×
☰ فهرست و مشخصات
مجمع البيان في تفسير القرآن10

الجزء العاشر

الجزء العاشر
(62) سورة الجمعة مدينة و آياتها إحدى عشرة (11)
[توضيح‏]
و هي إحدى عشرة آية بالإجماع.
فضلها
أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأ سورة الجمعة أعطي عشر حسنات بعدد من أتى الجمعة و بعدد من لم يأتها في أمصار المسلمين.
منصور بن حازم عن أبي عبد الله (ع) قال من الواجب على كل مؤمن إذا كان لنا شيعة أن يقرأ في ليلة الجمعة بالجمعة و سبح اسم ربك و في صلاة الظهر بالجمعة و المنافقين فإذا فعل فكأنما يعمل عمل رسول الله ص و كان ثوابه و جزاؤه على الله الجنة.
تفسيرها
لما ختم الله سبحانه سورة الصف بالترغيب في عبادته و الدعاء إليها و ذكر تأييد المؤمنين بالنصر و الظهور على الأعداء افتتح هذه السورة ببيان قدرته على ذلك و على جميع الأشياء فقال:

427
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة الجمعة الآيات 1 الى 5 ص 428

[سورة الجمعة (62): الآيات 1 الى 5]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏
يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (2) وَ آخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4)
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5)

اللغة
الأسفار الكتب واحدها سفر و إنما سمي بذلك لأنه يكشف عن المعنى بإظهاره يقال سفر الرجل عمامته إذا كشفها و سفرت المرأة عن وجهها فهي سافرة و منه و الصبح إذا أسفر.
الإعراب‏
«وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» إن هذه مخففة من إن و لهذا لزمها اللام الفارقة في خبر كان لئلا يلتبس بأن النافية و آخرين مجرورة لأنه صفة محذوف معطوف على الأميين أي و في قوم آخرين و يحتمل أن يكون منصوبا بالعطف على هم في يعلمهم.
«يَحْمِلُ أَسْفاراً» في موضع النصب على الحال. «بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ» المخصوص بالذم محذوف تقديره بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله مثلهم فيكون الذين في موضع جر و يجوز أن يكون التقدير بئس مثل القوم مثل الذين كذبوا فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه و على هذا يكون الذين في موضع رفع و هو المخصوص بالذم.
المعنى‏
«يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ» أي ينزهه سبحانه كل شي‏ء و يشهد له بالوحدانية و الربوبية بما ركب فيها من بدائع الحكمة و عجائب الصنعة الدالة على أنه قادر عالم حي قديم سميع بصير حكيم لا يشبه شيئا و لا يشبهه شي‏ء و إنما قال مرة سبح و مرة يسبح إشارة إلى دوام تنزيهه في الماضي و المستقبل «الْمَلِكِ» أي القادر على تصريف الأشياء «الْقُدُّوسِ» أي المستحق للتعظيم الطاهر عن كل نقص «الْعَزِيزِ» القادر الذي لا يمتنع عليه شي‏ء «الْحَكِيمِ» العالم الذي يضع الأشياء موضعها «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ» يعني العرب و كانت أمة أمية لا تكتب و لا تقرأ و لم يبعث إليهم نبي عن مجاهد و قتادة و قيل يعني أهل مكة لأن مكة تسمى أم القرى «رَسُولًا مِنْهُمْ» يعني محمدا ص نسبه نسبهم و هو من جنسهم كما قال لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عليه و وجه النعمة في أنه جعل النبوة في أمي موافقته لما تقدمت البشارة به في كتب الأنبياء

428
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 428

السالفة و لأنه أبعد من توهم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة بالحكم التي تلاها و الكتب التي قرأها و أقرب إلى العلم بأن ما يخبرهم به من إخبار الأمم الماضية و القرون الخالية على وفق ما في كتبهم ليس ذلك إلا بالوحي «يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ» أي يقرأ عليهم القرآن المشتمل على الحلال و الحرام و الحجج و الأحكام «وَ يُزَكِّيهِمْ» أي و يطهرهم من الكفر و الذنوب و يدعوهم إلى ما يصيرون به أزكياء «وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ» الكتاب القرآن و الحكمة الشرائع و قيل إن الحكمة تعم الكتاب و السنة و كل ما أراده الله تعالى فإن الحكمة هي العلم الذي يعمل عليه فيما يجتبي أو يجتنب من أمور الدين و الدنيا «وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» معناه و ما كانوا من قبل بعثه إليهم إلا في عدول عن الحق و ذهاب عن الدين بين ظاهر «وَ آخَرِينَ مِنْهُمْ» أي و يعلم آخرين من المؤمنين «لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ» و هم كل من بعد الصحابة إلى يوم القيامة فإن الله سبحانه بعث النبي إليهم و شريعته تلزمهم و إن لم يلحقوا بزمان الصحابة عن مجاهد و ابن زيد و
قيل هم الأعاجم و من لا يتكلم بلغة العرب فإن النبي ص مبعوث إلى من شاهده و إلى كل من بعدهم من العرب و العجم عن ابن عمر و سعيد بن جبير و روي ذلك عن أبي جعفر (ع)
و روي أن النبي ص قرأ هذه الآية فقيل له من هؤلاء فوضع يده على كتف سلمان و قال لو كان الإيمان في الثريا لنالته رجال من هؤلاء
و على هذا فإنما قال منهم لأنهم إذا أسلموا صاروا منهم فإن المسلمين كلهم يد واحدة على من سواهم و أمة واحدة و إن اختلف أجناسهم كما قال سبحانه وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ و من لم يؤمن بالنبي ص فإنهم ليسوا ممن عناهم الله تعالى بقوله «وَ آخَرِينَ مِنْهُمْ» و إن كان مبعوثا إليهم بالدعوة لقوله سبحانه «وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ» و من لم يؤمن فليس ممن زكاه و علمه القرآن و السنة و قيل إن قوله «لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ» يعني في الفضل و السابقة فإن التابعين لا يدركون شأن السابقين من الصحابة و خيار المؤمنين «وَ هُوَ الْعَزِيزُ» الذي لا يغالب «الْحَكِيمُ» في جميع أفعاله «ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ» يعني النبوة التي خص الله بها رسوله عن مقاتل «يُؤْتِيهِ» أي يعطيه «مَنْ يَشاءُ» بحسب ما يعلمه من صلاحه للبعثة و تحمل أعباء الرسالة «وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» ذو المن العظيم على خلقه ببعث محمد ص و
روى محمد بن أبي عمير عن هشام بن سالم يرفعه قال جاء الفقراء إلى رسول الله ص فقالوا يا رسول الله إن للأغنياء ما يتصدقون و ليس لنا ما نتصدق و لهم ما يحجون و ليس لنا ما نحج و لهم ما يعتقون و ليس لنا ما نعتق فقال ص من كبر الله مائة مرة كان أفضل من عتق رقبة و من سبح الله مائة مرة كان أفضل من مائة فرس في سبيل الله يسرجها و يلجمها و من هلل الله مائة مرة كان أفضل الناس عملا في ذلك اليوم إلا من زاد فبلغ ذلك الأغنياء فقالوه فرجع‏

429
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 428

الفقراء إلى النبي ص فقالوا يا رسول الله قد بلغ الأغنياء ما قلت فصنعوه فقال ص «ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ»
ثم ضرب سبحانه لليهود الذين تركوا العمل بالتوراة مثلا فقال «مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ» أي كلفوا القيام بها و العمل بما فيها «ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها» حق حملها من أداء حقها و العمل بموجبها لأنهم حفظوها و دونوها كتبهم ثم لم يعلموا بما فيها «كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً» لأن الحمار الذي يحمل كتب الحكمة على ظهره لا يحس بما فيها فمثل من يحفظ الكتاب و لا يعمل بموجبه كمثل من لا يعلم ما فيما يحمله قال ابن عباس فسواء حمل على ظهره أو جحده إذا لم يعمل به و على هذا فمن تلا القرآن و لم يفهم معناه و أعرض عنه إعراض من لا يحتاج إليه كان هذا المثل لاحقا به و إن حفظه و هو طالب لمعناه فليس من أهل هذا المثل و أنشد أبو سعيد الضرير في ذلك:
         زوامل للأسفار لا علم عندهم             بجيدها إلا كعلم الأباعر
         لعمرك ما يدري المطي إذا غدا             بأسفاره إذ راح ما في الغرائر
 «بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ» معناه بئس القوم قوم هذا مثلهم لأنه سبحانه ذم مثلهم و المراد به ذمهم و اليهود كذبوا بالقرآن و التوراة حين لم يؤمنوا بمحمد ص «وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» أي لا يفعل بهم من الألطاف التي يفعلها بالمؤمنين الذين بها يهتدون و قيل لا يثيبهم و لا يهديهم إلى الجنة و عن محمد بن مهران قال يا أهل القرآن اتبعوا القرآن قبل أن يتبعكم و تلا هذه.

430
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة الجمعة الآيات 6 الى 11 ص 431

[سورة الجمعة (62): الآيات 6 الى 11]
قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (6) وَ لا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى‏ عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِكْرِ اللَّهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10)
وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَ تَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجارَةِ وَ اللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11)

اللغة
الزعم قول عن ظن أو علم و لذلك صار من باب الظن و العلم و عمل ذلك العمل قال:
         فإن تزعميني كنت أجهل فيكم             فإني شريت الحلم بعدك بالجهل‏
و الأولياء جمع ولي و هو الحقيق بالنصرة التي يوليها عند الحاجة و الله ولي المؤمنين لأنه يوليهم النصرة عند حاجتهم و المؤمن ولي الله لهذه العلة و يجوز أن يكون لأنه يولي المطيع له نصرة عند حاجته و التمني هو قول القائل لما كان ليته لم يكن و لما لم يكن ليته كان فهو يتعلق بالماضي و المستقبل و هو من جنس الكلام عن الجبائي و القاضي و قال أبو هاشم هو معنى في النفس يوافق هذا القول و الجمعة و الجمعة لغتان و جمعها جمع و جمعات قال الفراء و فيها لغة ثالثة جمعة بفتح الميم كضحكة و همزة و إنما سمي جمعة لأنه تعالى فرغ فيه من خلق الأشياء فاجتمعت فيه المخلوقات و قيل لأنه تجتمع فيه الجماعات و قيل إن أول من سماها جمعة كعب بن لؤي و هو أول من قال أما بعد و كان يقال للجمعة العروبة عن أبي سلمة و قيل إن أول من سماها جمعة الأنصار قال ابن سيرين جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي ص المدينة و قيل قبل أن تنزل الجمعة قالت الأنصار لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام و للنصارى يوم أيضا مثل ذلك فلنجعل يوما نجتمع فيه فنذكر الله عز و جل و نشكره و كما قالوا يوم السبت لليهود و يوم الأحد للنصارى فاجعلوه يوم العروبة فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة

431
مجمع البيان في تفسير القرآن10

اللغة ص 431

فصلى بهم يومئذ و ذكرهم فسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا إليه فذبح لهم أسعد بن زرارة شاة فتغدوا و تعشوا من شاة واحدة و ذلك لقلتهم فأنزل الله تعالى في ذلك «إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ» الآية فهذه أول جمعة جمعت في الإسلام فأما أول جمعة جمعها رسول الله ص بأصحابه فقيل إنه قدم رسول الله ص مهاجرا حتى نزل قبا على عمرو بن عوف و ذلك يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين الضحى فأقام بقبا يوم الإثنين و الثلاثاء و الأربعاء و الخميس و أسس مسجدهم ثم خرج من بين أظهرهم يوم الجمعة عامدا المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم قد اتخذ اليوم في ذلك الموضع مسجد و كانت هذه الجمعة أول جمعة جمعها رسول الله ص في الإسلام فخطب في هذه الجمعة و هي أول خطبة خطبها بالمدينة فيما قيل‏
فقال الحمد لله أحمده و أستعينه و أستغفره و أستهديه و أومن به و لا أكفره و أعادي من يكفره و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله أرسله بالهدى و النور و الموعظة على فترة من الرسل و قلة من العلم و ضلالة من الناس و انقطاع من الزمان و دنو من الساعة و قرب من الأجل من يطع الله و رسوله فقد رشد و من يعصهما فقد غوى و فرط و ضل ضلالا بعيدا أوصيكم بتقوى الله فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة و أن يأمره بتقوى الله فاحذروا ما حذركم الله من نفسه و إن تقوى الله لمن عمل به على وجل و مخافة من ربه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة و من يصلح الذي بينه و بين الله من أمره في السر و العلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره و ذخرا فيما بعد الموت و حين يفتقر المرء إلى ما قدم و ما كان من سوى ذلك يود لو أن بينه و بينه أمدا بعيدا و يحذركم الله نفسه و الله رءوف بالعباد و الذي صدق قوله و نجز وعده لا خلف لذلك فإنه يقول ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فاتقوا الله في عاجل أمركم و آجله في السر و العلانية فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته و يعظم له أجرا و من يتق الله فقد فاز فوزا عظيما و إن تقوى الله توقي مقته و توقي عقوبته و توقي سخطه و إن تقوى الله تبيض الوجوه و ترضي الرب و ترفع الدرجة خذوا بحظكم و لا تفرطوا في جنب الله فقد علمكم الله كتابه و نهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا و يعلم الكاذبين فأحسنوا كما أحسن الله إليكم و عادوا أعداءه و جاهدوا في سبيل الله حق جهاده هو اجتباكم و سماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و لا حول و لا قوة إلا بالله فأكثروا ذكر الله و اعلموا لما بعد اليوم فإنه من يصلح ما بينه و بين الله يكفه الله ما بينه و بين الناس ذلك بأن الله يقضي على الناس و لا يقضون عليه و يملك من الناس و لا يملكون منه الله أكبر و لا قوة إلا بالله العلي العظيم‏
فلهذا صارت الخطبة شرطا في انعقاد الجمعة.

432
مجمع البيان في تفسير القرآن10

النزول ص 433

النزول‏
قال جابر بن عبد الله أقبلت عير و نحن نصلي مع رسول الله ص الجمعة فانفض الناس إليها فما بقي غير اثني عشر رجلا أنا فيهم فنزلت الآية «وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً» و قال الحسن و أبو مالك أصاب أهل المدينة جوع و غلاء سعر فقدم دحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام و النبي ص يخطب يوم الجمعة فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع خشية أن يسبقوا إليه فلم يبق مع النبي ص إلا رهط فنزلت الآية
فقال و الذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لا يبقى أحد منكم لسال بكم الوادي نارا
و قال المقاتلان بينا رسول الله ص يخطب يوم الجمعة إذ قدم دحية بن خليفة بن فروة الكلبي ثم أحد بني الخزرج ثم أحد بني زيد بن مناة من الشام بتجارة و كان إذا قدم لم يبق بالمدينة عاتق إلا أتته و كان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج إليه من دقيق أو بر أو غيره فينزل عند أحجار الزيت و هو مكان في سوق المدينة ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه فيخرج إليه الناس ليتبايعوا معه فقدم ذات جمعة و كان ذلك قبل أن يسلم و رسول الله ص قائم على المنبر يخطب فخرج الناس فلم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلا و امرأة
فقال ص لو لا هؤلاء لسموت عليهم الحجارة من السماء
و أنزل الله هذه الآية و قيل لم يبق في المسجد إلا ثمانية رهط عن الكلبي عن ابن عباس و قيل إلا أحد عشر رجلا عن ابن كيسان و قيل إنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات في كل يوم مرة لعير تقدم من الشام و كل ذلك يوافق يوم الجمعة عن قتادة و مقاتل.
المعنى‏
لما تقدم ذكر اليهود في إنكارهم ما في التوراة أمر سبحانه نبيه ص أن يخاطبهم بما يفحمهم فقال «قُلْ» يا محمد «يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا» أي سموا يهودا «إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ» أي إن كنتم تظنون على زعمكم أنكم أنصار الله و أن الله ينصركم «مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» إنكم أبناء الله و أحباؤه فإن الموت هو الذي يوصلكم إليه ثم أخبر سبحانه عن حالهم في كذبهم و اضطرابهم في دعواهم و أنهم غير واثقين بذلك فقال «وَ لا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ» من الكفر و المعاصي «وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ» أي عالم بأفعالهم و أحوالهم و قد تقدم تفسير الآيتين في سورة البقرة و فيه معجزة للرسول لأنه أخبر أنهم لا يتمنون الموت أبدا لما يعرفون من صدق النبي ص و كذبهم فكان الأمر كما قال و
روي أنه ص قال لو تمنوا لماتوا عن آخرهم‏
 «قُلْ» يا محمد «إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ» أي إنكم و إن فررتم من الموت و كرهتموه فإنه لا بد ينزل بكم و يلقاكم و يدرككم و لا ينفعكم الهرب منه و إنما قال فإنه ملاقيكم بالفاء سواء فروا منه أو لم يفروا منه فإنه ملاقيهم مبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه لأنه إذا كان الفرار بمنزلة السبب في ملاقاته فلا معنى للتعرض للفرار لأنه لا يباعد منه و إلى هذا المعنى‏
أشار أمير

433
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 433

المؤمنين (ع) في قوله كل امرئ لاق ما يفر منه و الأجل مساق النفس و الهرب منه موافاته‏
و قال زهير:
         و من هاب أسباب المنايا ينلنه             و لو نال أسباب السماء بسلم‏
و لا شك أنها تناله هابها أو لم يهبها و لكنه إذا كانت هيبته بمنزلة السبب للمنية فالهيبة لا معنى لها و قيل إن التقدير قل إن الموت هو الذي تفرون منه فجعل الذي في موضع الخبر لا صفة للموت و يكون «فَإِنَّهُ» مستأنفا «ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى‏ عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ» أي ترجعون إلى الله الذي يعلم سركم و علانيتكم يوم القيامة «فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» في دار الدنيا و يجازيكم بحسبها ثم خاطب سبحانه المؤمنين فقال «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ» أي إذا أذن لصلاة الجمعة و ذلك إذا جلس الإمام على المنبر يوم الجمعة و ذلك لأنه لم يكن على عهد رسول الله ص نداء سواه قال السايب بن زيد كان لرسول الله ص مؤذن واحد بلال فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد فإذا نزل أقام للصلاة ثم كان أبو بكر و عمر كذلك حتى إذا كان عثمان و كثر الناس و تباعدت المنازل زاد أذانا فأمر بالتأذين الأول على سطح دار له بالسوق و يقال له الزوراء و كان يؤذن له عليها فإذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذنه فإذا نزل أقام للصلاة فلم يعب ذلك عليه «فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِكْرِ اللَّهِ» أي فامضوا إلى الصلاة مسرعين غير متثاقلين عن قتادة و ابن زيد و الضحاك و قال الزجاج معناه فامضوا إلى السعي الذي هو الإسراع و قرأ عبد الله بن مسعود
فامضوا إلى ذكر الله و روي ذلك عن علي بن أبي طالب (ع) و عمر بن الخطاب و أبي بن كعب ابن عباس و هو المروي عن أبي جعفر (ع) و أبي عبد الله (ع)
و قال ابن مسعود لو علمت الإسراع لأسرعت حتى يقع ردائي عن كتفي و قال الحسن ما هو السعي على الأقدام و قد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا و عليهم السكينة و الوقار و لكن بالقلوب و النية و الخشوع و قيل المراد بذكر الله الخطبة التي تتضمن ذكر الله و المواعظ «وَ ذَرُوا الْبَيْعَ» أي دعوا المبايعة قال الحسن كل بيع تفوت فيه الصلاة يوم الجمعة فإنه بيع حرام لا يجوز و هذا هو الذي يقتضيه ظاهر الآية لأن النهي يدل على فساد المنهي عنه «ذلِكُمْ» يعني ما أمرتكم به من حضور الجمعة و استماع الذكر و أداء الفريضة و ترك البيع «خَيْرٌ لَكُمْ» و أنفع لكم عاقبة «إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» منافع الأمور و مضارها و مصالح أنفسكم و مفاسدها و قيل معناه اعلموا ذلك عن الجبائي و في هذه الآية دلالة على وجوب الجمعة و في تحريم جميع التصرفات عند سماع أذان الجمعة لأن البيع إنما خص بالنهي عنه لكونه من أعم التصرفات في أسباب المعاش و فيها دلالة على أن الخطاب للأحرار لأن العبد

434
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 433

لا يملك البيع و على اختصاص الجمعة بمكان و لذلك أوجب السعي إليه و فرض الجمعة لازم جميع المكلفين إلا أصحاب الأعذار من السفر أو المرض أو العمى أو العرج أو أن يكون امرأة أو شيخا هما لا حراك به أو عبدا أو يكون على رأس أكثر من فرسخين من الجامع و عند حصول هذه الشرائط لا يجب إلا عند حضور السلطان العادل أو من نصبه السلطان للصلاة و العدد يتكامل عند أهل البيت (ع) بسبعة و قيل ينعقد بثلاثة سوى الإمام عن أبي حنيفة و الثوري و قيل إنما ينعقد بأربعين رجلا أحرارا بالغين مقيمين عن الشافعي و قيل ينعقد باثنين سوى الإمام عن أبي يوسف و قيل ينعقد بواحد كسائر الجماعات عن الحسن و داود و الاختلاف بين الفقهاء في مسائل الجمعة كثير موضعه كتب الفقه «فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ» يعني إذا صليتم الجمعة و فرغتم منها فتفرقوا في الأرض «وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ» أي و اطلبوا الرزق في البيع و الشراء و هذا إباحة و ليس بأمر و إيجاب و
روي عن أنس عن النبي ص قال في قوله «فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا» الآية ليس بطلب دنيا و لكن عيادة مريض و حضور جنازة و زيارة أخ في الله‏
و قيل المراد بقوله «وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ» طلب العلم عن الحسن و سعيد بن جبير و مكحول و
روي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال الصلاة يوم الجمعة و الانتشار يوم السبت‏
و
روى عمرو بن زيد عن أبي عبد الله قال إني لأركب في الحاجة التي كفاها الله ما أركب فيها إلا التماس أن يراني الله أضحى في طلب الحلال أ ما تسمع قول الله عز اسمه «فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ» أ رأيت لو أن رجلا دخل بيتا و طين عليه بابه ثم قال رزقي ينزل علي كان يكون هذا أما أنه أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم قال قلت من هؤلاء الثلاثة قال رجل تكون عنده المرأة فيدعو عليها فلا يستجاب له لأن عصمتها في يده لو شاء أن يخلي سبيلها لخلى سبيلها و الرجل يكون له الحق على الرجل فلا يشهد عليه فيجحده حقه فيدعو عليه فلا يستجاب له لأنه ترك ما أمر به و الرجل يكون عنده الشي‏ء فيجلس في بيته فلا ينتشر و لا يطلب و لا يلتمس حتى يأكله ثم يدعو فلا يستجاب له‏
 «وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً» أي اذكروه على إحسانه و اشكروه على نعمه و على ما وفقكم من طاعته و أداء فرضه و قيل إن المراد بالذكر هنا الفكر كما قال تفكر ساعة خير من عبادة سنة و قيل معناه اذكروا الله في تجارتكم و أسواقكم كما
روي عن النبي ص أنه قال من ذكر الله في السوق مخلصا عند غفلة الناس و شغلهم بما فيه كتب له ألف حسنة و يغفر الله له يوم القيامة مغفرة لم تخطر على قلب بشر
 «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» أي لتفلحوا و تفوزوا بثواب النعيم علق سبحانه الفلاح بالقيام بما تقدم ذكره من أعمال الجمعة و غيرها و
صح الحديث عن أبي ذر قال قال رسول الله ص من اغتسل يوم الجمعة فأحسن غسله و لبس‏

435
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 433

صالح ثيابه و مس من طيب بيته أو دهنه ثم لم يفرق بين اثنين غفر الله له ما بينه و بين الجمعة الأخرى و زيادة ثلاثة أيام بعدها أورده البخاري في الصحيح‏
و
روى سلمان التميمي عن النبي ص قال إن الله عز و جل في كل يوم جمعة ستمائة ألف عتيق من النار كلهم قد استوجب النار
ثم أخبر سبحانه عن جماعة قابلوا أكرم الكرم بالأم اللؤم فقال «وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً» أي عاينوا ذلك و قيل معناه إذا علموا بيعا و شراء أو لهوا و هو الطبل عن مجاهد و قيل المزامير عن جابر «انْفَضُّوا إِلَيْها» أي تفرقوا عنك خارجين إليها و قيل مالوا إليها و الضمير للتجارة و إنما خصت برد الضمير إليها لأنها كانت أهم إليهم و هم بها أسر من الطبل لأن الطبل إنما دل على التجارة عن الفراء و قيل عاد الضمير إلى أحدهما اكتفاء به و كأنه على حذف و المعنى و إذا رأوا تجارة انفضوا إليها و إذا رأوا لهوا انفضوا إليه فحذف إليه لأن إليها يدل عليه و
روي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال انصرفوا إليها
 «وَ تَرَكُوكَ قائِماً» تخطب على المنبر قال جابر بن سمرة ما رأيت رسول الله ص خطب إلا و هو قائم فمن حدثك أنه خطب و هو جالس فكذبه و سئل عبد الله بن مسعود أ كان النبي ص يخطب قائما فقال أ ما تقرأ «وَ تَرَكُوكَ قائِماً» و قيل أراد قائما في الصلاة ثم قال تعالى «قُلْ» يا محمد لهم «ما عِنْدَ اللَّهِ» من الثواب على سماع الخطبة و حضور الموعظة و الصلاة و الثبات مع النبي ص «خَيْرٌ» و أحمد عاقبة و أنفع «مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجارَةِ وَ اللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» يرزقكم و إن لم تتركوا الخطبة و الجمعة.

436
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة المنافقون مدنية و آياتها إحدى عشرة ص 437

(63) سورة المنافقون مدنية و آياتها إحدى عشرة (11)
[توضيح‏]
مدنية بالإجماع و هي إحدى عشرة آية.
فضلها
أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأ سورة المنافقين برأ من النفاق.
تفسيرها
لما ختم الله سورة الجمعة بما هو من علامات النفاق من ترك النبي ص قائما في الصلاة أو في الخطبة و الاشتغال باللهو و طلب الارتفاق افتتح هذه السورة بذكر المنافقين أيضا فقال:

437
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة المنافقون الآيات 1 الى 5 ص 438

[سورة المنافقون (63): الآيات 1 الى 5]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (1) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (2) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (3) وَ إِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4)
وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَ رَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5)

القراءة
قرأ أبو عمرو غير عباس و الكسائي خشب ساكنة الشين و الباقون «خُشُبٌ» بضمها و قرأ نافع و روح عن يعقوب و سهل لووا بتخفيف الواو و الباقون «لَوَّوْا» بتشديدها و هو اختيار أبي عبيدة و في الشواذ قراءة الحسن اتخذوا إيمانهم بالكسر.
الحجة
قال أبو علي من قرأ خشب جعله مثل بدنة و بدن و مثله أسد و أسد و وثن و وثن في قوله إن يدعون من دونه إلا أثنا قال سيبويه هي قراءة و التثقيل أن فعل قد جاء في نظيره قالوا أسد كما قالوا في جمع ثمر ثمر قال الشاعر
         " يقدم إقداما عليكم كالأسد"
قال أبو الحسن التحريك في خشب لغة أهل الحجاز و حجة من قرأ لووا بالتخفيف قوله «لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ» فاللي مصدر لوى مثل طوى طيا و التثقيل لأن الفعل للجماعة فهو كقوله مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ و قد جاء
         " تلوية الخاتن زب المعذر"
أنشده أبو زيد و قوله إيمانهم بالكسر هو على حذف المضاف أي اتخذوا إظهار إيمانهم جنة و قد مر أمثال ذلك.
اللغة
الجنة السترة المتخذة لدفع الأذية كالسلاح المتخذ لدفع الجراح و الجنة البستان الذي يجنه الشجر و الجنة الجنون الذي يستر العقل و الفقه العلم بالشي‏ء فقهت الحديث أفقهه و كل علم فقه إلا لما اختص به علم الشريعة و كل من علمها يقال أنه فقيه و أفقهتك الشي‏ء بينت لك و فقه الرجل بالضم صار فقيها قال ابن دريد الجسم كل شخص مدرك و كل عظيم الجسم جسيم و جسام و الأجسم العظيم الجسم قال الشاعر:
         و أجسم من عاد جسوم رجالهم             و أكثر إن عدوا عديدا من الرمل‏
و اختلف المتكلمون في حد الجسم فقال المحققون منهم هو الطويل العريض العميق و لذلك متى ازداد ذهابه في هذه الجهات الثلاث قيل أجسم و جسيم و قيل هو المؤلف و قيل هو القائم بالنفس و معناه أنه لا يحتاج إلى محل و الصحيح القول الأول و الأجسام ما تأتلف من الجواهر و هي أجزاء لا تتجزء ائتلفت بمعان يقال لها المؤتلفات فإذا رفعت عنها بقيت أجزاء لا تتجزء و اختلف في أقل أجزاء الأجسام و الصحيح أنه ما تألف من ثمانية أجزاء و قيل من ستة أجزاء عن أبي الهذيل و قيل من أربعة أجزاء عن البلخي.

438
مجمع البيان في تفسير القرآن10

الإعراب ص 439

الإعراب‏
 «ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» تقديره ساء العمل عملهم فقوله «ما كانُوا يَعْمَلُونَ» موصول و صلة في موضع رفع بأنه مبتدأ أو خبر مبتدإ محذوف هو المخصوص بالذم. «أَنَّى يُؤْفَكُونَ» أنى في موضع نصب على الحال بمعنى كيف و التقدير أ جاحدين يؤفكون و يجوز أن يكون في محل النصب على المصدر و التقدير أي أفك يؤفكون و قيل معناه من أين يؤفكون أي يصرفون عن الحق بالباطل عن الزجاج فعلى هذا يكون منصوبا على الظرف و يصدون في موضع نصب على الحال.
المعنى‏
خاطب الله سبحانه نبيه فقال «إِذا جاءَكَ» يا محمد «الْمُنافِقُونَ» و هم الذين يظهرون الإيمان و يبطنون الكفر و اشتقاقه من النفق و النافقاء كما قال الشاعر:
         للمؤمنين أمور غير مخزية             و للمنافق سر دونه نفق
 «قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ» أي أخبروا بأنهم يعتقدون أنك رسول الله «وَ اللَّهُ يَعْلَمُ» يا محمد «إِنَّكَ لَرَسُولُهُ» على الحقيقة و كفى بالله شهيدا «وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ» في قولهم إنهم يعتقدون أنك رسول الله فكان إكذابهم في اعتقادهم و أنهم يشهدون ذلك بقلوبهم و لم يكذبوا فيما يرجع إلى ألسنتهم لأنهم شهدوا بذلك و هم صادقون فيه و في هذا دلالة على أن حقيقة الإيمان إنما هو بالقلب و من قال شيئا و اعتقد خلافه فهو كاذب «اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً» أي سترة يستترون بها من الكفر لئلا يقتلوا و لا يسبوا و لا تؤخذ أموالهم «فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» أي فأعرضوا بذلك عن دين الإسلام و قيل معناه منعوا غيرهم عن اتباع سبيل الحق بأن دعوهم إلى الكفر في الباطن و هذا من خواص المنافقين يصدون العوام عن الدين كما تفعل المبتدعة «إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» أي بئس الذين يعملونه من إظهار الإيمان مع إبطان الكفر و الصد عن السبيل «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا» بألسنتهم عند الإقرار بلا إله إلا الله محمد رسول الله «ثُمَّ كَفَرُوا» بقلوبهم لما كذبوا بهذا عن قتادة و قيل معناه آمنوا ظاهرا عند النبي و المسلمين ثم كفروا إذا خلوا بالمشركين و إنما قال ثم كفروا لأنهم جددوا الكفر بعد إظهار الإيمان «فَطُبِعَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ» أي ختم عليها بسمة تميز بها الملائكة بينهم و بين المؤمنين على الحقيقة و قيل لما ألفوا الكفر و العناد و لم يصغوا إلى الحق و لا فكروا في المعاد خلاهم الله و اختارهم و خذلهم فصار ذلك طبعا على قلوبهم و هو الفهم إلى ما اعتادوه من الكفر عن أبي مسلم «فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ» أي لا يعلمون الحق من حيث أنهم لا يتفكرون حتى يميزوا بين الحق و الباطل «وَ إِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ» بحسن منظرهم و تمام خلقتهم و جمال بزتهم «وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَع‏

439
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 439

لِقَوْلِهِمْ» أي و إذا قالوا شيئا أصغيت إلى كلامهم لحسن منطقهم و فصاحة لسانهم و بلاغة بيانهم «كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ» أي كأنهم أشباح بلا أرواح شبههم الله في خلوهم من العقول و الأفهام بالخشب المسندة إلى شي‏ء لا أرواح فيها و قيل أنه شبههم بخشب نخرة متأكلة لا خير فيها و يحسب من رآها أنها صحيحة سليمة من حيث أن ظاهرها يروق و باطنها لا يفيد فكذلك المنافق ظاهره معجب رائع و باطنه عن الخير زائغ «يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ» وصفهم الله تعالى بالخور و الهلع أي يظنون كل صيحة يسمعونها كائنة عليهم و المعنى يحسبون أنها مهلكتهم و أنهم هم المقصودون بها جبنا و وجلا و ذلك مثل أن ينادي مناد في العسكر أو يصيح أحد بصاحبه أو انفلتت دابة أو أنشدت ضالة و قيل معناه إذا سمعوا صيحة ظنوا أنها آية منزلة في شأنهم و في الكشف عن حالتهم لما عرفوا من الغش و الخيانة في صدورهم و لذلك قيل المريب خائف ثم أخبر سبحانه بعداوتهم فقال «هُمُ الْعَدُوُّ» لك و للمؤمنين في الحقيقة «فَاحْذَرْهُمْ» أن تأمنهم على سرك و توقهم «قاتَلَهُمُ اللَّهُ» أي أخزاهم و لعنهم و قيل أنه دعاء عليهم بالهلاك لأن من قاتله الله فهو مقتول و من غالبه فهو مغلوب «أَنَّى يُؤْفَكُونَ» أي أنى يصرفون عن الحق مع كثرة الدلالات و هذا توبيخ و تقريع و ليس باستفهام عن أبي مسلم و قيل معناه كيف يكذبون من الإفك «وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا» أي هلموا «يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ» أي أكثروا تحريكها بالهزء لها استهزاء بدعائهم إلى ذلك و قيل أمالوها إعراضا عن الحق و كراهة لذكر النبي ص و ذلك لكفرهم و استكبارهم «وَ رَأَيْتَهُمْ» يا محمد «يَصُدُّونَ» عن سبيل [الله‏] الحق «وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ» أي متكبرون مظهرون أنه لا حاجة لهم إلى الاستغفار.

440
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة المنافقون الآيات 6 الى 11 ص 441

[سورة المنافقون (63): الآيات 6 الى 11]
سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (6) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى‏ مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَ لِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (8) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (9) وَ أَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى‏ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَ أَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10)
وَ لَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَ اللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (11)

القراءة
قرأ أبو عمرو و أكون بالنصب و الباقون «وَ أَكُنْ» بالجزم و قرأ حماد و يحيى بما يعلمون بالياء و الباقون بالتاء.
الحجة
من قرأ «وَ أَكُنْ» عطفه على موضع قوله «فَأَصَّدَّقَ» لأنه في موضع فعل مجزوم أ لا ترى أنك إذا قلت أخرني أصدق كان جزما بأنه جواب الجزاء و قد أغنى السؤال عن ذكر الشرط و التقدير أخرني فإنك إن تؤخرني أصدق فلما كان الفعل المنتصب بعد الفاء في موضع فعل مجزوم بأنه جواب الشرط حمل قوله «وَ أَكُنْ» عليه و مثل ذلك قوله «مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَ يَذَرُهُمْ» لما كان فلا هادي له في موضع فعل مجزوم حمل و يذرهم عليه و مثل ذلك قول الشاعر:
         فأبلوني بليتكم لعلي             أصالحكم و ستدرج نويا
حمل و استدرج على موضع الفاء المحذوفة و ما بعدها من لعلي و كذلك قوله:
         أيا سلكت فإنني لك كاشح             و على انتقاصك في الحياة و ازدد
حمل و ازدد على موضع الفاء و ما بعدها و أما قول أبي عمرو و أكون فإنما حمله على اللفظ دون الموضع و كان الحمل على اللفظ أولى لظهوره في اللفظ و قربه و زعموا أن في‏

441
مجمع البيان في تفسير القرآن10

الحجة ص 441

حرف أبي فأتصدق و أكون و من قرأ بما يعملون بالياء فعلى قوله «وَ لَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً» لأن النفس و إن كان واحدا في اللفظ فالمراد به الكثرة و من قرأ بالتاء كان خطابا شائعا.
اللغة
الانفضاض التفرق و فض الكتاب إذا فرقه و نشره و سميت الفضة فضة لتفرقها في أثمان الأشياء المشتراة و كل شي‏ء يشغلك عن شي‏ء فقد ألهاك عنه قال:
         ألهى بني جشم عن كل مكرمة             قصيدة قالها عمرو بن كلثوم‏
و قال امرؤ القيس:
         فمثلك حبلى قد طرقت و مرضع             فألهيتها عن ذي تمائم محول‏
النزول‏
نزلت الآيات في عبد الله بن أبي المنافق و أصحابه و ذلك‏
أن رسول الله ص بلغه أن بني المصطلق يجتمعون لحربه و قائدهم الحرث بن أبي ضرار أبو جويرية زوج النبي ص فلما سمع بهم رسول الله ص خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل فتزاحف الناس و اقتتلوا فهزم الله بني المصطلق و قتل منهم من قتل و نفل رسول الله ص أبناءهم و نساءهم و أموالهم فبينا الناس على ذلك الماء إذ وردت واردة الناس و مع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له جهجاه بن سعيد يقود له فرسه فازدحم جهجاه و سنان الجهني من بني عوف بن خزرج على الماء فاقتتلا فصرخ الجهني يا معشر الأنصار و صرخ الغفاري يا معشر المهاجرين فأعان الغفاري رجل من المهاجرين يقال له جعال و كان فقيرا فقال عبد الله بن أبي لجعال إنك لهتاك فقال و ما يمنعني أن أفعل ذلك و اشتد لسان جعال على عبد الله فقال عبد الله و الذي يحلف به لآزرنك و يهمك غير هذا و غضب ابن أبي و عنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم حديث السن فقال ابن أبي قد نافرونا و كاثرونا في بلادنا و الله ما مثلنا و مثلهم إلا كما قال القائل سمن كلبك يأكلك أما و الله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل يعني بالأعز نفسه و بالأذل رسول الله ص ثم أقبل على من حضره من قومه فقال هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم و قاسمتوهم أموالكم أما و الله لو أمسكتم عن جعال و ذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم و لأوشكوا أن يتحولوا من بلادكم و يلحقوا بعشائرهم و مواليهم فقال زيد بن أرقم أنت و الله الذليل القليل المبغض في قومك و محمد ص في عز من الرحمن و مودة من المسلمين و الله لا أحبك بعد كلامك هذا فقال عبد الله اسكت فإنما كنت ألعب فمشى زيد بن أرقم إلى رسول الله ص‏

442
مجمع البيان في تفسير القرآن10

النزول ص 442

و ذلك بعد فراغه من الغزو فأخبره الخبر فأمر رسول الله ص بالرحيل و أرسل إلى عبد الله فأتاه فقال ما هذا الذي بلغني عنك فقال عبد الله و الذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك قط و إن زيدا لكاذب و قال من حضر من الأنصار يا رسول الله شيخنا و كبيرنا لا تصدق عليه كلام غلام من غلمان الأنصار عسى أن يكون هذا الغلام وهم في حديثه فعذره رسول الله ص و فشت الملامة من الأنصار لزيد و لما استقل رسول الله ص فسار لقيه أسيد بن الحضير فحياه بتحية النبوة ثم قال يا رسول الله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها فقال له رسول الله ص أ و ما بلغك ما قال صاحبكم زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل فقال أسيد فأنت و الله يا رسول الله تخرجه إن شئت هو و الله الذليل و أنت العزيز ثم قال يا رسول الله ارفق به فو الله لقد جاء الله بك و إن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه و إنه ليرى أنك قد استلبته ملكا و بلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ما كان من أمر أبيه فأتى رسول الله ص فقال يا رسول الله أنه قد بلغني أنك تريد قتل أبي فإن كنت لا بد فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه فو الله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالديه مني و أني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي أن يمشي في الناس فأقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار فقال بل ترفق به و تحسن صحبته ما بقي معنا قالوا و سار رسول الله ص بالناس يومهم ذلك حتى أمسى و ليلتهم حتى أصبح و صدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس فلم يكن إلا أن وجدوا مس الأرض وقعوا نياما إنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي خرج من عبد الله بن أبي ثم راح بالناس حتى نزل على ماء بالحجاز فويق البقيع يقال له بقعاء فهاجت ريح شديدة آذتهم و تخوفوها و ضلت ناقة رسول الله ص و ذلك ليلا فقال مات اليوم منافق عظيم النفاق بالمدينة قيل من هو قال رفاعة فقال رجل من المنافقين كيف يزعم أنه يعلم الغيب و لا يعلم مكان ناقته أ لا يخبره الذي يأتيه بالوحي فأتاه جبريل فأخبره بقول المنافق و بمكان الناقة و أخبر رسول الله ص بذلك أصحابه و قال ما أزعم أني أعلم الغيب و ما أعلمه و لكن الله تعالى أخبرني بقول المنافق و بمكان ناقتي هي في الشعب فإذا هي كما قال فجاءوا بها و آمن ذلك المنافق فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد في التابوت أحد بني قينقاع و كان من عظماء اليهود و قد مات ذلك اليوم قال زيد بن أرقم فلما وافى رسول الله ص المدينة جلست في البيت لما بي من الهم و الحياء فنزلت سورة المنافقين في تصديق زيد و تكذيب عبد الله بن أبي ثم أخذ رسول الله ص بإذن زيد فرفعه عن‏

443
مجمع البيان في تفسير القرآن10

النزول ص 442

الرحل ثم قال يا غلام صدق فوك و وعت أذناك و وعى قلبك و قد أنزل الله فيما قلت قرآنا و كان عبد الله بن أبي بقرب المدينة فلما أراد أن يدخلها جاءه ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي حتى أناخ على مجامع طرق المدينة فقال ما لك ويلك قال و الله لا تدخلها إلا بإذن رسول الله و لتعلمن اليوم من الأعز من الأذل فشكا عبد الله ابنه إلى رسول الله ص فأرسل إليه أن خل عنه يدخل فقال أما إذا جاء أمر رسول الله ص فنعم فدخل فلم يلبث إلا أياما قلائل حتى اشتكى و مات فلما نزلت هذه الآيات و بان كذب عبد الله قيل له نزل فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله ص يستغفر لك فلوى رأسه ثم قال أمرتموني أن أومن فقد آمنت و أمرتموني أن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت فما بقي إلا أن أسجد لمحمد فنزل «وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا» إلى قوله «وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ».
المعنى‏
ثم ذكر سبحانه أن استغفاره لا ينفعهم فقال «سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ» أي يتساوى الاستغفار لهم و عدم الاستغفار «لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ» لأنهم يبطنون الكفر و إن أظهروا الإيمان «إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ» أي لا يهدي القوم الخارجين عن الدين و الإيمان إلى طريق الجنة قال الحسن أخبره سبحانه أنهم يموتون على الكفر فلم يستغفر لهم و قد كان النبي ص يستغفر لهم على ظاهر الحال بشرط حصول التوبة و أن يكون الباطن مثل الظاهر فبين الله تعالى أن ذلك لا ينفعهم مع إبطانهم الكفر و النفاق ثم قال سبحانه «هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى‏ مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ» من المؤمنين المحتاجين «حَتَّى يَنْفَضُّوا» أي يتفرقوا عنه و إنما قالوا هم من عند محمد ص و لكن الله سبحانه سماه رسول الله ص تشريفا له و تعظيما لقدره «وَ لِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» و ما بينهما من الأرزاق و الأموال و الأغلاق فلو شاء لأغناهم و لكنه تعالى يفعل ما هو الأصلح لهم و يمتحنهم بالفقر و يتعبدهم بالصبر ليصبروا فيؤجروا و ينالوا الثواب و كريم المآب «وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ» ذلك على الحقيقة لجهلهم بوجوه الحكمة و قيل لا يفقهون أن أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون «يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ» من غزوة بني المصطلق «لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ» يعنون نفوسهم «مِنْهَا الْأَذَلَّ» يعنون رسول الله ص و المؤمنين فرد الله سبحانه عليهم بأن قال «وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ» بإعلاء الله كلمته و إظهاره دينه على الأديان «وَ لِلْمُؤْمِنِينَ» بنصرته إياهم في الدنيا و إدخالهم الجنة في العقبي و قيل و لله العزة بالربوبية و لرسوله بالنبوة و للمؤمنين بالعبودية أخبر سبحانه بذلك ثم حققه بأن أعز رسوله و المؤمنين و فتح عليهم مشارق الأرض و مغاربها و قيل عز الله خمسة عز الملك و البقاء و عز العظمة و الكبرياء و عز البذل و العطاء و عز الرفعة و العلاء و عز الجلال و البهاء و عز الرسول خمسة عز

444
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 444

السبق و الابتداء و عز الأذان و النداء و عز قدم الصدق على الأنبياء و عز الاختيار و الاصطفاء و عز الظهور على الأعداء و عز المؤمنين خمسة عز التأخير بيانه نحن الآخرون السابقون و عز التيسير بيانه وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ* يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ و عز التبشير، بيانه وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً و عز التوقير، بيانه وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ* و عز التكثير، بيانه أنهم أكثر الأمم «وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ» فيظنون أن العزة لهم و ذلك لجهلهم بصفات الله تعالى و ما يستحقه أولياؤه و وجه الجمع بين هذه الآية و بين قوله فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً أن عز الرسول و المؤمنين من جهته عز اسمه و إنما يحصل به و بطاعته فلله العز بأجمعه ثم خاطب سبحانه المؤمنين فقال «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ» أي لا تشغلكم «أَمْوالُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ» أي عن الصلوات الخمس المفروضة و قيل ذكر الله جميع طاعاته عن أبي مسلم و قيل ذكره شكره على نعمائه و الصبر على بلائه و الرضاء بقضائه و هو إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يغفل المؤمن عن ذكر الله في بؤس كان أو نعمة فإن إحسانه في الحالات لا ينقطع «وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ» أي من يشغله ماله و ولده عن ذكر الله «فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» خسروا ثواب الله و رحمته «وَ أَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ» في سبيل البر فيدخل فيه الزكوات و سائر الحقوق الواجبة «مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ» أي أسباب الموت «فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى‏ أَجَلٍ قَرِيبٍ» أي هلا أخرتني و ذلك إذا عاين علامات الآخرة فيسأل الرجعة إلى الدنيا ليتدارك الفائت قالوا و ليس في الزجر عن التفريط في حقوق الله آية أعظم من هذه و قوله «إِلى‏ أَجَلٍ قَرِيبٍ» أي مثل ما أجلت لي في دار الدنيا «فَأَصَّدَّقَ» أي فأتصدق و أزكي مالي و أنفقه في سبيل الله «وَ أَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ» أي من الذين يعملون الأعمال الصالحة و قيل من الصالحين أي من المؤمنين و الآية في المنافقين عن مقاتل و قيل من المطيعين لله و الآية في المؤمنين عن ابن عباس قال ما من أحد يموت و كان له مال فلم يؤد زكاته و أطاق الحج فلم يحج إلا سأل الرجعة عند الموت قالوا يا ابن عباس اتق الله فإنما نرى هذا الكافر يسأل الرجعة فقال أنا أقرأ عليكم قرآنا ثم قرأ هذه الآية إلى قوله‏
«مِنَ الصَّالِحِينَ» قال الصلاح هنا الحج و روي ذلك عن أبي عبد الله (ع)
«وَ لَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها» يعني الأجل المطلق الذي حكم بأن الحي يموت عنده و الأجل المقيد هو الأجل المحكوم بأن العبد يموت عنده إن لم يقتطع دونه أو لم يزد عليه أو لم ينقص منه على ما يعلمه الله من المصلحة «وَ اللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ» أي عليم بأعمالكم يجازيكم بها.
النظم‏
وجه اتصال هذه الآية الأخيرة بما قبلها أن معناه أنه سبحانه لو علم أنكم تتوبون لجعل في أجلكم تأخيرا إلى وقت آخر و لكنه علم أنكم لا تتوبون.

