وجه يكون تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم (عليه السلام) غير حاصل بعد احتمال استناد المجمعين إلى بعض الوجوه الآتية، و إن كان الظاهر قيام التسالم و الاتفاق عليه و أمّا التأسي فالإشكال عليه ظاهر كما مرّ مراراً، لعدم إحراز صدور الفعل منه (صلّى اللّٰه عليه و آله) على وجه الوجوب كي يشمله دليل التأسّي، فإنّ الفعل مجمل لا لسان له. و أمّا الروايتان فلا وجود لهما في الأخبار، و لعلّه سهو من قلمه الشريف كما نبّه عليه في الحدائق «2»، هذا.

و قد استدلّ له في الحدائق «3» بصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: بينا رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) جالس في المسجد إذ دخل رجل فقام يصلِّي فلم يتم ركوعه و لا سجوده فقال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) نقر كنقر الغراب لئن مات هذا و هكذا صلاته ليموتنّ على غير ديني» «4» و نحوه‌

______________________________
(1) المدارك 3: 409.

(2) الحدائق 8: 290.

(3) الحدائق 8: 290.

(4) الوسائل 6: 298/ أبواب الركوع ب 3 ح 1.

92
موسوعة الإمام الخوئي15

الثالث: الطمأنينة فيه بمقدار الذكر الواجب ؛ ج 15، ص : 91

..........

______________________________
صحيحة القداح المشتملة على نظير القصّة مع وقوعها بمحضر من عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
«1» و قد ادّعى (قدس سره) وضوح دلالتهما على وجوب الطمأنينة مع عدم الدلالة عليه بوجه، فان غايتهما وجوب المكث في الركوع و السجود، و هذا ممّا لا بدّ منه أداءً لوظيفة الذكر الواجب حالهما، إذ لو رفع رأسه بمجرّد الوضع من غير مكث الّذي به يكون ركوعه و سجوده نقرياً فقد أخلّ بوظيفة الذكر، و هو خارج عن محل الكلام، و أمّا أنّه حين المكث هل يكون مستقراً مطمئناً أو متزلزلًا مضطرباً يميناً و شمالًا الّذي هو محل البحث فالروايتان أجنبيتان عن التعرّض لذلك نفياً و إثباتاً كما لا يخفى.

و ربما يستدل للحكم بصحيحة عليّ بن يقطين «سألته عن الركوع و السجود كم يجزي فيه من التسبيح؟ فقال: ثلاثة، و تجزيك واحدة إذا أمكنت جبهتك من الأرض» «2»، و صحيحة عليّ بن جعفر قال: «سألته عن الرجل يسجد على الحصى فلا يمكن جبهته من الأرض فقال: يحرِّك جبهته حتّى يتمكن فينحي الحصى عن جبهته و لا يرفع رأسه» «3».

و فيه: أنّ غايتهما الدلالة على اعتبار الاطمئنان و التمكين في الجبهة لدى السجود لا في بدن المصلِّي الّذي هو محل الكلام، فهذه الوجوه كلّها ضعيفة.

و الأولى الاستدلال له بصحيحة بكر بن محمّد الأزدي بمثل ما تقدّم في الركوع «4»، و لم أر من تعرّض لها في المقام و إن تعرّضوا لها هناك قال (عليه السلام) فيها: «و إذا سجد فلينفرج و ليتمكن» «5».

______________________________
(1) الوسائل 4: 36/ أبواب أعداد الفرائض ب 9 ح 2.

(2) الوسائل 6: 300/ أبواب الركوع ب 4 ح 3.

(3) الوسائل 6: 353/ أبواب السجود ب 8 ح 3.

(4) في ص 23.

(5) الوسائل 4: 35/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 8 ح 14.

93
موسوعة الإمام الخوئي15

الرابع: رفع الرأس منه ؛ ج 15، ص : 94

[الرابع: رفع الرأس منه]

الرابع: رفع الرأس منه (1).

______________________________
و تقريب الاستدلال: ما عرفت في بحث الركوع من كونها إرشاداً إلى شرطية التمكن و الاستقرار في تحقّق الركوع و السجود الشرعيين، و تدل بالدلالة الالتزامية على اشتراطه في الذكر الواجب أيضاً، للزوم إيقاع الذكر المأمور به فيهما، فلا بدّ من استمرار الاستقرار فيهما و استدامته بمقدار يقع الذكر في محلِّه بل مقتضى هذا البيان اعتباره في الذكر المستحب أيضاً إذا قصد به الخصوصية بعين هذا التقريب، كما نبّهنا عليه هناك، و قد أشرنا إلى أنّ تفكيك الماتن بين المقام و ما سبق بالجزم هنا و التوقف هناك في غير محله، بل الأقوى اعتباره في المقامين لما ذكر.

(1) أي من السجدة الأُولى بلا خلاف و لا إشكال، و إنّما خصّوا التعرّض به مع وضوح وجوب رفعه من السجدة الثانية أيضاً، لعدم وقوع الخلاف في الثاني، إذ يجب التشهّد و نحوه فلا بدّ من الرفع مقدّمة، و أمّا الأوّل فقد خالف فيه العامّة، فأنكره أبو حنيفة و ذكر أنّه لو حفر حفيرة حال السجود فنقل جبهته إليها، أو كان دون مسجد الجبهة مكان أخفض فجر الجبهة إليه بقصد السجدة الثانية كفى «1»، فنبّهوا على وجوب رفع الرأس هنا طعناً عليه و رداً لمقالته.

و منه تعرف أنّه ليس الوجه في وجوب هذا الرفع توقف صدق تعدّد السجدة عليه، و أنّه بدونه يكون سجود واحد مستمر لإمكان صدق التعدّد بدونه أيضاً، كما ذكر من النقل و التغيّر المساوق للتعدّد، بل لروايات دلّت عليه كصحيحة حماد «2» و غيرها فلاحظ.

______________________________
(1) المجموع 3: 440، المغني 1: 598، الخلاف 1: 360.

(2) الوسائل 5: 459/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

94
موسوعة الإمام الخوئي15

الخامس: الجلوس بعده مطمئنا ثم الانحناء للسجدة الثانية ؛ ج 15، ص : 95

[الخامس: الجلوس بعده مطمئناً ثمّ الانحناء للسجدة الثانية]

الخامس: الجلوس بعده مطمئناً ثمّ الانحناء للسجدة الثانية (1).

[السادس: كون المساجد السبعة في محالها إلى تمام الذكر]

السادس: كون المساجد السبعة في محالها إلى تمام الذكر (2) فلو رفع بعضها بطل و أبطل إن كان عمداً، و يجب تداركه إن كان سهواً، نعم لا مانع من رفع ما عدا الجبهة في غير حال الذكر (3) ثمّ وضعه عمداً كان أو سهواً، من غير فرق بين كونه لغرض كحك الجسد و نحوه أو بدونه.

______________________________
(1) أمّا الجلوس فقد دلّت عليه صحيحة حماد
«1» و غيرها. و أمّا الاطمئنان فقد استدلّ له بالإجماع و هو كما ترى.

و الأولى أن يستدل له بذيل صحيحة الأزدي المتقدِّمة قال (عليه السلام) فيها: «و إذا سجد فلينفرج و ليتمكن و إذا رفع رأسه فليلبث حتّى يسكن» «2» و دلالتها ظاهرة.

(2) بلا خلاف و لا إشكال، للزوم إيقاع الذكر في السجود المأمور به كما تشهد به النصوص المتقوّم بالمحال السبعة فلا بدّ من إبقائها في مواضعها إلى نهاية الذكر تحقيقاً للظرفية.

و عليه فلو رفع بعضها حال الذكر، فان كان عمداً بطل الذكر لعدم وقوعه في محله، و أبطل الصلاة للزوم الزيادة العمدية، إذ قد أتى بالذكر بقصد الجزئية كما هو الفرض، و لم يكن جزءاً و هو معنى الزيادة، و إن كان سهواً وجب التدارك، لبقاء المحل ما لم يرفع جبهته كما هو ظاهر.

(3) لعدم الدليل على مانعية هذا الرفع، و المرجع أصالة البراءة، و الظاهر أنّه‌

______________________________
(1) الوسائل 5: 459/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

(2) الوسائل 4: 35/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 8 ح 14.

95
موسوعة الإمام الخوئي15

السادس: كون المساجد السبعة في محالها إلى تمام الذكر ؛ ج 15، ص : 95

..........

______________________________
لا إشكال في الحكم كما لا خلاف. نعم، حكى في الجواهر
«1» عن بعض المشايخ التوقف فيه أو الجزم بالبطلان، و ليس له وجه ظاهر عدا تخيّل إلحاق سائر المساجد بالجبهة، فكما لا يجوز رفعها و وضعها لاستلزام زيادة السجود فكذا سائر الأعضاء.

لكنّه كما ترى واضح البطلان، لما عرفت من أنّ المدار في صدق السجود و تعدّده بوضع الجبهة و رفعها دون سائر المحال فإنّها واجبات حال السجود لا مقوّمات له، لعدم ثبوت الحقيقة الشرعية للسجود، بل يطلق على ما هو عليه من المعنى اللغوي المتقوّم بذاك فحسب. و من هنا كانت الركنية تدور مداره وجوداً و عدماً كما مرّ، و قد عرفت «2» أنّ الأحكام المتعلِّقة بالسجود في لسان الأخبار من لزوم وقوعه على الأرض أو نباتها، و عدم جواز السجود على القير و نحو ذلك كلّها ناظرة إلى موضع الجبهة دون سائر الأعضاء.

و من هنا لم يعتبر أحد ذلك فيها بلا خلاف و لا إشكال كما مرّ التعرّض إليه و لأجله أشرنا فيما سبق «3» إلى أن قوله (عليه السلام) «السجود على سبعة أعظم» مبني على ضرب من التجوز و المسامحة، و المراد إيجاب هذه الأُمور حال السجود، لا أنّ حقيقته الشرعية، أو المراد منه في لسان الشرع ذلك. و عليه فلا وجه لقياس سائر الأعضاء عليه في المقام، و قد تعرّض العلّامة الطباطبائي (قدس سره) «4» لدفع هذا التوهّم مستقصى و أعطى المقال حقّه فلاحظ إن شئت.

ثمّ إنّه استدلّ غير واحد للحكم المزبور بخبر علي بن جعفر عن أخيه‌

______________________________
(1) الجواهر 10: 164.

(2) في ص 85.

(3) في ص 85.

(4) الدرّة النجفية: 126.

96
موسوعة الإمام الخوئي15

السابع: مساواة موضع الجبهة للموقف ؛ ج 15، ص : 97

[السابع: مساواة موضع الجبهة للموقف]

السابع: مساواة موضع الجبهة للموقف (1)

______________________________
(عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يكون راكعاً أو ساجداً فيحكه بعض جسده هل يصلح له أن يرفع يده من ركوعه أو سجوده فيحكه ممّا حكه؟ قال: لا بأس إذا شقّ عليه أن يحكه، و الصبر إلى أن يفرغ أفضل»
«1»، و الدلالة و إن كانت تامّة لكنها ضعيفة السند بعبد اللّٰه بن الحسن فإنّه لم يوثق، فالمتعيِّن الاستناد في الجواز و عدم المانعية إلى الأصل كما عرفت.

(1) على المشهور بل إجماعاً كما ادّعاه غير واحد، فلا يجوز علوّه عن الموقف و لا انخفاضه أزيد من لبنة و يجوز بمقدارها، و قد قدّرها الأصحاب بأربعة أصابع و هو كذلك، حيث إنّ المراد بها في لسان الأخبار هي اللبنة التي كانت متعارفة معتادة في زمن الأئمّة (عليهم السلام)، و قد لاحظنا ما بقي منها من آثار العباسيين في سامراء فكان كذلك تقريبا.

و كيف ما كان، فقد خالف في ذلك صاحب المدارك (قدس سره) «2» فاعتبر المساواة، و منع عن العلو مطلقاً حتّى بمقدار اللبنة، و استند في ذلك إلى صحيحة عبد اللّٰه بن سنان قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن موضع جبهة الساجد أ يكون أرفع من مقامه؟ فقال: لا، و ليكن مستوياً» «3»، و في بعض النسخ «و لكن» بدل و ليكن.

و تقريب الاستدلال: أنّ من الواضح أنّ المساواة المأمور بها لم يرد بها المساواة الحقيقية الملحوظة بالآلات الهندسية، فإنّه تكليف شاق لا يمكن‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 330/ أبواب الركوع ب 23 ح 1.

(2) المدارك 3: 407.

(3) الوسائل 6: 357/ أبواب السجود ب 10 ح 1.

97
موسوعة الإمام الخوئي15

السابع: مساواة موضع الجبهة للموقف ؛ ج 15، ص : 97

..........

______________________________
توجيهه إلى عامّة المكلّفين، فالمراد لا محالة هي المساواة العرفية المتحققة و لو مع الاختلاف اليسير فيما إذا كان تدريجياً انحدارياً، دون ما كان دفعياً تسنيمياً و لو كان بقدر إصبع، لصدق عدم المساواة حينئذ بعد أن كان الاختلاف في مثله محسوساً بيّناً، و ظاهر الأمر بالمساواة لزوم مراعاتها على جهة الوجوب.

هذا، و لا يخفى أنّ لازم كلامه (قدس سره) الاستشكال بل المنع عمّا هو الدارج بين الشيعة من السجود على التربة الحسينية على مشرّفها آلاف الثناء و التحيّة، لعدم تحقّق المساواة حينئذ بالمعنى الّذي ذكره و هو كما ترى.

و كيف كان، فينبغي القطع بفساد هذه الدعوى، لقيام السيرة العملية القطعية من المتشرِّعة خلفاً عن سلف على عدم رعاية هذا المقدار من التساوي، و لا سيّما في الجماعات المنعقدة في الأماكن المختلفة من البيداء و نحوها التي قلّما يتّفق تساوى سطوحها حتّى من غير ناحية الانحدار، فتراهم يصلّون و لو فيما كان مسجد الجبهة بخصوصها أرفع من الموقف بمقدار يسير من أجل وجود الحصى أو التل و نحوهما، و أمّا الصحيحة فلا بدّ من حملها على الاستحباب كما ستعرف هذا.

و يستدل للمشهور بصحيحة أُخرى لعبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن السجود على الأرض المرتفع فقال: إذا كان موضع جبهتك مرتفعاً عن موضع بدنك قدر لبنة فلا بأس» «1».

دلّت على جواز السجود فيما إذا كان الارتفاع بمقدار اللّبنة، و بالمفهوم على عدمه فيما زاد عليها، و بذلك يحمل الأمر بالمساواة المطلقة في صحيحته الاولى على الاستحباب.

و نوقش فيها من حيث السند تارة، و الدلالة اخرى، و المتن ثالثة.

______________________________
(1) الوسائل 6: 358/ أبواب السجود ب 11 ح 1.

98
موسوعة الإمام الخوئي15

السابع: مساواة موضع الجبهة للموقف ؛ ج 15، ص : 97

..........

______________________________
أمّا من حيث السند، فبما ذكره في المدارك من أنّ في الطريق النهدي المردّد بين الموثق و غيره «1». و فيه: ما لا يخفى، فانّ المنصرف من هذا اللّفظ عند الإطلاق رجلان: أحدهما: هيثم بن أبي مسروق و هو ممدوح في كتب الرِّجال، بل بملاحظة وقوعه في أسانيد كامل الزيارات موثق، و الآخر: هو محمّد بن أحمد ابن خاقان أبو جعفر القلانسي المعروف بحمدان و هو موثق، فالرجل مردّد بين الممدوح و الموثق، و باعتبار آخر بين موثقين، فغايته كون الرواية مرددة بين الحسنة و الموثقة فهي حجّة على التقديرين. و أمّا غير الرجلين ممّن لم يوثق فهو خارج عن منصرف اللّفظ عند الإطلاق كما عرفت.

نعم، الظاهر أنّ المراد به في المقام هو الأوّل، لعدم كون الثاني في طبقة ابن محبوب الراوي عنه. مضافاً إلى أنّ الأوّل له كتاب، و الطريق إليه هو محمّد بن علي بن محبوب.

و أمّا من حيث الدلالة، فبأنّ البأس المستفاد من المفهوم أعم من المنع، و هو كما ترى، فإنّ البأس بقول مطلق مساوق للمنع كما لا يخفى، فالمنصرف من هذه اللفظة عند الإطلاق نفياً و إثباتاً ليس إلّا الجواز و عدمه، سيّما بعد ملاحظة وقوعه جواباً عن السؤال المذكور في هذه الصحيحة، الظاهر في كونه سؤالًا عن الجواز و عدمه، إذ لا يحتمل وجوب السجود على الأرض المرتفعة أو استحبابه كي يسأل عنه.

و أمّا من حيث المتن، فقد قيل إنّ في بعض النسخ «يديك» باليائين المثناتين من تحت بدل «بدنك» بالباء الموحّدة و النون، فلا دلالة فيها حينئذ على الموقف.

و فيه: أنّ النسخة المعروفة الموجودة في جميع كتب الأخبار و الاستدلال إنّما‌

______________________________
(1) المدارك 3: 407.

99
موسوعة الإمام الخوئي15

السابع: مساواة موضع الجبهة للموقف ؛ ج 15، ص : 97

بمعنى عدم علوّه أو انخفاضه أزيد من مقدار لبنة موضوعة على أكبر سطوحها أو أربع أصابع مضمومات و لا بأس بالمقدار المذكور (1).

______________________________
هي الثاني، بل في الجواهر أنّه لم يعثر على الأوّل مضافاً إلى ما ذكره (قدس سره) و نعم ما ذكر من أنّ استدلال الأصحاب به و الفتوى بمضمونه قديماً و حديثاً على اختلاف طبقاتهم و نسخهم، مع أنّ فيهم من هو في غاية التثبت و الإتقان و التدقيق ككاشف اللثام يشرف الفقيه على القطع بضبطهم له بالباء و النون و عدم وجود النسخة الأُخرى. و على تقديره فهي سهو من قلم النسّاخ بلا ارتياب
«1».

هذا، مع أنّ سوق السؤال المتضمِّن للسجود على الأرض لعلّه يشهد بإرادة موضع البدن دون اليدين خاصّة كما لا يخفى.

و ممّا يؤكِّده أيضاً: التعبير بالرجلين في مرسل الكافي قال: و في حديث آخر في السجود على الأرض المرتفعة قال: «إذا كان موضع جبهتك مرتفعاً عن رجليك قدر لبنة فلا بأس» «2»، إذ الظاهر أنّه يشير بذلك إلى هذه الصحيحة.

فتحصّل: أنّ هذه المناقشات كلّها ساقطة. فالصحيح إذن ما عليه المشهور من اعتبار المساواة و عدم جواز العلو أكثر من مقدار اللبنة.

(1) لم يقع التحديد باللبنة من ناحية الانخفاض في كلام من تقدّم على الشهيدين، و أوّل من تعرّض له هو الشهيد «3» و تبعه من تأخّر عنه، و من هنا نسب جواز الخفض مطلقاً إلى أكثر القدماء حيث اقتصروا على التحديد المزبور‌

______________________________
(1) الجواهر 10: 151.

(2) الوسائل 6: 359/ أبواب السجود ب 11 ح 3، الكافي 3: 333/ 4.

(3) الدروس 1: 157.

100
موسوعة الإمام الخوئي15

السابع: مساواة موضع الجبهة للموقف ؛ ج 15، ص : 97

..........

______________________________
من حيث الارتفاع فحسب، بل عن الأردبيلي (قدس سره) التصريح بذلك
«1» بل عن العلّامة في التذكرة دعوى الإجماع عليه، حيث قال: و لو كان مساوياً أو أخفض جاز إجماعا «2».

و كيف كان، فالأقوى ما ذكره الشهيد (قدس سره) من إلحاق الخفض بالرفع لموثقة عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن المريض أ يحلّ له أن يقوم على فراشه و يسجد على الأرض؟ قال فقال: إذا كان الفراش غليظاً قدر آجرّة أو أقل استقام له أن يقوم عليه و يسجد على الأرض و إن كان أكثر من ذلك فلا» «3». فانّ الآجرّة هي اللبنة، و لا فرق إلّا من حيث الطبخ و عدمه و نفي الاستقامة عن الزائد عليها ظاهر في المنع، و التشكيك في هذا الظهور بأنّ استقام أعم من الجواز، لإطلاقه على المندوب أيضاً و ما هو الأنسب و الأفضل فعدمه لا يدل على المنع، في غير محله، فان مقابل الاستقامة هو الاعوجاج فنفيها بقول مطلق ظاهر في المنع كما لا يخفى.

و لا تعارضها رواية محمّد بن عبد اللّٰه عن الرِّضا (عليه السلام) في حديث «انّه سأله عمّن يصلِّي وحده فيكون موضع سجوده أسفل من مقامه، فقال: إذا كان وحده فلا بأس» «4» التي هي مستند القول الآخر و من أجلها حملوا الموثق على الكراهة.

إذ فيه أوّلًا: أنّها ضعيفة السند، فانّ محمّد بن عبد اللّٰه الواقع في سندها مشترك بين جماعة كلّهم مجاهيل لم تثبت وثاقتهم «5». و دعوى أنّ الراوي عنه‌

______________________________
(1) مجمع الفائدة و البرهان 2: 133، 263.

(2) التذكرة 3: 189.

(3) الوسائل 6: 358/ أبواب السجود ب 11 ح 2.

(4) الوسائل 6: 358/ أبواب السجود ب 10 ح 4.

(5) نعم، قد وثّق كل من محمّد بن عبد اللّٰه بن زرارة و محمّد بن عبد اللّٰه بن رباط كما في معجم الأُستاذ 17: 253/ 11117، 252/ 11116. إلّا أنّه لا يحتمل إرادتهما في المقام، أمّا الأوّل فلعدم مساعدة الطبقة بعد ملاحظة الراوي و المروي عنه، و أمّا الثاني فهو و إن كان من رجال هذه الطبقة إلّا أنّه لا توجد له و لا رواية واحدة في شي‌ء من الكتب الأربعة.

101
موسوعة الإمام الخوئي15

السابع: مساواة موضع الجبهة للموقف ؛ ج 15، ص : 97

..........

______________________________
هو صفوان و هو من أصحاب الإجماع الّذين لم يرووا إلّا عن الثقة، قد تقدّم الجواب عنها غير مرّة بعدم تمامية المبنى، و الظاهر أنّ صفوان لم يرو عن محمّد ابن عبد اللّٰه إلّا في هذه الرواية.

و ثانياً: أنّ غايتها الإطلاق فيقيّد بالموثق جمعا.

ثمّ إنّ الظاهر أنّ التقييد بالوحدة في هذه الرواية سؤالًا و جواباً إنّما هو في مقابل الجماعة التي وقع السؤال عنها في صدر هذا الخبر حيث قال «سألته عن الإمام يصلِّي في موضع و الّذين خلفه يصلّون في موضع أسفل منه، أو يصلّي في موضع و الذين خلفه في موضع أرفع منه، فقال يكون مكانهم مستوياً» «1»، فسأله (عليه السلام) أوّلًا عن حكم الجماعة من حيث اختلاف مكان الإمام و المأموم خفضاً و رفعاً، فأجاب (عليه السلام) باعتبار المساواة، ثمّ سأله ثانياً عن حكم المنفرد و أنّ مَن يصلِّي وحده هل يجوز أن يكون مسجده أسفل من مقامه، فأجاب (عليه السلام) بنفي البأس عن هذا الفرد الّذي وقع السؤال عنه في مقابل الصدر، فالتقييد بالوحدة في كلامه (عليه السلام) إنّما هو بتبع وقوعه في كلام السائل، لا لدخله في الحكم، فلا يدلّ على المفهوم، فليتأمّل.

نعم، هناك صورة أُخرى لم يتعرّض لحكمها في الرواية سؤالًا و لا جواباً و هي حكم المأموم في حدّ نفسه من حيث اختلاف موقفه عن مسجده، و لعل حكمه يظهر من المنفرد لعدم احتمال الفرق من هذه الجهة.

______________________________
(1) الوسائل 8: 412/ أبواب صلاة الجماعة ب 63 ح 3.

102
موسوعة الإمام الخوئي15

السابع: مساواة موضع الجبهة للموقف ؛ ج 15، ص : 97

و لا فرق في ذلك بين الانحدار و التسنيم (1)، نعم الانحدار اليسير لا اعتبار به [1] فلا يضر معه الزيادة على المقدار المذكور. و الأقوى عدم اعتبار ذلك في باقي المساجد (2) لا بعضها مع بعض و لا بالنسبة إلى الجبهة، فلا يقدح ارتفاع مكانها أو انخفاضه ما لم يخرج به السجود عن مسمّاه.

______________________________
(1) لإطلاق النص كالفتوى، فإنّ الزيادة على اللبنة الممنوعة في صحيحة عبد اللّٰه بن سنان و موثقة عمار شاملة بإطلاقها لنحوي الانحدار و التسنيم.

نعم، استثنى الماتن من ذلك ما إذا كان الانحدار يسيراً أي تدريجياً بأن يشرع من الموقف و ينتهي إلى موضع الجبهة فلا يقدح مثله و إن زاد على اللبنة، و خصّ المنع بما إذا كان كثيراً أي دفعياً واقعاً فيما حول الجبهة بحيث يكون العلو أو الخفض ظاهراً محسوساً، و كأنّه لانصراف النص عن الأوّل، و لكنّه كما ترى لا وجه له بعد تسليم الإطلاق في النص و شموله لنحوي التسنيم و الانحدار كما صرّح (قدس سره) به، فالأقوى عدم الفرق بين اليسير و الكثير.

(2) فلا يعتبر التساوي بينها بعضها مع بعض، فلو كان موضع اليدين بالنسبة إلى الركبتين، أو إحدى اليدين أو الركبتين بالنسبة إلى الأُخرى أرفع أو أخفض بأزيد من لبنة، جاز ما لم يخرج عن هيئة الساجد بلا خلاف فيه، لعدم الدليل على مراعاة المساواة بينها، و مقتضى الأصل البراءة.

و هل المساواة المعتبرة ملحوظة بين موضع الجبهة و موقف المصلِّي خاصّة على ما هو صريح المتن تبعاً للأصحاب على اختلاف تعابيرهم فلا يقدح الاختلاف بينه و بين سائر المحال، أو أنّها ملحوظة بينه و بين كل واحد من بقية‌

______________________________
[1] الظاهر عدم الفرق بينه و بين غير اليسير إذا كان ظاهراً، نعم لو لم يكن الانحدار ظاهراً فلا اعتبار بالتقدير المزبور و إن كان هو الأحوط الأولى.

103
موسوعة الإمام الخوئي15

السابع: مساواة موضع الجبهة للموقف ؛ ج 15، ص : 97

..........

______________________________
المساجد الستّة، فلو كانت يداه مثلًا أرفع من الجبهة بطلت، و إن كانت هي مساوية مع الموقف؟

قد يقال بالثاني، بل نسب ذلك إلى ظاهر العلامة في بعض كتبه «1» و غيره.

و هذا يبتني على أمرين:

أحدهما: أنّ المراد بالبدن في صحيحة ابن سنان المتقدِّمة «2» التي هي الأصل في هذا التحديد بدن المصلِّي حال سجوده كي يشمل جميع المساجد الستّة فتلحظ النسبة بينها و بين موضع الجبهة.

الثاني: أنّ تلك المساجد ملحوظة على سبيل العموم الاستغراقي حتّى تجب ملاحظة النسبة بين كل واحدة منها و بين الجبهة، فيقدح حينئذ علو كل واحد من الأعضاء أو انخفاضه عنها بأزيد من لبنة. و أمّا لو كانت ملحوظة على نحو العموم المجموعي فالقادح إنّما هو علو المجموع غير الصادق عند علو بعض و تساوي الآخر كما لا يخفى.

و للمناقشة في كلا الأمرين مجال واسع.

أمّا الثاني، فإنّ لحاظ العموم على سبيل الاستغراق كي يقتضي الانحلال يحتاج إلى مئونة زائدة و عناية خاصّة ثبوتاً و إثباتاً، يدفعها إطلاق الدليل على أنّ لازمه إطلاق البدن على كلّ واحد من المحال بمقتضى الانحلال، و هو كما ترى فإنّه اسم لمجموع الأعضاء لا لكل واحد منها.

و أمّا الأوّل، فهو أيضاً خلاف الظاهر، إذ البدن في حال السجود يعم الجبهة فلا يناسب التقابل بينه و بين موضع الجبهة، لاعتبار المغايرة في المتقابلين.

و عليه فإمّا أن يراد به البدن حال الجلوس، أو حال القيام، و حيث إنّ‌

______________________________
(1) نهاية الإحكام 1: 488.

(2) في ص 98.

104
موسوعة الإمام الخوئي15

السابع: مساواة موضع الجبهة للموقف ؛ ج 15، ص : 97

..........

______________________________
الاعتماد في الأوّل على ما دون الركبتين من الساقين و الأليين الموضوعتين على الرجلين، فما يعتمد عليه من مواضع السجود حينئذ إنّما هو الرجلان، بل هما العمدة في الاعتماد، فيتّحد بحسب النتيجة مع الثاني، أعني حال القيام، فتكون العبرة بالرجلين فحسب، فهما المدار في المقايسة مع موضع الجبهة، بل خصوص الإبهام منهما كما لا يخفى.

و ليس المراد بذلك مراعاة موقف المصلِّي في حال القيام بما هو كذلك، لعدم احتمال كون التساوي المزبور شرطاً في حال القيام و قيداً تعبّدياً معتبراً في مكان المصلِّي مطلقاً، و لذا لو وقف في مكان و عند إرادة السجود صعد على دكّة قريبة منه و سجد عليها صحّت صلاته بلا إشكال، مع أنّ مسجده حينئذ أرفع من المكان الّذي كان واقفاً فيه أزيد من اللبنة، فإنّ الرواية منصرفة عن هذه الصورة قطعاً، بل ناظرة إلى الفرد الشائع المتعارف الّذي يقتضيه طبع المصلِّي من السجود في مكان يقوم فيه لا في مكان آخر.

فالمتحصِّل من الصحيحة تحديد الانحناء لدى السجود، و أنّه ينحني إلى مقدار يوازي جبهته موقفه بحيث لو قام عن سجوده ساوى مسجده موضع رجليه. و هذا هو المراد من الموقف حال القيام الّذي جعلنا المدار عليه و استظهرناه من الصحيحة.

و بعبارة اخرى: المكان الّذي يضع المصلِّي قدميه فيه حال القيام و وركيه حال الجلوس و إبهاميه حال السجود مكان واحد عرفاً و هو المعبّر عنه ب‍ (موضع البدن) فروعي التساوي بينه و بين موضع الجبهة، و عليه فلا عبرة بسائر المواضع فلا يضر ارتفاعها عن موضع الجبهة و إن زاد على اللبنة ما لم يخرج عن هيئة الساجد، كما لو وضع يديه على الحائط مثلًا، فانّ ذلك خروج عن هيئة السجود.

و ممّا يؤكِّد ما ذكرناه من جعل العبرة بالموقف و أنّه المراد من البدن في‌

105
موسوعة الإمام الخوئي15

الثامن: وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه من الأرض ؛ ج 15، ص : 106

[الثامن: وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه من الأرض]

الثامن: وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه من الأرض، و ما نبت منها غير المأكول و الملبوس على ما مرّ في بحث المكان (1).

______________________________
الصحيحة ما وقع في غير واحد من النصوص من التعبير بدل البدن بالرجلين، أو المقام أو موضع القدم، ففي صحيحة ابن سنان الأُخرى «أ يكون أرفع من مقامه»
«1» و في صحيحة أبي بصير «إنِّي أُحب أن أضع وجهي في موضع قدمي» «2» و في رواية محمّد بن عبد اللّٰه «فيكون موضع سجوده أسفل من مقامه» «3» و أظهر من الكل مرسلة الكليني التي تقدّم «4» استظهار أنّها هي صحيحة ابن سنان المبحوث عنها قال (عليه السلام) فيها «إذا كان موضع جبهتك مرتفعاً عن رجليك قدر لبنة فلا بأس» «5».

هذا كلّه من حيث الارتفاع، و أمّا من حيث الانخفاض فلا ينبغي الشك في كون المدار على الموقف، للتصريح به في موثقة عمار التي هي المستند في هذا الحكم قال (عليه السلام) فيها: «إذا كان الفراش غليظاً قدر آجرّة أو أقل استقام له أن يقوم عليه و يسجد على الأرض» «6» حيث فرض فيه المساواة فيما عدا قدر الآجر، بين ما يقوم عليه الّذي هو الموقف و بين المسجد، فالمقتضي للاحتمال الآخر أعني الاعتبار بسائر المحال قاصر هنا في حد نفسه كما لا يخفى.

(1) قد مرّ الكلام حول ذلك في بحث المكان في فصل ما يسجد عليه «7» مستقصى فلا نعيد.

______________________________
(1) الوسائل 6: 357/ أبواب السجود ب 10 ح 1، 2، 4.

(2) الوسائل 6: 357/ أبواب السجود ب 10 ح 1، 2، 4.

(3) الوسائل 6: 357/ أبواب السجود ب 10 ح 1، 2، 4.

(4) في ص 100.

(5) الوسائل 6: 359/ أبواب السجود ب 11 ح 3، الكافي 3: 333/ 4.

(6) الوسائل 6: 358/ أبواب السجود ب 11 ح 2.

(7) شرح العروة 13: 129 فما بعدها.

106
موسوعة الإمام الخوئي15

التاسع: طهارة محل وضع الجبهة ؛ ج 15، ص : 107

[التاسع: طهارة محل وضع الجبهة]

التاسع: طهارة محل وضع الجبهة (1).

[العاشر: المحافظة على العربية و الترتيب و الموالاة في الذكر]

العاشر: المحافظة على العربية و الترتيب و الموالاة في الذكر (2).

[مسائل]

[مسألة 1: الجبهة ما بين قصاص شعر الرأس و طرف الأنف الأعلى]

[1609] مسألة 1: الجبهة ما بين قصاص شعر الرأس و طرف الأنف الأعلى و الحاجبين طولًا و ما بين الجبينين عرضاً (3)

______________________________
(1) قد مرّ الكلام حول ذلك أيضاً في أوائل كتاب الطهارة عند التكلّم في أحكام النجاسات في فصل يشترط في صحّة الصلاة واجبة كانت أو مندوبة إزالة النجاسة، و عرفت أنّ عمدة المستند هي صحيحة ابن محبوب عن الرِّضا (عليه السلام) «عن الجص يوقد عليه بالعذرة و عظام الموتى ثمّ يجصص به المسجد أ يسجد عليه؟ فكتب (عليه السلام) إنّ الماء و النار قد طهّراه»
«1». و قد فصّلنا القول حول هذا الحديث و ما يتعلّق بهذا الحكم بما لا مزيد عليه فراجع و لاحظ «2».

(2) كما سبق البحث عن كل ذلك في بحث القراءة فلاحظ.

(3) كما نصّ عليه غير واحد من الأصحاب تبعاً لتصريح أهل اللغة، و تشهد به جملة من النصوص كصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: الجبهة كلّها من قصاص شعر الرأس إلى الحاجبين موضع السجود، فأيّما سقط من ذلك إلى الأرض أجزأك مقدار الدرهم، أو مقدار طرف الأنملة» «3»، و صحيحته الأُخرى عن أحدهما (عليهما السلام) قال «قلت: الرجل يسجد و عليه قلنسوة أو عمامة، فقال: إذا مسّ جبهته الأرض فيما بين حاجبه و قصاص شعره فقد‌

______________________________
(1) الوسائل 3: 527/ أبواب النجاسات ب 81 ح 1.

(2) شرح العروة 3: 243.

(3) الوسائل 6: 356/ أبواب السجود ب 9 ح 5.