445
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة التغابن مدنية و آياتها ثماني عشرة ص 446

(64) سورة التغابن مدنية و آياتها ثماني عشرة (18)
[توضيح‏]
و قال ابن عباس مكية غير ثلاث آيات من آخرها نزلن بالمدينة «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ» إلى آخر السورة.
عدد آيها
ثماني عشرة آية بالإجماع.
فضلها
أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأ سورة التغابن دفع عنه موت الفجأة.
ابن أبي العلاء عن أبي عبد الله (ع) قال من قرأ سورة التغابن في فريضته كانت شفيعة له يوم القيامة و شاهد عدل عند من يجيز شهادتها ثم لا تفارقه حتى يدخل الجنة.
تفسيرها
لما ختم الله تعالى تلك السورة بذكر الأمر بالطاعة و النهي عن المعصية افتتح هذه السورة ببيان حال المطيع و العاصي فقال:

446
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة التغابن الآيات 1 الى 5 ص 447

[سورة التغابن (64): الآيات 1 الى 5]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏
يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَ لَهُ الْحَمْدُ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2) خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَ ما تُعْلِنُونَ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (4)
أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (5)

المعنى‏                                                                                                                                                                                                                                 «يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ» تسبيح المكلفين بالقول و تسبيح الجمادات بالدلالة «لَهُ الْمُلْكُ» منفردا دون غيره و الألف و اللام لاستغراق الجنس و المعنى أنه المالك لجميع ذلك و المتصرف فيه كيف يشاء «وَ لَهُ الْحَمْدُ» على جميع ذلك لأن خلق ذلك أجمع- الغرض فيه الإحسان إلى خلقه و النفع لهم به فاستحق بذلك الحمد و الشكر «وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ» يوجد المعدوم و يفني الموجود و يغير الأحوال كما يشاء «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ» أي أنشأكم و أوجدكم عن عدم كما أراد و الخطاب للمكلفين عن الجبائي و قيل بل هو عام و قد تم الكلام هنا ثم ابتدأ فقال «فَمِنْكُمْ كافِرٌ» لم يقر بأن الله خلقه كالدهرية «وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ» مقر بأن الله خلقه عن الزجاج و قيل معناه فمنكم كافر في السر مؤمن في العلانية كالمنافقين و منكم مؤمن في السر كافر في العلانية كعمار و ذويه عن الضحاك و قيل فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب و منكم مؤمن بالله كافر بالكواكب يريد في شأن الأنواء عن عطاء بن أبي رباح و المراد بالآية ظاهر فلا معنى للاسترواح إلى مثل هذه التأويلات و المعنى أن المكلفين جنسان منهم كافر فيدخل فيه أنواع الكفر و منهم مؤمن و لا يجوز حمله على أنه سبحانه خلقهم مؤمنين و كافرين لأنه لم يقل كذلك بل أضاف الكفر و الإيمان إليهم و إلى فعلهم و لدلالة العقول على أن ذلك يقع على حسب قصودهم و أفعالهم و لذلك يصح الأمر و النهي و الثواب و العقاب و بعثة الأنبياء على أنه سبحانه لو جاز أن يخلق الكفر و القبائح لجاز أن يبعث رسولا يدعو إلى الكفر و الضلال و يؤيده بالمعجزات تعالى عن ذلك و تقدس هذا و قد قال تعالى فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها و
قال النبي ص كل مولود يولد على الفطرة
تمام الخبر و
قال ص حكاية عن الله سبحانه خلقت عبادي كلهم حنفاء
و نحو ذلك من الأخبار كثير «وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» أي خلق الكافر و هو عالم بما يكون منه من الكفر و خلق المؤمن و هو عالم بما يكون منه من الإيمان فيجازيهما على حسب أعمالهما «خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ» أي بالعدل و بأحكام الصنعة و صحة التقدير و قيل معناه للحق و هو أن خلق العقلاء تعريضا إياهم للثواب العظيم و خلق ما عداهم تبعا لهم لما في خلقهما لهم من اللطف «وَ صَوَّرَكُمْ» يعني البشر كلهم «فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ» من حيث‏

447
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 447

الحكمة و قبول العقل لا قبول الطبع لأن في جملتهم من ليس على هذه الصفة و قيل فأحسن صوركم من حيث قبول الطبع لأن ذلك هو المفهوم من حسن الصور فهو كقوله «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» و إن كان في جملتهم من هو مشوه الخلق لأن ذلك عارض لا يعتد به في هذا الوصف فالله سبحانه خلق الإنسان على أحسن صور الحيوان كله و الصورة عبارة عن بنية مخصوصة «وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ» أي إليه المرجع و المال يوم القيامة «يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَ ما تُعْلِنُونَ» أي ما يسره بعضكم إلى بعض و ما يخفيه في صدره عن غيره و الفرق بين الإسرار و الإخفاء أن الإخفاء أعم لأنه قد يخفي شخصه و يخفي المعنى في نفسه و الأسرار يكون في المعنى دون الشخص «وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» أي بأسرار الصدور و بواطنها ثم أخبر سبحانه أن القرون الماضية جوزوا بأعمالهم فقال «أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ» أي من قبل هؤلاء الكفار «فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ» أي وخيم عاقبة كفرهم و ثقل أمرهم بما نالهم من العذاب بالإهلاك و الاستئصال «وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» أي مؤلم يوم القيامة.

448
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة التغابن الآيات 6 الى 10 ص 449

[سورة التغابن (64): الآيات 6 الى 10]
ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَ تَوَلَّوْا وَ اسْتَغْنَى اللَّهُ وَ اللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (6) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى‏ وَ رَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَ يَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (10)
القراءة
قرأ رويس عن يعقوب يوم نجمعكم بالنون و الباقون بالياء و قرأ أهل المدينة و ابن عامر نكفر عنه و ندخله بالنون فيهما و الباقون بالياء.
الحجة
حجة الياء أن الاسم الظاهر قد تقدم و وجه النون أنه كقوله «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ» ثم جاء وَ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ.
الإعراب‏
 «ذلِكَ بِأَنَّهُ» الهاء ضمير الأمر و الشأن. «أَ بَشَرٌ» مبتدأ و إنما جاز أن يكون مبتدأ مع كونه نكرة لأن الاستفهام سوغ ذلك كما أن النفي أيضا كذلك لكونهما غير موجبين يقال أ رجل في الدار أم امرأة و لا رجل في الدار و لا امرأة و قيل أنه فاعل فعل مضمر يفسره قوله «يَهْدُونَنا» كأنه قال أ يهدينا بشر يهدوننا و إنما أضمر لأن الاستفهام بالفعل أولى و قوله «أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا» تقديره أنهم لن يبعثوا فسدت الجملة عن المفعولين بما جرى فيها من ذكر الحديث و المحدث عنه و لما كان لن في «لَنْ يُبْعَثُوا» دليل الاستقبال تعينت أن قبلها لأن تكون مخففة من الثقيلة لأن لن يمنعها من أن تكون ناصبة للفعل يوم نجمعكم ظرف لتبعثن.
المعنى‏
لما قرر سبحانه خلقه بأنهم أتيهم أخبار من مضى من الكفار و إهلاكهم عقبه ببيان سبب إهلاكهم فقال «ذلِكَ» أي ذلك العذاب الذي نالهم في الدنيا و الذي ينالهم في الآخرة «بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ» أي بسبب أنه كانت تجيئهم «رُسُلُهُمْ» من عند الله «بِالْبَيِّناتِ» أي بالدلالات الواضحات و المعجزات الباهرات «فَقالُوا» لهم «أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا» لفظه واحد و المراد به الجمع على طريق الجنس بدلالة قوله «يَهْدُونَنا» و المعنى أ خلق مثلنا يهدوننا إلى الحق و يدعوننا إلى غير دين آبائنا استصغارا منهم للبشر أن يكونوا رسلا من الله إلى أمثالهم و استكبارا و أنفة من اتباعهم «فَكَفَرُوا» بالله و جحدوا رسله «وَ تَوَلَّوْا» أي أعرضوا عن القبول منهم و التفكر في آياتهم «وَ اسْتَغْنَى اللَّهُ» بسلطانه عن طاعة عباده و إنما كلفهم لنفعهم لا لحاجة منه إلى عبادتهم و قيل معناه و استغنى الله بما أظهره لهم من البرهان و أوضحه من البيان عن زيادة تدعو إلى الرشد و تهدي إلى الإيمان «وَ اللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ» أي غني عن أعمالكم مستحمد إليكم بما ينعم به عليكم و قيل حميد أي محمود في جميع أفعاله لأنها كلها إحسان ثم حكى سبحانه ما يقوله الكفار فقال «زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا» قال ابن عمر زعم زاملة الكذب و قال شريح زعم كنية الكذب‏

449
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 449

بين الله سبحانه بعض ما لأجله اختاروا الكفر على الإيمان و هو أنهم كانوا لا يقرون بالبعث و النشور فأمر النبي ص بأن يكذبهم فقال «قُلْ» يا محمد «بَلى‏ وَ رَبِّي» أي و حق ربي على وجه القسم «لَتُبْعَثُنَّ» أي لتحشرن أكد تكذيبهم بقوله «بَلى‏» و باليمين ثم أكد اليمين باللام و النون «ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ» أي لتخبرن و تحاسبن بأعمالكم و تجازون عليها «وَ ذلِكَ» البعث و الحساب مع الجمع و الجزاء «عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ» أي سهل هين لا يلحقه مشقة و لا معاناة فيه «فَآمِنُوا» معاشر العقلاء «بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا» و هو القرآن سماه نورا لما فيه من الأدلة و الحجج الموصلة إلى الحق فشبه بالنور الذي يهتدى به إلى الطريق «وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» أي عليم «يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ» و هو يوم القيامة أي ذلك البعث و الجزاء يكون في يوم يجمع فيه خلق الأولين و الآخرين «ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ» و هو تفاعل من الغبن و هو أخذ شر و ترك خير أو أخذ خير و ترك شر فالمؤمن ترك حظه من الدنيا و أخذ حظه من الآخرة فترك ما هو شر له و أخذ ما هو خير له فكان غابنا و الكافر ترك حظه من الآخرة و أخذ حظه من الدنيا فترك الخير و أخذ الشر فكان مغبونا فيظهر في ذلك اليوم الغابن و المغبون و قيل يوم التغابن غبن أهل الجنة أهل النار عن قتادة و مجاهد و
قد روي عن النبي ص في تفسير هذا قوله ما من عبد مؤمن يدخل الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا و ما من عبد يدخل النار إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة
 «وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَ يَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ» أي معاصيه «وَ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً» أي مؤبدين فيها و لا يفنى ما هم فيه من النعيم أبدا «ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» أي النجاح الذي ليس وراءه شي‏ء من العظمة «وَ الَّذِينَ كَفَرُوا» بالله «وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا» أي بحججنا و دلائلنا «أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ» أي المال و المرجع.

450
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة التغابن الآيات 11 الى 18 ص 451

[سورة التغابن (64): الآيات 11 الى 18]
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ (11) وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى‏ رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (12) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (13) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَ أَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَ إِنْ تَعْفُوا وَ تَصْفَحُوا وَ تَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَ اللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15)
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَ اسْمَعُوا وَ أَطِيعُوا وَ أَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17) عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)

القراءة
في الشواذ قراءة طلحة بن مصرف نهد قلبه بالنون و قراءة السلمي يهد قلبه بضم الياء و الباء على ما لم يسم فاعله و قراءة عكرمة و عمرو بن دينار يهدأ قلبه مهموزا و قراءة مالك بن دينار يهدا بالألف.
الحجة
من قرأ يهدأ مهموزا فمعناه يطمئن قلبه كما قال سبحانه وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ و من قرأ بالألف فإنه لين الهمز تخفيفا.
النزول‏
نزل قوله «مِنْ أَزْواجِكُمْ وَ أَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ» في قوم أرادوا الهجرة فثبطهم نساؤهم و أولادهم عنها عن ابن عباس و مجاهد.
المعنى‏
ثم قال سبحانه «ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ» أي ليس تصيبكم مصيبة «إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ» و المصيبة المضرة التي تلحق صاحبها كالرمية التي تصيبها و إنما عم ذلك سبحانه و إن كان في المصائب ما هو ظلم و هو سبحانه لا يأذن بالظلم لأنه ليس منها إلا ما أذن الله في وقوعه أو التمكن منه و ذلك إذن للملك الموكل به كأنه قيل لا يمنع من وقوع هذه المصيبة و قد يكون ذلك بفعل التمكين من الله فكأنه يأذن له بأن يكون و قيل معناه إلا بتخلية الله بينكم و بين من يريد فعلها عن البلخي و قيل أنه خاص فيما يفعله الله تعالى أو يأمر به و قيل معناه بعلم الله أي لا يصيبكم مصيبة إلا و الله عالم بها «وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ» أي يصدق به و يرخي بقضائه «يَهْدِ قَلْبَهُ» أي يهد الله قلبه حتى يعلم أن ما أصابه فبعلم الله فيصبر عليه و لا يجزع لينال الثواب و الأجر و قيل معناه و من يؤمن بتوحيد الله و يصبر لأمر الله يعني عند نزول المصيبة يهد قلبه للاسترجاع حتى يقول إنا لله و إنا إليه راجعون عن ابن عباس. و قيل إن المعنى يهد

451
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 451

قلبه فإن ابتلي صبر و إن أعطي شكر و إن ظلم غفر عن مجاهد و قال بعضهم في معناه من يؤمن بالله عند النعمة فيعلم أنها فضل من الله يهد قلبه للشكر و من يؤمن بالله عند البلاء فيعلم أنه عدل من الله يهد قلبه للصبر و من يؤمن بالله عند نزول القضاء يهد قلبه للاستسلام و الرضاء «وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ» فيجازي كل امرئ بما عمله «وَ أَطِيعُوا اللَّهَ» في جميع ما أمركم به «وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ» في جميع ما أتاكم به و دعاكم إليه و فيما أمركم به و نهاكم عنه «فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ» أي فإن أعرضتم عن القبول منه «فَإِنَّما عَلى‏ رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ» أي ليس عليه إلا تبليغ الرسالة و قد فعل و المراد ليس عليه قهركم على الرد إلى الحق و إنما عليه البلاغ الظاهر البين فحذف للإيجاز و الاختصار «اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» و لا تحق العبادة إلا له «وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» و التوكل تفويض الأمور إليه و الرضاء بتقديره و الثقة بتدبيره و قد أمر الله عباده بذلك فينبغي لهم أن يستشعروا ذلك في سائر أحوالهم «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَ أَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ» يعني أن بعضهم بهذه الصفة و لذلك أتى بلفظة من و هي للتبعيض يقول أن من هؤلاء من هو عدو لكم في الدين فاحذروهم أن تطيعوهم و قيل إنه سبحانه إنما قال ذلك لأن من الأزواج من يتمنى موت الزوج و من الأولاد من يتمنى موت الوالد ليرث ماله و ما من عدو أعدى ممن يتمنى موت غيره ليأخذ ماله و كذلك يكون من يحملك على معصية الله لمنفعة نفسه و لا عدو أشد عداوة ممن يختار ضررك لمنفعته قال عطاء يعني قوما أرادوا الغزو فمنعهم هؤلاء و قال مجاهد يريد قوما أرادوا طاعة الله فمنعوهم «وَ إِنْ تَعْفُوا» أي تتركوا عقابهم «وَ تَصْفَحُوا وَ تَغْفِرُوا» أي تتجاوزوا عنهم و تستروا ما سبق منهم إن عادوا إلى الحالة الجميلة و ذلك أن الرجل من هؤلاء إذا هاجر و رأى الناس قد سبقوه بالهجرة و فقهوا في الدين هم أن يعاقب زوجته و ولده الذين ثبطوه عن الهجرة و أن يلحقوا به في دار الهجرة لم ينفق عليهم فأمر سبحانه بالعفو و الصفح «فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» يغفر لكم ذنوبكم و يرحمكم و قيل هو عام أي إن تعفوا و تصفحوا عمن ظلمكم فإن الله يغفر بذلك كثيرا من ذنوبكم عن الجبائي «إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ» أي محنة و ابتلاء و شدة للتكليف عليكم و شغل عن أمر الآخرة فإن الإنسان بسبب المال و الولد يقع في الجرائم عن ابن مسعود قال لا يقولن أحدكم اللهم إني أعوذ بك من الفتنة فإنه ليس أحد منكم يرجع إلى مال و أهل و ولد إلا و هو مشتمل على فتنة و لكن ليقل اللهم إني أعوذ بك من مضلات الفتن. و
روى عبد الله بن بريدة عن أبيه قال كان رسول الله ص يخطب فجاء الحسن و الحسين (ع) و عليهما قميصان أحمران يمشيان و يعثران فنزل رسول الله ص إليهما فأخذهما فوضعهما في حجره على المنبر و قال صدق الله عز و جل «إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ»

452
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 451

نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان و يعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي و رفعتهما ثم أخذ في خطبته‏
 «وَ اللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ» أي ثواب جزيل و هو الجنة يعني فلا تعصوه بسبب الأموال و الأولاد و لا تؤثروهم على ما عند الله من الأجر و الذخر «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» أي ما أطقتم و الاتقاء الامتناع من الردى باجتناب ما يدعو إليه الهوى و لا تنافي بين هذا و بين قوله «اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ» لأن كل واحد منهما إلزام لترك جميع المعاصي فمن فعل ذلك فقد اتقى عقاب الله لأن من لم يفعل قبيحا و لا أخل بواجب فلا عقاب عليه إلا أن في أحد الكلامين تبيينا أن التكليف لا يلزم العبد إلا فيما يطيق و كل أمر أمر الله به فلا بد أن يكون مشروطا بالاستطاعة و قال قتادة قوله «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ناسخ لقوله «اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ» و كأنه يذهب إلى أن فيه رخصة لحال التقية و ما جرى مجراها مما يعظم فيه المشقة و إن كانت القدرة حاصلة معه و قال غيره ليس هذا بناسخ و إنما هو مبين لإمكان العمل بهما جميعا و هو الصحيح «وَ اسْمَعُوا» من الرسول ما يتلو عليكم و ما يعظكم به و يأمركم و ينهاكم «وَ أَطِيعُوا» الله و الرسول «وَ أَنْفِقُوا» من أموالكم في حق الله «خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ» مثله فآمنوا خيرا لكم و انتهوا خيرا لكم و قد مضى ذكر ذلك و قال الزجاج معناه قدموا خيرا لأنفسكم من أموالكم «وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ» حتى يعطي حق الله من ماله «فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» أي المنجحون الفائزون بثواب الله و
قال الصادق (ع) من أدى الزكاة فقد وقى شح نفسه‏
 «إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً» قد مضى معناه و إطلاق اسم القرض هنا تلطف في الاستدعاء إلى الإنفاق «يُضاعِفْهُ لَكُمْ» أي يعطي بدله أضعاف ذلك من واحد إلى سبعمائة إلى ما لا يتناهى فإن ثواب الصدقة يدوم «وَ يَغْفِرْ لَكُمْ» ذنوبكم «وَ اللَّهُ شَكُورٌ» أي مثيب مجاز على الشكر «حَلِيمٌ» لا يعاجل العباد بالعقوبة و هذا غاية الكرم «عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ» أي السر و العلانية و قيل المعدوم و الموجود و قيل غير المحسوس و المحسوس «الْعَزِيزُ» القادر «الْحَكِيمُ» العالم و قيل المحكم لأفعاله.

453
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة الطلاق مدنية و آياتها اثنتا عشرة ص 454

(65) سورة الطلاق مدنية و آياتها اثنتا عشرة (12)
[توضيح‏]
و تسمى سورة النساء القصرى قال ابن مسعود في حديث العدة من شاء باهلته أن سورة النساء القصرى نزلت بعد قوله «وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً»* و إنما أراد قوله «وَ أُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» فإذا كانت حاملة فعدتها وضع الحمل و هي مدنية بالإجماع.
عدد آيها
إحدى عشرة آية بصري و اثنتا عشرة آية في الباقين.
اختلافها
ثلاث آيات «يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً» كوفي مكي و المدني الأخير «وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ» شامي «يا أُولِي الْأَلْبابِ» المدني الأول.
فضلها
أبي ابن كعب عن النبي ص قال و من قرأ سورة الطلاق مات على سنة رسول الله ص‏
أبو بصير عن أبي عبد الله (ع) قال من قرأ سورة الطلاق و التحريم في فريضته أعاذه الله تعالى من أن يكون يوم القيامة ممن يخاف أو يحزن و عوفي من النار و أدخله الله الجنة بتلاوته إياهما و محافظته عليهما لأنهما للنبي ص.
تفسيرها
لما ختم الله سورة التغابن بذكر النساء و التحذير منهن افتتح هذه السورة بذكرهن و ذكر أحكامهن و أحكام فراقهن فقال:

454
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة الطلاق الآيات 1 الى 5 ص 455

[سورة الطلاق (65): الآيات 1 الى 5]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ وَ اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (1) فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَ أَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدْراً (3) وَ اللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَ اللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَ أُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (4)
ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَ يُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (5)

القراءة
قرأ حفص عن عاصم «بالِغُ» بغير تنوين «أَمْرِهِ» بالجر على الإضافة و الباقون بالغ بالتنوين أمره بالنصب و في الشواذ قراءة داود بن أبي هند أن الله بالغ بالتنوين أمره بالرفع و
روي عن ابن عباس و أبي بن كعب و جابر بن عبد الله و علي بن الحسين (ع) و زيد بن علي و جعفر بن محمد و مجاهد فطلقوهن في قبل عدتهن.
الحجة
قال أبو علي قوله بالغ أمره على سيبلغ أمره فيما يريده فيكم فهذا هو الأصل‏

455
مجمع البيان في تفسير القرآن10

الحجة ص 455

و هو حكاية حال و من أضاف حذف التنوين استخفافا و المعنى معنى ثبات التنوين مثل عارِضٌ مُمْطِرُنا و أما قوله في قبل عدتهن فإنه تفسير للقراءة المشهورة «فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ» أي عند عدتهن و مثله قوله «لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها» أي عند وقتها و من قرأ بالغ أمره فالمعنى أمره بالغ ما يريده الله به و قد بلغ أمر الله ما أراده فالمفعول على ما رأيت محذوف.
الإعراب                                                                                                                                                                                                ‏«وَ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ» مبتدأ خبره محذوف لدلالة الكلام عليه فإذا جاز حذف الجملة بأسرها جاز حذف بعضها و قد جاء أيضا في الصفة و إن قل نحو قوله «وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ» تقديره من كل شي‏ء تؤتاه.
المعنى‏
نادى سبحانه نبيه فقال «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ» ثم خاطب أمته فقال «إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ» لأنه السيد المقدم فإذا نودي و خوطب خطاب الجمع كانت أمته داخلة في ذلك الخطاب عن الحسن و غيره و قيل إن تقديره يا أيها النبي قل لأمتك إذا طلقتم النساء عن الجبائي فعلى هذا يكون النبي ص خارجا عن الحكم و على القول الأول حكمه حكم أمته في أمر الطلاق و على هذا انعقد الإجماع و المعنى إذا أردتم طلاق النساء مثل قوله سبحانه إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ و قوله فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ «فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ» أي لزمان عدتهن و ذلك أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه عن ابن عباس و ابن مسعود و الحسن و مجاهد و ابن سيرين و قتادة و الضحاك و السدي فهذا هو الطلاق للعدة لأنها تعتد بذلك الطهر من عدتها و تحصل في العدة عقيب الطلاق فالمعنى فطلقوهن لطهرهن الذي يحصينه من عدتهن و لا تطلقوهن لحيضهن الذي لا يعتددن به من قرئهن فعلى هذا يكون العدة الطهر على ما ذهب إليه أصحابنا و هو مذهب الشافعي و قيل إن المعنى قبل عدتهن أي في طهر لم يجامعها فيه العدة الحيض كما يقال توضأت للصلاة و لبست السلاح للحرب و هو مذهب أبي حنيفة و أصحابه و قيل إن اللام للسبب فكأنه قال فطلقوهن ليعتددن و لا شبهة أن هذا الحكم للمدخول بها لأن المطلقة قبل المسيس لا عدة عليها و قد ورد به التنزيل في سورة الأحزاب و هو قوله فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها و ظاهر الآية يقتضي أنه إذا طلقها في الحيض أو في طهر قد جامعها فيه فلا يقع الطلاق لأن الأمر يقتضي الإيجاب و به قال سعيد بن المسيب و ذهبت إليه الشيعة الإمامية و قال باقي الفقهاء يقع الطلاق و إن كان بدعة و خلاف المأمور به و كذلك أن جمع بين التطليقات الثلاث فإنها بدعة عند أبي حنيفة و أصحابه و إن كانت واقعة و عند المحققين من أصحابنا يقع واحدة عند حصول شرائط صحة الطلاق و الطلاق في الشرع عبارة عن تخلية المرأة بحل عقدة من عقد النكاح و ذلك أن يقول أنت طالق يخاطبها أو يقول هذه طالق و يشير

456
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 456

إليها أو يقول فلانة بنت فلان طالق و لا يقع الطلاق عندنا إلا بهذا اللفظ لا بشي‏ء من كنايات الطلاق سواء أراد بها الطلاق أو لم يرد بها و في تفصيل ذلك اختلافات بين الفقهاء ليس هاهنا موضعه و قد يحصل الفراق بغير الطلاق كالارتداد و اللعان كالخلع عند كثير من أصحابنا و إن لم يسم ذلك طلاقا و يحصل أيضا بالفسخ للنكاح بأشياء مخصوصة و بالرد بالعيب و إن لم يكن ذلك طلاقا و
روى البخاري و مسلم عن قتيبة عن الليث بن سعد عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه طلق امرأته و هي حائض تطليقة واحدة فأمر رسول الله ص أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر و تحيض عنده حيضة أخرى ثم يمهلها حتى تطهر من حيضها فإذا أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء
و
روى البخاري عن سليمان بن حرب و روى مسلم عن عبد الرحمن بن بشر عن بهر و كلاهما عن شعبة عن أنس بن سيرين قال سمعت ابن عمر يقول طلق ابن عمر امرأته و هي حائض فذكر ذلك عمر للنبي ص فقال مرة فليراجعها فإذا طهرت فليطلقها إن شاء
و
جاءت الرواية عن علي بن أبي طالب (ع) عن النبي ص أنه قال تزوجوا و لا تطلقوا فإن الطلاق يهتز منه العرش‏
و
عن ثوبان رفعه إلى النبي ص فقال أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة
و
عن أبي موسى الأشعري عن النبي ص قال لا تطلقوا النساء إلا من ريبة فإن الله لا يحب الذواقين و الذواقات‏
و
عن أنس عن النبي ص أنه قال ما حلف بالطلاق و لا استحلف به إلا منافق هذه الأحاديث الأربعة منقولة عن تفسير الثعلبي‏
ثم قال سبحانه «وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ» أي عدوا الأقراء التي تعتد بها و قيل معناه عدوا أوقاف الطلاق لتطلقوا للعدة و إنما أمر الله سبحانه بإحصاء العدة لأن لها فيها حقا و هي النفقة و السكنى و للزوج فيها حقا و هي المراجعة و منعها عن الأزواج لحقه و ثبوت نسب الولد فأمره تعالى بإحصائها ليعلم وقت المراجعة و وقت فوت المراجعة و تحريمها عليه و رفع النفقة و السكنى و لكيلا تطول العدة لاستحقاق زيادة النفقة أو تقصرها لطلب الزوج و العدة هي قعود المرأة عن الزوج حتى تنقضي المدة المرتبة في الشريعة و هي على ضروب فضرب يكون بالأقراء لمن تحيض و ضرب يكون بالأشهر للصغيرة التي لم تبلغ المحيض و مثلها تحيض و هي التي بلغت تسع سنين و إذا كان سنها أقل من ذلك فلا عدة عليها عند أكثر أصحابنا و قال بعضهم عدتها بالشهور و به قال الفقهاء و كذلك الكبيرة الآيسة من المحيض و مثلها تحيض عدتها بالشهور و حده أصحابنا بأن‏

457
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 456

يكون سنها أقل من خمسين سنة و من ستين سنة للقرشيات فإن كان سنها أكثر من ذلك فلا عدة عليها عند أكثر أصحابنا و المتوفى عنها زوجها عدتها بالشهور أيضا و الضرب الثالث من العدة يكون بوضع الحمل في الجميع إلا في المتوفى عنها زوجها فإن عدتها عند أصحابنا أبعد الأجلين و في ذلك اختلاف بين الفقهاء ثم إن عدة الطلاق للحرة ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر و للأمة قرءان أو شهر و نصف و وضع الحمل لا يختلف قال سبحانه «وَ اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ» و لا تعصوه فيما أمركم به و «لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لا يَخْرُجْنَ» هن أيضا يعني في زمان العدة لا يجوز للزوج أن يخرج المطلقة المعتدة من مسكنه الذي كان يسكنها فيه قبل الطلاق و على المرأة أيضا أن لا تخرج في عدتها إلا لضرورة ظاهرة فإن خرجت أثمت «إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» أي ظاهرة و من قرأ بفتح الياء فالمراد بفاحشة مظهرة أظهرتها و اختلف في الفاحشة فقيل إنها الزنا فتخرج لإقامة الحد عليها عن الحسن و مجاهد و الشعبي و ابن زيد و
قيل هي البذاء على أهلها فيحل لهم إخراجها عن ابن عباس و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع)
و
روى علي بن أسباط عن أبي الحسن الرضا قال الفاحشة أن تؤذي أهل زوجها و تسبهم‏
و قيل هي النشوز فإن طلقها على نشوز فلها أن تتحول من بيت زوجها عن قتادة و قيل هي خروجها قبل انقضاء العدة عن ابن عمر و في رواية أخرى عن ابن عباس أنه قال إن كل معصية لله تعالى ظاهرة فهي فاحشة «وَ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ» يعني ما ذكره سبحانه من أحكام الطلاق و شروطه «وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ» بأن يطلق على غير ما أمر الله تعالى به «فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» أي أثم فيما بينه و بين الله عز و جل و خرج عن الطاعة إلى المعصية و فعل ما يستحق به العقاب «لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً» أي بغير رأي الزوج في محبة الطلاق و يوقع في قلبه المحبة لرجعتها فيما بين الطلقة الواحدة و الثانية و فيما بين الثالثة قال الضحاك و السدي و ابن زيد لعل الله يحدث الرجعة في العدة و قال الزجاج و إذا طلقها ثلاثا في وقت واحد فلا معنى له لقوله «لَعَلَّ اللَّهَ» يحدث بعد ذلك أمرا و في هذه الآية دلالة على أن الواجب في التطليق أن يوقع متفرقا و لا يجوز الجمع بين الثلاث لأن الله تعالى أكد قوله «فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ» بقوله «وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ» ثم زاد في التأكيد بقوله «وَ اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ» فيما حده الله لكم فلا تعتدوه ثم قرر سبحانه حق الزوج في المراجعة بقوله «لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ» فإن الزوجة إذا لم ترم بيتها تمكن الزوج من مراجعتها ثم دل بقوله «وَ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ» على أن من تعدى حدود الله تعالى في الطلاق بطل حكمه و صار قوله «لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً» تأكيدا لحدود الله في الطلاق و إعلاما بأن حق الرجعة لا ينقطع بجمع الطلاق فكأنه قال كونوا على رجاء الفائدة بالرجعة.

458
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 456

فقد يحدث الله الرغبة بعد الطلاق فإن قالوا قد أمر الله سبحانه في الآية بطلاق العدة فكيف تقدمون أنتم طلاق السنة على طلاق العدة فالجواب أن طلاق السنة أيضا طلاق العدة إلا أن أصحابنا رضي الله عنهم قد اصطلحوا على أن يسموا الطلاق الذي لا يزاد عليه بعد المراجعة طلاق السنة و الطلاق الذي يزاد عليه بشرط المراجعة طلاق العدة و مما يعضد ما ذكرته ما اشتهر من الأخبار في كتبهم و رواياتهم و نقل عن متقدميهم مثل زرارة بن أعين و بكير ابن أعين و محمد بن مسلم و غيرهم فمن ذلك‏
ما رواه يونس عن بكير بن أعين عن أبي جعفر (ع) قال الطلاق أن يطلق الرجل المرأة على طهر من غير جماع و يشهد رجلين عدلين على تطليقه ثم هو أحق برجعتها ما لم تمض ثلاثة قروء فهذا الطلاق الذي أمر الله به في القرآن و أمر به رسول الله ص في سنة و كل طلاق لغير مدة فليس بطلاق‏
و
عن جرير قال سألت أبا عبد الله (ع) عن طلاق السنة فقال على طهر من غير جماع بشاهدي عدل و لا يجوز الطلاق إلا بشاهدين و العدة و هو قوله «فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ» الآية
و روى الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب عن زرارة عن أبي جعفر (ع) أنه قال كل طلاق لا يكون على السنة أو طلاق على العدة فليس بشي‏ء قال زرارة قلت لأبي جعفر فسر لي طلاق السنة و طلاق العدة فقال أما طلاق السنة فهو إن الرجل إذا أراد أن يطلق امرأته فلينتظر بها حتى تطمث و تطهر فإذا خرجت من طمثها طلقها تطليقة من غير جماع و يشهد شاهدين عدلين على ذلك ثم يدعها حتى تمضي أقراؤها و قد بانت منه و كان خاطبا من الخطاب إن شاءت تزوجته و إن شاءت لم تتزوجه و عليه نفقتها و السكنى ما دامت في العدة و هما يتوارثان حتى تنقضي العدة و أما طلاق العدة فإذا أراد الرجل أن يطلق امرأته طلاق العدة فلينتظر بها حتى تحيض و تخرج من حيضها ثم يطلقها تطليقة من غير جماع و يشهد شاهدين عدلين و يراجعها من يومه ذلك إن أحب أو بعد ذلك بأيام قبل أن تحيض و يشهد على رجعتها و يواقعها و تكون معه حتى تحيض فإذا حاضت و خرجت من حيضها طلقها تطليقة أخرى من غير جماع و يشهد على ذلك أيضا متى شاء قبل أن تحيض و يشهد على رجعتها و يواقعها و تكون معه حتى تحيض الحيضة الثالثة فإذا خرجت من حيضها طلقها الثالثة بغير جماع و يشهد على ذلك فإذا فعل ذلك فقد بانت منه و لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره‏
و الروايات في هذا كثيرة عن أئمة الهدى (ع) فعلى هذا فإنه يتركها في طلاق السنة حتى تعتد ثلاثة قروء فإذا مضى ثلاثة قروء فإنها تبين منه بواحدة و إذا تزوجها بعد ذلك بمهر جديد كانت عنده على تطليقتين باقيتين فإن طلقها أخرى طلاق السنة و تركها حتى تمضي أقراؤها فلا يراجعها فقد بانت منه باثنتين فإن تزوجها بعد ذلك و طلقها لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره و لو شاء أن يراجعها بعد الطلقة الأولى و الثانية لكان ذلك إليه‏

459
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 456

فقد تبين أن هذا الطلاق هو طلاق للعدة أيضا إلا أن الفرق بينهما ما ذكرناه «فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ» معناه فإذا قاربن أجلهن الذي هو الخروج من العدة «فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ» أي راجعوهن بما يجب لهن من النفقة و الكسوة و المسكن و حسن الصحبة «أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ» بأن تتركوهن حتى يخرجن من العدة فتبين منكم و لا يجوز أن يكون المراد بقوله «فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ» إذا انقضى أجلهن لأن الزوج لا يملك الرجعة بعد انقضاء العدة بل هي تملك نفسها و تبين منه بواحدة و لها أن تتزوج من شاءت من الرجال «وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ» قال المفسرون أمروا أن يشهدوا عند الطلاق و عند الرجعة شاهدي عدل حتى لا تجحد المرأة المراجعة بعد انقضاء العدة و لا الرجل الطلاق و
قيل معناه و أشهدوا على الطلاق صيانة لدينكم و هو المروي عن أئمتنا (ع)
و هذا أليق بالظاهر لأنا إذا حملناه على الطلاق كان أمرا يقتضي الوجوب و هو من شرائط صحة الطلاق و من قال إن ذلك راجع إلى المراجعة حمله على الندب «وَ أَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ» هذا خطاب للشهود أي أقيموها لوجه الله و اقصدوا بأدائها التقرب إلى الله لا الطلب لرضا المشهود له و الإشفاق من المشهود عليه «ذلِكُمْ» الأمر بالحق يا معشر المكلفين «يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ» أي يؤمر به المؤمنون لينزجروا به عن الباطل و خص المؤمنين لأنهم الذين انتفعوا به فالطاعة الواجبة فيها وعظ بأن رغب فيها باستحقاق الثواب و في تركها العقاب و المندوبة فيها وعظ باستحقاق المدح و الثواب على فعلها و المعاصي فيها وعظ بالزجر عنها و التخويف من فعلها باستحقاق العقاب و الترغيب في تركها بما يستحق على الإخلال بها من الثواب «وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ» فيما أمره به و نهاه عنه «يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً» من كل كرب في الدنيا و الآخرة عن ابن عباس و
روي عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال قرأ رسول الله ص «وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً» قال من شبهات الدنيا و من غمرات الموت و شدائد يوم القيامة
و عنه قال من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا و من كل ضيق مخرجا
و قيل معناه و من يطلق للسنة يجعل الله له مخرجا في الرجعة «وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ» عن عكرمة و الشعبي و الضحاك و
قيل إنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي أسر العدو ابنا له فأتى النبي ص فذكر له ذلك و شكا إليه الفاقة فقال له اتق الله و اصبر و أكثر من قول لا حول و لا قوة إلا بالله ففعل الرجل ذلك فبينا هو في بيته إذ أتاه ابنه و قد غفل عنه العدو فأصاب إبلا و جاء بها إلى أبيه فذلك قوله «وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ»
و
روي عن الصادق (ع) أنه قال «وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ» أي يبارك له فيما أتاه‏
و
عن أبي ذر الغفاري عن النبي ص قال إني لأعلم آية لو أخذ بها الناس لكفتهم «وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ» الآية فما زال يقولها و يعيدها
 «وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ» أي و من يفوض أمره إلى الله‏

460
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 456

و وثق بحسن تدبيره و تقديره فهو كافيه يكفيه أمر دنياه و يعطيه ثواب الجنة و يجعله بحيث لا يحتاج إلى غيره و
في الحديث من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله‏
 «إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ» أي يبلغ ما أراد من قضاياه و تدابيره على ما أراده و لا يقدر أحد على منعه عما يريده و قيل معناه أنه منفذ أمره فيمن يتوكل عليه و فيمن لم يتوكل عليه «قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدْراً» أي قدر الله لكل شي‏ء مقدارا و أجلا لا زيادة فيها و لا نقصان و قيل بين لكل شي‏ء مقدارا بحسب المصلحة في الإباحة و الإيجاب و الترغيب و الترهيب كما بين في الطلاق و العدة و غيرهما و قيل قد جعل الله لكل شي‏ء من الشدة و الرخاء وقتا و غاية و منتهى ينتهي إليه ثم بين سبحانه اختلاف أحكام العدة باختلاف أحوال النساء فقال «وَ اللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ» فلا يحضن‏
 «إِنِ ارْتَبْتُمْ» فلا تدرون لكبر ارتفع حيضهن أم لعارض ثلاثة أشهر و هن اللواتي أمثالهن يحضن لأنهن لو كن في سن من لا تحيض لم يكن للارتياب معنى و هذا هو المروي عن أئمتنا (ع)
و قيل معناه إن شككتم فلم تدروا أ دمهن دم حيض أو استحاضة «فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ» عن مجاهد و الزهري و ابن زيد و قيل معناه إن ارتبتم في حكمهن فلم تدروا ما الحكم فيهن «وَ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ» تقديره و اللائي لم يحضن إن ارتبتم فعدتهن أيضا ثلاثة أشهر و حذف لدلالة الكلام الأول عليه و هن اللواتي لم يبلغن المحيض و مثلهن تحيض على ما مر بيانه‏
 «وَ أُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» قال ابن عباس هي في المطلقات خاصة و هو المروي عن أئمتنا (ع)
فأما المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا فعدتها أبعد الأجلين فإذا مضت بها أربعة أشهر و عشر و لم تضع انتظرت وضع الحمل و قال ابن مسعود و أبي بن كعب و قتادة و أكثر الفقهاء أنه عام في المطلقات و المتوفى عنها زوجها فعدتهن وضع الحمل فإن كانت المرأة حاملا باثنين و وضعت واحد لم يحل للأزواج حتى تضع جميع الحمل لقوله «أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ»
و روى أصحابنا أنها إذا وضعت واحدا انقطعت عصمتها من الزوج و لا يجوز لها أن تعقد على نفسها لغيره حتى تضع الآخر فأما إذا كانت قد توفي عنها زوجها فوضعت قبل الأشهر الأربعة و العشر وجب عليها أن تستوفي أربعة أشهر و عشرا
 «وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ» في جميع ما أمره بطاعته فيه «يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً» أي يسهل عليه أمور الدنيا و الآخرة إما بفرج عاجل أو عوض آجل و قيل يسهل عليه فراق أهله و يزيل الهموم عن قلبه «ذلِكَ» يعني ما ذكره سبحانه من الأحكام في الطلاق و الرجعة و العدة «أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ» بطاعته «يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ» من الصلاة إلى الصلاة و من الجمعة إلى الجمعة قال الربيع إن الله قد قضى على نفسه أن من توكل عليه كفاه و من آمن به هداه و من أقرضه جازاه و من وثق به أنجاه و من دعاه أجابه و لباه و تصديق ذلك‏

461
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 456

في كتاب الله عز و جل «وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ» وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ «إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ» «وَ مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» «وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ» الآية «وَ يُعْظِمْ لَهُ أَجْراً» في الآخرة و هو ثواب الجنة.
[سورة الطلاق (65): الآيات 6 الى 10]
أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَ لا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَ إِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَ أْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَ إِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى‏ (6) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (7) وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَ رُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَ عَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً (8) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَ كانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً (9) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (10)
القراءة
قرأ روح عن يعقوب مختلفا عنه من وجدكم بكسر الواو و القراءة بضم الواو و قرأ ابن كثير و كائن بالمد و الهمز و الباقون «وَ كَأَيِّنْ» بالهمز و التشديد.
الحجة
يقال وجدت في المال جدة و وجدا و وجدا و وجدا بتعاقب الحركات الثلاث على الواو و وجدت الضالة وجدانا و وجدت من الحزن وجدا و من الغضب موجدة و وجدانا و كأين أصله أي دخلت عليها الكاف الجارة كما دخلت على ذا في كذا فموضع كأين رفع‏

462
مجمع البيان في تفسير القرآن10

الحجة ص 462

بالابتداء كما أن كذا كذلك و لا موضع للكاف كما أن الكاف في كذا كذلك قال أبو علي مثقل هذا في أنه دخل على المبتدأ حرف الجر فصار مع المجرور في موضع رفع قولهم بحسبك أن تفعل كذا يريدون حسبك فعل كذا فالجار مع المجرور في موضع رفع و أنشد أبو زيد:
         بحسبك في القوم أن يعلموا             بأنك فيهم غني مضر
و أكثر العرب تستعملها مع من و كذلك ما جاء في التنزيل و مما جاء منه في الشعر قوله:
         و كائن بالأباطح من صديق             يراني إن أصبت هو المصابا
و قول الآخر:
         و كائن إليكم قاد من رأس فتنة             جنودا و أمثال الجبال كتائبه.
المعنى‏
ثم بين سبحانه حال المطلقة في النفقة و السكنى فقال «أَسْكِنُوهُنَّ» أي في بيوتكم «مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ» من المساكن «مِنْ وُجْدِكُمْ» أي من ملككم و ما تقدرون عليه عن السدي و أبي مسلم و قيل هو من الوجدان أي مما تجدونه من المساكن عن الحسن و الجبائي و قيل من سعتكم و طاقتكم من الوجد الذي هو المقدرة قال الفراء يعول على ما يجد فإن كان موسعا وسع عليها في المسكن و النفقة و إن كان فقيرا فعلى قدر ذلك و يجب السكنى و النفقة للمطلقة الرجعية بلا خلاف فأما المبتوتة ففيها خلاف فذهب أهل العراق إلى أن لها السكنى و النفقة معا و روي ذلك عن عمر بن الخطاب و ابن مسعود و ذهب الشافعي إلى أن لها السكنى بلا نفقة
و ذهب الحسن و أبو ثور إلى أنه لا سكنى لها و لا نفقة و هو المروي عن أئمة الهدى (ع)
و ذهب إليه أصحابنا و يدل عليه‏
ما رواه الشعبي قال دخلت على فاطمة بنت قيس بالمدينة فسألتها عن قضاء رسول الله ص فقالت طلقني زوجي البتة فخاصمته إلى رسول الله ص في السكنى و النفقة فلم يجعل لي سكنى و لا نفقة و أمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم‏
و
روى الزهري عن عبد الله أن فاطمة بنت قيس كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي و أنه خرج مع علي بن أبي طالب (ع) إلى اليمن حين أمره رسول الله ص‏

463
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 463

على اليمن فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها فأمر عياش ابن أبي ربيعة و الحرث بن هشام أن ينفقا عليها فقالا و الله ما لك من نفقة فأتت النبي ص فذكرت له قولهما فلم يجعل لها نفقة إلا أن تكون حاملا فاستأذنته في الانتقال فأذن لها فقالت إني أنتقل يا رسول الله قال عند ابن أم مكتوم و كان أعمى تضع ثيابها عنده و لا يراها فلم تزل هناك حتى مضت عدتها فأنكحها النبي ص أسامة بن زيد قال فأرسل إليها مروان بن الحكم قبيصة بن ذؤيب فسألها عن هذا الحديث ثم قال مروان لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة و سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان بيني و بينكم القرآن قال الله تعالى لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ إلى قوله لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً قالت هذا لمن كانت له مراجعة و أي أمر يحدث بعد الثلاث‏
ثم قال سبحانه «وَ لا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ» أي لا تدخلوا الضرر عليهن بالتقصير في السكنى و النفقة و الكسوة طالبين بالإضرار التضييق عليهن ليخرجن و قيل المعنى أعطوهن من المسكن ما يكفيهن لجلوسهن و مبيتهن و طهارتهن و لا تضايقوهن حتى يتعذر عليهن السكنى عن أبي مسلم «وَ إِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ» أي كن حوامل «فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ»، لأن عدتهن إنما تنقضي بوضع حملهن أمر الله سبحانه بالإنفاق على المطلقة الحامل سواء كانت رجعية أو مبتوتة «فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» أي فإن أرضعن الولد لأجلكم بعد البينونة فأعطوهن أجر الرضاع يعني أجرة المثل «وَ أْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ» هذا خطاب للرجل و المرأة و الائتمار قبول الأمر و ملاقاته بالتقبل أمر الله تعالى المرضعة و المرضع له بالتلقي لأمره عز و جل و لأمر صاحبه إذا كان حسنا و قيل معناه و ليأمر بعضكم بعضا بالجميل في إرضاع الوالد أي بتراضي الوالد و الوالدة بعد وقوع الفرقة في الأجرة على الأب و إرضاع الولد بحيث لا يضر بمال الوالد و لا بنفس الولد و لا يزاد على الأجر المتعارف و لا ينقص الولد عن الرضاع المعتاد قال الكسائي أصله التشاور و منه يَأْتَمِرُونَ بِكَ أي يتشاورون و الأقوى عندي أن يكون المعنى دبروا بالمعروف بينكم في أمر الولد و مراعاة أمه حتى لا يفوت الولد شفقتها و غير ذلك و يدل عليه قول امرئ القيس:
         أ حار بن عمرو كأني خمر             و يعدو على المرء ما يأتمر
يعني ما يدبره في نفسه لأن الرجل بما دبر أمرا ليس برشد فيعدو عليه و يهلكه «وَ إِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى‏» و المعنى فإن اختلفتم في الرضاع و في الأجر فسترضع له امرأة

464
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 463

أخرى أجنبية أي فليسترضع الوالد غير والدة الصبي ثم قال سبحانه «لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ» أمر سبحانه أهل التوسعة أن يوسعوا على نسائهم المرضعات أولادهن على قدر سعتهم «وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ» أي ضيق عليه «رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ» و المعنى و من كان رزقه بمقدار القوت فلينفق على قدر ذلك و على حسب إمكانه و طاقته «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها» أي إلا بقدر ما أعطاها من الطاقة و في هذا دلالة على أنه سبحانه لا يكلف أحدا ما لا يقدر عليه و ما لا يطيقه «سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً» أي بعد ضيق سعة و بعد فقر غنى و بعد صعوبة الأمر سهولة و في هذا تسلية للصحابة فإن الغالب على أكثرهم في ذلك الوقت الفقر ثم فتح الله تعالى عليهم البلاد فيما بعد «وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَ رُسُلِهِ» أي و كم من أهل قرية عتوا على الله و على أنبيائه يعني جاوزوا الحد في العصيان و المخالفة «فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً» بالمناقشة و الاستقصاء باستيفاء الحق و إيفائه قال مقاتل حاسبها الله تعالى بعملها في الدنيا فجازاها بالعذاب و هو قوله «وَ عَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً» فجعل المجازاة بالعذاب محاسبة و هو عذاب الاستئصال و قيل هو عذاب النار فإن اللفظ ماض بمعنى المستقبل و النكر المنكر الفظيع الذي لم ير مثله و قيل إن في الآية تقديما و تأخيرا تقديره فعذبناها في الدنيا بالجوع و القحط و السيف و سائر المصائب و البلايا و حاسبناها في الآخرة حسابا شديدا و قيل الحساب الشديد هو الذي ليس فيه عفو «فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها» أي ثقل عاقبة كفرها «وَ كانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً» أي خسرانا في الدنيا و الآخرة و هو قوله «أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً» يعني عذاب النار و هذا يدل على أن المراد بالعذاب الأول عذاب الدنيا ثم قال «فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ» أي يا أصحاب العقول و لا تفعلوا مثل ما فعل أولئك فينزل بكم مثل ما نزل بهم ثم وصف أولي الألباب بقوله «الَّذِينَ آمَنُوا» و خص المؤمنين بالذكر لأنهم المنتفعون بذلك دون الكفار ثم ابتدأ سبحانه فقال «قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً» يعني القرآن و
قيل يعني الرسول عن الحسن و روي ذلك عن أبي عبد الله (ع).
النظم‏
الوجه في اتصال قوله «وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها» الآية بما قبله أنه سبحانه بين أن الخوف في مقابلة الرجاء و سبيل العاقل أن يحترز من المخوف و يقدم الاحتراز عن الخوف على الرجاء و الذي يقوي جانب الخوف أنه أهلك الأمم الماضية بسبب عصيانها و تمردها عن أمر ربها.