107
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 1: الجبهة ما بين قصاص شعر الرأس و طرف الأنف الأعلى ؛ ج 15، ص : 107

و لا يجب فيها الاستيعاب (1) بل يكفي صدق السجود على مسمّاها.

______________________________
أجزأ عنه»
«1» و قد روى الأخيرة في الوسائل كما ذكرنا فأسندها أوّلًا إلى الشيخ ثمّ قال: و رواه الصدوق بإسناده عن زرارة مثله.

و رواها أيضاً في الباب 14 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 2 بهذا اللفظ: «إذا مسّ شي‌ء من جبهته الأرض ...» «2» بزيادة كلمة «شي‌ء من» و أسندها أوّلًا إلى الصدوق ثمّ قال و رواه الشيخ مرسلًا بعكس المقام. و لا أثر لهذا الاختلاف فيما نحن بصدده و إن أوجب الفرق من حيث الدلالة على الاستيعاب و عدمه الّذي سيأتي الكلام عليه، و نحوهما موثقة عمار «3» و غيرها.

و قد يقال: بخلو النصوص عن التعرّض للتحديد العرضي، و أنّها مقصورة على بيان الحد من ناحية الطول فقط، لكن الظاهر دلالتها على التحديد من كلتا الناحيتين طولًا باعتبار طول الإنسان و عرضاً، فانّ المراد بالحاجب أو الحاجبين في صحيحتي زرارة المتقدِّمتين ليس خصوص ما يلي الأنف، بل كل ما صدق عليه اسم الحاجب بمقتضى الإطلاق المحدود فيما بين اليمين و اليسار المحفوفين بالجبينين المقارنين للصدغين، فإذا أخذت هذا الحد بكامله و لاحظته إلى قصاص الشعر فكل ما يسعه فهو الجبهة التي تكفلت هذه النصوص ببيانها، فالشبهة نشأت من تخيّل أنّ المراد بالحاجب مسمّاه، أو خصوص طرف الأنف، و الغفلة عن صدقه على كل جزء منه يميناً و شمالًا بدواً و ختماً كما عرفت.

(1) على المشهور، بل بلا خلاف كما عن غير واحد. نعم، نسب إلى ابن‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 355/ أبواب السجود ب 9 ح 1.

(2) الوسائل 5: 363.

(3) الوسائل 6: 356/ أبواب السجود ب 9 ح 4.

108
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 1: الجبهة ما بين قصاص شعر الرأس و طرف الأنف الأعلى ؛ ج 15، ص : 107

و يتحقّق المسمّى بمقدار الدرهم قطعاً، و الأحوط عدم الأنقص (1).

______________________________
إدريس
«1» و ابن الجنيد «2» كلام يشعر بلزوم الاستيعاب، حيث قالا فيما حكي عنهما إنّ من كان به علّة يجزيه الوضع بمقدار الدرهم، و ظاهره لزوم الاستيعاب مع عدم العلّة، لكن النسبة لو صحّت فهو قول شاذ مخالف للإجماع كما عرفت و محجوج عليه بالأخبار فإنّها صريحة في كفاية المسمّى، ففي صحيحة زرارة المتقدِّمة: «فأيّما سقط من ذلك إلى الأرض أجزأك»، و صحيحته الأُخرى: «إذا مسّ شي‌ء من جبهته الأرض ...» إلخ و في موثقة عمار «أيّ ذلك أصبت به الأرض أجزأك» و غيرها ممّا تقدّمت الإشارة إليها.

و ليس في النصوص ما يشهد للاستيعاب عدا صحيحة علي بن جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن المرأة تطول قصتها فاذا سجدت وقع بعض جبهتها على الأرض و بعض يغطيها الشعر هل يجوز ذلك؟ قال: لا، حتّى تضع جبهتها على الأرض» «3».

لكن لا مناص من حملها على الفضل و كراهة البعض، لما عرفت من الروايات الناصة بكفاية المسمّى «4».

(1) قد عرفت عدم وجوب الاستيعاب و كفاية البعض، إنّما الكلام في مصداق ذاك البعض و أنّه هل يعتبر فيه أن يكون بقدر الدرهم فلا يجزي الأقل‌

______________________________
(1) السرائر 1: 225.

(2) حكاه عنه في الذكرى 3: 392.

(3) الوسائل 5: 363/ أبواب ما يسجد عليه ب 14 ح 5.

(4) الصحيحة مشتملة على التعبير ب‍ «لا يجوز» الصريح في نفي الجواز و مثله لا يقبل الحمل على الكراهة كما لا يخفى. فالأُولى الخدش بإعراض الأصحاب عنها و إن لم يتم على مسلك سيِّدنا الأستاد أو ردّ علمها إلى أهله.

109
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 1: الجبهة ما بين قصاص شعر الرأس و طرف الأنف الأعلى ؛ ج 15، ص : 107

..........

______________________________
أو يكفي المسمّى و إن كان دون ذلك مع العلم بعدم كفاية السجود على مقدار الحمصة، إذ لا يصدق معه السجود على الأرض، بل هو حاجب و مانع عنه كما لا يخفى، فلا يتحقّق في مثله المسمّى، و محل الكلام بعد فرض حصول المسمّى.

و كيف كان، فالمشهور هو الثاني، و ظاهر الصدوق هو الأوّل، حيث قال: و يجزي مقدار الدرهم، و قد ذكر هذه العبارة في موضعين من الفقيه أحدهما: في باب ما يصح السجود عليه، نقلًا عن والده (قدس سره) و أمضاه. الثاني: في باب صفات الصلاة و هو من كلام نفسه (قدس سره) «1» و ظاهره أنّه حدّده بذلك، فلا يجزي الأقل.

و لكن يمكن أن يقال: إنّ ذلك من باب المثال و لا يريد به التحديد، لأنّه (قدس سره) قال في صدر الكتاب إنِّي أعمل بكل رواية أرويها فيه و أنّه حجّة بيني و بين اللّٰه «2»، و قد نقل في المقام هذه الروايات الظاهرة في كفاية المسمّى فيظهر أنّه يعمل بهذه الأخبار، فلا بدّ من حمل الدرهم على المثال.

نعم، صرّح الشهيد في الذكرى بما لفظه: و الأقرب أن لا ينقص في الجبهة عن درهم لتصريح الخبر و كثير من الأصحاب به فيحمل المطلق من الأخبار و كلام الأصحاب على المقيّد «3». و نحوه ما عن الدروس «4»، و قد وقع الكلام في المراد من الخبر الّذي أشار إليه قال في الجواهر: و أشار بالخبر إلى صحيح زرارة السابق «5» أي المشتملة على لفظ الدرهم «6» السابقة في كلامه (قدس سره) و لكنّه‌

______________________________
(1) الفقيه 1: 175، 205.

(2) الفقيه 1: 3.

(3) الذكرى 3: 389.

(4) الدروس 1: 180.

(5) الجواهر 10: 143.

(6) الوسائل 6: 356/ أبواب السجود ب 9 ح 5.

110
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 1: الجبهة ما بين قصاص شعر الرأس و طرف الأنف الأعلى ؛ ج 15، ص : 107

و لا يعتبر كون المقدار المذكور مجتمعاً، بل يكفي و إن كان متفرِّقاً مع الصدق (1) فيجوز السجود على السبحة غير المطبوخة [1] إذا كان مجموع ما وقعت عليه الجبهة بقدر الدرهم.

______________________________
كما ترى، فإنّه على خلاف المطلوب أدل، لتضمنها عطف
«1» طرف الأنملة على الدرهم الّذي هو أقل من الدرهم قطعاً، و إلّا لما صحّ التقابل، فهو أعلم بما قال. على أنّه (قدس سره) أسنده إلى الأصحاب، مع أنّه أسند كثير إليهم و هو المعروف بينهم عدم اعتباره و كفاية المسمّى، و هذا أيضاً لم يعرف وجهه.

و كيف ما كان، فالصحيح ما عليه المشهور من كفاية المسمّى، لإطلاق النصوص المتقدِّمة و عدم ما يصلح للتقييد. نعم، ورد التحديد بالدرهم في الفقه الرضوي «2» و دعائم الإسلام، بل إنّ عبارة الثاني أصرح لقوله «أقل ما يجزي أن يصيب الأرض من جبهتك قدر درهم» «3» لكن سندهما ضعيف جدّاً كما مرّ مراراً، فلا يصلحان لمعارضة ما سبق.

(1) لإطلاق النصوص الدالّة على كفاية المسمّى كما مرّ، الصادق حتّى مع التفرّق إذا لم يكن بمثابة يمنع عن الصدق و يعد من الحائل، و عليه فيجوز السجود على السبحة مع تفرّقها بشرط الصدق المزبور، سواء أ كان مجموع ما تقع عليه الجبهة بالغاً حدّ الدرهم أم لا، لما عرفت من عدم العبرة بهذا الحد، لضعف مستنده و كفاية المسمّى حيثما تحقّق.

______________________________
[1] بل على المطبوخة أيضا.

______________________________
(1) صاحب الجواهر ملتفت إلى هذا و يجيب عنه بما ينبغي الملاحظة فراجع الجواهر 10: 143.

(2) فقه الرِّضا: 114.

(3) المستدرك 4: 458/ أبواب السجود ب 8 ح 1، الدعائم 1: 164.

111
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 1: الجبهة ما بين قصاص شعر الرأس و طرف الأنف الأعلى ؛ ج 15، ص : 107

..........

______________________________
و منه تعرف أنّ التقييد بذلك في المتن في غير محله. نعم، بناءً على اعتبار الدرهم قد يستشكل في جواز السجود على مثل السبحة و الحصى و إن بلغ المجموع مقدار الدرهم، كما حكاه في الجواهر
«1» عن شرح نجيب الدين و كأنّه لانصراف التحديد إلى صورة الاتِّصال، فلا يكفي مع الانفصال و التفرّق، كما قيل بمثل ذلك في مانعية الدم البالغ حدّ الدرهم في الصلاة من انصراف المنع إلى الدم المتّصل، فالمتفرِّق في البدن أو اللباس لا يمنع و إن كان المجموع بقدر الدرهم، لكن الانصراف بدوي في كلا المقامين كما لا يخفى.

هذا و يظهر من الجواهر جواز السجود على السبحة و الحصى المتفرِّقة و إن لم يبلغ الدرهم، حتّى بناءً على اعتبار هذا الحد استناداً إلى النص قال (قدس سره) ما لفظه: بل بعض نصوص الحصى و عدم وجوب التسوية لما يسجد عليه ربما تشهد للاجتزاء على تقدير اعتبار الدرهم أيضاً فتأمّل، انتهى «2».

و لم يظهر مراده (قدس سره) من تلك النصوص، إذ لم نظفر على رواية تدل على عدم وجوب التسوية، بل إنّ النصوص الواردة في المقام حاكية عن أنّ الإمام (عليه السلام) كان يسوي بين الحصى، و إن لم تدل هي لا على الوجوب و لا على عدم الوجوب لإجمال الفعل، ففي موثقة يونس بن يعقوب المرويّة بطريقي الشيخ و الصدوق قال: «رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يسوي الحصى في موضع سجوده بين السجدتين» «3»، و في رواية عبد الملك بن عمرو قال: «رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) سوّى الحصى حين أراد السجود» «4».

______________________________
(1) الجواهر 10: 145.

(2) الجواهر 10: 145.

(3) الوسائل 6: 373/ أبواب السجود ب 18 ح 2، التهذيب 2: 301/ 1215، الفقيه 1: 176/ 834.

(4) الوسائل 6: 373/ أبواب السجود ب 18 ح 4.

112
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 2: يشترط مباشرة الجبهة لما يصح السجود عليه ؛ ج 15، ص : 113

[مسألة 2: يشترط مباشرة الجبهة لما يصحّ السجود عليه]

[1610] مسألة 2: يشترط مباشرة الجبهة لما يصحّ السجود عليه (1) فلو كان هناك مانع أو حائل عليه أو عليها وجب رفعه حتّى مثل الوسخ الّذي على التربة إذا كان مستوعباً لها بحيث لم يبق مقدار الدرهم منها و لو متفرِّقاً خالياً عنه، و كذا بالنسبة إلى شعر المرأة (2) الواقع على جبهتها، فيجب رفعه بالمقدار الواجب، بل الأحوط إزالة الطين اللّاصق بالجبهة في السجدة الأُولى (3)، و كذا إذا لصقت التربة بالجبهة فانّ الأحوط رفعها، بل الأقوى

______________________________
(1) فإنّها المنصرف من الأمر بوضع الجبهة على الأرض، فمع وجود الحائل في أحدهما المانع عن المباشرة لا يصدق الامتثال، فالحكم مطابق للقاعدة مضافاً إلى استفادته من النصوص المانعة عن السجود على القلنسوة أو العمامة أو الشعر كصحيح عبد الرّحمن «عن الرجل يسجد و عليه العمامة لا يصيب وجهه الأرض قال: لا يجزيه ذلك حتّى تصل جبهته إلى الأرض»
«1»، و نحوها صحيحة زرارة «2» و علي بن جعفر و غيرهما «3». فلا إشكال في الحكم مضافاً إلى دعوى الإجماع عليه.

و عليه، فيجب إزالة الحاجب حتّى مثل الوسخ الّذي على التربة إذا كانت له جرمية تستوعب سطحها، و لم يعد من اللون في نظر العرف.

(2) لو أبدلها بالرجل كان أولى، فإن ظهور شعرها و وقوعه على الجبهة بنفسه موجب للبطلان، لوجوب الستر عليها إلّا أن يفرض كونها أمة، بل يمكن فرضه في الحرة أيضاً كما لا يخفى، و قد أُشير إليه في صحيحة علي بن جعفر المزبورة.

(3) تقدّم هذا الفرع في المسألة الرابعة و العشرين من فصل مسجد الجبهة من مكان المصلِّي «4»، و قد جزم (قدس سره) هناك بوجوب الإزالة و إن احتاط‌

______________________________
(1) الوسائل 5: 362/ أبواب ما يسجد عليه ب 14 ح 1، 2، 5.

(2) الوسائل 5: 362/ أبواب ما يسجد عليه ب 14 ح 1، 2، 5.

(3) الوسائل 5: 362/ أبواب ما يسجد عليه ب 14 ح 1، 2، 5.

(4) شرح العروة 13: 173 المسألة [1372].

113
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 2: يشترط مباشرة الجبهة لما يصح السجود عليه ؛ ج 15، ص : 113

وجوب رفعها إذا توقف صدق السجود على الأرض أو نحوها عليه و أمّا إذا لصق بها تراب يسير لا ينافي الصدق فلا بأس به.

______________________________
في المقام. و كيف كان، فقد وقع الكلام في وجوب إزالة الطين، أو رفع التربة اللّاصقة بالجبهة في السجدة الأُولى و عدمه. و ربما يعلّل الوجوب بعدم صدق تعدّد الوضع المتوقف عليه صدق السجدتين لولا الرفع، إذ بدونه فهو إبقاء للسجدة الاولى لا إحداث للأُخرى، فلا يتحقّق معه التعدّد المأمور به، بل المجموع سجود واحد مستمر.

و فيه: ما لا يخفى، بداهة أنّ الوضع الّذي يتقوّم به مفهوم السجود لا يكفي في صدقه مجرد اللصوق و الاتِّصال، بل لا بدّ من الاعتماد و الاستناد، فلا وضع من غير اعتماد، كما لا سجود. فحقيقة السجود عبارة عن إيجاد تلك الهيئة عن وضع و اعتماد، و عليه فبعد رفع الرأس عن السجدة الأُولى قد زالت تلك الهيئة و انعدم الوضع إذ لا اعتماد وقتئذ، و إن كانت الجبهة بعدُ ملاصقة للتربة، فلا يطلق عليه الساجد في هذا الحال بالضرورة، و بعد تكرّر الهيئة فقد تحقّق وضع و اعتماد جديد بعد أن لم يكن لتخلّل العدم بينهما، فهو إحداث سجدة أُخرى لا إبقاء لما كان بالوجدان، فتتحقّق معه السجدتان و يصدق التعدّد بلا ارتياب و إلّا فهل ترى جواز وضع الجبهة كذلك على الأرض مرّة أو مرّات عامداً لشكر و نحوه لا نظن أن يلتزم به الفقيه، للزوم زيادة السجدة بلا إشكال. فهذا التقرير ساقط قطعا.

و الأولى في تعليل الوجوب أن يقال: إنّ السجود بمفهومه اللغوي و إن كان حادثاً في المقام من دون الرفع أيضاً فإنّه لغة عبارة عن وضع الجبهة على الأرض سواء أ كان ذلك مباشرة و بلا واسطة أم معها، كما سبق في صدر‌

114
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 2: يشترط مباشرة الجبهة لما يصح السجود عليه ؛ ج 15، ص : 113

..........

______________________________
البحث
«1»، إلّا أنّ الشارع قد اعتبر في هذا الوضع خصوصية المباشرة كما مرّ و إن لم يعتبر في بقية المحال بلا إشكال، و الأمر بالمباشرة كغيرها من سائر الواجبات ظاهر في الاحداث، فلا يكفي الإبقاء بقصد الامتثال، و لا أحداث في المقام، فإنّ الجبهة كانت مباشرة مع التربة قبل الوضع على الأرض، فهو إبقاء لما كان لا إحداث جديد.

و الحاصل: أنّ السجود الشرعي يتقوّم بأمرين: الوضع، و أن يكون عن مباشرة، و الإحداث و إن حصل في الأوّل لكنّه لم يتحقّق في الثاني فمن أجله لا بدّ من الرفع تحصيلًا للاحداث بالإضافة إليهما معا.

و بعبارة اخرى: لو كان السجود الشرعي متقوّماً بالوضع فحسب لما وجب الرفع، لصدق تعدّده بدونه كما عرفت، لكن المأخوذ في لسان النصوص عناوين أُخر يقتضي مراعاتها وجوب الرفع في المقام كعنوان السقوط إلى الأرض، و إصابة الجبهة و مسها بها. ففي صحيح زرارة «فأيّما سقط من ذلك إلى الأرض أجزأك» «2» و في موثق عمار «أيّ ذلك أصبت به الأرض أجزأك» «3» و نحوها موثقة بريد «4»، و في صحيحة زرارة الأُخرى «إذا مسّ جبهته الأرض» «5».

فان صدق هذه العناوين و لا سيما السقوط يتوقف على انفصال الجبهة عن الأرض الموقوف على الرفع، إذ بدونه لا يصدق أنّ الجبهة سقطت أو أصابت أو مسّت الأرض، بل المتّصف بهذه الأُمور هي الجبهة التي عليها التربة الحائلة بينها و بين الأرض دون الجبهة نفسها، فانّ الحدوث ملحوظ في مفاهيم هذه العناوين كما عرفت، فسقوط الجبهة على التربة لم يتحقّق و على الأرض و إن تحقّق لكنّه مع الحائل فيبطل السجود من هذه الجهة.

______________________________
(1) في ص 84.

(2) الوسائل 6: 356/ أبواب السجود ب 9 ح 5، 4، 3، 1.

(3) الوسائل 6: 356/ أبواب السجود ب 9 ح 5، 4، 3، 1.

(4) الوسائل 6: 356/ أبواب السجود ب 9 ح 5، 4، 3، 1.

(5) الوسائل 6: 356/ أبواب السجود ب 9 ح 5، 4، 3، 1.

115
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 2: يشترط مباشرة الجبهة لما يصح السجود عليه ؛ ج 15، ص : 113

..........

______________________________
هذا، و يشهد لما ذكرناه من وجوب الرفع صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته أ يمسح الرجل جبهته في الصلاة إذا لصق بها تراب؟ فقال: نعم، قد كان أبو جعفر (عليه السلام) يمسح جبهته في الصلاة إذا لصق بها التراب»
«1».

فانّ الظاهر أنّ السؤال إنّما هو عن الوجوب دون الجواز، و ذلك لأنّ المنقدح في ذهن السائل لو كان احتمال مانعية المسح في الصلاة بتخيّل أنّه فعل كثير فكان مقصوده السؤال عن الجواز و عدمه لكان حقّ العبارة أن يقول هكذا: «يمسح الرجل ...» إلخ بصيغة الجملة الخبرية كي يكون السؤال عن أنّ هذا المسح المفروض وقوعه هل هو قادح أم لا، و مثله يجاب عنه ب‍ (لا بأس) كما وقع نظيره في الروايات كثيراً، لكن الرواية ليست كذلك، بل هي بصيغة الاستفهام فقال «أ يمسح الرجل»، إلخ الظاهر في السؤال عن الوظيفة الفعلية و أنّه هل يلزم عليه أن يمسح حينما يجد التراب لاصقاً بجبهته أم لا، و مثله لا يجاب عنه ب‍ (لا بأس) كما في الأوّل بل ب‍ (نعم) أو (لا). فقوله (عليه السلام): «نعم»، و لا سيّما مع التعبير بصيغة الاستفهام يعطي قوّة الظهور في أنّ المسئول عنه هو الوجوب، و قد أمضاه (عليه السلام) بقوله «نعم» فكأنه (عليه السلام) قال ابتداءً «يمسح الرجل ...» إلخ الّذي لا شك في ظهوره في الوجوب، فدلالة الصحيحة على ما ذكرناه تامّة لا خدشة فيها.

و من جميع ما ذكرناه يظهر أنّ وجوب رفع التربة اللّاصقة هو الأقوى و إن جعلناه أحوط في مبحث المكان «2»، و جعله الماتن كذلك في المقام. نعم، إذا كان‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 373/ أبواب السجود ب 18 ح 1.

(2) في المسألة الرابعة و العشرين من «فصل مسجد الجبهة من مكان المصلِّي» [شرح العروة 13: 173].

116
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 3: يشترط في الكفين وضع باطنهما مع الاختيار ؛ ج 15، ص : 117

و أمّا سائر المساجد فلا يشترط فيها المباشرة للأرض (1).

[مسألة 3: يشترط في الكفّين وضع باطنهما مع الاختيار]

[1611] مسألة 3: يشترط في الكفّين وضع باطنهما مع الاختيار (2)

______________________________
التراب اللّاصق يسيراً جدّاً مثل الغبار و نحوه بحيث لا ينافي صدق السجود على الأرض، لكونه بمنزلة العرض عرفاً لا يعد حائلًا لم تجب إزالته كما نبّه عليه في المتن.

(1) بلا خلاف و لا إشكال، بل لعلّه يعد من الضروري، و تقتضيه جملة وافرة من النصوص التي منها صحيحة زرارة «... و إن كان تحتهما ثوب فلا يضرّك و إن أفضيت بهما إلى الأرض فهو أفضل» «1» و صحيحة حمران «كان أبي (عليه السلام) يصلِّي على الخمرة يجعلها على الطنفسة و يسجد عليها فاذا لم تكن خمرة جعل حصى على الطنفسة حيث يسجد» «2» و صحيحة الفضيل و بريد «لا بأس بالقيام على المصلى من الشعر و الصوف إذا كان يسجد على الأرض ...» إلخ «3» و نحوها غيرها.

على أنّ المقتضي لاعتبار المباشرة بالإضافة إليها قاصر في حدّ نفسه، فإنّ الأمر بالسجود على الأرض و نباتها منصرف إلى وضع الجبهة بخصوصها الّذي هو المقوّم للسجود كما عرفت سابقاً و لا يشمل سائر المساجد.

(2) لانصراف الأمر بوضع اليدين على الأرض الوارد في النصوص إلى الباطن فإنّه المنسبق منه إلى الذهن، و لا سيّما و أنّ المتعارف من لدن زمن النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) إلى عصر صدور هذه الأخبار كان هو ذلك، و لا ريب أنّ‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 385/ أبواب السجود ب 26 ح 2.

(2) الوسائل 5: 347/ أبواب ما يسجد عليه ب 2 ح 2.

(3) الوسائل 5: 344/ أبواب ما يسجد عليه ب 1 ح 5.

117
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 3: يشترط في الكفين وضع باطنهما مع الاختيار ؛ ج 15، ص : 117

و مع الضرورة يجزي الظاهر (1)

______________________________
النص منصرف إلى الشائع المتعارف، فلا إطلاق فيه يعم الظاهر لدى التمكن من الباطن.

و تدل عليه أيضاً: صحيحة حماد «1» فإنّه و إن لم يصرّح فيها بالسجود على الباطن لكنّا نقطع بأنّه (عليه السلام) في مقام التعليم قد سجد على باطن كفّه على ما هو المتعارف، حتّى و إن لم ينقله حماد، إذ لو سجد (عليه السلام) على ظاهر الكف فحيث إنّه على خلاف المتعارف المعهود في مقام السجود فهو بطبيعة الحال لافت لنظر حماد فكان عليه أن ينقله كما نقل جميع الخصوصيات الصادرة عنه (عليه السلام) في صلاته، بل إنّ هذا أحرى بالحكاية من كثير ممّا حكى كما لا يخفى، فمن عدم التعرّض لذلك نكشف كشفاً قطعياً أنّه (عليه السلام) قد سجد على الباطن، ثمّ قال (عليه السلام) في الذيل «يا حماد هكذا فصل» و ظاهر الأمر الوجوب، و أمّا الاستدلال بالتأسِّي فظاهر المنع كما مرّ غير مرّة إذ الفعل مجمل العنوان فلم يعلم صدوره منه (صلّى اللّٰه عليه و آله) بعنوان الوجوب كي يشمله دليل التأسِّي.

(1) لعدم المقتضي لتقييد المطلقات بالإضافة إلى حال الضرورة، فإنّ المقيّد منحصر في أحد أمرين كما مرّ، إمّا الانصراف و التعارف الخارجي، و إمّا صحيحة حماد، و كلاهما مختصّان بفرض التمكّن، أمّا الأوّل فظاهر، و كذا الثاني، لوضوح أنّ الإمام (عليه السلام) و كذا حماد المأمور بتلك الصلاة كانا متمكّنين من السجود على الباطن.

و عليه فاطلاقات الأمر بالسجود على الكف الشامل للظاهر و الباطن مثل‌

______________________________
(1) الوسائل 5: 459/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

118
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 3: يشترط في الكفين وضع باطنهما مع الاختيار ؛ ج 15، ص : 117

..........

______________________________
قوله (عليه السلام): إنّما السجود على سبعة أعظم و منها الكفّان
«1» غير قاصرة الشمول للمقام بعد سلامتها عن التقييد.

و أمّا الاستدلال لذلك بقاعدة الميسور ففيه ما لا يخفى، إذ مضافاً إلى منع الكبرى، لعدم تمامية القاعدة في نفسها كما مرّ مراراً لا صغرى لها في المقام، فان ظاهر الكف مقابل للباطن و مباين له، فكيف يعد ميسوراً منه و من مراتبه، و هل هذا إلّا كمن أمره المولى أن يذهب يميناً فعجز عنه، فيحكم بوجوب ذهابه شمالًا لكونه ميسوراً منه.

و أمّا ما يدعى من أنّه مع الشك في تعين الظاهر لدى العجز عن الباطن فالأصل يقتضي التعيين بناءً على الرجوع إليه عند الشك في التعيين و التخيير فممّا لا محصل له.

إذ فيه أوّلًا: أنّ الدوران بين التعيين و التخيير لا صغرى له في المقام، فان مورده ما إذا علم بالوجوب في الجملة و تردّد بين الأمرين، و في المقام لا علم بالوجوب أصلًا، فإنّ السجود على الباطن قد سقط بالعجز حسب الفرض، و أمّا على الظاهر فلم يعلم تعلّق التكليف به من أوّل الأمر، فالأمر دائر بين وجوبه في هذا الحال معيّناً، و بين سقوط التكليف به رأساً و الاجتزاء بالمساجد الستّة، و لا شك أنّ مقتضى الأصل البراءة للشك في حدوث تكليف جديد فأين التعيين و التخيير.

و ثانياً: ما نقّحناه في الأُصول من أنّ الشك في التعيين و التخيير هو بعينه الدوران بين الأقل و الأكثر الارتباطيين، و لا فرق بينهما إلّا في مجرّد العبارة و ليست قاعدة أُخرى في قبالها، فانّ الجامع بينهما و هو الأقل متيقّن، و خصوصية التعيين و هي الأكثر مشكوكة و المرجع في مثله البراءة كما حرّر في محله «2».

______________________________
(1) الوسائل 6: 343/ أبواب السجود ب 4 ح 2.

(2) مصباح الأُصول 2: 453.

119
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 4: لا يجب استيعاب باطن الكفين أو ظاهرهما بل يكفي المسمى و لو بالأصابع ؛ ج 15، ص : 120

كما أنّه مع عدم إمكانه لكونه مقطوع الكف أو لغير ذلك ينتقل إلى الأقرب من الكف فالأقرب [1] من الذراع و العضد (1).

[مسألة 4: لا يجب استيعاب باطن الكفّين أو ظاهرهما بل يكفي المسمّى و لو بالأصابع]

[1612] مسألة 4: لا يجب استيعاب باطن الكفّين أو ظاهرهما بل يكفي المسمّى و لو بالأصابع [2] فقط أو بعضها، نعم لا يجزئ وضع رؤوس الأصابع مع الاختيار (2)

______________________________
(1) حكم (قدس سره) بالانتقال إلى الأقرب من الكف فالأقرب من الذراع و العضد، و هذا مشكل بل ممنوع، إذ لا دليل عليه عدا قاعدة الميسور التي تقدّم منعها صغرى و كبرى، و عرفت أيضاً ما في دعوى أصالة التعيين عند الدوران بينه و بين التخيير. إذن فالأشبه بالقواعد سقوط التكليف به، و الاجتزاء بالمساجد الستّة، فانّ الواجب هو السجود على الكف باطناً أو ظاهراً كما مرّ الّذي هو المراد من اليد الواقعة معه في بقيّة الأخبار كما أشرنا إليه سابقاً و قد سقط بالتعذّر حسب الفرض، و لا دليل على وجود بدل له و الانتقال إليه. نعم لا ريب أنّ ما ذكره (قدس سره) هو الأحوط.

(2) قد عرفت عدم وجوب الاستيعاب في الجبهة، فهل الحكم كذلك في الكفّين باطناً أو ظاهراً؟ المشهور ذلك، بل عن غير واحد دعوى عدم الخلاف فيه، فيكفي المسمّى و إن كان هو الأصابع، لكن عن العلّامة في المنتهي «1» التردّد فيه حيث إنّ الاجتزاء بالبعض و كفاية المسمّى إنّما ثبت في الجبهة بالنص، أعني صحيحة زرارة المتقدِّمة «2» و غيرها، و لا دليل على الإلحاق و التعدِّي منه إلى المقام.

______________________________
[1] على الأحوط.

[2] فيه اشكال، و الاحتياط لا يترك.

______________________________
(1) المنتهىٰ 1: 290 السطر 10.

(2) في ص 109.

120
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 4: لا يجب استيعاب باطن الكفين أو ظاهرهما بل يكفي المسمى و لو بالأصابع ؛ ج 15، ص : 120

..........

______________________________
و أُجيب عنه كما في كلمات جماعة بأنّ الاجتزاء في المقام ليس من أجل الإلحاق و التعدِّي، بل لكونه مقتضى إطلاق الأدلّة، فالاستيعاب يحتاج إلى الدليل دون الاجتزاء و هو مفقود.

أقول: لا بدّ من التكلّم في موضعين: أحدهما: في وجود المقتضي للاستيعاب و عدمه. و الثاني: في أنّه بعد وجوده فهل هناك ما يمنع عنه.

أمّا الأوّل: فظاهر المشهور عدمه، لوجود الإطلاقات الدافعة لاحتمال الاستيعاب كما عرفت، لكنّه لا يتم، فان مقتضى الإطلاق في حدّ نفسه و إن كان ما ذكر، و لذا يصدق ضرب اليتيم باليد أو وضع اليد على الحائط و نحوهما حتّى لو فعل ذلك مع جزء من الكف و لا ينسبق منه المجموع، إلّا أنّ الظهورات ربّما تختلف باختلاف المتعلِّقات، و حيث إنّ المتعلِّق في المقام هو السجود دون مثل الضرب و نحوه، و المتعارف المعهود من السجود خارجاً إنّما هو وضع تمام الكف فينصرف الإطلاق إلى الاستيعاب لا محالة، فلم يبق للأمر ظهور يعتمد عليه في الإطلاق. نعم، المنصرف إليه إنّما هو الاستيعاب العرفي دون الحقيقي كما لا يخفى.

و يؤيِّده: بل يدل عليه صحيحة حماد «1» فإنّه و إن لم يذكر فيها أنّه (عليه السلام) سجد على تمام كفّه، لكنّا نقطع بأنّه (عليه السلام) لم يسجد في مقام التعليم على خلاف ما هو المتعارف من مراعاة الاستيعاب العرفي و إلّا لنقله إلينا حماد، فمن عدم النقل نقطع بأنّه (عليه السلام) سجد مستوعباً ثمّ قال (عليه السلام) في الذيل «يا حماد هكذا فصل». كما ذكرنا نظير هذا التقرير في السجود على باطن الكف على ما سبق «2». فالإنصاف أنّ المقتضي للاستيعاب تام‌

______________________________
(1) الوسائل 5: 459/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

(2) في ص 118.

121
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 4: لا يجب استيعاب باطن الكفين أو ظاهرهما بل يكفي المسمى و لو بالأصابع ؛ ج 15، ص : 120

..........

______________________________
و ترديد العلّامة في محله.

و أمّا الثاني: أعني وجود المانع عن هذا المقتضي، فيظهر من المحقِّق الهمداني «1» (قدس سره) أنّ المانع عنه هو التفريع المذكور في نصوص الجبهة التي منها و هي العمدة صحيحة زرارة «الجبهة كلّها من قصاص شعر الرأس إلى الحاجبين موضع السجود فأيّما سقط من ذلك إلى الأرض أجزأك ...» إلخ «2» فانّ الحكم بالاجتزاء بسقوط أيّ جزء المساوق لعدم وجوب الاستيعاب متفرِّعاً ذلك على بيان حدّ الجبهة بقوله (عليه السلام) «فأيّما» يعطي سريان الحكم إلى جميع المساجد و منها الكف و أنّه حكم عام قد طبّق على المقام، فالتفريع بمنزلة العلّة و كأن هناك صغرى و كبرى مطويّة، كأنه (عليه السلام) قال: هذا الحد كلّه مسجد، و كل مسجد يكفي فيه البعض، فيجتزى بكل ما سقط من الجبهة على الأرض.

و لكن الجواب عن هذا لعلّه ظاهر، فانّ الروايات ليست بصدد بيان عدم وجوب الاستيعاب، كيف و هذا من الواضحات الأوّلية التي يعرفها كل أحد حتّى الصبيان، فانّ الجبهة مستديرة و في مثلها يستحيل الاستيعاب، إلّا إذا كانت الأرض تراباً بحيث تغمس فيها الجبهة، و أمّا الصلب المسطح كما هو الأغلب فلا يعقل فيه ذلك و ليس قابلًا للبحث عن وجوبه و عدمه.

بل الرواية في مقام التوسعة في حدّ الجبهة، و أنّها صادقة على كل جزء ممّا بين الحاجبين إلى قصاص الشعر، و لا تختص بما يلي طرف الأنف مثلًا، و لأجله فرّع عليه جواز السجود على كل جزء منه، فالتفريع ناظر إلى التوسعة في الصدق، لا في مقام عدم وجوب الاستيعاب كي يستفاد منه ضابط كلِّي يشمل‌

______________________________
(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 342 السطر 8.

(2) الوسائل 6: 356/ أبواب السجود ب 9 ح 5.

122
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 4: لا يجب استيعاب باطن الكفين أو ظاهرهما بل يكفي المسمى و لو بالأصابع ؛ ج 15، ص : 120

..........