465
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة الطلاق الآيات 11 الى 12 ص 466

[سورة الطلاق (65): الآيات 11 الى 12]
رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَ يَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً (11) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ وَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً (12)
القراءة
قرأ أهل المدينة و الشام ندخله بالنون و الباقون بالياء لتقدم الاسم على لفظ الغيبة و النون معناها معنى الياء.
الإعراب‏
رسولا ينتصب على ثلاثة أوجه (أحدها) أن يكون بدلا من ذكرا بدل الكل من الكل فعلى هذا يجوز أن يكون الرسول جبرائيل (ع) و يجوز أن يكون محمدا ص (و الثاني) أن يكون مفعول فعل محذوف تقديره أرسل رسولا و يدل على إضماره قوله قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً فعلى هذا يكون الرسول معناه محمدا ص (و الثالث) أن يكون مفعول قوله ذِكْراً و يكون تقديره أنزل الله إليكم إن ذكر رسولا و يكون الرسول يحتمل الوجهين.
المعنى‏
 «رَسُولًا» إذا كان المراد به الوجه الأول و هو أن يكون بدلا من ذكرا و المراد به النبي ص أو جبرائيل (ع) فيجوز أن يكون المراد بالذكر الشرف أي ذا ذكر رسولا «يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ» أي واضحات «لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ» أي من ظلمات الكفر «إِلَى النُّورِ» أي نور الإيمان و قيل من ظلمات الجهل إلى نور العلم و إنما شبه الإيمان بالنور لأنه يؤدي إلى نور القبر و القيامة و الجنة و شبه الكفر بالظلمة لأنه يؤدي إلى ظلمة القبر و ظلمة جهنم «وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَ يَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً» أي يعطيه أحسن ما يعطي أحدا و ذلك مبالغة في وصف نعيم الجنة «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ» أي و خلق من الأرض مثلهن في العدد لا في الكيفية لأن كيفية السماء مخالفة لكيفية الأرض و ليس في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع مثل السماوات إلا هذه الآية و لا خلاف في السماوات أنها سماء فوق سماء و أما الأرضون فقال قوم إنها سبع أرضين طباقا بعضها فوق بعض كالسماوات لأنها لو كانت مصمتة لكانت أرضا واحدة و في كل أرض خلق خلقهم الله‏

466
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 466

كما شاء و روى أبو صالح عن ابن عباس أنها سبع أرضين ليس بعضها فوق بعض يفرق بينهن البحار و يظل جميعهن السماء و الله سبحانه أعلم بصحة ما استأثر بعلمه و اشتبه على خلقه و
قد روى العياشي بإسناده عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن (ع) قال بسط كفه ثم وضع اليمني عليها فقال هذه الأرض الدنيا و السماء الدنيا عليها قبة و الأرض و الثانية فوق السماء الدنيا و السماء الثانية فوقها قبة و الأرض الثالثة فوق السماء الثانية و السماء الثالثة فوقها قبة حتى ذكر الرابعة و الخامسة و السادسة فقال و الأرض السابعة فوق السماء السادسة و السماء السابعة فوقها قبة و عرش الرحمن فوق السماء السابعة و هو قوله «سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ»
 «يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ» و إنما صاحب الأمر النبي ص و هو على وجه الأرض و إنما يتنزل الأمر من فوق بين السماوات و الأرضين فعلى هذا يكون المعنى تتنزل الملائكة بأوامره إلى الأنبياء و قيل معناه يتنزل الأمر بين السماوات و الأرضين من الله سبحانه بحياة بعض و موت بعض و سلامة حي و هلاك آخر و غنى إنسان و فقر آخر و تصريف الأمور على الحكمة «لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ» بالتدبير في خلق السماوات و الأرض و الاستدلال بذلك على أن صانعهما قادر لذاته عالم لذاته و ذلك قوله «وَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً» و معناه أن معلوماته متميزة له بمنزلة ما قد أحاط به فلم يفته شي‏ء منها و كذلك قوله «وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً» معناه أنه ليس بمنزلة ما يحضره العلم بمكانه فيكون كأنه قد أحاط به.

467
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة التحريم مدنية و آياتها اثنتا عشرة ص 468

(66) سورة التحريم مدنية و آياتها اثنتا عشرة (12)
[توضيح‏]
مدنية اثنتا عشرة آية بالإجماع.
فضلها
أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأ سورة يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك أعطاه الله توبة نصوحا.
تفسيرها
لما تقدم في تلك السورة أحكام النساء في الطلاق و غيره افتتح سبحانه هذه السورة بأحكامهن أيضا فقال.

468
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة التحريم الآيات 1 الى 5 ص 469

[سورة التحريم (66): الآيات 1 الى 5]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2) وَ إِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى‏ بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَ أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَ أَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (4)
عَسى‏ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَ أَبْكاراً (5)

القراءة
قرأ الكسائي وحده عرف بالتخفيف و الباقون «عَرَّفَ» بالتشديد و اختار التخفيف أبو بكر بن عياش و هو من الحروف العشر التي قال إني أدخلتها في قراءة عاصم من قراءة علي بن أبي طالب (ع) حتى استخلصت قراءته يعني قراءة علي (ع) و هي قراءة الحسن و أبي عبد الرحمن السلمي و كان أبو عبد الرحمن إذا قرأ إنسان بالتشديد حصبه و قرأ أهل الكوفة «تَظاهَرا عَلَيْهِ» خفيفة الظاء و الباقون تظاهرا بالتشديد.
الحجة
قال أبو علي التخفيف في عرف أنه جازى عليه لا يكون إلا كذلك و لا يجوز أن يكون بمعنى العلم لأن النبي ص إذا أظهره الله على ما كان أسره إليه علم ذلك و لم يجز أن يعلم من ذلك بعضه مع إظهار الله إياه عليه و لكن يعلم جميعه و هذا كما تقول لمن يسي‏ء أو يحسن أنا أعرف لأهل الإساءة أي لا يخفى علي ذلك و لا مقابلته مما يكون وفقا له فالمعنى جازى على بعض ذلك و أعرض عن بعض و مثله وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ أي يرى جزاءه و قوله يرى من رؤية العين و كان مما جازى عليه:
تطليقه حفصة تطليقة واحدة و أما «عَرَّفَ» بالتشديد فمعناه عرف بعضه و أعرض عن بعض فلم يعرفه إياه على وجه التكرم و الإغضاء و أما تظاهرا فالأصل فيه و أن تتظاهرا بتائين فخفف في القراءة الأولى بالحذف و في القراءة الآخرة بالإدغام.
اللغة
الحرام القبيح الممنوع منه بالنهي و نقيضه الحلال و هو الحسن المطلق بالإذن فيه و التحريم تبيين أن الشي‏ء حرام لا يجوز و التحريم إيجاب المنع و الابتغاء الطلب و منه البغي طلب الاستعلاء بغير الحق و التحلة و التحليل بمعنى و هما مصدران لقولهم حللت له كذا و تحلة اليمين فعل ما يسقط التبعة فيه و اليمين واحد الأيمان و هو الحلف و كأنه مأخوذ من القوة لأنه يقوي كلامه بالحلف و قيل إنه مأخوذ من الجارحة لأن عادتهم كانت عند الحلف ضرب الأيدي على الأيدي و الإسرار إلقاء المعنى إلى نفس المحدث على وجه الإخفاء عن غيره و التظاهر التعاون و الظهير المعين و أصله من الظهر و السائح الجاري و العرب تصف‏

469
مجمع البيان في تفسير القرآن10

اللغة ص 469

بذلك الماء الجاري الدائم الجرية ثم تصف به الرجل الذي يضرب في الأرض و يقطع البلاد فتقول سائح و الثيب الراجعة من عند الزوج بعد الافتضاض من ثاب يثوب إذا رجع و البكر هي التي على أول حالها قبل الافتضاض.
الإعراب‏
قيل في جمع القلوب في قوله «صَغَتْ قُلُوبُكُما» وجوه (أحدها) أن التثنية جمع في المعنى فوضع الجمع موضع التثنية كما قال «وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ» و إنما هو داود و سليمان (و الثاني) أن أكثر ما في الإنسان اثنان اثنان نحو اليدين و الرجلين و العينين و إذا جمع اثنان إلى اثنين صار جمعا فيقال أيديهما و أعينهما ثم حمل ما كان في الإنسان واحدا على ذلك لئلا يختلف حكم لفظ أعضاء الإنسان (و الثالث) أن المضاف إليه مثنى فكرهوا أن يجمعوا بين تثنيتين فصرفوا الأول منهما إلى لفظ الجمع لأن لفظ الجمع أخف لأنه أشبه بالواحد فإنه يعرب بإعراب الواحد و يستأنف كما يستأنف الواحد و ليست التثنية كذلك لأنها لا تكون إلا على حد واحد و لا يختلف و من العرب من يثني فيقول قلباهما قال الراجز فجمع بين اللغتين‏
         " ظهراهما مثل ظهور الترسين"
و قال الفرزدق:
         بما في فؤادينا من البث و الهوى             فيبرئ منهاض الفؤاد المشغف‏
و من العرب من يفرد و يروى أن بعضهم قرأ فبدت لهما سوأتهما و الوجه في الإفراد أن الإضافة إلى التثنية تغني عن تثنية المضاف و في جبريل أربع لغات جبريل على وزن قنديل و جبرئيل على وزن عندليب و جبرئل على وزن جحمرش و جبريل بفتح الجيم و كسر الراء من غير همز و هو خارج عن أوزان العرب لأنه ليس في العربية مثل قنديل و قد قرئ بذلك كله و قد ذكرنا اختلاف القراءة فيه في سورة البقرة و من العرب من يقول جبرال بتشديد اللام و منهم من يبدل من اللام نونا و قوله «هُوَ مَوْلاهُ» يجوز في هو وجهان (أحدهما) أن يكون فصلا دخل ليفصل بين النعت و الخبر و الكوفيون يسمونه عمادا (و الثاني) أن يكون مبتدأ و مولاه الخبر و الجملة خبر إن و من جعل مولاه بمعنى السيد و الخالق كان الوقف على قوله «مَوْلاهُ» و جبريل مبتدأ «وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ» عطف عليه و الملائكة عطف أيضا و ظهير خبره و جاز ذلك لأن‏

470
مجمع البيان في تفسير القرآن10

الإعراب ص 470

فعيلا يقع على الواحد و الجمع كفعول قال سبحانه خَلَصُوا نَجِيًّا فظهير كنجي و قال فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي و من جعل مولاه بمعنى ولي و ناصر جاز أن يكون الوقف على قوله «وَ جِبْرِيلُ» و على «صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ» و يبتدئ و الملائكة بعد ذلك فيكون ظهير عائدا إلى الملائكة.
النزول‏
اختلف أقوال المفسرين في سبب نزول الآيات فقيل إن رسول الله ص كان إذا صلى الغداة يدخل على أزواجه امرأة امرأة و كان قد أهديت لحفصة بنت عمر بن الخطاب عكة من عسل فكانت إذا دخل عليها رسول الله ص حبسته و سقته منها و إن عائشة أنكرت احتباسه عندها فقالت لجويرية حبشية عندها إذا دخل رسول الله ص على حفصة فادخلي عليها فانظري ما ذا تصنع فأخبرتها الخبر و شأن العسل فغارت عائشة و أرسلت إلى صواحبها فأخبرتهن و قالت إذا دخل عليكن رسول الله ص يكره و يشق عليه أن يوجد منه ريح غير طيبة لأنه يأتيه الملك قال فدخل رسول الله على سودة قالت فما أردت أن أقول ذلك لرسول الله ص ثم إني فرقت من عائشة فقلت يا رسول الله ما هذه الريح التي أجدها منك أكلت المغافير فقال لا و لكن حفصة سقتني عسلا ثم دخل على امرأة امرأة و هن يقلن له ذلك فدخل على عائشة فأخذت بأنفها فقال لها ما شأنك قالت أجد ريح المعافير أكلتها يا رسول الله قال لا بل سقتني حفصة عسلا فقالت جرست إذا نحلها العرفط فقال و الله لا أطعمه أبدا فحرمه على نفسه و قيل إن التي كانت تسقي رسول الله ص العسل أم سلمة عن عطاء بن أبي مسلم و قيل بل كانت زينب بنت جحش قال عائشة أن رسول الله ص كان يمكث عند زينب بنت جحش و يشرب عندها عسلا فتواطأت أنا و حفصة أيتنا دخل عليها النبي ص فلتقل إني أجد منك ريح المغافير أكلت مغافير فدخل على إحداهما فقالت له ذلك فقال لا بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش و لن أعود إليه فنزلت الآيات و قيل إن رسول الله ص. قسم الأيام بين نسائه فلما كان يوم حفصة قالت يا رسول الله إن لي إلى أبي حاجة فأذن لي أن أزوره فأذن لها فلما خرجت أرسل رسول الله ص إلى جاريته مارية القبطية و كان قد أهداها له المقوقس فأدخلها بيت حفصة فوقع عليها فأتت حفصة فوجدت الباب مغلقا فجلست عند الباب فخرج رسول الله ص و وجهه يقطر عرقا فقالت حفصة إنما أذنت لي من أجل هذا أدخلت أمتك بيتي ثم وقعت عليها في يومي و على فراشي أما ما رأيت لي حرمة و حقا فقال ص أ ليس هي جاريتي قد أحل الله ذلك لي اسكتي فهو حرام علي ألتمس بذلك رضاك‏

471
مجمع البيان في تفسير القرآن10

النزول ص 471

فلا تخبري بهذا امرأة منهن و هو عندك أمانة فلما خرج رسول الله ص قرعت حفصة الجدار الذي بينها و بين عائشة فقالت أ لا أبشرك أن رسول الله قد حرم عليه أمته مارية و قد أراحنا الله منها و أخبرت عائشة بما رأت و كانتا متصافيتين متظاهرتين على سائر أزواجه فنزلت «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ» فطلق حفصة و اعتزل سائر نسائه تسعة و عشرين يوما و قعد في مشربة أم إبراهيم مارية حتى نزلت آية التخيير عن قتادة و الشعبي و مسروق و قيل إن النبي ص خلا في يوم لعائشة مع جاريته أم إبراهيم مارية القبطية فوقفت حفصة على ذلك فقال لها رسول الله ص لا تعلمي عائشة ذلك و حرم مارية على نفسه فأعلمت حفصة عائشة الخبر و استكتمتها إياه فأطلع الله نبيه ص على ذلك و هو قوله «وَ إِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى‏ بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً» يعني حفصة عن الزجاج قال و لما حرم مارية القبطية أخبر حفصة أنه يملك من بعده أبو بكر ثم عمر فعرفها بعض ما أفشت من الخبر و أعرض عن بعض أن أبا بكر و عمر يملكان بعدي و قريب من ذلك ما
رواه العياشي بالإسناد عن عبد الله بن عطاء المكي عن أبي جعفر (ع) إلا أنه زاد في ذلك أن كل واحدة منهما حدثت أباها بذلك فعاتبهما رسول الله في أمر مارية و ما أفشتا عليه من ذلك و أعرض عن أن يعاتبهما في الأمر الآخر.
المعنى‏
 «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ» ناداه سبحانه بهذا النداء تشريفا له و تعليما لعباده كيف يخاطبونه في أثناء محاوراتهم و يذكرونه في خلال كلامهم «لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ» من الملاذ «تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ» أي تطلب به رضاء نسائك و هن أحق بطلب مرضاتك منك و ليس في هذا دلالة على وقوع ذنب منه صغيرا أو كبيرا لأن تحريم الرجل بعض نسائه أو بعض الملاذ لسبب أو لغير سبب ليس بقبيح و لا داخلا في جملة الذنوب و لا يمتنع أن يكون خرج هذا القول مخرج التوجع له ص إذا بالغ في إرضاء أزواجه و تحمل في ذلك المشقة و لو أن إنسانا أرضى بعض نسائه بتطليق بعضهن لجاز أن يقال له لم فعلت ذلك و تحملت فيه المشقة و إن كان لم يفعل قبيحا و لو قلنا إنه عوتب على ذلك لأن ترك التحريم كان أفضل من فعله لم يمتنع لأنه يحسن أن يقال لتارك النفل لم لم تفعله و لم عدلت عنه و لأن تطييب قلوب النساء مما لا تنكره العقول و قد حكي أن عبد الله بن رواحة و كان من النقباء كانت له جارية فاتهمته زوجته ليلة فقال قولا بالتعريض فقالت إن كنت لم تقربها فاقرأ القرآن قال فأنشدت‏
         شهدت فلم أكذب بأن محمدا             رسول الذي فوق السماوات من عل‏
         و أن أبا يحيى و يحيى كلاهما             له عمل في دينه متقبل‏

472
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 472

         و أن التي بالجزع من بطن نخلة             و من دانها فل عن الخير معزل‏
فقالت زدني فأنشدت:
         و فينا رسول الله نتلو كتابه             كما لاح معروف مع الصبح ساطع‏
         أتى بالهدى بعد العمى فنفوسنا             به موقنات أن ما قال واقع‏
         يبيت يجافي جنبه عن فراشه             إذا رقدت بالكافرين المضاجع‏
فقالت زدني فأنشدت:
         شهدت بأن وعد الله حق             و أن النار مثوى الكافرينا
         و أن محمدا يدعو بحق             و أن الله مولى المؤمنينا
فقالت أما إذا قرأت القرآن فقد صدقتك فأخبرت به رسول الله ص فقال بعد أن تبسم خيركم خيركم لنسائه و اختلف العلماء فيمن قال لامرأته أنت علي حرام فقال مالك هو ثلاث تطليقات و قال أبو حنيفة إن نوى به الظهار فهو ظهار و إن نوى الإيلاء فهو إيلاء و إن نوى الطلاق فهو طلاق بائن و إن نوى ثلاثا كان ثلاثا و إن نوى اثنتين فواحدة بائنة و إن لم يكن له نية فهو يمين قال الشافعي إن نوى الطلاق كان طلاقا و الظهار كان ظهارا و إن لم يكن له نية فهو يمين و روي عن ابن مسعود و ابن عباس و عطاء أنه يمين و قال أصحابنا أنه لا يلزم به شي‏ء و وجوده كعدمه و هو قول مسروق و إنما أوجب الله فيه الكفارة لأن النبي ص كان حلف أن لا يقرب جاريته و لا يشرب الشراب المذكور فأوجب الله عليه أن يكفر عن يمينه و يعود إلى استباحة ما كان حرمه و بين أن التحريم لا يحصل إلا بأمر الله و نهيه و لا يصير الشي‏ء حراما بتحريم من يحرمه على نفسه إلا إذا حلف على تركه «وَ اللَّهُ غَفُورٌ» لعباده «رَحِيمٌ» بهم إذا رجعوا إلى ما هو الأولى و الأليق بالتقوى يرجع لهم إلى التولي «قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ» أي قد قدر الله تعالى لكم ما تحللون به أيمانكم إذا فعلتموها و شرع لكم الحنث فيها لأن اليمين ينحل بالحنث فسمي ذلك تحلة و قيل معناه قد بين الله لكم كفارة أيمانكم في سورة المائدة عن مقاتل قال أمر الله نبيه أن يكفر يمينه و يراجع وليدته فأعتق رقبة و عاد إلى‏

473
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 472

مارية و قيل معناه فرض الله عليكم كفارة أيمانكم كما قال و إن أسأتم فلها أي فعليها فسمى الكفارة تحلة لأنها تجب عند انحلال اليمين و في هذا دلالة على أنه قد حلف و لم يقتصر على قوله هي علي حرام لأن هذا القول ليس بيمين «وَ اللَّهُ» هو «مَوْلاكُمْ» أي وليكم يحفظكم و ينصركم و هو أولى بكم و أولى بأن تبتغوا رضاه «وَ هُوَ الْعَلِيمُ» بمصالحكم «الْحَكِيمُ» في أوامره و نواهيه لكم و قيل هو العليم بما قالت حفصة لعائشة الحكيم في تدبيره «وَ إِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى‏ بَعْضِ أَزْواجِهِ» و هي حفصة «حَدِيثاً» أي كلاما أمرها بإخفائه فالإسرار نقيض الإعلان «فَلَمَّا نَبَّأَتْ» أي أخبرت غيرها بما خبرها «بِهِ» فأفشت سره «وَ أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ» أي و أطلع الله نبيه ص على ما جرى من إفشاء سره «عَرَّفَ بَعْضَهُ وَ أَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ» أي عرف النبي ص حفصة بعض ما ذكرت و أخبرها ببعض ما ذكرت و أعرض عن بعض ما ذكرت و عن بعض ما جرى من الأمر فلم يخبرها و كان ص قد علم جميع ذلك لأن الإعراض إنما يكون بعد المعرفة لكنه أخذ بمكارم الأخلاق و التغافل من خلق الكرام قال الحسن ما استقصى كريم قط و أما عرف بالتخفيف فمعناه غضب عليها و جازاها بأن طلقها تطليقة ثم راجعها بأمر الله و قيل جازاها بأن هم بطلاقها «فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ» أي فلما أخبر رسول الله ص حفصة بما أظهره الله عليه «قالَتْ» حفصة «مَنْ أَنْبَأَكَ هذا» أي من أخبرك بهذا «قالَ» رسول الله ص «نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ» بجميع الأمور «الْخَبِيرُ» بسرائر الصدور ثم خاطب سبحانه عائشة و حفصة فقال «إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ» من التعاون على النبي ص بالإيذاء و التظاهر عليه فقد حق عليكما التوبة و وجب عليكم الرجوع إلى الحق «فَقَدْ صَغَتْ» أي مالت «قُلُوبُكُما» إلى الإثم عن ابن عباس و مجاهد و قيل معناه ضاقت قلوبكما عن سبيل الاستقامة و عدلت عن الثواب إلى ما يوجب الإثم و قيل تقديره إن تتوبا إلى الله يقبل توبتكما و قيل إنه شرط في معنى الأمر أي توبا إلى الله فقد صغت قلوبكما «وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ» أي و إن تتعاونا على النبي ص بالإيذاء عن ابن عباس قال قلت لعمر بن الخطاب من المرأتان اللتان تظاهرتا على رسول الله ص قال عائشة و حفصة أورده البخاري في الصحيح «فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ» الذي يتولى حفظه و حياطته و نصرته «وَ جِبْرِيلُ» أيضا معين له و ناصر يحفظه «وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ» يعني خيار المؤمنين عن الضحاك و قيل يعني الأنبياء عن قتادة و قال الزجاج صالح هنا ينوب عن الجميع كما تقول يفعل هذا الخير من الناس تريد كل خير قال أبو مسلم هو صالحوا المؤمنين على الجمع و سقطت الواو في المصحف لسقوطها في اللفظ و وردت الرواية من طريق الخاص و العام أن المراد بصالح المؤمنين أمير المؤمنين علي (ع) و هو قول مجاهد و
في كتاب شواهد التنزيل بالإسناد عن‏

474
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 472

سدير الصيرفي عن أبي جعفر (ع) قال لقد عرف رسول الله ص عليا (ع) أصحابه مرتين أما مرة فحيث قال من كنت مولاه فعلي مولاه و أما الثانية فحيث نزلت هذه الآية «فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ» الآية أخذ رسول الله ص بيد علي (ع) فقال أيها الناس هذا صالح المؤمنين‏
و
قالت أسماء بنت عميس سمعت أن النبي ص يقول «وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ» علي بن أبي طالب (ع)
 «وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ» أي بعد الله و جبريل و صالح المؤمنين عن مقاتل «ظَهِيرٌ» أي أعوان للنبي ص و هذا من الواحد الذي يؤدي معنى الجمع كقوله «وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً» «عَسى‏ رَبُّهُ» أي واجب من الله ربه «إِنْ طَلَّقَكُنَّ» يا معشر أزواج النبي «أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ» أي أصلح له منكن ثم نعت تلك الأزواج اللائي كان يبدله بهن لو طلق نساءه فقال «مُسْلِماتٍ» أي مستسلمات لما أمر الله به «مُؤْمِناتٍ» أي مصدقات لله و رسوله مستحقات للثواب و التعظيم و قيل مصدقات في أفعالهن و أقوالهن «قانِتاتٍ» أي مطيعات لله تعالى و لأزواجهن و قيل خاضعات متذللات لأمر الله تعالى و قيل ساكتات عن الخنا و الفضول عن قتادة «تائِباتٍ» عن الذنوب و قيل راجعات إلى أمر الرسول تاركات لمحاب أنفسهن و قيل نادمات على تقصير وقع منهن «عابِداتٍ» لله تعالى بما تعبدهن به من الفرائض و السنن على الإخلاص و قيل متذللات للرسول بالطاعة «سائِحاتٍ» أي ماضيات في طاعة الله تعالى و قيل صائمات عن ابن عباس و قتادة و الضحاك و قيل مهاجرات عن ابن زيد و أبيه زيد بن أسلم و الجبائي و إنما قيل للصائم سائح لأنه يستمر في الإمساك عن الطعام كما يستمر السائح في الأرض «ثَيِّباتٍ» و هن الراجعات من عند الأزواج بعد افتضاضهن «وَ أَبْكاراً» أي عذارى لم يكن لهن أزواج.

475
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة التحريم الآيات 6 الى 12 ص 476

[سورة التحريم (66): الآيات 6 الى 12]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (6) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (7) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى‏ رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ يُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى‏ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَ اغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (8) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَ الْمُنافِقِينَ وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (9) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَ قِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10)
وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَ نَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَ عَمَلِهِ وَ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) وَ مَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَ صَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَ كُتُبِهِ وَ كانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (12)

القراءة
قرأ حماد و يحيى عن أبي بكر نصوحا بضم النون و الباقون بفتح النون و قرأ أهل البصرة و حفص «وَ كُتُبِهِ» بضم الكاف و التاء على الجمع و الباقون و كتابه على الواحد.
الحجة
قال أبو علي يشبه أن يكون النصوح بالضم مصدرا و ذلك إن ذا الرمة قال:
         " أحبك حبا خالطته نصاحة"
فالنصاحة على فعالة و ما كان على فعال من المصادر فقد يكون منه الفعول نحو الذهاب و الذهوب و يكون قد وصف بالمصدر نحو عدل و رضا قال أبو الحسن نصحته في معنى صدقته و توبة نصوح أي صادقة و الفتح كلام العرب و لا أعرف الضم‏

476
مجمع البيان في تفسير القرآن10

الحجة ص 476

و حجة من قال «وَ كُتُبِهِ» أنه في موضع جمع أ لا ترى أنها قد صدقت بجميع كتب الله تعالى و من قال و كتابه أراد الكثرة و الشياع و قد يجي‏ء ذلك في الأسماء المضافة كما يجي‏ء في الأسماء المفردة كما قال «وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها».
الإعراب‏
 «وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ» مبتدأ نورهم مبتدأ ثاني و «يَسْعى‏ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ» في موضع الخبر و الجملة خبر المبتدأ الأول و قوله «امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ» تقديره مثل امرأة فرعون فحذف المضاف و هو بدل من قوله مثلا.
المعنى‏
لما أدب سبحانه نساء النبي ص أمر عقبيه المؤمنين بتأديب نسائهم فقال مخاطبا لهم «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا» أي احفظوا و احرسوا و امنعوا «أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً» و المعنى قوا أنفسكم و أهليكم النار بالصبر على طاعة الله و عن معصيته و عن اتباع الشهوات و قوا أهليكم النار بدعائهم إلى الطاعة و تعليمهم الفرائض و نهيهم عن القبائح و حثهم على أفعال الخير و قال مقاتل بن حيان و هو أن يؤدب الرجل المسلم نفسه و أهله و يعلمهم الخير و ينهاهم عن الشر فذلك حق على المسلم أن يفعل بنفسه و أهله و عبيده و إمائه في تأديبهم و تعليمهم ثم وصف سبحانه النار التي حذرهم منها فقال «وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ» أي حطب تلك النار الناس و حجارة الكبريت و هي تزيد في قوة النار و قد مر تفسيره «عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ» أي غلاظ القلوب لا يرحمون أهل النار أقوياء يعني الزبانية التسعة عشر و أعوانهم «لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ» و في هذا دلالة على أن الملائكة الموكلين بالنار معصومون عن القبائح لا يخالفون الله في أوامره و نواهيه و قال الجبائي إنما عنى أنهم لا يعصونه و يفعلون ما يأمرهم به في دار الدنيا لأن الآخرة ليست بدار تكليف و إنما هي دار جزاء و إنما أمرهم الله تعالى بتعذيب أهل النار على وجه الثواب لهم بأن جعل سرورهم و لذاتهم في تعذيب أهل النار كما جعل سرور المؤمنين و لذاتهم في الجنة ثم حكى سبحانه ما يقال للكفار يوم القيامة فقال «يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ» و ذلك أنهم إذا عذبوا يأخذون في الاعتذار فلا يلتفت إلى معاذيرهم و يقال لهم لا تعتذروا اليوم فهذا جزاء فعلكم و ذلك قوله «إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» ثم عاد سبحانه إلى خطاب المؤمنين في دار التكليف فقال «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ» من معاصيه و ارجعوا إلى طاعته «تَوْبَةً نَصُوحاً» أي خالصة لوجه الله‏
و روى عكرمة عن ابن عباس قال قال معاذ بن جبل يا رسول الله ما التوبة النصوح قال أن يتوب التائب ثم لا يرجع في ذنب كما لا يعود اللبن إلى الضرع‏
و قال ابن مسعود التوبة النصوح هي التي تكفر كل‏

477
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 477

سيئة و هو في القرآن ثم تلا هذه الآية و قيل أن التوبة النصوح هي التي يناصح الإنسان فيها نفسه بإخلاص الندم مع العزم على أن لا يعود إلى مثله في القبح و قيل هي أن يكون العبد نادما على ما مضى مجمعا على أن لا يعود فيه عن الحسن و قيل هي الصادقة الناصحة عن قتادة و قيل هي أن يستغفر باللسان و يندم بالقلب و يمسك بالبدن عن الكلبي و قيل هي التوبة المقبولة و لا تقبل ما لم يكن فيها ثلاث خوف أن لا تقبل و رجاء أن تقبل و إدمان الطاعة عن سعيد بن جبير و قيل هي أن يكون الذنب نصب عينيه و لا يزال كأنه ينظر إليه و قيل هي من النصح و هو الخياطة لأن العصيان يخرق الدين و التوبة ترقعه و قيل لأنها جمعت بينه و بين أولياء الله كما جمع الخياط الثوب و ألصق بعضه ببعض و قيل لأنها أحكمت طاعته و أوثقتها كما أحكم الخياط الثوب و أوثقه «عَسى‏ رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ يُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» أي يحطها عنكم و يدخلكم الجنة و عسى من الله واجب ثم قال «يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ» أي لا يعذبهم الله بدخول النار و لا يذلهم بذلك بل يعزهم بإدخالهم الجنة و قيل لا يخزي الله النبي أي لا يشوره فيما يريده من الشفاعة بل يشفعه في ذلك «نُورُهُمْ يَسْعى‏ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ» مفسر في سورة الحديد و
قال أبو عبد الله (ع) يسعى أئمة المؤمنين يوم القيامة بين أيديهم و بأيمانهم حتى ينزلوهم منازلهم في الجنة
 «يَقُولُونَ رَبَّنا» و هو في موضع نصب على الحال تقديره قائلين ربنا «أَتْمِمْ لَنا نُورَنا» و قيل أن قوله «وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ» مبتدأ و «نُورُهُمْ يَسْعى‏» خبره و «يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا» خبر آخر من «الَّذِينَ آمَنُوا» و حال منهم و فيه وجه آخر ذكرناه في الإعراب و قيل «أَتْمِمْ لَنا نُورَنا» معناه وفقنا للطاعة التي هي سبب النور «وَ اغْفِرْ لَنا» أي استر علينا معاصينا و لا تهلكنا بها «إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ» من إطفاء نور المنافقين و إثبات نور المؤمنين ثم خاطب سبحانه النبي ص فقال «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ» بالقتال و الحرب «وَ الْمُنافِقِينَ» بالقول الرادع عن القبيح لا بالحرب إلا أن فيه بذل المجهود فلذلك سماه جهادا و
روي عن أبي عبد الله (ع) أنه قرأ جاهد الكفار بالمنافقين و قال أن رسول الله ص لم يقاتل منافقا قط إنما كان يتألفهم‏
 «وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ» أي اشدد عليهم من غير محاباة و قيل اشدد عليهم في إقامة الحد عليهم قال الحسن أكثر من يصيب الحدود في ذلك الزمان المنافقون فأمر الله تعالى أن يغلظ عليهم في إقامة الحد «وَ مَأْواهُمْ» أي مآل الكفار و المنافقين «جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ» أي المال و المستقر ثم ضرب الله المثل لأزواج النبي حثا لهن على الطاعة و بيانا لهن أن مصاحبة الرسول مع مخالفته لا تنفعهن فقال «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا» أي نبيين من أنبيائنا «صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما» قال ابن عباس‏

478
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 477

كانت امرأة نوح كافرة تقول للناس أنه مجنون و إذا آمن بنوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به و كانت امرأة لوط تدل على أضيافه فكان ذلك خيانتهما و ما بغت امرأة نبي قط و إنما كانت خيانتهما في الدين و قال السدي كانت خيانتهما أنهما كانتا كافرتين و قيل كانتا منافقتين و قال الضحاك خيانتهما النميمة إذا أوحى الله إليهما أفشتاه إلى المشركين «فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً» أي و لم يغن نوح و لوط مع نبوتهما عن امرأتيهما من عذاب الله شيئا «وَ قِيلَ» أي و يقال لهما يوم القيامة «ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ» و قيل أن اسم امرأة نوح واغلة و اسم امرأة لوط واهلة و قال مقاتل والغة و والهة «وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ» و هي آسية بنت مزاحم قيل إنها لما عاينت المعجز من عصا موسى و غلبته السحرة أسلمت فلما ظهر لفرعون إيمانها نهاها فأبت فأوتد يديها و رجليها بأربعة أوتاد و ألقاها في الشمس ثم أمر أن يلقى عليها صخرة عظيمة فلما قرب أجلها «قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ» فرفعها الله تعالى إلى الجنة فهي فيها تأكل و تشرب عن الحسن و ابن كيسان و قيل أنها أبصرت بيتا في الجنة من درة و انتزع الله روحها فألقيت الصخرة على جسدها و ليس فيه روح فلم تجد ألما من عذاب فرعون و قيل أنها كانت تعذب بالشمس و إذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة و جعلت ترى بيتها في الجنة عن سلمان «وَ نَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَ عَمَلِهِ» أي دينه و قيل و جماعة عن ابن عباس «وَ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» من أهل مصر قالوا قطع الله بهذه الآية طمع من ركب المعصية رجاء أن يقطعه صلاح غيره و أخبر أن معصية الغير لا تضر من كان مطيعا قال مقاتل يقول الله سبحانه لعائشة و حفصة لا تكونا بمنزلة امرأة نوح و امرأة لوط في المعصية و كونا بمنزلة امرأة فرعون و مريم و هو قوله «وَ مَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها» أي منعت فرجها من دنس المعصية و عفت عن الحرام و قيل معناه منعت فرجها من الأزواج لم تبتغ زوجا و لا غيره «فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا» أي فنفخ جبرائيل بأمرنا في جيبها من روحنا عن قتادة و قال الفراء كل شق فهو فرج و «أَحْصَنَتْ فَرْجَها» منعت جيب درعها من جبرائيل و قيل نفخ جبرائيل في فرجها و خلق الله منه المسيح و هو الظاهر و لذلك ذكره و قال في سورة الأنبياء فيها و عاد الضمير إلى التي أحصنت فرجها و قيل معناه خلقنا المسيح في بطنها و نفخنا فيه الروح حتى صار حيا فالضمير في فيه يعود إلى المسيح «وَ صَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها» أي بما تكلم الله تعالى و أوحاه إلى أنبيائه و ملائكته و قيل صدقت بوعد الله و وعيده و أمره و نهيه «وَ كُتُبِهِ» أي و صدقت بكتب الله المنزلة على أنبيائه مثل التوراة و الإنجيل و من وحد فالمراد به الإنجيل «وَ كانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ» أي المطيعين لله سبحانه و الدائمين على طاعته و يجوز أن يكون من القنوت في الصلاة و يجوز أن يريد بالقانتين رهطها و عشيرتها الذين كانت مريم‏

479
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 477

منهم و كانوا أهل بيت صلاح و طاعة و لم يقل من القانتات لتغليب المذكر على المؤنث و
جاءت الرواية عن معاذ بن جبل قال دخل رسول الله ص على خديجة و هي تجود بنفسها فقال أكره ما نزل بك يا خديجة و قد جعل الله في الكره خيرا كثيرا فإذا قدمت على ضراتك فأقرئيهن مني السلام قالت يا رسول الله و من هن قال مريم بنت عمران و آسية بنت مزاحم و حليمة أو كليمة أخت موسى شك الراوي فقالت بالرفاء و البنين‏
و
عن أبي موسى عن النبي ص قال كمل من الرجال كثير و لم يكمل من النساء إلا أربع آسية بنت مزاحم امرأة فرعون و مريم بنت عمران و خديجة بنت خويلد و فاطمة بنت محمد ص.

480
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة الملك مكية و آياتها ثلاثون ص 481

(67) سورة الملك مكية و آياتها ثلاثون (30)
[توضيح‏]
و
تسمى سورة المنجية لأنها تنجي صاحبها من عذاب القبر و قد ورد به الخبر
و تسمى الواقية لما روي عن النبي ص أنها الواقية من عذاب القبر
و هي مكية.
عدد آيها
إحدى و ثلاثون آية مكي و المدني الأخير و ثلاثون آية في الباقين.
اختلافها
آية واحدة «قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ» مكي و المدني الأخير.
فضلها
أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأ سورة تبارك فكأنما أحيا ليلة القدر
و
عن ابن عباس قال قال رسول الله ص وددت أن تبارك الملك في قلب كل مؤمن‏
و
عن أبي هريرة أن رسول الله ص قال أن سورة من كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل فأخرجته يوم القيامة من النار و أدخلته الجنة و هي سورة تبارك‏
و عن ابن مسعود قال إذا وضعت الميت في قبره يؤتى من قبل رجليه فيقال له ليس لكم عليه سبيل لأنه قد كان يقوم بسورة الملك ثم يؤتى من قبل رأسه فيقول لسانه ليس لكم عليه سبيل لأنه كان يقرأ بي سورة الملك ثم قال هي الممانعة من عذاب القبر و هي في التوراة سورة الملك من قرأها في ليلة فقد أكثر و أطيب و
روى الحسن بن محبوب عن جميل بن صالح عن سدير الصيرفي عن أبي جعفر (ع) قال
سورة الملك هي المانعة تمنع من عذاب القبر و هي مكتوبة في التوراة سورة الملك و من قرأها في ليلة فقد أكثر و أطاب و لم يكتب من الغافلين و إني لأركع بها بعد العشاء الآخرة و أنا جالس و إن الذي كان يقرأها في حياته في يومه و ليلته إذا دخل عليه في قبره ناكر و نكير من قبل رجليه قالت رجلاه لهما ليس لكما إلى ما قبلي سبيل قد كان هذا العبد يقوم علي فيقرأ سورة الملك في كل يوم و ليلة فإذا أتياه من قبل جوفه قال لهما ليس لكما إلى ما

481
مجمع البيان في تفسير القرآن10

فضلها ص 481

قبلي سبيل كان هذا العبد و قد وعى سورة الملك و إذا أتياه من قبل لسانه قال لهما ليس لكما إلى ما قبلي سبيل قد كان هذا العبد يقرأ في كل يوم و ليلة سورة الملك.
أبو بصير عن أبي عبد الله (ع) قال من قرأ سورة تبارك الذي بيده الملك في المكتوبة قبل أن ينام لم يزل في أمان الله حتى يصبح و في أمانه يوم القيامة حتى يدخل الجنة إن شاء الله.
تفسيرها
لما ختم الله سبحانه تلك السورة بأن الوصلة لا تنفع إلا بالطاعة و أصل الطاعة المعرفة و التصديق بالكلمات الإلهية افتتح هذه السورة بدلائل المعرفة و آيات الربوبية فقال:
[سورة الملك (67): الآيات 1 الى 5]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏
تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى‏ فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى‏ مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ (4)
وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (5)

القراءة
قرأ حمزة و الكسائي من تفوت بتشديد الواو من غير ألف و هي قراءة الأعمش و الباقون «تَفاوُتٍ» بالألف.
الحجة
قال أبو الحسن تفاوت أجود لأنهم يقولون تفاوت الأمر و لا يكادون يقولون تفوت الأمر قال و هي أظن لغة قال سيبويه قد يكون فاعل و فعل بمعنى نحو ضاعف و ضعف و تفاعل مطاوع فاعل كما أن تفعل مطاوع فعل فعلى هذا القياس يكون تفاعل و تفعل بمعنى و تفاوت و تفوت بمعنى.