______________________________
عامّة المساجد كما أفاد (قدس سره). و يشهد لذلك قوله (عليه السلام) في ذيلها «مقدار الدرهم» أو «مقدار طرف الأنملة» فهل يحتمل الاكتفاء بذلك في الكفّين أيضا.

و لا ينافي هذا ما قدّمناه «1» من الاستدلال بهذه الصحيحة و نحوها على عدم وجوب الاستيعاب، فانّ المراد بذلك عدمه بالإضافة إلى الأجزاء الممكنة كما لا يخفى.

فالإنصاف: أنّ تردّد العلّامة في محله، إذ المقتضي تام و المانع مفقود، فمراعاة الاستيعاب العرفي لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه الأحوط.

و تؤيِّده: رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في حديث «قال: إذا سجدت فابسط كفّيك على الأرض» «2» فان دلالتها و إن تمّت لملازمة البسط للاستيعاب، و ظاهر الأمر الوجوب، و لا يقدح ذكر الأرض فإنّه من باب المثال قطعاً، لكون النظر مقصوراً على البسط، و ليست بصدد بيان ما يسجد عليه كي تدل على التقييد بالأرض الموجب للحمل على الاستحباب كما أُفيد لكنّها ضعيفة السند لضعف علي بن أبي حمزة، مضافاً إلى ضعف طريق الشيخ (قدس سره) إليه.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّ ما أفاده في المتن من كفاية وضع الأصابع فقط أو بعضها لا يمكن المساعدة عليه، لعدم تحقّق الاستيعاب العرفي معه سيّما في البعض منها.

و هل يكفي وضع خصوص الراحة؟

مقتضى ما ذكرناه من الاستيعاب هو العدم، لكن قد يستدلّ للجواز بما رواه العياشي عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) «أنّه سأله المعتصم عن السارق‌

______________________________
(1) في ص 109.

(2) الوسائل 6: 375/ أبواب السجود ب 19 ح 2.

123
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 4: لا يجب استيعاب باطن الكفين أو ظاهرهما بل يكفي المسمى و لو بالأصابع ؛ ج 15، ص : 120

كما لا يجزئ لو ضمّ أصابعه و سجد عليها مع الاختيار (1).

______________________________
من أيّ موضع يجب أن تقطع يده؟ فقال: إنّ القطع يجب أن يكون من مفصل أُصول الأصابع فيترك الكف. قال: و ما الحجّة على ذلك؟ قال: قول رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله): السجود على سبعة أعضاء: الوجه، و اليدين، و الركبتين و الرجلين. فاذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها. و قال اللّٰه
أَنَّ الْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها فَلٰا تَدْعُوا مَعَ اللّٰهِ أَحَداً و ما كان للّٰه فلا يقطع ...» الخبر «1».

و دلالة الرواية و إن كانت تامّة، لأنّ ظاهرها أنّ ما كان للّٰه لا يقطع شي‌ء منه و لا يقع عليه القطع، لا أنّه لا يقطع بتمامه، فيظهر أنّ الكف الّذي يجب السجود عليه يراد به خصوص الراحة، لكنّها ضعيفة السند من جهة الإرسال فلا يمكن الاعتماد عليها.

فظهر أنّ الأقوى عدم الاكتفاء بالراحة، بل اللّازم مراعاة الاستيعاب العرفي للكف كما مرّ، فلو وضع نصف تمام كفّه طولًا أو عرضاً لم يكن مجزيا.

(1) كما نفى عنه البعد في الجواهر، دافعاً لاحتمال كون الأصابع حينئذ بمنزلة البساط و الفراش بمنافاته للصدق العرفي «2» لكن هذا بناءً على كفاية المسمّى كما اختاره في المتن لا وجه له، إذ يقع حينئذ مقدار من الراحة بالإضافة إلى الأصابع المتعارفة على الأرض لا محالة، إلّا إذا فرض طول الأصابع بمثابة تستوعب الراحة لدى الضم الّذي هو فرد نادر و على خلاف المتعارف.

______________________________
(1) الوسائل 28: 252/ أبواب حدّ السرقة ب 4 ح 5، تفسير العياشي 1: 319/ 109.

(2) الجواهر 10: 146.

124
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 5: في الركبتين أيضا يجزئ وضع المسمى منهما ؛ ج 15، ص : 125

[مسألة 5: في الركبتين أيضاً يجزئ وضع المسمّى منهما]

[1613] مسألة 5: في الركبتين أيضاً يجزئ وضع المسمّى منهما و لا يجب الاستيعاب (1)، و يعتبر ظاهرهما دون الباطن (2) و الركبة مجمع عظمي الساق و الفخذ فهي بمنزلة المرفق من اليد (3).

______________________________
(1) لإطلاق الأدلّة، بل الاستيعاب الحقيقي متعذِّر من جهة استدارتها كما مرّ في الجبهة.

(2) بل لا يمكن وضع الباطن خصوصاً مع السجود على الإبهام.

(3) كما هو ظاهر معناها عرفاً و لغة، و عليه فمقتضى أصالة الإطلاق جواز السجود على أيّ جزء منها، سواء أ كان هو الجزء المتّصل بالساق أم المتّصل بالفخذ أم المحل المرتفع المتوسّط ما بينهما.

لكن يظهر من صاحب الجواهر (قدس سره) مراعاة الاحتياط بالسجود على الأخير و لو بالتمدد في الجملة، و أنّه المراد من عين الركبة الواقع في صحيحة حماد قال (قدس سره) بعد تفسير الركبة بما عرفت ما لفظه: فينبغي حال السجود وضع عينيهما و لو بالتمدد في الجملة في السجود كما فعله الصادق (عليه السلام) في تعليم حماد كي يعلم حصول الامتثال «1».

أقول: يرد عليه أوّلًا: أنّه لم يثبت أنّ المراد بعين الركبة ما ذكره من العظم المستدير المرتفع المتخلِّل بين الطرفين الّذي يتوقف السجود عليه على مزيد التمدد، بل ربما يظهر من بعض نصوص الركوع و غيرها أنّه الجزء المتّصل بالساق الّذي يقع جزء منه على الأرض لدى الجلوس مثنياً، و يكون أسفل من العضو المرتفع في حال القيام، و لا يحتاج إلى مزيد التمدد لدى السجود. ففي صحيح زرارة بعد بيان الاجتزاء في حدّ الركوع ببلوغ أطراف الأصابع إلى الركبتين‌

______________________________
(1) الجواهر 10: 139.

125
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 6: الأحوط في الإبهامين وضع الطرف من كل منهما دون الظاهر ؛ ج 15، ص : 126

[مسألة 6: الأحوط في الإبهامين وضع الطرف من كل منهما دون الظاهر]

[1614] مسألة 6: الأحوط في الإبهامين [1] وضع الطرف من كل منهما دون الظاهر أو الباطن منهما (1)

______________________________
قال (عليه السلام) «و أحبّ إليّ أن تمكن كفّيك من ركبتيك فتجعل أصابعك في عين الركبة»
«1».

فيظهر أنّ عين الركبة أسفل من ذاك العظم المستدير الّذي هو بمنزلة المرفق و لذا حثّ (عليه السلام) على مزيد الانحناء، و تمكين الكفّين من الركبتين بحيث تقع الأصابع على العضو الأسفل المتّصل بالساق الّذي عبّر (عليه السلام) عنه بعين الركبة.

و ثانياً: لو سلّم أنّ المراد بعين الركبة ما ذكره و سلم وقوعه في صحيحة حماد، مع أنّ النسخ مختلفة، و بعضها عارية عن لفظة «عين» لا دلالة فيها على وجوب ذلك و إن صدر منه (عليه السلام) كذلك، لتصريحه (عليه السلام) فيها على رواية الكافي «2» بأنّ الواجب من المساجد سبعة: و هي الجبهة و الكفّان، و الركبتان، و الإبهامان، فلو كان الواجب عينها و هو في مقام التحديد و التعليم و بصدد بيان تمام ما هو الواجب من مواضع السجود لقيّد الركبة بها، فيعلم أنّ صدوره منه (عليه السلام) من باب إيجاد الطبيعة في ضمن أحد الأفراد أو أفضلها، لا لوجوبه بالخصوص، سيّما مع اشتمال الصحيحة على جملة من المستحبّات، و منه تعرف عدم كون المقام من موارد حمل المطلق على المقيّد.

(1) أشرنا فيما سبق إلى أنّ الواجب إنّما هو السجود على خصوص الإبهامين‌

______________________________
[1] جواز وضع الظاهر أو الباطن منهما لا يخلو من قوّة.

______________________________
(1) الوسائل 5: 461/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 3.

(2) الوسائل 5: 461/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 2، الكافي 3: 311/ 8.

126
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 6: الأحوط في الإبهامين وضع الطرف من كل منهما دون الظاهر ؛ ج 15، ص : 126

..........

______________________________
فان نصوص المقام و إن اختلفت و قد عبّر في بعضها بالرجلين كما في صحيحة القداح
«1» لكن يجب تقييدها بالإبهامين المصرّح بهما في البعض الآخر كصحيحة زرارة «2» و حماد «3» و غيرهما، عملًا بصناعة الإطلاق و التقييد.

و هل الواجب وضع خصوص الطرف من الإبهام أو يتخيّر بينه و بين الظاهر أو الباطن؟

ذهب جمع إلى الأوّل، استناداً إلى صحيحة حماد المتضمِّنة أنّه (عليه السلام) سجد على أنامل إبهامي الرجلين. و في الجواهر أنّه أحوط بل لعلّه متعيِّن «4».

أقول: أمّا الاحتياط فممّا لا شك فيه، و أمّا التعيّن فلا، لقصور الصحيحة عن إثباته. أمّا أوّلًا: فلأنه لم يثبت أنّ الأنملة هي خصوص رأس الإصبع و طرفه بل يظهر من بعض أهل اللغة أنّها العقد الأخير من الأصابع.

و أمّا ثانياً: فعلى تقدير التسليم لا يدل فعله (عليه السلام) على الوجوب لتصريحه (عليه السلام) فيها عند عدّ المساجد على رواية الكافي بالإبهامين «5» كما قدّمنا نظير هذا آنفاً في الركبتين، فالأقوى جواز السجود على كل من الطرف أو الظاهر أو الباطن، لصدق الإبهام على الجميع و إن كان الأوّل أحوط و أمّا ما عن الموجز «6» من اعتبار وضع ظاهر الأصابع فلم يظهر له مستند أصلا.

______________________________
(1) الوسائل 6: 345/ أبواب السجود ب 4 ح 8.

(2) الوسائل 6: 343/ أبواب السجود ب 4 ح 2.

(3) الوسائل 5: 459/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

(4) الجواهر 10: 141.

(5) الوسائل 5: 461/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 2، الكافي 3: 311/ 8.

(6) الموجز (الرسائل العشر): 81.

127
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 7: الأحوط الاعتماد على الأعضاء السبعة بمعنى إلقاء ثقل البدن عليها ؛ ج 15، ص : 128

و من قطع إبهامه يضع ما بقي منه (1) و إن لم يبق منه شي‌ء أو كان قصيراً يضع سائر أصابعه [1]. و لو قطع جميعها يسجد على ما بقي من قدميه، و الأولى و الأحوط ملاحظة محل الإبهام.

[مسألة 7: الأحوط الاعتماد على الأعضاء السبعة بمعنى إلقاء ثقل البدن عليها]

[1615] مسألة 7: الأحوط الاعتماد على الأعضاء السبعة (2) بمعنى إلقاء ثقل البدن عليها، و إن كان الأقوى عدم وجوب أزيد من المقدار الّذي يتحقّق معه صدق السجود، و لا يجب مساواتها في إلقاء الثقل و لا عدم مشاركة غيرها معها من سائر الأعضاء كالذراع و باقي أصابع الرجلين.

______________________________
(1) لصدق الإبهام عليه فيشمله الإطلاق. و أمّا ما أفاده (قدس سره) من وجوب وضع سائر الأصابع لو لم يبق من الإبهام شي‌ء، أو كان قصيراً في حدّ نفسه بحيث فرض عدم التمكن من السجود عليه و ان كان الفرض نادراً إذ لا أقل من جعل سائر الأصابع في حفيرة و السجود على الإبهام الخارجة عنها و أنّه عند قطع الجميع يسجد على ما بقي من قدميه مع ملاحظة محل الإبهام فكل ذلك مبني على الاحتياط، إذ ليس له مستند صحيح عدا ما يتوهّم من قاعدة الميسور التي هي ممنوعة كبرى كما مرّ مراراً، و كذا صغرى، لمباينة بقية الأصابع مع الإبهام، و كذا سائر القدم، فكيف تعد ميسوراً منه و من مراتبه كما قدّمنا مثل ذلك في باطن الكف و ظاهرها
«1».

(2) بل هو الأقوى، لما مرّ مراراً من تقوّم مفهوم السجود عرفاً و دلّت عليه بعض النصوص أيضاً بالوضع المتوقف صدقه على الاعتماد و إلقاء الثقل، فلا يكفي مجرّد المماسة، كما لو علّق بحبل و نحوه، أو جعل سناداً تحت بطنه أو‌

______________________________
[1] هذا الحكم و ما بعده مبني على الاحتياط.

______________________________
(1) في ص 119.

128
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 8: الأحوط كون السجود على الهيئة المعهودة ؛ ج 15، ص : 129

[مسألة 8: الأحوط كون السجود على الهيئة المعهودة]

[1616] مسألة 8: الأحوط كون السجود على الهيئة المعهودة (1)، و إن كان الأقوى كفاية وضع المساجد السبعة بأيّ هيئة كان ما دام يصدق السجود كما إذا ألصق صدره و بطنه بالأرض، بل و مدّ رجله أيضاً، بل و لو انكبّ على وجهه لاصقاً بالأرض مع وضع المساجد بشرط الصدق المذكور، لكن قد يقال بعدم الصدق [1] و أنّه من النوم على وجهه.

______________________________
صدره مع لصوق المساجد السبعة بالأرض من دون اعتماد عليها، فانّ ذلك ليس من السجود على الأعضاء السبعة في شي‌ء. نعم لا يلزم انحصار الثقل بها فلا يقدح مشاركة غيرها معها في الثقل كالذراع و السناد و نحوهما، للإطلاق كما لا تعتبر مساواة الأعضاء في ذلك، فلو كان ثقله على إحدى ركبتيه أو يديه أكثر لم يكن قادحاً، لما عرفت من الإطلاق.

(1) فإنّ الظاهر أنّ حقيقة السجود تتقوّم بهيئة خاصّة و هي المتعارفة المعهودة المقابلة للركوع و القيام و القعود و الاضطجاع و نحوها من سائر الهيئات، فلا يكفي مجرد وضع المساجد كيف ما اتّفق من دون مراعاة هذه الهيئة، كما لو انكبّ على وجهه فإنّه نوم لا سجود و إن حصل معه وضع الأعضاء السبعة على الأرض، فليس كل وضع سجوداً، بل السجود يعتبر فيه الوضع المزبور فالنسبة بينهما عموم مطلق.

فما حكاه في المتن عن بعض من عدم صدق السجود في هذه الصورة، و أنّه من النوم على وجهه هو الصحيح الّذي لا ينبغي الرّيب فيه. نعم، بعد تحقّق الهيئة السجودية لا يعتبر مساواة الأعضاء من حيث التقديم و التأخير، بأن تكون على نسق واحد، فلا ضير في تقديم إحدى الركبتين أو الرجلين على‌

______________________________
[1] الظاهر صحّة هذا القول.

129
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 9: لو وضع جبهته على موضع مرتفع أزيد من المقدار المغتفر ؛ ج 15، ص : 130

[مسألة 9: لو وضع جبهته على موضع مرتفع أزيد من المقدار المغتفر]

[1617] مسألة 9: لو وضع جبهته على موضع مرتفع (1) أزيد من المقدار المغتفر كأربع أصابع مضمومات فان كان الارتفاع بمقدار لا يصدق معه السجود عرفاً جاز رفعها و وضعها ثانياً، كما يجوز جرّها [1] و إن كان بمقدار يصدق معه السجدة عرفاً فالأحوط الجرّ لصدق زيادة السجدة مع الرفع، و لو لم يمكن الجرّ فالأحوط الإتمام و الإعادة.

______________________________
الأُخرى، أو وضع إحدى اليدين دون الجبهة، و الأُخرى أعلى منها مع فرض مراعاة الاستقبال لإطلاق الأدلّة.

(1) قسّمه (قدس سره) على قسمين: فتارة يكون الارتفاع بمثابة لا يصدق معه السجود العرفي، و أُخرى يصدق عرفاً و لكنّه لا يصدق شرعاً لزيادته عن اللبنة يسيراً، كما لو كان الارتفاع بمقدار خمس أصابع مثلًا، فانّ السجود العرفي صادق حينئذ، و إنكاره كما عن صاحب الجواهر (قدس سره) «1» زاعماً أنّ المساواة شرط في مفهوم السجود العرفي لم نتحقّقه بل ممنوع كما لا يخفى.

أمّا القسم الأوّل، فقد يكون الوضع كذلك عمداً، و أُخرى سهوا.

أمّا في صورة العمد، فلا ينبغي الإشكال في البطلان إذا كان ذلك بقصد الجزئية لصدق الزيادة العمدية، فيشمله قوله (عليه السلام): «من زاد في صلاته فعليه الإعادة» «2» إذ لا يعتبر في صدق الزيادة أن يكون الزائد من سنخ أجزاء‌

______________________________
[1] فيه إشكال، و الأظهر وجوب الرفع و وضع الجبهة على أرض غير مرتفعة و الأحوط إعادة الصلاة بعد إتمامها.

______________________________
(1) الجواهر 10: 153.

(2) الوسائل 8: 231/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 2.

130
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 9: لو وضع جبهته على موضع مرتفع أزيد من المقدار المغتفر ؛ ج 15، ص : 130

..........

______________________________
الصلاة، بل كل ما أتى به بعنوان الجزئية و لم يكن جزءاً كان زائداً في الصلاة سواء أ كان من أجزائها أم لا كما في المقام، حيث إنّ الزائد ليس من السجود في شي‌ء حسب الفرض، فالزيادة صادقة من الآن سواء سجد بعدئذ أم لا.

كما لا ينبغي الإشكال في الصحّة إذا لم يقصد به الجزئية، بل أتى به بداع آخر من حك الجبهة و نحوه، لعدم صدق الزيادة بعد تقوّمها بالقصد المزبور، فغايته أنّه عمل عبث في الصلاة لا ضير فيه بعد أن لم يكن ماحياً لصورتها، فلو رفع رأسه و أتى بالسجود الشرعي بعده صحّت صلاته.

إنّما الكلام في صورة السهو، فهل يتعيّن عليه الرفع حينئذ و الوضع ثانياً في المكان السائغ أم يجزيه الجر إليه فهو مخيّر بين الأمرين؟

اختار الثاني في المتن، و الأقوى هو الأوّل، لما عرفت سابقاً «1» من أنّ المعتبر في السجود إحداث الوضع و سقوط الجبهة على الأرض، فلا ينفعه الجر، فإنّه إبقاء للوضع السابق و ليس إحداثاً لوضع جديد، فلا مناص من الرفع مقدّمة للاحداث و لا ضير فيه، إذ لا يترتّب عليه زيادة السجدة، إذ الأُولى لم تكن من السجود في شي‌ء حتّى عرفاً فلم يتكرّر كي يكون زائداً، على أنّ زيادة السجدة الواحدة سهواً مغتفرة بلا إشكال.

و تؤيِّده رواية الحسين بن حماد قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أسجد فتقع جبهتي على الموضع المرتفع، فقال: ارفع رأسك ثمّ ضعه» «2» لكنّها ضعيفة السند، فانّ الحسين بن حماد لم يوثق و إن كان السند من غير ناحيته صحيحاً فإن أبا مالك الحضرمي هو الضحّاك الّذي وثّقه النجاشي، بل قال إنّه ثقة ثقة «3»

______________________________
(1) في ص 114.

(2) الوسائل 6: 354/ أبواب السجود ب 8 ح 4.

(3) رجال النجاشي: 205/ 546.

131
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 9: لو وضع جبهته على موضع مرتفع أزيد من المقدار المغتفر ؛ ج 15، ص : 130

..........

______________________________
و من هنا لا تصلح إلّا للتأييد
«1»، هذا.

و ربما يستدل على وجوب الجر بصحيحة معاوية بن عمار قال «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): إذا وضعت جبهتك على نبكة فلا ترفعها و لكن جرّها على الأرض» «2». و النبكة هي التل محدّداً كان أم لا. فان مقتضى إطلاقها وجوب الجر و عدم جواز الرفع، سواء أ كان الموضع ممّا يتحقّق معه السجود العرفي أم لا.

و يندفع بأنّ الرواية و إن كانت صحيحة من حيث السند، إذ أنّ محمّد بن إسماعيل الّذي يروي عن الفضل بن شاذان و يروي عنه الكليني كثيراً و إن لم يوثق في كتب الرِّجال، لكن يكفي وقوعه في كامل الزيارات بعين هذا السند لكنّها قاصرة الدلالة بالإضافة إلى المقام، إذ الظاهر انصرافها إلى ما صدق معه السجود العرفي، لأنّ سياقها يشهد بأنّ المانع هو خصوص العلو مع تحقّق الوضع المعتبر في السجود العرفي، و إلّا فمع عدم تحقّقه كان المعنى هكذا: إذا لم تسجد فاسجد و هو كما ترى. فالإنصاف أنّ الصحيحة ناظرة إلى القسم الثاني و ليست من المقام. فظهر أنّ المتعيِّن في هذا القسم تعيّن الرفع و ليس له الجر.

و أمّا القسم الثاني، فقد يكون أيضاً عن عمد و أُخرى عن سهو.

أمّا العمد، فلا ينبغي الإشكال في البطلان، سواء أقصد به الجزئية أم لا لصدق الزيادة العمدية. أمّا في الأوّل فظاهر ممّا مرّ، و كذا الثاني لما استفيد ممّا دلّ على المنع عن تلاوة آية العزيمة في الصلاة معلِّلًا بأنّها زيادة في المكتوبة‌

______________________________
(1) لا يبعد انصرافها إلى ما صدق معه السجود العرفي على حذو ما أفاده (دام ظلّه) في صحيحة معاوية الآتية فتكون خارجة عن محل الكلام، مضافاً إلى معارضتها في موردها بروايته الأُخرى الآتية.

(2) الوسائل 6: 353/ أبواب السجود ب 8 ح 1.

132
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 9: لو وضع جبهته على موضع مرتفع أزيد من المقدار المغتفر ؛ ج 15، ص : 130

..........

______________________________
مع أنّ المأتي به حينئذ سجود التلاوة دون الصلاة من أنّ السجود و يلحقه الركوع بالأولوية يمتاز عن غيره بعدم اعتبار قصد الجزئية في اتِّصافه بعنوان الزيادة، فتشمله أدلّة الزيادة القادحة من غير انتظار للرفع و الوضع ثانياً، فان هذا العنوان صادق من الآن و منطبق على الوضع الأوّل المتحقق معه السجود العرفي على الفرض من حين تحقّقه و لا يناط بتكرّره. و أمّا الجر تحقيقاً للسجود المأمور به فلا يكاد ينفع، لاعتبار الأحداث في الوضع على ما دون اللبنة المتقوّم به السجود المزبور كما يفصح عنه قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن سنان «إذا كان موضع جبهتك مرتفعاً عن موضع بدنك قدر لبنة فلا بأس»
«1» فاعتبرت المساواة في موضع الجبهة أي محل وضعها، فلا بدّ أن يكون الوضع حادثاً في المكان المساوي، و من الواضح أنّ هذا العنوان لا يتيسّر بالجر فإنّه إبقاء للوضع السابق لا إحداث للوضع على ما دون اللبنة ابتداءً، اللّازم رعايته بمقتضى الصحيحة، و هي و إن دلّت على اعتبار الحدوث في موضع البدن أيضاً بمقتضى وحدة السياق فلا ينفع الجر فيه، كما لم ينفع في موضع الجبهة، لكن ثبت الاكتفاء فيه من الخارج بالقطع و الإجماع و هو الفارق بين الموضعين. فلا مناص في المقام من الحكم بالبطلان الّذي هو مطابق للقاعدة.

فما في بعض الكلمات من الحكم بالصحّة مع الجر و أنّه المطابق للقاعدة مستشهداً عليه بصحيحة معاوية بن عمار المتقدِّمة: «إذا وضعت جبهتك على نبكة فلا ترفعها و لكن جرها على الأرض»، فيه: ما لا يخفى، فإنّ القاعدة قد عرفت حالها. و أمّا الصحيحة فليست ممّا نحن فيه، لانصرافها عن صورة العمد، كما يكشف عنه قوله (عليه السلام): «فلا ترفعها»، فإنّ النهي عن الرفع إنّما يتّجه مع وجود المقتضي له، كما لو أراد‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 358/ أبواب السجود ب 11 ح 1.

133
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 9: لو وضع جبهته على موضع مرتفع أزيد من المقدار المغتفر ؛ ج 15، ص : 130

..........

______________________________
الوضع في مكان فنسي أو أخطأ فوضع في مكان آخر ثمّ تذكّر، فإنّ المقتضي للرفع و تجديد الوضع حاصل في مثله جرياً على إرادته السابقة و تنفيذاً للقصد الأوّل الّذي عنه ذهل، بخلاف صورة العمد إذ لم يقصد ما عداه، فلا مقتضي للرفع كي ينهى عنه كما لا يخفى.

و على الجملة: فالصحيحة لا تشمل المقام، و الجر لا يوجب الاحداث، و الرفع لا أثر له بعد تحقّق الزيادة، فلا محيص عن الحكم بالبطلان عملًا بالقواعد السليمة عن المخصص، هذا كلّه في العمد.

و أمّا السهو، فمقتضى القاعدة وجوب الرفع و عدم الاجتزاء بالجر، أمّا الثاني، فلما عرفت من حديث الاحداث. و أمّا الأوّل، فلعدم محذور فيه غايته زيادة سجدة واحدة سهواً و هي مغتفرة بلا إشكال، لكنّا نخرج عن مقتضاها استناداً إلى صحيحة معاوية بن عمار المتقدِّمة الناهية عن الرفع، و الآمرة بالجر فتكون مخصّصة للقاعدة لا محالة.

و تؤيِّده: رواية الحسين بن حماد الأُخرى قال: «قلت له (عليه السلام) أضع وجهي للسجود فيقع وجهي على حجر أو على موضع مرتفع أُحول وجهي إلى مكان مستو، فقال: نعم، جر وجهك على الأرض من غير أن ترفعه» «1» لكنّها ضعيفة السند لعدم توثيق الحسين كما مرّ، و إن كان الراوي عنه هنا عبد اللّٰه بن مسكان الّذي هو من أصحاب الإجماع، لما تكرّر في مطاوي هذا الشرح من أنّ كون الراوي من أصحاب الإجماع لا يقتضي إلّا وثاقته في نفسه لا توثيق من يروي عنه، و من هنا لا تصلح الرواية إلّا للتأييد.

على أنّه يمكن النقاش في دلالتها باحتمال كونها ناظرة إلى ما إذا تحقّق معه السجود العرفي و الشرعي، فلم يكن الارتفاع في موضع الجبهة أزيد من اللبنة‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 353/ أبواب السجود ب 8 ح 2.

134
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 10: لو وضع جبهته على ما لا يصح السجود عليه يجب عليه الجر ؛ ج 15، ص : 135

[مسألة 10: لو وضع جبهته على ما لا يصح السجود عليه يجب عليه الجر]

[1618] مسألة 10: لو وضع جبهته على ما لا يصح السجود عليه (1) يجب عليه الجر [1] و لا يجوز رفعها، لاستلزامه زيادة السجدة و لا يلزم من الجرّ ذلك، و من هنا يجوز له ذلك مع الوضع على ما يصح أيضاً لطلب

______________________________
غير أنّه أراد الرفع طلباً للاستقرار الحقيقي و تحرِّياً للفرد الأفضل، فيكون خارجاً عن محل الكلام.

هذا كلّه إذا تمكّن من الجر، و أمّا مع عدم التمكّن فالظاهر البطلان، فان وجوب الجر ساقط بعد فرض العجز فهو مرفوع بحديث نفي الاضطرار، و لا سبيل إلى الرفع لإطلاق النهي عنه في صحيحة معاوية الشامل للمقام حيث دلّت على أنّ الوظيفة ليست هي الرفع، و إطلاقها يشمل العجز عن الجر، فلا مناص من الحكم بالبطلان.

و التصدِّي للتصحيح بدعوى أنّ الساقط خصوص جزئية الجر بمقتضى حديث نفي الاضطرار، فلا موجب لعدم الاكتفاء بالباقي، يدفعه أنّ الحديث لا يقتضي تعلّق الأمر بالباقي، فإن رفع الجزئية إنّما هو برفع منشأ الانتزاع و هو الأمر المتعلِّق بالمركب، و بعد سقوطه يحتاج تعلّق الأمر بما عداه من الأجزاء إلى دليل مفقود كما تعرّضنا لذلك في الأُصول «1» فلا محيص عن الاستئناف و إعادة الصلاة.

(1) أمّا إذا كان ذلك عن قصد و عمد فلا ينبغي الشك في البطلان سواء أقصد به الجزئية أم لا، من جهة الزيادة العمدية الحاصلة بمجرد تحقّق السجود‌

______________________________
[1] بل يجب عليه الرفع و الوضع ثانياً، و لو كان الالتفات بعد رفع الرأس وجبت إعادة السجدة، و الأحوط في جميع ذلك إعادة الصلاة بعد إتمامها.

______________________________
(1) مصباح الأُصول 2: 267.

135
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 10: لو وضع جبهته على ما لا يصح السجود عليه يجب عليه الجر ؛ ج 15، ص : 135

الأفضل أو الأسهل و نحو ذلك، و إذا لم يمكن إلّا الرفع، فان كان الالتفات إليه قبل تمام الذكر فالأحوط الإتمام ثمّ الإعادة، و إن كان بعد تمامه فالاكتفاء به قوي كما لو التفت بعد رفع الرأس، و إن كان الأحوط الإعادة أيضا.

______________________________
على ما لا يصح من غير توقف على الرفع و تجديد الوضع كما عرفت في المسألة السابقة.

و أمّا إذا كان سهواً فالظاهر وجوب الرفع و الوضع ثانياً على ما يصح، إذ لا يترتّب عليه عدا زيادة سجدة واحدة سهواً و هي غير قادحة بلا إشكال. و قد عرفت أنّ الجر على خلاف القاعدة، إذ لا يتحقّق معه الاحداث المعتبر في الوضع المتقوّم به السجود، و إنّما قلنا به في المسألة السابقة من أجل النص غير الشامل للمقام كما هو ظاهر، فوجوب الرفع هنا مطابق للقاعدة السليمة عن المخصّص.

و يؤيِّده: ما رواه الطبرسي في الاحتجاج عن الحميري عن صاحب الزمان (عليه السلام) «أنّه كتب إليه يسأله عن المصلِّي يكون في صلاة الليل في ظلمة فإذا سجد يغلط بالسجادة و يضع جبهته على مسح أو نطع فاذا رفع رأسه وجد السجادة، هل يعتد بهذه السجدة أم لا يعتد بها؟ فكتب إليه في الجواب: ما لم يستو جالساً فلا شي‌ء عليه في رفع رأسه لطلب الخمرة» «1».

و نوقش فيها تارة من حيث السند، إذ أنّ الطبرسي يرويها عن الحميري مرسلا.

و أُخرى: من حيث المضمون و اضطراب المتن، لعدم استقامة الجواب في حدّ نفسه، إذ بعد فرض عدم استوائه في جلوسه الملازم لرفع رأسه فأيّ معنى‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 354/ أبواب السجود ب 8 ح 6، الاحتجاج 2: 570.

136
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 10: لو وضع جبهته على ما لا يصح السجود عليه يجب عليه الجر ؛ ج 15، ص : 135

..........

______________________________
بعدئذ لقوله (عليه السلام): «لا شي‌ء عليه في رفع رأسه لطلب الخمرة» و هل هذا إلّا من تحصيل الحاصل. على أنّ الجواب غير مطابق للسؤال، فانّ المسئول عنه هو الاعتداد بتلك السجدة و عدمه، فالجواب بعدم البأس في رفع الرأس لا ينطبق عليه، إذ لم يظهر بعدُ حكم الاعتداد الواقع في السؤال.

و يمكن الجواب عن الأوّل: بأنّها و إن كانت مرسلة في هذا السند لكن الشيخ رواها في كتاب الغيبة بسند صحيح «1» كما نبّه عليه صاحب الوسائل (قدس سره) في المقام حيث قال: و رواه الشيخ في كتاب الغيبة بالإسناد الآتي و سنده (قدس سره) إلى الحميري بوساطة محمّد بن أحمد بن داود القمي الّذي هو من أجلّاء الأصحاب كما ذكره النجاشي «2» و الشيخ (قدس سره) و إن لم يدركه لأنّه توفي قبل ولادة الشيخ، لكنّه يروي عنه بواسطة مشايخه كالغضائري و ابن عبدون و غيرهما كما صرّح به في الفهرست «3».

و عن الثاني: بأنّ في الكلام تقديماً و تأخيراً حيث إنّ قوله (عليه السلام) «ما لم يستو ...» إلخ متعلِّق بقوله (عليه السلام): «فلا شي‌ء عليه»، فكأنه قال هكذا: لا شي‌ء عليه في رفع رأسه لطلب الخمرة ما لم يستو جالساً. فرخص (عليه السلام) في رفع الرأس بمقدار يسير و مشروطاً بأن لا يستوي جالساً، لا أنّه قبل الاستقرار رخص في رفع الرأس كي يكون من تحصيل الحاصل، فليست الجملة شرطية، بل القيد راجع إلى الذيل كما عرفت.

و منه يظهر الجواب عن عدم المطابقة للسؤال، إذ بعد حكمه (عليه السلام) برفع الرأس طلباً للخمرة يظهر أنّه لا يعتد بتلك السجدة و إلّا لم يكن له الرفع حتّى يسيراً كما لا يخفى.

______________________________
(1) الغيبة: 380/ 346.

(2) رجال النجاشي: 384/ 1045.

(3) الفهرست: 136/ 592.

137
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 10: لو وضع جبهته على ما لا يصح السجود عليه يجب عليه الجر ؛ ج 15، ص : 135

..........

______________________________
فالإنصاف: أنّ الرواية صحيحة السند ظاهرة المتن من غير تشويش و لا يرد عليها شي‌ء ممّا ذكر، و لكنّها مع ذلك لا تصلح للمقام إلّا تأييداً، و لا يمكن الاستدلال بها، فان موردها صلاة الليل الظاهرة في نافلته، و هي لمكان الاستحباب قد يغتفر فيها ما لا يغتفر في الفرائض، لابتنائها على الإرفاق و التسهيل، و ربّما لا يعتبر فيها ما يعتبر في الفرائض كما يشهد به بعض المقامات و لعل المقام منها، فلا يمكن التعدِّي عن موردها كما أشار إليه في الجواهر
«1».

و كيف ما كان، ففيما ذكرناه من التمسّك بالقاعدة التي مقتضاها وجوب الرفع مقدّمة لتحقيق السجود المأمور به غنى و كفاية، و لا حاجة إلى هذه الرواية، و قد عرفت أنّ غاية ما هناك زيادة سجدة واحدة و أنّها حاصلة بمجرد الوضع السابق، و لم تكن مترتِّبة على الرفع و الوضع ثانياً، و حيث إنّها سهوية لم تكن قادحة. فما ذكره في المتن من المنع عن الرفع معلِّلًا باستلزامه زيادة السجدة و لا يلزم من الجر ذلك في غير محلّه.

كما أنّ قياسه المقام على ما لو سجد على ما يصح فأراد الجر طلباً للأفضل أو الأسهل الجائز بلا إشكال مع الفارق، بداهة حصول السجود المأمور به في المقيس عليه من غير خلل فيه، فالتصدِّي للجر طلباً للأفضل ممّا لا ضير فيه و قد دلّت عليه أيضاً رواية صحيحة، و أمّا في المقام فغير حاصل، لما عرفت من لزوم إحداث الوضع على ما يصح مباشرة و لم يتحقّق على الفرض، و الجر غير نافع في تحقيقه فإنّه إبقاء للوضع السابق و ليس إحداثاً لوضع جديد، و إلّا فلو بني على كفاية الجر في تحقيق السجود المأمور به كان اللّازم الاكتفاء به حتّى في صورة العمد و الاختيار، فله أن يضع جبهته على ما لا يصح عالماً عامداً ثمّ يجره إلى ما يصح السجود عليه، و لا يظن أن يلتزم به الفقيه.

فيكشف هذا كشفاً قطعياً عن عدم تحقّق السجود المأمور به من أجل فقده‌

______________________________
(1) الجواهر 10: 162.

138
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 10: لو وضع جبهته على ما لا يصح السجود عليه يجب عليه الجر ؛ ج 15، ص : 135

..........

______________________________
شرط الاحداث، و أنّه لا يكاد يمكن تحصيله إلّا بالرفع، و أنّ ما وقع سجود عرفي بحت لا يمكن تتميمه بالجر، و بما أنّه لم يكن من أجزاء الصلاة فيقع على صفة الزيادة لا محالة من لدن وقوعه سواء أ تعقب بالرفع أم لا، فالزيادة حاصلة على كل حال، و حيث إنّه كان مستنداً إلى السهو فزيادته غير قادحة.

و ملخص الكلام مع تنقيح المقام: أنّ من وقعت جبهته على ما لا يصح فقد يكون الالتفات قبل رفع الرأس، و أُخرى بعده فهنا فرعان.

أمّا الفرع الأوّل ففيه قولان: وجوب الجر كما اختاره في المتن تبعاً للجواهر «1» بل نسب ذلك إلى المشهور، و وجوب الرفع كما اختاره في الحدائق «2». و مبنى القولين بعد وضوح عدم نص في البين عدا التوقيع الّذي عرفت حاله، فلا بدّ من الجري على ما تقتضيه القواعد أنّ اعتبار السجود على ما يصح هل من شرائط المكان و قيد معتبر في محل الجبهة سواء أحصل ذلك حدوثاً أم بقاءً، أو انّه قيد ملحوظ في نفس السجود و أنّ اللّازم هو الوضع على ما يصح ابتداءً و وقوع الجبهة عليه حدوثاً، و لا يكفي بقاءً و استدامة.

فعلى الأوّل: تعيّن الجر، إذ السجود الحاصل و إن لم يكن بعدُ شرعياً و من أجزاء الصلاة إلّا انّه لمكان صلوحه لذلك و لو بمعونة الجر لفرض كفاية البقاء لم يكن موصوفاً بالزيادة، و انّما يتّصف بها بعد الرفع و الوضع ثانياً و لأجل ذلك لا يجوز الرفع لاستلزامه زيادة السجدة عمداً، إذ كان في وسعه الاقتصار على هذه السجدة و تتميمها، فباختياره زاد سجدة أُخرى. فلا مناص من وجوب الجر حذراً عن هذا المحذور المترتِّب على الرفع كما علّله به في المتن.

و على الثاني: تعيّن الرفع، إذ بعد فرض اعتبار الاحداث فهذا السجود غير قابل للإصلاح، و لا يمكن عدّه من أجزاء الصلاة إذ لا ينفعه الجر كما مرّ، و لازمه‌

______________________________
(1) الجواهر 10: 159.

(2) الحدائق 8: 287.

139
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 10: لو وضع جبهته على ما لا يصح السجود عليه يجب عليه الجر ؛ ج 15، ص : 135

..........

______________________________
اتِّصافه بالزيادة حينما وقع سواء أ تعقبه الرفع و الوضع أم لا، فالزيادة حاصلة على كل حال، و حيث إنّها سهوية لم تكن قادحة. فلا مناص من تعيّن الرفع و الإتيان بالسجدة المأمور بها، هذا.

و لأجل أنّ المتعيِّن هو المبنى الثاني لما استفيد من النصوص من اعتبار الحدوث لمكان التعبير بالسقوط و الوضع و نحوهما الظاهر في ذلك فالأقوى هو الرفع و عدم كفاية الجر، و إلّا لانتقض بصورة العمد الّذي لا يظن أن يلتزم به الفقيه كما مرّت الإشارة إليه.

هذا كلّه مع التمكّن من الجر، و أمّا مع العجز عنه فبناءً على المختار من وجوب الرفع عند التمكن فمع العجز بطريق أولى كما لا يخفى.

و أمّا بناءً على المسلك الآخر فالمشهور وجوب الرفع حينئذ، بل في المدارك «1» دعوى الإجماع عليه و هو الظاهر من عبارة المتن و إن احتاط بالإعادة بعد الإتمام، إذ يبعد إرادته الإتمام من غير رفع و إلّا لم يكن وجه لقوله: و إذا لم يمكن إلّا الرفع، بل كان الأحرى أن يقول: و إذا لم يمكن الجر، فيظهر من هذا التعبير المشعر بالعناية بالرفع لزوم مراعاته، و هو الّذي ادّعى في المدارك الإجماع عليه كما عرفت. و حينئذ ينافيه ما تقدّم منه (قدس سره) في المسألة الثامنة و العشرين من فصل مسجد الجبهة «2» من الجزم بالبطلان. على انّه (قدس سره) صرّح في المقام بالاكتفاء لو كان التذكّر بعد استكمال الذكر مع انّه (قدس سره) جزم بالبطلان هناك و إن خصّه بالسعة.

و كيف ما كان، فسواء أراده الماتن أم لا، يتوجّه على القائلين بالرفع ما اعترضه شيخنا الأنصاري (قدس سره) «3» من أنّه بعد البناء على استلزامه‌

______________________________
(1) راجع المدارك 3: 409.

(2) شرح العروة 13: 182 المسألة [1376].

(3) كتاب الصلاة: 170.

140
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 10: لو وضع جبهته على ما لا يصح السجود عليه يجب عليه الجر ؛ ج 15، ص : 135

..........

______________________________
لزيادة السجدة كما اعترف به الماتن و غيره، فمن الضروري عدم الفرق في ذلك بين صورتي التمكن من الجر و عدمه.

و عليه فكيف يمكن الالتزام في المقام بوجوب الرفع تحصيلًا لقيد معتبر في السجود و هو الوضع على ما يصح، و هل يمكن المصير إلى إيجاد مانع مقدّمة لتحصيل شرط، فلا مناص إمّا من إنكار المبنى فيلتزم بوجوب الرفع في كلتا الصورتين كما هو الصحيح أو البناء على البطلان في المقام فإنّه المتعيِّن لو سلّم الاستلزام المزبور، فالتفكيك مع الاعتراف بالمبنى غير ظاهر الوجه.

هذا، و قد يحتمل في المقام قول ثالث و هو البناء على صحّة الصلاة و إتمامها على هذه الحالة من دون رفع، فانّ الجر ساقط لفرض العجز، و الرفع موجب للزيادة، فيدور الأمر بين الصحّة و الإتمام كذلك و بين البطلان، لكن الأخير منفي بحديث لا تعاد، إذ الخلل لم ينشأ من قبل السجود كي يندرج في عقد الاستثناء، و إنّما هو في قيد معتبر فيه و هو الوضع على ما يصح، فيشمله عموم المستثنى منه، فذات السجود قد اتي به، و إنّما الخلل في واجب آخر معتبر فيه فليس حاله إلّا كالإخلال بالذكر أو الاطمئنان، أو وضع سائر المساجد الّذي هو مشمول لعموم الحديث بلا ارتياب، فيتعيّن الحكم بالصحّة.

و لعل فتوى الماتن بها لو كان الالتفات بعد استكمال الذكر حيث قال: و إن كان بعد تمامه فالاكتفاء به قوي، ناظر إلى هذا القول غير الجاري فيما لو كان التذكر قبل الاستكمال، لعدم تكفّل الحديث لتشريع الذكر حال فقد القيد و لأجله فصّل (قدس سره) بين الصورتين و إلّا فلم يظهر وجه للتفكيك أصلًا كما لا يخفى.

و لكنّه لا يتم أمّا أوّلًا: فلأنّ السجود بمفهومه العرفي و إن كان هو مطلق وضع الجبهة على الأرض، لكن الّذي اعتبره الشارع في الصلاة هو حصّة خاصّة منه و هو الوضع على ما يصح السجود عليه فهو الجزء بخصوصه دون غيره‌

141
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 10: لو وضع جبهته على ما لا يصح السجود عليه يجب عليه الجر ؛ ج 15، ص : 135

..........

______________________________
فالإخلال بهذا القيد إخلال بذات الجزء، فلو سجد على ما لا يصح فقد ترك الجزء نفسه، إذ ما أتى به لم يكن جزءاً، و ما هو الجزء لم يأت به، و من الواضح أنّ السجود المستثنى في حديث لا تعاد و كذا الركوع لا يراد به إلّا السجود المعدود من أجزاء الصلاة، أعني السجود الشرعي المأمور به دون ذاته بما له من المفهوم العرفي، و من هنا لو انحنى مقداراً تحقّق معه الركوع العرفي و لم يبلغ الحد الشرعي نسياناً ثمّ تذكّر لا ينبغي الشك في بطلان الصلاة، و لا مجال لتصحيحها بالحديث، مع أنّ المتروك حينئذ إنّما هو قيد الركوع و حدّه الشرعي لا ذاته، و قياسه بالذكر و نحوه في غير محله، إذ تلك الأُمور واجبات معتبرة حال السجود و ليست قيداً مأخوذاً في ذات المأمور به.

و على الجملة: فالإخلال بالقيد في المقام إخلال بنفس السجود لا بواجب آخر، فيندرج في عقد الاستثناء دون المستثنى منه.

و أمّا ثانياً: سلّمنا أنّ المراد بالسجود في الحديث هو ذاته و معناه العرفي دون الشرعي، إلّا أنّ الحديث لا يشمل الإخلال العمدي و إن كان عن عذر كما في المقام، حيث إنّ الوظيفة هي الجر حسب الفرض غير أنّه عاجز عنه، فهو يخل به و يتركه عن عمد و التفات و إن كان مضطرّاً إليه، و الحديث إنّما يجري فيما إذا كان الالتفات بعد تحقّق الإخلال و مضي محل التدارك، سواء أ كان الالتفات أثناء الصلاة أم بعدها، و لا يعم ما إذا كان ملتفتاً إلى الترك حين الإخلال بالجزء أو الشرط و إن كان معذوراً فيه، لاختصاص الحديث بغير صورة العمد، و من هنا لو شرع في الصلاة فمنعه عن القراءة مثلًا مانع أو نسي صورتها فتركها ملتفتاً لا ينبغي الشك في عدم شمول الحديث له و وجوب إعادة الصلاة.

و المتحصِّل ممّا مرّ: سقوط هذا القول و أنّ الأقوى وجوب الرفع سواء أتمكن من الجر أم لا، و سواء أ كان الالتفات قبل استكمال الذكر أم بعده قبل رفع الرأس.

142
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 10: لو وضع جبهته على ما لا يصح السجود عليه يجب عليه الجر ؛ ج 15، ص : 135

..........

______________________________
و أمّا الفرع الثاني: أعني ما إذا كان الالتفات بعد رفع الرأس، فقد ظهر ممّا مرّ لزوم التدارك تحصيلًا للسجود المأمور به و لا ضير فيه بعد عدم قادحية الزيادة السهوية في السجدة الواحدة كما مرّ، و لكن المشهور هو الاكتفاء بذلك و علّله في الجواهر «1» بأنّ المتروك خصوصية معتبرة في السجود و هي كونه على ما يصح دون أصله، فيشمله عقد المستثنى منه في حديث لا تعاد المقتضي للصحّة. فالمقام نظير ما لو أخلّ بالذكر أو الاطمئنان أو وضع سائر المساجد سهواً المحكوم بالصحّة بلا إشكال عملًا بالحديث.

أقول: الظاهر لزوم التدارك كما عرفت، لوقوع الخلل في نفس السجود المأمور به.

و توضيح المقام: أنّه لا ريب أنّ أجزاء الصلاة قد لوحظت على صفة الانضمام و الارتباط، فكل جزء إنّما يعتبر في المركب مقيّداً بالمسبوقية أو الملحوقية، أو المقارنة مع الجزء الآخر بمقتضى فرض الارتباطية الملحوظة بين الأجزاء، فالقراءة مثلًا المعدودة من أجزاء الصلاة هي المسبوقة بالتكبيرة و الملحوقة بالركوع، و المقارنة للقيام دون المجرّدة عن شي‌ء منها، فالإخلال بهذا القيد يستوجب الإخلال بذات الجزء لا محالة، و من هنا لو نسي القراءة و تذكّر بعد الدخول في الركوع كان محل التدارك باقياً بالنظر الدقيق، لعدم الدخول بعدُ في الجزء المترتِّب فإنّه الركوع المتّصف بمسبوقيته بالقراءة و لم يتحقّق، و المتحقِّق ركوع غير مسبوق و لم يكن جزءاً، إلّا أنّ الإخلال بهذا القيد الناشئ من اللحاظ المزبور غير قادح في الصحّة بلا إشكال، و إلّا لزم اللغوية في حديث لا تعاد، لعدم الفرق حينئذ بين الخمسة المستثناة و غيرها، إذ الإخلال بغير الخمس عندئذ يستوجب الإخلال بالخمس بطبيعة الحال، فترك القراءة مثلًا ملازم لترك الركوع، و ترك التشهّد ملازم لترك السجود، لعدم مسبوقية الركوع‌

______________________________
(1) الجواهر 10: 162.

143
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 10: لو وضع جبهته على ما لا يصح السجود عليه يجب عليه الجر ؛ ج 15، ص : 135

..........

______________________________
بالقراءة، و عدم ملحوقية السجود بالتشهّد، و هكذا.

فلازمه الحكم بالبطلان لدى الإخلال بأيّ جزء على الإطلاق، حتّى الذكر حال الركوع، لعدم مقارنته معه. مع أنّ الحديث خصّ البطلان من ناحية الخمس فقط، كما أنّه يلغو حينئذ قوله (عليه السلام): لا تعاد الصلاة من سجدة و إنّما تعاد من ركعة «1» لاستلزام الإخلال بالسجدة الإخلال بالركعة كما عرفت.

فبهذه القرينة القطعية يستكشف أنّ القيد الّذي يستوجب الإخلال به البطلان في الخمس و لا يستوجبه في غيرها هو القيد غير الناشئ من ناحية الانضمام و الارتباط، و أنّ الموجب للبطلان في الخمس هو الإخلال بها في أنفسها إمّا بتركها رأساً، أو بترك القيد المعتبر في تحقّقها بما هي كذلك مع قطع النظر عن لحاظ الارتباط و الانضمام، و هذا ظاهر جدّا.

و عليه فبما أنّ وضع الجبهة على ما يصح من القيود الشرعية المعتبرة في ذات السجود المأمور به بما هو كذلك، فالإخلال به إخلال بنفس السجود، فيشمله عقد الاستثناء في حديث لا تعاد، إذ المراد من السجود في الحديث و كذا الركوع هو السجود الشرعي دون العرفي، لما مرّ قريباً من النقض بمن اقتصر على الركوع العرفي و لم يبلغ الحدّ الشرعي في انحنائه نسياناً، فانّ صلاته حينئذ محكومة بالبطلان بلا إشكال، مع تحقّق الركوع العرفي منه.

نعم، من ناحية الزيادة لا يعتبر أن يكون الزائد سجوداً أو ركوعاً شرعياً بل يكفي العرفي، لاستفادة ذلك ممّا دلّ على النهي عن تلاوة العزيمة في الصلاة معلِّلًا بأنّه زيادة في المكتوبة «2» حيث طبّق (عليه السلام) عنوان الزيادة على سجود التلاوة، مع أنّه سجود عرفي قطعاً، لعدم اعتبار الوضع على ما يصح‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 319/ أبواب الركوع ب 14 ح 2 (نقل بالمضمون).

(2) الوسائل 6: 105/ أبواب القراءة ب 40 ح 1.

144
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 10: لو وضع جبهته على ما لا يصح السجود عليه يجب عليه الجر ؛ ج 15، ص : 135

..........

______________________________
السجود عليه في هذا السجود، بل يكفي كيف ما اتّفق.

و على الجملة: السجود المذكور في الحديث شرعي من حيث النقص، و إن كان عرفياً من ناحية الزيادة. فالإخلال بكل قيد معتبر فيه شرعاً إخلال بنفس السجود، و لا ريب أنّ الوضع على ما يصح من هذا القبيل، فتركه تركه إذ ما أتى به من الوضع على ما لا يصح لم يكن جزءاً، و ما هو الجزء لم يأت به فلا يمكن الاكتفاء به، لعدم اندراجه في عقد المستثنى منه، بل لا بدّ من إعادة السجود و تداركه تحصيلًا للمأمور به، غاية ما هناك لزوم زيادة سجدة واحدة و حيث إنّها سهويّة من حين تحقّقها لم تقدح كما مرّ غير مرّة.

يبقى الجواب عمّا ذكره (قدس سره) من موارد النقض، أمّا عن الذكر فظاهر فإنّه جزء مستقل معتبر حال السجود و لم يكن قيداً مأخوذاً في تحقّق السجود الشرعي إلّا باعتبار فرض الارتباط الّذي عرفت عدم العبرة بالقيد الناشئ من هذه الجهة، فهو جزء بحياله و لا يستوجب الإخلال به إخلالًا بالسجود الشرعي بوجه، فإنّه متقوّم بوضع الجبهة على ما يصح، سواء أ كان معه ذكر أم لا، فلا يقاس ذلك بخصوصية كون المسجد ممّا يصح، فإنّها دخيلة في تحقّقه دونه.

و منه يظهر الجواب عن سائر المحال فإنّها واجبات في هذا الحال و ليست بمقوّمات السجود الشرعي بما هو سجود، فليس الإخلال بها إخلالًا به كما لا يخفى.

و أمّا النقض بالطمأنينة، فلا مجال له أيضاً بناءً على مسلك المشهور من انحصار مستندها بالإجماع، إذ هو دليل لبي يقتصر على المتيقن منه و هو حال الذكر، فمع النسيان لم يكن معتبراً من أصله كي يكون الإخلال به إخلالًا بالسجود.

نعم، يتّجه النقض بها بناءً على مسلكنا من الاستناد فيها إلى الدليل اللفظي‌

145
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 10: لو وضع جبهته على ما لا يصح السجود عليه يجب عليه الجر ؛ ج 15، ص : 135

..........

______________________________
و هو صحيح الأزدي
«1» حسبما تقدّم «2» الشامل بإطلاقه لحالتي العمد و السهو إذ ظاهر قوله (عليه السلام): «إذا سجد فلينفرج و ليتمكن» اعتبار التمكن في تحقّق السجود الشرعي كاعتبار الوضع على ما يصح، من غير فرق بين العمد و السهو، لكونه إرشاداً إلى الشرطية المطلقة كما مرّ، لكن دقيق النظر يقضي بعدم ورود النقض على هذا المسلك أيضاً، فإنّ المستفاد من قوله (عليه السلام) «إذا سجد فليتمكن»، و كذا قوله (عليه السلام) «إذا ركع فليتمكن» أنّ السجود أمر مفروض الوجود خارجاً، و حيث إنّه متقوّم بالوضع فلا يكفي مجرّد المماسة و الوضع متقوّم بالاعتماد المنوط بالاستقرار و لو آناً ما، إذ بدونه ضرب لا وضع كما لا يخفى، إذن فالاستقرار في الجملة مأخوذ في مفهوم السجود عرفاً، و بذلك يفترق عن الركوع، و عليه فالأمر بالتمكين في الصحيحة لما كان بعد فرض تحقّق السجود، فهو لا جرم ناظر إلى مرحلة البقاء و أنّه يعتبر فيه التمكين و عدم الاضطراب، و أن لا يكون سجوده نقراً كنقر الغراب، و هذا كما ترى واجب آخر موضوعه البقاء و لا مساس له بنفس السجود المتقوّم تحقّقه بالحدوث، فلا يكون الإخلال به إخلالًا بذات السجود، بل إنّ وزانه وزان الذكر و وضع سائر المحال في كونها واجبات مستقلّة مندرجة في عقد المستثنى منه لحديث لا تعاد.

و المتحصِّل من جميع ما قدّمناه لحدّ الآن: عدم الاعتداد بما يقع من الجبهة على ما لا يصح سهواً، و لزوم التدارك بإعادة السجود، سواء أ كان التذكّر قبل رفع الرأس أم بعده، فيجب الرفع في الأوّل، و التكرار في الثاني، و لا يترتّب عليه أيّ محذور عدا الزيادة السهوية في السجدة الواحدة غير القادحة بلا إشكال.

______________________________
(1) الوسائل 4: 35/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 8 ح 14.

(2) في ص 93.

146
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 10: لو وضع جبهته على ما لا يصح السجود عليه يجب عليه الجر ؛ ج 15، ص : 135

..........

______________________________
هذا كلّه فيما إذا اتّفق ذلك في سجدة واحدة.

و لو اتّفق في السجدتين معاً، بأن التفت في السجدة الثانية، أو بعد رفع الرأس عنها أنّ سجدتيه كانتا على ما لا يصح، فالظاهر هو البطلان، بل لا ينبغي الإشكال فيه، إذ لو اقتصر عليهما فقد نقص السجود المأمور به فيشمله عقد الاستثناء في حديث لا تعاد، و لو تداركهما لزم الزيادة في السجدتين القادحة و لو سهواً بلا ريب، فيشمله الحديث أيضاً لإطلاقه من حيث الزيادة و النقص كما تقرّر في محله. نعم، الزيادة حاصلة في السجود العرفي كما لا يخفى، لكن أشرنا فيما سبق أنّ المراد بالسجود و الركوع في الحديث هو الشرعي منهما من حيث النقص، و العرفي من ناحية الزيادة فتذكّر. فلا مناص من الحكم بالبطلان.

نعم، يمكن أن يقال في المقام بالاقتصار في مقام التدارك على إحدى السجدتين، إذ المتروك حينئذ ليس إلّا سجدة واحدة و لا ضير فيها، فيحكم بالصحّة استناداً إلى قوله (عليه السلام): لا تعاد الصلاة من سجدة المراد بها السجدة الواحدة قطعاً و إنّما تعاد من ركعة «1» لكنّه ساقط جدّاً، لما أشرنا إليه قريباً من أنّ هذا الحديث كحديث «لا تعاد الصلاة إلّا من خمس» لا يكاد يشمل الإخلال العمدي و إن كان عن عذر، بل يختص مورده بما إذا كان الالتفات بعد تحقّق الإخلال خارجاً، و لا يعم ما لو كان ملتفتاً حين الإخلال كما في المقام و إن كان معذوراً فيه، فانّ ذلك قضيّة مادة الإعادة و تمام الكلام في محلّه.

______________________________
(1) الوسائل 6: 319/ أبواب الركوع ب 14 ح 2.

147
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 11: من كان بجبهته دمل أو غيره، فان لم يستوعبها و أمكن سجوده ؛ ج 15، ص : 148

[مسألة 11: من كان بجبهته دمل أو غيره، فان لم يستوعبها و أمكن سجوده]

[1619] مسألة 11: من كان بجبهته دمل أو غيره، فان لم يستوعبها و أمكن سجوده على الموضع السليم سجد عليه، و إلّا حفر حفيرة ليقع السليم منها على الأرض، و إن استوعبها أو لم يمكن بحفر الحفيرة أيضاً سجد على أحد الجبينين من غير ترتيب [1] و إن كان الأولى و الأحوط تقديم الأيمن على الأيسر و إن تعذّر سجد على ذقنه، فان تعذّر اقتصر على الانحناء الممكن [2] (1).

______________________________
(1) التفصيل المذكور هو المعروف المشهور بين الأصحاب، بل ادّعي عليه الإجماع في كثير من الكلمات، و لم ينسب الخلاف إلّا إلى الصدوق حيث إنّه (قدس سره) خالف الترتيب المزبور من ناحيتين، فحكم بتقديم الجانب الأيمن على الأيسر لزوماً، و أنّه مع العجز عنه يسجد على ظهر كفّه قبل الانتقال إلى الذقن
«1».

و قد تبع (قدس سره) في ذلك الفقه الرضوي «2» المتضمِّن لكلتا الناحيتين و ليس له مستند غيره، لكنّه ضعيف السند و لا يمكن الاعتماد عليه في شي‌ء من الأحكام كما مرّ غير مرّة. على أنّا لا نعقل معنى محصلًا للسجود على ظهر الكف.

فإن أراد به وضع الجبهة عليه فقد عاد المحذور، إذ المفروض عدم التمكّن من وضع الجبهة على الأرض و لو على ترابها الناعم، فما هو الفرق بينه و بين ظهر الكف، فان تمكن منه تمكن من الأرض أيضاً و كان هو المتعيِّن من أوّل الأمر و إلّا كان عاجزاً عنهما، فالسجود على ظهر الكف مستلزم لعود محذور العجز عن السجود على الأرض.

______________________________
[1] الأحوط الجمع بينه و بين السجود على الذقن، و لو لم يمكن الجمع و لو بتكرار الصلاة لم يبعد تقديم الثاني.

[2] بل وجب عليه الإيماء، و الأحوط الجمع بين الأمرين.

______________________________
(1) المقنع: 86.

(2) فقه الرِّضا: 114، المستدرك 4: 459/ أبواب السجود ب 10 ح 1.

148
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 11: من كان بجبهته دمل أو غيره، فان لم يستوعبها و أمكن سجوده ؛ ج 15، ص : 148

..........

______________________________
و إن أراد به وضع ظهر الكف على الأرض بدلًا عن وضع الجبهة عليها على سياق ما ذكره قبله و بعده من السجود على الجبينين و السجود على الذقن فكما أنّ معنى ذلك وضع الجبين أو الذقن على الأرض بدلًا عن الجبهة، فكذا هنا يضع ظهر الكف عليها بدلًا عنها.

فهذا أفحش كما لا يخفى. على أنّ باطن الكف من أحد المساجد فكيف يمكن الجمع بينه و بين السجود على الظهر. فهذا القول ساقط جزماً، و لا بدّ من التكلّم في مستند فتوى المشهور.

أمّا وجوب الحفر، فقد استدلّ له بخبر مصادف قال: «خرج بي دمل فكنت أسجد على جانب، فرأى أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) أثره فقال: ما هذا؟ فقلت: لا أستطيع أن أسجد من أجل الدمل فإنّما أسجد منحرفاً، فقال لي لا تفعل ذلك و لكن احفر حفيرة و اجعل الدمل في الحفيرة حتّى تقع جبهتك على الأرض» «1».

لكنّه ضعيف السند للإرسال، و لدوران مصادف بين المهمل و الضعيف فلا يصلح للاستدلال، إلّا أنّ الحكم مطابق للقاعدة من غير حاجة إلى ورود النص لما تقدّم «2» من عدم لزوم الاستيعاب في وضع الجبهة و كفاية المسمّى و لو قدر الدرهم أو طرف الأنملة، كما صرّح بهما في صحيح زرارة «3»، فلا يجب الأكثر منه حتّى اختياراً، فمع التمكن منه و لو بحفر الأرض وجب، كما أنّ له حفر الخشبة أو السجود على تربة عالية بوضع الموضع السليم عليها و نحو ذلك ممّا يتحقّق معه وضع مسمّى الجبهة على ما يصح السجود عليه.

و منه تعرف أنّ حفر الأرض من أحد أفراد الواجب مقدّمة لتحصيل المأمور به و لا تعين له بخصوصه.

______________________________
(1) الوسائل 6: 359/ أبواب السجود ب 12 ح 1.

(2) في ص 108.

(3) الوسائل 6: 356/ أبواب السجود ب 9 ح 5.

149
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 11: من كان بجبهته دمل أو غيره، فان لم يستوعبها و أمكن سجوده ؛ ج 15، ص : 148

..........

______________________________
و أمّا السجود على أحد الجبينين، فليس عليه دليل ظاهر، فإنّه استدلّ له بوجوه كلّها مخدوشة:

الأوّل: الإجماعات المحكية في كلمات غير واحد من الأعلام. و فيه: أنّها لا تزيد على كونها إجماعات منقولة لا اعتداد بها. على أنّها لو كانت محصّلة لم تكن إجماعاً تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم (عليه السلام) لاحتمال استناد المجمعين كلّاً أو بعضاً إلى بعض الوجوه الآتية، سيّما و أنّ المحقِّق قد استدلّ على الحكم صريحاً بما يرجع إلى قاعدة الميسور فلو كان المستند هو الإجماع التعبّدي لم يظهر وجه لهذا الاستدلال كما لا يخفى.

الثاني: قاعدة الميسور. و فيه: مضافاً إلى منع الكبرى كما حقّق في الأُصول «1» و إلى منع الصغرى، لوضوح أنّ الجبين مباين مع الجبهة و ليس من مراتبها كي يعد ميسوراً لها، أنّه لا مجال للتمسّك بها بعد وجود النص المصرح بالوظيفة الفعلية و هو موثق إسحاق الآتي، فلا تنفع القاعدة حتّى لو سلّمت كبرى و صغرىً كما لا يخفى.

الثالث: خبر مصادف المتقدِّم، بتقريب أنّ الإمام (عليه السلام) قد قرّره على ما زعمه من السجود على الجبين غير أنّه (عليه السلام) بيّن له مرحلة أُخرى سابقة عليه و هو الحفر بحيث يظهر إمضاؤه (عليه السلام) لما اعتقده من جواز السجود على الجبين لولا التمكن من الحفر.

و أُورد عليه: بأنّ غايته الجواز دون الوجوب، فمن الجائز أن يكون مخيّراً بينه و بين السجود على الذقن فلا يدل على تعيّنه كما هو المطلوب.

و في كل من الاستدلال و الإيراد نظر، فانّ الخبر ضعيف السند كما مرّ و قاصر الدلالة، فإنّ الإمام (عليه السلام) قد نهاه صريحاً عمّا صنعه بقوله (عليه السلام)

______________________________
(1) مصباح الأُصول 2: 477.

150
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 11: من كان بجبهته دمل أو غيره، فان لم يستوعبها و أمكن سجوده ؛ ج 15، ص : 148

..........

______________________________
«لا تفعل ذلك» فأيّ تقرير بعد هذا المنع الصريح كي يبحث عن أنّ متعلّقه الجواز أو الوجوب.

و على الجملة: لا إشعار في الرواية فضلًا عن الدلالة على تقرير زعمه لا جوازاً و لا وجوباً، إذ لا تعرّض فيها لبيان الوظيفة عند العجز عن الحفر بوجه.

الرابع: موثقة إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في حديث قال «قلت له: رجل بين عينيه قرحة لا يستطيع أن يسجد، قال: يسجد ما بين طرف شعره، فان لم يقدر سجد على حاجبه الأيمن، قال: فان لم يقدر فعلى حاجبه الأيسر، فان لم يقدر فعلى ذقنه. قلت: على ذقنه؟ قال: نعم، أما تقرأ كتاب اللّٰه عزّ و جلّ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقٰانِ سُجَّداً» «1».

و الكلام فيها يقع تارة: من حيث السند و أُخرى من ناحية الدلالة.

أمّا السند، فالظاهر أنّه موثق، فان صباح الواقع في هذا الخبر مردّد بين ثلاثة من المعروفين بهذا الاسم و هم صباح بن صبيح الحذّاء، و صباح بن يحيى المزني، و صباح بن موسى الساباطي أخو عمار، و كلّهم موثقون و لا يحتمل إرادة غيرهم كما لا يخفى.

هذا، و قد أورد صاحب الوسائل صدر هذا الحديث في موضع آخر «2»، و ذكر هناك «عن أبي الصباح» بدلًا عن «الصباح» الّذي ذكره في المقام و هو أبو الصباح الكناني الثقة. فالرجل موثق على جميع التقادير، فالرواية صحيحة السند و باعتبار إسحاق بن عمار الفطحي موثقة.

و أمّا من حيث الدلالة، فهي كما ترى قاصرة، إذ المذكور فيها الحاجب دون‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 360/ أبواب السجود ب 12 ح 3.

(2) الوسائل 6: 98/ أبواب القراءة في الصلاة ب 33 ح 6.

151
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 11: من كان بجبهته دمل أو غيره، فان لم يستوعبها و أمكن سجوده ؛ ج 15، ص : 148

..........

______________________________
الجبين. نعم، استدلّ بها في الحدائق
«1» كما استدلّ بالفقه الرضوي السابق ذكره بعد حمل الحاجب على الجبين مجازاً بعلاقة المجاورة.

و هذا غريب جدّاً، إذ ليس من صناعة الاستدلال ارتكاب التأويل في اللفظ و حمله على خلاف ظاهره من غير شاهد عليه ثمّ الاستدلال به، فانّ ذلك ليس من البرهان الفقهي في شي‌ء كما لا يخفى.

و أمّا فقه الحديث، فهو أنّ القرحة المفروضة في السؤال لم تكن مستوعبة للجبهة، بل هي واقعة بين عيني الرجل كما صرّح به السائل بحيث لا يستطيع معها أن يسجد على النحو المتعارف من وضع وسط الجبهة على الأرض فأمره (عليه السلام) بالسجود حينئذ على ما بين طرف الشعر أي أعلى الجبهة و لعلّه أفضل، فان لم يقدر فعلى الحاجب.

و هذا لا لخصوصية فيه، بل من أجل أنّ السجود على الحاجب يلازم خارجاً وضع جزء من الطرف الأسفل من الجبهة على الأرض و لا ينفك عنه، و هذا الحكم مطابق للقاعدة، لما مرّ من عدم اعتبار الاستيعاب و كفاية المسمّى من الجبهة لدى الوضع، فمع التمكّن بأيّ جزء منها كان هو المقدّم، و لا ينتقل إلى البدل، و ما فوق الحاجب جزء من الجبهة، لما عرفت فيما سبق أنّ حدّها الطولي من الحاجب إلى قصاص الشعر، و العرضي ما يسعه الحاجبان فصاعداً من البدء إلى الختم المنتهيين بالجبينين، و قد عرفت استفادة كلا الحدّين من النصوص.

و أمّا تقديم الحاجب الأيمن على الأيسر الّذي تضمنه الحديث فليس على جهة اللّزوم، بل من أجل استحباب تقديم الميامن على المياسر على الإطلاق كما لا يخفى. و مع العجز عن وضع الجبهة مطلقاً ينتقل إلى السجود على الذقن.

و ممّا ذكرنا تعرف أنّ السجود على الجبين ممّا لا دليل عليه، فلا مجال للمصير‌

______________________________
(1) الحدائق 8: 321.

152
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 12: إذا عجز عن الانحناء للسجود انحنى بالقدر الممكن ؛ ج 15، ص : 153

[مسألة 12: إذا عجز عن الانحناء للسجود انحنى بالقدر الممكن]

[1620] مسألة 12: إذا عجز عن الانحناء للسجود انحنى بالقدر الممكن (1)

______________________________
إليه سيّما مع استلزامه انحراف الوجه عن القبلة إلى المشرق أو المغرب بطبيعة الحال الّذي هو محذور بحياله، و لا دليل على اغتفاره بعد عموم قوله تعالى
فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ «1». بل المتعيِّن بعد العجز عن الجبهة الانتقال إلى الذقن كما تضمنه الموثق المزبور بالبيان المذكور المؤيّد بمرسلة الكافي عن علي بن محمّد قال: «سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عمّن بجبهته علّة لا يقدر على السجود عليها، قال: يضع ذقنه على الأرض، إنّ اللّٰه تعالى يقول يَخِرُّونَ لِلْأَذْقٰانِ سُجَّداً» «2» و إن كان الأحوط الجمع بينه و بين الجبين و لو بتكرار الصلاة.