482
مجمع البيان في تفسير القرآن10

اللغة ص 483

اللغة
تبارك أصله من البرك و هو ثبوت الطائر على الماء و البركة ثبوت الخير بنمائه و قوله «طِباقاً» مصدر طوبقت طباقا فهي مطبق بعضها على بعض عن الزجاج و قيل هو جمع طبق مثل جمل و جمال و التفاوت الاختلاف و الاضطراب و الفطور الشقوق و الصدوع من الفطر و هو الشق الخاسئ الذليل الصاغر و قيل هو البعيد مما يريده منه و قيل للكلب اخسأ و الحسير من الإبل المعيي الذي لا فضل فيه للسير قال:
         بها جيف الحسرى فأما عظامها             فبيض و أما جلدها فصليب‏
و السعير النار المسعرة و أعتدنا أصله أعددنا أي هيأنا فأبدلت الدال تاء.
الإعراب‏
 «الَّذِي خَلَقَ» بدل من «الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ» و يجوز أن يكون خبر مبتدإ محذوف فعلى هذا الوجه يجوز الوقف على ما قبله و على الوجه الأول لا يجوز و قوله «أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» تعليق لأن التقدير ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن عملا و ارتفع أي بالابتداء و إنما لم يعمل فيه ما قبله لأنه على أصل الاستفهام و طباقا نصب على الحال إذا أردنا في سماوات معنى الألف و اللام و إن جعلناها نكرة كان طباقا صفتها و قوله «كَرَّتَيْنِ» منصوب على المصدر أي رجعتين.
المعنى‏
أخبر سبحانه عن عظمته و علو شأنه و كمال قدرته فقال «تَبارَكَ» أي تعالى و جل عما لا يجوز عليه في ذاته و أفعاله عن أبي مسلم و قيل معناه تعالى بأنه الثابت الذي لم يزل و لا يزال و قيل معناه تعاظم بالحق من ثبوت الأشياء به إذ لولاه لبطل كل شي‏ء لأنه لا يصح سواه شي‏ء إلا و هو مقدوره أو مقدور مقدوره الذي هو القدرة و قيل معناه تعالى من جميع البركات منه إلا أن هذا المعنى مضمر في الصفة غير مصرح به و إنما المصرح به أنه تعالى باستحقاق التعظيم «الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ» و الملك هو اتساع المقدور لمن له السياسة و التدبير و معناه الذي هو المالك و له الملك يؤتيه من يشاء و يتصرف فيه كما يشاء و إنما ذكر اليد تأكيدا و لأن أكثر التصرفات و العطايا باليد «وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ» من إنعام و انتقام و قيل معناه أنه قادر على كل شي‏ء يصح أن يكون مقدورا له و هو أخص من قولنا وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ* لأنه لا شي‏ء إلا و يجب أن يعلمه إذ لا شي‏ء إلا و يصح أن يكون معلوما في نفسه و لا يوصف سبحانه بكونه قادرا على ما لا يصح أن يكون مقدورا في نفسه مثل ما تقضي وقته مما لا يبقى ثم وصف سبحانه نفسه فقال «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ» أي خلق الموت‏

483
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 483

للتعبد بالصبر عليه و الحياة للتعبد بالشكر عليها و قيل خلق الموت للاعتبار و الحياة للتزود و قيل إنما قدم ذكر الموت على الحياة لأنه إلى القهر أقرب كما قدم البنات على البنين في قوله «يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً» الآية و قيل إنما قدمه لأنه أقدم فإن الأشياء في الابتداء كانت في حكم الأموات كالنطفة و التراب ثم اعترضت الحياة «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» أي ليعاملكم معاملة المختبر بالأمر و النهي فيجازي كل عامل بقدر عمله و قيل ليبلوكم أيكم أكثر للموت ذكرا و أحسن له استعدادا و أحسن صبرا على موته و موت غيره و أيكم أكثر امتثالا للأوامر و اجتنابا عن النواهي في حال حياته‏
قال أبو قتادة سألت النبي ص عن قوله تعالى «أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» ما عنى به فقال يقول أيكم أحسن عقلا ثم قال أتمكم عقلا و أشدكم لله خوفا و أحسنكم فيما أمر الله به و نهى عنه نظرا و إن كان أقلكم تطوعا
و
عن ابن عمر عن النبي ص أنه تلا قوله تعالى «تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ» إلى قوله «أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» ثم قال أيكم أحسن عقلا و أورع عن محارم الله و أسرع في طاعة الله‏
و عن الحسن أيكم أزهد في الدنيا و أترك لها «وَ هُوَ الْعَزِيزُ» في انتقاله ممن عصاه «الْغَفُورُ» لمن تاب إليه أو لمن أراد التفضل عليه بإسقاط عقابه و التكليف إنما يصح بالترغيب و الترهيب لأن معناه تحمل المشقة في الأمر و النهي ثم عاد سبحانه إلى وصف نفسه فقال «الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ» أي أنشأهن و اخترعهن «طِباقاً» واحدة فوق الأخرى و قيل أراد بالمطابقة المشابهة أي يشبه بعضها بعضا في الإتقان و الأحكام و الاتساق و الانتظام «ما تَرى‏ فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ» أي اختلاف و تناقض من طريق الحكمة بل ترى أفعاله كلها سواء في الحكمة و إن كانت متفاوتة في الصور و الهيئات يعني في خلق الأشياء على العموم و في هذا دلالة على أن الكفر و المعاصي لا يكون من خلق الله تعالى لكثرة التفاوت في ذلك و قيل معناه ما ترى يا ابن آدم في خلق السماوات من عيب و اعوجاج بل هي مستقيمة مستوية كلها مع عظمها «فَارْجِعِ الْبَصَرَ» أي فرد البصر و أدره في خلق الله و استقص في النظر مرة بعد أخرى و التقدير أنظر ثم ارجع النظر في السماء «هَلْ تَرى‏ مِنْ فُطُورٍ» أي شقوق و فتوق عن سفيان و قيل من وهن و خلل عن ابن عباس و قتادة «ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ» أي ثم كرر النظر مرتين لأن من نظر في الشي‏ء كرة بعد أخرى بأن له ما لم يكن بائنا و قيل معناه أدم النظر و التقدير ارجع البصر مرة بعد أخرى و لا يريد حقيقة التثنية لقوله «وَ هُوَ حَسِيرٌ» و لا يصير حسيرا بمرتين و نظيره قولهم لبيك و سعديك أي إلبابا بعد إلباب و إسعادا بعد إسعاد يعني كلما دعوتني فأنا ذو إجابة بعد إجابة و ذو ثبات بمكاني بعد ثبات من قولهم لب بالمكان و ألب إذا ثبت و أقام و هو نصب على المصدر أي أجيبك إجابة بعد إجابة «يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَر

484
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 483

خاسِئاً» أي يرجع إليك بصرك بعيدا عن نيل المراد ذليلا صاغرا عن ابن عباس كأنه ذل كذلة من طلب شيئا فلم يجده و أبعد عنه «وَ هُوَ حَسِيرٌ» أي كال معي عن قتادة و التحقيق أن بصر هذا الناظر بعد الإعياء يرجع إليه بعيدا عن طلبته خائبا في بغيته ثم أقسم سبحانه فقال «وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا» لأن هذه اللام هي التي يتلقى بها القسم أي حسنا السماء الدنيا يعني التي هي أدنى إلى الأرض و هي التي يراها الناس «بِمَصابِيحَ» واحدها مصباح يعني الكواكب سماها المصابيح لإضاءتها و هي السرج «وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ» الذين يسترقون السمع و قيل ينفصل من الكواكب شهب تكون رجوما للشياطين فأما الكواكب أنفسها فليست تزول إلى أن يريد الله تعالى إفناءها عن الجبائي «وَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ» يعني أنا جعلنا مع الكواكب رجوما للشياطين هيأنا لهم و ادخرنا لأجلهم عذاب النار المسعرة المشعلة و في هذا دلالة على أن الشياطين مكلفة.
[سورة الملك (67): الآيات 6 الى 11]
وَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَ هِيَ تَفُورُ (7) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قالُوا بَلى‏ قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَ قُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (9) وَ قالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (10)
فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (11)

القراءة
قرأ أبو جعفر و الكسائي فسحقا بضمتين و الباقون بالتخفيف.
الحجة
سحق و سحق مثل عنق و عنق و طنب و طنب و نحو ذلك و كلاهما حسن.
اللغة
الشهيق صوت تقطيع النفس كالنزع و إذا اشتد لهيب النار سمع منها ذلك الصوت كأنها تطلب الوقود قال رؤبة:

485
مجمع البيان في تفسير القرآن10

اللغة ص 485

         حشرج في الجوف سحيلا أو شهق             حتى يقال ناهق و ما نهق‏
و قيل إن الشهيق في الصدر و الزفير في الحلق و الفور ارتفاع الشي‏ء بالغليان يقال فارت القدر تفور و منه الفوارة لارتفاعها بالماء ارتفاع الغليان و منه فار الدم من الجرح و فار الماء من الأرض و السحق البعد يقال أسحقهم الله إسحاقا و سحقا أي ألزمهم الله سحقا عن الخير فجاء المصدر على غير لفظه كما قال وَ اللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً و تقديره فأسحقهم إسحاقا و أما سحقته سحقا فمعناه باعدته بالتفريق عن حال اجتماعه حتى صار كالغبار.
المعنى‏
لما تقدم وعيد الشياطين الذين دعوا إلى الكفر و الضلال أتبعه سبحانه بذكر الكفار الضلال فقال «وَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ» أي بئس المال و المرجع و إنما وصف ببئس و هو من صفات الذم و العقاب حسن لما في ذلك من الضرر الذي يجب على كل عاقل أن يتقيه بغاية الجهد و لا يجوز قياسا على ذلك أن يوصف به فاعل العقاب لأنه لا يقال بئس الرجل إلا على وجه الذم و وجه الحكمة في فعل العقاب ما فيه من الزجر المتقدم للمكلف و لا يمكن أن يكون مزجورا إلا به و لولاه لكان مغرى بالقبيح «إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً» أي إذا طرح الكفار في النار سمعوا للنار صوتا فظيعا مثل صوت القدر عند فورانها و غليانها فيعظم بسماع ذلك عذابهم لما يرد على قلوبهم من قوله «وَ هِيَ تَفُورُ» أي تغلي بهم كغلي المرجل «تَكادُ تَمَيَّزُ» أي تتقطع و تتفرق «مِنَ الْغَيْظِ» أي شدة الغضب سمى سبحانه شدة التهاب النار غيظا على الكفار لأن المغتاظ هو المتقطع مما يجد من الألم الباعث على الإيقاع بغيره فحال جهنم كحال المتغيظ «كُلَّما أُلْقِيَ فِيها» أي كلما طرح في النار «فَوْجٌ» من الكفار «سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ» أي تقول لهم الملائكة الموكلون بالنار على وجه التبكيت لهم في صيغة الاستفهام أ لم يجئكم مخوف من جهة الله سبحانه يخوفكم عذاب هذه النار «قالُوا بَلى‏ قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَ قُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ» أي فيقولون في جوابهم بلى قد جاءنا مخوف فلم نصدقه و كذبناه و لم نقبل منه بل قلنا له ما نزل الله شيئا مما تدعونا إليه و تحذرنا منه فتقول لهم الملائكة «إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ» أي لستم اليوم إلا في عذاب عظيم و قيل معناه قلنا للرسل ما أنتم إلا في ضلال أي ذهاب عن الصواب كبير في قولكم أنزل الله علينا كتابا «وَ قالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ» من النذر ما جاءونا به و دعونا إليه و عملنا بذلك «ما كُنَّا فِي‏

486
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 486

أَصْحابِ السَّعِيرِ» و قال الزجاج لو كنا نسمع سمع من يعي و يفكر و نعقل عقل من يميز و ينظر ما كنا من أهل النار و
في الحديث عن ابن عمر أن النبي ص قال إن الرجل ليكون من أهل الجهاد و من أهل الصلاة و الصيام و ممن يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و ما يجزي يوم القيامة إلا على قدر عقله‏
و
عن أنس بن مالك قال أثنى قوم على رجل عند رسول الله ص فقال رسول الله ص كيف عقل الرجل قالوا يا رسول الله نخبرك عن اجتهاده في العبادة و أصناف الخير و تسألنا عن عقله فقال إن الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر و إنما يرتفع العباد غدا في الدرجات و ينالون الزلفى من ربهم على قدر عقولهم‏
ثم قال سبحانه «فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ» في ذلك الوقت الذي لا ينفعهم فيه الإقرار و الاعتراف و الإقرار مشتق من قر الشي‏ء يقر قرارا إذا ثبت و الاعتراف مأخوذ من المعرفة و الذنب مصدر لا يثنى و لا يجمع و متى جمع فلاختلاف جنسه «فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ» هذا دعاء عليهم أي أسحقهم الله و أبعدهم من النجاة سحقا و إذا قيل ما وجه اعترافهم بالذنب مع ما عليهم من الفضيحة به فالجواب أنهم قد علموا حصولهم على الفضيحة اعترفوا أم لم يعترفوا فليس يدعوهم إلى أحد الأمرين إلا مثل ما يدعوهم إلى الآخر في أنه لا فرج فيه فاستوى الأمران عليهم الاعتراف و ترك الاعتراف و الجزع و ترك الجزع.

487
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة الملك الآيات 12 الى 21 ص 488

 [سورة الملك (67): الآيات 12 الى 21]
إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ (12) وَ أَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (13) أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَ إِلَيْهِ النُّشُورُ (15) أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (16)
أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) وَ لَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (18) أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَ يَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ بَصِيرٌ (19) أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (20) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَ نُفُورٍ (21)

القراءة
قرأ ابن كثير النشور و أمنتم و قرأ أبو جعفر و نافع و أبو عمرو و يعقوب بهمزة واحدة ممدودة و هو تحقيق الهمزة الأولى و تخفيف الثانية بأن تجعل بين بين و قرأ الباقون «أَ أَمِنْتُمْ» بهمزتين.
الحجة
أما الأول فهو تخفيف الهمزة الأولى بأن جعلت واوا و هذا في المنفصل نظير قولهم في المتصل التؤدة و جون في جمع جؤنة فأما الهمزة التي هي فاء من قولهم «أَ أَمِنْتُمْ» بعد تخفيف الأولى بقلبها واوا فإنه يجوز فيه التحقيق و التخفيف فإن حقق كان لفظه النشور و أمنتم و إن خفف كان القياس أن تجعل بين بين أعني بين الألف و الهمزة لتحركها بالفتحة و من قال‏
         " لا هناك المرتع"
و قلبها ألفا كان القياس أن يقول هنا النشور و أمنتم بقلبها ألفا محضة و سيبويه يجيز هذا القلب في الشعر و غير حال السعة و كان قياس قول أبي عمرو على ما حكاه عنه سيبويه من أنه إذا اجتمع همزتان خفف الأولى منهما دون الثانية أن يقلب الأولى منهما هنا واوا كما فعله ابن كثير فأما الثانية فإن شاء حققها و إن شاء خففها و تخفيفها أن تجعل بين الهمزة و الألف و لعل أبا عمرو ترك هذا القول في هذا الموضع فأخذ فيه بالوجه الآخر و هو تخفيف الثانية منهما إذا التقتا دون الأولى.
اللغة
اللطف من الله الرأفة و الرحمة و الرفق و اللطيف الرفيق بعبادة يقال لطف به يلطف لطفا إذا رفق به و الذلول من المراكب ما لا صعوبة فيه و مناكب الأرض ظهورها و منكب كل شي‏ء أعلاه و أصله الجانب و منه منكب الرجل و الريح النكباء و النشور الحياة بعد الموت يقال نشر الميت ينشر نشورا إذا عاش و أنشره الله أحياه قال الأعشى:

488
مجمع البيان في تفسير القرآن10

اللغة ص 488

         حتى يقول الناس مما رأوا             يا عجبا للميت الناشر
و أصله من النشر ضد الطي و الحاصب الحجارة التي ترمي بها كالحصاء و حصبه بالحصاة يحصبه حصبا إذا رماه بها و يقال للذي يرمي به حاصب أي ذو حصب.
الإعراب‏
 «بِالْغَيْبِ» في موضع نصب على الحال «" أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ"» فيه وجوه (أحدها) أن يكون «مَنْ خَلَقَ» في موضع رفع بأنه فاعل يعلم و التقدير أ لا يعلم من خلق الخلق ضمائر صدورهم (الثاني) أن يكون «مَنْ خَلَقَ» في موضع نصب بأنه مفعول به و تقديره أ لا يعلم الله من خلقه (و الثالث) أن يكون استفهاما في موضع نصب بأنه مفعول و فاعل خلق الضمير المستكن فيه العائد إلى الله تعالى و الأول أصح الوجوه و قوله «أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ» في موضع نصب بأنه بدل من في قوله «مَنْ فِي السَّماءِ» و هو بدل الاشتمال «فَإِذا هِيَ تَمُورُ» إذا ظرف المفاجاة و هو معمول. قوله «هِيَ تَمُورُ» جملة في موضع نصب على الحال من «يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ» و ذو الحال الأرض و «أَنْ يُرْسِلَ» بدل أيضا مثل قوله «أَنْ يَخْسِفَ» و قوله «كَيْفَ نَذِيرِ» مبتدأ و خبر و الخبر مقدم و الجملة متعلقة بقوله «فَسَتَعْلَمُونَ» و التقدير فستعلمون محذور إنذاري أم لا و قوله «فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ» كيف هنا خبر كان و قوله «وَ يَقْبِضْنَ» معطوف على «صافَّاتٍ» و إنما عطف الفعل على الاسم و من الأصل المقرر أن الفعل لا يعطف إلا على الفعل كما أن الاسم لا يعطف إلا على الاسم لأنه و إن كان فعلا فهو في موضع الحال فتقديره تقدير اسم فاعل و صافات حال فجاز أن يعطف عليه فكأنه قال صافات و قابضات و قد جاء مثل هذا في الشعر قال:
         بات يعشيها بعضب باتر             يعدل في أسوقها و جائر
 «أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ» من هنا استفهام في موضع رفع بالابتداء دخل عليه أم المنقطعة و هذا مبتدأ ثان و الذي خبره و قد وصل بالمبتدإ و الخبر و هو قوله «هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ» و «يَنْصُرُكُمْ» صفة الجند.

489
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 490

المعنى‏
لما تقدم الوعيد عقبه سبحانه بالوعد فقال «إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ» أي يخافون عذاب ربهم باتقاء معاصيه و فعل طاعاته على وجه الاستسرار بذلك لأن الخشية متى كانت بالغيب على ما ذكرنا كانت بعيدة من الرياء خالصة لوجه الله و خشية الله بالغيب تنفع بأن يستحق عليها الثواب و خشيته في الظاهر بترك المعاصي لا يستحق بها الثواب فإذا الخشية بالغيب أفضل لا محالة و قيل بالغيب معناه أنه يخشونه و لم يروه فيؤمنون به خوفا من عذابه و قيل يخافونه حيث لا يراهم مخلوق لأن أكثر ما ترتكب المعاصي إنما ترتكب في حال الخلوة فهم يتركون المعصية لئلا يجعلوا الله سبحانه أهون الناظرين إليهم و لأن من تركها في هذه الحال تركها في حال العلانية أيضا «لَهُمْ مَغْفِرَةٌ» لذنوبهم «وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ» أي عظيم في الآخرة لا فناء له ثم قال سبحانه مهددا للعصاة «وَ أَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» يعني أنه عالم بإخلاص المخلص و نفاق المنافق فإن شئتم فأظهروا القول و إن شئتم فأبطنوه فإنه عليم بضمائر القلوب و من علم إضمار القلب علم أسرار القول قال ابن عباس كانوا ينالون من رسول الله ص فيخبره به جبرئيل فقال بعضهم لبعض أسروا قولكم لكيلا يسمع آل محمد فنزلت الآية «أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ» قيل في معناه وجوه (أحدها) أ لا يعلم ما في الصدور من خلق الصدور (و ثانيها) أ لا يعلم سر العبد من خلقه أي من خلق العبد فعلى الوجهين يكون «مَنْ خَلَقَ» بمعنى الخالق (و ثالثها) أن يكون من خلق بمعنى المخلوق و المعنى أ لا يعلم الله مخلوقة «وَ هُوَ اللَّطِيفُ» أي العالم بما لطف و دق و قيل اللطيف بعباده من حيث يدبرهم بألطف التدبير و اللطيف التدبير من يدبر تدبيرا نافذا لا يجفو عن شي‏ء يدبره به و قيل اللطيف من كان فعله في اللطف بحيث لا يهتدي إليه غيره و هو فعيل بمعنى فاعل كالقدير و العليم و قيل هو بمعنى الملطف كالبديع بمعنى المبدع و قيل اللطيف الذي يكلف اليسير و يعطي الكثير «الْخَبِيرُ» العالم بالعباد و أعمالهم ثم عدد سبحانه أنواع نعمه ممتنا على عباده بذلك فقال «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا» أي سهلة ساكنة مسخرة تعملون فيها ما تشتهون و قيل ذلولا لم يجعلها بحيث يمتنع المشي فيها بالحزونة و الغلظ و قيل ذلولا موطأة للتصرف فيها و المسير عليها و يمكنكم زراعتها «فَامْشُوا فِي مَناكِبِها» أي في طرقها و فجاجها عن مجاهد و قيل في جبالها لأن منكب كل شي‏ء أعلاه عن ابن عباس و قتادة ثم إن كان هذا أمر ترغيب فالمراد فامشوا في طاعة الله و إن كان للإباحة فقد أباح المشي فيها لطلب المنافع في التجارات «وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ» أي كلوا مما أنبت الله في الأرض و الجبال من الزروع و الأشجار حلالا «وَ إِلَيْهِ النُّشُورُ» أي و إلى حكمه المرجع في القيامة و قيل معناه و إليه الإحياء للمحاسبة فهو مالك النشور و القادر عليه عن الجبائي ثم‏

490
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 490

هدد سبحانه الكفار زاجرا لهم عن ارتكاب معصيته و الجحود لربوبيته فقال «أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ» أي أمنتم عذاب من في السماء سلطانه و أمره و نهيه و تدبيره لا بد أن يكون هذا معناه لاستحالة أن يكون الله جل جلاله في مكان أو في جهة و قيل يعني بقوله «مَنْ فِي السَّماءِ» الملك الموكل بعذاب العصاة «أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ» يعني أن يشق الأرض فيغيبكم فيها إذا عصيتموه «فَإِذا هِيَ تَمُورُ» أي تضطرب و تتحرك و المعنى أن الله يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب فوقهم و هم يخسفون فيها حتى تلقيهم إلى أسفل و المور التردد في الذهاب و المجي‏ء مثل الموج «أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً» أي ريحا ذات حجر كما أرسل على قوم لوط حجارة من السماء و قيل سحابا يحصب عليكم الحجارة «فَسَتَعْلَمُونَ» حينئذ «كَيْفَ نَذِيرِ» أي كيف إنذاري إذا عاينتم العذاب «وَ لَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» رسلي و جحدوا وحدانيتي «فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ» أي عقوبتي و تغييري ما بهم من النعم و قيل كيف رأيتم إنكاري عليهم بإهلاكهم و استئصالهم ثم نبه سبحانه على قدرته على الخسف و إرسال الحجارة فقال «أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ» تصف أجنحتها في الهواء فوق رءوسهم «وَ يَقْبِضْنَ» أجنحتهن بعد البسط و هذا معنى الطيران و هو بسط الجناح و قبضه بعد البسط أي يضربن بأرجلهن و يبسطن أجنحتهن تارة و يقبضن أخرى فالجو للطائر كالماء للسابح و قيل معناه أن من الطير ما يضرب بجناحه فيصف و منه ما يمسكه فيدف و منه الصفيف و الدفيف «ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ» بتوطئة الهواء لهن و لو لا ذلك لسقطن و في ذلك أعظم دلالة و أوضح برهان و حجة بأن من سخر الهواء هذا التسخير على كل شي‏ء قدير و الصف وضع الأشياء المتوالية على خط مستقيم و القبض جمع الأشياء عن حال البسط و الإمساك اللزوم المانع من السقوط عن علي بن عيسى «إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ بَصِيرٌ» أي بجميع الأشياء عليم «أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ» هذا استفهام إنكار أي لا جند لكم ينصركم مني و يمنعكم من عذابي إن أردت عذابكم عن ابن عباس و لفظ الجند موحد و لذلك قال «هذَا الَّذِي» و كأنه سبحانه يقول للكفار بأي قوة تعصونني أ لكم جند يدفع عنكم عذابي بين بذلك أن الأصنام لا يقدرون على نصرتهم «إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ» أي ما الكافرون إلا في غرور من الشيطان يغرهم بأن العذاب لا ينزل بهم و قيل معناه ما هم إلا في أمر لا حقيقة له من عبادة الأوثان يتوهمون أن ذلك ينفعهم و الأمر بخلافه «أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ» أي الذي يرزقكم إن أمسك الله الذي هو رازقكم أسباب رزقه عنكم و هو المطر هاهنا «بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَ نُفُورٍ» أي ليسوا يعتبرون فينظرون بل تمادوا و استمروا في اللجاج و جاوزوا الحد في‏

491
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 490

تماديهم و نفورهم عن الحق و تباعدهم عن الإيمان لما كان للمشركين صوارف كثيرة عن عبادة الأوثان و هم كانوا يتقحمون بذلك على العصيان فقد لجوا في عتوهم قال الفراء قوله «أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ» الآية تعريف حجة ألزمها الله العباد فعرفوا فأقروا بها و لم يردوا لها جوابا فقال سبحانه «بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَ نُفُورٍ».
[سورة الملك (67): الآيات 22 الى 30]
أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى‏ وَجْهِهِ أَهْدى‏ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (22) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (23) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَ يَقُولُونَ مَتى‏ هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (25) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَ إِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26)
فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ قِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (27) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَ مَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (28) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (29) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (30)

القراءة
قرأ يعقوب تدعون ساكنة الدال خفيفة و هو قراءة الحسن و الضحاك و قتادة و الباقون «تَدَّعُونَ» بالتشديد و قرأ الكسائي فسيعلمون بالياء و الباقون بالتاء.
الحجة
أما قوله تدعون فالمعنى هذا الذي كنتم به تدعون الله كقوله تعالى «سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ» و أما «تَدَّعُونَ» بالتشديد فمعناه تتداعون بوقوعه قال ابن جني‏

492
مجمع البيان في تفسير القرآن10

الحجة ص 492

يعني كان الدعوة بوقوعه فاشية بينكم كقوله تعالى في معنى العموم «وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ» أي لا يفش هذا فيكم و ليس معنى تدعون هنا من ادعاء الحقوق و إنما بمعنى تتداعون من الدعاء لا من الدعوى كما في قول الشاعر
         " فما برحت خيل تثوب و تدعي"
يعني تتداعى بينهما يا لفلان.
اللغة
يقال كببته فأكب و هو نادر مثل قشعت الريح السحاب فأقشعت و نزفت البئر فأنزفت أي ذهب ماؤها و نسلت ريش الطائر فأنسل و الزلفة القربة و هو مصدر يستوي فيه الواحد و الجمع و منه المزدلفة لقربه من مكة و قد تجمع الزلفة زلفا قال العجاج:
         ناج طواه الأين مما وجفا             طي الليالي زلفا فزلفا
و ساءه الأمر يسوؤه سوءا أي غمه و حزنه و منه أساء يسي‏ء إذا فعل ما يؤدي إلى الغم و ماء غور أي غائر وصف بالمصدر مبالغة كما يقال هؤلاء زور فلان و ضيفه و المعين قيل أنه مفعول مأخوذ من العين فعلى هذا يكون مثل مبيع من البيع و قيل أنه من الإمعان في الجري فعلى هذا يكون على وزن فعيل فكأنه قيل ممعن في الإسراع و الظهور.
الإعراب‏
قليلا صفة مصدر محذوف أي تشكرون شكرا قليلا و ما مزيدة «فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» يحتمل أن يكون من استفهاما فيكون اسما موصولا قال أبو علي دخلت الفاء في قوله «فَمَنْ يُجِيرُ» و قوله «فَمَنْ يَأْتِيكُمْ» لأن أ رأيتم بمعنى انتبهوا أي انتبهوا فمن يجير و انتبهوا فمن يأتيكم كما تقول قم فزيد قائم قال و لا يكون الفاء جواب الشرط و إنما يكون جواب الشرط مدلول «أَ رَأَيْتُمْ» قال و إن شئت كان الفاء زائدة مثلها في قوله «فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ» و يكون الاستفهام سادا مسدة مفعولي أ رأيتم كقولهم أ رأيت زيدا ما فعل و هذا من دقائقه.
المعنى‏
ثم ضرب سبحانه مثلا للكافر و المؤمن فقال «أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى‏ وَجْهِهِ» أي منكسا رأسه إلى الأرض فهو لا يبصر الطريق و لا من يستقبله ينظر أمامه و لا يمينه و لا شماله و هو الكافر المقلد لا يدري أ محق هو أم مبطل هذا «أَهْدى‏ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا» أي مستويا قائما يبصر الطريق و جميع جهاته كلها فيضع قدمه حيث لا يعثر و هو المؤمن الذي سلك طريق الحق و عرفه و استقام عليه و أمكنه دفع المضار عن نفسه و جلب المنافع إليها «عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» أي على طريق واضح قيم و هذا معنى قول ابن عباس و مجاهد و قيل‏

493
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 493

أن هذا في الآخرة يحشر الله الكافر مكبا على وجهه يوم القيامة كما قال وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى‏ وُجُوهِهِمْ عن قتادة «قُلْ» يا محمد لهؤلاء الكفار «هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ» بأن أخرجكم من العدم إلى الوجود «وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ» تسمعون به المسموعات «وَ الْأَبْصارَ» تبصرون بها المبصرات «وَ الْأَفْئِدَةَ» يعني القلوب تعقلون بها و تتدبرون فأعطاكم آلات التفكر و التمييز و الوصول إلى العلم «قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ» أي تشكرون قليلا و قيل معناه قليلا شكركم فتكون ما مصدرية «قُلْ» لهم يا محمد «هُوَ» الله تعالى «الَّذِي ذَرَأَكُمْ» أي خلقكم «فِي الْأَرْضِ وَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» منها أي تبعثون إليه يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم ثم حكى سبحانه ما كان يقوله الكفار مستبطئين عذاب الله مستهزئين بذلك فقال «وَ يَقُولُونَ مَتى‏ هذَا الْوَعْدُ» من الخسف و الحاصب أو البعث و الجزاء «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» في أن ذلك يكون «قُلْ» يا محمد «إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ» يعني علم الساعة «وَ إِنَّما أَنَا نَذِيرٌ» مخوف لكم به «مُبِينٌ» أي مبين لكم ما أنزل الله إلى من الوعد و الوعيد و الأحكام ثم ذكر سبحانه حالهم عند نزول العذاب و معاينته فقال «فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً» أي فلما رأوا العذاب قريبا يعني يوم بدر عن مجاهد و قيل معاينة عن الحسن و قيل أن اللفظ ماض و المراد به المستقبل و المعنى إذا بعثوا و رأوا القيامة قد قامت و رأوا ما أعد لهم من العذاب و هذا قول أكثر المفسرين «سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا» أي اسودت وجوههم و علتها الكآبة يعني قبحت وجوههم بالسواد و قيل معناه ظهرت على وجوههم آثار الغم و الحسرة و نالهم السوء و الخزي «وَ قِيلَ» لهؤلاء الكفار إذا شاهدوا العذاب «هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ» قال الفراء تدعون و تدعون واحد مثل تدخرون و تدخرون و المعنى كنتم به تستعجلون و تدعون الله بتعجيله و هو قولهم إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ الآية عن ابن زيد و قيل هو تدعون من الدعوى أي تدعون أن لا جنة و لا نار عن الحسن و روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بالأسانيد الصحيحة عن الأعمش قال لما رأوا لعلي بن أبي طالب (ع) عند الله من الزلفى سيئت وجوه الذين كفروا و
عن أبي جعفر (ع) فلما رأوا مكان علي (ع) من النبي ص سيئت وجوه الذين كفروا يعني الذين كذبوا بفضله‏
 «قُلْ» لهؤلاء الكفار «أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَ مَنْ مَعِيَ» بأن يميتنا «أَوْ رَحِمَنا» بتأخير آجالنا «فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ» استحقوه بكفرهم و ما الذي ينفعهم في دفع العذاب عنهم و قيل أن الكفار كانوا يتمنون موت النبي ص و موت أصحابه فقيل له قل لهم إن أهلكني الله و من معي ذلك بأن يميتني و يميت أصحابي فمن الذي ينفعكم و يؤمنكم من العذاب فإنه واقع بكم لا محالة و قيل معناه أ رأيتم أن عذبني الله و من معي أو رحمنا أي غفر لنا فمن يجيركم أي نحن مع إيماننا

494
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 493

بين الخوف و الرجاء فمن يجيركم مع كفركم من العذاب و لا رجاء لكم كما للمؤمنين عن ابن عباس و ابن كيسان ثم قال «قُلْ» لهؤلاء الكفار على وجه التوبيخ لهم «هُوَ الرَّحْمنُ» أي إن الذي أدعوكم إليه هو الرحمن الذي عمت نعمته جميع الخلائق «آمَنَّا بِهِ وَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنا» أي عليه اعتمدنا و جميع أمورنا إليه فوضنا «فَسَتَعْلَمُونَ» معاشر الكفار يوم القيامة «مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» اليوم أ نحن أم أنتم و من قرأ بالياء فمعناه فسيعلم الكفار ذلك «قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً» أي غائرا ناضبا في الآبار و العيون «فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ» أي ظاهر للعيون عن أبي مسلم و الجبائي و قيل بماء جار عن ابن عباس و قتادة أراد سبحانه أنه المنعم بالأرزاق فاشكروه و اعبدوه و لا تشركوا به شيئا و ذكر مقاتل أنه أراد بقوله «ماؤُكُمْ» بئر زمزم و بئر ميمون و هي بئر عادية قديمة و كان ماؤهم من هاتين البئرين و المعين الذي تناله الدلاء و تراه العيون.

495
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة القلم مكية و آياتها ثنتان و خمسون ص 496

(68) سورة القلم مكية و آياتها ثنتان و خمسون (52)
[توضيح‏]
و تسمى أيضا سورة ن و هي مكية عن الحسن و عكرمة و عطاء و قال ابن عباس و قتادة من أولها إلى قوله «سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ» مكي و ما بعده إلى قوله «لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» مدني و ما بعده إلى قوله «يَكْتُبُونَ» مكي و ما بعده مدني و هي اثنتان و خمسون آية بالإجماع.
فضلها
أبي بن كعب قال قال النبي ص و من قرأ سورة ن و القلم أعطاه ثواب الذين حسن أخلاقهم‏
علي بن ميمون عن أبي عبد الله (ع) قال من قرأ سورة ن و القلم في فريضة أو نافلة آمنه الله أن يصيبه في حياته فقر أبدا و أعاذه إذا مات من ضمة القبر إن شاء الله.
تفسيرها
ختم الله سبحانه سورة الملك بذكر تكذيب الكفار و وعيدهم و افتتح هذه السورة بمثل ذلك فقال:

496
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة القلم الآيات 1 الى 16 ص 497

[سورة القلم (68): الآيات 1 الى 16]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏
ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ (1) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَ إِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)
فَسَتُبْصِرُ وَ يُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7) فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)
وَ لا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (13) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَ بَنِينَ (14)
إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16)

القراءة
مضى ذكر اختلاف القراء في إظهار النون و إخفائها من نون في سورة ياسين فلا وجه لإعادته و قرأ أبو جعفر و ابن عامر و يعقوب و سهل آن كان بهمزة واحدة ممدودة على الاستفهام و قرأ أبو بكر عن عاصم و حمزة أ إن كان بهمزتين و قرأ الباقون «أَنْ كانَ» بفتح الهمزة من غير استفهام.
الحجة
قال أبو علي «أَنْ كانَ ذا مالٍ» لا يخلو من أن يكون العامل فيه تتلى من قوله «إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِ آياتُنا» أو قال من قوله «قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» أو شي‏ء ثالث فلا يجوز أن يعمل واحد منهما فيه أ لا ترى أن تتلى قد أضيفت إذا إليه و المضاف إليه لا يعمل فيما قبله لا تقول القتال زيدا حين يأتي و لا يجوز أن يعمل فيه قال أيضا لأن قال جواب إذا و حكم الجواب أن يكون بعد ما هو جواب له و لا يتقدم عليه فكما لا يعمل فيه الفعل الأول فكذلك لا يعمل فيه الثاني فإذا لم يعمل فيه واحد من هذين الفعلين و ليس في الكلام غيرهما علمت أنه محمول على شي‏ء آخر مما دل باقي الكلام عليه و الذي يدل عليه هذا الكلام من المعنى هو يجحد أو يكفر أو يستكبر عن قبول الحق و نحو ذلك و إنما جاز أن يعمل فيه المعنى و إن كان متقدما عليه لشبهه بالظرف و الظرف قد تعمل فيه المعاني و إن تقدم عليه و يدلك على مشابهته الظرف تقدير اللام معه و إن من النحويين من يقول أنه في موضع جر كما أنه لو كانت اللام معه ظاهرة كان كذلك و من قرأ بهمزة ممدودة فإنه يزيد همزة بعدها همزة مخففة.
اللغة
السطر الكتابة و هو وضع الحروف على خط مستقيم و استطر اكتتب و المسطر آلة التسطير و الممنون المقطوع يقال منه السير يمنه منا إذا قطعه و المنين الضعيف و الخلق المرور في الفعل على عادة فالخلق الكريم الصبر على الحق و تدبير الأمور على مقتضى العقل و في ذلك الأناة و الرفق و الحلم و المداراة و المفتون المبتلى بتخبيل الرأي كالمجنون يقال فتن فلان بفلانة و أصل الفتنة الابتلاء و الاختبار و المهين الضعيف الذليل و المهانة الذلة

497
مجمع البيان في تفسير القرآن10

اللغة ص 497

و القلة و الهماز الوقاع في الناس بما ليس له أن يعيبهم به و الأصل فيه الدفع بشدة اعتماد و منه الهمزة حرف من الحروف المعجمة فهي نبرة تخرج من الصدر بشدة اعتماد و النميم التضريب بين الناس بنقل الكلام الذي يغيظ بعضهم على بعض و النميم و النميمة بمعنى و منه النمام المشموم لأنه بحدة ريحه كالمخبر عن نفسه و العتل الجافي الغليظ و أصله الدفع عتله يعتله إذا زعزعه بغلظة و جفاء و الزنيم الدعي الملصق بالقوم و ليس منهم و أصله الزنمة و هي الهنية المتدلية تحت حلق الجدي و يقال للتيس له زنمتان قال الشاعر:
         زنيم ليس يعرف من أبوه             بغي الأم ذو حسب لئيم‏
و قال حسان:
         و أنت زنيم نيط في آل هاشم             كما نيط خلف الراكب القدح الفرد
و يقال وسمه يسمه وسما و سمة و الخرطوم ما نتا من الأنف و هو الذي يقع به الشم و منه قيل خرطوم الفيل و خرطمه إذا قطع أنفه.
الإعراب‏
 «بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ» فيه وجوه (أحدها) أن المفتون مصدر بمعنى الفتنة كما يقال ليس له معقول و ما له محصول قال الراعي:
         حتى إذا لم يتركوا لعظامه             لحما و لا لفؤاده معقولا
(و ثانيها) أن يكون المفتون اسم المفعول و الباء مزيدة و التقدير أيكم المفتون و يكون مبتدأ و خبرا و تكون الجملة معلقة بقوله «يُبْصِرُونَ» (و ثالثها) أن الباء بمعنى في و المعنى في أيكم المفتون أي في أي الفريقين في فرقة الإسلام أو في فرقة الكفر المجنون و هذا قول الفراء و قال الراجز في زيادة الباء:
         نحن بني جعدة أصحاب الفلج             نضرب بالسيف و نرجو بالفرج‏
أي و نرجو الفرج.

498
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 499

المعنى‏
«ن» اختلفوا في معناه فقيل هو اسم من أسماء السورة مثل حم و ص و ما أشبه ذلك و قد ذكرنا ذلك مع غيره من الأقوال في مفتتح سورة البقرة و قيل هو الحوت الذي عليه الأرضون عن ابن عباس و مجاهد و مقاتل و السدي و قيل هو حرف من حروف الرحمن في رواية أخرى عن ابن عباس و قيل هو الدواة عن الحسن و قتادة و الضحاك و
قيل نون لوح من نور و روي مرفوعا إلى النبي ص‏
و
قيل هو نهر في الجنة قال الله له كن مدادا فجمد و كان أبيض من اللبن و أحلى من الشهد ثم قال للقلم اكتب فكتب القلم ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة عن أبي جعفر الباقر (ع)
و قيل المراد به الحوت في البحر و هو من آيات الله إذ خلقها في الماء فإذا فارق الماء مات كما أن حيوان البر إذا خالط الماء مات «وَ الْقَلَمِ» الذي يكتب به أقسم الله به لمنافع الخلق فيه إذ هو أحد لساني الإنسان يؤدي عنه ما في جنانه و يبلغ البعيد عنه ما يبلغ القريب بلسانه و به تحفظ أحكام الدين و به تستقيم أمور العالمين و قد قيل إن البيان بيانان بيان اللسان و بيان البنان و بيان اللسان تدرسه الأعوام و بيان الأقلام باق على مر الأيام و قيل إن قوام أمور الدين و الدنيا بشيئين القلم و السيف و السيف تحت القلم و قد نظمه بعض الشعراء و أحسن فيما قال:
         إن يخدم القلم السيف الذي خضعت             له الرقاب و دانت حذره الأمم‏
         فالموت و الموت شي‏ء لا يغالبه             ما زال يتبع ما يجري به القلم‏
         كذا قضى الله للأقلام مذ بريت             إن السيوف لها مذ أرهفت خدم‏
 «وَ ما يَسْطُرُونَ» أي و ما يكتبه الملائكة مما يوحى إليهم و ما يكتبونه من أعمال بني آدم فكان القسم بالقلم و ما يسطر بالقلم و قيل إن ما مصدرية و تقديره و القلم و سطرهم فيكون القسم بالكتابة و على القول الأول يكون القسم بالمكتوب «ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ» هو جواب القسم و معناه لست يا محمد بمجنون بنعمة ربك كما تقول ما أنت بنعمة ربك بجاهل و جاز تقديم معمولها به الباء لأنها زائدة مؤكدة و تقديره انتفى عنك الجنون بنعمة ربك و قيل هو كما يقال ما أنت بمجنون بحمد الله و قيل معناه بما أنعم عليك ربك من كمال العقل و النبوة و الحكمة لست بمجنون أي لا يكون مجنونا من أنعمنا عليه بهذه النعم و قيل معناه ما أنت بمجنون و النعمة لربك كما يقال سبحانك اللهم و بحمدك أي و الحمد لك و هذا تقرير لنفي الجنون عنه و قالوا إن هذا جواب لقول المشركين يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّك‏

499
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 499

لَمَجْنُونٌ «وَ إِنَّ لَكَ» يا محمد «لَأَجْراً» أي ثوابا من الله على قيامك بالنبوة و تحملك أعباء الرسالة «غَيْرَ مَمْنُونٍ» أي غير مقطوع و هو ثواب الجنة يعني لا تبال بكلامهم مع ما لك عند الله من الثواب الدائم و الأجر العظيم و قيل غير ممنون أي لا يمن به عليك عن أبي مسلم و المعنى غير مكدر بالمن الذي يقطع عن لزوم الشكر فقد قيل المنة تكدر الصنيعة و قال ابن عباس ليس من نبي إلا و له مثل أجر من آمن به و دخل في دينه ثم وصف سبحانه نبيه ص فقال «وَ إِنَّكَ» يا محمد «لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ» أي على دين عظيم و هو دين الإسلام عن ابن عباس و مجاهد و الحسن و قيل معناه إنك متخلق بأخلاق الإسلام و على طبع كريم و حقيقة الخلق ما يأخذ به الإنسان نفسه من الآداب و إنما سمي خلقا لأنه يصير كالخلقة فيه فأما ما طبع عليه من الآداب فإنه الخيم فالخلق هو الطبع المكتسب و الخيم هو الطبع الغريزي و قيل الخلق العظيم الصبر على الحق و سعة البذل و تدبير الأمور على مقتضى العقل بالصلاح و الرفق و المداراة و تحمل المكاره في الدعاء إلى الله سبحانه و التجاوز و العفو و بذل الجهد في نصرة المؤمنين و ترك الحسد و الحرص و نحو ذلك عن الجبائي و قالت عائشة كان خلق النبي ص ما تضمنه العشر الأول من سورة المؤمنين و من مدحه الله سبحانه بأنه على خلق عظيم فليس وراء مدحه مدح و قيل سمي خلقه عظيما لأنه عاشر الخلق بخلقه و زايلهم بقلبه فكان ظاهره مع الخلق و باطنه مع الحق و قيل لأنه امتثل تأديب الله سبحانه إياه بقوله خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ و قيل سمي خلقه عظيما لاجتماع مكارم الأخلاق فيه و يعضده ما
روي عنه قال إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق‏
و
قال أدبني ربي فأحسن تأديبي‏
و
قال ص إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل و صائم النهار
و
عن أبي الدرداء قال قال النبي ص ما من شي‏ء أثقل في الميزان من خلق حسن‏
و
عن الرضا علي بن موسى (ع) عن آبائه عن النبي ص قال عليكم بحسن الخلق فإن حسن الخلق في الجنة لا محالة و إياكم و سوء الخلق فإن سوء الخلق في النار لا محالة
و
عن أبي هريرة عن النبي ص قال أحبكم إلى الله أحسنكم أخلاقا الموطؤن أكنافا الذين يألفون و يؤلفون و أبغضكم إلى الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الإخوان الملتمسون للبراء العثرات‏
 «فَسَتُبْصِرُ وَ يُبْصِرُونَ» أي فسترى يا محمد و يرون يعني الذين رموه بالجنون «بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ» أي أيكم المجنون الذي فتن بالجنون أ أنت أم هم و قيل بأيكم الفتنة و هو الجنون يريد أنهم يعلمون عند العذاب أن الجنون كان بهم حين كذبوك و تركوا دينك لا بك و قيل معناه فستعلم و يعلمون في أي الفريقين المجنون الذي فتنة

500
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 499

الشيطان ثم أخبر سبحانه أنه عالم بالفريقين فقال «إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ» الذي هو سبيل الحق و عدل عنه و جار عن السلوك فيه «وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» إليه العالمين بموجبه فيجازي كلا بما يستحقه و يستوجبه أخبرنا السيد أبو الحمد مهدي بن نزار الحسيني القائني رحمه الله قال حدثنا الحاكم أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله الحسكاني قال حدثنا أبو عبد الله الشيرازي قال حدثنا أبو بكر الجرجاني قال حدثنا أبو أحمد البصري قال حدثني عمرو بن محمد بن تركي قال حدثنا محمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن شعيب عن عمرو ابن شمر عن دلهم بن صالح عن الضحاك بن مزاحم قال: لما رأت قريش تقديم النبي ص عليا (ع) و إعظامه له نالوا من علي و قالوا قد افتتن به محمد فأنزل الله تعالى «ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ» قسم أقسم الله به «ما أَنْتَ» يا محمد «بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ» «وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ» يعني القرآن إلى قوله «بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ» و هم النفر الذين قالوا ما قالوا و هو أعلم بالمهتدين علي ابن أبي طالب ع ثم قال سبحانه للنبي ص «فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ» بتوحيد الله عز و جل الجاحدين لنبوتك و لا تجبهم إلى ما يلتمسون منك و لا توافقهم فيما يريدون «وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ» أي ود هؤلاء الكفار أن تلين لهم في دينك فيلينون في دينهم شبه التليين في الدين بتليين الدهن عن ابن عباس و قيل معناه ودوا لو تكفر فيكفرون عن الضحاك و عطاء و ابن عباس في رواية أخرى و قيل معناه ودوا لو تركن إلى عبادة الأصنام فيمالئونك و الإدهان الجريان في ظاهر الحال على المقاربة مع إضمار العداوة و هو مثل النفاق و قيل ودوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك عن الحسن ثم قال «وَ لا تُطِعْ» يا محمد «كُلَّ حَلَّافٍ» أي كثير الحلف بالباطل لقلة مبالاته بالكذب «مَهِينٍ» فعيل من المهانة و هي القلة في الرأي و التمييز و قيل ذليل عند الله تعالى و عند الناس و قيل كذاب لأن من عرف بالكذب كان ذليلا حقيرا عن ابن عباس و قيل يعني الوليد بن المغيرة قال عرض على النبي ص المال ليرجع عن دينه و قيل يعني الأخنس ابن شريق عن عطاء و قيل يعني الأسود بن عبد يغوث عن مجاهد «هَمَّازٍ» أي وقاع في الناس مغتاب عن ابن عباس «مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ» أي قتات يسعى بالنميمة و يفسد بين الناس و يضرب بعضهم على بعض «مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ» أي بخيل بالمال و قيل مناع عشيرته عن الإسلام بأن يقول من دخل دين محمد لا أنفعه بشي‏ء أبدا عن ابن عباس «مُعْتَدٍ» أي مجاوز عن الحق غشوم ظلوم عن قتادة «أَثِيمٍ» أي آثم فاجر فاعل ما يأثم به و قيل معتد في فعله أثيم في معتقده و قيل معتد في ظلم غيره أثيم في ظلم نفسه‏
 «عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ» أي هو عتل مع كونه مناعا للخير معتديا أثيما و هو الفاحش السيئ الخلق روي ذلك في خبر مرفوع‏
و قيل هو القوي في كفره عن عكرمة و قيل الجافي الشديد الخصومة بالباطل‏

501
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 499

عن الكلبي و قيل الأكول المنوع عن الخليل و قيل هو الذي يعتل الناس فيجرهم إلى حبس أو عذاب و منه قول الشاعر:
         فيا ضيعة الفتيان إذ يعتلونه             ببطن الشري مثلب الفنيق المسدم‏
 «زَنِيمٍ» أي دعي ملصق إلى قوم ليس منهم في النسب قال الشاعر:
         زنيم تداعاه الرجال تداعيا             كما زيد في عرض الأديم الأكارع‏
و قيل هو الذي له علامة في الشر و هو معروف بذلك فإذا ذكر بالشر سبق القلب إليه كما أن العنز يعرف بين الأغنام بالزنمة في عنقه عن الشعبي و قيل هو الهجين المعروف بالشر عن سعيد بن جبير و
قيل هو الذي لا أصل له عن علي (ع)
و قيل هو المعروف بلؤمه كما تعرف الشاة بزنمتها عن عكرمة و
روي أنه سأل النبي ص عن العتل الزنيم فقال هو الشديد الخلق الشحيح الأكول الشروب الواجد للطعام و الشراب الظلوم للناس الرحيب الجوف‏
و
عن شداد ابن أوس قال قال رسول الله ص لا يدخل الجنة جواظ و لا جعظري و لا عتل زنيم قلت فما الجواظ قال كل جماع مناع قلت فما الجعظري قال الفظ الغليظ قلت فما العتل الزنيم قال كل رحيب الجوف سي‏ء الخلق أكول شروب غشوم ظلوم زنيم‏
قال ابن قتيبة لا نعلم أن الله وصف أحدا و بلغ من ذكر عيوبه ما بلغ من ذكر عيوب الوليد بن المغيرة لأنه وصف بالحلف و المهانة و العيب للناس و المشي بالنمائم و البخل و الظلم و الإثم و الجفاء و الدعوة فالحق به عارا لا يفارقه في الدنيا و الآخرة «أَنْ كانَ ذا مالٍ وَ بَنِينَ» أي لا تطعه لأن كان ذا مال و بنين يعني لماله و بنيه عن الزجاج و الفراء و من قرأ بالاستفهام فلا بد أن يكون صلة ما بعده لأن الاستفهام لا يتقدم عليه ما كان في حيزه فيكون المعنى أ لأن كان ذا مال و بنين يجحد آياتنا أي جعل مجازاة النعم التي خولها من البنين و المال الكفر بآياتنا و هو قوله «إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» أي أحاديث الأوائل التي سطرت و كتبت لا أصل لها ثم أوعده سبحانه فقال «سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ» أي سنسمه يوم القيامة بسمة تشوه خلقته فيعرف من‏

502
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 499

رآه أنه من أهل النار و إنما خص الأنف لأن الإنسان يعرف بوجهه و الأنف وسط الوجه و هذا على عادة العرب فإنهم يقولون شمخ فلان بأنفه و أرغم الله أنفه و حمي فلان أنفه و قيل معناه سيجعل له في الآخرة العلم الذي يعرف به أهل النار من اسوداد وجوههم و جائز أن يفرد بسمة لمبالغته في عداوة النبي ص فيخص من التشويه بما يتبين به من غيره كما كانت عداوته للرسول عداوة يتبين بها من غيره عن الزجاج و قال الفراء الخرطوم قد خص بالسمة لأنه في مذهب الوجه فإن بعض الوجه يؤدي عن الكل و قيل إن المعنى سنخطمه بالسيف في القتال حتى يبقى أثره ففعل ذلك يوم بدر عن ابن عباس و قيل سنعلمه بشين يبقى على الأبد عن قتادة و قال القتيبي العرب تقول قد وسمه ميسم سوء يريدون ألصق به عارا لا يفارقه لأن السمة لا تنمحق و لا يعفو أثرها و قد ألحق الله بمن ذكر عارا لا يفارقه بما وسمه به من العيوب التي هي كالوسم في الوجه و قيل إن الخرطوم الخمر فالمعنى سنسمه على شرب الخمر قال الشاعر:
         أبا حاضر من يزن يعرف زناؤه             و من يشرب الخرطوم يصبح مسكرا.