و مع العجز عن ذلك أيضاً فلا محيص عن الانتقال إلى الإيماء، لاندراجه حينئذ في عنوان العاجز عن السجود الّذي وظيفته ذلك كما مرّ التكلّم حوله في بحث القيام.

و منه يظهر ضعف ما في بعض الكلمات من الانتقال حينئذ إلى السجود على الأنف أو على العارض، أو الاقتصار على الانحناء الممكن كما صنعه في المتن استناداً إلى قاعدة الميسور، لمنعها كبرى و كذا صغرى، فانّ الأنف أو العارض مباين مع الجبهة، و كذا الانحناء مقدّمة للسجود و هي مباينة مع ذيها، فكيف تكون ميسوراً له و من مراتبه.

فالأقوى تعيّن الإيماء و إن كان الأحوط الجمع بينه و بين الانحناء، و اللّٰه سبحانه أعلم.

(1) ينبغي فرض الكلام فيما إذا كان المقدار الممكن من الانحناء بمثابة يتحقّق‌

______________________________
(1) البقرة 2: 144.

(2) الوسائل 6: 360/ أبواب السجود ب 12 ح 2، الكافي 3: 334/ 6.

153
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 12: إذا عجز عن الانحناء للسجود انحنى بالقدر الممكن ؛ ج 15، ص : 153

مع رفع المسجد [1] إلى جبهته، و وضع سائر المساجد في محالها، و إن لم يتمكن من الانحناء [2] أصلًا أومأ برأسه، و إن لم يتمكن فبالعينين، و الأحوط له رفع المسجد مع ذلك إذا تمكّن من وضع الجبهة عليه، و كذا الأحوط وضع ما يتمكن من سائر المساجد في محالها، و إن لم يتمكّن من الجلوس أومأ برأسه و إلّا فبالعينين، و إن لم يتمكن من جميع ذلك ينوي بقلبه جالساً أو قائماً إن لم يتمكن من الجلوس، و الأحوط الإشارة باليد و نحوها مع ذلك.

______________________________
معه السجود العرفي، و إلّا فلا إشكال في الانتقال إلى الإيماء كما أشار إليه الأُستاذ (دام ظلّه) في تعليقته الشريفة.

ثمّ إنّ الحكم المزبور هو المعروف المشهور بلا خلاف فيه، بل ادّعي عليه الإجماع في كلمات غير واحد، فينحني بقدر طاقته و يرفع المسجد و يسجد عليه و لا تصل النوبة إلى الإيماء. و استدلّ له بخبر إبراهيم الكرخي قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) رجل شيخ لا يستطيع القيام إلى الخلاء، و لا يمكنه الركوع و السجود، فقال: ليومئ برأسه إيماءً، و إن كان له من يرفع الخمرة فليسجد، فان لم يمكنه ذلك فليومئ برأسه نحو القبلة إيماءً» «1»، و هو و إن كان صريح الدلالة لكنّه ضعيف السند، فإنّ الكرخي مهمل، و الطيالسي و إن كان مهملًا أيضاً لكنّه مذكور في أسانيد كامل الزيارات، فالضعف من ناحية الكرخي فقط. و كيف ما كان فالرواية غير صالحة للاستدلال بها.

لكن الحكم كما ذكروه فإنّه مطابق للقاعدة من غير حاجة إلى نص بالخصوص‌

______________________________
[1] على نحو يصدق عليه السجود، و إلّا اقتصر على الإيماء.

[2] مرّ حكم جميع ذلك في مبحث القيام [في المسألة 1475].

______________________________
(1) الوسائل 5: 484/ أبواب القيام ب 1 ح 11، 6: 375/ أبواب السجود ب 20 ح 1.

154
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 12: إذا عجز عن الانحناء للسجود انحنى بالقدر الممكن ؛ ج 15، ص : 153

..........

______________________________
إذ هو مقتضى الإطلاقات المتضمِّنة للأمر بالسجود كحديث التثليث
«1» و غيره فإنّها و إن قيّدت بمساواة الجبهة لموضع البدن كما مرّ البحث عنه مستقصى «2» لكن الدليل المقيّد لا إطلاق له، بل هو مختص بصورة التمكن، لاشتمال الصحيحة على الخطاب المتوجِّه إلى ابن سنان حيث قال (عليه السلام) فيها: «إذا كان موضع جبهتك مرتفعاً عن موضع بدنك قدر لبنة فلا بأس» «3»، و معلوم أنّ ابن سنان كان قادراً على مراعاة التساوي و لم يكن عاجزاً حينما خاطبه الإمام (عليه السلام). نعم، لو كانت العبارة هكذا: يجب التساوي أو يعتبر المساواة و نحوها بحيث لم يشتمل على خطاب متوجِّه إلى شخص خاص انعقد الإطلاق.

و على الجملة: فلسان التقييد لا إطلاق له فيقتصر على المقدار المتيقّن و هو فرض التمكّن، و في مورد العجز يتمسّك بإطلاقات السجود السليمة عن التقييد. فالحكم مطابق للقاعدة. مضافاً إلى إمكان الاستدلال عليه ببعض النصوص.

منها: موثقة أبي بصير قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المريض هل تمسك له المرأة شيئاً فيسجد عليه؟ فقال: لا، إلّا أن يكون مضطرّاً ليس عنده غيرها، و ليس شي‌ء ممّا حرّم اللّٰه إلّا و قد أحلّه لمن اضطرّ إليه» «4» فانّ الظاهر من الإمساك هو الرفع، و إلّا فالسجود على الأرض نفسه لا حاجة معه إلى إمساك المرأة ما يسجد عليه كما هو ظاهر. و هي بحسب السند موثقة كما ذكرنا، فانّ المراد بالحسين الراوي عن سماعة هو الحسين بن عثمان بن زياد الرواسي بقرينة روايته عن سماعة كثيراً، و هو موثق كما نقله الكشِّي عن حمدويه‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 389/ أبواب السجود ب 28 ح 2.

(2) في ص 97.

(3) الوسائل 6: 358/ أبواب السجود ب 11 ح 1.

(4) الوسائل 5: 483/ أبواب القيام ب 1 ح 7.

155
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 12: إذا عجز عن الانحناء للسجود انحنى بالقدر الممكن ؛ ج 15، ص : 153

..........

______________________________
أنّه قال: سمعت أشياخي يذكرون أنّ حماداً و جعفراً و الحسين بن عثمان بن زياد الرواسي كلّهم فاضلون خيار ثقات
«1»، فالسند صحيح، و باعتبار سماعة موثق.

و منها: صحيحة زرارة قال: «سألته عن المريض كيف يسجد؟ فقال: على خمرة، أو على مروحة، أو على سواك يرفعه إليه هو أفضل من الإيماء ...» إلخ «2» حيث تضمن الأمر برفع المسجد فلا تصل النوبة إلى الإيماء. نعم، قد ينافيه قوله (عليه السلام) في الذيل «هو أفضل من الإيماء»، حيث يظهر منه التخيير بين الأمرين، غير أنّ الرفع أفضل، لكن ظاهره غير مراد قطعاً، فإنّه مع التمكن من السجود و لو بالرفع تعيّن، و إلّا تعيّن الإيماء، و لا يحتمل التخيير بينهما بالضرورة كما لا قائل به جزماً فلا بدّ من التصرّف بأحد وجهين:

الأوّل: أن يكون المراد أنّ طبيعة الصلاة المشتملة على السجود و لو مع الرفع أفضل من الطبيعة المشتملة على الإيماء، كما يقال إنّ الفريضة أفضل من النافلة، و الصلاة أفضل من الصوم و هكذا، إذ ليس معنى الأفضلية في هذه الإطلاقات التخيير بين الأمرين، بل المراد أنّ هذه الطبيعة في ظرفها و شرائطها المناسبة لها أفضل، أي أكثر ثواباً من الطبيعة الأُخرى في موطنها المقرّر لها فيكون حاصل المعنى أنّ الصلاة المشتملة على السجود الصادرة ممّن يتمكن منه أفضل من المشتملة على الإيماء الصادرة من العاجز عنه، لا أنّ أحدهما أفضل من الأُخرى في موضع واحد.

الثاني: أن يكون المراد من المريض من يشق عليه السجود و لو مع الرفع فانّ وظيفته الأوّلية هي الإيماء، غير أنّ الأفضل في حقّه تحمل المشقّة و السجود و لو مع رفع المسجد و إن تضمن العسر و الحرج من باب أنّ أفضل الأعمال أحمزها‌

______________________________
(1) رجال الكشي: 372/ 694.

(2) الوسائل 5: 364/ أبواب ما يسجد عليه ب 15 ح 1.

156
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 13: إذا حرك إبهامه في حال الذكر عمدا أعاد الصلاة ؛ ج 15، ص : 157

[مسألة 13: إذا حرّك إبهامه في حال الذِّكر عمداً أعاد الصلاة]

[1621] مسألة 13: إذا حرّك إبهامه في حال الذِّكر عمداً أعاد الصلاة (1)

______________________________
كما يشهد بهذا الحمل صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن المريض إذا لم يستطع القيام و السجود، قال: يومئ برأسه إيماءً، و أن يضع جبهته على الأرض أحب إليّ»
«1».

و قد مرّ التعرّض لهذه الصحيحة في بحث القيام، و قلنا إنّ مفادها بحسب الظاهر لا يستقيم، إذ بعد فرض عدم الاستطاعة على القيام و السجود فأيّ معنى لقوله (عليه السلام) في الذيل «إنّ السجود أحب إليّ» فلا مناص من أن يكون المراد عدم الاستطاعة العرفية، لتضمنه المشقّة و الحرج دون التعذّر الحقيقي و أنّ الوظيفة حينئذ هي الإيماء و إن كان السجود و تحمل المشقة أفضل، و لذا كان أحبّ إليه (عليه السلام) فعلى ضوء ذلك تفسر الأفضلية في المقام.

فتحصّل: أنّ وجوب رفع المسجد و السجود عليه مع التمكن ممّا لا ينبغي الإشكال فيه، لكونه مطابقاً للقاعدة، و لاستفادته من بعض النصوص كما عرفت فلا تصل النوبة إلى الإيماء.

و أمّا بقية الفروع المذكورة في هذه المسألة فقد تقدّم الكلام حولها بشقوقها مستقصى في بحث القيام فلا حاجة إلى الإعادة فراجع و لاحظ.

(1) لأنّ ظرف الذكر هو السجود الواجب، و حيث إنّ المعتبر فيه الاستقرار فلا بدّ من مراعاته تحصيلًا للسجود المأمور به حتّى يقع الذكر فيه قضاءً للظرفية. و عليه فبناءً على أنّ تحريك الإبهام مخل بالاستقرار لاعتباره في تمام البدن، فلو حرّك عامداً و أتى بالذكر وقتئذ كان الذكر المقصود به الجزئية زيادة عمدية لوقوعه في غير محله موجبة للبطلان. نعم، لو كان ذلك سهواً فبما أنّ الزيادة‌

______________________________
(1) الوسائل 5: 481/ أبواب القيام ب 1 ح 2.

157
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 13: إذا حرك إبهامه في حال الذكر عمدا أعاد الصلاة ؛ ج 15، ص : 157

احتياطاً، و إن كان سهواً أعاد الذكر [1] إن لم يرفع رأسه، و كذا لو حرّك سائر المساجد، و أمّا لو حرّك أصابع يده مع وضع الكف بتمامها فالظاهر عدم البأس به لكفاية اطمئنان بقيّة الكف، نعم لو سجد على خصوص الأصابع [1] كان تحريكها كتحريك إبهام الرجل.

______________________________
السهوية لم تقدح، فان كان التذكر قبل رفع الرأس أعاد الذكر لبقاء محلّه، و إن كان بعده مضى في صلاته و لا شي‌ء عليه عملًا بحديث لا تعاد بعد امتناع التدارك لمضي المحل، و هكذا الحال في تحريك سائر المساجد.

و أمّا وجه التوقف و احتياطه (قدس سره) فهو من أجل التشكيك في قدح التحريك و الإخلال بالاستقرار المعتبر في الصلاة، فإنّ المستند في اعتبار الاطمئنان إن كان هو الإجماع فغير معلوم شموله لمثل هذه الحركة اليسيرة لو لم ندّع القطع بعدم الشمول كما لا يشمله في غير حال السجود قطعاً، و لذا لو حرّك أصابع اليدين أو الرجلين، أو نفس اليدين حال القراءة لم يكن مضرّاً بصدق الاستقرار بلا إشكال. و كذا الحال لو كان المستند صحيحة الأزدي فانّ التمكين اللّازم مراعاته بمقتضى هذه الصحيحة هو التمكين العرفي المتقوّم باستقرار معظم الأجزاء لإتمام البدن، فلا تنافيه مثل تلك الحركة اليسيرة. فالحكم بإعادة الصلاة في صورة العمد و إعادة الذكر في صورة السهو مبني على الاحتياط لا محالة.

هذا، و لو حرّك الإصبع مع وضع تمام الكف فلا ينبغي الإشكال في عدم البأس، لكفاية الاطمئنان في بقية الكف التي هي المناط في تحقّق السجود. نعم لو سجد على خصوص الأصابع بناءً على الاجتزاء بها كان تحريكها حينئذ‌

______________________________
[1] على الأحوط.

[1] مرّ الإشكال في كفايته.

158
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 14: إذا ارتفعت الجبهة قهرا من الأرض قبل الإتيان بالذكر ؛ ج 15، ص : 159

[مسألة 14: إذا ارتفعت الجبهة قهراً من الأرض قبل الإتيان بالذِّكر]

[1622] مسألة 14: إذا ارتفعت الجبهة قهراً من الأرض قبل الإتيان بالذِّكر، فإن أمكن حفظها عن الوقوع ثانياً حسبت سجدة فيجلس و يأتي بالأُخرى إن كانت الاولى، و يكتفي بها إن كانت الثانية، و إن عادت إلى الأرض قهراً، فالمجموع سجدة واحدة فيأتي بالذكر [1] و إن كان بعد الإتيان به اكتفى به (1).

______________________________
كتحريك إبهام الرجل الّذي مرّ حكمه كما أشار إليه في المتن، إلّا أنّ المبنى غير تام، لاعتبار الاستيعاب العرفي في السجود على اليدين كما عرفت فيما سبق
«1».

(1) أمّا إذا كان الارتفاع القهري بعد الإتيان بالذكر فلا إشكال فيه، لعدم وجوب الرفع في نفسه كي يحتاج إلى القصد، بل هو مقدّمة للإتيان ببقية الأجزاء فيجزي كيف ما اتّفق.

و أمّا إذا كان قبله، فان ارتفعت الجبهة قهراً بمجرد إصابتها الأرض من دون اعتماد و لا استقرار حتّى في الجملة كما قد يتّفق إذا هوى إلى السجود بسرعة فهذا لا يعدّ سجوداً لا شرعاً و لا عرفاً، لتقوّمه بالوضع المتقوّم بالاعتماد، و هو منتف في الفرض، إذ هو من قبيل الضرب بالأرض لا الوضع عليها، و أمّا إذا ارتفعت بعد تحقّق الوضع و الاعتماد و الاستقرار حدوثاً، فتارة يتمكن من ضبط نفسه و حفظ الجبهة عن الوقوع ثانياً، و أُخرى لا يتمكن بل تعود إلى الأرض قهراً أيضا.

أمّا في الأوّل: فتحسب عليه سجدة، إذ لا خلل فيه من ناحية السجود بما‌

______________________________
[1] على الأحوط، و لا يبعد أن لا يكون العود متمّماً للسجدة.

______________________________
(1) في ص 120.

159
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 14: إذا ارتفعت الجبهة قهرا من الأرض قبل الإتيان بالذكر ؛ ج 15، ص : 159

..........

______________________________
هو كذلك. فانّ السجود المأمور به المعدود من أركان الصلاة متقوّم بمجرّد الوضع الحدوثي و قد تحقّق، و لا يشترط فيه الاستقرار بقاءً. نعم، هو واجب آخر معتبر حاله كالذكر و قد فات محل التدارك فيشمله حديث لا تعاد، إذ لا قصور فيه بعد أن لم يكن ملتفتاً إلى الإخلال حينما أخلّ، لوقوعه قهراً عليه و من غير اختيار و عمد، و عليه فان كان ذلك في السجدة الأُولى جلس و أتى بالأُخرى، و إن كان في الثانية اكتفى بها و مضى في صلاته و لا شي‌ء عليه.

و أمّا في الثاني: فقد ذكر في المتن أنّ المجموع سجدة واحدة، لكون الثانية من متمِّمات الاولى عرفاً، فيأتي بالذكر حينئذ، لكنّه مشكل جدّاً، فإنّ الثاني وضع جديد مباين للأوّل و قد تخلّل بينهما العدم، فكيف يكون بقاءً للأوّل و من متمِّماته، و حيث إنّ الثاني عار عن القصد فليس هو من السجود في شي‌ء حتّى عرفاً، و من هنا لو عثر فأصابت جبهته الأرض لا يقال إنّه سجد، لتقوّم المفهوم بالقصد إلى السجود، كما أنّه لو تكرّر منه الرفع و الوضع القهريان مرّتين أو أكثر لم يضر ذلك بصحّة الصلاة بلا إشكال، لعدم كونه من زيادة السجدتين القادحة و لو سهواً بعد عدم القصد إلى السجود المتقوّم به كما عرفت.

و منه تعرف أنّه ليس له الإتيان بالذكر حينئذ، لأنّ ظرفه السجود غير المنطبق على الوضع الثاني بعد فقد القصد و إنّما المتّصف به الأوّل و قد انعدم، فلا مجال لتدارك الذكر لفوات محلّه.

و على الجملة: فليس السجود إلّا الوضع الأوّل، و الثاني لغو محض، فيجري فيه الكلام المتقدِّم في الصورة السابقة من أنّه إن كان ذلك في السجدة الأُولى جلس و أتى بالثانية و إلّا اكتفى بها.

160
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 15: لا بأس بالسجود على غير الأرض و نحوها مثل الفراش في حال التقية ؛ ج 15، ص : 161

[مسألة 15: لا بأس بالسجود على غير الأرض و نحوها مثل الفراش في حال التقيّة]

[1623] مسألة 15: لا بأس بالسجود على غير الأرض و نحوها مثل الفراش في حال التقيّة (1)، و لا يجب التفصي عنها بالذهاب إلى مكان آخر نعم لو كان في ذلك المكان مندوحة بأن يصلِّي على البارية أو نحوها ممّا يصح السجود عليه وجب اختيارها.

[مسألة 16: إذا نسي السجدتين أو إحداهما و تذكر قبل الدخول في الركوع]

[1624] مسألة 16: إذا نسي السجدتين أو إحداهما (2) و تذكر قبل الدخول في الركوع وجب العود إليها، و إن كان بعد الركوع مضى إن كان

______________________________
(1) قدّمنا الكلام حول المقام و نظائره من موارد التقيّة في مبحث الوضوء
«1» و قلنا إنّ الوظيفة الأوّلية تنقلب بعد عروض التقيّة إلى ما يقتضيه مذهب العامّة للنصوص الدالّة على ذلك التي مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين وجود المندوحة و إمكان التفصي بالذهاب إلى مكان آخر، أو التأخير إلى آونة اخرى و عدمه فلو كان في المسجد مثلًا من يتقى منه جاز السجود على الفراش و نحوه ممّا لا يصح السجود عليه، و إن أمكن التأخير إلى مكان أو زمان آخر، فلا يجب التفصي. نعم، يعتبر عدم وجود المندوحة حال الاشتغال بالعمل، فلو كان في نفس المسجد حينما يريد الصلاة مكانان أحدهما تراب أو حصير و نحوهما و الآخر فراش، لا يجوز له اختيار الثاني، لانتفاء موضوع التقيّة حينئذ، فإنّه متقوّم بالاضطرار و عدم التمكن من الإتيان بالوظيفة الأوّلية في هذا الحال المفقود في الفرض.

(2) يقع الكلام تارة فيما إذا كان السجود المنسي من غير الركعة الأخيرة و أُخرى فيما إذا كان منها بخصوصها، فهنا مقامان:

______________________________
(1) شرح العروة 5: 267.

161
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 16: إذا نسي السجدتين أو إحداهما و تذكر قبل الدخول في الركوع ؛ ج 15، ص : 161

المنسي واحدة و قضاها بعد السلام، و تبطل الصلاة إن كان اثنتين، و إن كان في الركعة الأخيرة يرجع ما لم يسلم، و إن تذكر بعد السلام بطلت الصلاة إن كان المنسي اثنتين [1]، و إن كان واحدة قضاها.

______________________________
أمّا المقام الأوّل: فقد يكون المنسي سجدة واحدة، و أُخرى سجدتين.

أمّا في السجدة الواحدة، فلا إشكال كما لا خلاف في أنّ التذكّر إن كان قبل الركوع وجب العود إليها، و إلّا مضى في صلاته و قضاها بعد السلام. و هذا الحكم هو المطابق للقاعدة مع قطع النظر عن النصوص الخاصّة الواردة في المقام فانّ التذكر إذا كان قبل الركوع فحيث إنّ القيام و القراءة وقعا في غير محلهما للزوم تأخرهما عن السجود بمقتضى الترتيب الملحوظ بين الأجزاء، فلا يعدّان من أجزاء الصلاة، بل يتّصفان بالزيادة غير القادحة بعد كونها سهويّة، فمحل السجود بعدُ باق، و حيث لا يلزم من تداركه محذور وجب العود إليه كما وجب إعادة القيام و القراءة، لعدم وقوعهما على وجههما كما عرفت.

و أمّا إذا كان بعد الركوع فحيث لم يمكن تدارك المنسي حينئذ لمضي محله بالدخول في الركن و قد ثبت أنّ الصلاة لا تعاد من سجدة واحدة، فالمتعيِّن هو الحكم بالصحّة و المضي في الصلاة، فالحكم بكلا شقّيه ممّا تقتضيه القاعدة من غير ناحية القضاء فإنّه قد ثبت بالنص.

ففي صحيحة إسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «في رجل نسي أن يسجد السجدة الثانية حتّى قام فذكر و هو قائم أنّه لم يسجد قال: فليسجد ما لم يركع فاذا ركع فذكر بعد ركوعه انّه لم يسجد فليمض على صلاته حتّى‌

______________________________
[1] بل تصح و يجب التدارك ما لم يحصل المنافي، و بذلك يظهر حكم نسيان السجدة الواحدة.

162
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 16: إذا نسي السجدتين أو إحداهما و تذكر قبل الدخول في الركوع ؛ ج 15، ص : 161

..........

______________________________
يسلم ثمّ يسجدها فإنّها قضاء ...» إلخ
«1»، و نحوها صحيحة أبي بصير «2»، فإنّها و إن كانت ضعيفة بطريق الشيخ «3» من أجل محمّد بن سنان لكنّها صحيحة بطريق الصدوق «4».

و قوله (عليه السلام) «فإنّها قضاء» يكشف عن أنّ السجود المأتي به فيما لو كان التذكّر قبل الركوع أداء، أي واقع في محله، فلا بدّ من إعادة القيام و القراءة بعد تدارك السجود تحقيقاً لوقوعهما في المحل كما بيّنا ذلك في تقرير مقتضى القاعدة. و على الجملة فالنصوص الواردة في المقام تطابق مقتضى القاعدة من غير ناحية القضاء، هذا كلّه في السجدة الواحدة.

و أمّا في السجدتين، فلم يرد نص بالخصوص فلا بدّ من الجري على ما تقتضيه القواعد.

فنقول: لا إشكال كما لا خلاف في البطلان فيما لو كان التذكر بعد الركوع لنقص الركن لو استرسل، و زيادته لو تدارك، للزوم إعادة الركوع حينئذ.

و بعبارة اخرى: الركوع حينما تحقّق كان متّصفاً بالزيادة، لعدم مسبوقيته بالسجدتين و زيادته و لو سهواً مبطلة، و إن شئت فقل: السجدتان ركن قد ترك في محله، و لا يمكن تداركه، و ترك الركن مبطل، فيمكن تعليل البطلان بترك الركن مرّة و بزيادته اخرى، و المعنى واحد كما لا يخفى.

إنّما الكلام فيما إذا كان التذكر قبل الركوع، فالمشهور وجوب العود كما في السجدة الواحدة لعين ما مرّ في تقرير القاعدة.

______________________________
(1) الوسائل 6: 364/ أبواب السجود ب 14 ح 1، 4.

(2) الوسائل 6: 364/ أبواب السجود ب 14 ح 1، 4.

(3) التهذيب 2: 152/ 598.

(4) الفقيه 1: 228/ 1008، 4 (المشيخة): 58.

163
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 16: إذا نسي السجدتين أو إحداهما و تذكر قبل الدخول في الركوع ؛ ج 15، ص : 161

..........

______________________________
و لكن المنسوب إلى جمع كالمفيد
«1» و أبي الصلاح «2» و ابن إدريس «3» الحكم بالبطلان، استناداً إلى حديث لا تعاد، فانّ الخارج عنه ما إذا كان المنسي سجدة واحدة لقوله (عليه السلام): لا تعاد الصلاة من سجدة واحدة «4»، فتبقى السجدتان مشمولتين لإطلاق الحديث.

و الجواب عنه: مضافاً إلى ثبوت الحكم في المقام على سبيل الأولوية، إذ لو جاز العود لتدارك سجدة واحدة مع أنّها ليست بركن، فجوازه في السجدتين و هما ركن بطريق أولى كما لا يخفى، أنّ مفاد الحديث لو كان هو البطلان بمجرّد نسيان الخمس كما في الشك في الأوّلتين الموجب للبطلان في حدّ نفسه، لتم ما ذكروه، لكنّه ليس كذلك قطعاً، بل مفادها أنّ الإخلال بالصلاة المقتضي للإعادة لا يوجبها إلّا من ناحية الخمس. فالموضوع ليس هو النسيان، بل الإخلال الموجب للبطلان، و واضح أنّ الحكم لا يتكفّل لبيان موضوعه و تحقّق صغراه و مصداقه، بل لا بدّ من إثبات الموضوع و إحرازه من الخارج، و قد عرفت أنّ القاعدة تقتضي عدم تحقّق الإخلال المستوجب للبطلان في المقام لإمكان تدارك السجدتين كالسجدة الواحدة بعد فرض بقاء المحل من أجل عدم الدخول في الركن، فلا خلل كي يشمله الحديث.

و على الجملة: مفاد الحديث أنّ الخلل الّذي لا يمكن معه تصحيح الصلاة و يكون مورداً للإعادة حكمه كذا، و هذا العنوان غير متحقِّق في المقام. فالصحيح ما عليه المشهور من وجوب العود لو كان التذكر قبل الدخول في الركوع من غير فرق بين ما إذا كان المنسي سجدة واحدة أو سجدتين.

______________________________
(1) المقنعة: 138.

(2) الكافي في الفقه: 119.

(3) السرائر 1: 241.

(4) الوسائل 6: 319/ أبواب الركوع ب 14 ح 2 (نقل بالمضمون).

164
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 16: إذا نسي السجدتين أو إحداهما و تذكر قبل الدخول في الركوع ؛ ج 15، ص : 161

..........

______________________________
و أمّا المقام الثاني: فإن كان التذكر قبل السلام رجع بلا إشكال و لا كلام سواء أ كان المنسي سجدة واحدة أم سجدتين و لا شي‌ء عليه، إذ لم يترتّب عليه محذور سوى زيادة التشهّد كلّاً أو بعضاً، و لا ضير فيها بعد أن كانت سهواً. فالحكم حينئذ على طبق القاعدة.

إنّما الكلام فيما إذا كان بعد السلام، فقد فصّل في المتن تبعاً لجمع بين ما إذا كان المنسي سجدة واحدة أم سجدتين، فحكم بالقضاء في الأوّل، و البطلان في الثاني، و كلاهما محل نظر بل منع.

أمّا القضاء، فلعدم الدليل عليه، إذ النص الوارد فيه مختص بما إذا كان التذكر بعد الركوع المستلزم بطبيعة الحال لكون المنسي من سائر الركعات، فلا يمكن التعدِّي إلى المقام، لوجود الفرق الواضح بين الموردين، فانّ السجود غير قابل للتدارك هناك، فلا مناص من القضاء، بخلاف المقام، لبقاء المحل إذ لا ركن بعده، فهو قابل للتدارك غايته أنّ التشهّد و السلام وقعا زائدين و لا بأس بالزيادة السهوية في مثلهما فيتدارك السجود و يعيد التشهّد و السلام، و عليه سجدتا السهو للسلام الزائد، و لا محذور في ذلك أبداً. فمقتضى القاعدة في المقام بعد عدم ورود نص فيه وجوب التدارك دون القضاء. نعم، لو كان التذكّر بعد الإتيان بالمنافي من استدبار أو حدث، أو فصل طويل و نحوها ممّا لم يبق معه مجال للتدارك اتّجه القضاء حينئذ لموثقة عمار «1».

و أمّا البطلان، فهو مبني على ما مرّ آنفاً من الاستناد إلى حديث لا تعاد، بدعوى أنّ الموضوع فيه مجرد النسيان الحاصل في المقام، و قد عرفت جوابه بما لا مزيد عليه، و أنّ الموضوع هو الخلل الموجب للبطلان غير المتحقق في المقام بعد إمكان التدارك، إذ هو بعدُ في الصلاة، لعدم وقوع السلام في محله فيمكنه‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 364/ أبواب السجود ب 14 ح 2.

165
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 16: إذا نسي السجدتين أو إحداهما و تذكر قبل الدخول في الركوع ؛ ج 15، ص : 161

..........

______________________________
التدارك، فلا يشمله الحديث إلّا إذا كان التذكر بعد فعل المنافي، فإنّه لا مناص حينئذ من الحكم بالبطلان كما هو ظاهر، هذا.

و ربّما يستدل للبطلان برواية معلّى بن خنيس قال: «سألت أبا الحسن الماضي (عليه السلام) في الرجل ينسى السجدة من صلاته، قال: إذا ذكرها قبل ركوعه سجدها و بنى على صلاته، ثمّ سجد سجدتي السهو بعد انصرافه، و إن ذكرها بعد ركوعه أعاد الصلاة، و نسيان السجدة في الأوّلتين و الأخيرتين سواء» «1» فانّ المراد بالسجدة في موضوع هذه الرواية ليس الواحدة بلا ريب، إذ لا تعاد الصلاة منها قطعاً نصّاً و فتوى، و قد تضمّنت إعادتها لو كان التذكر بعد الركوع، بل المراد طبيعي السجدة الواجبة في الصلاة، أعني الثنتين، و قد حكم (عليه السلام) أنّ نسيانها في الأوّلتين و الأخيرتين سواء.

و فيه: أنّ الرواية ضعيفة السند و غير قابلة للاعتماد من وجوه أمّا أوّلًا: فللإرسال.

و أمّا ثانياً: فلعدم توثيق معلى بن خنيس، بل قد ضعّفه النجاشي صريحاً «2» و كذا ابن الغضائري «3»، و لا دلالة في شهادة الصادق (عليه السلام) بعد مقتله بأنّه من أهل الجنّة كما ورد في بعض الروايات المعتبرة «4» على وثاقته حين روايته، لجواز أن يكون السبب في دخوله الجنّة قتله في سبيل الحق و موالاة أهل البيت، و بذله تلك الأموال الخطيرة في حبّهم (عليهم السلام)، فقد ورد أنّ داود بن علي لمّا عزم على قتله قال له معلى: أخرجني إلى الناس فإنّ لي دَيناً‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 366/ أبواب السجود ب 14 ح 5.

(2) رجال النجاشي: 417/ 1114.

(3) الخلاصة: 408/ 1652.

(4) رجال الكشي: 376/ 707.

166
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 16: إذا نسي السجدتين أو إحداهما و تذكر قبل الدخول في الركوع ؛ ج 15، ص : 161

..........

______________________________
كثيراً و مالًا حتّى أشهد بذلك فأخرجه إلى السوق فلمّا اجتمع الناس، قال: أيُّها الناس، أنا معلى بن خنيس فمن عرفني فقد عرفني اشهدوا أنّ ما تركت من مال عين أو دين أو أمة أو عبد، أو دار، أو قليل أو كثير فهو لجعفر بن محمّد (عليه السلام)، فشد عليه صاحب شرطة داود فقتله، فلمّا بلغ ذلك أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) خرج يجر ذيله حتّى دخل على داود فقال له: قتلت مولاي و أخذت مالي، قال: ما أنا قتلته و لكن صاحب شرطتي، قال بإذن منك؟ قال: لا، فأمر ابنه إسماعيل فقتله ثمّ دعا (عليه السلام) على داود فمات في تلك الليلة
«1».

و على الجملة: فشهادته (عليه السلام) و اغتياظه على داود و الدُّعاء عليه و أمره بقتل القاتل كل ذلك من أجل قتله ظلماً في سبيل أهل البيت الّذين هم سبل النجاة، و لا دلالة على كونه من أهل الجنّة قبل قتله كي تقتضي الوثاقة حين الرواية.

نعم، ورد في بعض الأخبار أنّه (عليه السلام) اعترض على داود قائلًا: قتلت رجلًا من أهل الجنّة، الكاشف عن أنّه كان من أهلها من قبل ورود القتل عليه، لكن الرواية ضعيفة السند. مضافاً إلى أنّه أيضاً لا يقتضي التوثيق حال الرواية، إذ لعل كونه من أهلها من أجل الولاء و الإخلاص لهم (عليهم السلام) غير المنافي للفسق. و الحاصل: أنّ النجاشي عدل ضبط قد صرّح بالضعف و لم يثبت ما يعارضه «2».

و ثالثاً: أنّ السند عجيب في نفسه، فانّ الرجل قتل في زمن الصادق (عليه‌

______________________________
(1) رجال الكشي: 377/ 708.

(2) لكنّه (دام ظلّه) بالرغم من ذلك كلّه ناقش في تضعيف النجاشي و بنى في المعجم 19: 268/ 12525 على وثاقة الرجل فليلاحظ.

167
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 17: لا تجوز الصلاة على ما لا تستقر المساجد عليه ؛ ج 15، ص : 168

[مسألة 17: لا تجوز الصلاة على ما لا تستقر المساجد عليه]

[1625] مسألة 17: لا تجوز الصلاة على ما لا تستقر المساجد عليه (1) كالقطن المندوف و المخدة من الريش و الكومة من التراب الناعم أو كدائس الحنطة و نحوها.

[مسألة 18: إذا دار أمر العاجز عن الانحناء التام للسجدة بين وضع اليدين على الأرض]

[1626] مسألة 18: إذا دار أمر العاجز عن الانحناء التام للسجدة (2) بين وضع اليدين على الأرض و بين رفع ما يصح السجود عليه و وضعه

______________________________
السلام) كما سمعت، فكيف يقول سمعت أبا الحسن الماضي (عليه السلام) الّذي هو الكاظم (عليه السلام) سيّما مع توصيفه بالماضي المشعر بوفاة الكاظم (عليه السلام) حين روايته، فيقتضي أن يكون الرجل في زمن الرِّضا أو الجواد (عليه السلام) كما اصطلح هذا التوصيف في ألسنة الرواة بعدئذ في قبال أبي الحسن الثاني (عليه السلام)، فكيف يمكن التوفيق بينه و بين قتله في زمن الصادق (عليه السلام)
«1». و على الجملة: فالرواية ساقطة عن درجة الاعتبار و لا يمكن الاعتماد عليها و لا سيّما بعد مخالفتها لمقتضى القواعد كما عرفت.

(1) لاعتبار الاستقرار حال الذكر. نعم، لو وضع جبهته و ألقى الثقل عليها حتّى إذا استقر أتى بالذكر لم يكن به بأس لحصول الاستقرار بقاء.