503
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة القلم الآيات 17 الى 33 ص 504

[سورة القلم (68): الآيات 17 الى 33]
إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (17) وَ لا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَ هُمْ نائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (21)
أَنِ اغْدُوا عَلى‏ حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَ هُمْ يَتَخافَتُونَ (23) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَ غَدَوْا عَلى‏ حَرْدٍ قادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26)
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ (28) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (30) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (31)
عَسى‏ رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى‏ رَبِّنا راغِبُونَ (32) كَذلِكَ الْعَذابُ وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (33)

القراءة
قرأ أهل المدينة و أبو عمرو أن يبدلنا بالتشديد و الباقون بالتخفيف و قد مر ذكره في سورة الكهف.
اللغة
الصرم و الجداد في النخل بمنزلة الحصاد و القطاف في الزرع و الكرم يقال صرمت النخلة و جددتها و أصرم النخل و أجدت حان ذلك منها و الصريم الليل الأسود و أنشد أبو عمرو:
         ألا بكرت و عاذلتي تلوم             تجهلني و ما انكشف الصريم‏
و قال الآخر:
         تطاول ليلك الجون البهيم             فما ينجاب عن صبح صريم‏
         إذا ما قلت أقشع أو تناهى             جرت من كل ناحية غيوم‏
و يسمى النهار أيضا صريما فهو من الأضداد لأن الليل ينصرم عند مجي‏ء النهار و النهار ينصرم عند مجي‏ء الليل و الصريم أيضا المصروم أي صرم جميع ثمارها و قيل الصريم منقطع الرمل الذي لا نبات فيه قال امرؤ القيس:
         و ظل لصيران الصريم غماغم             تدعسها بالسمهري المغلب‏
و الطائف الطارق بالليل و إذا قيل طاف به صلح في الليل و النهار و أنشد الفراء:

504
مجمع البيان في تفسير القرآن10

اللغة ص 504

         أطفت بها نهارا غير ليل             و ألهى ربها طلب الرخال‏
و الرخال الإناث من أولاد الضأن واحدتها رخل و الحرد المنع من قولهم حاردت السنة إذا منعت قطرها و حاردت الناقة إذا منعت لبنها قال الكميت:
         و حاردت المكد الجلاد و لم يكن             بعقبة قدر المستعيرين معقب‏
و يروى النكد و هي النوق الغزيرات الألبان و قيل إن أصل الحرد القصد قال:
         أقبل سيل جاء من عند الله             يحرد حرد الجنة المغلة
أي يقصد و حرد يحرد حردا و قيل الحرد الغضب و الحنق قال الأشهب بن رميلة:
         أسود شرى لاقت أسود خفية             تساقوا على حرد دماء الأساود
المعنى‏
ثم قال سبحانه «إِنَّا بَلَوْناهُمْ» يعني أهل مكة أي اختبرناهم بالجوع و القحط «كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ» أي البستان الذي فيه الشجر قال سعيد بن جبير و هذه الجنة حديقة كانت باليمن في قرية يقال لها صروان بينها و بين صنعاء اثنا عشر ميلا كانت لشيخ و كان يمسك منها قدر كفايته و كفاية أهله و يتصدق بالباقي فلما مات قال بنوه نحن أحق بها لكثرة عيالنا و لا يسعنا أن نفعل كما فعل أبونا و عزموا على حرمان المساكين فصارت عاقبتهم إلى ما قص الله تعالى في كتابه و هو قوله «إِذْ أَقْسَمُوا» أي حلفوا فيما بينهم «لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ» أي ليقطعن ثمرتها إذا دخلوا في وقت الصباح «وَ لا يَسْتَثْنُونَ» أي غير مستثنين في أيمانهم فلم يقولوا إن شاء الله فإن قول القائل لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله استثناء و معناه إلا أن يشاء الله منعي أو تمكين مانعي «فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ» أي أحاطت بها النار فاحترقت عن ابن عباس و قيل معناه طرقها طارق من أمر الله عن قتادة «وَ هُمْ نائِمُونَ» أي في حال نومهم قال مقاتل بعث الله نارا بالليل على جنتهم فأحرقتها حتى صارت مسودة فذلك قوله «فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ» أي كالليل المظلم و الصريمان الليل و النهار

505
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 505

لانصرام إحداهما من الآخر عن ابن عباس و أبي عمرو بن العلاء و قيل الصريم المصروم ثماره أي المقطوع و المعنى أنها صارت كأن جميع ثمارها قطعت عن الجبائي و قيل الصريم الذي صرم عنه الخير فليس فيه شي‏ء منه عن الحسن و قيل كالصريم أي كالرملة انصرمت عن معظم الرمل عن مؤرج و قيل كالرماد الأسود بلغة خزيمة «فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ» أي نادى بعضهم بعضا وقت الصباح و أصل التنادي من الندى بالقصر لأن النداء الدعاء بندى الصوت الذي يمتد على طريقة يا فلان لأن الصوت إنما يمتد للإنسان بندى حلقه «أَنِ اغْدُوا عَلى‏ حَرْثِكُمْ» أي تنادوا بأن غدوا معناه قال بعضهم لبعض اغدوا على حرثكم و الحرث الزروع و الأعناب «إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ» أي قاطعين النخل «فَانْطَلَقُوا» أي فمضوا إليها «وَ هُمْ يَتَخافَتُونَ» أي يتسارون بينهم و أصله من خفت فلان يخفت إذا أخفى نفسه «أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ» هذا ما كانوا يتخافتون به «وَ غَدَوْا عَلى‏ حَرْدٍ» أي على قصد منع الفقراء «قادِرِينَ» عند أنفسهم و في اعتقادهم على منعهم و إحراز ما في جنتهم و قيل على حرد أي على جد و جهد من أمرهم عن مجاهد و قتادة و أبي العالية و قيل على جد في المنع عن أبي عبيدة و قيل على حنق و غضب من الفقراء عن سفيان و قيل قادرين مقدرين موافاتهم في الجنة في الوقت الذي قدروا إصرامها فيه و هو وقت الصبح و التقدير قصدوا الجنة للوقت الذي قدروا إصرامها فيه عن أبي مسلم «فَلَمَّا رَأَوْها» أي رأوا الجنة على تلك الصفة «قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ» ضللنا عن الطريق فليس هذا بستاننا عن قتادة و قيل معناه إنا لضالون عن الحق في أمرنا فلذلك عوقبنا بذهاب ثمر جنتنا ثم استدركوا فقالوا «بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ» و المعنى أن هذه جنتنا و لكن حرمنا نفعها و خيرها لمنعنا حقوق المساكين و تركنا الاستثناء «قالَ أَوْسَطُهُمْ» أي أعدلهم قولا عن ابن عباس و الحسن و مجاهد و قيل معناه أفضلهم و أعقلهم و قيل أوسطهم في السن «أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ» كأنه كان حذرهم سوء فعالهم قال لو لا تستثنون عن مجاهد لأن في الاستثناء التوكل على الله و التعظيم لله و الإقرار بأنه لا يقدر أحد على فعل شي‏ء إلا بمشيئة الله فلذلك سماه تسبيحا و قيل معناه هلا تعظمون الله بعبادته و اتباع أمره و قيل معناه هلا تذكرون نعم الله عليكم فتؤدوا شكرها بأن تخرجوا حق الفقراء من أموالكم و قيل معناه هلا نزهتم الله تعالى عن الظلم و اعترفتم بأنه لا يظلم و لا يرضى منكم بالظلم و قيل معناه لم لا تصلون ثم حكى عنهم أنهم «قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ» في عزمنا على حرمان المساكين من حصتهم عند الصرام فحرمنا قطعها و بالانتفاع بها و المعنى أنه سبحانه منزه عن الظلم فلم يفعل بنا ما فعله ظلما و إنما الظلم وقع منا حيث منعنا الحق «فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ» أي يلوم بعضهم بعضا على ما فرط منهم «قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا

506
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 505

كُنَّا طاغِينَ» قد غلونا في الظلم و تجاوزنا الحد فيه و الويل غلظ المكروه الشاق على النفس و الويس دونه و الويح بينهما قال عمرو بن عبيد يجوز أن يكون ذلك منهم توبة و يجوز أن يكون على حد ما يقول الكافر إذا وقع في الشدة «عَسى‏ رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها» أي لما تابوا و رجعوا إلى الله قالوا لعل الله يخلف علينا و يولينا خيرا من الجنة التي هلكت «إِنَّا إِلى‏ رَبِّنا راغِبُونَ» أي نرغب إلى الله و نسأله ذلك و نتوب إليه مما فعلناه و قرئ يبدلنا بالتشديد و التخفيف و معناهما واحد «كَذلِكَ الْعَذابُ» في الدنيا للعاصين «وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» و الأكبر هو الذي يصغر مقدار غيره بالإضافة إليه و روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال بلغني أن القوم أخلصوا و عرف الله تعالى منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها الحيوان فيها عنب يحمل البغل منها عنقودا و قال أبو خالد اليمامي رأيت تلك الجنة و رأيت كل عنقود منها كالرجل الأسود القائم.
[سورة القلم (68): الآيات 34 الى 45]
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34) أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (38)
أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (39) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (40) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (41) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (42) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَ قَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَ هُمْ سالِمُونَ (43)
فَذَرْنِي وَ مَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (44) وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45)

507
مجمع البيان في تفسير القرآن10

اللغة ص 508

اللغة
الزعيم و الكفيل و الضمين و القبيل نظائر و الساق للإنسان و ساق الشجرة ما تقوم عليه و كل نبت له ساق و يبقى صيفا و شتاء فهو شجرة قال طرفة:
         للفتى عقل يعيش به             حيث تهدي ساقه قدمه‏
و تقول العرب قامت الحرب على ساق و كشفت عن ساق يريدون شدتها و قال جد أبي طرفة:
         كشفت لكم عن ساقها             و بدا من الشر الصراح‏
و قال آخر:
         قد شمرت عن ساقها فشدوا             و جدت الحرب بكم فجدوا
         و القوس فيها وتر عرد
الإعراب‏
كيف في محل نصب على الحال تقديره أ جائرين تحكمون أم عادلين و يجوز أن يكون في محل المصدر و تقديره أي حكم تحكمون و تحكمون في موضع النصب على الحال من معنى الفعل في قوله «لَكُمْ» لأن معنى قوله «ما لَكُمْ» أي شي‏ء ثبت لكم و أم في جميع ذلك منقطعة «إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ» كسرت أن المكان اللام في لما و لولاها لوجب فتحها لأنه مفعول تدرسون و هو كقوله وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ و قوله «إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ» مثله و إن شئت قلت إنما كسرت إن لأن ما قبله يمين و هي تكسر في جواب القسم و قوله «يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ» العامل في الظرف قوله «فَلْيَأْتُوا» و «خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ» حال و «مَنْ يُكَذِّبُ» يجوز أن يكون مفعولا معه و يجوز أن يكون عطفا على ضمير المتكلم من ذرني.
المعنى‏
لما ذكر سبحانه ما أعده بالآخرة للكافرين عقبه بذكر ما أعده للمتقين فقال «إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ» يتنعمون فيها و يختارونها على جنات الدنيا التي يحتاج صاحبها إلى المشقة و العناء ثم استفهم سبحانه على وجه الإنكار فقال «أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ» أي لا نجعل المسلمين كالمشركين في الجزاء و الثواب و ذلك أنهم كانوا يقولون إن كان بعث و جزاء كما يقوله محمد فإن حالنا يكون أفضل في الآخرة كما في‏

508
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 508

الدنيا فأخبر سبحانه أن ذلك لا يكون أبدا «ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» هذا تهجين لهم و توبيخ و معناه أي عقل يحملكم على تفضيل الكفار حتى صار سببا لإصراركم على الكفر و لا يحسن في الحكمة التسوية بين الأولياء و الأعداء في دار الجزاء «أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ» معناه بل أ لكم كتاب تدرسون فيه ذلك فأنتم متمسكون به لا تلتفتون إلى خلافه فإذا قد عدمتم الثقة بما أنتم عليه و في الكتاب الذي هو القرآن عليكم أكبر الحجة لأنه الدلالة القائمة إلى وقت قيام الساعة و المعجزة الشاهدة بصدق من ظهرت على يده «إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ» فيه وجهان (أحدهما) أن تقديره أم لكم كتاب فيه تدرسون بأن لكم فيه ما تخيرون إلا أنه حذف الباء و كسرت إن لدخول اللام في الخبر (و الثاني) إن معناه أن لكم لما تخيرونه عند أنفسكم و الأمر بخلاف ذلك و لا يجوز أن يكون ذلك على سبيل الخير المطلق «أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ» أي بل لكم عهود و مواثيق علينا عاهدناكم بها فلا ينقطع ذلك إلى يوم القيامة «إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ» لأنفسكم به من الخير و الكرامة عند الله تعالى و قيل بالغة معناها مؤكدة و كل شي‏ء متناه في الجودة و الصحة فهو بالغ ثم قال سبحانه لنبيه ص «سَلْهُمْ» يا محمد «أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ» يعني أيهم كفيل بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين «أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ» معناه أم لهم شركاء في العبادة مع الله و هي الأصنام فليأتوا بهؤلاء الشركاء أن كانوا صادقين في أنها شركاء الله و قيل معناه أم لهم شهداء يشهدون لهم بالصدق فتقوم به الحجة فليأتوا بهم يوم القيامة يشهدون لهم على صحة دعواهم إن كانوا صادقين في دعواهم «يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ» أي فليأتوا بهم في ذلك اليوم الذي تظهر فيه الأهوال و الشدائد و قيل معناه يوم يبدو عن الأمر الشديد الفظيع عن ابن عباس و الحسن و مجاهد و قتادة و سعيد بن جبير قال عكرمة سأل ابن عباس عن قوله «يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ» فقال إذا خفي عليكم شي‏ء في القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب أ ما سمعتم قول الشاعر
          (و قامت الحرب بنا على ساق)
هو يوم كرب و شدة و قال القتيبي أصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجد فيه يشمر عن ساقه فاستعير الكشف عن الساق في موضع الشدة و أنشد لدريد بن الصمة:
         كميش الإزار خارج نصف ساقه             بعيد من الآفات طلاع أنجد
فتأويل الآية يوم يشتد الأمر كما يشتد ما يحتاج فيه إلى أن يكشف عن ساق «وَ يُدْعَوْن‏

509
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 508

إِلَى السُّجُودِ» أي يقال لهم على وجه التوبيخ اسجدوا «فَلا يَسْتَطِيعُونَ» و قيل معناه أن شدة الأمر و صعوبة ذلك اليوم تدعوهم إلى السجود و إن كانوا لا ينتفعون به ليس إنهم يؤمرون به و هكذا كما يفزع الإنسان إلى السجود إذا أصابه هول من أهوال الدنيا «خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ» أي ذليلة أبصارهم لا يرفعون نظرهم عن الأرض ذلة و مهانة «تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ» أي تغشاهم ذلة الندامة و الحسرة «وَ قَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَ هُمْ سالِمُونَ» أي أصحاء يمكنهم السجود فلا يسجدون يعني أنهم كانوا يؤمرون بالصلاة في الدنيا فلم يفعلوا قال سعيد بن جبير كانوا يسمعون حي على الفلاح فلا يجيبون و قال كعب الأحبار و الله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات و قد ورد عن الربيع بن خثيم أنه عرض له الفالج فكان يهادي بين رجلين إلى المسجد فقيل له يا أبا يزيد لو جلست فإن لك رخصة قال من سمع حي على الفلاح فليجب و لو حبوا و
روي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع) أنهما قالا في هذه الآية أفحم القوم و دخلتهم الهيبة و شخصت الأبصار و بلغت القلوب الحناجر لما رهقهم من الندامة و الخزي و المذلة و قد كانوا يدعون إلى السجود و هم سالمون أي يستطيعون الأخذ بما أمروا به و الترك لما نهوا عنه و لذلك ابتلوا
و قال مجاهد و قتادة يؤذن المؤذن يوم القيامة فيسجد المؤمن و تصلب ظهور المنافقين فيصير سجود المسلمين حسرة على المنافقين و ندامة و
في الخبر أنه تصير ظهور المنافقين كالسفافيد
ثم قال سبحانه «فَذَرْنِي وَ مَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ» هذا تهديد معناه فذرني و المكذبين أي كل أمرهم إلي كما يقول القائل دعني و إياه يقول خل بيني و بين من يكذب بهذا القرآن و لا تشغل قلبك به فإني أكفيك أمره «سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ» أي سنأخذهم إلى العقاب حالا بعد حال و قد مر تفسيره في سورة الأعراف و
روي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال إذا أحدث العبد ذنبا جدد له نعمة فيدع الاستغفار فهو الاستدراج‏
 «وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ» أي و أطيل آجالهم و لا أبادر إلى عذابهم مبادرة من يخشى الفوت فإنما يعجل من يخاف الفوت أن عذابي لشديد.

510
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة القلم الآيات 46 الى 52 ص 511

[سورة القلم (68): الآيات 46 الى 52]
أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (46) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى‏ وَ هُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَ هُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50)
وَ إِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَ يَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) وَ ما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (52)

القراءة
قرأ أهل المدينة ليزلقونك بفتح الياء و الباقون «لَيُزْلِقُونَكَ» بضم الياء.
الحجة
من قرأ بفتح الياء جعله من زلقه و زلقته أنا مثل حزن و حزنته و شترت عينه و شترتها قال أبو علي و الخليل يذهب في ذلك إلى أن المعنى جعلت فيه شترا و جعلت فيه حزنا كما أنك إذا قلت كحلته و دهنته أردت جعلت ذلك فيه و من قرأ أزلقه الفعل بالهمزة و معنى «لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ» ينظرون إليك نظر البغضاء كما ينظر الأعداء و مثله قول الشاعر:
         يتقارضون إذا التقوا في مجلس             نظرا يزيل مواقع الأقدام.
اللغة
المغرم ما يلزم من الدين الذي يلح في اقتضائه و أصله من اللزوم بالإلحاح و منه قوله إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً أي لازما ملحا قال الشاعر:
         و يوم الجفار و يوم النسار             كانا عذابا و كانا غراما
و المثقل المحمل الثقل و هو مثقل بالدين و مثقل بالعيال و مثقل بما عليه من الحقوق اللازمة و أمور الواجبة و المكظوم المحبوس عن التصرف في الأمور و منه كظمت رأس القربة إذا شددته و كظم غيظه إذا حبسه بقطعه عما يدعو إليه و كظم خصمه إذا أجابه بالمسكت و العراء الأرض العارية من النبات قال قيس بن جعدة:
         و رفعت رجلا لا أخاف عثارها             و نبذت بالبلد العراء ثيابي‏
المعنى‏
ثم خاطب سبحانه النبي ص فقال على وجه التوبيخ للكفار «أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً» هذا عطف على قوله أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ذكر سبحانه جميع ما يحتج به فقال أم‏

511
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 511

تسأل يا محمد هؤلاء الكفار أجزاء على أداء الرسالة و الدعاء إلى الله «فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ» أي هم من لزوم ذلك «مُثْقَلُونَ» أي محملون الأثقال «أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ» أي هل عندهم علم بصحة ما يدعونه اختصموا به لا يعلمه غيرهم فهم يكتبونه و يتوارثونه و ينبغي أن يبرزوه ثم قال للنبي ص «فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ» في إبلاغ الرسالة و ترك مقابلتهم بالقبيح و قيل اللام تجري مجرى إلى و المعنى اصبر إلى أن يحكم الله بنصر أوليائك و قهر أعدائك و قيل معناه فاصبر لحكم الله في التخلية بين الظالم و المظلوم حتى يبلغ الكتاب أجله «وَ لا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ» يعني يونس أي لا تكن مثله في استعجال عقاب قومه و إهلاكهم و لا تخرج من بين قومك من قبل أن يأذن لك الله كما خرج هو «إِذْ نادى‏ وَ هُوَ مَكْظُومٌ» أي دعا ربه في جوف الحوت و هو محبوس عن التصرف في الأمور و الذي نادى به قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ و قيل مكظوم أي مخنق بالغم إذ لم يجد لغيظه شفاء «لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ» أي لو لا أن أدركته رحمة من ربه بإجابة دعائه و تخليصه من بطن الحوت و تبقيته فيه حيا و إخراجه منه حيا «لَنُبِذَ» أي طرح «بِالْعَراءِ» أي الفضاء «وَ هُوَ مَذْمُومٌ» ملوم مليم قد أتى بما يلام عليه و لكن الله تعالى تداركه بنعمة من عنده فطرح بالعراء و هو غير مذموم «فَاجْتَباهُ رَبُّهُ» أي اختاره الله نبيا «فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ» أي من جملة المطيعين لله التاركين لمعاصيه «وَ إِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا» إن هذه هي المخففة من الثقيلة و التقدير و أنه يكاد أي قارب الذين كفروا «لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ» أي ليزهقونك أي يقتلونك و يهلكونك عن ابن عباس و كان يقرأها كذلك و قيل ليصرعونك عن الكلبي و قيل يصيبونك بأعينهم عن السدي و الكل يرجع في المعنى إلى الإصابة بالعين و المفسرون كلهم على أنه المراد في الآية و أنكر الجبائي ذلك و قال إن إصابة العين لا تصح و قال علي بن عيسى الرماني و هذا الذي ذكره غير صحيح لأنه غير ممتنع أن يكون الله تعالى أجرى العادة لصحة ذلك لضرب من المصلحة و عليه إجماع المفسرين و جوزه العقلاء فلا مانع منه و
جاء في الخبر أن أسماء بنت عميس قالت يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين أ فأسترقي لهم قال نعم فلو كان شي‏ء يسبق القدر لسبقه العين‏
و قيل إن الرجل منهم كان إذا أراد أن يصيب صاحبه بالعين تجوع ثلاثة أيام ثم كان يصفه فيصرعه بذلك و ذلك بأن يقول للذي يريد أن يصيبه بالعين لا أرى كاليوم إبلا أو شاء أو ما أراد أي كإبل أراها اليوم فقالوا

512
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 511

للنبي ص كما كانوا يقولون لما يريدون أن يصيبوه بالعين عن الفراء و الزجاج و قيل معناه أنهم ينظرون إليك عند تلاوة القرآن و الدعاء إلى التوحيد نظر عداوة و بغض و إنكار لما يسمعونه و تعجب منه فيكادون يصرعونك بحدة نظرهم و يزيلونك عن موضعك و هذا مستعمل في الكلام يقولون نظر إلي فلان نظرا يكاد يصرعني و نظرا يكاد يأكلني فيه و تأويله كله أنه نظر إلي نظرا لو أمسكنه معه أكلي أو يصرعني لفعل عن الزجاج و قوله «لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ» يعني القرآن «وَ يَقُولُونَ» مع ذلك «إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ» أي مغلوب على عقله مع علمهم بوقاره و وفور عقله تكذيبا عليه و معاندة له «وَ ما هُوَ» أي و ما القرآن «إِلَّا ذِكْرٌ» أي شرف «لِلْعالَمِينَ» إلى أن تقوم الساعة و قيل معناه و ما محمد ص إلا شرف للخلق حيث هداهم إلى الرشد و أنقذهم من الضلالة لما نسبوه إلى الجنون و صفة بما ينفي ذلك عنه و قيل المراد بالذكر أنه يذكرهم أمر آخرتهم و الثواب و العقاب و الوعد و الوعيد قال الحسن دواء إصابة العين أن يقرأ الإنسان هذه الآية.

513
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة الحاقة مكية و آياتها ثنتان و خمسون ص 514

(69) سورة الحاقة مكية و آياتها ثنتان و خمسون (52)
عدد آيها
إحدى و خمسون آية بصري و شامي و آيتان في الباقين.
اختلافها
آيتان «الْحَاقَّةُ» الأولى كوفي «كِتابَهُ بِشِمالِهِ» حجازي.
فضلها
أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأ سورة الحاقة حاسبه الله حسابا يسيرا
و
روى جابر الجعفي عن أبي جعفر (ع) قال أكثروا من قراءة الحاقة فإن قراءتها في الفرائض و النوافل من الإيمان بالله و رسوله و لم يسلب قارئها دينه حتى يلقى الله.
تفسيرها
لما ذكر في آخر سورة القلم حديث القيامة و وعيد الكفار افتتح هذه السورة بذكر القيامة أيضا و أحوال أهل النار فقال:

514
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة الحاقة الآيات 1 الى 10 ص 515

[سورة الحاقة (69): الآيات 1 الى 10]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏
الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَ ما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (3) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَ عادٌ بِالْقارِعَةِ (4)
فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَ أَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (6) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَ ثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى‏ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرى‏ لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (8) وَ جاءَ فِرْعَوْنُ وَ مَنْ قَبْلَهُ وَ الْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (9)
فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (10)

القراءة
قرأ أهل البصرة و الكسائي و من قبله بكسر القاف و فتح الباء و الباقون «وَ مَنْ قَبْلَهُ» بفتح القاف و سكون الباء.
الحجة
قال سيبويه قبل لما ولي الشي‏ء تقول ذهبت قبل السوق و لي قبلك حق أي فيما يليك و اتسع فيه حتى صار بمنزلة لي عليك حق و حجة من قرأ أنهم زعموا أن في قراءة أبي و جاء فرعون و من معه و هذا يقوي و من قبله لأن قبل لما ولي الشي‏ء مما لم يتخلف عنه و هو يتبعه و يحف به و حجة من قال «وَ مَنْ قَبْلَهُ» أن معناه و من قبله من الأمم التي كفرت كما كفر هو.
اللغة
قال ابن الأنباري الحاقة الواجبة حق أي وجب يحق حقا و حقوقا فهو حاق و قال الفراء تقول العرب لما عرفت الحق مني هربت و الحقة و الحاقة بمعنى و قيل سميت القيامة الحاقة لأنها تحق الكفار من قولهم حاقته فحققته مثل خاصمته فخصمته و سميت القارعة لأنها تقرع قلوب العباد بالمخافة إلى أن يصير المؤمنون إلى الأمن و دريت الشي‏ء دراية و درية علمته و أدريته أعلمته و الطاغية الطغيان مصدر مثل العافية و الصرصر الريح الشديدة الصوت و الحسوم المتوالية مأخوذ من حسم الداء بمتابعة الكي عليه فكأنه تتابع الشر عليهم حتى استأصلهم و قيل هو من القطع فكأنها حسمتهم حسوما أي أذهبتهم و أفنتهم و قطعت دابرهم و الخاوية الخالية التي لا شي‏ء في أجوافها.
الإعراب‏
العامل في «الْحَاقَّةُ» أحد شيئين إما الابتداء و الخبر «مَا الْحَاقَّةُ» كما تقول زيد ما زيد و إما أن يكون خبر مبتدإ محذوف أي هذه الحاقة ثم قيل أي شي‏ء الحاقة تفخيما لشأنها و حسوما نصب على المصدر الموضوع موضع الصفة لثمانية أي تحسمهم حسوما و يجوز أن يكون جمع حاسم فيكون مثل راقد و رقود و ساجد و سجود و على هذا فيكون منصوبا على أنه صفة لثمانية أيضا و صرعى نصب على الحال و قوله «كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ» جملة في موضع الحال من صرعى أي صرعوا أمثال نخل خاوية و من مزيدة في قوله «مِنْ باقِيَةٍ».
المعنى‏
 «الْحَاقَّةُ» اسم من أسماء القيامة في قول جميع المفسرين و سميت بذلك لأنها ذات الحواق من الأمور و هي الصادقة الواجبة الصدق لأن جميع أحكام القيامة واجبة

515
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 515

الوقوع صادقة الوجود «مَا الْحَاقَّةُ» استفهام معناه التفخيم لحالها و التعظيم و لشأنها ثم زاد سبحانه في التهويل فقال «وَ ما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ» أي كأنك لست تعلمها إذ لم تعاينها و لم تر ما فيها من الأهوال قال الثوري يقال للمعلوم ما أدراك و لما ليس بمعلوم ما يدريك في جميع القرآن و إنما قال لمن يعلمها ما أدراك لأنه إنما يعلمها بالصفة ثم أخبر سبحانه عن المكذبين بها فقال «كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَ عادٌ بِالْقارِعَةِ» أي بيوم القيامة و إنما حسن أن توضع القارعة موضع الكناية لتذكر بهذه الصفة الهائلة بعد ذكرها بأنها الحاقة إلا فقد كان يكفي أن يقول كذبت ثمود و عاد بها ثم أخبر سبحانه عن كيفية إهلاكهم فقال «فَأَمَّا ثَمُودُ» و هم قوم صالح «فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ» أي أهلكوا بطغيانهم و كفرهم عن ابن عباس و مجاهد و قيل معناه أهلكوا بالصيحة الطاغية و هي التي جاوزت المقدار حتى أهلكتهم عن قتادة و الجبائي و أبي مسلم و قال الزجاج أهلكوا بالرجفة الطاغية و قيل بالخصلة المتجاوزة لحال غيرها في الشدة التي أهلك الله بها أهل الفساد «وَ أَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ» أي باردة عن ابن عباس و قتادة كأنه تصطك الأسنان بما يسمع من صوتها لشدة بردها و قيل الصرصر الشديدة العصوف المتجاوزة لحدها المعروف «عاتِيَةٍ» عتت على خزانها في شدة الهبوب روى الزهري عن قبيصة بن ذؤيب أنه قال ما يخرج من الريح شي‏ء إلا عليها خزان يعلمون قدرها و عددها و كيلها حتى كانت التي أرسلت على عاد فاندفق منها فهم لا يعلمون قدر غضب الله فلذلك سميت عاتية «سَخَّرَها عَلَيْهِمْ» أي سلطها الله و أرسلها عليهم «سَبْعَ لَيالٍ وَ ثَمانِيَةَ أَيَّامٍ» قال وهب و هي التي تسميها العرب أيام العجوز ذات برد و رياح شديدة و إنما نسبت هذه الأيام إلى العجوز لأن عجوزا دخلت سربا فتبعتها الريح فقتلتها اليوم الثامن من نزول العذاب فانقطع العذاب في اليوم الثامن و قيل سميت أيام العجوز لأنها في عجز الشتاء و لها أسامي مشهورة قالوا لليوم" الأول" صن" و للثاني" صنبر" و الثالث" وبر" و للرابع" مطفئ الجمر" و للخامس" مكفي الظعن و قيل" للسادس" الآمر" و للسابع" المؤتمر" و الثامن" المعلل" و قال في ذلك شاعرهم:
         كسع الشتاء بسبعة غبر             أيام شهلتنا مع الشهر
         فبأمر و أخيه مؤتمر             و معلل و بمطفئ الجمر

516
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 515

         فإذا انقضت أيام شهلتنا             بالصن و الصنبر و الوبر
         ذهب الشتاء موليا هربا             و أتتك وافدة من النجر
 «حُسُوماً» أي ولاء متتابعة ليست لها فترة عن ابن عباس و ابن مسعود و الحسن و مجاهد و قتادة كأنه تتابع عليهم الشر حتى استأصلهم و قيل دائمة عن الكلبي و مقاتل و قيل قاطعة قطعتهم قطعا حتى أهلكتهم عن الخليل و قيل مشائيم نكداء قليلة الخير حسمت الخير عن أهلها عن عطية «فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها» أي في تلك الأيام و الليالي «صَرْعى‏» أي مصروعين «كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ» أي أصول نخل بالية نخرة عن قتادة و قيل خاوية فارغة خالية الأجواف عن السدي و قيل ساقطة مثل قوله أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ «فَهَلْ تَرى‏ لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ» أي من نفس باقية و قيل من بقاء و الباقية بمعنى المصدر مثل العافية و الطاغية و المعنى هل ترى لهم من بقية أي لم يبق منهم أحد «وَ جاءَ فِرْعَوْنُ وَ مَنْ قَبْلَهُ» مر معناه «وَ الْمُؤْتَفِكاتُ» أي و جاء أهل القرى المؤتفكات أي المنقلبات بأهلها عن قتادة و هي قرى قوم لوط يريد الأمم و الجماعات الذين ائتفكوا «بِالْخاطِئَةِ» أي بخطيئتهم التي هي الشرك و الكفر فالخاطئة مصدر كالخطأ و الخطيئة و قيل معناه بالأفعال الخاطئة أي بالنفس الخاطئة «فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ» فيما أمرهم به و قيل إن المراد بالرسول الرسالة كما في قول الشاعر:
         لقد كذب الواشون ما بحت عندهم             بسر و لا أرسلتهم برسول‏
أي برسالة عن أبي مسلم و الأول أظهر «فَأَخَذَهُمْ» الله العقوبة «أَخْذَةً رابِيَةً» أي زائدة في الشدة عن ابن عباس و قيل نامية زائدة على عذاب الأمم و قيل عالية مذكورة خارجة عن العادة.

517
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة الحاقة الآيات 11 الى 24 ص 518

[سورة الحاقة (69): الآيات 11 الى 24]
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (12) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (13) وَ حُمِلَتِ الْأَرْضُ وَ الْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (15)
وَ انْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (16) وَ الْمَلَكُ عَلى‏ أَرْجائِها وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (17) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى‏ مِنْكُمْ خافِيَةٌ (18) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (20)
فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (22) قُطُوفُها دانِيَةٌ (23) كُلُوا وَ اشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (24)

القراءة
قرأ ابن كثير في رواية القواس و تعيها بسكون العين مختلسا و هو بين الكسر و السكون و الباقون بكسر العين و قرأ حمزة و الكسائي لا يخفى بالياء و الباقون بالتاء.
الحجة
الوجه في سكون العين من تعيها إنه جعل حرف المضارعة مع ما بعده بمنزلة فخذ فأسكن لأن حرف المضارعة لا تنفصل من الفعل فصار كقولك فهو و فهي و الياء و التاء في قوله لا يخفى حسن.
اللغة
الجارية السفينة التي من شأنها أن تجري على الماء و الجارية المرأة الشابة لأنه يجري فيها ماء الشباب يقال وعيت العلم أعيه وعيا و أوعيت المتاع جعلته في الوعاء قال:
         إذا لم تكن حافظا واعيا             فجمعك للكتب لا ينفع‏
و الدك البسط و منه الدكان و اندك سنام البعير إذا انفرش على ظهره و الأرجاء النواحي واحدها رجا مقصور و التثنية رجوان و هاؤم أمر للجماعة بمنزلة هاكم تقول للواحد هاء يا رجل و للاثنين هاؤما يا رجلان و للجماعة هاؤم يا رجال و للمرأة هاء يا امرأة بكسر الهمزة و ليس بعدها ياء و للمرأتين هاؤما و للنساء هاؤن هذه لغة أهل الحجاز و تميم و قيس يقولون هاء يا رجل مثل قول أهل الحجاز و للاثنين هاء و للجماعة هاؤا و للمرأة هائي و للنساء هان و بعض‏

518
مجمع البيان في تفسير القرآن10

اللغة ص 518

العرب يجعل مكان الهمزة كافأ فيقول هاك هاكما هاكم هاك هاكما هاكن و معناه خذ و تناول و يؤمر بها و لا ينهى و وقف الكسائي على هاؤم و ابتدأ «اقْرَؤُا كِتابِيَهْ» إعلاما منه أنه لا يذهب إلى إعمال الفعل الأول و إنما العمل للثاني و الراضية المرضية فاعلة بمعنى مفعول لأنها في معنى ذات رضى كما قيل لابن و تأمر أي ذو لبن و ذو تمر قال النابغة:
         كليني لهم يا أميمة ناصب             و ليل أقاسيه بطي‏ء الكواكب‏
يعني ذو نصب فكان العيشة أعطيت حتى رضيت لأنها بمنزلة الطالبة كما أن الشهوة بمنزلة الطالبة للمشتهي و قيل هو مثل ليل نائم و سر كاتم و ماء دافق على وجه المبالغة في الصفة من غير التباس في المعنى و القطوف جمع قطف و هو ما يقطف من الثمر و القطف بالفتح المصدر.
الإعراب‏
كتابي مفعول اقرأوا لأنه يليه «قُطُوفُها دانِيَةٌ» جملة مجرورة الموضع لأنها صفة جنة.
المعنى‏
ثم بين سبحانه قصة نوح (ع) فقال «إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ» أي جاوز الحد المعروف حتى غرقت الأرض بمن عليها إلا من شاء الله نجاته «حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ» أي حملنا آباءكم في السفينة عن ابن عباس و ابن زيد «لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً» أي لنجعل تلك الفعلة التي فعلناها من إغراق قوم نوح و نجاة من حملناه عبرة لكم و موعظة تتذكرون بها نعم الله تعالى و تشكرونه عليها و تتفكرون فيها فتعرفون كمال قدرته و حكمته «وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ» أي و تحفظها أذن حافظة لما جاء من عند الله عن ابن عباس و قيل سامعة قائلة لما سمعت عن قتادة و قال الفراء لتحفظها كل أذن فتكون عظة لمن يأتي بعد و
روى الطبري بإسناده عن مكحول أنه لما نزلت هذه الآية قال النبي ص اللهم اجعلها أذن علي ثم قال علي (ع) فما سمعت شيئا من رسول الله ص فنسيته‏
و
روى بإسناده عن عكرمة عن بريدة الأسلمي أن رسول الله ص قال لعلي (ع) يا علي إن الله تعالى أمرني أن أدنيك و لا أقصيك و أن أعلمك و تعي و حق على الله أن تعي فنزل «وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ»

أخبرني فيما كتب بخطه إلي المفيد أبو الوفاء عبد الجبار عبد الله بن علي الرازي قال حدثني الشيخ السعيد أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي و الرئيس أبو الجوائز الحسن بن علي بن محمد الكاتب و الشيخ أبو عبد الله حسن بن أحمد بن حبيب الفارسي قالوا حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد المفيد

519
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 519

الجرجاني قال سمعت أبا عمرو عثمان بن خطاب المعمر المعروف بأبي الدنيا الأشج قال سمعت علي بن أبي طالب (ع) يقول لما نزلت «وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ» قال النبي ص سألت الله عز و جل أن يجعلها أذنك يا علي‏
 «فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ» و هي النفخة الأولى عن عطا و النفخة الأخيرة عن مقاتل و الكلبي «وَ حُمِلَتِ الْأَرْضُ وَ الْجِبالُ» أي رفعت من أماكنها «فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً» أي كسرتا كسرة واحدة لا تثنى حتى يستوي ما عليها من شي‏ء مثل الأديم الممدود و قيل ضرب بعضها ببعض حتى تفتت الجبال و سفتها الرياح و بقيت الأرض شيئا واحدا لا جبل فيها و لا رابية بل تكون قطعة مستوية و إنما قال دكتا لأنه جعل الأرض جملة واحدة و الجبال دكة واحدة «فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ» أي قامت القيامة «وَ انْشَقَّتِ السَّماءُ» أي انفرج بعضها من بعض «فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ» أي شديدة الضعف بانتقاض بنيتها و قيل هو أن السماء تنشق بعد صلابتها فتصير بمنزلة الصوف في الوهي و الضعف «وَ الْمَلَكُ عَلى‏ أَرْجائِها» أي على أطرافها و نواحيها عن الحسن و قتادة و الملك اسم يقع على الواحد و الجمع و السماء مكان الملائكة فإذا وهت صارت في نواحيها و قيل إن الملائكة يومئذ على جوانب السماء تنتظر ما يؤمر به في أهل النار من السوق إليها و في أهل الجنة من التحية و التكرمة فيها «وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ» يعني فوق الخلائق «يَوْمَئِذٍ» يعني يوم القيامة «ثَمانِيَةٌ» من الملائكة عن ابن زيد و
روي ذلك عن النبي ص أنهم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم بأربعة آخرين فيكونون ثمانية
و قيل ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله تعالى عن ابن عباس «يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ» يعني يوم القيامة تعرضون معاشر المكلفين «لا تَخْفى‏ مِنْكُمْ خافِيَةٌ» أي نفس خافية أو فعلة خافية و قيل الخافية مصدر أي خافية أحد و روي في الخبر عن ابن مسعود و قتادة أن الخلق يعرضون ثلاث عرضات ثنتان فيها معاذير و جدال و الثالثة تطير الصحف في الأيدي فأخذ بيمينه و آخذ بشماله و ليس يعرض الله الخلق ليعلم من حالهم ما لم يعلمه فإنه عز اسمه العالم لذاته يعلم جميع ما كان منهم و لكن ليظهر ذلك لخلقه ثم قسم سبحانه حال المكلفين في ذلك اليوم فقال «فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ» لأهل القيامة «هاؤُمُ» أي تعالوا «اقْرَؤُا كِتابِيَهْ» و إنما يقوله سرورا به لعلمه بأنه ليس فيه إلا الطاعات فلا يستحيي أن ينظر فيه غيره و أهل اللغة يقولون إن معنى هاؤم خذوا «إِنِّي ظَنَنْتُ» أي علمت و أيقنت في الدنيا «أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ» و الهاء لنظم رءوس الآي و هي هاء الاستراحة و المعنى إني كنت مستيقنا في دار الدنيا بأني ألقى حسابي يوم القيامة عالما بأني أجازي على الطاعة بالثواب و على المعصية بالعقاب فكنت أعمل بما أصل به إلى هذه المثوبة «فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ» أي في حالة من العيش راضية يرضاها بأن لقي الثواب‏

520
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 519

و آمن العقاب «فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ» أي رفيعة القدر و المكان «قُطُوفُها دانِيَةٌ» أي ثمارها قريبة ممن يتناولها قال البراء بن عازب يتناول الرجل من الثمرة و هو نائم و
قد ورد في الخبر عن عطاء بن يسار عن سلمان قال قال رسول الله ص لا يدخل الجنة أحدكم إلا بجوازبسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله لفلان بن فلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية
و قيل معناه لا يرد أيديهم عن ثمرها بعد و لا شوك عن قتادة «كُلُوا وَ اشْرَبُوا» أي يقال لهم كلوا و اشربوا في الجنة «هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ» أي قدمتم من أعمالكم الصالحة «فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ» الماضية يعني أيام الدنيا و يعني بقوله «هَنِيئاً» إنه ليس فيه ما يؤذي فلا يحتاج فيه إلى إخراج فصل بغائط أو بول.
[سورة الحاقة (69): الآيات 25 الى 37]
وَ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (25) وَ لَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (26) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (27) ما أَغْنى‏ عَنِّي مالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (29)
خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَ لا يَحُضُّ عَلى‏ طَعامِ الْمِسْكِينِ (34)
فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (35) وَ لا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ (36) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ (37)

اللغة
القاضية الفاصلة بالإماتة يقال قضى فلان إذا مات و أصله فصل الأمر و منه قضية الحاكم و منه قضاء الله و هو في الإخبار بما يكون على القطع و التصلية إلزام النار و منه الاصطلاء و هو القعود عند النار للدفاء و الجحيم النار العظيمة و السلسلة حلق منتظمة كل واحدة منها في الأخرى و يقال سلسل كلامه إذا عقد شيئا منه بشي‏ء و تسلسل الشي‏ء إذا استمر على الولاء شيئا قبل شي‏ء و ذرع الثوب يذرعه ذرعا مأخوذ من الذراع و الغسلين الصديد الذي ينغسل بسيلانه من أبدان أهل النار و وزنه فعلين من الغسل.