(2) الظاهر أنّ في العبارة سهواً من قلمه الشريف، إذ لا يحتمل وضع ما يصح السجود عليه على الجبهة في المقام، فانّ هذا الوضع إنّما يتّجه فيما إذا كان المصلِّي مستلقياً أو مضطجعاً بحيث لا يتمكن من وضع الجبهة على ما يصح كما تقدّم في بحث القيام، مع أنّه لم يتم هناك أيضاً لعدم الدليل عليه كما مرّ. و أمّا في‌

______________________________
(1) ذكر (دام ظلّه) في المعجم 19: 258 أنّ الرواية لو صحّت فالمراد بمعلى بن خنيس هذا شخص آخر غير معلى بن خنيس المعروف.

168
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 18: إذا دار أمر العاجز عن الانحناء التام للسجدة بين وضع اليدين على الأرض ؛ ج 15، ص : 168

على الجبهة فالظاهر تقديم الثاني [1]، فيرفع يديه أو إحداهما عن الأرض ليضع ما يصح السجود عليه على جبهته، و يحتمل التخيير.

______________________________
المقام فهو متمكن من الانحناء و وضع الجبهة و لو برفع المسجد، و إنّما عجزه عن الانحناء التام كما صرّح به (قدس سره) فالمراد وضع الجبهة على ما يصح لا وضعه على الجبهة كما عبّر (قدس سره) به.

و كيف ما كان، فالصحيح أن يقال: إذا تمكّن من السجود العرفي و لو برفع المسجد تعيّن و إن استلزم رفع اليدين أو إحداهما عن الأرض، و لا تصل النوبة حينئذ إلى الإيماء فإنّه وظيفة العاجز عن السجود و المفروض تمكنه منه، و لا ضير في عدم وضع اليدين حينئذ على الأرض لسقوطه لدى العجز.

و أمّا إذا لم يتمكّن منه انتقل الأمر إلى الإيماء و لا يلزم وضع سائر المحال حينئذ، إذ ظرف وضعها السجود المتقوّم بوضع الجبهة على الأرض، كما يكشف عنه قوله (عليه السلام): «السجود على سبعة أعظم» «1» لا حتّى مع الإيماء، و لا دليل على انتقال حكم المبدل منه إلى البدل.

______________________________
[1] بل الظاهر أنّه إذا تمكّن من رفع المسجد و وضع الجبهة عليه بحيث يصدق عليه السجود تعيّن ذلك و إلّا وجب الإيماء كما مرّ.

______________________________
(1) الوسائل 6: 343/ أبواب السجود ب 4 ح 2.

169
موسوعة الإمام الخوئي15

فصل في مستحبات السجود ؛ ج 15، ص : 170

[فصل في مستحبّات السجود]

فصل في مستحبّات السجود و هي أُمور:

الأوّل: التكبير حال الانتصاب من الركوع قائماً أو قاعدا (1).

الثاني: رفع اليدين حال التكبير.

الثالث: السبق باليدين إلى الأرض عند الهوي إلى السجود.

الرابع: استيعاب الجبهة على ما يصح السجود عليه، بل استيعاب جميع المساجد.

______________________________
و لنقتصر في هذا الفصل على التعرّض لبعض المستحبّات ممّا وقع الخلاف في وجوبه لوضوح الباقي.

(1) لا يخفى أنّ الخلاف المتقدِّم «1» في بحث الركوع في وجوب هذا التكبير جار هنا بعينه مع مستنده و ردّه، لاشتراك الدليل و اتِّحاد مناط البحث، غير أنّ المقام يمتاز في جهة واحدة، و هي أنّك قد عرفت هناك اختصاص الاستحباب بحال الانتصاب، فلا يشرع التكبير بقصد التوظيف حال الهوي و إن جاز بقصد مطلق الذكر.

______________________________
(1) في ص 77.

170
موسوعة الإمام الخوئي15

فصل في مستحبات السجود ؛ ج 15، ص : 170

..........

______________________________
فهل الأمر كذلك في المقام؟ الظاهر ثبوت الفرق، و بيانه: أنّ مقتضى صحيحة حماد التي ورد فيها «... ثمّ كبر و هو قائم و رفع يديه حيال وجهه و سجد» إلخ
«1» و كذا صحيحة زرارة: «إذا أردت أن تركع و تسجد فارفع يديك و كبِّر ثمّ اركع و اسجد» «2» هو الاختصاص، للتصريح بالانتصاب في الأُولى و العطف ب‍ «ثمّ» الظاهر في التراخي في الثانية.

لكن قد يعارضهما رواية معلى بن خنيس قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول كان علي بن الحسين (عليه السلام) إذا أهوى ساجداً انكبّ و هو يكبِّر» «3» لظهورها في المشروعية لدى الهوي. و من هنا قد يجمع بينهما كما في الحدائق «4» بالحمل على التخيير.

و فيه: ما لا يخفى، لمنافاته مع التعبير بلفظة «كان» المشعر بالدوام و الاستمرار و مواظبته (عليه السلام) عليه فلا يناسب التخيير.

و منه تعرف تعذّر الأخذ بظاهر الرواية، لعدم احتمال أرجحية التكبير حال الهوي لتستوجب المواظبة عليه، بل إمّا أنّه يتعيّن حال القيام كما عليه المشهور أو أنّه أفضل، و لا يحتمل العكس فلا تنهض لمقاومة ما سبق و لا بدّ من رد علمها إلى أهله.

نعم، لا ريب في ظهورها في استحباب التكبير لدى الهوي كما عرفت و يقتضيه أيضاً إطلاق بعض النصوص.

ففي صحيحة زرارة: «فإذا أردت أن تسجد فارفع يديك بالتكبير و خرّ‌

______________________________
(1) الوسائل 5: 459/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

(2) الوسائل 6: 296/ أبواب الركوع ب 2 ح 1.

(3) الوسائل 6: 383/ أبواب السجود ب 24 ح 2.

(4) الحدائق 8: 265.

171
موسوعة الإمام الخوئي15

فصل في مستحبات السجود ؛ ج 15، ص : 170

الخامس: الإرغام بالأنف (1) على ما يصح السجود عليه.

______________________________
ساجداً ...»
«1»، و في صحيحته الأُخرى «ثمّ ترفع يديك بالتكبير و تخرّ ساجداً» «2» فإن إطلاقهما يشمل التكبير حال الهوي، بل هو أوضح شمولًا كما لا يخفى.

و حيث لا تجري صناعة الإطلاق و التقييد في باب المستحبّات، فلا جرم يحمل التقييد بالانتصاب في الصحيحتين المتقدّمتين على بيان أفضل الفردين. فالأقوى ثبوت الاستحباب بقصد التوظيف في كلتا الحالتين في المقام، على خلاف ما تقدّم في بحث الركوع.

(1) على المشهور المعروف، بل عن جملة من الأصحاب دعوى الإجماع عليه و مال في الحدائق إلى الوجوب «3»، و نسب ذلك إلى الصدوق في الفقيه و الهداية «4» حيث عبّر بمضمون النص الظاهر في الوجوب.

و كيف ما كان، فمستند الوجوب موثقة عمار عن جعفر عن أبيه قال «قال علي (عليه السلام): لا تجزي صلاة لا يصيب الأنف ما يصيب الجبين» «5»، و في بعض النسخ كمصباح الفقيه «6» نقلت هكذا «لا تجزي صلاة من لا يصيب أنفه ما يصيب جبينه» لكن المذكور في الوسائل و غيره ما عرفت و المعنى واحد‌

______________________________
(1) الوسائل 5: 461/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 3.

(2) الوسائل 6: 295/ أبواب الركوع ب 1 ح 1.

(3) الحدائق 8: 294.

(4) الفقيه 1: 205، الهداية: 137.

(5) الوسائل 6: 344/ أبواب السجود ب 4 ح 4.

(6) مصباح الفقيه (الصلاة): 349 السطر 34.

172
موسوعة الإمام الخوئي15

فصل في مستحبات السجود ؛ ج 15، ص : 170

..........

______________________________
و الدلالة ظاهرة، فانّ نفي الاجزاء ظاهر في نفي الصحّة المساوق لوجوب الإرغام كما أنّ المراد بالجبين هنا الجبهة التي هي أحد إطلاقيه لغة كما في المنجد
«1» و ما في مجمع البحرين «2» من إيراد الموثقة بصورة «الجبينين» بدلًا عن «الجبين» غير واضح، لعدم استقامة المعنى حينئذ كما لا يخفى، و لعلّه من غلط النسّاخ.

و تؤيّدها مرسلة عبد اللّٰه بن المغيرة عمّن سمع أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: «لا صلاة لمن لم يصب أنفه ما يصيب جبينه» «3».

و ربّما يجاب بلزوم حمل الموثق على الاستحباب تارة للإجماع القائم عليه المدّعى في كلمات غير واحد.

و فيه: أنّه إنّما يتم لو صحّ الإجماع و كان تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم (عليه السلام) و ليس كذلك، كيف و قد نسب الخلاف إلى الصدوق سيّما بعد وجود المستند في المسألة كما ستعرف.

و أُخرى: لخبر محمّد بن مصادف (مضارب) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: إنّما السجود على الجبهة و ليس على الأنف سجود» «4».

و فيه: أنّ الدلالة و إن تمّت لحصر السجود من أعضاء الوجه في الجبهة و نفيه عن الأنف، لكن السند ضعيف عند القوم، فانّ محمّد بن مصادف لم يوثق، بل قد ضعّفه ابن الغضائري صريحا «5».

______________________________
(1) المنجد: 78 مادة «جبن».

(2) مجمع البحرين 6: 224.

(3) الوسائل 6: 345/ أبواب السجود ب 4 ح 7.

(4) الوسائل 6: 343/ أبواب السجود ب 4 ح 1.

(5) مجمع الرِّجال 6: 55.

173
موسوعة الإمام الخوئي15

فصل في مستحبات السجود ؛ ج 15، ص : 170

..........

______________________________
و ثالثة: للروايات المتقدِّمة «1» المتضمِّنة أنّ السجود على سبعة أعظم و أنّها الفرض، و أنّ الإرغام بالأنف سنّة.

و فيه: أنّ السنّة في لسان الأخبار غير ظاهرة في الاستحباب سيّما إذا قوبلت بالفرض، فانّ المراد بها ما سنّة النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) وجوباً أو استحباباً في قبال ما فرضه اللّٰه تعالى في كتابه، و قد أُطلقت السنة على بعض الواجبات في لسان الروايات كقوله: القراءة سنّة، التشهّد سنّة، الركعتان الأخيرتان سنّة و غير ذلك.

و رابعة: للنصوص المتضمِّنة ان ما بين قصاص الشعر إلى طرف الأنف أو إلى الحاجب مسجد و إن أي ذلك أصبت به الأرض أجزأك «2» فانّ مقتضاها عدم وجوب السجود على الأنف لخروجه عن الحد.

و فيه: ما لا يخفى، فانّ تلك النصوص في مقام تحديد المسجد من الجبهة و لا نظر فيها إلى سائر المساجد، فكما لا تنفي وجوب السجود على اليدين و الركبتين كذلك لا تنفي وجوبه على الأنف لو كان واجباً لعدم كونها ناظرة إلى ما عدا الجبهة من المساجد كما عرفت.

فالإنصاف: أنّ شيئاً من هذه الوجوه لا يصلح سنداً للاستحباب فيبقى الموثق المؤيّد بالمرسل الظاهر في الوجوب سليماً عن المعارض.

و الصحيح في الجواب أن يقال: أوّلًا: أنّ المقتضي للوجوب قاصر في حدّ نفسه، فان ظاهر الموثق لزوم إصابة الأنف شخص ما يصيبه الجبين لا شي‌ء غيره من نوع أو جنس آخر و إن كان ممّا يصح السجود عليه، لاستلزامه نوعاً من الاستخدام الّذي هو على خلاف الأصل، و لازمه عدم الاجتزاء بما لو وضع‌

______________________________
(1) في ص 89.

(2) الوسائل 6: 355/ أبواب السجود ب 9.

174
موسوعة الإمام الخوئي15

فصل في مستحبات السجود ؛ ج 15، ص : 170

..........

______________________________
جبهته على الخشبة مثلًا و الأنف على التربة، إذ لا يصدق معه أنّ الأنف أصاب ما أصابه الجبين، بل كل منهما أصاب شيئاً غير ما أصابه الآخر، بل لازمه عدم الاجتزاء بما لو وضع جبهته على تربة، و أنفه على تربة اخرى مفصولة عنها لعين ما ذكر، فظاهر الموثق أن يكون هناك شي‌ء واحد و جسم فأرد مسجداً لكلا العضوين كتربة واحدة تسع الموضعين كي يصدق معه أنّ الأنف أصاب ما أصابه الجبين لانتفاء الصدق بدون ذلك إلّا بمعونة ارتكاب نوع من الاستخدام، بأن يقال إنّ الأنف أصاب نوع ما أصابه الجبين أو جنسه و هو على خلاف الأصل، و حيث إنّ هذا الظاهر مطروح قطعاً لعدم القول به من أحد. فلا مناص من طرح الرواية أو حملها على الاستحباب، فالمقتضي للوجوب قاصر في حدّ نفسه.

و ثانياً: مع التسليم لا بدّ من رفع اليد عنه للدليل الّذي تمسّكنا به في كثير من المقامات، و هو أنّ المسألة كثيرة الدوران و عامّة البلوى لكل أحد في كل يوم، فلو كان الوجوب ثابتاً لاشتهر و بان و شاع و ذاع و كان من الواضحات من غير خلاف معتد به، كيف و لم ينسب القول به إلى أحد ما عدا الصدوق في ظاهر عبارته التي هي مضمون النصوص القابلة للحمل على الاستحباب بقرينة عدّه من الآداب. فالمتعيِّن هو الحكم بالاستحباب الّذي عليه المشهور، بل هو المتسالم عليه لعدم وجود مخالف صريح، و إن كان الاحتياط ممّا لا ينبغي تركه.

و ثالثاً: أنّ محمّد بن مصادف و إن ضعّفه ابن الغضائري كما سمعت إلّا أنّه وثقه في موضع آخر من كتابه «1» و من ثمّ توقف فيه العلّامة «2». و على أيّ حال لا يمكن التعويل لا على تضعيفه و لا على توثيقه، لا لقدح فيه في نفسه فإنّه من الثقات و من مشايخ النجاشي و قد اعتمد عليه كثيراً، بل لأنّ الكتاب المنسوب‌

______________________________
(1) الخلاصة: 404/ 1630.

(2) الخلاصة: 404/ 1630.

175
موسوعة الإمام الخوئي15

فصل في مستحبات السجود ؛ ج 15، ص : 170

السادس: بسط اليدين مضمومتي الأصابع حتّى الإبهام حذاء الأُذنين متوجِّهاً بهما إلى القبلة.

السابع: شغل النظر إلى طرف الأنف حال السجود.

الثامن: الدُّعاء قبل الشروع في الذكر بأن يقول: اللّٰهمّ لك سجدت و بك آمنت و لك أسلمت و عليك توكّلت و أنتَ ربِّي سجد وجهي للّذي خلقه و شقّ سمعه و بصره، و الحمد للّٰه ربّ العالمين تبارك اللّٰه أحسن الخالقين.

______________________________
إليه لم تظهر صحّة نسبته إليه، و قد صرّح الشيخ (قدس سره)
«1» بأنّ له كتابين و مدحهما غير أنّه لم ينسخهما أحد من أصحابنا و عمد بعض ورثته إلى إتلاف هذين الكتابين و غيرهما من الكتب. و قد ذكر في التحرير الطاووسي «2» أيضاً أنّه لا طريق لنا إلى كتابه، و العلّامة أيضاً لا طريق له إليه و إن أكثر النقل عنه.

و حيث إنّ الرجل محمّد بن مصادف أو مضارب موجود في أسانيد كامل الزيارات فيحكم بوثاقته لسلامته عن المعارض، و عليه فالرواية موثقة، كما أنّ الدلالة ظاهرة، و الخدش فيها بأنّ غايتها نفي السجود على الأنف، و عدم جواز الاقتصار فيه بدلًا عن الجبهة، فلا تدل على نفي الإرغام الّذي هو محل الكلام ساقط لدلالتها على حصر السجود في الجبهة و إن لزم تقييدها بما دلّ على وجوبه في سائر المساجد أيضاً. و على أيّ حال فهي كالصريح في أنّه لا يجب السجود من أعضاء الوجه إلّا على الجبهة، فلو وجب على الأنف أيضاً لم يتّجه الحصر و لما صحّ النفي عن الأنف كما لا يخفى.

فتحصّل: أنّ المقتضي لوجوب الإرغام قاصر في حدّ نفسه، لقصور موثقة‌

______________________________
(1) الفهرست: 1.

(2) التحرير الطاووسي: 5.

176
موسوعة الإمام الخوئي15

فصل في مستحبات السجود ؛ ج 15، ص : 170

التاسع: تكرار الذكر.

العاشر: الختم على الوتر.

الحادي عشر: اختيار التسبيح من الذكر و الكبرى من التسبيح، و تثليثها أو تخميسها أو تسبيعها.

الثاني عشر: أن يسجد على الأرض بل التراب دون مثل الحجر و الخشب.

الثالث عشر: مساواة موضع الجبهة مع الموقف، بل مساواة جميع المساجد.

الرابع عشر: الدُّعاء في السجود أو الأخير بما يريد من حاجات الدُّنيا و الآخرة، و خصوص طلب الرِّزق الحلال بأن يقول: يا خير المسئولين و يا خير المعطين ارزقني و ارزق عيالي من فضلك فإنّك ذو الفضل العظيم.

الخامس عشر: التورك في الجلوس بين السجدتين و بعدهما، و هو أن يجلس على فخذه الأيسر جاعلًا ظهر القدم اليمنى في بطن اليسرى.

السادس عشر: أن يقول في الجلوس بين السجدتين: استغفر اللّٰه ربِّي و أتوب إليه.

السابع عشر: التكبير بعد الرفع من السجدة الأُولى بعد الجلوس مطمئناً و التكبير للسجدة الثانية و هو قاعد.

الثامن عشر: التكبير بعد الرفع من الثانية كذلك.

التاسع عشر: رفع اليدين حال التكبيرات.

العشرون: وضع اليدين على الفخذين حال الجلوس اليمنى على اليمنى

______________________________
عمار عن إفادته. و على تقدير التسليم فتحمل على الاستحباب جمعاً بينها و بين هذه الموثقة الصريحة في عدم الوجوب. مضافاً إلى الدليل المتقدِّم.

177
موسوعة الإمام الخوئي15

فصل في مستحبات السجود ؛ ج 15، ص : 170

و اليسرى على اليسرى.

الحادي و العشرون: التجافي حال السجود بمعنى رفع البطن عن الأرض.

الثاني و العشرون: التجنح، بمعنى تجافي الأعضاء حال السجود بأن يرفع مرفقيه عن الأرض مفرّجاً بين عضديه و جنبيه و مبعّداً يديه عن بدنه جاعلًا يديه كالجناحين.

الثالث و العشرون: أن يصلِّي على النبيّ و آله في السجدتين.

الرابع و العشرون: أن يقوم سابقاً برفع ركبتيه قبل يديه.

الخامس و العشرون: أن يقول بين السجدتين: اللّٰهمّ اغفر لي و ارحمني و أجرني و ادفع عنِّي فإنِّي لما أنزلت إليّ من خير فقير تبارك اللّٰه ربّ العالمين.

السادس و العشرون: أن يقول عند النهوض للقيام: بحول اللّٰه و قوّته أقوم و أقعد. أو يقول: اللّٰهمّ بحولك و قوتك أقوم و أقعد.

السابع و العشرون: أن لا يعجن بيديه عند إرادة النهوض، أي لا يقبضهما بل يبسطهما على الأرض معتمداً عليهما للنهوض.

الثامن و العشرون: وضع الركبتين قبل اليدين للمرأة عكس الرجل عند الهوي للسجود، و كذا يستحب عدم تجافيها حاله بل تفترش ذراعيها و تلصق بطنها بالأرض و تضم أعضاءها، و كذا عدم رفع عجيزتها حال النهوض للقيام بل تنهض و تنتصب عدلا.

التاسع و العشرون: إطالة السجود، و الإكثار فيه من التسبيح و الذكر.

الثلاثون: مباشرة الأرض بالكفّين.

الواحد و الثلاثون: زيادة تمكين الجبهة و سائر المساجد في السجود.

178
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 1: يكره الإقعاء في الجلوس بين السجدتين ؛ ج 15، ص : 179

[مسألة 1: يكره الإقعاء في الجلوس بين السجدتين]

[1627] مسألة 1: يكره الإقعاء في الجلوس بين السجدتين بل بعدهما أيضاً، و هو أن يعتمد بصدور قدميه على الأرض و يجلس على عقبيه كما فسّره به الفقهاء بل بالمعنى الآخر المنسوب إلى اللغويين أيضاً، و هو أن يجلس على أليتيه، و ينصب ساقيه، و يتساند إلى ظهره كإقعاء الكلب.

[مسألة 2: يكره نفخ موضع السجود إذا لم يتولّد حرفان]

[1628] مسألة 2: يكره نفخ موضع السجود إذا لم يتولّد حرفان، و إلّا فلا يجوز بل مبطل للصلاة، و كذا يكره عدم رفع اليدين من الأرض بين السجدتين.

[مسألة 3: يكره قراءة القرآن في السجود]

[1629] مسألة 3: يكره قراءة القرآن في السجود كما كان يكره في الركوع.

[مسألة 4: الأحوط عدم ترك جلسة الاستراحة]

[1630] مسألة 4: الأحوط عدم ترك جلسة الاستراحة [1] (1) و هي الجلوس بعد السجدة الثانية في الركعة الأُولى و الثالثة ممّا لا تشهد فيه، بل وجوبها لا يخلو عن قوّة.

______________________________
(1) المعروف و المشهور استحباب جلسة الاستراحة، و هي الجلوس بعد رفع الرأس عن السجدة الثانية في الركعة التي لا تشهد فيها، و هي الاولى و الثالثة من الصلاة الرباعية، بل عن بعض دعوى الإجماع عليه. و حكي عن السيِّد القول بالوجوب
«1»، بل نسب ذلك إلى غير واحد من القدماء، و مالَ إليه في كشف اللثام «2»، و قوّاه في الحدائق «3»، و احتاط فيه في المتن بل استقواه أخيرا.

______________________________
[1] لا بأس بتركه.

______________________________
(1) الانتصار: 150.

(2) كشف اللثام 4: 103.

(3) الحدائق 8: 302.

179
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 4: الأحوط عدم ترك جلسة الاستراحة ؛ ج 15، ص : 179

..........

______________________________
و الّذي يمكن أن يستدل به على الوجوب جملة من النصوص.

الاولى: ما رواه الصدوق في كتاب الخصال عن أبي بصير و محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام) قال قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «اجلسوا في الركعتين حتّى تسكن جوارحكم ثمّ قوموا فانّ ذلك من فعلنا» «1» فانّ الركعتين إشارة إلى الأُولى و الثالثة ممّا لا تشهد فيه. و ظاهر الأمر الوجوب.

هذا، و سند الرواية التي هي من حديث الأربعمائة معتبر و إن وقع في الطريق القاسم بن يحيى عن جدّه الحسن بن راشد، فانّ الرجلين و إن لم يوثقا صريحاً في كتب الرِّجال، أعني القاسم و جدّه الحسن دون غيرهما ممّن يسمّى بذلك لكن يكفي وقوعهما بعين هذا السند أي القاسم بن يحيى عن جدّه الحسن بن راشد في أسانيد كامل الزيارات، و يؤكِّده أنّ الصدوق اختار في باب الزيارات رواية قال إنّها أصح الروايات التي وصلت إليّ «2»، مع أنّ في طريقها أيضاً القاسم بن يحيى عن جدّه الحسن بن راشد، فهذا توثيق منه (قدس سره) لهما. و لعلّه من أجل هذا وصف صاحب الحدائق هذه الرواية في المقام بالاعتبار فقال: بسند معتبر «3» و إلّا فقد عرفت أنّ الرجلين غير موثقين في كتب الرِّجال و من المعلوم عدم استناده إلى كتاب كامل الزيارات.

و على الجملة: فالرواية صحيحة السند لكنّها قاصرة الدلالة على الوجوب لمكان الاشتمال على التعليل بقوله (عليه السلام) «فانّ ذلك من فعلنا» فانّ هذا اللِّسان أقرب إلى الاستحباب كما لا يخفى على من له أُنس بالأخبار، إذ مع‌

______________________________
(1) الوسائل 5: 471/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 16، الخصال: 628.

(2) الفقيه 2: 360.

(3) الحدائق 8: 304.

180
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 4: الأحوط عدم ترك جلسة الاستراحة ؛ ج 15، ص : 179

..........

______________________________
الوجوب لا حاجة إلى هذا التعليل، لكونه من أجزاء الصلاة حينئذ لا من فعلهم (عليهم السلام).

الثانية: صحيحة أبي بصير: «و إذا سجدت فاقعد مثل ذلك، و إذا كنت في الركعة الأُولى و الثانية و لا يبعد أنّ النسخة مغلوطة و الصحيح الثالثة فرفعت رأسك من السجود فاستتمّ جالساً حتّى ترجع مفاصلك فاذا نهضت فقل: بحول اللّٰه و قوّته أقوم و أقعد، فانّ عليّاً (عليه السلام) هكذا كان يفعل» «1». و هذه كالسابقة في عدم الدلالة على الوجوب، فانّ ظاهر الأمر و إن كان هو الوجوب لكن يصرفه عنه التعليل المذكور في الذيل، فانّ الوجوب لا يناسب التعليل بالتأسِّي بفعل علي (عليه السلام). فالدلالة قاصرة و إن صحّ السند كالسابقة، فإنّ داود الخندقي الواقع في السند هو داود بن زربي الخندقي الموثق.

الثالثة: إطلاق صحيحة الأزدي قال (عليه السلام) فيها: «و إذا سجد فلينفرج و ليتمكّن، و إذا رفع رأسه فيلبث حتّى يسكن» «2» حيث أمر (عليه السلام) باللبث و السكون المساوق للجلوس مطمئناً. و ظاهر الأمر الوجوب، و مقتضى إطلاقه عدم الفرق بين الرفع عن السجدة الأُولى أو الثانية. هذا و نسخة الوسائل طبع عين الدولة مشتملة على الغلط، و الصحيح ما هو الموجود في الطبعة الجديدة فلتلاحظ.

و كيف كان، فهذه الرواية صحيحة السند ظاهرة الدلالة، فلا بأس بالاعتماد عليها.

الرابعة: ما رواه زيد النرسي في كتابه قال: «سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: إذا رفعت رأسك من آخر سجدتك في الصلاة قبل أن تقوم فاجلس جلسة‌

______________________________
(1) الوسائل 5: 465/ أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 9.

(2) الوسائل 4: 35/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 8 ح 14.

181
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 4: الأحوط عدم ترك جلسة الاستراحة ؛ ج 15، ص : 179

..........

______________________________
ثمّ بادر بركبتيك إلى الأرض قبل يديك و ابسط يديك بسطاً و اتك عليهما ثمّ قم فانّ ذلك وقار المؤمن الخاشع لربّه و لا تطيش من سجودك مبادراً إلى القيام كما يطيش هؤلاء الأقشاب في صلاتهم»
«1».

و الظاهر أنّ الرواية صحيحة السند، فان زيداً موجود في أسانيد كامل الزيارات و إن لم يوثق صريحاً في كتب الرِّجال، و أمّا كتابه فلم يرو عنه محمّد ابن علي بن بابويه، و قال لم يروه محمّد بن الحسن بن الوليد، و كان يقول وضعه محمّد بن موسى السمان الهمداني «2»، و لكن ابن الغضائري و كذا من تأخّر عنه خطأ ابن الوليد في نسبة الوضع و قال هذا غلط فإنِّي رأيت كتابه مسموعاً من محمّد بن أبي عمير «3»، و قال الشيخ أيضاً إنّ كتابه رواه عنه ابن أبي عمير «4» و كذا النجاشي اعتمد على كتابه و قال: رواه جماعة منهم ابن أبي عمير «5». فالظاهر أنّ نسبة الوضع في غير محلها، و لم يعلم أنّ ابن الوليد بأيّ استناد حكم بالوضع، و لو سلّم فمن أين علم أنّ الواضع هو محمّد بن موسى مع أنّ الكتاب مروي عنه بطريق ابن أبي عمير كما سمعت و لم يكن في الطريق هذا الرجل، فلعل الواضع شخص آخر.

و كيف ما كان، فلا ينبغي التشكيك في صحّة السند، لكن الدلالة قاصرة لمكان التعليل المذكور في الذيل من كونه من وقار الصلاة الكاشف عن الاستحباب.

______________________________
(1) المستدرك 4: 456/ أبواب السجود ب 5 ح 2.

(2) الفهرست: 71/ 290، الخلاصة: 347/ 1377.

(3) الخلاصة: 347/ 1377.

(4) الفهرست: 71/ 290.

(5) رجال النجاشي: 174/ 460.

182
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 4: الأحوط عدم ترك جلسة الاستراحة ؛ ج 15، ص : 179

..........

______________________________
الخامسة: رواية الأصبغ بن نباتة «1».

و فيه: مضافاً إلى ضعف السند بعلي بن الحزور فإنّه لم يوثق، أنّ الدلالة لمكان التعليل بالتوقير قاصرة لمناسبته الاستحباب كما مرّ.

السادسة: ما رواه الشيخ بإسناده عن سماعة عن أبي بصير قال «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): إذا رفعت رأسك في (من) السجدة الثانية من الركعة الأُولى حين تريد أن تقوم فاستو جالساً ثمّ قم» «2» و هذه كما ترى ظاهرة الدلالة إنّما الكلام في السند و قد عبّر عنها في الجواهر بالموثقة «3»، و تبعه غير واحد و لكن صاحب الحدائق عبّر عنها بما رواه الشيخ عن أبي بصير «4» المشعر بالضعف و هو كذلك، فإنّ سماعة و إن كان ثقة كأبي بصير لكن طريق الشيخ إليه غير معلوم مع الفصل الطويل بينهما، فلم يعلم الواسطة، لعدم ذكر الاسناد هنا و إن كان قد يذكره في الروايات الأُخرى عنه، و لم يتعرّض لسماعة في الفهرست كي يذكر طريقه إليه فتصبح الرواية مرسلة لا محالة «5».

السابعة: صحيحة عبد الحميد بن عواض عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «رأيته إذا رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأُولى جلس حتّى يطمئن ثمّ يقوم» «6».

______________________________
(1) الوسائل 6: 347/ أبواب السجود ب 5 ح 5.

(2) الوسائل 6: 346/ أبواب السجود ب 5 ح 3، التهذيب 2: 82/ 303.

(3) الجواهر 10: 184.

(4) الحدائق 8: 303.

(5) لكن يمكن التصحيح بوجه آخر، و هو أنّ طريق الصدوق إليه صحيح، و قد صحّ طريق الشيخ أيضاً إلى جميع كتب الصدوق و رواياته كما أشار إليه الأُستاذ في المعجم [17: 350/ 11319].

(6) الوسائل 6: 346/ أبواب السجود ب 5 ح 1.

183
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 4: الأحوط عدم ترك جلسة الاستراحة ؛ ج 15، ص : 179

..........

______________________________
و فيه: أنّه حكاية فعل صادر عنه (عليه السلام) و هو أعم من الوجوب فلا يدل عليه.

فتحصّل: أنّ شيئاً من الروايات المتقدِّمة لا يمكن الاستدلال بها على الوجوب لضعفها سنداً أو دلالة على سبيل منع الخلو عدا صحيحة الأزدي بإطلاقها.

و بإزاء هذه الأخبار موثقة زرارة قال: «رأيت أبا جعفر و أبا عبد اللّٰه (عليهما السلام) إذا رفعا رؤوسهما من السجدة الثانية نهضا و لم يجلسا» «1» فإنّها كما ترى صريحة في عدم الوجوب، و بها يرفع اليد عن إطلاق صحيح الأزدي و يقيّد برفع الرأس عن السجدة الأُولى، أو يحمل على الاستحباب كما يحمل عليه بقية الأخبار المتقدِّمة لو سلّم دلالتها على الوجوب.

و المناقشة في الموثقة بدلالتها على مواظبتهما (عليهما السلام) على الترك مع وضوح رجحان الجلوس على الأقل فيكشف عن أنّه كان لعذر وراء الواقع و هو التقيّة، و إلّا فلا معنى للالتزام بترك المستحب سيّما و هو من توقير الصلاة كما مرّ، فلا تدل على عدم الوجوب، ساقطة، إذ لم يظهر وجه الدلالة على المواظبة و ليست فيها كلمة «كان» المشعرة بالدوام و الاستمرار، و لفظة «إذا» وقتية محضة لا دلالة فيها على الدوام بوجه، سواء أ كانت متعلِّقة ب‍ «رأيت» أم ب‍ «نهضا» فالرواية صادقة مع الرؤية مرّة واحدة، و لا قرينة في البين على حمل الفعل على التقيّة بعد أن كان الطبع الأوّلي مقتضياً للجري على الحكم الواقعي كما لا يخفى.

و منه تعرف أنّ دعوى معارضتها بصحيحة عبد الحميد السابقة أيضاً ساقطة إذ بعد عدم دلالتهما على المواظبة فلا تنافي بين صدور الفعل منه مرّة و قد رآه عبد الحميد، و صدور الترك اخرى و قد رآه زرارة.

______________________________
(1) الوسائل 6: 346/ أبواب السجود ب 5 ح 2.

184
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 4: الأحوط عدم ترك جلسة الاستراحة ؛ ج 15، ص : 179

..........

______________________________
هذا، و قد يستدل على الاستحباب بخبر رحيم قال: «قلت لأبي الحسن الرِّضا (عليه السلام) جعلت فداك أراك إذا صلّيت فرفعت رأسك من السجود في الركعة الأُولى و الثالثة فتستوي جالساً ثمّ تقوم، فنصنع كما تصنع؟ فقال: لا تنظروا إلى ما أصنع أنا اصنعوا ما تؤمرون»
«1» قال في الوسائل: أوّل الحديث يدل على الاستحباب، و آخره على نفي الوجوب.

و فيه: أنّ الرواية و إن كانت معتبرة سنداً، فانّ رحيم الّذي هو من أصحاب الرِّضا (عليه السلام) هو الملقب بعبدوس الخلنجي أبو أحمد و هو موجود في أسانيد كامل الزيارات، و هو كاف في توثيقه و إن لم يوثق في كتب الرِّجال لكن الدلالة قاصرة، فإنّها محمولة على التقيّة، و إلّا فلما ذا منعه (عليه السلام) عن أن يصنع كما صنع، مع أنّ جلسة الاستراحة لا إشكال في رجحانها و استحبابها لكونها من توقير الصلاة كما مرّ. فيعلم من ذلك أنّ سند المنع هو التقيّة إمّا من نفس الراوي كما احتمله في الحدائق «2»، أو من أجل الابتلاء بالعامّة و الوقوع في خلاف التقيّة، فلم تكن الرواية واردة في مقام بيان الحكم الواقعي قطعا.

و قد ظهر من جميع ما سردناه أنّ الأقوى عدم وجوب جلسة الاستراحة و إن كان الاحتياط ممّا لا ينبغي تركه.

بقي هنا شي‌ء: و هو أنّ صاحب المدارك (قدس سره) بعد أن استدلّ للوجوب برواية أبي بصير المتقدِّمة التي في سندها سماعة و هي الرواية السادسة من الروايات المتقدِّمة و عارضها بموثقة زرارة المتقدِّمة بقوله: و السندان متقاربان قال (قدس سره) بعد ذلك: و يدلُّ على الاستحباب صحيحة عبد الحميد بن عواض «3»

______________________________
(1) الوسائل 6: 347/ أبواب السجود ب 5 ح 6.

(2) الحدائق 8: 304.