521
مجمع البيان في تفسير القرآن10

الإعراب ص 522

الإعراب‏
قوله «كِتابِيَهْ» و «حِسابِيَهْ» و «مالِيَهْ» و «سُلْطانِيَهْ» قال الزجاج الوجه أن يوقف على هذه الهاءات و لا توصل لأنها أدخلت للوقف و قد حذفها قوم في الوصل و لا أحب مخالفة المصحف و لا أن أقرأ و أثبت الهاءات في الوصل و هذه رءوس آيات فالوجه أن يوقف عندها و كذلك قوله ما هِيَهْ «فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ» الجار و المجرور خبر ليس ليصح قوله «وَ لا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ» أي و لا له طعام و لا يكون الخبر هاهنا لأن التقدير يصير و لا طعام هاهنا إلا من غسلين و هذا غير جائز إذ هنا طعام غير غسلين و لا يكون الخبر اليوم لأن حميم جثة و ظرف الزمان لا يكون خبرا عن الجثة.
المعنى‏
ثم ذكر سبحانه حال أهل النار فقال «وَ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ» أي أعطي «كِتابَهُ» الذي هو صحيفة أعماله «بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ» أي تمنى أنه لم يؤته لما يرى فيه مقابح أعماله التي يسود لها وجهه «وَ لَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ» أي و لم أدر أي شي‏ء حسابي لأنه لا حاصل له في ذلك الحساب و إنما هو كله عليه «يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ» الهاء في ليتها كناية عن الحال التي هم فيها و قيل هي كناية عن الموتة الأولى و القاضية القاطعة للحياة أي ليت الموتة الأولى التي متنا لم نحيي بعدها عن الفراء يتمنى دوام الموت و أنه لم يبعث للحساب و قال قتادة تمنى يومئذ الموت و لم يكن في الدنيا شي‏ء عنده أكره من الموت «ما أَغْنى‏ عَنِّي مالِيَهْ» أي ما دفع عني مالي من عذاب الله شيئا و قيل معناه إني قصرت همتي على تحصيل المال ليكشف الكرب عني فما نفعني اليوم «هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ» أي حجتي عن ابن عباس و مجاهد أي ضل عني ما كنت أعتقده حجة و قيل معناه هلك عني تسلطي و أمري و نهيي في دار الدنيا على ما كنت مسلطا عليه فلا أمر لي و لا نهي ثم أخبر سبحانه أنه يقول للملائكة «خُذُوهُ فَغُلُّوهُ» أي أوثقوه بالغل و هو أن تشد إحدى يديه و رجليه إلى عنقه بجامعة «ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ» أي ثم أدخلوه النار العظيمة و ألزموه إياها «ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها» أي طولها «سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ» أي اجعلوه فيها لأنه يؤخذ عنقه فيها ثم يجر بها قال الضحاك إنما تدخل في فيه و تخرج من دبره فعلى هذا يكون المعنى ثم اسلكوا السلسلة فيه فقلب كما يقال أدخلت القلنسوة في رأسي و قال الأعشى:
         " إذا ما السراب ارتدى بالأكم"
و إنما ارتدى الأكم بالسراب و لكنه قلب و قال نوف البكالي كل ذراع سبعون باعا و الباع أبعد مما بينك و بين مكة و كان في رحبة الكوفة و قال الحسن الله أعلم بأي ذراع هو و قال سويد بن نجيح إن جميع أهل النار في تلك السلسلة و لو أن حلقة منها وضعت على جبل لذاب من‏

522
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 522

حرها ثم قال سبحانه «إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ» شأنه أي لم يكن يوحد الله في دار التكليف و لا يصدق به «وَ لا يَحُضُّ عَلى‏ طَعامِ الْمِسْكِينِ» و هو المحتاج الفقير و المعنى أنه كان يمنع الزكاة و الحقوق الواجبة «فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ» أي صديق ينفعه «وَ لا طَعامٌ» أي و لا له اليوم طعام «إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ» و هو صديد أهل النار و ما يجري منهم فالطعام هو ما هيئ للأكل و لذلك لا يسمى التراب طعاما للإنسان فلما هيئ الصديد لأكل أهل النار كان ذلك طعاما لهم و قيل إن أهل النار طبقات فمنهم من طعامه غسلين و منهم من طعامه الزقوم و منهم من طعامه الضريع لأنه قال في موضع آخر لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ و قيل يجوز أن يكون الضريع هو الغسلين فعبر عنه بعبارتين عن قطرب و قيل يجوز أن يكون المراد ليس لهم طعام إلا من ضريع و لا شراب إلا من غسلين كما قال الشاعر:
         علفتها تبنا و ماء باردا             حتى شقت همالة عيناها
 «لا يَأْكُلُهُ» أي لا يأكل الغسلين «إِلَّا الْخاطِؤُنَ» و هم الجائرون عن طريق الحق عامدين و الفرق بين الخاطئ و المخطئ أن المخطئ قد يكون من غير تعمد و الخاطئ المذنب المتعمد الجائر عن الصراط المستقيم قال امرؤ القيس:
         يا لهف هند إذ خطئن كاهلا             القاتلين الملك الحلاحلا

523
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة الحاقة الآيات 38 الى 52 ص 524

[سورة الحاقة (69): الآيات 38 الى 52]
فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (38) وَ ما لا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ (41) وَ لا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (42)
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (43) وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (44) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (47)
وَ إِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48) وَ إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) وَ إِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (50) وَ إِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52)

القراءة
قرأ ابن كثير و ابن عامر و يعقوب و سهل يؤمنون و يذكرون بالياء كناية عن الكفار و الباقون بالتاء خطابا لهم و كلاهما حسن.
اللغة
الوتين نياط القلب و إذا انقطع مات الإنسان قال الشماخ بن ضرار:
         إذا بلغتني و حملت رحلي             عرابة فاسرقي بدم الوتين‏
الإعراب‏
قليلا في الموضعين صفة مصدر محذوف و ما مزيدة و تقديره إيمانا قليلا تؤمنون و تذكرا قليلا تذكرون و يجوز أن يكون صفة لظرف محذوف أي وقتا قليلا تؤمنون و وقتا قليلا تذكرون و يجوز أن تكون ما مصدرية و يكون التقدير قليلا إيمانكم و قليلا تذكركم يكون ما في موضع رفع بقليل و قوله «مِنْ أَحَدٍ» في موضع رفع لأنه اسم ما و من مزيدة لتأكيد النفي تقديره فما منكم أحد و الأصل فما أحد منكم فمنكم في موضع رفع بكونه صفة على الموضع أو في موضع جر على اللفظ فلما تقدم الموصوف صار في موضع النصب على الحال حاجزين منصوب بأنه خبر ما و لم يبطل قوله «مِنْكُمْ» عمل ما و إن فصل بينهما لأنه ظرف و الفصل بالظرف في هذا الباب كلا فصل قال أبو علي إن جعلت منكم مستقرا كان حاجزين صفة أحد و إن جعلت منكم غير مستقر كان حاجزين خبر ما و على الوجهين فقوله «حاجِزِينَ»

524
مجمع البيان في تفسير القرآن10

الإعراب ص 524

محمول على المعنى و أقول في بيانه أنه إن كان في منكم ضمير لأحد و يكون خبرا له متقدما عليه فيكون حاجزين صفة لأحد و تقديره ما منكم قوم حاجزون عنه و يكون ما غير عاملة هنا على غير لغة تميم أيضا و يكون حاجزين مجرورا حملا على اللفظ و كونه غير مستقر هو أن يكون على ما ذكرناه قبل.
المعنى‏
ثم أكد سبحانه ما تقدم فقال «فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَ ما لا تُبْصِرُونَ» قيل فيه وجوه (أحدها) أن يكون قوله «لا» ردا لكلام المشركين فكأنه قال ليس الأمر كما يقول المشركون أقسم بالأشياء كلها ما يبصر منها و ما لا يبصر و يدخل فيها جميع المكونات «" إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ"» يعني محمدا ص عن الفراء و قتادة و (ثانيها) أن لا مزيدة مؤكدة و التقدير فأقسم بما ترون و ما لا ترون (و ثالثها) أنه نفي للقسم و معناه لا يحتاج إلى القسم لوضوح الأمر في أنه رسول كريم فإنه أظهر من أن يحتاج في إثباته إلى قسم عن أبي مسلم و (رابعها) أنه كقول القائل لا و الله لا أفعل ذلك و لا و الله لأفعلن ذلك و قال الجبائي إنما أراد أنه لا يقسم بالأشياء المخلوقات ما يرى و ما لا يرى و إنما أقسم بربها لأن القسم لا يجوز إلا بالله «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ» قال إنه قول الله على الحقيقة و إنما الملك و جبرائيل و الرسول يحكون ذلك و إنما أسنده إليهم من حيث إن ما يسمع منهم كلامهم فلما كان حكاية كلام الله قيل هو كلام الله على الحقيقة في العرف قال الجبائي و الرسول الكريم جبرائيل و الكريم الجامع لخصال الخير «وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ وَ لا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ» قول الشاعر ما ألفه بوزن و جعله مقفى و له معنى و قول الكاهن السجع و هو كلام متكلف يضم إلى معنى يشاكله طهره الله سبحانه من الشعر و الكهانة و عصمه عنهما و إنما منعه سبحانه من الشعر و نزهه عنه لأن الغالب من حال الشعر أن يدعو إلى الهوى و يبعث على الشهوة و النبي ص إنما يأتي بالحكم التي يدعو إليها العقل للحاجة إلى العمل عليها و الاهتداء بها و أيضا فإنه سبحانه منعه من قول الشعر دلالة على أن القرآن ليس بصفة الكلام المعتاد بين الناس و أنه ليس بشعر بل هو صنف من الكلام خارج عن الأنواع المعتادة و إذا بعد عما جرت به العادة في تأليف الكلام فذلك أدل على إعجازه و قوله «قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ» معناه لا تصدقون بأن القرآن من عند الله تعالى يريد بالقليل نفي إيمانهم أصلا كما تقول لمن لا يزورك قل ما تأتينا و أنت تريد لا تأتينا أصلا فالمعنى لا تؤمنون به و لا تتذكرون و لا تتفكرون فتعلموا المعجز و تفصلوا بينه و بين الشعر و الكهانة «تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» بين أنه منزل من عنده على لسان جبرائيل حتى لا يتوهم أنه كلام جبرائيل «وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا» محمد ص «بَعْضَ الْأَقاوِيلِ» معناه و لو

525
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 525

كذب علينا و اختلق ما لم نقله أي لو تكلف القول و أتى به من عند نفسه «لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ» أي لأخذنا بيده التي هي اليمين على وجه الإذلال كما يقول السلطان يا غلام خذ بيده فأخذها إهانة عن ابن جرير و قيل معناه لقطعنا يده اليمني عن الحسن و أبي مسلم فعلى هذا تكون الباء مزيدة أي لأخذنا منه اليمين و قيل معناه لأخذنا منه بالقوة و القدرة أي لأخذناه و نحن قادرون عليه مالكون له عن الفراء و المبرد و الزجاج و إنما أقام اليمين مقام القوة و القدرة لأن قوة كل شي‏ء في ميامنه عن ابن قتيبة «ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ» أي و لكنا نقطع منه وتينه و نهلكه قال مجاهد و قتادة هو عرق في القلب متصل بالظهر و قيل هو حبل القلب «فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ» أي فما منكم أحد يحجزنا عنه و المعنى أنه لا يتكلف الكذب لأجلكم مع علمه أنه لو تكلف ذلك لعاتبناه ثم لم تقدروا أنتم على دفع عقوبتنا عنه ثم ذكر سبحانه أن القرآن ما هو فقال «وَ إِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ» أي و إنه لعظة لمن اتقى عقاب الله بطاعته «وَ إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ» بالقرآن أي علمنا أن بعضكم يكذبه أشار سبحانه إلى أن منهم من يصدق و منهم من يكذب «وَ إِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ» أي إن هذا القرآن حسرة عليهم يوم القيامة حيث لم يعملوا به في الدنيا «وَ إِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ» معناه و إن القرآن للمتقين لحق اليقين و الحق هو اليقين و إنما إضافة إلى نفسه كما يقال مسجد الجامع و دار الآخرة و بارحة الأولى و يوم الخميس و ما أشبه ذلك فيضاف الشي‏ء إلى نفسه إذا اختلف لفظه و قيل إن الحق هو الذي معتقده على ما اعتقد و اليقين هو الذي لا شبهة فيه «فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ» الخطاب للنبي ص و المراد به جميع المكلفين و معناه نزه الله سبحانه عما لا يجوز عليه من الصفات و العظيم هو الجليل الذي يصغر شأن غيره في شأنه و يتضاءل كل شي‏ء لعظمته و سلطانه.

526
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة المعارج مكية و آياتها أربع و أربعون ص 527

(70) سورة المعارج مكية و آياتها أربع و أربعون (44)
[توضيح‏]
قال الحسن إلا قوله «وَ الَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ».
عدد آيها
أربع و أربعون آية غير الشامي ثلاث شامي.
اختلافها
آية «أَلْفَ سَنَةٍ» غير الشامي.
فضلها
أبي بن كعب عن النبي ص قال قال رسول الله ص و من قرأ سأل سائل أعطاه الله ثواب الذين هم لأماناتهم و عهدهم راعون و الذين هم على صلواتهم يحافظون‏
و
عن جابر عن أبي جعفر (ع) قال من أدمن قراءة سأل سائل لم يسأله الله يوم القيامة عن ذنب عمله و أسكنه جنته مع محمد ص.
تفسيرها
لما ختم الله سورة الحاقة بوعيد الكفار افتتح هذه السورة بمثل ذلك فقال:

527
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة المعارج الآيات 1 الى 10 ص 528

[سورة المعارج (70): الآيات 1 الى 10]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏
سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (1) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (2) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4)
فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (6) وَ نَراهُ قَرِيباً (7) يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (8) وَ تَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (9)
وَ لا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (10)

القراءة
قرأ أهل المدينة و ابن عامر سأل بغير همز و الباقون بالهمز و قرأ الكسائي يعرج بالياء و قرأ الباقون بالتاء و قرأ ابن كثير في رواية البزي و عاصم في رواية البرجمي عن أبي بكر و لا يسأل بضم الياء و الباقون «لا يَسْئَلُ» بفتح الياء.
الحجة
قال أبو علي من قرأ سأل جعل الألف منقلبة عن الواو التي هي عين مثل قال و خاف و حكى أبو عثمان عن أبي زيد أنه سمع من يقول هما يتساولان فمن قال سأل كان على هذه اللغة و من قرأ «سَأَلَ» فجعل الهمزة عين الفعل فإن حقق قال سأل و إن خفف جعلها بين الألف و الهمزة و أما قول الشاعر:
         سألت هذيل رسول الله فاحشة             ضلت هذيل بما قالت و لم تصب‏
و يمكن فيه الوجهان و كل القراء على همز سائل لأنه لا يخلو إما أن يكون من يتساولان أو من اللغة الأخرى فإن كان من الأول لم يكن فيه إلا الهمز كما يكون في قائل و خائف لأن العين إذا اعتلت بالفعل اعتلت في اسم الفاعل و اعتلالها لا يكون بالحذف للالتباس فقلب إلى الهمزة و إن كانت في لغة من همز فليس فيه إلا الهمز كما يكون في ثائر إلا أنك إن شئت خففت الهمزة فجعلتها بين بين و كذلك في الوجه الآخر و أما يعرج و «تَعْرُجُ» فالياء و التاء فيه حسنتان و من ضم قوله و لا يسئل حميم حميما فالمعنى و الله أعلم لا يسئل حميم عن حميمه ليعرف شأنه من جهته كما يتعرف الخبر الصديق من جهة صديقه و القريب عن قريبه فإذا كان كذلك فالكلام إذا بنيت الفعل للفاعل قلت سألت زيدا عن حميمه و إذا بنيت الفعل للمفعول به قلت سئل زيد عن حميمه و قد يحذف الجار فيصل الفعل إلى الاسم الذي كان مجرورا قبل حذف الجار فينتصب بأنه مفعول الاسم الذي أسند إليه الفعل المبني للمفعول به فعلى هذا انتصب قوله «حَمِيماً» و يدل على هذا المعنى قوله يُبَصَّرُونَهُمْ أي يبصر الحميم الحميم تقول بصرت به فإذا ضعفت عين الفعل صار الفاعل مفعولا فتقول بصرني زيد بكذا فإذا حذفت الجار قلت بصرني زيد كذا فإذا بنيت الفعل للمفعول به و قد حذفت الجار قلب بصرت زيدا فعلى هذا قوله يُبَصَّرُونَهُمْ فإذا بصروهم لم يحتج إلى تعرف شأن الحميم من حميمه و إنما جمع فقيل يبصروهم لأن الحميم و إن كان مفردا في اللفظ فالمراد به الكثرة

528
مجمع البيان في تفسير القرآن10

الحجة ص 528

و الجمع يدلك على ذلك قوله فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ و من قرأ «وَ لا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً» فالمعنى لا يسأل الحميم عن حميمه في ذلك اليوم لأنه يذهل عن ذلك و يشغل عنه بشأنه كما قال يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ إلى قوله لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ.
اللغة
المعارج مواضع العروج و هو الصعود مرتبة بعد مرتبة و منه الأعرج لارتفاع إحدى رجليه عن الأخرى قال الزجاج المهل دردي الزيت و قيل هو الجاري بغلظة و عكزه على رفق من أمهله إمهالا و العهن الصوف المنقوش و الحميم القريب النسب إلى صاحبه و أصله من القرب قال:
         أحم الله ذلك من لقاء             أحاد أحاد في الشهر الحلال‏
الإعراب‏
بعذاب الباء تتعلق بسال لأن معناه دعا داع بعذاب و قيل إن الباء بمعنى عن و تقديره عن عذاب قال:
         دع المعمر لا تسأل بمصرعه             و أسأل بمصقلة البكري ما فعلا
يريد عن مصرعه و عن مصقله و اللام في قوله «لِلْكافِرينَ» بمعنى على و يتعلق بواقع أي واقع على الكافرين و قيل إنه يتعلق بمحذوف فيكون صفة لسائل تقديره سأل سائل كائن للكافرين أي منهم.
المعنى‏
 «سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ» قيل إن هذا السائل هو الذي قال اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية و هو النضر بن الحارث بن كلدة فيكون المعنى دعا داع على نفسه بعذاب واقع مستعجلا له و هو واقع بهم لا محالة عن مجاهد و قيل سأل المشركون فقالوا لمن هذا العذاب الذي تذكر يا محمد فجاء جوابه بأنه «لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ» عن الحسن و قيل معناه دعا داع بعذاب على الكافرين و ذلك الداعي هو النبي ص عن الجبائي و تكون الباء في بعذاب مزيدة على التوكيد كما في قوله وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ و التقدير سأل سائل عذابا واقعا و قيل هي بمعنى عن و عليه تأويل قول الحسن لأنهم سألوا عن العذاب لمن هو و قيل الباء للتعدي أي بإنزال عذاب و عليه تأويل قول مجاهد و قيل إن معنى سأل سائل على قراءة من قرأ بالألف من سال يسيل سيلا و التقدير سال سيل سائل بعذاب واقع و قيل سائل اسم واد في جهنم سمي به لأنه يسيل بالعذاب عن ابن زيد و
أخبرنا السيد أبو الحمد

529
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 529

قال حدثنا الحاكم أبو القاسم الحسكاني قال حدثنا أبو عبد الله الشيرازي قال حدثنا أبو بكر الجرجاني قال حدثنا أبو أحمد البصري قال حدثنا محمد بن سهل قال حدثنا زيد بن إسماعيل مولى الأنصار قال حدثنا محمد بن أيوب الواسطي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد الصادق عن آبائه ع قال لما نصب رسول الله ص عليا (ع) يوم غدير خم و قال من كنت مولاه فعلي مولاه طار ذلك في البلاد فقدم على النبي ص النعمان بن الحرث الفهري فقال أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله و أنك رسول الله و أمرتنا بالجهاد و الحج و الصوم و الصلاة و الزكاة فقبلناها ثم لم ترض حتى نصبت هذا الغلام فقلت من كنت مولاه فعلي مولاه فهذا شي‏ء منك أو أمر من عند الله فقال و الله الذي لا إله إلا هو أن هذا من الله فولى النعمان بن الحرث و هو يقول اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء فرماه الله بحجر على رأسه فقتله و أنزل الله تعالى «سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ»
و قوله «لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ» أي ليس لعذاب الله دافع من الله و قيل معناه بعذاب للكافرين واقع من الله أي وقوعه من الله و ذي المعارج صفة الله سبحانه و قيل فيه وجوه (أحدها) أن معناه ذي الفواضل العالية و الدرجات التي يعطيها للأنبياء و الأولياء في الجنة لأنه يعطيهم المنازل الرفيعة و الدرجات العلية و هو معنى قول قتادة و الجبائي (و ثانيها) أنها معارج السماء أي مواضع عروج الملائكة عن ابن عباس و مجاهد و قال الكلبي معناه ذي السماوات لأن الملائكة تعرج فيها (و ثالثها) أنه بمعنى ذي الملائكة أي مالك الملائكة التي تعرج إلى السماء و منه ليلة المعراج لأنه عرج بالنبي ص إلى السماء فيها «تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ» أي تصعد الملائكة و يصعد الروح أيضا معهم و هو جبرائيل خصه بالذكر من بين الملائكة تشريفا له «إِلَيْهِ» أي إلى الموضع الذي لا يجري لأحد سواه فيه حكم جعل سبحانه عروجهم إلى ذلك الموضع عروجا إليه كقول إبراهيم (ع) إِنِّي ذاهِبٌ إِلى‏ رَبِّي إلى الموضع الذي وعدني ربي «فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» اختلف في معناه فقيل تعرج الملائكة إلى الموضع الذي يأمرهم الله به في يوم كان مقداره من عروج غيرهم خمسين ألف سنة و ذلك من أسفل الأرضين إلى فوق السماوات السبع و قوله في سورة السجدة فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ هو لما بين السماء الدنيا و الأرض في الصعود و النزول خمسمائة سنة في الصعود و خمسمائة سنة في النزول عن مجاهد و المراد أن الآدميين لو احتاجوا إلى قطع هذا المقدار الذي قطعته الملائكة في يوم واحد لقطعوه في هذه المدة و قيل أنه يعني يوم القيامة و أنه يفعل فيه من الأمور و يقضي فيه من الأحكام بين العباد ما لو فعل في الدنيا لكان مقداره خمسين ألف سنة عن الجبائي و هو معنى قول قتادة و عكرمة و
روى أبو

530
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 529

سعيد الخدري قال قيل يا رسول الله ما أطول هذا اليوم فقال و الذي نفس محمد بيده إنه ليخف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا
و
روي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال لو ولي الحساب غير الله لمكثوا فيه خمسين ألف سنة من قبل أن يفرغوا و الله سبحانه يفرغ من ذلك في ساعة
و
عنه أيضا قال لا ينتصف ذلك اليوم حتى يقبل أهل الجنة في الجنة و أهل النار في النار
و قيل معناه أن أول نزول الملائكة في الدنيا و أمره و نهيه و قضائه بين الخلائق إلى آخر عروجهم إلى السماء و هو القيامة هذه المدة فيكون مقدار الدنيا خمسين ألف سنة لا يدري كم مضى و كم بقي و إنما يعلمه الله عز و جل و قال الزجاج يجوز أن يكون قوله «فِي يَوْمٍ» من صلة واقع فيكون المعنى سأل سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة و ذلك العذاب يقع يوم القيامة «فَاصْبِرْ» يا محمد على تكذيبهم إياك «صَبْراً جَمِيلًا» لا جزع فيه و لا شكوى على ما تقاسيه «إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَ نَراهُ قَرِيباً» أخبر سبحانه أنه يعلم مجي‏ء يوم القيامة و حلول العقاب بالكفار قريبا و يظنه الكفار بعيدا لأنهم لا يعتقدون صحته و كل ما هو آت فهو قريب دان فالرؤية الأولى بمعنى الظن و الثانية بمعنى العلم ثم أخبر سبحانه أنه متى يقع العذاب بهم فقال «يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ» أي كدردي الزيت عن ابن عباس و قيل كعكر القطران عن عطاء و قيل مثل الفضة إذا أذيبت عن الحسن و قيل مثل الصفر المذاب عن أبي مسلم «وَ تَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ» أي كالصوف المصبوغ و قيل كالصوف المنفوش عن مقاتل و قيل كالصوف الأحمر عن الحسن يعني إنها تلين بعد الشدة و تتفرق بعد الاجتماع قال الحسن إنها أولا تصير كئيبا مهيلا ثم تصير عهنا منفوشا ثم هباء منثورا «وَ لا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً» لشغل كل إنسان بنفسه عن غيره عن مجاهد و قيل لا يسأل حميم حميما أن يتحمل عنه من أوزاره ليأسه منه ذلك في الآخرة عن الحسن و قال الأخفش الحميم من يخصه الرجل مودة و شفقة من قريب الرحم و بعيدة و الحامة الخاصة و قيل معناه أنه لا يحتاج إلى سؤاله لأنه يكون لكل علامة يعرف بها فعلامة الكافرين سواد الوجوه و زرقة العيون و علامة المؤمنين نضارة اللون و بياض الوجوه.

531
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة المعارج الآيات 11 الى 35 ص 532

[سورة المعارج (70): الآيات 11 الى 35]
يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَ صاحِبَتِهِ وَ أَخِيهِ (12) وَ فَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ (14) كَلاَّ إِنَّها لَظى‏ (15)
نَزَّاعَةً لِلشَّوى‏ (16) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَ تَوَلَّى (17) وَ جَمَعَ فَأَوْعى‏ (18) إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20)
وَ إِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلى‏ صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (23) وَ الَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ (25)
وَ الَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (29) إِلاَّ عَلى‏ أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30)
فَمَنِ ابْتَغى‏ وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (31) وَ الَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ راعُونَ (32) وَ الَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (33) وَ الَّذِينَ هُمْ عَلى‏ صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (34) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35)

القراءة
قرأ حفص «نَزَّاعَةً» بالنصب و الباقون بالرفع و قرأ ابن كثير لأمانتهم بغير ألف بعد النون و الباقون «لِأَماناتِهِمْ» بالجمع و قرأ حفص و يعقوب و سهل «بِشَهاداتِهِمْ» على الجمع و الباقون بشهادتهم و كلهم قرءوا «عَلى‏ صَلاتِهِمْ» على التوحيد.
الحجة
قال أبو علي من قرأ إنها لظى نزاعة للشوى فرفع نزاعة جاز في رفعه ما جاز في قولك هذا زيد منطلق و هذا بعلي شيخ و من نصب فعلى وجهين (أحدهما) أن يكون حالا (و الآخر) أن يحمل على فعل فحمله على الحال يبعد لأنه ليس في الكلام ما يعمل في الحال فإن قلت فإن في قوله «لَظى‏» معنى التلظي و التلهب فإن ذلك لا يستقيم لأن لظى معرفة

532
مجمع البيان في تفسير القرآن10

الحجة ص 532

لا ينتصب عنها الأحوال أ لا ترى أن ما استعمل استعمال الأسماء من اسم فاعل أو مصدر لم يعمل هذا النحو من حيث جرى مجرى الأسماء فبأن يعمل الاسم المعرفة عمله أولى و يدلك على تعريف هذا الاسم و كونه علما أن التنوين لم يلحقه فإذا كان كذلك لم ينتصب الحال عنه فإن جعلتها مع تعريفها قد صارت معروفة بشدة التلظي جاز أن تنصبه بهذا المعنى الحادث في العلم و على هذا قوله تعالى وَ هُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ فِي الْأَرْضِ علقت الظرف بما دل عليه الاسم من التدبير و الألطاف فإن علقت الحال بالمعنى الحادث في العلم كما علقت الظرف بما دل عليه الاسم من التدبير و الألطاف لم يمتنع لأن الحال كالظرف في تعلقها بالمعنى كتعلق الظرف به و كان وجها و إن علقت نزاعة بفعل مضمر نحو أعينها نزاعة للشوى لم يمتنع أيضا و أما قوله لأمانتهم على الإفراد و إن كان مضافا إلى جماعة و لكل واحد منهم أمانة فلأنه مصدر يقع على جميع الجنس و يتناوله و من جمع فلاختلاف الأمانات و كثرة ضروبها فأشبهت بذلك الأسماء التي ليست للجنس و القول في الشهادة و الشهادات مثل القول في الأمانة و الأمانات.
اللغة
المودة مشتركة بين التمني و بين المحبة يقال وددت الشي‏ء أي تمنيته و وددته أي أحببته أود فيهما جميعا و الافتداء افتداء الضرر عن الشي‏ء ببدل منه و الفصيلة الجماعة المنقطعة عن جملة القبيلة برجوعها إلى أبوة خاصة عن أبوة عامة و لظى اسم من أسماء جهنم مأخوذة من التوقد و النزاعة الكثيرة النزع و هو اقتلاع عن شدة ضم و الاقتلاع أخذ بشدة اعتماد و الشوى جلدة الرأس واحدتها شواة قال الأعشى:
         قالت قتيلة ما له             قد جللت شيبا شواته‏
و الشوى الأكارع و الأطراف و الشوى ما عدا المقاتل من كل حيوان يقال رماه فأشواه أي أصاب غير مقتله و رمى فأصمى أي أصاب المقتل و الشوى أيضا الخسيس من المال و الهلوع الشديد الحرص الشديد الجزع و الإشفاق رقة القلب عن تحمل ما يخاف من الأمور فإذا قسا قلب الإنسان بطل الإشفاق و العادي الخارج عن الحق يقال عدا فلان إذا اعتدى و عدا في مشيه إذا أسرع و هو الأصل و العادي الظالم بالإسراع إلى الظلم.
الإعراب‏
يجوز أن يكون العامل في الظرف من قوله يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ قوله «يُبَصَّرُونَهُمْ» و قوله «يَوَدُّ الْمُجْرِمُ» يجوز أن يكون استئناف كلام و يجوز أن يكون في محل الجر

533
مجمع البيان في تفسير القرآن10

الإعراب ص 533

بدلا من تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ. هلوعا و منوعا و جزوعا منصوبة على الحال و التقدير خلق هلوعا، جزوعا إذا مسه الشر، منوعا إذا مسه الخير و المصلين منصوب على الاستثناء و قوله «إِلَّا عَلى‏ أَزْواجِهِمْ» قيل أن على هذه محمولة على المعنى و التقدير فإنهم يلامون على غير أزواجهم و يدل عليه قوله «فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ» عن الزجاج و قيل تقديره إلا من أزواجهم فيكون على بمعنى من.
المعنى‏
لما وصف سبحانه القيامة و أخبر أن الحميم فيه لا يسأل حميمه لشغله بنفسه قال «يُبَصَّرُونَهُمْ» أي يعرف الكفار بعضهم بعضا ساعة ثم لا يتعارفون و يفر بعضهم من بعض عن ابن عباس و قتادة و قيل يعرفهم المؤمنون عن مجاهد أي يبصر المؤمن أعداءه على حالهم من العذاب فيشمت بهم و يسر و قيل يعرف أتباع الضلالة رؤساءهم و قيل إن الضمير يعود إلى الملائكة و قد تقدم ذكرهم أي يعرفهم الملائكة و يجعلون بصراء بهم فيسوقون فريقا إلى الجنة و فريقا إلى النار «يَوَدُّ الْمُجْرِمُ» أي يتمنى العاصي «لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ» يتمنى سلامته من العذاب النازل به بإسلام كل كريم عليه من أولاده الذين هم أعز الناس عليه «وَ صاحِبَتِهِ» أي زوجته التي كانت سكنا له و ربما آثرها على أبويه «وَ أَخِيهِ» الذي كان ناصرا له و معينا «وَ فَصِيلَتِهِ» أي و عشيرته «الَّتِي تُؤْوِيهِ» في الشدائد و تضمه و يأوي إليها في النسب «وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» أي و بجميع الخلائق يقول يود لو يفتدي بجميع هذه الأشياء «ثُمَّ يُنْجِيهِ» ذلك الفداء «كَلَّا» لا ينجيه ذلك قال الزجاج كلا ردع و تنبيه أي لا يرجع أحد من هؤلاء فارتدعوا «إِنَّها لَظى‏» يعني أن نار جهنم أو القصة لظى نزاعة للشوى و سميت لظى لأنها تتلظى أي تشتعل و تلتهب على أهلها و قيل لظى اسم من أسماء جهنم و قيل هي الدركة الثانية منها و هي «نَزَّاعَةً لِلشَّوى‏» تنزع الأطراف فلا تترك لحما و لا جلدا إلا أحرقته عن مقاتل و قيل تنزع الجلد و أم الرأس عن ابن عباس و قيل تنزع الجلد و اللحم عن العظم عن الضحاك و قال الكلبي يعني تأكل الدماغ كله ثم يعود كما كان و قال أبو صالح الشوى لحم الساق و قال سعيد بن جبير العصب و العقب و قال أبو العالية محاسن الوجه «تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَ تَوَلَّى» يعني النار تدعو إلى نفسها من أدبر عن الإيمان و تولى عن طاعة الله و رسوله عن قتادة و المعنى أنه لا يفوت هذه النار كافر فكأنها تدعوه فيجيبها كرها و قيل إن الله تعالى ينطق النار حتى تدعوهم إليها و قيل معناه تدعو زبانية النار من أدبر و تولى عن الحق فجعل ذلك سبحانه دعاء من النار عن الجبائي و قيل تدعو أي تعذب رواه المبرد عن الخليل قال يقال دعاك الله أي عذبك «وَ جَمَعَ» المال «فَأَوْعى‏» أي أمسكه في الوعاء فلم ينفقه في طاعة الله فلم يؤد زكاة و لم يصل رحما و قيل جمعه من باطل و منعه عن الحق‏

534
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 534

 «إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً» أي ضجورا شحيحا جزوعا من الهلع و هو شدة الحرص و قال أهل البيان تفسيره فيما بعده «إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَ إِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً» يعني إذا أصابه الفقر لا يحتسب لا يصبر و إذا أصابه الغنى منعه من البر ثم استثنى سبحانه الموحدين المطيعين فقال «إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلى‏ صَلاتِهِمْ دائِمُونَ» مستمرون على أدائها لا يخلون بها و لا يتركونها و
روي عن أبي جعفر (ع) أن هذا في النوافل‏
و قوله «وَ الَّذِينَ هُمْ عَلى‏ صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ» في الفرائض و الواجبات و قيل هم الذين لا يزيلون وجوههم عن سمت القبلة عن عقبة عن عامر و الزجاج «وَ الَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ» يعني الزكاة المفروضة و السائل الذي يسأل و المحروم الفقير الذي يتعفف و لا يسأل و قد سبق تفسيرها و
روي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال الحق المعلوم ليس من الزكاة و هو الشي‏ء الذي تخرجه من مالك إن شئت كل جمعة و إن شئت كل يوم و لكل ذي فضل فضله‏
و
روي عنه أيضا أنه قال هو أن تصل القرابة و تعطي من حرمك و تصدق على من عاداك‏
 «وَ الَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ» أي يؤمنون بأن يوم الجزاء و الحساب حق لا يشكون في ذلك «وَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ» أي خائفون «إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ» أي لا يؤمن حلوله بمستحقيه و هم العصاة و قيل معناه يخافون أن لا تقبل حسناتهم و يؤخذون بسيئاتهم و قيل غير مأمون لأن المكلف لا يدري هل أدى الواجب كما أمر به و هل انتهى عن المحظور على ما نهي عنه و لو قدرنا أن إنسانا يعلم ذلك من نفسه لكان آمنا «وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى‏ أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ» يعني الذين يحفظون فروجهم عن المناكح على كل وجه و سبب إلا على الأزواج أو ملك الأيمان من الإماء «فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ» على ترك حفظ الفروج عنهم «فَمَنِ ابْتَغى‏ وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ» فمن طلب وراء ما أباحه الله له من الفروج فأولئك هم الذين تعدوا حدود الله و خرجوا عما أباحه لهم و معنى وراء ذلك ما خرج عن حده من أي جهة كان «وَ الَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ راعُونَ» أي حافظون و الأمانة ما يؤتمن المرء عليه مثل الوصايا و الودائع و الحكومات و نحوها و قيل الأمانة الإيمان و ما أخذ الله عباده من التصديق بما أوجبه عليهم و العمل بما يجب عليهم العمل به «وَ الَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ» أي يقيمون الشهادات التي تلزمهم إقامتها و الشهادة الإخبار بالشي‏ء أنه على ما شاهدوه ذلك أنه قد يكون عن مشاهدة للمخبر به و قد يكون عن مشاهدة ما يدعو إليه «وَ الَّذِينَ هُمْ عَلى‏ صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ» أي يحفظون أوقاتها و أركانها فيؤدونها بتمامها و لا يضيعون شيئا منها و
روى محمد بن الفضيل عن أبي الحسن (ع) أنه قال أولئك أصحاب الخمسين صلاة من شيعتنا
و
روى زرارة عن أبي جعفر (ع)

535
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 534

قال هذه الفريضة من صلاها لوقتها عارفا بحقها لا يؤثر عليها غيرها كتب الله له بها براءة لا يعذبه و من صلاها لغير وقتها مؤثرا عليها غيرها فإن ذلك إليه إن شاء غفر له و إن شاء عذبه‏
و «أُولئِكَ» من وصفوا بهذه الصفات «فِي جَنَّاتٍ» أي بساتين يجنها الشجر «مُكْرَمُونَ» معظمون مبجلون بما يفعل بهم من الثواب.
[سورة المعارج (70): الآيات 36 الى 44]
فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36) عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (37) أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38) كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (39) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَ الْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (40)
عَلى‏ أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَ ما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَ يَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (42) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى‏ نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (44)

القراءة
قرأ ابن عامر و حفص و سهل «إِلى‏ نُصُبٍ» بضمتين و الباقون إلى نصب بفتح النون و سكون الصاد.
الحجة
قال أبو علي يجوز أن يكون نصب جمع نصب مثل سقف و سقف و ورد و من ثقل فقال نصب كان بمنزلة أسد و يمكن أن يكون النصب و النصب لغتين كالضعف و الضعف و ما أشبه ذلك و يكون الثقيل كشغل و شغل و طنب و طنب.
اللغة
قال الزجاج المهطع المقبل ببصره على الشي‏ء لا يزايله و ذلك من نظر العدو و قال أبو عبيدة الإهطاع الإسراع و عزين جماعات في تفرقة واحدتهم عزة و إنما جمع بالواو و النون لأنه عوض مثل سنة و سنون و أصل عزة عزوة من عزاه يعزوه إذا أضافه إلى غيره فكل جماعة من هذه الجماعات مضافة إلى الأخرى.

536
مجمع البيان في تفسير القرآن10

اللغة ص 536

قال الراعي:
         أ خليفة الرحمن إن عشيرتي             أمسى سوامهم عزين فلولا
و قال عنترة:
        و قرن قد تركت لدي مكر             عليه الطير كالعصب العزينا
و قيل إن المحذوف من عزة هاء و الأصل عزهة و هو من العزهاة و هو المنقبض عن النساء و عن اللهو معهن قال الأحوص:
         إذا كنت عزهاة عن اللهو و الصبي             فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا
و
عن أبي هريرة قال خرج النبي ص على أصحابه و هم حلق حلق متفرقون فقال ما لي أراكم عزين‏
و الأجداث القبور واحدها جدث و جدف بمعناه و الإيفاض الإسراع و النصب الصنم الذي كانوا يعبدونه قال الأعشى:
         و ذا النصب المنصوب لا تنسكنه             لعاقبة و الله ربك فاعبدا
الإعراب‏
 «فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا» ما رفع بالابتداء و اللام خبره و فيه ضميره و قبلك في موضع الحال من كفروا أو من المجرور على تقدير فما لهم ثابتين قبلك و مهطعين حال من الضمير في قبلك و يجوز في قبلك أن يكون ظرفا للأم و أن يكون ظرفا لمهطعين و يجوز أن يكون مهطعين حالا بعد حال و عن اليمين يتعلق به و عزين حال بعد حال و يجوز أن يتعلق عن اليمين بعزين و معناه مجتمعين عن اليمين و عن الشمال. «كَأَنَّهُمْ إِلى‏ نُصُبٍ يُوفِضُونَ» جملة منصوبة الموضع على الحال من قوله «سِراعاً» «خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ» حال من الضمير في يوفضون.
المعنى‏
ثم قال سبحانه على وجه الإنكار على الكفار «فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا» يعني‏

537
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 537

أي شي‏ء للذين كفروا بتوحيد الله أي ما بالهم و ما حملهم على ما فعلوا «قِبَلَكَ» أي عندك يا محمد «مُهْطِعِينَ» مسرعين إليك عن أبي عبيدة و قيل متطلعين عن الحسن و قيل مقبلين عنك بوجوههم لا يلتفتون عنك أي ناظرين إليك بالعداوة و المراد بالذين كفروا هنا المنافقون «عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ» أي عن يمينك و عن شمالك «عِزِينَ» أي جماعات متفرقين عصبة عصبة و جماعة جماعة «أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ» أي من هؤلاء المنافقين ب «أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ» كما يدخل أولئك الموصوفون قبل هذا و إنما قال هذا لأنهم كانوا يقولون إن كان الأمر على ما قال محمد فإن لنا في الآخرة عند الله أفضل مما للمؤمنين كما أعطانا في الدنيا أفضل مما أعطاهم «كَلَّا» أي لا يكون و لا يدخلونها «إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ» أي من النطفة عن الحسن أي من كان أصله من هذا الماء المهين فكيف استوجب الجنة بأصله و بنفسه إنما يستوجبها بالأعمال الصالحة نبه سبحانه بهذا على أن الناس كلهم من أصل واحد و إنما يتفاضلون بالإيمان و الطاعة و تحقيقه إنما خلقناهم من المقاذر و الأنجاس فمتى يدخلون الجنة و لم يؤمنوا بي و لم يصدقوا رسولي و قيل معناه خلقناهم من الجنس الذين يعلمون أو من الخلق الذين يعلمون و يفقهون و يلزمهم الحجة و لم نخلقهم من الجنس الذي لا يفقه كالبهائم و الطير و قيل معناه خلقناهم من أجل ما يعلمون من الثواب و العقاب و التكليف للطاعات تعريضا للثواب كما يقول القائل غضبت عليك مما تعلم أي من أجل ما تعلم قال الأعشى:
         أ أزمعت من آل ليلى ابتكارا             و شطت على ذي هوى أن تزارا
أي من أجل آل ليلى و دل قوله و شطت على ذي هوى أنه لم يزمع من عندهم و إنما أزمع من أجلهم للمصير إليهم «فَلا أُقْسِمُ» هو مفسر في سورة الحاقة «بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَ الْمَغارِبِ» يعني مشارق الشمس و مغاربها فإن لها ثلاثمائة و ستين مطلعا لكل يوم مطلع لا تعود إليه إلى قابل عن ابن عباس «إِنَّا لَقادِرُونَ عَلى‏ أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ» هذا جواب‏

538
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 537

القسم يعني أنا نقدر على أن نهلكهم و نأتي بدلهم بقوم آخرين خيرا منهم «وَ ما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ» هذا عطف على جواب القسم أي و إن هؤلاء الكفار لا يفوتون بأن يتقدموا على وجه يمنع لحاق العذاب بهم فإنهم لم يكونوا سابقين و لا العقاب مسبوقا منهم و التقدير و ما نحن بمسبوقين يفوت عقابنا إياهم فإنهم لو سبقوا عقابنا لسبقونا و قيل معناه و ما نحن بمغلوبين عن أبي مسلم «فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا» في باطلهم «وَ يَلْعَبُوا» فإن وبال ذلك عائد عليهم «حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ» يعني يوم القيامة «يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ» أي القبور «سِراعاً» مسرعين لشدة السوق «كَأَنَّهُمْ إِلى‏ نُصُبٍ يُوفِضُونَ» أي كأنهم يسعون و يسرعون إلى علم نصب لهم عن الجبائي و أبي مسلم و قيل كأنهم إلى أوثانهم يسعون للتقرب إليها عن ابن عباس و قتادة «خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ» أي ذليلة خاضعة لا يستطيعون النظر من هول ذلك اليوم «تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ» أي تغشاهم مذلة «ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي» وصفه اليوم الذي «كانُوا يُوعَدُونَ» به دار التكليف فلا يصدقون به و يجحدونه قد شاهدوه في تلك الحال.

539
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة نوح مكية و آياتها ثمان و عشرون ص 540

(71) سورة نوح مكية و آياتها ثمان و عشرون (28)
عدد آيها
ثمان و عشرون آية كوفي تسع بصري شامي ثلاثون في الباقين.
اختلافها
أربع آيات سُواعاً فَأُدْخِلُوا ناراً كلاهما غير الكوفي وَ نَسْراً كوفي و المدني الأخير أَضَلُّوا كَثِيراً مكي و المدني الأول.
فضلها
أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأ سورة نوح كان من المؤمنين الذين تدركهم دعوة نوح‏
أبو عبد الله (ع) قال من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر و يقرأ كتابه فلا يدع أن يقرأ سورة إنا أرسلنا نوحا فأي عبد قرأها محتسبا صابرا في فريضة أو نافلة أسكنه الله مساكن الأبرار و أعطاه ثلاث جنان مع جنته كرامة من الله و زوجه مائتي حوراء و أربعة آلاف ثيب إن شاء الله تعالى.
تفسيرها
لما ختم سبحانه تلك السورة بوعيد أهل التكذيب افتتح هذه السورة بذكر قصة نوح و قومه و ما نالهم بالتكذيب تسلية للنبي ص فقال:

540
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة نوح الآيات 1 الى 14 ص 541

[سورة نوح (71): الآيات 1 الى 14]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏
إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى‏ قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (1) قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اتَّقُوهُ وَ أَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرْكُمْ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (4)
قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَ نَهاراً (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاَّ فِراراً (6) وَ إِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَ اسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَ أَصَرُّوا وَ اسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَ أَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً (9)
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (11) وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً (12) ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (13) وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (14)

اللغة
الاستغشاء طلب التغشي و الإصرار الإقامة على الأمر بالعزيمة عليه و المدرار الكثير الدرور بالغيث و المطر و الأمداد إلحاق الثاني بالأول على النظام حالا بعد حال يقال أمده بكذا و مد النهر نهر آخر و الأموال جمع المال و هو عند العرب النعم و أصل الوقار الثبوت و ما به يكون الشي‏ء عظيما من الحلم الذي يمتنع معه الخرق و الرجاء بمعنى الخوف قال أبو ذويب:
         إذا لسعته النحل لم يرج لسعها             و خالفها في بيت نوب عواسل.
الإعراب‏
 «أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ» في موضع نصب بأرسلنا لأن الأصل بأن أنذر قومك فلما سقطت الباء أفضى الفعل و قيل إن موضعه جر و إن سقطت الباء و قد تقدم بيانه و يجوز أن يكون أن هذه المفسرة بمعنى أي. و جهارا مصدر وضع موضع الحال أي دعوتهم مجاهرا لهم بالدعاء إلى التوحيد و قوله «مِدْراراً» نصب على الحال. لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً» جملة في موضع الحال أيضا و العامل في الحال ما في لكم في معنى الفعل. وقارا منصوب بأنه مفعول ترجون.

541
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 542

المعنى‏
أخبر سبحانه عن نفسه فقال «إِنَّا أَرْسَلْنا» أي بعثنا «نُوحاً» رسولا «إِلى‏ قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» معناه أرسلنا لينذرهم بالعذاب إن لم يؤمنوا قال الحسن أمره أن ينذرهم عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة ثم حكى أن نوحا امتثل ما أمر الله سبحانه به بأن قال «قالَ يا قَوْمِ» أضافهم إلى نفسه فكأنه قال أنتم عشيرتي يسوؤني ما يسوؤكم «إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ» أي مخوف مبين وجوه الأدلة في الوعيد و بيان الدين و التوحيد «أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اتَّقُوهُ» أي اعبدوا الله وحده و لا تشركوا به شيئا و اتقوا معاصيه «وَ أَطِيعُونِ» فيما أمركم به لأن طاعتي مقرونة بطاعة الله و طاعة الله واجبة عليكم لمكان نعمه السابقة التي لا توازيها نعمة منعم «يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ» أي فإنكم إن فعلتم ذلك يغفر لكم ذنوبكم و من مزيدة و قيل إن من هاهنا للتبعيض و المعنى يغفر لكم ذنوبكم السالفة و هي بعض الذنوب التي تضاف إليكم و لما كانت ذنوبهم التي يستأنفونها لا يجوز الوعد بغفرانها على الإطلاق لما يكون في ذلك من الإغراء بالقبيح قيد سبحانه هذا التقييد «وَ يُؤَخِّرْكُمْ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى» و في هذا دلالة على ثبوت أجلين كأنه شرط في الوعد بالأجل المسمى عبادة الله و التقوى فلما لم يقع ذلك منهم اقتطعوا بعذاب الاستيصال قبل الأجل الأقصى بالأجل الأدنى ثم قال «إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ» يعني الأقصى «إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» صحة ذلك و تؤمنون به قال الحسن يعني بأجل الله يوم القيامة جعله أجلا للبعث و يجوز أن يكون هذا حكاية عن قول نوح (ع) لقومه أن يكون إخبارا منه سبحانه عن نفسه «قالَ» نوح «رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَ نَهاراً» إلى عبادتك و خلع الأنداد من دونك و إلى الإقرار بنبوتي «فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً» أي لم يزدادوا بدعائي إياهم إلا فرارا من قبوله و نفارا منه و إدبارا عنه و إنما سمي كفرهم عند دعائه زيادة في الكفر لأنهم كانوا على كفر و ضلال فلما دعاهم نوح (ع) إلى الإقلاع عن ذلك و الإقرار به و لم يقبلوه فكفروا بذلك كان ذلك زيادة في الكفر لأن الزيادة هي إضافة الشي‏ء إلى مقدار قد كان حاصلا و لو حصلا جميعا في وقت واحد لم يكن لأحدهما زيادة على الآخر «وَ إِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ» إلى إخلاص عبادتك «لِتَغْفِرَ لَهُمْ» سيئاتهم «جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ» لئلا يسمعوا كلامي و دعائي «وَ اسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ» أي غطوا بها وجوههم لئلا يروني «وَ أَصَرُّوا» أي داموا على كفرهم «وَ اسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً» أي تكبروا و أنفوا عن قبول الحق و الإصرار الإقامة على الأمر بالعزيمة عليه فلما كانوا عازمين على الكفر كانوا مصرين و قيل إن الرجل منهم كان يذهب بابنه إلى نوح فيقول له احذر هذا لا يغوينك فإن أبي قد ذهب بي إليه و أنا مثلك فحذرني مثل ما حذرتك عن قتادة «ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً» أي بأعلى صوتي عن ابن عباس و قيل مجاهرة

542
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 542

يرى بعضهم بعضا أي ظاهرا غير خفي «ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَ أَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً» أي دعوتهم في العلانية و في السر و قيل معناه إني أعلنت جماعة بالدعوة و أسررت جماعة ثم أعلنت للذين أسررت و أسررت للذين أعلنت لهم و معناه إني سلكت معهم في الدعوة كل مذهب و تلطفت لهم في ذلك غاية التلطف فلم يجيبوا «فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ» أي اطلبوا منه المغفرة على كفركم و معاصيكم «إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً» لكل من طلب منه المغفرة فمتى رجعتم عن كفركم و أطعتموه «يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً» أي كثيرة الدرور بالغيث و قيل إنهم كانوا قد قحطوا و أسنتوا و هلكت أموالهم و أولادهم فلذلك رغبهم في رد ذلك بالاستغفار مع الإيمان و الرجوع إلى الله قال الشعبي قحط المطر على عهد عمر بن الخطاب فصعد المنبر ليستسقي فلم يذكر إلا الاستغفار حتى نزل فلما نزل قيل له ما سمعناك استسقيت قال لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء التي بها يستنزل القطر ثم قرأ هذه الآية «وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ» أي يكثر أموالكم و أولادكم الذكور عن عطا «وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ» أي بساتين في الدنيا «وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً» تسقون بها جناتكم قال قتادة علم نبي الله نوح أنهم كانوا أهل حرص على الدنيا فقال هلموا إلى طاعة الله فإن فيها درك الدنيا و الآخرة و روى الربيع بن صبيح أن رجلا أتى الحسن فشكا إليه الجدوبة فقال له الحسن استغفر الله و أتاه آخر فشكا إليه الفقر فقال له استغفر الله و أتاه آخر فقال ادع الله أن يرزقني ابنا فقال له استغفر الله فقلنا أتاك رجال يشكون أبوابا و يسألون أنواعا فأمرتهم كلهم بالاستغفار فقال ما قلت ذلك من ذات نفسي إنما اعتبرت فيه قول الله تعالى حكاية عن نبيه نوح إنه قال لقومه «اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً» إلى آخره و
روى علي بن مهزيار عن حماد بن عيسى عن محمد بن يوسف عن أبيه قال سأل رجل أبا جعفر (ع) و أنا عنده فقال له جعلت فداك إني كثير المال و ليس يولد لي ولد فهل من حيلة قال نعم استغفر ربك سنة في آخر الليل مائة مرة فإن ضيعت ذلك بالليل فاقضه بالنهار فإن الله يقول «اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ» إلى آخره‏
ثم قال نوح (ع) لهم على وجه التبكيت «ما لَكُمْ» معاشر الكفار «لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً» أي لا تخافون لله عظمة فالوقار العظمة اسم من التوقير و هو التعظيم و الرجاء الخوف هنا و المعنى لا تعظمون الله حق عظمته فتوحدوه و تطيعوه عن ابن عباس و مجاهد و قيل معناه ما لكم لا ترجون لله‏

543
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 542

عاقبة عن قتادة أي لا تطمعون في عاقبة لعظمة الله تعالى و قيل معناه ما لكم لا تخافون الله عذابا و لا ترجون منه ثوابا في رواية أخرى عن ابن عباس و قيل معناه ما لكم لا ترجون لله عاقبة الإيمان و توحدون الله عن الزجاج و قيل معناه ما لكم لا تعتقدون لله إثباتا عن أبي مسلم «وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً» أي خلقكم طورا نطفة ثم طورا علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم كسا العظام لحما ثم أنشأه خلقا آخر نبت له الشعر و كمل له الصورة عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و قيل أطوارا أحوالا حالا بعد حال و قيل معناه صبيانا ثم شبانا ثم شيوخا و قيل خلقكم مختلفين في الصفات أغنياء و فقراء و زمناء و أصحاء و طوالا و قصارا و الآية محتملة للجميع.

544
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة نوح الآيات 15 الى 28 ص 545

[سورة نوح (71): الآيات 15 الى 28]
أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (15) وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (16) وَ اللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَ يُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً (18) وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً (19)
لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً (20) قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَ اتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَ وَلَدُهُ إِلاَّ خَساراً (21) وَ مَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً (22) وَ قالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَ لا تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لا سُواعاً وَ لا يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً (23) وَ قَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً (24)
مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً (25) وَ قالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً (27) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَباراً (28)

القراءة
قرأ أهل المدينة ودا بالضم و الباقون بالفتح و قرأ أبو عمرو مما خطاياهم و الباقون «مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ» بالتاء و المد و الهمزة و قد ذكرنا الاختلاف في ولده في سورة مريم (ع).
الحجة
قال أبو عبيدة زعموا أن ودا كان صنم لهذا الحي من كلب و حكاه بالفتح قال و سمعت قول الشاعر:
         فحياك ود ما هداك لفتية             و خوص بأعلى ذي طوالة هجد
و قال أبو الحسن ضم أهل المدينة الواو و عسى أن يكون لغة في اسم الصنم و سمعت هذا البيت:
         حياك ودا فإنا لا يحل لنا             لهو النساء و أن الدين قد عزما
الواو مضمومة و خطاياهم جمع التكسير و خطيئات جمع التصحيح و ما زائدة كالتي في قوله فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ و قوله فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ*.
اللغة
الفجاج الطرق المتسعة المتفرقة واحدها فج و قيل الفج المسلك بين جبلين و السواع هنا صنم و في غيره الساعة من الليل و مثله السعواء و الكبار الكبير جدا يقال كبير ثم كبار ثم كبار و مثله عجيب و عجاب و عجاب و حسن و حسان و حسان و
روي أن أعرابيا سمع النبي ص يقرأ «وَ مَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً» فقال ما أفصح ربك يا محمد
و هذا من جفاء الأعراب لأن الله تعالى سبحانه لا يوصف بالفصاحة و ديارا فيعال من الدوران و نحوه القيام و الأصل قيوام و ديوار فقلبت الواو ياء و أدغمت إحداهما في الأخرى قال الزجاج يقال ما بالدار ديار أي ما بها أحد يدور في الأرض قال الشاعر:

545
مجمع البيان في تفسير القرآن10

اللغة ص 545

         و ما نبالي إذا ما كنت جارتنا             أن لا يجاورنا إلاك ديار
فجعل المتصل موضع المنفصل ضرورة.
الإعراب‏
طباقا منصوبا على أحد وجهين أن يكون على تقدير خلقهن طباقا و أن يكون نعتا لسبع أي سبع سماوات ذات طباق نباتا مصدر فعل محذوف تقديره أنبتكم فنبتم نباتا و قال الزجاج هو محمول على المعنى لأن معنى أنبتكم جعلكم تنبتون نباتا و ما من قوله «مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ» مزيدة لتأكيد الكلام.
المعنى‏
ثم خاطب سبحانه المكلفين منبها لهم على توحيده فقال «أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً» أي واحدة فوق الأخرى كالقباب «وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً» قيل فيه وجوه (أحدها) أن المعنى و جعل القمر نورا في السماوات و الأرض عن ابن عباس قال يضي‏ء ظهره لما يليه من السماوات و يضي‏ء وجهه لأهل الأرض و كذلك الشمس (و ثانيها) أن معنى فيهن معهن يعني و جعل القمر معهن أي مع خلق السماوات نورا لأهل الأرض (و ثالثها) أن معنى فيهن في حيزهن و إن كان في واحدة منها كما تقول أتيت بني تميم و إنما أتيت بعضهم «وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً» أي مصباحا يضي‏ء لأهل الأرض كما كانت الشمس جعل فيها النور للاستضاءة به كانت سراجا فهي سراج العالم كما أن المصباح سراج الإنسان «وَ اللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً» يعني مبتدأ خلق آدم و آدم خلق من الأرض و الناس ولده و هذا كقوله «وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً» و قيل معناه أنه أنشأ جميع الخلق باغتذاء ما تنبته الأرض و نما فيها و قيل معناه أنبتكم من الأرض بالكبر بعد الصغر و بالطول بعد القصر «ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها» أي في الأرض أمواتا «وَ يُخْرِجُكُمْ» منها عند البعث أحياء «إِخْراجاً» و إنما ذكر المصدر تأكيدا «وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً» أي مبسوطة ليمكنكم المشي عليها و الاستقرار فيها ثم بين أنه إنما جعلها كذلك «لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً» أي طرقا واسعة و قيل طرقا مختلفة عن ابن عباس و قيل سبلا في الصحاري و فجاجا في الجبال و إنما عدد سبحانه هذه الضروب من النعم امتنانا على خلقه و تنبيها لهم على استحقاقه للعبادة خالصة من كل شرك و دلالة لهم على أنه عالم بمصالحهم و مدبر لهم على ما تقتضيه الحكمة فيجب أن لا يقابلوا هذه النعم الجليلة بالكفر و الجحود ثم عاد سبحانه إلى ذكر نوح (ع) بقوله «قالَ نُوحٌ» على سبيل الدعاء «رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي» فيما أمرتهم به و نهيتهم عنه يعني قومه «وَ اتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَ وَلَدُهُ إِلَّا خَساراً» أي و اتبعوا أغنياء

546
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 546

قومهم اغترارا بما آتاهم الله من المال و الولد فقالوا لو كان هذا رسولا لله لكان له ثروة و غنى و قرئ «وَلَدُهُ» و ولده بالضم و الفتح فالولد الجماعة من الأولاد و الولد الواحد و قيل هما سواء و الخسار الهلاك بذهاب رأس المال و قيل إن معناه اتبع الفقراء و السفلة الرؤساء الذين لم يزدهم كثرة المال و الأولاد إلا هلاكا في الدنيا و عقوبة في الآخرة «وَ مَكَرُوا» في دين الله «مَكْراً كُبَّاراً» أي كبيرا عظيما عن الحسن و قيل معناه قالوا قولا عظيما عن ابن عباس و قيل اجترءوا على الله و كذبوا رسله عن الضحاك و قيل مكرهم تحريشهم سفلتهم على قتل نوح (ع) «وَ قالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ» أي لا تتركوا عبادة أصنامكم ثم خصوا أصناما لهم معروفة بعد دخولها في الجملة الأولى تعظيما لها فقالوا «لا تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لا سُواعاً وَ لا يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً» و هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها ثم عبدتها العرب فيما بعد عن ابن عباس و قتادة و قيل إن هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم و نوح (ع) فنشأ قوم بعدهم يأخذون أخذهم في العبادة فقال لهم إبليس لو صورتم صورهم كان أنشط لكم و أشوق إلى العبادة ففعلوا فنشأ بعدهم قوم فقال لهم إبليس إن الذين كانوا قبلكم كانوا يعبدونهم فعبدوهم فمبدأ عبادة الأوثان كان ذلك الوقت عن محمد بن كعب و قيل كان نوح يحرس جسد آدم على جبل بالهند و يحول بينه و بين الكفار لئلا يطوفوا بقبره فقال لهم إبليس إن هؤلاء يفخرون عليكم و يزعمون أنهم بنو آدم دونكم و إنما هو جسد و أنا أصور لكم مثله تطيفون به فنحت خمسة أصنام و حملهم على عبادتها و هي ود و سواع و يعوق و يغوث و نسر فلما كان أيام الغرق دفن الطوفان تلك الأصنام و طمها التراب فلم تزل مدفونة حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب فاتخذت قضاعة ودا فعبدوها بدومة الجندل ثم توارثها بنوه الأكابر فالأكابر حتى صارت إلى كلب فجاء الإسلام و هو عندهم و أخذ بطنان من طي يغوث فذهبوا به إلى مراد فعبدوه زمانا ثم أن بني ناجية أرادوا أن ينزعوه منهم ففروا به إلى بني الحرث بن كعب و أما يعوق فكان لكهلان ثم توارثه بنوه الأكبر فالأكبر حتى صار إلى همدان و أما نسر فكان لخثعم يعبدونه و أما سواع فكان لآل ذي الكلاع يعبدونه عن ابن عباس و قيل إن أوثان قوم نوح صارت إلى العرب فكانت ود بدومة الجندل و سواع برهاط لهذيل و كان يغوث لبني غطيف من مراد و كان يعوق لهمدان و كان نسر لآل ذي الكلاع من حمير و كان اللات لثقيف و أما العزى فلسليم و غطفان و جشم و نضر و سعد بن بكر و أما مناة فكانت لفديد و أما إساف و نائلة و هبل فلأهل مكة و كان إساف حيال الحجر الأسود و كانت نائلة حيال الركن اليماني و كان هبل في جوف الكعبة
                       

547
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 546

ثمانية عشر ذراعا عن عطا و قتادة و الثمالي و قال الواقدي كان ود على صورة رجل و سواع على صورة امرأة و يغوث على صورة أسد و يعوق على صورة فرس و نسر على صورة نسر من الطير «وَ قَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً» أي ضل بعبادتها و بسببها كثير من الناس نظيره رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ و قيل معناه و قد أضل كبراؤهم كثيرا من الناس عن مقاتل و أبي مسلم و على هذا فإن الضمير في أضلوا يعود إلى أكابر قوم نوح «وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا» أي هلاكا كما في قوله «إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَ سُعُرٍ» و قيل إلا فتنة بالمال و الولد و قيل إلا ذهابا عن الجنة و الثواب قال البلخي لا تزدهم إلا منعا من الطاعات عقوبة لهم على كفرهم فإنهم إذا ضلوا استحقوا منع الألطاف التي تفعل بالمؤمنين فيطيعون عندها و يمتثلون و لا يجوز أن يفعل بهم الضلال عن الحق و الإيمان لأن ذلك لا يجوز في صفة الحكيم تعالى الله عن ذلك «مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا» أي من خطيئاتهم و ما مزيدة و التقدير من أجل ما ارتكبوه من الخطايا و الكبائر «أُغْرِقُوا» على وجه العقوبة «فَأُدْخِلُوا ناراً» بعد ذلك ليعاقبوا فيها «فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً» أي لم يجدوا أحدا يمنعهم من عذاب الله و إنما أتى سبحانه بألفاظ المضي على معنى الاستقبال لصدق الوعد به و قال الضحاك أغرقوا فادخلوا نارا في الدنيا في حالة واحدة كانوا يغرقون من جانب و يحترقون في النار من جانب و أنشد ابن الأنباري:
         الخلق مجتمع طورا و مفترق             و الحادثات فنون ذات أطوار
         لا تعجبن لأضداد إذا اجتمعت             فالله يجمع بين الماء و النار
 «وَ قالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً» أي نازل دار يعني لا تدع منهم أحدا إلا أهلكته قال قتادة ما دعا بهذا عليهم إلا بعد أن أنزل عليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلذلك قال «إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ» أي إن تتركهم و لم تهلكهم يضلوا عبادك عن الدين بالإغواء و الدعاء إلى خلافه «وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً» و إلا فلم يعلم نوح الغيب و إنما قال ذلك بعد أن أعلمه الله إياه و المعنى و لا يلدوا إلا من يكون عند بلوغه كافرا لأنه لا يذم على الكفر من لم يقع منه فعل الكفر و قال مقاتل و الربيع و عطاء إنما قال ذلك نوح (ع) لأن الله تعالى أخرج من أصلابهم كل من يكون مؤمنا و أعقم أرحام نسائهم و أيبس أصلاب رجالهم قبل العذاب بأربعين سنة و أخبر الله تعالى نوحا بأنهم لا يؤمنون و لا يلدون مؤمنا فحينئذ دعا عليهم فأجاب الله دعاءه فأهلكهم كلهم و لم يكن فيهم صبي وقت العذاب ثم دعا لنفسه و للمؤمنين و المؤمنات فقال «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ»

548
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 546

و اسم أبيه لمك بن متوشلخ و اسم أمه سمحاء بنت أنوش و كانا مؤمنين و قيل يريد آدم و حواء «وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً» أي دخل داري و قيل مسجدي عن الضحاك و قيل سفينتي و قيل يريد بيت محمد ص «وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ» عامة و قيل من أمة محمد ص عن الكلبي «وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً» أي هلاكا و دمارا قال أهل التحقيق دعا نوح (ع) دعوتين دعوة على الكافرين و دعوة للمؤمنين فاستجاب الله دعوته على الكافرين فأهلك من كان منهم على وجه الأرض و نرجو أن يستجيب أيضا دعوته للمؤمنين فيغفر لهم.

549
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة الجن مكية و آياتها ثمان و عشرون ص 550

(72) سورة الجن مكية و آياتها ثمان و عشرون (28)
[توضيح‏]
و هي ثمان و عشرون آية
فضلها
أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأ سورة الجن أعطي بعدد كل جني و شيطان صدق بمحمد و كذب به عتق رقبة.
حنان بن سدير عن أبي عبد الله (ع) قال من أكثر قراءة قل أوحي لم يصبه في حياة الدنيا شي‏ء من أعين الجن و لا من نفثهم و لا من سحرهم و لا من كيدهم و كان مع محمد ص فيقول يا رب لا أريد بهم بدلا و لا أريد بدرجتي حولا.
تفسيرها
لما تقدم في سورة نوح (ع) أتباع قومه أكابرهم افتتح سبحانه في هذه السورة اتباع الجن نبينا ص ليعلم الفرق بين من ربحت صفقته و بين من خسرت بيعته فقال:

550
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة الجن الآيات 1 الى 10 ص 551

[سورة الجن (72): الآيات 1 الى 10]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَ لَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (2) وَ أَنَّهُ تَعالى‏ جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَ لا وَلَداً (3) وَ أَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً (4)
وَ أَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (5) وَ أَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (6) وَ أَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (7) وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً (8) وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (9)
وَ أَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (10)

القراءة
قرأ أبو جعفر «قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ» بفتح الألف و لم يختلفوا فيه ثم قرأ في الآية الثالثة و «أَنَّهُ تَعالى‏» بالفتح و في الرابعة «وَ أَنَّهُ كانَ يَقُولُ» بالفتح و في السادسة «وَ أَنَّهُ كانَ رِجالٌ» بالفتح و يقرأ ما سواها بالكسر إلا قوله «وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا» «وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ» «وَ أَنَّهُ لَمَّا قامَ» فإنه يقرأ هذه الثلاثة بالفتح و قال الرواة عنه ما كان مردودا على الوحي فهو أنه بالفتح و ما كان من قول الجن فهو بالكسر و هذا قول غير مستقيم على قراءته و يمكن أن يكون قد وقع خلل في روايته و قرأ ابن عامر و أهل الكوفة غير أبي بكر بالفتح من قوله أنه تعالى إلى قوله و أنا منا المسلمون و قرأ الباقون كله بالكسر إلا قوله «وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا» «وَ أَنَّ الْمَساجِدَ» فإنهما بالفتح لم يختلفوا فيه و قرأ نافع و عاصم برواية أبي بكر و إنه لما قام بالكسر و الباقون بالفتح و قرأ يعقوب أن لن تقول بتشديد الواو و فتحها و فتح القاف و روي ذلك عن الجحدري و الحسن و الباقون «أَنْ لَنْ تَقُولَ» بالتخفيف و في الشواذ قراءة جوية بن عابد قل أحي إلي على وزن فعل.
الحجة
قال أبو علي أما قوله «أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا» فإنه يجوز فيه أمران (أحدهما) أن تكون أن المخففة من الثقيلة فيكون محمولا على الوحي كأنه أوحي إلي أن لو استقاموا و فصل لو بينها و بين الفعل كفصل السين و لا في قوله «أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ» و عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ (و الآخر) أن يكون أن قبل لو بمنزلة اللام في قوله «لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ» إلى قوله «لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ» و قوله «لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَ يَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ» فتلحق مرة و تسقط أخرى لأن لو بمنزلة فعل الشرط فكما لحقت اللام زائدة قبل أن الداخلة على الشرط كذلك لحقت أن هذه قبل لو و معنى أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ قد قيل فيه قولان (أحدهما) لو استقاموا على طريقة الهدى (و الآخر) لو استقاموا على الطريقة الكفر

551
مجمع البيان في تفسير القرآن10

الحجة ص 551

و يستدل على القول الأول بقوله تعالى «وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ» و قوله «وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى‏ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ» و يستدل على الآخر بقوله تعالى «وَ لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ»" و أما" قوله «وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ» فزعم سيبويه أن المفسرين حملوه على أوحي كأنه و أوحي إلي أن المساجد لله و مذهب الخليل أنه على قوله و لأن المساجد لله فلا تدعوا كما أن قوله «إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ»* على قوله و لأن هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون أي لهذا فاعبدون و مثله في قول الخليل لِإِيلافِ قُرَيْشٍ كأنه قال لهذا فليعبدوا قال سيبويه و لو قرأ و إن المساجد بالكسر لكان جيدا فأما قوله «وَ أَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ» فإنه على «أُوحِيَ إِلَيَّ» و يكون أن يقطع من قوله «أُوحِيَ» و يستأنف به كما جوز سيبويه القطع من أوحي في قوله و إن المساجد لله و على هذا يحمل قراءة من كسر إن من قوله «وَ أَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ» و من قرأ كل ذلك بالفتح فإنه للحمل على أوحي و يجوز أن يكون على غيره كما حمل المفسرون وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ على الوحي و حمله الخليل على ما ذكرناه عنه فأما ما جاء من ذلك بعد قول فحكاية كما حكى قوله «قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ» و كذلك ما بعد فاء الجزاء لأن ما بعد فاء الجزاء موضع ابتداء و لذلك حمل سيبويه وَ مَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ على أن الابتداء فيها مضمر و مثل ذلك في هذه السورة وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ و من قرأ لن تقول فيكون قوله «كَذِباً» منصوبا على المصدر من غير حذف موصوف و ذلك أن لن تقول في معنى تكذب فجرى مجرى تبسمت و ميض البرق فإنه منصوب بفعل مضمر دل عليه تبسمت أي أو مضت فكأنه قال إن لن تكذب الإنس و الجن على الله كذبا قال ابن جني و من رأى أن ينتصب وميض البرق بنفس تبسمت لأنه في معنى أومضت أيضا كذبا بنفس تقول لأنه بمعنى كذب و من قرأ «أَنْ لَنْ تَقُولَ» على وزن تقوم فإن كذبا وصف مصدر محذوف أي قولا كذبا فكذبا هاهنا وصف لا مصدر كما في قوله «وَ جاؤُ عَلى‏ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ» أي كاذب فإن جعلته هاهنا مصدرا نصبته نصب المفعول به أي لن تقول كذبا كقولك قلت حقا و قلت شعرا و لا يحسن أن تجعله مع تقول وصفا أي تقول تقولا كذبا لأن التقول لا يكون إلا كذبا فلا فائدة فيه و من قرأ أحي فهو من وحيت إليه بمعنى أوحيت و أصله وحي فلما انضمت الواو ضما لازما همزت و نحوه وَ إِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ أي وقتت قال العجاج‏
         " وحي لها القرار

 

552
مجمع البيان في تفسير القرآن10

الحجة ص 551

         فاستقرت"
اللغة
الجد أصله القطع و منه الجد العظمة لانقطاع كل عظمة عنها لعلوها عليه و منه الجد أبو الأب لانقطاعه بعلو أبوته و كل من فوقه لهذا الولد أجداد و الجد الحظ لانقطاعه بعلو شأنه و الجد خلاف الهزل لانقطاعه عن السخف و منه الجديد لأنه حديث عهد بالقطع في غالب الأمر و الرهق لحاق الإثم و أصله اللحوق و منه راهق الغلام إذا لحق حال الرجال قال الأعشى:
         لا شي‏ء ينفعني من دون رؤيتها             هل يشتفي وامق ما لم يصب رهقا
أي لم يغش إثما.
الإعراب‏
حرسا منصوب على التمييز و هو جمع حارس و يجوز أن يكون جمع حرسي فيكون مثل عربي و عرب و شديدا مذكر محمول على اللفظ و يمكن أن يكون على النسبة أي ذات شدة و مقاعد نصب لأنه ظرف مكان. «أَ شَرٌّ أُرِيدَ» مبتدأ و خبر و إنما جاز أن تكون النكرة مبتدأ من غير تخصيص لأجل همزة الاستفهام كما يجوز ذلك بعد حرف النفي لأن كليهما يفيد معنى العموم.
المعنى‏
أمر سبحانه نبيه محمدا ص أن يخبر قومه بما لم يكن لهم به علم فقال «قُلْ» يا محمد «أُوحِيَ إِلَيَّ» إنما ذكره على لفظ ما لم يسم فاعله تفخيما و تعظيما و الله سبحانه أوحى إليه و أنزل الملك عليه «أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ» أي استمع القرآن طائفة من الجن و هم جيل رقاق الأجسام خفيفة على صورة مخصوصة بخلاف صورة الإنسان و الملائكة فإن الملك مخلوق من النور و الإنس من الطين و الجن من النار «فَقالُوا» أي قالت الجن بعضها لبعض «إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً» و العجب ما يدعو إلى التعجب منه لخفاء سببه و خروجه عن العادة في مثله فلما كان القرآن قد خرج بتأليفه المخصوص عن العادة في الكلام و خفي سببه عن الأنام كان عجبا لا محالة و أيضا فإنه مباين لكلام الخلق في‏

553
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 553

المعنى و الفصاحة و النظام لا يقدر أحد على الإتيان بمثله و قد تضمن أخبار الأولين و الآخرين و ما كان و ما يكون أجراه الله على يد رجل أمي من قوم أميين فاستعظموه و سموه عجبا «يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ» أي يدل على الهدى و يدعو إليه و الرشد ضد الضلال «فَآمَنَّا بِهِ» أي صدقنا بأنه من عند الله «وَ لَنْ نُشْرِكَ» فيما بعد «بِرَبِّنا أَحَداً» فنوجه العبادة إليه بل نخلص العبادة لله تعالى و المعنى أنا قد بدأنا بأنفسنا فقبلنا الرشد و الحق و تركنا الشرك و اعتقدنا التوحيد و في هذا دلالة على أنه ص كان مبعوثا إلى الجن و الإنس و على أن الجن عقلاء مخاطبون و بلغات العرب عارفون و على أنهم يميزون بين المعجز و غير المعجز و أنهم دعوا قومهم إلى الإسلام و أخبروهم بإعجاز القرآن و أنه كلام الله تعالى لأن كلام العباد لا يتعجب منه و
روى الواحدي بإسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ما قرأ رسول الله ص على الجن و ما رآهم انطلق رسول الله ص في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ و قد حيل بين الشياطين و بين خبر السماء فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا ما لكم قالوا حيل بيننا و بين خبر السماء و أرسلت علينا الشهب قالوا ما ذاك إلا من شي‏ء حدث فاضربوا مشارق الأرض و مغاربها فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة بالنبي ص و هو بنخل عامدين إلى سوق عكاظ و هو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له و قالوا هذا الذي حال بيننا و بين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم و قالوا «إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَ لَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً» فأوحى الله تعالى إلى نبيه ص «قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ» و رواه البخاري و مسلم أيضا في الصحيح‏
و
عن علقمة بن قيس قال قلت لعبد الله بن مسعود من كان منكم مع النبي ص ليلة الجن فقال ما كان منا معه أحد فقدناه ذات ليلة و نحن بمكة فقلنا اغتيل رسول الله ص أو استطير فانطلقنا نطلبه من الشعاب فلقيناه مقبلا من نحو حراء فقلنا يا رسول الله أين كنت لقد أشفقنا عليك و قلنا له بتنا الليلة بشر ليلة بات بها قوم حين فقدناك فقال لنا أنه أتاني داعي الجن فذهبت أقرئهم القرآن فذهب بنا فأرانا آثارهم و آثار نيرانهم فأما أن يكون صحبه منا أحد فلم يصحبه‏
و عن أبي روق قال هم تسعة نفر من الجن قال أبو حمزة الثمالي و بلغنا أنهم من بني الشيصبان هم أكثر الجن عددا و هم عامة جنود إبليس و قيل كانوا سبعة نفر من جن نصيبين رآهم النبي ص فآمنوا به و أرسلهم إلى سائر الجن «وَ أَنَّهُ تَعالى‏ جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَ لا وَلَداً» الاختيار كسر إن لأنه من قول الجن لقومهم و هو معطوف على قوله «فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً» أي و قالوا تعالى جد ربنا و قال الفراء من فتح فتقديره فآمنا به و آمنا بأنه تعالى جد ربنا و كذلك كل ما كان بعده ففتح أن بوقوع الإيمان عليه و المعنى تعالى جلال ربنا و عظمته عن اتخاذ الصحابة و الولد عن الحسن‏

554
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 553

و مجاهد و قيل معناه تعالت صفات الله التي هي له خصوصا و هي الصفات العالية التي ليست للمخلوقين عن أبي مسلم و قيل معناه جل ربنا في صفاته فلا تجوز عليه صفات الأجسام و الأعراض عن الجبائي و قيل تعالى قدرة ربنا عن ابن عباس و قيل تعالى ذكره عن مجاهد و قيل فعله و أمره عن الضحاك و قيل علا ملك ربنا عن الأخفش و قيل تعالى آلاؤه و نعمه على الخلق عن القرظي و الجميع يرجع إلى معنى واحد و هو العظمة و الجلال على ما تقدم ذكرهما و منه قول أنس بن مالك كان الرجل إذا قرأ سورة البقرة جد في أعيننا أي عظم و
قال الربيع بن أنس أنه قال ليس لله تعالى جد و إنما قالته الجن بجهالة فحكاه سبحانه كما قالت و روي ذلك عن أبي جعفر الباقر (ع) و أبي عبد الله (ع)
 «وَ أَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا» أي جاهلنا «عَلَى اللَّهِ شَطَطاً» أرادوا بسفيههم إبليس عن مجاهد و قتادة و الشطط السرف في ظلم النفس و الخروج عن الحق فاعترفوا بأن إبليس كان يخرج عن الحد في إغواء الخلق و دعائهم إلى الضلال و قيل شططا أي قولا بعيدا من الحق و هو الكذب في التوحيد و العدل «وَ أَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً» اعترفوا بأنهم ظنوا أن لن يقول أحد من الإنس و الجن كذبا على الله في اتخاذ الشريك معه و الصاحبة و الولد أي حسبنا أن ما يقولونه من ذلك صدق و أنا على حق حتى سمعنا القرآن و تبينا الحق به و في هذا دلالة على أنهم كانوا مقلدة حتى سمعوا الحجة و انكشف لهم الحق فرجعوا عما كانوا عليه و في إشارة إلى بطلان التقليد و وجوب اتباع الدليل «وَ أَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ» أي يعتصمون و يستجيرون و كان الرجل من العرب إذا نزل الوادي في سفره ليلا قال أعوذ بعزيز هذا الوادي من شر سفهاء قومه عن الحسن و مجاهد و قتادة و كان هذا منهم على حسب اعتقادهم أن الجن تحفظهم قال مقاتل و أول من تعوذ بالجن قوم من اليمن ثم بنو حنيفة ثم فشا في العرب و قيل معناه و أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من أجل الجن و من معرة الجن عن البلخي قال لأن الرجال لا تكون إلا في الناس و قال الأولون في الجن رجال مثل ما في الناس «فَزادُوهُمْ رَهَقاً» أي فزاد الجن الإنس إثما على إثمهم الذي كانوا عليه من الكفر و المعاصي عن ابن عباس و قتادة و قيل رهقا أي طغيانا عن مجاهد و قيل فرقا و خوفا عن الربيع و ابن زيد و قيل شرا عن الحسن و قيل زادوهم ذلة و ضعفا قال الزجاج يجوز أن يكون الإنس الذين كانوا يستعيذون بالجن زادوا الجن رهقا و ذلك أن الجن كانوا يزدادون طغيانا في قومهم بهذا التعوذ فيقولون سدنا الإنس و الجن و يجوز أن يكون الجن زاد الإنس رهقا «وَ أَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً» قيل معناه قال مؤمنوا الجن لكفارهم‏

555
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 553

إن كفار الإنس الذين يعوذون برجال من الجن في الجاهلية حسبوا كما حسبتم يا معشر الجن أن لن يبعث الله رسولا بعد موسى أو عيسى و وراء هذا أن الجن مع تمردهم و عتوهم لما سمعوا القرآن آمنوا و اهتدوا به فأنتم معاشر العرب أولى بالتفكر و التدبر لتؤمنوا و تهتدوا مع أن الرسول من جنسكم و لسانه لسانكم و قيل إن هذه الآية مع ما قبلها اعتراض من إخبار الله تعالى يقول إن الجن ظنوا كما ظننتم معاشر الإنس أن الله لا يحشر أحدا يوم القيامة و لا يحاسبه عن الحسن و قيل يعني لن يبعث الله أحدا رسولا عن قتادة ثم حكى عن الجن قولهم «وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ» أي مسسناها و قيل معناه طلبنا الصعود إلى السماء فعبر عن ذلك باللمس مجازا عن الجبائي و قيل التمسنا قرب السماء لاستراق السمع عن أبي مسلم «فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً» أي حفظة من الملائكة شدادا «وَ شُهُباً» و التقدير ملئت السماء من الحرس و الشهب و هو جمع شهاب و هو نور يمتد من السماء كالنار «وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ» أي لاستراق السمع أي كان يتهيأ لنا فيما قبل القعود في مواضع الاستماع فنسمع منها صوت الملائكة و كلامهم «فَمَنْ يَسْتَمِعِ» منا «الْآنَ» ذلك «يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً» يرمى به و يرصد له و شهبا مفعول به و رصدا صفته قال معمر قلت للزهري أ كان يرمى بالنجوم في الجاهلية قال نعم قلت أ فرأيت قوله «أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها» الآية قال غلظ و شدد أمرها حين بعث النبي ص قال البلخي إن الشهب كانت لا محالة فيما مضى من الزمان غير أنه لم يكن يمنع بها الجن عن صعود السماء فلما بعث النبي ص منع بها الجن من الصعود «وَ أَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ» أي بحدوث الرجم بالشهب و حراسة السماء جوزوا هجوم انقطاع التكليف أو تغيير الأمر بتصديق نبي من الأنبياء و ذلك قوله «أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً» أي صلاحا و قيل معناه إن هذا المنع لا يدري العذاب سينزل بأهل الأرض أم لنبي يبعث و يهدي إلى الرشد فإن مثل هذا لا يكون إلا لأحد هذين الأمرين و سمي العذاب شرا لأنه مضرة و سمي بعثة الرسول رشدا لأنه منفعة.

556
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة الجن الآيات 11 الى 20 ص 557

[سورة الجن (72): الآيات 11 الى 20]
وَ أَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَ مِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً (11) وَ أَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَ لَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (12) وَ أَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى‏ آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَ لا رَهَقاً (13) وَ أَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَ مِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (14) وَ أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (15)
وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ مَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً (17) وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18) وَ أَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (19) قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَ لا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (20)

القراءة
قرأ أهل العراق غير أبي عمرو يسلكه بالياء و الباقون بالنون و قرأ ابن عامر برواية هشام لبدا بضم اللام و الباقون بكسرها و قرأ أبو جعفر و عاصم و حمزة «قُلْ إِنَّما أَدْعُوا» و الباقون قال و في الشواذ قراءة الأعمش و يحيى بن وثاب لو استقاموا بضم الواو و قراءة الحسن و الجحدري لبدا بالتشديد و في رواية أخرى عن الجحدري لبدا بضمتين.
الحجة
من قرأ «يَسْلُكْهُ» بالياء فلتقدم ذكر الغيبة في قوله «وَ مَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ» و من قرأ بالنون فهو مثل قوله وَ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ بعد قوله سبحانه الَّذِي أَسْرى‏ و من قرأ قال إنما أدعوا فلتقدم ذكر الغيبة أيضا في قوله «وَ أَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ» و من قرأ «قُلْ» فلأن بعده قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ* قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ و من قرأ لبدا فإن اللبد الكثير من قوله مالًا لُبَداً و كأنه قيل له لبد لركوب بعضه على بعض و لصوق بعضه ببعض لكثرته و اللبد جمع لبدة و هي الجماعة و قد يقال ذلك للجراد الكثير قال بعض الهذليين:
         صابوا بستة أبيات و واحدة             حتى كان عليهم جابيا لبدا
قال الجبائي هو الجراد لأنه يجبي كل شي‏ء بأكله و قال الزجاج اللبدة و اللبدة بمعنى‏

557
مجمع البيان في تفسير القرآن10

الحجة ص 557

و من قرأ لبدا بالتشديد فإنه وصف على فعل كالجبا و الزمل و يجوز أن يكون جمع لأبد فيكون مثل راكع و ركع و اللبد من الأوصاف التي جاءت على فعل كناقة سرح و رجل طلق و من قرأ لو استقاموا فإنه على التشبيه بواو الجماعة نحو قوله اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ* كما شبهت تلك بهذه فقيل اشتروا الضلالة و قد مضى هذا في سورة البقرة.
اللغة
الصالح عامل الصلاح الذي يصلح به حاله في دينه و أما المصلح فهو فاعل الصلاح الذي يقوم به أمر من الأمور و لهذا يوصف سبحانه بأنه مصلح و لا يوصف بأنه صالح و الطرائق جمع طريقة و هي الجهة المستمرة مرتبة بعد مرتبة و القدد القطع جمع قدة و هي المستمرة بالقد في جهة واحدة و الرهق لحاق السرف في الأمر و هو الظلم و القاسط الجائر و المقسط العادل و نظيره الترب الفقير و المترب الغني و أصله التراب فالأول ذهب ماله حتى لصق بالتراب و الآخر كثر ماله حتى صار بعدد التراب و كذلك القاسط هو العادل عن الحق و المقسط العادل إلى الحق قال:
         قوم هم قتلوا ابن هند عنوة             عمرا و هم قسطوا على النعمان‏
و قال آخر:
         قسطنا على الأملاك في عهد تبع             و من قبل ما أردى النفوس عقابها
و التحري تعمد إصابة الحق و أصله طلب الشي‏ء و القصد له قال امرؤ القيس:
         ديمة هطلاء فيها وطف             طبق الأرض تحري و تدر
و ماء غدق كثير و غدق المكان يغدق غدقا كثر فيه الماء و الندى و هو غدق عن الزجاج و قال أمية بن أبي الصلت:
         مزاجها سلسبيل ماؤها غدق             عذب المذاقة لا ملح و لا كدر

558
مجمع البيان في تفسير القرآن10

اللغة ص 558

و الصعد الغليظ الصعب المتصعب في العظم و منه التنفس الصعداء و الصعود العقبة الكؤود الشاقة.
المعنى‏
ثم قال سبحانه في تمام الحكاية عن الجن الذين آمنوا عند سماع القرآن «وَ أَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ» و هم الذين عملوا الصالحات المخلصون «وَ مِنَّا دُونَ ذلِكَ» أي دون الصالحين في الرتبة عن ابن عباس و قتادة و مجاهد «كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً» أي فرقا شتى على مذاهب مختلفة و أهواء متفرقة من مسلم و كافر و صالح و دون الصالح عن ابن عباس و مجاهد و قيل قددا ألوانا شتى مختلفين عن سعيد بن جبير و الحسن و قيل فرقا متباينة كل فرقة تباين صاحبتها كما يبين المقدود بعضه من بعض قال السدي الجن أمثالكم فيهم قدرية و مرجئة و رافضة و شيعة «وَ أَنَّا ظَنَنَّا» أي علمنا و تيقنا «أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ» أي لن نفوته إذا أراد بنا أمرا «وَ لَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً» أي أنه يدركنا حيث كنا «وَ أَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى‏ آمَنَّا بِهِ» اعترفوا بأنهم لما سمعوا القرآن الذي فيه الهدى صدقوا به ثم قالوا «فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ» أي يصدق بتوحيد ربه و عرفه على صفاته «فَلا يَخافُ» تقديره فإنه لا يخاف «بَخْساً» أي نقصانا فيما يستحقه من الثواب «وَ لا رَهَقاً» أي لحاق ظلم و غشيان مكروه و كأنه قال لا يخاف نقصا قليلا و لا كثيرا و ذلك أن أجره و ثوابه موفر على أتم ما يمكن فيه و قيل معناه فلا يخاف نقصا من حسناته و لا زيادة في سيئاته عن ابن عباس و الحسن و قتادة و ابن زيد قالوا لأن البخس النقصان و الرهق العدوان و هذه حكاية عن قوة إيمان الجن و صحة إسلامهم ثم قالوا «وَ أَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ» الذين استسلموا لما أمرهم الله سبحانه به و انقادوا لذلك «وَ مِنَّا الْقاسِطُونَ» أي الجائرون عن طريق الحق «فَمَنْ أَسْلَمَ» لما أمره الله به «فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً» أي توجهوا الرشد و التمسوا الثواب و الهدى و تعمدوا إصابة الحق و ليسوا كالمشركين الذين ألفوا ما يدعوهم إليه الهوى و زاغوا عن طريق الهدى «وَ أَمَّا الْقاسِطُونَ» العادلون عن طريق الحق و الدين «فَكانُوا» في علم الله و حكمه «لِجَهَنَّمَ حَطَباً» يلقون فيها فتحرقهم كما تحرق النار الحطب أو يكون معناه فسيكونون لجهنم حطبا توقد بهم كما توقد النار بالحطب «وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً» هذا ابتداء حكم من الله سبحانه أي لو استقام الإنس و الجن على طريقة الإيمان عن ابن عباس و السدي و قيل أراده مشركي مكة أي لو آمنوا و استقاموا على الهدى لأسقيناهم ماء كثيرا من السماء و ذلك بعد ما رفع ماء المطر عنهم سبع سنين عن مقاتل و قيل لو آمنوا و استقاموا لوسعنا عليهم في الدنيا و ضرب الماء الغدق مثلا لأن الخير كله و الرزق يكون في المطر و هذا كقوله «وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ» إلى قوله «لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ» و قوله «لَفَتَحْنا عَلَيْهِم‏

559
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 559

بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ» و قيل معناه لو استقاموا على طريقة الكفر فكانوا كفارا كلهم لأعطيناهم مالا كثيرا و لوسعنا عليهم تغليظا للمحنة في التكليف و لذلك قال «لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ» أي لنختبرهم بذلك عن الفراء و هو قول الربيع و الكلبي و الثمالي و أبي مسلم و ابن مجلز و دليله فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ الآية و قيل لنفتنهم معناه لنعاملهم معاملة المختبر في شدة التعبد بتكليف الانصراف عما تدعو شهواتهم إليه و في ذلك المحنة الشديدة و هي الفتنة و المثوبة على قدر المشقة في الصبر عما تدعو إليه الشهوات و روي عن عمر بن الخطاب أنه قال في هذه الآية أينما كان الماء كان المال و أينما كان المال كانت الفتنة و قيل معناه لتختبرهم كيف يكون شكرهم للنعم عن سعيد بن المسيب و قتادة و مقاتل و الحسن و الأولى أن تكون الاستقامة على الطريقة محمولة على الاستقامة في الدين و الإيمان لأنها لا تطلق إلا على ذلك و لأنها في موضع التلطف و الاستدعاء إلى الإيمان و الحث على الطاعة و
في تفسير أهل البيت (ع) عن أبي بصير قال قلت لأبي جعفر (ع) قول الله «إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا»* قال هو و الله ما أنتم عليه و لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا
و
عن بريد العجلي عن أبي عبد الله (ع) قال معناه لأفدناهم علما كثيرا يتعلمونه من الأئمة
ثم قال سبحانه على وجه التهديد و الوعيد «وَ مَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ» أي و من يعدل عن الفكر فيما يؤديه إلى معرفة الله و توحيده و الإخلاص في عبادته و قيل عن شكر الله و طاعته «يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً» أي يدخله عذابا شاقا شديدا متصعدا في العظم و إنما قال يسلكه لأنه تقدم ذكر الطريقة و قيل معناه عذابا ذا صعد أي ذا مشقة «وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً» تقديره و لأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا سوى الله عن الخليل و المعنى لا تذكروا مع الله في المواضع التي بنيت للعبادة و الصلاة أحدا على وجه الإشراك في عبادته كما تفعل النصارى في بيعهم و المشركون في الكعبة قال الحسن من السنة عند دخول المساجد أن يقال لا إله إلا الله لا أدعو مع الله أحدا و قيل المساجد مواضع السجود من الإنسان و هي الجبهة و الكفان و أصابع الرجلين و عينا الركبتين و هي لله تعالى إذ خلقها و أنعم بها فلا ينبغي أن يسجد بها لأحد سوى الله تعالى عن سعيد بن جبير و الزجاج و الفراء و
روي أن المعتصم سأل أبا جعفر محمد بن علي بن موسى الرضا (ع) عن قوله تعالى «وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ» فقال هي الأعضاء السبعة التي يسجد عليها
و قيل إن المراد بالمساجد البقاع كلها و ذلك لأن الأرض كلها جعلت للنبي ص مسجدا عن الحسن و قال سعيد بن جبير قالت الجن للنبي ص كيف لنا أن نأتي المسجد و نشهد معك الصلاة و نحن ناءون عنك فنزلت الآية و روي عن الحسن أيضا أن المساجد الصلوات و هي لله و المراد أخلصوا لله العبادة

560
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 559

و أقروا له بالتوحيد و لا تجعلوا فيها لغير الله نصيبا «وَ أَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ» يريد به محمدا ص «يَدْعُوهُ» بقول لا إله إلا الله و يدعو إليه و يقرأ القرآن «كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً» أي كاد الجن يركب بعضهم بعضا يزدحمون عليه حرصا منهم على استماع القرآن عن ابن عباس و الضحاك و قيل هو من قول الجن لأصحابهم حين رجعوا إليهم و المراد أن أصحاب النبي ص يتزاحمون عليه لاستماع القرآن منه يود كل واحد منهم أن يكون أقرب من صاحبه فيتلبد بعضهم على بعض عن سعيد بن جبير و قيل هو من جملة ما أوحى الله إلى النبي ص بما كان من حرص الجن على استماع القرآن و قيل معناه أنه لما دعا قريشا إلى التوحيد كادوا يتراكبون عليه بالزحمة جماعات متكاثرات ليزيلوه بذلك عن الدعوة و أبى الله إلا أن ينصره و يظهره على ما ناواه عن قتادة و الحسن و على هذا فيكون ابتداء كلام «قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَ لا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً» و ذلك أنهم قالوا للنبي ص إنك جئت بأمر عظيم لم يسمع مثله فارجع عنه فأجابهم بهذا عن مقاتل و أمره سبحانه بأن يجيبهم بهذا فقال «قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي» و هذا يعضد قول الحسن و قتادة لأنه كالذم لهم على ذلك.