(3) المدارك 3: 413.

185
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 4: الأحوط عدم ترك جلسة الاستراحة ؛ ج 15، ص : 179

..........

______________________________
و هي الرواية السابعة و اعترض عليه في الحدائق
«1» متعجِّباً بأن الصحيحة حكاية فعل و هو أعم من الوجوب و الاستحباب فأين الدلالة عليه.

و أجاب عنه المحقِّق الهمداني (قدس سره) «2» بكلام متين و حاصله: أنّ الاعتراض ناش عن الغفلة و عدم التفطن إلى مراد صاحب المدارك، فإنّه بعد أن نفى في المدارك احتمال الوجوب بمقتضى موثقة زرارة احتاج في إثبات الاستحباب إلى دليل فاستدلّ له بالصحيحة. فالاستدلال بها إنّما هو بعد القطع بعدم احتمال الوجوب بمقتضى الموثقة المؤيّدة بالأصل، فتعجبه في غير محله و هذا الاشكال غير وارد على صاحب المدارك.

نعم، يرد عليه الاشكال من وجهين: أحدهما: أنّ ما ذكره من أنّ سند الروايتين متقاربان في غير محله، بل هما متباعدان، فإن رواية أبي بصير ضعيفة من جهة الإرسال كما عرفت «3»، و رواية زرارة موثقة، فلا تعارض لعدم التكافؤ في السند.

الثاني: أنّه لا حاجة في إثبات الاستحباب إلى دليل آخر لا صحيحة عواض و لا غيرها، بل يكفي فيه نفس الدليلين من غير حاجة إلى ثالث، فإن أحدهما تضمن الأمر و هي رواية أبي بصير مع قطع النظر عمّا ذكرناه من الضعف و الآخر و هي الموثقة تضمنت تركه (عليه السلام)، و بضم إحداهما إلى الأُخرى يثبت الاستحباب لا محالة.

______________________________
(1) الحدائق 8: 305.

(2) مصباح الفقيه (الصلاة): 352 السطر 5.

(3) و قد عرفت إمكان التصحيح من وجه آخر.

186
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 5: لو نسيها رجع إليها ما لم يدخل في الركوع ؛ ج 15، ص : 187

[مسألة 5: لو نسيها رجع إليها ما لم يدخل في الركوع]

[1631] مسألة 5: لو نسيها رجع إليها ما لم يدخل في الركوع (1).

______________________________
(1) لبقاء المحل ما لم يدخل في الركن كما هو الحال في سائر الأجزاء المنسيّة لكن الظاهر عدم إمكان التدارك فليس له الرجوع، إذ الواجب ليس مطلق الجلوس بعد السجود، بل حصّة خاصّة و هي الجلوس عن السجود، و إن شئت قل: رفع الرأس عن السجود و الاستواء جالساً كما تضمنته النصوص، و من الواضح أنّ هذا غير قابل للتدارك إلّا بإعادة السجود، فيلزم منها الزيادة العمدية في السجدة الواحدة غير الجائزة بلا إشكال.

و قد تقدّم «1» نظير ذلك في بحث الركوع و قلنا إنّه لو نسي القيام بعد الركوع فأهوى إلى السجود و تذكر قبل وضع الجبهة على الأرض مضى في صلاته لحديث لا تعاد، و ليس له التدارك لعدم إمكانه، إذ الواجب إنّما هو القيام عن الركوع لا القيام بعد الركوع، فتداركه يتوقف على إعادة الركوع المستلزمة لزيادة الركن، فكذا الحال في المقام.

______________________________
(1) في ص 26، 53.

187
موسوعة الإمام الخوئي15

فصل في سائر أقسام السجود ؛ ج 15، ص : 188

[فصل في سائر أقسام السجود]

فصل في سائر أقسام السجود

[مسألة 1: يجب السجود للسهو كما سيأتي مفصلًا في أحكام الخلل]

[1632] مسألة 1: يجب السجود للسهو كما سيأتي مفصلًا في أحكام الخلل.

[مسألة 2: يجب السجود على من قرأ إحدى آياته الأربع في السور الأربع]

[1633] مسألة 2: يجب السجود على من قرأ إحدى آياته الأربع في السور الأربع و هي: الم تنزيل عند قوله وَ هُمْ لٰا يَسْتَكْبِرُونَ و حم فصّلت عند قوله تَعْبُدُونَ و النجم، و العلق و هي سورة اقرأ باسم عند ختمهما. و كذا يجب على المستمع لها بل السامع على الأظهر (1) [1].

______________________________
(1) لا بدّ من التكلّم في جهات:

الاولى: في وجوب سجدة التلاوة و موردها.

الظاهر عدم الخلاف بين الإمامية في الوجوب، بل ادّعى عليه الإجماع غير واحد، كما أنّ موردها العزائم الأربع على ما ذكره في المتن، و تشهد له جملة وافرة من النصوص.

منها: الروايات الواردة في الحائض الآمرة بالسجود إذا سمعت السجدة التي منها صحيحة الحذاء قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الطامث تسمع السجدة، فقال: إن كانت من العزائم فلتسجد إذا سمعتها» «1» و غيرها.

______________________________
[1] بل على الأحوط، و الظاهر عدم الوجوب بالسماع.

______________________________
(1) الوسائل 2: 340/ أبواب الحيض ب 36 ح 1.

188
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 2: يجب السجود على من قرأ إحدى آياته الأربع في السور الأربع ؛ ج 15، ص : 188

..........

______________________________
و منها: صحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إذا قرأت شيئاً من العزائم التي يسجد فيها فلا تكبِّر قبل سجودك، و لكن تكبِّر حين ترفع رأسك، و العزائم أربعة: حم السجدة، و تنزيل، و النجم، و اقرأ باسم ربّك» «1».

و منها: صحيحة داود بن سرحان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: إنّ العزائم أربع: اقرأ باسم ربّك الّذي خلق، و النجم، و تنزيل السجدة، و حم السجدة» «2».

و منها: صحيحة عبد اللّٰه بن سنان «عن رجل سمع السجدة تقرأ، قال: لا يسجد إلّا أن يكون منصتاً لقراءته مستمعاً لها ...» إلخ «3».

و منها: صحيحة محمّد بن مسلم قال: «سألته عن الرجل يقرأ بالسورة فيها السجدة فينسى فيركع و يسجد سجدتين ثمّ يذكر بعد، قال: يسجد إذا كانت من العزائم، و العزائم أربع: الم تنزيل، و حم السجدة و النجم و اقرأ باسم ربّك ...» إلخ «4».

و منها: غيرها كما لا يخفى على المراجع. فالحكم مسلّم لا غبار عليه.

الجهة الثانية: هل الموجب للسجود و الموضوع لهذا الحكم تلاوة الآية بتمامها فلا وجوب ما لم يفرغ عنها، أو أنّ الموجب تلاوة نفس الكلمة المتضمِّنة للسجدة فلا عبرة بما قبلها و لا ما بعدها؟

المشهور هو الأوّل، بل حكي عليه الإجماع و الاتفاق. و يظهر من المحقِّق في‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 239/ أبواب قراءة القرآن ب 42 ح 1.

(2) الوسائل 6: 241/ أبواب قراءة القرآن ب 42 ح 7.

(3) الوسائل 6: 242/ أبواب قراءة القرآن ب 43 ح 1.

(4) الوسائل 6: 244/ أبواب قراءة القرآن ب 44 ح 2.

189
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 2: يجب السجود على من قرأ إحدى آياته الأربع في السور الأربع ؛ ج 15، ص : 188

..........

______________________________
المعتبر
«1» الثاني ناسباً له إلى الشيخ، و مال إليه في الحدائق «2».

و يستدل لهذا القول بوجهين: الأوّل: أنّ سبب السجدة هو الأمر المتعلِّق بها في الآية، فعند الانتهاء إلى هذه اللفظة يتحقّق الموجب فلا اعتداد بغيرها.

و هذا كما ترى ساقط جدّاً، ضرورة أنّ الموجب إنّما هو التلاوة الخارجية أو السماع على ما نطقت به النصوص لا نفس الأمر و إلّا وجب السجود دائماً سواء قرأ أم لا، كما هو الحال في سائر الأحكام التي تضمّنها القرآن من الصلاة و الزكاة و نحوهما غير المنوط وجوبهما بالقراءة و هو واضح الفساد.

الثاني: ما ذكره في الحدائق من أنّ ذلك مقتضى ظواهر الأخبار لتعليق السجود في جملة منها على سماع السجدة أو قراءتها أو استماعها، و المتبادر من السجدة إنّما هو لفظ السجدة، إذ الحمل على تمام الآية يحتاج إلى التقدير الّذي هو خلاف الأصل، غير أنّ اتفاق الأصحاب على خلافه يمنعنا من الالتزام به و إلّا فهو مقتضى الجمود على ظواهر النصوص.

و فيه: ما لا يخفى، ضرورة أنّ حمل السجدة الواردة في النصوص على لفظ السجدة كي يكون من باب استعمال اللفظ في اللفظ ممّا لا يمكن المصير إليه، لعدم ورود هذه اللفظة بمادتها و هيئتها في شي‌ء من آيات العزائم و إنّما الموجود فيها سائر المشتقات. و عليه فارتكاب التقدير ممّا لا محيص عنه، فيدور الأمر بين أن يكون المراد آية السجدة أو سورتها لصحّة كلا الإطلاقين، لكن الثاني مقطوع العدم، لقيام الإجماع بل الضرورة على عدم مدخلية السورة في الوجوب و عدم الاعتداد بسائر الآيات. مضافاً إلى دلالة النصوص عليه التي منها موثقة‌

______________________________
(1) المعتبر 2: 273.

(2) الحدائق 8: 334.

190
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 2: يجب السجود على من قرأ إحدى آياته الأربع في السور الأربع ؛ ج 15، ص : 188

..........

______________________________
عمار قال (عليه السلام) فيها: «إذا بلغ موضع السجدة فلا يقرأها»
«1».

فيتعيّن الأوّل، فيظهر أنّ الموجب للسجود إنّما هو نفس الآية، فلا عبرة بأبعاضها حتّى اللفظة المتضمِّنة للسجدة. و على تقدير التنزل و الشك في إيجاب هذه اللّفظة لها فتكفينا أصالة البراءة التي هي المرجع في الشبهة الحكمية الوجوبية باتِّفاق الأُصوليين و الأخباريين.

الجهة الثالثة: إذا بنينا على أنّ سبب الوجوب هو تمام الآية كما عرفت، فلا إشكال في أنّ موضع السجدة و محلها هو ما بعد الفراغ عن الآية، لعدم تحقّق الموجب قبلئذ. و أمّا على المبنى الآخر و أنّ السبب نفس الكلمة، فهل يتعيّن السجود بمجرّد الانتهاء عنها أو يؤخِّر إلى ما بعد الفراغ عن الآية كما في الأوّل و لا تنافي بين الأمرين بأن يكون الموجب نفس الكلمة و موضع السجدة بعد الآية كما لا يخفى.

و قد اضطربت كلماتهم و اختلفت في المقام فوقع الخلط بين هذه الجهة و بين الجهة السابقة، و الأولى هو التفكيك و تحرير البحث بما سمعت. المعروف هو التأخير حتّى على هذا المبنى، لكن المحقِّق في المعتبر «2» ذكر أنّ موضعه في خصوص حم السجدة عند قوله تعالى وَ اسْجُدُوا لِلّٰهِ و نسبه إلى الشيخ في الخلاف. و عن الشهيد في الذكرى «3» أنّ النسبة غير تامّة و أنّ كلام الشيخ ليس صريحاً فيه و لا ظاهراً.

و الّذي يمكن أن يستدل له هو الفورية المعتبرة في سجدة التلاوة، لكنّه لو تمّ لعم و لم يختص بهذه السجدة، على أنّه لا يتم لعدم اقتضاء الأمر للفور و لا دليل‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 105/ أبواب القراءة في الصلاة ب 40 ح 3.

(2) المعتبر 2: 273.

(3) الذكرى 3: 468.

191
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 2: يجب السجود على من قرأ إحدى آياته الأربع في السور الأربع ؛ ج 15، ص : 188

..........

______________________________
عليه في المقام. نعم، يستفاد ذلك ممّا دلّ على المنع عن تلاوة آية العزيمة في الصلاة معلّلًا بأنّه زيادة في المكتوبة
«1»، إذ لو جاز التأخير إلى ما بعد الصلاة لم تتحقّق الزيادة فتدل لا محالة على اعتبار الفور في هذه السجدة، لكن المراد هي الفورية العرفية دون الحقيقية فلا يقدح فيها التأخير اليسير بمقدار الفراغ من الآية سيّما لو كان الباقي منها كلمة واحدة كما في سورة العلق، أو أتمها حال الهوي إلى السجود. و قد دلّت موثقة سماعة صريحاً على ذلك قال (عليه السلام) فيها: «من قرأ اقرأ باسم ربّك فاذا ختمها فليسجد» «2» فالأقوى أنّ موضع السجدة هو الفراغ عن الآية من غير فرق بين المبنيين.

الجهة الرابعة: لا إشكال كما لا خلاف نصّاً و فتوى في شمول الحكم للقارئ و المستمع، و تقتضيه جملة وافرة من النصوص التي تقدّمت الإشارة إليها.

و هل يعم السامع أيضاً من غير اختيار و إنصات أم أنّها مستحبّة بالإضافة إليه؟ حكي عن غير واحد من القدماء و جملة من المتأخِّرين الأوّل بل عن الحلِّي دعوى الإجماع عليه «3»، و اختاره في المتن، لكن المحكي عن جماعة آخرين الثاني، بل قيل إنّه مذهب الأكثر، أو أنّه المشهور، بل عن الخلاف «4» و التذكرة «5» الإجماع عليه، و هذا هو الأقوى، فإنّ مقتضى غير واحد من الأخبار و إن كان هو الإطلاق الشامل لصورتي السماع و الاستماع، لكن يجب تقييدها بالثاني بمقتضى صحيحة عبد اللّٰه بن سنان المصرِّحة بالتفصيل و تخصيص الحكم بالمستمع، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل سمع السجدة تقرأ‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 105/ أبواب القراءة في الصلاة ب 40 ح 1.

(2) الوسائل 6: 102/ أبواب القراءة في الصلاة ب 37 ح 2.

(3) السرائر 1: 226.

(4) الخلاف 1: 431 المسألة 179.

(5) التذكرة 3: 213.

192
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 2: يجب السجود على من قرأ إحدى آياته الأربع في السور الأربع ؛ ج 15، ص : 188

..........

______________________________
قال: لا يسجد إلّا أن يكون منصتاً لقراءته مستمعاً لها أو يصلِّي بصلاته فأمّا أن يكون يصلِّي في ناحية، و أنت تصلِّي في ناحية أُخرى فلا تسجد لما سمعت»
«1» هذا.

و قد نوقش في الصحيحة من وجوه:

أحدها: من حيث السند، فانّ في الطريق محمّد بن عيسى بن عبيد عن يونس بن عبد الرّحمن، و قد استثناه الصدوق تبعاً لشيخه محمّد بن الحسن بن الوليد عن رجال نوادر الحكمة لمحمّد بن أحمد بن يحيى حيث قال: ما تفرد به محمّد بن عيسى من كتب يونس و حديثه لا أعتمد عليه «2»، و ضعّفه الشيخ أيضاً صريحاً «3».

أقول: الظاهر صحّة الرواية فإنّ الاستثناء لم يصدر إلّا من الصدوق و شيخه ابن الوليد، فما في بعض الكلمات من إسناده إلى القميين في غير محله، و حيث إنّ الصدوق تابع في ذلك لشيخه كما صرّح (قدس سره) بالتبعية «4» و أنّه لا رأي له في ذلك مستقلا، فليس المستثني في الحقيقة إلّا ابن الوليد فحسب، لكنّ المتأخِّرين عنه أنكروا عليه هذا الاستثناء و خطؤه في ذلك، قال النجاشي بعد توصيف العبيدي بجلالة القدر و أنّه ثقة عين، و بعد حكاية الاستثناء المزبور ما لفظه: «و رأيت أصحابنا ينكرون هذا القول و يقولون من مثل أبي جعفر محمّد بن عيسى»، انتهى «5».

______________________________
(1) الوسائل 6: 242/ أبواب قراءة القرآن ب 43 ح 1.

(2) الفهرست: 140/ 601، رجال النجاشي: 333/ 896.

(3) الفهرست: 140/ 601، رجال الطوسي: 391/ 5758.

(4) الفقيه 2: 55/ 241.

(5) رجال النجاشي: 333/ 896.

193
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 2: يجب السجود على من قرأ إحدى آياته الأربع في السور الأربع ؛ ج 15، ص : 188

..........

______________________________
و حكى الكشي
«1» عن القتيبي أنّه قال: كان الفضل بن شاذان (رحمه اللّٰه) يحب العبيدي و يثني عليه، و يمدحه و يميل إليه، و يقول: ليس في أقرانه مثله و قد اعتمد عليه النجاشي كثيراً و وثّقه صريحاً كما سمعت، و حكى عن شيخه أبي العباس بن نوح إنكاره على ابن الوليد في الاستثناء قائلًا: فلا أدري ما رابه فيه أي ما الّذي أوقعه في الريب، لا ما رأيه كما في نسخة جامع الرواة ج 2 ص 64 فإنّه غلط كما لا يخفى لأنّه كان على ظاهر العدالة و الثقة «2».

و على الجملة: فلا يمكن التعويل على استثناء ابن الوليد المشعر بضعف الرجل في قبال توثيق النجاشي و غيره و الثناء عليه بتلك المقالة الكاشفة عن كونه بمكانة من الوثاقة و الجلالة حتّى كأنه من المتسالم عليه عند الأصحاب و لذا أنكروا عليه استثناءه متعجبين ناقمين كما مرّ. فلا يصلح ذاك الجرح لمعارضة مثل هذا التوثيق.

بل التحقيق: أنّ استثناء ابن الوليد لا يكشف عن جرح و قدح في نفس الرجل، فإنّ النجاشي قد تعرّض لنقل هذا الاستثناء في موضعين من كتابه.

أحدهما: في ترجمة محمّد بن أحمد بن يحيى، فعدّ من جملة ما استثناه ابن الوليد من رواياته ما يرويه محمّد بن عيسى بن عبيد بإسناد منقطع. و هذا كما ترى كالصريح في أنّ منشأ الاستثناء كون الرواية مقطوعة و ليست هي بحجّة حينئذ بلا خلاف و لا إشكال و إن كان الراوي في أعلى درجات الوثاقة، فلا إشعار في هذه العبارة فضلًا عن الدلالة على قدح في العبيدي نفسه.

الثاني: في ترجمة محمّد بن عيسى بن عبيد نفسه، فحكى عن ابن الوليد أنّه قال: ما تفرّد به محمّد بن عيسى من كتب يونس و حديثه لا أعتمد عليه‌

______________________________
(1) رجال الكشي: 537/ 1021.

(2) رجال النجاشي: 348/ 939.

194
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 2: يجب السجود على من قرأ إحدى آياته الأربع في السور الأربع ؛ ج 15، ص : 188

..........

______________________________
و الظاهر من هذه العبارة أنّ سبب الاستثناء في نظر ابن الوليد وجود خلل في طريق العبيدي إلى كتب يونس لعلّة مجهولة لدينا، لا وجود الخلل و الضعف في نفس العبيدي و إلّا لم يكن وجه لتخصيص الاستثناء بما يرويه عن يونس، بل كان اللّازم الاستثناء على سبيل الإطلاق للغوية التقييد حينئذ، فالتقييد المزبور أقوى شاهد على أنّ الرجل لم يكن بنفسه ممقوتاً عند ابن الوليد. فلا مجال للإنكار عليه بالعبائر المتقدِّمة من أنّه مَن مثل العبيدي، أو ليس في أقرانه مثله، و كأنهم استفادوا من كلامه قدحاً في الرجل فأنكروا عليه.

و كيف ما كان، فالإنصاف أنّ استثناء ابن الوليد لا يدل على قدح في الرجل حتّى يعارض به توثيق النجاشي، و العلّة التي كانت في نظره في وجه الخلل في طريقه إلى كتب يونس مجهولة لدينا كما عرفت فلا يمكن التعويل عليها، و قد عرفت أنّ الصدوق تابع له و أنّه لم يتبعه غيره من القميين.

و الّذي يكشف عمّا ذكرناه كشفاً قطعياً: أنّ الصدوق الّذي هو تابع لشيخه في الاستثناء المزبور كما صرّح به لم يذكر في كتاب الفقيه رواية عن محمّد بن عيسى عن يونس مع روايته عن محمّد بن عيسى بنفسه غير ما يرويه عن يونس كثيراً، فلو كان الاستثناء كاشفاً عن قدح في الرجل لما نقل رواية عنه أصلًا، فالتفكيك أقوى شاهد على أنّ الخلل في طريقه إلى يونس لا فيه نفسه و حيث إنّ ادّعاء الخلل اجتهاد من شيخه من غير أن يكون عليه دليل ظاهر فهو أعرف بما قال، و لا يلزمنا اتباعه.

و أمّا تضعيف الشيخ فهو أيضاً متّخذ من عبارة ابن الوليد و مستند إليه، لقوله في ترجمته: يونسي، أي من تلاميذ يونس، فكأنّ الخلل إنّما هو في طريقه إليه كما عرفت من ابن الوليد، و كذا تضعيف العلّامة في بعض كتبه و غيره مستند إليه، و بعد وضوح المستند و عدم صلاحيته للاستناد لخطئهم فيه كما ذكرنا فهو غير قابل للاعتماد، فالأقوى وثاقة الرجل لتوثيق النجاشي السليم عمّا يصلح‌

195
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 2: يجب السجود على من قرأ إحدى آياته الأربع في السور الأربع ؛ ج 15، ص : 188

..........

______________________________
للمعارضة، فمن أجل ذلك يحكم بصحّة الرواية، فالمناقشة السندية ساقطة.

الوجه الثاني من وجوه المناقشة: أنّها قد تضمّنت جواز قراءة الإمام للعزيمة الممنوع عنها بلا إشكال، فهي محمولة على التقيّة فتسقط عن الحجّية.

و الجواب عنه أوّلًا: أنّ الإمام المذكور لم يفرض كونه إمام الحق، فمن الجائز كونه من المخالفين و هم يجوّزون العزيمة في الصلاة، و لا يرون وجوب السجود فان سجد الإمام تبعه تقيّة، و إلّا يومئ برأسه كما ورد في بعض النصوص «1» من أنّ من سمع العزيمة و هو في الصلاة يومئ برأسه إيماءً، و لا محذور في حمل الصحيحة على ذلك، غايته ارتكاب التقييد بما إذا سجد الإمام، و إلّا فالوظيفة هي الإيماء كما عرفت، و لا ضير فيه.

و ثانياً: مع التسليم، فغايته سقوط هذه الفقرة عن الحجِّية غير القادحة في حجِّية الباقي الّذي هو مبنى الاستدلال فإنّها إلى قوله (عليه السلام) «مستمعاً لها» صريحة الدلالة و إن سلّم الإجمال فيما بعده.

الوجه الثالث: أنّها مطلقة بالإضافة إلى العزيمة و غيرها لعدم تقييدها بالأوّل و عليه فالنسبة بينها و بين النصوص المتقدِّمة الدالّة على الوجوب في العزيمة الشاملة بإطلاقها للسامع و المستمع عموم من وجه، لاختصاص الصحيحة بالسامع و عمومها للعزيمة و غيرها على عكس تلك النصوص، فيتعارضان في مادة الاجتماع و هي السامع للعزيمة، فلا يجب السجود بمقتضى هذه الصحيحة و يجب بمقتضى تلك المطلقات، و حيث إنّ الترجيح للثاني لمكان الشهرة المؤيّدة بإجماع السرائر تعيّن الوجوب.

و الجواب أوّلًا: أنّ الظاهر من الصحيحة و لو بمناسبة الحكم و الموضوع أنّ المراد بالسجدة فيها خصوص العزيمة لقوله (عليه السلام): «لا يسجد» متعقّباً‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 243/ أبواب قراءة القرآن ب 43 ح 4.

196
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 2: يجب السجود على من قرأ إحدى آياته الأربع في السور الأربع ؛ ج 15، ص : 188

..........

______________________________
بالاستثناء، إذ لا يحتمل أن يراد بالنهي المنع، لثبوت الاستحباب لدى سماع السجدة مطلقاً بلا ارتياب، بل المراد به نفي الوجوب لوروده في مقام توهّم الأمر كما يكشف عنه استثناء صورة الاستماع المحكومة بالوجوب، فيكون حاصل المعنى: أنّ من سمع السجدة لا يجب عليه السجود إلّا مع الإنصات و الاستماع. و هذا كما ترى لا ينطبق إلّا مع إرادة العزيمة خاصّة لعدم احتمال الوجوب في غيرها.

و عليه، فالنسبة بينها و بين المطلقات عموم و خصوص مطلق لا من وجه، فيلتزم بالتخصيص بحمل تلك المطلقات على صورة الاستماع خاصّة.

و ثانياً: على تقدير التسليم، فحيث إنّ التعارض في مادة الاجتماع بالإطلاق فيسقطان، و يرجع حينئذ إلى أصالة البراءة، و لا مجال للرجوع إلى المرجحات. مع أنّ إجماع السرائر مضافاً إلى وهنه معارض بمثله كما تقدّمت الإشارة إليه «1».

الوجه الرابع: أنّ أقصى ما يستفاد منها نفي الوجوب في السامع المصلِّي فيحتاج ثبوت الحكم في غير المصلِّي إلى إثبات عدم القول بالفصل كي يتعدّى من أحدهما إلى الآخر.

و الجواب: أنّ هذا إنّما يتّجه لو كان قوله (عليه السلام): «فامّا أن يكون يصلّي ...» إلخ راجعاً إلى صدر الكلام حتّى يقيّد به إطلاقه كي يكون المعنى حينئذ أنّه لا يسجد السامع إذا كان القارئ يصلِّي في ناحية و أنت تصلِّي في ناحية أُخرى، لكنّه ليس كذلك قطعاً، بل هذه الجملة بمقتضى الظهور العرفي من متمِّمات الجملة المتّصلة بها، أعني قوله (عليه السلام) «أو يصلِّي بصلاته» فأراد (عليه السلام) بيان أنّ المصلِّي يسجد إذا كان مأموماً يصلِّي بصلاة القارئ و أمّا إذا كان منفرداً فلا، بل يومئ، و قد أشرنا إلى وجه السجود إذا كان‌

______________________________
(1) في ص 192.

197
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 2: يجب السجود على من قرأ إحدى آياته الأربع في السور الأربع ؛ ج 15، ص : 188

و يستحب في أحد عشر موضعاً (1): في الأعراف عند قوله وَ لَهُ يَسْجُدُونَ

______________________________
مأموماً و أنّه من أجل التقيّة، لكون الإمام من المخالفين، و لا مقتضي له حال الانفراد.

و عليه فيبقى إطلاق الصدر على حاله، و أنّه لدى السماع لا يجب السجود مطلقاً إلّا في خصوص المأموم.

و على الجملة: فهذه الإشكالات كلّها ساقطة، فإنّ الرواية صحيحة السند ظاهرة الدلالة من غير اشتمالها على ما يخالف القواعد، فلا مناص من الأخذ بها، و من أجلها تقيد تلك المطلقات و تحمل على صورة الاستماع جمعاً بينها و بين هذه الصحيحة فلا وجوب مع السماع.

و أمّا الاستحباب فممّا لا ينبغي الإشكال فيه من غير حاجة إلى ورود دليل عليه بالخصوص، إذ يقتضيه مضافاً إلى الاتفاق و التسالم نفس الأمر الوارد في تلك المطلقات بضميمة الترخيص في الترك الّذي تضمنته الصحيحة، بناءً على ما هو الصحيح من أنّ الوجوب و الاستحباب غير مستفادين من نفس اللّفظ و لم يكونا مدلولين للأمر، و إنّما هما بحكم العقل المنتزع من الأمر بشي‌ء مع الاقتران بالترخيص في الترك، أو عدم الاقتران، فالأمر بالسجدة في تلك المطلقات مستعمل في جامع الطلب، و حيث إنّه لم يقترن بالترخيص في الترك بالإضافة إلى المستمع كما هو ظاهر، و اقترن به بالإضافة إلى السامع بمقتضى هذه الصحيحة، لدلالتها على نفي الوجوب بالنسبة إليه كما سبق، فنتيجته الوجوب في الأوّل و الاستحباب في الثاني.

(1) كأن هذا من المتسالم عليه بينهم حكماً و مورداً مرسلين له إرسال المسلّمات، فلا يجب في الزائد على الأربع و يستحب في غيرها من المواضع الأحد عشر على التفصيل الّذي ذكره في المتن.

198
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 2: يجب السجود على من قرأ إحدى آياته الأربع في السور الأربع ؛ ج 15، ص : 188

و في الرعد عند قوله وَ ظِلٰالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصٰالِ، و في النحل عند قوله وَ يَفْعَلُونَ مٰا يُؤْمَرُونَ و في بني إسرائيل عند قوله وَ يَزِيدُهُمْ خُشُوعاً و في مريم عند قوله خَرُّوا سُجَّداً وَ بُكِيًّا و في سورة الحج في موضعين عند قوله يَفْعَلُ اللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ و عند قوله افْعَلُوا الْخَيْرَ و في الفرقان عند قوله وَ زٰادَهُمْ نُفُوراً و في النمل عند قوله رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ و في ص عند قوله وَ خَرَّ رٰاكِعاً وَ أَنٰابَ و في الانشقاق عند قوله وَ إِذٰا قُرِئَ بل الأولى السجود عند كل آية فيها أمر بالسجود.

______________________________
و يؤيِّده: النبوي الّذي رواه جماعة من الأصحاب عن عبد اللّٰه بن عمرو بن العاص
«1»، و رواية دعائم الإسلام «2»، و خبر عبد اللّٰه بن سنان «3» و غيرها من الروايات الضعيفة التي تؤيِّد المطلوب المصرّحة بالاستحباب فيما عدا الأربع، بل ذكر في المتن تبعاً لجماعة ثبوت الاستحباب عند كل آية فيها أمر بالسجود مثل قوله تعالى يٰا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَ اسْجُدِي «4» و غير ذلك.

و تؤيِّده: رواية جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: إنّ أبي علي بن الحسين (عليه السلام) ما ذكر للّٰه نعمة عليه إلّا سجد، و لا قرأ آية من كتاب اللّٰه فيها سجدة إلّا سجد إلى أن قال فسمي السجّاد بذلك» «5» و إن كانت ضعيفة السند.

______________________________
(1) سنن ابن ماجة 1: 355/ 1057، سنن أبي داود 2: 58/ 1401.

(2) الدعائم 1: 214، المستدرك 4: 320/ أبواب قراءة القرآن ب 37 ح 1.

(3) الوسائل 6: 241/ أبواب قراءة القرآن ب 42 ح 9.

(4) آل عمران 3: 43.

(5) الوسائل 6: 244/ أبواب قراءة القرآن ب 44 ح 1.

199
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 2: يجب السجود على من قرأ إحدى آياته الأربع في السور الأربع ؛ ج 15، ص : 188

..........

______________________________
و عن صاحب المدارك
«1» المناقشة في استحباب ما عدا المواضع الأربعة لعدم وقوفه على نص يعتد به.

و اعترض عليه في الحدائق «2» بأنّ النص الصحيح موجود حتّى بناءً على اصطلاحه، و هو ما رواه محمّد بن إدريس في مستطرفات السرائر نقلًا من نوادر أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن العلاء عن محمّد بن مسلم «... و كان علي بن الحسين (عليه السلام) يعجبه أن يسجد في كل سورة فيها سجدة» «3»، لأنّ البزنطي صاحب الكتاب رواه عن العلاء عن محمّد بن مسلم، و الثلاثة ثقات بالاتِّفاق. على أنّه (قدس سره) في غير موضع من كتابه يعمل بالخبر الضعيف في باب السنن، فلا معنى لردّه هنا بضعف السند بعد وجود الخبر كرواية جابر المتقدِّمة. ثمّ اعتذر عنه بأنّ نظره في الفحص مقصور على الكتب الأربعة كما هي عادته و لم يراجع غيرها، و هذه الأخبار خارجة عنها.

أقول: الظاهر صحّة ما أفاده صاحب المدارك (قدس سره) في المقام، فإنّه لم ينكر وجود النص بقول مطلق كي يعتذر عنه بقصر النظر على الكتب الأربعة بل قيّده بنص يعتد به و هو مفقود كما أفاده (قدس سره)، و ما ذكره صاحب الحدائق من رواية محمّد بن مسلم فهي ليست من النص الصحيح، فانّ رجال السند و إن كان كلّهم ثقات كما ذكره إلّا أنّ طريق ابن إدريس إلى كتاب البزنطي مجهول لدينا مع الفصل الطويل بينهما، فإنّ البزنطي من أصحاب الجواد (عليه السلام) و الحلِّي من رجال القرن السادس فبينهما وسائط، و حيث أنّها مجهولة، فالرواية محكومة بالإرسال لا محالة فتسقط عن الاستدلال، فهي‌

______________________________
(1) المدارك 3: 419.

(2) الحدائق 8: 331.

(3) الوسائل 6: 244/ أبواب قراءة القرآن ب 44 ح 2، السرائر 3 (المستطرفات): 558.

200
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 3: يختص الوجوب و الاستحباب بالقارئ و المستمع و السامع للآيات ؛ ج 15، ص : 201

[مسألة 3: يختص الوجوب و الاستحباب بالقارئ و المستمع و السامع للآيات]

[1634] مسألة 3: يختص الوجوب و الاستحباب بالقارئ و المستمع و السامع للآيات فلا يجب على من كتبها أو تصوّرها، أو شاهدها مكتوبة أو أخطرها بالبال (1).

[مسألة 4: السبب مجموع الآية فلا يجب بقراءة بعضها و لو لفظ السجدة منها]

[1635] مسألة 4: السبب مجموع الآية فلا يجب بقراءة بعضها و لو لفظ السجدة منها (2).

______________________________
ضعيفة السند، لا أنّ صاحب المدارك لم يظفر بها لبعده جدّاً كما لا يخفى.

نعم، رواها الشيخ في التهذيب بسند صحيح لكنّها عارية عن الذيل الّذي هو موضع الاستدلال «1».

و أمّا حكمه (قدس سره) بالاستحباب في غير موضع من كتابه عند وجود الخبر الضعيف، فإنّما هو بالعنوان الثانوي من باب قاعدة مَن بلغ و التسامح في أدلّة السنن، و لم ينكر ذلك في المقام، بل أنكر النص الصحيح الدال على الاستحباب بالعنوان الأوّلي و هو صحيح كما أفاده، فالحكم في المقام مبني على قاعدة التسامح.

(1) موضوع الحكم وجوباً و استحباباً إنّما هو عنوان القارئ و المستمع و السامع، على كلام في الأخير بالنسبة إلى الوجوب كما مرّ فلا يعم غيرها كالكاتب و المتصور و الناظر إلى الكتابة و من يخطرها بالبال، لخروج كل ذلك عن موضوع الحكم في النصوص، بل لعلّه يلزم التكليف بما لا يطاق في الأخير إذ نفس الالتفات إلى هذا الأمر يقتضي الخطور فيلزمه السجود دائماً. هذا و لو شكّ في الشمول و لا نكاد نشك فالمرجع أصالة البراءة.

(2) كما تقدّم «2» البحث عنه مستقصًى فلا نعيد.

______________________________
(1) الوسائل 6: 104/ أبواب القراءة في الصلاة ب 39 ح 1، التهذيب 2: 292/ 1176.

(2) في ص 189.

201
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 5: وجوب السجدة فوري فلا يجوز التأخير ؛ ج 15، ص : 202

[مسألة 5: وجوب السجدة فوري فلا يجوز التأخير]

[1636] مسألة 5: وجوب السجدة فوري فلا يجوز التأخير (1)

______________________________
(1) إجماعاً كما ادّعاه غير واحد، و تشهد له جملة من النصوص.

منها: الأخبار المانعة عن قراءة العزيمة في الفريضة، معلّلًا بأنّ السجود زيادة في المكتوبة «1» فإنّها تكشف عن فورية السجدة لا محالة، إذ لو جاز التأخير إلى ما بعد الصلاة لم يكن أيّ وجه للمنع.

و منها: الروايات الآمرة بالإيماء لو سمعها و هو في الفريضة «2» التي منها و لعلّها أصرحها صحيحة عليّ بن جعفر قال: «سألته عن الرجل يكون في صلاته فيقرأ آخرُ السجدةَ، فقال: يسجد إذا سمع شيئاً من العزائم الأربع ثمّ يقوم فيتم صلاته إلّا أن يكون في فريضة فيومئ برأسه إيماءً» «3»، حيث تضمّنت التفصيل بين صلاة النافلة فيسجد عند سماع الآية ثمّ يتمّ الصلاة، لعدم قدح زيادة السجدة فيها، و بين الفريضة فيومئ، فلو جاز التأخير لم يكن وجه للانتقال إلى الإيماء الّذي هو بدل عن السجود لدى تعذّره.

فالأمر بالإيماء مقتصراً عليه من دون تعرّض لتدارك السجدة بعد الصلاة يكشف عن الفورية، و كأنّ صاحب الحدائق لم يظفر بهذه النصوص و إلّا لما اقتصر في الاستدلال على الإجماع الّذي بمجرّده لا قيمة له عنده، و لذا نراه كثيراً ما يحاول الاستدلال بالروايات و إن كانت ضعيفة بالمعنى المصطلح.

و كيف ما كان، فبمقتضى هذه النصوص تقيّد المطلقات و يحمل الأمر فيها على الفور، فالحكم مسلّم لا غبار عليه.

______________________________
(1) الوسائل 6: 105/ أبواب القراءة في الصلاة ب 40.

(2) الوسائل 6: 102، 103/ أبواب القراءة في الصلاة ب 37، 38.

(3) الوسائل 6: 243/ أبواب قراءة القرآن ب 43 ح 4.

202
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 5: وجوب السجدة فوري فلا يجوز التأخير ؛ ج 15، ص : 202

..........

______________________________
إنّما الكلام فيما إذا سمع السجدة في الأوقات التي تكره فيها الصلاة، و هي بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، و كذا قبل الغروب، فهل الفورية ثابتة هنا أيضاً أو أنّها تؤخّر إلى ما بعد خروج الوقت؟

مقتضى الإطلاقات هو الأوّل، لكن قد يتخيّل الثاني استناداً إلى موثقة عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: في الرجل يسمع السجدة في الساعة التي لا تستقيم الصلاة فيها قبل غروب الشمس و بعد صلاة الفجر، فقال: لا يسجد» «1».

و فيه أوّلًا: أنّ إمارة التقيّة عليها ظاهرة لقوله: «في الساعة التي لا تستقيم الصلاة ...» إلخ، فإن عدم الاستقامة المساوق لعدم الصحّة هو مذهب العامّة و قد تقدّم في بحث الأوقات «2» الأخبار الناهية عن الصلاة في هذا الوقت، معلّلة بأنّ الشمس تطلع بقرني الشيطان، فاذا صلّى الناس في هذا الوقت فرح إبليس و أخبر أتباعه أنّهم يسجدون لي، فلأجله منع عن السجود فيه في هذه الموثقة للاشتراك في علّة المنع. و بيّنا هناك أنّ هذه الروايات كلّها محمولة على التقيّة و أنّ التعليل جار على مذهبهم و مطابق لعقيدتهم، إذ هو مذكور في رواياتهم و إلّا فالشمس لا تزال في حالة الطلوع على صقع من الأصقاع من غير اختصاص بزمان أو مكان.

و ثانياً: أنّ النسبة بين الموثقة و بين الإطلاقات الآمرة بالسجود عموم من وجه، لإطلاق هذه من حيث العزيمة و غيرها و اختصاصها بالوقت الخاص على عكس المطلقات، فتتعارضان في مادّة الاجتماع و هي سماع العزيمة في الوقت المزبور فيجب السجود بمقتضاها، و لا يجب بمقتضى الموثقة، لكن الترجيح مع المطلقات، لكون الدلالة فيها بالعموم، و في الموثقة بالإطلاق و لا‌

______________________________
(1) الوسائل 6: 105/ أبواب القراءة في الصلاة ب 40 ح 3.

(2) شرح العروة 11: 361.

203
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 5: وجوب السجدة فوري فلا يجوز التأخير ؛ ج 15، ص : 202

..........

______________________________
شك في تقدّم الأوّل، فإن من تلك المطلقات صحيحة محمّد بن مسلم المشتملة على صيغة العموم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يعلّم السورة من العزائم فتعاد عليه مراراً في المقعد الواحد، قال: عليه أن يسجد كلّما سمعها، و على الّذي يعلّمه أيضاً أن يسجد»
«1».

على أنّه يمكن أن يقال: إنّ الموثقة خاصّة بغير العزيمة، فهي أجنبية عمّا نحن فيه و النسبة هي التباين لا العموم من وجه و ذلك بقرينة قوله: «لا تستقيم الصلاة فيها ...» إلخ، فإنّ المراد بهذه الصلاة إنّما هي النافلة، إذ هي التي يتوهّم أنّها لا تستقيم و إلّا فلا شك في استقامة الفريضة، لامتداد وقتها من الفجر إلى طلوع الشمس، و لا يحتمل خفاء مثل هذا الحكم الواضح على مثل عمار فبمناسبة الحكم و الموضوع يكون المراد من السجدة هي المستحبّة. و قد أشرنا آنفاً إلى أنّ الأخبار الناهية كلّها محمولة على التقيّة، و عليه فهذه السجدة كالنافلة مستحبّة في هذا الوقت أيضا.

و يشهد لما ذكرناه من الاختصاص بغير العزيمة: ذيل الموثقة حيث ذكر فيها هكذا «و عن الرجل يقرأ في المكتوبة سورة فيها سجدة من العزائم ...» إلخ، فإنّ التقييد بالعزيمة في هذا السؤال يكشف عن أنّ المراد بالسجدة في السؤال الأوّل ما يقابلها، فسأل أوّلًا عن حكم غير العزيمة ثمّ عن حكمها.

فظهر من جميع ما ذكرناه: أنّ الأقوى جواز فعلها في جميع الأوقات كلّها و إن كانت ممّا يكره فيه النوافل.

و تؤيِّده: رواية دعائم الإسلام «2» المصرّحة بالتعميم.

______________________________
(1) الوسائل 6: 245/ أبواب قراءة القرآن ب 45 ح 1.

(2) الدعائم 1: 215، المستدرك 4: 318/ أبواب قراءة القرآن ب 35 ح 2.

204
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 5: وجوب السجدة فوري فلا يجوز التأخير ؛ ج 15، ص : 202

نعم، لو نسيها أتى بها إذا تذكّر (1)

______________________________
(1) هل الفورية المعتبرة في السجدة لدى السماع أو التلاوة تجعلها من قبيل الواجبات الموقّتة التي يسقط معها الوجوب عند خروج الوقت و يكون قضاءً بعدئذ لو ثبت كالظهرين و نحوهما، فكما أنّ الأمر فيهما محدود بما بين الزوال و الغروب و موقّت بذلك فيسقط لو تركهما حتّى خرج الوقت، فكذا الأمر في المقام موقّت بالفورية العرفية فيسقط لو لم يسجد في هذا الوقت، أو أنّه لا توقيت في المقام و إنّما الفورية واجب آخر من قبيل تعدّد المطلوب، فلو أخلّ بها نسياناً أو عصياناً كان التكليف الأوّل باقياً و يقع أداءً مهما امتثله، فهو نظير صلاة الزلزلة الحادث وجوبها بحدوث السبب و الباقي مدى العمر من غير توقيت؟

اختار في الحدائق «1» الثاني، و هذا إنّما يتّجه بناءً على مسلكه من الاستناد في الفورية إلى الإجماع، فإنّه دليل لبي يقتصر على المقدار المتيقن و هو حال التذكّر، فمع النسيان يبقى التكليف الأوّل على حاله من غير توقيت فيه، فيجب الإتيان مهما تذكّر.

و أمّا بناءً على المختار من الاستناد إلى الأدلّة اللفظية، و هي النصوص الدالّة على الفورية التي تقدّمت «2»، فحيث إنّها مطلقة تشمل حالتي التذكّر و عدمه فهي تقيِّد الأمر الوارد في المطلقات على الإطلاق و تجعله من قبيل الموقتات لكشفها عن أنّ الواجب حصّة معيّنة و هي المحدودة بالفورية العرفية، فمقتضى القاعدة حينئذ سقوط التكليف بعد انتهاء الحد و خروج الوقت و لو كان ذلك‌

______________________________
(1) الحدائق 8: 340.

(2) في ص 202.

205
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 5: وجوب السجدة فوري فلا يجوز التأخير ؛ ج 15، ص : 202

..........

______________________________
من أجل النسيان، إلّا أنّه مع ذلك نحكم بالوجوب لدى التذكّر لورود النص الخاص في المقام، و هي صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن الرجل يقرأ السجدة فينساها حتّى يركع و يسجد، قال: يسجد إذا ذكر إذا كانت من العزائم»
«1». و يؤيِّدها ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر نقلًا عن نوادر البزنطي عن محمّد بن مسلم أيضاً «2» لكنّها ضعيفة السند، لجهالة طريق الحلِّي إلى كتاب البزنطي كما مرّت الإشارة إليه قريباً. فمن أجل تلك الصحيحة يحكم ببقاء الأمر الأوّل و وجوب السجود متى تذكر.

و ربّما يستدل للحكم بالاستصحاب.

و فيه أوّلًا: أنّه لا مجال للأصل بعد وجود الدليل كما عرفت.

و ثانياً: أنّ الشبهة حكمية و لا نقول بجريان الاستصحاب فيها.

و ثالثاً: أنّه لو تمّ فإنّما يسلّم في موارد العصيان دون النسيان، لانقطاع التكليف و سقوط الأمر الأوّل قطعاً حتّى واقعاً، فانّ التكاليف الواقعية مرفوعة عن الناسي، و من هنا ذكرنا في محلّه «3» أنّ إسناد الرفع في حديث الرفع واقعي بالإضافة إلى الناسي و المكره و المضطر و ظاهري بالنسبة إلى الجاهل. و معه لا مجال للاستصحاب، لعدم الشك في البقاء بعد القطع بالارتفاع، فلو ثبت فهو تكليف جديد لا أنّه بقاء للتكليف السابق.

______________________________
(1) الوسائل 6: 104/ أبواب القراءة في الصلاة ب 39 ح 1.

(2) الوسائل 6: 244/ أبواب قراءة القرآن ب 44 ح 2، السرائر 3 (المستطرفات): 558.

(3) مصباح الأُصول 2: 265.

206
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 6: لو قرأ بعض الآية و سمع بعضها الآخر فالأحوط الإتيان بالسجدة ؛ ج 15، ص : 207

بل و كذلك لو تركها عصيانا (1).

[مسألة 6: لو قرأ بعض الآية و سمع بعضها الآخر فالأحوط الإتيان بالسجدة]

[1637] مسألة 6: لو قرأ بعض الآية و سمع بعضها الآخر فالأحوط الإتيان بالسجدة (2).

______________________________
(1) أمّا الاستدلال له بالاستصحاب، فلا يتم بناءً على مسلكنا كما مرّت الإشارة إليه. نعم، يمكن استفادة الحكم من صحيحة محمّد بن مسلم المتقدِّمة آنفاً و إن كان موردها النسيان، فانّ الظاهر من قوله (عليه السلام): «يسجد إذا ذكر» أنّ الوجوب مستند إلى نفس الأمر السابق، و أنّه باق بحاله ما لم يمتثل، لا أنّه تكليف جديد، فإنّه خلاف الظاهر جدّاً كما لا يخفى، فيشترك فيه الناسي و العاصي لوحدة المناط.

(2) مقتضى الجمود على ظواهر النصوص الحاصرة لسبب الوجوب في القراءة و السماع عدم شمول الحكم لصورة التلفيق، إذ لا يصدق على الملفّق من الأمرين شي‌ء من العنوانين، لكن لا يبعد استفادة الحكم منها بمقتضى الفهم العرفي، بدعوى أنّ الموضوع هو الجامع بين الأمرين و لو في مجموع الآية، فإنّ العرف يساعد على هذا الاستظهار و يرى أنّ المجمع غير خارج عن موضوع الأخبار.

و قد تقدّم نظير ذلك في بحث الأواني «1» و قلنا أنّ الآنية المصوغة من مجموع الذهب و الفضّة إمّا مزجاً أو بدونه، بأن يكون نصفه من أحدهما و النصف الآخر من الآخر و إن لم يصدق عليه فعلًا عنوان آنية الذهب و لا الفضّة، لكن العرف لا يراها خارجة عن موضوع نصوص المنع.

و أوضح حالًا ما لو تركب معجون من عدّة مواد محرّمة الأكل بعناوينها‌

______________________________
(1) شرح العروة 4: 291.

207
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 7: إذا قرأها غلطا أو سمعها ممن قرأها غلطا ؛ ج 15، ص : 208

[مسألة 7: إذا قرأها غلطاً أو سمعها ممّن قرأها غلطاً]

[1638] مسألة 7: إذا قرأها غلطاً أو سمعها ممّن قرأها غلطاً فالأحوط الإتيان بالسجدة (1).

[مسألة 8: يتكرّر السجود مع تكرّر القراءة أو السماع أو الاختلاف]

[1639] مسألة 8: يتكرّر السجود مع تكرّر القراءة أو السماع أو الاختلاف بل و إن كان في زمان واحد بأن قرأها جماعة [1] أو قرأها شخص حين قراءته على الأحوط (2).

______________________________
كالدم الطاهر و التراب و النخاع و نحوها، فان هذا المركب و إن لم يصدق عليه فعلًا شي‌ء من عناوين تلك المواد لاستهلاك بعضها في البعض، و لكنّه مع ذلك يجب الاجتناب عنه بلا ارتياب، لما عرفت من أنّ الملفق منها مشمول لأدلّة تلك العناوين بمقتضى الفهم العرفي.

بل يمكن استفادة الحكم في المقام من نفس النصوص، فإنّ القارئ سامع لقراءة نفسه إلّا ما شذ، فيشمله دليل السماع، إذ لا وجه لتخصيصه بالغير، فاذا سمع الباقي من غيره يصدق في حقّه أنّه سمع تمام الآية، إذ لا يعتبر أن يكون السماع من شخص واحد، و لذا لو سمع بعض الآية من شخص و البعض الآخر من شخص آخر وجب السجود بلا إشكال. فالسجود في المقام لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط.

(1) لاحتمال اندراجه تحت إطلاق النصوص، لكن الأقوى عدم الوجوب، فان موضوع الحكم سماع أو قراءة آية السجدة، و هي التي أنزلها اللّٰه تعالى على نبيّه (صلّى اللّٰه عليه و آله)، و لا شك أنّ النازل هي القراءة الصحيحة و على النهج العربي، فالملحون مادّة أو هيئة خارج عن موضوع الحكم لانصراف الدليل إلى غيره.

(2) أمّا مع تخلّل السجود بين السببين المكررين فلا إشكال في الوجوب‌

______________________________
[1] الظاهر جواز الاكتفاء بسجدة واحدة حينئذ.

208
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 8: يتكرر السجود مع تكرر القراءة أو السماع أو الاختلاف ؛ ج 15، ص : 208

..........

______________________________
ثانياً كما هو ظاهر، و أمّا مع عدم التخلل، فهل يكتفي بالسجدة الواحدة لدى تعدّد الأسباب؟

يبتني ذلك على أنّ مقتضى الأصل هل هو التداخل أو عدمه، و حيث إنّ التداخل على خلاف الأصل، لاقتضاء كل سبب مسببه، فالمتعيِّن تكرار السجود في المقام بتكرّر سببه. نعم، ثبت التداخل في باب الأغسال بالنص لقوله (عليه السلام): إذا كان للّٰه عليك حقوق أجزأك عنها حق واحد «1». على أنّه يمكن استفادة الحكم في المقام من صحيحة محمّد بن مسلم: «عن الرجل يعلّم السورة من العزائم فتعاد عليه مراراً في المقعد الواحد، قال: عليه أن يسجد كلّما سمعها» «2» حيث دلّت على وجوب السجود لكل مرّة.

و عليه فمع تكرّر السبب سواء أ كان من سنخ واحد أو سنخين يجب السجود لكل مرّة. هذا إذا كان التكرار في زمانين، و يلحق بذلك ما لو كان التكرّر في زمان واحد مع الاختلاف في السنخ، كما لو قرأها و سمعها من شخص آخر في تلك الحال، لصدق تعدّد السبب المقتضي لتعدّد المسبب. و أمّا مع الاتِّحاد في السنخ مع وحدة الزمان، كما لو سمعها من جماعة يقرءونها في آن واحد فقد حكم في المتن بالإلحاق أيضاً، لكنّه مشكل جدّاً، بل ممنوع، إذ العبرة بالسماع لا بالمسموع، و في المقام لم يكن إلّا سماع واحد و إن كان المسموع متعدِّداً، نظير النظر المتعلِّق بجماعة كثيرين فانّ النظر و الإبصار لم يتعدّد، و إنّما التعدّد في المنظور إليه، فلم تجب عليه إلّا سجدة واحدة لوحدة السبب.

______________________________
(1) الوسائل 2: 261/ أبواب الجنابة ب 43 ح 1 (نقل بالمضمون).

(2) الوسائل 6: 245/ أبواب قراءة القرآن ب 45 ح 1.

209
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 9: لا فرق في وجوبها بين السماع من المكلف أو غيره ؛ ج 15، ص : 210

[مسألة 9: لا فرق في وجوبها بين السماع من المكلّف أو غيره]

[1640] مسألة 9: لا فرق في وجوبها بين السماع من المكلّف أو غيره (1) كالصغير و المجنون إذا كان قصدهما قراءة القرآن.

[مسألة 10: لو سمعها في أثناء الصلاة أو قرأها]

[1641] مسألة 10: لو سمعها في أثناء الصلاة أو قرأها [1] أومأ للسجود و سجد [2] بعد الصلاة و أعادها (2).

______________________________
(1) لإطلاق النصوص كقوله في صحيحة الحذاء «عن الطامث تسمع السجدة ...» إلخ، و في صحيحة علي بن جعفر «فيقرأ آخرُ السجدةَ»، و غيرهما ممّا تقدّمت
«1»، الشاملة بإطلاقها لما إذا كان السماع من المكلّف أو غيره ممّن كان قاصداً لقراءة القرآن كالصبي المميِّز و المجنون، لعدم الدليل على اعتبار البلوغ و التكليف في القارئ، و ما في بعض النصوص كصحيحة محمّد بن مسلم «2» من التقييد بالرجل فهو من باب المثال بلا إشكال.

(2) حكم (قدس سره) حينئذ بأُمور ثلاثة: الإيماء، و السجود بعد الصلاة، و إعادتها. أمّا الإيماء فلا ينبغي الإشكال فيه، للنصوص الدالّة عليه التي منها صحيحة علي بن جعفر المتقدِّمة «3» و قد مرّ الكلام حول ذلك في بحث القراءة مستقصى «4».

______________________________
[1] أُريد بذلك القراءة سهواً، و أمّا إذا كانت عمداً فتبطل الصلاة على الأحوط عندنا، و جزماً عند الماتن (قدس سره) كما تقدّم.

[2] على الأحوط و أمّا الإعادة فلا وجه لها.

______________________________
(1) في ص 188، 202.

(2) الوسائل 6: 245/ أبواب قراءة القرآن ب 45 ح 1.

(3) الوسائل 6: 243/ أبواب قراءة القرآن ب 43 ح 4.

(4) شرح العروة 14: 315.

210
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 11: إذا سمعها أو قرأها في حال السجود يجب رفع الرأس منه ؛ ج 15، ص : 211

[مسألة 11: إذا سمعها أو قرأها في حال السجود يجب رفع الرأس منه]

[1642] مسألة 11: إذا سمعها أو قرأها في حال السجود يجب رفع الرأس منه ثمّ الوضع (1) و لا يكفي البقاء بقصده بل و لا الجرّ إلى مكان آخر.

______________________________
نعم، هذا في صلاة الفريضة، و أمّا إذا سمعها في النافلة سجد فوراً و أتمّ صلاته، لعدم قادحية زيادة السجدة في النافلة، و قد صرّح بذلك في صحيحة ابن جعفر المزبورة.

و أمّا السجود بعد الصلاة فلا دليل عليه بعد الانتقال إلى الإيماء الّذي هو بدله المستتبع لسقوط الأمر قضاءً للبدلية سيّما مع الاقتصار على الإيماء في صحيحة ابن جعفر من دون تعرّض للسجود بعدئذ. فيكشف و هو (عليه السلام) في مقام البيان عن عدم الوجوب. نعم، لا شك أنّه أحوط لاحتمال بقاء الأمر و أنّ الإيماء بدل موقّت.

و أمّا إعادة الصلاة فلا وجه لها أصلًا، إذ لا منشأ لها و لو احتمالًا، لعدم عروض ما يقتضي البطلان بوجه فلم يتّضح وجه حكمه (قدس سره) بها. مع أنّه مناف لما تقدّم منه (قدس سره) في مبحث القراءة في المسألة الرابعة من التخيير بين الإيماء و بين السجدة و هو في الصلاة و إتمامها و إعادتها «1».

و الظاهر أنّ في العبارة سهواً من قلمه الشريف أو من النسّاخ، و أنّ الصحيح «أو سجد» بالعطف ب‍ «أو» لا بالواو، مع تبديل «بعد الصلاة» ب‍ «في الصلاة» كي ينتج التخيير الموافق لما سبق منه (قدس سره) هناك.

(1) لأنّ الأمر بالسجود كغيره من سائر الواجبات ظاهر في الإيجاد و الإحداث، فلا يكفي البقاء بقصده و لا الجر إلى مكان آخر، لعدم صدق الإحداث‌

______________________________
(1) شرح العروة 14: 320.

211
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 12: الظاهر عدم وجوب نيته حال الجلوس أو القيام ليكون الهوي إليه بنيته ؛ ج 15، ص : 212

[مسألة 12: الظاهر عدم وجوب نيّته حال الجلوس أو القيام ليكون الهوي إليه بنيّته]

[1643] مسألة 12: الظاهر عدم وجوب نيّته حال الجلوس أو القيام ليكون الهوي إليه بنيّته، بل يكفي نيّته قبل وضع الجبهة بل مقارناً له (1).

[مسألة 13: الظاهر أنّه يعتبر في وجوب السجدة كون القراءة بقصد القرآنية]

[1644] مسألة 13: الظاهر أنّه يعتبر في وجوب السجدة كون القراءة بقصد القرآنية (2)

______________________________
معه، بل هو إبقاء لما كان كما مرّت الإشارة إليه سابقاً
«1»، فلا بدّ من الرفع و الوضع تحقيقاً للامتثال.

(1) بما أنّ السجود الواجب متقوّم بوضع الجبهة على الأرض، و الهوي إليه مقدّمة صرفة، فلا تعتبر النيّة عند الهوي فضلًا عن حال الجلوس أو القيام فلو هوى لداع آخر ثمّ بدا له في السجود قبل بلوغ الحد فنوى و سجد أجزأ عنه، فتكفي النيّة الحاصلة قبل السجود و لو آناً ما، بل لا يعتبر هذا المقدار أيضاً فتكفي المقارنة كما هو الشأن في سائر العبادات، لعدم الدليل على لزوم سبق النيّة على العمل، فلو اتّفقت مقارنة النيّة لنفس العمل مقارنة حقيقية كفى لكن الشأن في تحقّقه و إحرازه خارجاً فإنّه عسر جدّاً و نادر التحقّق، و لذا كان اللّازم من باب المقدّمة العلمية سبق النيّة و لو آناً ما، و إن كانت المقارنة على تقدير تحقّقها كافية أيضا.

(2) لتوقف صدق قراءة القرآن على قصد الحكاية عن ذاك الكلام النازل على النبيّ الأعظم (صلّى اللّٰه عليه و آله) كما مرّ توضيحه في بحث القراءة عند التكلّم عن لزوم تعيين البسملة «2»، فالعاري عن القصد كلام آدمي مشابه للقرآن‌

______________________________
(1) في ص 114، 131.

(2) شرح العروة 14: 337.

212
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 13: الظاهر أنه يعتبر في وجوب السجدة كون القراءة بقصد القرآنية ؛ ج 15، ص : 212

فلو تكلّم شخص بالآية لا بقصد القرآنية لا يجب السجود بسماعه، و كذا لو سمعها ممّن قرأها حال النوم، أو سمعها من صبي غير مميِّز، بل و كذا لو سمعها من صندوق حبس الصوت، و إن كان الأحوط السجود في الجميع.

______________________________
و ليس من القرآن في شي‌ء، و حيث إنّ الموضوع في وجوب السجدة قراءة القرآن أو سماعها المتقوّمة بالقصد المزبور فلا وجوب مع فقد القصد، و يترتّب عليه عدم الوجوب لو سمعها ممّن قرأها حال النوم، أو من صبي غير مميِّز أو من حيوان كالطوطي، أو من صندوق حبس الصوت.

أمّا صندوق حبس الصوت و آلة التسجيل، فلوضوح أنّ الصوت الخارج منه ليس هو عين الصوت السابق و قد كان مضبوطاً محبوساً فيه، و إنّما هو صوت جديد مماثل له ناشٍ من اصطكاك جسم بجسم على نهج معيّن و كيفية خاصّة و واضح أنّه فاقد للقصد لعدم صدوره من شاعر قاصد، فلا يصدق عليه قراءة القرآن. و كذا الحال فيما يصدر عن الصبي و الحيوان فإنّه مجرّد لقلقة اللِّسان من غير قصد إلى العنوان بوجه.

و أمّا النائم فهو أيضاً عار عن القصد، للزوم سبقه بالالتفات المنفي حال النوم، و لذا قد يعتذر عمّا صدر منه في تلك الحال بعدم القصد و الالتفات. نعم لا يخلو هو عن نوع من القصد المناسب لعالم النوم إلّا أنّه أجنبي عن القصد الموضوع للأحكام بلا كلام، و كذا الحال في المجنون إذا كان بمثابة لا تصدر عنه القراءة عن قصد و التفات.

و أمّا حكم الاذاعات، فان كان المذيع شخصاً يقرأ القرآن فعلًا فلا ينبغي الشك في وجوب السجود عند سماع الآية كما في السماع من حاضر، إذ لا فرق بين القريب و البعيد في ذلك، فهو نظير السماع من شخص آخر بواسطة التليفون‌

213
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 14: يعتبر في السماع تمييز الحروف و الكلمات ؛ ج 15، ص : 214

[مسألة 14: يعتبر في السماع تمييز الحروف و الكلمات]

[1645] مسألة 14: يعتبر في السماع تمييز الحروف و الكلمات فمع سماع الهمهمة لا يجب السجود (1) و إن كان أحوط.

[مسألة 15: لا يجب السجود لقراءة ترجمتها أو سماعها]

[1646] مسألة 15: لا يجب السجود لقراءة ترجمتها أو سماعها (2) و إن كان المقصود ترجمة الآية.

[مسألة 16: يعتبر في هذا السجود بعد تحقّق مسمّاه]

[1647] مسألة 16: يعتبر في هذا السجود بعد تحقّق مسمّاه مضافاً إلى النيّة (3)

______________________________
الّذي يجب السجود حينئذ بلا إشكال، و إن كان البُعد بينهما مئات الفراسخ. فكما أنّ الصوت يصل فيه بواسطة الأسلاك، فكذا يصل في الاذاعات بواسطة الأمواج و لا فرق بين الواسطتين من هذه الجهة قطعا.

و أمّا إذا لم يكن في دار الإذاعة شخص حاضر بالفعل و إنّما الموجود في محطّتها مسجّلة تلقي الصوت، فحكمه حكم صندوق الصوت الّذي عرفت فيه عدم الوجوب. نعم، الاحتياط بالسجود حسن في جميع ما ذكر كما أُشير إليه في المتن.

(1) لوضوح أنّ موضوع الحكم سماع الآية المتوقف على تمييز المراد و تشخيص الحروف و الكلمات غير المنطبق على سماع الهمهمة، لفقد التمييز و التشخيص فلا يصدق معه سماع الآية و إن كان السامع يعلم أنّها المقروءة فانّ العبرة بالسماع لا العلم، و من هنا لا يكفي سماع همهمة الأذان في تحقيق حدّ الترخّص. نعم، ثبت الاكتفاء بالهمهمة في سماع قراءة الإمام و هو خارج بالنص فلا يتعدّى عن مورده.

(2) فانّ الموضوع قراءة نفسها و ليست الترجمة منها.

(3) أمّا النيّة فلا إشكال في اعتبارها كما في سائر العبادات بعد وضوح كون هذه السجدة عبادية بمقتضى الارتكاز، فلا بدّ من قصد التقرّب بها، و كذا‌

214
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 16: يعتبر في هذا السجود بعد تحقق مسماه ؛ ج 15، ص : 214

إباحة المكان، و عدم علوّ المسجد بما يزيد على أربعة أصابع [1]، و الأحوط وضع سائر المساجد و وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه.

______________________________
القصد إلى عنوان السجود، لكونه من العناوين القصدية كما هو ظاهر.

و أمّا سائر ما يعتبر في السجود فهو على نوعين: فتارة يظهر من لسان الدليل أنّ المناط في الاعتبار ليس لخصوصية في السجود بما هو سجود، بل من أجل أنّه من أجزاء الصلاة، فهو شرط لعامّة الأجزاء الصلاتية من غير اختصاص بالسجود، و هذا كالستر و الطهارة و الاستقبال و نحوها. و لا ريب في عدم شمول مثل هذا الدليل لسجدة التلاوة التي هي واجبة بوجوب مستقل غير مرتبط بالصلاة، فالمقتضي بالإضافة إليها قاصر في حدّ نفسه إلّا أن يقوم دليل آخر يقتضي الاعتبار فيها بالخصوص، و سيأتي الكلام عليه.

و اخرى: يظهر منه اعتباره في السجود بما هو سجود من غير إناطة بكونه من أجزاء الصلاة، كما لا يبعد ذلك بالإضافة إلى اشتراط عدم علوّ المسجد أزيد من مقدار اللبنة، و وضع المساجد السبعة، و وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه، لإطلاق أدلّة هذه الأُمور الثلاثة، فإنّ المسئول عنه في الأوّل هو ذات السجود، قال في صحيحة عبد اللّٰه بن سنان «سألته عن السجود على الأرض المرتفع، فقال: إذا كان موضع جبهتك مرتفعاً عن موضع بدنك قدر لبنة فلا بأس» «1».

و الحكم في الثاني متعلِّق بطبيعة السجود لقوله (عليه السلام) «إنّما السجود على سبعة أعظم» «2»، و كذا الثالث، ففي صحيحة هشام «أخبرني عمّا يجوز‌

______________________________
[1] على الأحوط.

______________________________
(1) الوسائل 6: 358/ أبواب السجود ب 11 ح 1.

(2) الوسائل 6: 343/ أبواب السجود ب 4 ح 2.

215
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 16: يعتبر في هذا السجود بعد تحقق مسماه ؛ ج 15، ص : 214

..........

______________________________
السجود عليه و عمّا لا يجوز؟ قال: السجود لا يجوز إلّا على الأرض أو على ما أنبتت الأرض إلّا ما أكل أو لبس إلى أن قال (عليه السلام) في مقام التعليل إنّ أبناء الدُّنيا عبيد ما يأكلون و يلبسون، و الساجد في سجوده في عبادة اللّٰه (عزّ و جلّ) فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدُّنيا الّذين اغترّوا بغرورها»
«1» فإن إطلاق هذه الأدلّة سيّما الأخير بلحاظ الاشتمال على التعليل يقتضي عدم الفرق بين السجود الصلاتي و غيره.

اللّٰهمّ إلّا أن يدعى الانصراف إلى الأوّل المانع عن انعقاد الإطلاق، فإن تمّت هذه الدعوى لم يكن هناك دليل يشمل المقام، و إلّا بأن كان الانصراف بدوياً و لم يكن بمثابة ينعقد معه الظهور العرفي في المنصرف إليه الّذي هو الضابط في الانصراف المانع عن الإطلاق كما لعلّه الأظهر و لا سيّما بالإضافة إلى الأخير لمكان التعليل المقتضى للتعميم كما عرفت كان الحكم شاملًا للمقام أيضاً فهذا إن لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط.

و كيف ما كان، فالحكم سعة و ضيقاً مشترك بين هذه الأُمور الثلاثة لوحدة المناط، و اشتراك الدليل إطلاقاً و انصرافاً، فان كان إطلاق ففي الجميع، أو انصراف ففي الجميع أيضاً.

و منه تعرف أنّه لم يظهر وجه للتفكيك بين الأوّل و الأخيرين بالجزم في الأوّل و التوقف فيهما كما صنعه في المتن.

هذا و ربّما يستدل على عدم اعتبار وضع سائر المساجد بما رواه الصدوق في العلل بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يقرأ السجدة و هو على ظهر دابته، قال: يسجد حيث توجّهت به، فانّ رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) كان يصلِّي على ناقته و هو مستقبل المدينة، يقول اللّٰه‌

______________________________
(1) الوسائل 5: 343/ أبواب ما يسجد عليه ب 1 ح 1.

216
موسوعة الإمام الخوئي15

مسألة 16: يعتبر في هذا السجود بعد تحقق مسماه ؛ ج 15، ص : 214

..........

______________________________
عزّ و جلّ
فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ» «1» فإنّ السجود على ظهر الدابة المستلزم للإخلال بسائر المحال بطبيعة الحال يكشف عن عدم الاعتبار.

أقول: الكلام في هذه الرواية يقع تارة من حيث السند، و أُخرى من ناحية الدلالة.

أمّا الدلالة، فالظاهر أنّها قاصرة، إذ لا يبعد أن يكون المراد من السجدة هي المندوبة دون العزيمة بقرينة الاستشهاد في مقام التعليل بصلاة رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) على ظهر الدابة، فإنّ المراد بها صلاة النافلة قطعاً، إذ لا تجوز الفريضة على الدابة مع التمكن من النزول إلى الأرض بلا إشكال و لا كلام، و كذا استشهاده (عليه السلام) بالآية المباركة إنّما يناسب إرادة النافلة كما ورد مثل ذلك في روايات النافلة على ظهر الدابة «2». و عليه فمناسبة الحكم و الموضوع تقتضي إرادة المندوب من السجدة أيضاً كما لا يخفى.

و أمّا من حيث السند، فقد عبّر عنها في الحدائق «3» بالصحيحة، و تبعه غير واحد ممّن تأخّر عنه، لكن الظاهر أنّها ضعيفة، لمكان جعفر بن محمّد بن مسرور شيخ الصدوق فإنّه مهمل لم يرد فيه توثيق، و إن كان بقيّة رجال السند كلّهم ثقات.

نعم، تصدّى المرحوم الميرزا محمّد في الوسيط «4» لعدّ الرجل في الحسان باعتبار ترحّم الصدوق و ترضّاه عليه و أقرّه الأردبيلي في