561
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة الجن الآيات 21 الى 28 ص 562

[سورة الجن (72): الآيات 21 الى 28]
قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَ لا رَشَداً (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَ لَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (22) إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَ رِسالاتِهِ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (23) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَ أَقَلُّ عَدَداً (24) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (25)
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى‏ غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى‏ مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَ أَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَ أَحْصى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ عَدَداً (28)

القراءة
قرأ يعقوب ليعلم بضم الياء و الباقون «لِيَعْلَمَ» بفتح الياء و المعنيان متقاربان.
اللغة
الملتحد الملتجأ بالميل إلى جهة و الرصد جمع راصد و هو الحافظ.
الإعراب‏
بلاغا منصوب لأنه بدل من ملتحد أي لن أجد ملجأ إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلني به فهو ملجإي و رسالاته منصوبة بالعطف على محذوف و التقدير إلا بلاغا من الله و آياته و رسالاته قوله «مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً» جملة من مبتدإ و خبر هي تعليق و ناصرا نصب على التمييز و كذلك قوله «عَدَداً» و قوله «أَ قَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ» الاستفهام مع ما في حيزه تعليق «إِلَّا مَنِ ارْتَضى‏» يجوز أن يكون من مبتدأ و قوله «فَإِنَّهُ يَسْلُكُ» خبره و يجوز أن يكون استثناء منقطعا و عددا انتصابه على ضربين (أحدهما) على معنى و أحصى كل شي‏ء في حال العدد فلم يخف عليه سقوط ورقة و لا حبة و لا رطب و لا يابس (و الآخر) أن يكون في موضع المصدر لأن معناه و عد كل شي‏ء عددا عن الزجاج.
المعنى‏
ثم خاطب سبحانه نبيه ص فقال «قُلْ» يا محمد للمكلفين «إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَ لا رَشَداً» أي لا أقدر على دفع الضرر عنكم و لا إيصال الخير إليكم و إنما القادر على ذلك هو الله تعالى و لكني رسول ليس علي إلا البلاغ و الدعاء إلى الدين و الهداية إلى الرشاد و هذا اعتراف بالعبودية و إضافة الحول و القوة إليه تعالى ثم قال «قُلْ» لهم يا محمد «إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ» أي لا يمنعني أحد مما قدره الله علي «وَ لَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ» أي من دون الله «مُلْتَحَداً» أي ملتجأ إليه أطلب به السلامة «إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ» أي تبليغا من الله آياته «وَ رِسالاتِهِ» فإنه ملجإي و منجاي و ملتحدي و لي فيه الأمن و النجاة عن الحسن و الجبائي و قيل معناه لا أملك لكم ضرا و لا رشدا فما علي إلا البلاغ عن الله فكأنه قال لا أملك شيئا سوى تبليغ وحي الله بتوفيقه و عونه عن قتادة و قيل أن قوله «إِلَّا بَلاغاً» يحتمل معنيين (أحدهما) إلا ما بلغني من الله أي لا يجيرني شي‏ء إلا ما أتاني من الله فلا فرق بين أن يقول بلغني كتابه و أن يقول أتاني كتابه (و الثاني) إلا تبليغ ما أنزل إلي فأما القبول و الإيمان فليس إلي و إنما ذلك إليكم عن أبي مسلم و قيل أنه عطف رسالاته على البلاغ فوجب أن يكون غيره فالأولى أن يكون أراد بالبلاغ ما بلغه من توحيد الله و عدله و ما يجوز عليه و ما لا يجوز و أراد بالرسالة ما أرسل لأجله من بيان الشرائع و لما بين سبحانه أنه لا

562
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 562

ملجأ من عذابه إلا طاعته عقبه بوعيد من قارف معصيته فقال «وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ» أي خالف أمره في التوحيد و ارتكب الكفر و المعاصي «فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً» جزاء على ذلك «حَتَّى إِذا رَأَوْا» في الآخرة «ما يُوعَدُونَ» به من العقاب في الدنيا و قيل هو عذاب الاستئصال «فَسَيَعْلَمُونَ» عند ذلك «مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَ أَقَلُّ عَدَداً» المشركون أم المؤمنون و قيل أ جند الله أم الذي عبده المشركون و إنما قال «مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً» و لا ناصر لهم في الآخرة لأنه جاء على جواب من توهم أنه إن كانت الآخرة فناصرهم أقوى و عددهم أكثر و في هذا دلالة على أن المراد بقوله «وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ» الكفار و كانوا يفتخرون على النبي ص بكثرة جموعهم و يصفونه بقلة العدد فبين سبحانه أن الأمر سينعكس عليهم «قُلْ» يا محمد «إِنْ أَدْرِي» أي لست أعلم «أَ قَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ» به من العذاب «أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً» أي مهلة و غاية ينتهي إليها قال عطاء أراد أنه لا يعرف يوم القيامة إلا الله وحده «عالِمُ الْغَيْبِ» أي هو عالم الغيب يعلم متى تكون القيامة «فَلا يُظْهِرُ عَلى‏ غَيْبِهِ أَحَداً» أي لا يطلع على الغيب أحدا من عباده ثم استثنى فقال «إِلَّا مَنِ ارْتَضى‏ مِنْ رَسُولٍ» يعني الرسل فإنه يستدل على نبوتهم بأن يخيروا بالغيب لتكون آية معجزة لهم و معناه أن من ارتضاه و اختاره للنبوة و الرسالة فإنه يطلعه على ما شاء من غيبه على حسب ما يراه من المصلحة و هو قوله «فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً» و الرصد الطريق أي يجعل له إلى علم ما كان قبله من الأنبياء و السلف و علم ما يكون بعده طريقا و قيل معناه أنه يحفظ الذي يطلع عليه الرسول فيجعل من بين يديه و من خلفه رصدا من الملائكة يحفظون الوحي من أن تسترقه الشياطين فتلقيه إلى الكهنة و قيل رصدا من بين يدي الرسول و من خلفه و هم الحفظة من الملائكة يحرسونه عن شر الأعداء و كيدهم فلا يصل إليه شرهم و قيل المراد به جبرائيل (ع) أي يجعل من بين يديه و من خلفه رصدا كالحجاب تعظيما لما يتحمله من الرسالة كما جرت عادة الملوك بأن يضموا إلى الرسول جماعة من خواصهم تشريفا له و هذا
كما روي أن سورة الأنعام نزلت و معها سبعون ألف ملك‏
 «لِيَعْلَمَ» الرسول «أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا» يعني الملائكة قال سعيد بن جبير ما نزل جبرائيل بشي‏ء من الوحي إلا و معه أربعة من الملائكة حفظة فيعلم الرسول أنه قد أبلغ الرسالة على الوجه الذي قد أمر به و قيل ليعلم من كذب الرسل أن الرسل قد أبلغوا رسالات الله عن مجاهد و قيل ليعلم محمد ص أن الرسل قبله قد أبلغ جميعهم «رِسالاتِ رَبِّهِمْ» كما أبلغ هو إذ كانوا محروسين محفوظين بحفظ الله عن قتادة و قيل ليعلم الله أن قد أبلغوا عن الزجاج و قيل معناه ليظهر المعلوم على ما كان سبحانه عالما و يعلمه واقعا كما كان يعلم أنه سيقع و قيل أراد

563
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 562

ليبلغوا فجعل بدل ذلك قوله «لِيَعْلَمَ» إبلاغهم توسعا عن الجبائي و هذا كما يقول الإنسان ما علم الله ذلك مني أي ما كان ذلك أصلا لأنه لو كان لعلم الله ذلك فوضع العلم موضع الكون «وَ أَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ» أي أحاط الله علما بما لدى الأنبياء و الخلائق و هم لا يحيطون إلا بما يطلعهم الله عليه مما هو عند الله «وَ أَحْصى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ عَدَداً» أي أحصى ما خلق و عرف عدد ما خلق لم يفته علم شي‏ء حتى مثاقيل الذر و الخردل عن ابن عباس و قيل معناه عد جميع المعلومات المعدومة و الموجودة عدا فعلم صغيرها و كبيرها و قليلها و كثيرها و ما يكون و ما لا يكون و ما كان و ما لم يكن و لو كان كيف كان و قيل معناه لا شي‏ء يعلمه عالم أو يذكره ذاكر إلا و هو تعالى عالم به و محص إياه عن الجبائي قال الإحصاء فعل و ليس هو بمنزلة العلم فلا يجوز أن يقال أحصى ما لا يتناهى كما يجوز أن يقال علم ما لا يتناهى فإن حمل على العلم تناول جميع المعلومات و إن حمل على العد تناول الموجودات.

564
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة المزمل مكية و آياتها عشرون ص 565

(73) سورة المزمل مكية و آياتها عشرون (20)
[توضيح‏]
و هي مدنية و قيل بعضها مكي و بعضها مدني.
عدد آيها
ثماني عشرة آية المدني الأخير و تسع عشرة بصري عشرون في الباقين.
اختلافها
ثلاث آيات «الْمُزَّمِّلُ» كوفي شامي و المدني الأول «شِيباً» غير المدني الأخير «إِلَيْكُمْ رَسُولًا» مكي.
فضلها
أبي بن كعب قال قال رسول الله ص و من قرأ سورة المزمل رفع عنه العسر في الدنيا و الآخرة
منصور بن حازم عن أبي عبد الله (ع) قال و من قرأ سورة المزمل في العشاء الآخرة أو في آخر الليل كان له الليل و النهار شاهدين مع السورة و أحياه الله حياة طيبة و أماته ميتة طيبة.
تفسيرها
لما ختم الله سورة الجن بذكر الرسل افتتح هذه السورة بذكر نبينا ص خاتم الرسل فقال:

565
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة المزمل الآيات 1 الى 10 ص 566

[سورة المزمل (73): الآيات 1 الى 10]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (4)
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5) إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِيلاً (6) إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً (7) وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (9)
وَ اصْبِرْ عَلى‏ ما يَقُولُونَ وَ اهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً (10)

القراءة
قرأ أبو عمرو و ابن عامر وطاء بكسر الواو و المد و الباقون «وَطْئاً» بفتح الواو و سكون الطاء مقصورا و قرأ أهل الكوفة غير حفص و ابن عامر و يعقوب رب المشرق بالجر و الباقون بالرفع و في الشواذ قراءة عكرمة المزمل و المدثر خفيفة الزاي و الدال مشددة الميم و الثاء و قراءة أبي السماك قم الليل بضم الميم.
الحجة
من قرأ أشد وطاء فمعناه مواطاة أي موافقة و ملاءمة و منه لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ أي ليوافقوا و المعنى أن صلاة ناشئة الليل و عمل ناشئة الليل يواطئ السمع القلب فيها أكثر مما يواطئ في ساعات النهار و لأن البال أفرغ لانقطاع كثير مما يشغل بالنهار و من قال «وَطْئاً» فالمعنى أنه أشق على الإنسان من القيام بالنهار لأن الليل للدعة و السكون و
جاء في الحديث اللهم اشدد وطأتك على مضر
 «وَ أَقْوَمُ قِيلًا» أي أشد استقامة و صوابا لفراغ البال و انقطاع ما يشغله قال:
         له و لها وقع بكل قرارة             و وقع بمستن الفضاء قويم‏
أي مستقيم.
و الناشئة ما يحدث و ينشأ من ساعات الليل و الرفع في «رَبُّ الْمَشْرِقِ» يحتمل أمرين (أحدهما) أنه لما قال «وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ» قطعه من الأول فقال هو «رَبُّ الْمَشْرِقِ» فيكون خبر مبتدإ محذوف (و الآخر) أن يكون مبتدأ و خبره الجملة التي هي «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» و من جر فعلى إتباعه قوله «اسْمَ رَبِّكَ» و أما قوله المزمل بتخفيف الزاي فعلى حذف المفعول به يا أيها المزمل نفسه و المدثر نفسه و حذف المفعول كثير قال الحطيئة:
         منعمة تصون إليك منها             كصونك من رداء شرعبي‏

566
مجمع البيان في تفسير القرآن10

الحجة ص 566

أي تصون حديثا و تخزنه كقول الشنفري:
         كان لها في الأرض نسيا نقصه             على أمها و إن تكلمك تبلت‏
و من قرأ قم الليل و ضم فيمكن أن يكون ضمه للاتباع.
اللغة
المزمل المتزمل في ثيابه أدغم التاء في الزاي لأن الزاي قريبة المخرج من التاء و هي أندى في المسموع من التاء و كل شي‏ء لفف فقد زمل قال امرؤ القيس:
         كان ثبيرا في عرانين وبله             كبير أناس في بجاد مزمل‏
و النصف أحد قسمي الشي‏ء المساوي للآخر في المقدار كما أن الثلث جزء من ثلاثة و الربع جزء من أربعة و هذه من صفات الأجسام فإذا رفعت التأليفات عنها بقيت أجزاء لا توصف بأن لها نصفا أو ثلثا أو ربعا و العرض لا يوصف بالنصف و الجزء. و القديم لا يوصف أيضا بذلك لأن هذه عبارات عن مؤلفات على وجوه فإن قيل فإذا يجب أن لا يكون وصف القديم تعالى بأنه واحد مدحا فالجواب أن معنى قولنا أنه واحد اختصاصه بصفات لا يستحقها غيره و هي كونه قادرا عالما لذاته قديما و نحو ذلك و إذا قيل أنه لا يتجزأ فليس بمدح إلا أن يقال أنه حي لا يتجزأ بخلاف غيره من الأحياء و الترتيل ترتيب الحروف على حقها في تلاوتها بتثبت فيها و الحدر هو الإسراع فيها و كلاهما حسن إلا أن الترتيل هنا هو المرغب فيه و الإلقاء مثل التلقية تقول ألقت على فلان مسألة و الأقوم الأخلص استقامة و السبح التقلب و منه السابح في الماء لتقلبه فيه و قرأ يحيى بن يعمر و الضحاك سبخا طويلا بالخاء و معناه التوسعة يقال سبخت القطن إذا وسعته للندف و منه‏
قول النبي ص لعائشة و قد سمعها تدعو على سارق لا تسبخي عنه بدعائك عليه‏
أي لا تخففي و يقال لقطع القطن إذا ندف سبائخ قال الأخطل يصف القناص و الكلاب:
         فأرسلوهن يذرين التراب كما             يذري سبائخ قطن ندف أوتار

567
مجمع البيان في تفسير القرآن10

اللغة ص 567

و قال ثعلب السبح التردد و الاضطراب و السبخ السكون و منه‏
قول النبي ص الحمى من فيح جهنم فسبخوها بالماء
أي أسكنوها و التبتل الانقطاع إلى الله عز و جل و إخلاص العبادة له قال امرؤ القيس:
         تضي‏ء الظلام بالعشي كأنها             منارة ممسي راهب متبتل‏
و أصله من تبلت الشي‏ء قطعته و صدقة بتة بتلة أي بائنة مقطوعة من صاحبها لا سبيل له عليها و منه البتول ع لانقطاعها إلى عبادة الله عز و جل.
الإعراب‏
الليل نصب على الظرف إلا قليلا نصب على الاستثناء تقديره إلا شيئا قليلا منه لا تقوم فيه ثم بين القدر فقال «نِصْفَهُ» قال الزجاج أن نصفه بدل من الليل كما تقول ضربت زيدا رأسه فإنما ذكرت زيدا لتوكيد الكلام و هو أوكد من قولك ضربت رأس زيد فالمعنى قم نصف الليل إلا قليلا أو أنقص من النصف أو زد على النصف و أنقص منه قليلا بمعنى إلا قليلا و لكنه ذكر مع الزيادة فالمعنى قم نصف الليل أو أنقص من نصف الليل أو زد على نصف الليل.
المعنى‏
 «يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ» معناه يا أيها المتزمل بثيابه المتلفف بها عن قتادة و قيل يا أيها المتزمل بعباءة النبوة أي المتحمل لأثقالها عن عكرمة و قيل معناه يا أيها النائم و كان قد تزمل للنوم عن السدي و قيل كان يتزمل بالثياب في أول ما جاء به جبرائيل خوفا حتى أنس به و إنما خوطب بهذا في بدء الوحي و لم يكن قد بلغ شيئا ثم خوطب ص بعد ذلك بالنبي و الرسول «قُمِ اللَّيْلَ» للصلاة «إِلَّا قَلِيلًا» و المعنى بالليل صل إلا قليلا من الليل فإن القيام بالليل عبارة عن الصلاة بالليل «نِصْفَهُ» هو بدل من الليل فيكون بيانا للمستثنى منه أي قم نصف الليل و معناه صل من الليل النصف إلا قليلا و هو قوله «أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا» أي من النصف «أَوْ زِدْ عَلَيْهِ» أي على النصف و قال المفسرون أو أنقص من النصف قليلا إلى الثلث أو زد على النصف إلى الثلثين و قيل أن نصفه بدل من القليل فيكون بيانا للمستثنى و المعنى فيهما سواء و يؤيد هذا القول‏
ما روي عن الصادق (ع) قال القليل النصف أو أنقص من القليل قليلا أو زد على القليل قليلا
و
قيل معناه قم نصف الليل إلا قليلا من الليالي و هي ليالي العذر كالمرض و غلبة النوم و علة العين و نحوها أو أنقص من النصف قليلا أو زد عليه‏

568
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 568

ذكره الإمام علي بن أبي الطالب (ع)
خير الله سبحانه نبيه ص في هذه الساعات القيام بالليل و جعله موكولا إلى رأيه و كان النبي ص و طائفة من المؤمنين معه يقومون على هذه المقادير و شق ذلك عليهم فكان الرجل منهم لا يدري كم صلى و كم بقي من الليل فكان يقوم الليل كله مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب حتى خفف الله عنهم بآخر هذه السورة
و عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعيد بن هشام قال قلت لعائشة أنبئيني عن قيام رسول الله ص فقال أ لست تقرأ «يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ» قلت بلى قالت فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة فقام نبي الله و أصحابه حولا و أمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا في السماء حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف فصار قيام الليل تطوعا بعد أن كان فريضة
و قيل كان بين أول السورة و آخرها الذي نزل فيه التخفيف عشر سنين عن سعيد بن جبير و قيل كان هذا بمكة قبل فرض الصلوات الخمس ثم نسخ بالخمس عن ابن كيسان و مقاتل و قيل لما نزل أول المزمل كانوا يقومون نحوا من قيامهم في شهر رمضان فكان بين أولها و آخرها سنة عن ابن عباس و قيل أن الآية الأخيرة نسخت الأولى عن الحسن و عكرمة و ليس في ظاهر الآيات ما يقتضي النسخ فالأولى أن يكون الكلام على ظاهره فيكون القيام بالليل سنة مؤكدة مرغبا فيه و ليس بفرض «وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا» أي بينه بيانا و اقرأه على هينتك ثلاث آيات و أربعا و خمسا عن ابن عباس قال الزجاج و البيان لا يتم بأن تعجل في القرآن إنما يتم بأن تبين جميع الحروف و توفي حقها من الإشباع قال أبو حمزة قلت لابن عباس إني رجل في قراءتي و في كلامي عجلة فقال ابن عباس لأن أقرأ البقرة أرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله و قيل معناه ترسل فيه ترسلا عن مجاهد و قيل معناه تثبت فيه تثبتا عن قتادة و
روي عن أمير المؤمنين (ع) في معناه أنه قال بينه بيانا و لا تهذه هذ الشعر و لا تنثره نثر الرمل و لكن أقرع به القلوب القاسية و لا يكونن هم أحدكم آخر السورة
و
عن أبي عبد الله (ع) قال إذا مررت بآية فيها ذكر الجنة فاسأل الله الجنة و إذا مررت بآية فيها ذكر النار فتعوذ بالله من النار
و قيل الترتيل هو أن تقرأ على نظمه و تواليه و لا تغير لفظا و لا تقدم مؤخرا و هو مأخوذ من ترتل الأسنان إذا استوت و حسن انتظامها و ثغر رتل إذا كانت أسنانه مستوية لا تفاوت فيها و قيل رتل معناه ضعف و الرتل اللين عن قطرب قال و المراد بهذا تحزين القرآن أي اقرأه بصوت حزين و يعضده‏
ما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله (ع) في هذا قال هو أن تتمكث فيه و تحسن به صوتك‏
و
روي عن أم سلمة أنها قالت كان رسول الله ص يقطع قراءته آية آية
و
عن أنس قال كان يمد صوته مدا
و
عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ص يقال لصاحب القرآن اقرأ و ارق و رتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك‏

569
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 568

عند آخر آية تقرؤها
 «إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا» أي سنوحي عليك قولا يثقل عليك و على أمتك أما ثقله عليه فلما فيه من تبليغ الرسالة و ما يلحقه من الأذى فيه و ما يلزمه من قيام الليل و مجاهدة النفس و ترك الراحة و الدعة و أما ثقله على أمته فلما فيه من الأمر و النهي و الحدود و هذا معنى قول قتادة و مقاتل و الحسن قال ابن زيد هو و الله ثقيل مبارك و كما ثقل في الدنيا ثقل في الموازين يوم القيامة و قيل ثقيلا لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق و نفس مؤيدة بالتوحيد و قيل ثقيلا ليس بالسفساف الخفيف لأنه كلام ربنا جلت عظمته عن الفراء و قيل معناه قولا عظيم الشأن كما يقال هذا كلام رصين و هذا الكلام له وزن إذا كان واقعا موقعه و قيل معناه قولا ثقيلا نزوله فإنه ص كان يتغير حاله عند نزوله و يعرق و إذا كان راكبا يبرك راحلته و لا يستطيع المشي و
سأل الحرث بن هشام رسول الله ص فقال يا رسول الله كيف يأتيك الوحي فقال ص أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس و هو أشد علي فيفصم عني و قد وعيت ما قال و أحيانا يتمثل الملك رجلا فأعي ما يقول‏
قالت عائشة أنه كان ليوحى إلى رسول الله ص و هو على راحلته فيضرب بجرانها قالت و لقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه و إن جبينه ليرفض عرقا
و قيل ثقيلا على الكفار لما فيه من الكشف عن جهلهم و ضلالهم و سفه أحلامهم و قبح أفعالهم «إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ» معناه إن ساعات الليل لأنها تنشأ ساعة بعد ساعة و تقديره أن ساعات الليل الناشئة و قال ابن عباس هو الليل كله لأنه ينشأ بعد النهار و قال مجاهد هي ساعات التهجد من الليل و قيل هي بالحبشية قيام الليل عن عبد الله بن مسعود و سعيد بن جبير و قيل هي القيام بعد النوم عن عائشة و قيل هي ما كان بعد العشاء الآخرة عن الحسن و قتادة و المروي‏
عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع) أنهما قالا هي القيام في آخر الليل إلى صلاة الليل‏
 «هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً» أي أكثر ثقلا و أبلغ مشقة لأن الليل وقت الراحة و العمل يشق فيه و من قال وطاء فالمعنى أشد مواطاة للسمع و البصر يتوافق فيها قلب المصلي و لسانه و سمعه على التفهم و التفكر إذ القلب غير مشتغل بشي‏ء من أمور الدنيا «وَ أَقْوَمُ قِيلًا» أي أصوب للقراءة و أثبت للقول لفراغ البال و انقطاع ما يشغل القلب عن أنس و مجاهد و ابن زيد و
قال أبو عبد الله (ع) هو قيام الرجل عن فراشه لا يريد به إلا الله تعالى‏
 «إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا» معناه أن لك يا محمد في النهار منصرفا و منقلبا إلى ما تقضي فيه حوائجك عن قتادة و المراد أن مذاهبك في النهار و مشاغلك كثيرة فإنك تحتاج فيه إلى تبليغ الرسالة و دعوة الخلق و تعليم الفرائض و السنن و إصلاح المعيشة لنفسك و عيالك و في الليل يفرغ القلب‏

570
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 568

للتذكر و القراءة فاجعل ناشئة الليل لعبادتك لتأخذ بحظك من خير الدنيا و الآخرة و في هذا دلالة على أنه لا عذر لأحد في ترك صلاة الليل لأجل التعليم و التعلم لأن النبي ص كان يحتاج إلى التعليم أكثر مما يحتاج الواحد منا إليه ثم لم يرض سبحانه أن يترك حظه من قيام الليل «وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ» يعني أسماء الله تعالى التي تعبد بالدعاء بها و قيل اقرأبسم الله الرحمن الرحيم في ابتداء صلاتك توصلك بركة قراءتها إلى ربك و تقطعك من كل ما سواه و قيل و اقصد بعملك وجه ربك «وَ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا» أي أخلص له إخلاصا عن ابن عباس و غيره يعني في الدعاء و العبادة و قيل انقطع إليه انقطاعا عن عطاء و هو الأصل و قيل توكل عليه توكلا عن شقيق و قيل تفرغ لعبادته عن ابن زيد و قد جاء في الحديث النهي عن التبتل و المراد به الانقطاع عن الناس و الجماعات و كان يجب أن يقول تبتلا لأن المراد بتلك الله من المخلوقين و اصطفاك لنفسه تبتيلا فتبتل أنت أيضا إليه و قيل إنما قال تبتيلا ليطابق أواخر آيات السورة و
روى محمد بن مسلم و زرارة و حمران عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع) أن التبتل هنا رفع اليدين في الصلاة
و
في رواية أبي بصير قال هو رفع يدك إلى الله و تضرعك إليه‏
 «رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ» أي رب العالم بما فيه لأنه بين المشرق و المغرب و قيل رب مشرق الشمس و مغربها و المراد أول النهار و آخره فأضاف النصف الأول من النهار إلى المشرق و النصف الآخر منه إلى المغرب و قيل مالك المشرق و المغرب أي المتصرف فيما بينهما و المدبر لما بينهما «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» أي لا أحد تحق له العبادة سواه «فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا» أي حفيظا للقيام بأمرك و قيل معناه فاتخذه كافيا لما وعدك به و اعتمد عليه و فوض أمرك إليه تجده خير حفيظ و كاف «وَ اصْبِرْ عَلى‏ ما يَقُولُونَ» لك يعني الكفار من التكذيب و الأذى و النسبة إلى السحر و الكهانة «وَ اهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا» و الهجر الجميل إظهار الموجدة عليهم من غير ترك الدعاء إلى الحق على وجه المناصحة قال الزجاج هذا يدل على أنه نزل قبل الأمر بالقتال و قيل بل هو أمر بالتلطف في استدعائهم فيجب مع القتال و لا نسخ و في هذا دلالة على وجوب الصبر على الأذى لمن يدعو إلى الدين و المعاشرة بأحسن الأخلاق و استعمال الرفق ليكونوا أقرب إلى الإجابة.

571
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة المزمل الآيات 11 الى 19 ص 572

[سورة المزمل (73): الآيات 11 الى 19]
وَ ذَرْنِي وَ الْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَ مَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (11) إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَ جَحِيماً (12) وَ طَعاماً ذا غُصَّةٍ وَ عَذاباً أَلِيماً (13) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَ الْجِبالُ وَ كانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً (14) إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى‏ فِرْعَوْنَ رَسُولاً (15)
فَعَصى‏ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً (16) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (17) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً (18) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبِيلاً (19)

اللغة
يذر و يدع بمعنى يترك و لا يقال وذر و لا ودع و استغني بترك عن ذلك لأن الابتداء بالواو عندهم مكروه و لذلك أبدلوا منها الهمزة في أقتت و التاء في تخمة و تراث و النعمة بفتح النون لين اللمس و ضدها الخشونة و النعمة الثروة و المنة أيضا و النعمة بضم النون المسرة يقال نعم و نعمة عين و نعمى عين و الأنكال القيود واحدها نكل و الغصة تردد اللقمة في الحلق و لا يسيغها آكلها يقال غص بريقه يغص غصصا و في قلبه غصة من كذا و هي كاللدغة التي لا يسوغ معها الطعام و الشراب قال عدي بن زيد:
         لو بغير الماء حلقي شرق             كنت كالغصان بالماء اعتصاري‏
و الكثيب الرمل المجتمع الكثير و هلت الرمل أهيله هيلا فهو مهيل إذا حرك أسفله فسال أعلاه و
منه الحديث كيلوا و لا تهيلوا و كل ثقيل وبيل‏
و منه كلأ مستوبل أي مستوخم لا يستمرأ لثقله و منه الوبل و الوابل و هو المطر العظيم القطر و منه الوبال و هو ما يغلظ على النفس و الوبيل أيضا الغليظ من العصي قال طرفة:
         فمرت كهاة ذات خيف جلالة             عقيلة شيخ كالوبيل يلندد

572
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 573

المعنى‏
ثم قال سبحانه مهددا للكفار «وَ ذَرْنِي» يا محمد «وَ الْمُكَذِّبِينَ» الذين يكذبونك فيما تدعوهم إليه من التوحيد و إخلاص العبادة و في البعث و الجزاء و هذا كما يقول القائل دعني و إياه إذا أراد أن يهدده و هو نصب على أنه مفعول معه «أُولِي النَّعْمَةِ» يعني المتنعمين ذوي الثروة في الدنيا أي كل جزاءهم إلي و لا تشغل قلبك بمجازاتهم «وَ مَهِّلْهُمْ قَلِيلًا» و هذا أيضا وعيد لهم و لم يكن إلا يسيرا حتى كانت وقعة بدر و المعنى و أخرهم في المدة قليلا قال مقاتل نزلت في المطعمين ببدر و هم عشرة ذكرناهم في الأنفال و قيل نزلت في صناديد قريش و المستهزءين «إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا» أي عندنا قيودا في الآخرة عظاما لا تفك أبدا عن مجاهد و قتادة و قيل أغلالا «وَ جَحِيماً» و هو اسم من أسماء جهنم و قيل يعني و نارا عظيمة و لا يسمى القليل به «وَ طَعاماً ذا غُصَّةٍ» أي ذا شوك يأخذ الحلق فلا يدخل و لا يخرج عن ابن عباس و قيل طعاما يأخذ بالحلقوم لخشونته و شدة تكرهه و قيل يعني الزقوم و الضريع و
روي عن حمران بن أعين عن عبد الله بن عمر أن النبي ص سمع قارئا يقرأ هذه فصعق‏
 «وَ عَذاباً أَلِيماً» أي عقابا موجعا مؤلما ثم بين سبحانه متى يكون ذلك فقال «يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ» أي تتحرك باضطراب شديد «وَ الْجِبالُ» أي و ترجف الجبال معها أيضا و تضطرب بمن عليها «وَ كانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا» أي رملا سائلا متناثرا عن ابن عباس و قيل المهيل الذي إذا وطأته القدم زل من تحتها و إذا أخذت أسفله انهار أعلاه عن الضحاك و المعنى أن الجبال تنقلع من أصولها فتصير بعد صلابتها كالرمل السائل ثم أكد سبحانه الحجة على أهل مكة فقال «إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا» يعني محمدا ص «شاهِداً عَلَيْكُمْ» أي يشهد عليكم في الآخرة بما يكون منكم لا في الدنيا «كَما أَرْسَلْنا إِلى‏ فِرْعَوْنَ» بمصر «رَسُولًا» يعني موسى ابن عمران «فَعَصى‏ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ» و لم يقبل منه ما دعاه إليه «فَأَخَذْناهُ» بالعذاب «أَخْذاً وَبِيلًا» أي شديدا ثقيلا مع كثرة جنوده و سعة ملكه يعني الغرق حذرهم سبحانه أن ينالهم مثل ما نال فرعون و قومه «فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ» و لم تؤمنوا برسولكم «يَوْماً» أي عقاب يوم «يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً» و هو جمع أشيب و هذا وصف لذلك اليوم و شدته كما يقال هذا أمر يشيب منه الوليد و تشيب منه النواصي إذا كان عظيما شديدا و المعنى بأي شي‏ء تتحصنون من عذاب ذلك اليوم إن كفرتم و كيف تدفعون عنكم ذلك قال النابغة:

573
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 573

         سقط النصيف و لم ترد إسقاطه             فتناولته و اتقتنا باليد
أي دفعتنا ثم زاد سبحانه في وصف شدة ذلك اليوم فقال «السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ» الهاء تعود إلى اليوم و هذا كما يقال فلان بالكوفة أي هو فيها و المعنى أن السماء تنفطر و تنشق في ذلك اليوم من هوله و قيل سبب ذلك اليوم و هوله و شدته و قيل بأمر الله و قدرته و لم يقل منفطرة لأن لفظة السماء مذكر فيجوز أن يذكر و يؤنث و من ذكر أراد السقف و قيل معناه ذات انفطار كما يقال امرأة مطفل أي ذات أطفال و مرضع ذات رضاع فيكون على طريق النسبة «كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا» أي كائنا لا خلف فيه و لا تبديل «إِنَّ هذِهِ» الصفة التي ذكرناها و بيناها «تَذْكِرَةٌ» أي عظة لمن أنصف من نفسه و التذكرة الموعظة التي يذكر بها ما يعمل عليه «فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبِيلًا» أي فمن شاء من المكلفين اتخذ إلى ثواب ربه سبيلا لأنه قادر على الطاعة التي لو فعلها وصل إلى الثواب و قد رغبه الله تعالى فيه و دعاه إلى فعل ما يوصله إليه و بعث رسولا يدعوه إليه فمن لم يصل إليه فبسوء اختياره انصرف عنه.

574
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة المزمل آية 20 ص 575

[سورة المزمل (73): آية 20]
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى‏ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ وَ طائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَ اللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى‏ وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَ آخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ أَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَ أَعْظَمَ أَجْراً وَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20)
القراءة
قرأ ابن كثير و أهل الكوفة نصفه و ثلثه بالنصب و الباقون بالجر.
الحجة
قال أبو علي من نصب حمله على أدنى و أدنى في موضع نصب قال أبو عبيدة أدنى أقرب فكأنه قال إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل و تقوم نصفه و ثلثه و من جر فإنه يحمله على الجار قال أبو الحسن و ليس المعنى عليه فيما بلغنا لأن المعنى يكون على أدنى من نصفه و أدنى من ثلثه قال و كان الذي افترض الثلث و أكثر من الثلث قال فأما الذين قرءوا بالجر فعلى أن يكون المعنى أنكم إن لم تؤدوا ما فرض الله عليكم فقوموا أدنى من ثلثي الليل و من نصفه و من ثلثه.
المعنى‏
ثم خاطب سبحانه نبيه ص فقال «إِنَّ رَبَّكَ» يا محمد «يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى‏» أي أقرب و أقل «مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ» أي أقل من نصفه و ثلثه و الهاء تعود إلى الليل أي نصف الليل و ثلث الليل و المعنى أنك تقوم في بعض الليالي قريبا من الثلثين و في بعضها قريبا من نصف الليل و قريبا من ثلثه و قيل إن الهاء تعود إلى الثلثين أي و أقرب من نصف الثلثين و من ثلث الثلثين و إذا نصبت فالمعنى تقوم نصفه و ثلثه «وَ» تقوم «طائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ» على الإيمان و روى الحاكم أبو القاسم إبراهيم الحسكاني بإسناده عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله «وَ طائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ» قال علي و أبو ذر «وَ اللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ» أي يقدر أوقاتهما لتعلموا فيها على ما يأمركم به و قيل معناه لا يفوته علم ما تفعلون عن عطاء و المراد أنه يعلم مقادير الليل و النهار فيعلم القدر الذي تقومونه من الليل «عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ» قال مقاتل كان الرجل يصلي الليل كله مخافة أن لا يصيب ما أمر به من القيام فقال سبحانه «عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ» أي لن تطيقوا معرفة ذلك و قال الحسن قاموا حتى انتفخت أقدامهم فقال سبحانه إنكم لا تطيقون إحصاءه على الحقيقة و قيل معناه لن تطيقوا المداومة على قيام الليل و يقع منكم التقصير فيه «فَتابَ عَلَيْكُمْ» بأن جعله تطوعا و لم يجعله فرضا عن الجبائي و قيل معناه فلم يلزمكم إثما كما لا يلزم التائب أي رفع التبعة فيه كرفع التبعة عن التائب و قيل فتاب عليكم أي فخفف عليكم «فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ» الآن يعني في صلاة الليل عن أكثر المفسرين و أجمعوا أيضا على أن المراد بالقيام المتقدم في قوله قُمِ اللَّيْلَ هو القيام إلى الصلاة إلا أبا مسلم فإنه قال أراد القيام لقراءة القرآن لا غير و قيل‏

575
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 575

معناه فصلوا ما تيسر من الصلاة و عبر عن الصلاة بالقرآن لأنها تتضمنه و من قال إن المراد به قراءة القرآن في غير الصلاة فهو محمول على الاستحباب عند الأكثرين دون الوجوب لأنه لو وجبت القراءة لوجب الحفظ و قال بعضهم هو محمول على الوجوب لأن القارئ يقف على إعجاز القرآن و ما فيه من دلائل التوحيد و إرسال الرسل و لا يلزم حفظ القرآن لأنه من القرب المستحبة المرغب فيها ثم اختلفوا في القدر الذي تضمنه هذا الأمر من القراءة فقال سعيد بن جبير خمسون آية و قال ابن عباس مائة آية و عن الحسن قال من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن و قال كعب من قرأ مائة آية في ليلة كتب من القانتين و قال السدي مائتا آية و قال جويبر ثلث القرآن لأن الله يسره على عباده و الظاهر أن معنى ما تيسر مقدار ما أردتم و أحببتم «عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى‏» و ذلك يقتضي التخفيف عنكم «وَ آخَرُونَ» أي و منكم قوم آخرون «يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ» أي يسافرون للتجارة و طلب الأرباح عن ابن عباس «وَ آخَرُونَ» أي و منكم قوم آخرون «يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» فكل ذلك يقتضي التخفيف عنكم «فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ» و
روي عن الرضا (ع) عن أبيه عن جده (ع) قال ما تيسر منه لكم فيه خشوع القلب و صفاء السر
 «وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ» بحدودها التي أوجبها الله عليكم «وَ آتُوا الزَّكاةَ» المفروضة «وَ أَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً» أي و أنفقوا في سبيل الله و الجهات التي أمركم الله و ندبكم إلى النفقة فيها و قد مر معنى القرض فيما تقدم «وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ» أي طاعة «تَجِدُوهُ» أي تجدوا ثوابه «عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً» لكم من الشح و التقصير «وَ أَعْظَمَ أَجْراً» أي أفضل ثوابا و هو هنا يسمى فصلا عند البصريين و عمادا عند الكوفيين و يجوز أن يكون صفة للهاء في تجدوه «وَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ» أي اطلبوا مغفرته «إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» أي ستار لذنوبكم صفوح عنكم رحيم بكم منعم عليكم قال عبد الله ابن مسعود أيما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا فباعه بسعر يومه كان عند الله بمنزلة الشهداء ثم قرأ «وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ» الآية و قال ابن عمر ما خلق الله موتة أموتها بعد القتل في سبيل الله أحب إلي من أن أموت بين شقي رحل أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله و قيل إن هذه الآية مدنية و يدل عليها أن الصلاة و الزكاة لم توجبا بمكة و قيل أوجبتا بمكة و الآية مكية.

576
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة المدثر مكية و آياتها ست و خمسون ص 577

(74) سورة المدثر مكية و آياتها ست و خمسون (56)
عدد آيها
خمسون و ست آيات عراقي و البزي و المدني الأول و خمس شامي و المدني الأخير و المكي غير البزي.
اختلافها
 «يَتَساءَلُونَ» غير المدني الأخير «عَنِ الْمُجْرِمِينَ» غير الشامي و المكي إلا البزي.
فضلها
أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأ المدثر أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد ص و كذب به بمكة
محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال من قرأ في الفريضة سورة المدثر كان حقا على الله أن يجعله مع محمد ص في درجته و لا يدركه في حياة الدنيا شقاء أبدا.
تفسيرها
لما أمر سبحانه نبيه ص في آخر المزمل بالصلاة و غيرها أمره في مفتتح هذه السورة بالإنذار فكأنه أمره أن يبدأ بنفسه ثم بالناس فقال:

577
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة المدثر الآيات 1 الى 10 ص 578

[سورة المدثر (74): الآيات 1 الى 10]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ (4)
وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَ لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَ لِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9)
عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)

القراءة
قرأ أبو جعفر و حفص و يعقوب و سهل و الرجز بالضم و الباقون بكسر الراء و قرأ الحسن تستكثر بالجزم و قرأ الأعمش تستكثر بالنصب و القراءة بالرفع.
الحجة
 «الرُّجْزَ» بالضم قراءة الحسن و هو اسم صنم فيما زعموا و قال قتادة هما صنمان إساف و نائلة و من كسر فهو العذاب و المعنى ذات العذاب فاهجر لأن عبادتها تؤدي إلى العذاب و يجوز أن يكون الرجز و الرجز لغتين كالذكر و الذكر و قال ابن جني الجزم في تستكثر يحتمل أمرين (أحدهما) أن يكون بدلا من تمنن فكأنه قال لا تستكثر فإن قيل فعبرة البدل أن يصلح إقامة الثاني مقام الأول و أنت لو قلت لا تستكثر لا يدلك النهي على المن للاستكثار و إنما المعنى لا تمنن من مستكثر قيل قد يكون البدل على حذف الأول و قد يكون على نية ثباته و ذلك كقولك زيد مررت به أبي محمد فتبدل أبا محمد من الهاء و لو قلت زيد مررت مررت بأبي محمد كان قبيحا فقوله «وَ لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ» من هذا القبيل و أنكر أبو حاتم الجزم على البدل (و الآخر) أن يكون أراد تستكثر فأسكن الراء لثقل الضمة مع كثرة الحركات كما حكى أبو زيد من قولهم بَلى‏ وَ رُسُلُنا بإسكان اللام و أما تستكثر بالنصب فبأن مضمرة و ذلك أن يكون بدلا من قوله «وَ لا تَمْنُنْ» في المعنى أ لا ترى أن معناه لا يكن منك من فاستكثار فكأنه قال لا يكن منك من أن تستكثر فتضمر أن لتكون مع الفعل المنصوب بها بدلا عن المن في المعنى الذي دل عليه الفعل و مما وقع فيه الفعل موقع المصدر قوله:
         فقالوا ما تشاء فقلت ألهو             إلى الأصباح آثر ذي أثير
أراد فقلت للهو فوضع ألهو موضع اللهو.
اللغة
المدثر المتفعل من الدثار إلا أن الثاء أدغمت في الدال و هو المتغطي بالثياب عند النوم و التكبير وصف الأكبر على اعتقاد معناه كتكبير المكبر في الصلاة بقوله الله أكبر و التكبير نقيض التصغير و الكبير الشأن هو المختص باتساع للمقدور و المعلوم و الطهارة النظافة بانتفاء النجاسة لأن النظافة قد تكون بانتفاء الوسخ من غير نجاسة و قد تكون بانتفاء النجاسة فالطهارة في الآية هو القسم الأخير و المن ذكر النعمة بما يكدرها و يقطع حق الشكر بها يقال من بعطائه يمن منا إذا فعل ذلك فأما المن على الأسير فهو إطلاقه بقطع أسباب‏

578
مجمع البيان في تفسير القرآن10

اللغة ص 578

الاعتقال عنه و الاستكثار طلب الكثرة و هو هنا طلب ذكر الاستكثار للعطية و الناقور فاعول من النقر كهاضوم من الهضم و حاطوم من الحطم و هو الذي من شأنه أن ينقر فيه للتصويت به و اليسير و القليل الكلفة و منه اليسار و هو كثرة المال لقلة الكلفة به في الإنفاق و منه تيسير الأمور لسهولته.
الإعراب‏
«وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ» تقديره قم فكبر ربك و كذلك ما بعده و فائدة تقديم المفعول عنها التخصيص لأنك إذا قلت و كبر ربك لم يدل ذلك على أنه لا يجوز تكبير غير الرب إذا قلت ربك فكبر دل على أنه لا يجوز تكبير غيره و تستكثر في موضع نصب على الحال فذلك مبتدأ و يوم عسير خبره و يومئذ يجوز أن يكون رفعا و يجوز أن يكون نصبا فإذا كان رفعا فإنما يبنى على الفتح لإضافته إلى إذ لأن إذ غير متمكنة و إذا كان نصبا فعلى الظرف و تقديره فذلك يوم عسير في يوم ينفخ في الصور قاله الزجاج و قال أبو علي في بعض كتبه لا يجوز أن ينتصب يومئذ بقوله «عَسِيرٌ» لأن الصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف و إنما انتصب يومئذ على أنه صلة قوله «فَذلِكَ» لأن ذلك كناية عن المصدر فكأنه قال فذلك النقر يومئذ و على هذا فيكون التقدير فذلك النقر في ذلك الوقت نقر يوم عسير و قوله «عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ» على يتعلق بعسير و لا يتعلق بيسير لأن ما يعمل فيه المضاف إليه لا يتقدم على المضاف على أنهم قالوا إن غيرا في حكم حرف النفي فيجوز أن يعمل ما بعده فيما قبله نحو أن تقول أنت زيدا غير ضارب و لا يجوز أن تقول أنت زيدا مثل ضارب فتعمل ضاربا في زيد و إنما أجازوا أنت زيدا غير ضارب حملا على أنت زيدا لا ضارب.
المعنى‏
خاطب سبحانه نبيه ص فقال «يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ» أي المتدثر بثيابه قال الأوزاعي سمعت يحيى بن أبي كثير يقول سألت أبا سلمة أي القرآن أنزل من قبل قال «يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ» فقلت أو اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ فقال سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل قبل قال «يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ» فقلت أو اقْرَأْ
فقال جابر أحدثكم ما حدثنا رسول الله ص قال جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الواد فنوديت فنظرت أمامي و خلفي و عن يميني و شمالي فلم أر أحدا ثم نوديت فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في الهواء يعني جبرائيل فقلت دثروني دثروني فصبوا علي ماء فأنزل الله عز و جل «يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ»
و
في رواية فحييت منه فرقا حتى هويت إلى الأرض فجئت إلى أهلي فقلت زملوني فنزل «يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ»
 «قُمْ فَأَنْذِرْ» أي ليس بك ما تخافه من الشيطان إنما أنت نبي فأنذر الناس و ادعهم إلى التوحيد و في هذا ما فيه لأن الله تعالى لا يوحي إلى رسوله إلا بالبراهين النيرة و الآيات البينة الدالة على أن ما يوحى إليه‏

579
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 579

إنما هو من الله تعالى فلا يحتاج إلى شي‏ء سواها و لا يفزع و لا يفرق و قيل معناه يا أيها الطالب صرف الأذى بالدثار اطلبه بالإنذار و خوف قومك بالنار و إن لم يؤمنوا و قيل إنه كان قد تدثر بشملة صغيرة لينام فقال يا أيها النائم قم من نومك فأنذر قومك و قيل إن المراد به الجد في الأمر و القيام بما أرسل به و ترك الهوينا فيه فكأنه قيل له لا تنم عما أمرتك به و هذا كما تقول العرب فلان لا ينام في أمره إذا وصف بالجلد و الانكماش و صدق العزيمة و كأنهم يخطرون النوم على ذي الحاجة حتى يبلغ حاجته و بذلك نطقت أشعارهم كما قيل:
         ألا أيها الناهي فزارة بعد ما             أجدت لأمر إنما أنت حالم‏
         أرى كل ذي وتر يقوم بوتره             و يمنع عنه النوم إذ أنت نائم‏
و يقال لمن أدرك ثاره هذا هو الثأر المنيم و قال الشاعر يصف من أورد إبلا له:
         أوردها سعد و سعد مشتمل             ما هكذا تورد يا سعد الإبل‏
و الاشتمال مثل التدثر «وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ» أي عظمه و نزهه عما لا يليق به و قيل كبره في الصلاة فقل الله أكبر «وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ» أي و ثيابك الملبوسة فطهرها من النجاسة للصلاة و قيل معناه و نفسك فطهر من الذنوب و الثياب عبارة عن النفس عن قتادة و مجاهد و على هذا فيكون التقدير و ذا ثيابك فطهر فحذف المضاف و مما يؤيد هذا القول قول عنترة:
         فشككت بالرمح الأصم ثيابه             ليس الكريم على القنا بمحرم‏
و قيل معناه طهر ثيابك من لبسها على معصية أو غدرة كما قال سلامة بن غيلان الثقفي أنشده ابن عباس:
         و إني بحمد الله لا ثوب فاجر             لبست و لا من غدرة أتقنع‏
قال الزجاج معناه و يقال للغادر دنس الثياب و في معناه قول من قال و عملك فأصلح.

580
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 579

قال السدي يقال للرجل إذا كان صالحا أنه لطاهر الثياب و إذا كان فاجرا إنه لخبيث الثياب و
قيل معناه و ثيابك فقصر عن طاووس و روي ذلك عن أبي عبد الله (ع)
قال الزجاج لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسة فإنه إذا انجر على الأرض لم يؤمن أن يصيبه ما ينجسه و قيل معناه و ثيابك فاغسلها عن النجاسة بالماء لأن المشركين كانوا لا يتطهرون عن ابن زيد و ابن سيرين و قيل لا يكن ثيابك من حرام عن ابن عباس و قيل معناه و أزواجك فطهرهن عن الكفر و المعاصي حتى يصرن مؤمنات صالحات و العرب تكني بالثياب عن النساء عن أبي مسلم و
روى أبو بصير عن أبي عبد الله (ع) قال قال أمير المؤمنين (ع) غسل الثياب يذهب الهم و الحزن و هو طهور الصلاة و تشمير الثياب طهور لها و قد قال الله سبحانه «وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ» أي فشمر
 «وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ» أي اهجر الأصنام و الأوثان عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و الزهري و قيل معناه اجتنب المعاصي عن الحسن قال الكسائي الرجز بالكسر العذاب و بالضم الصنم و قال المعنى أهجر ما يؤدي إلى العذاب و لم يفرق غيره بينهما و قيل معناه جانب الفعل القبيح و الخلق الذميم عن الجبائي و قيل معناه أخرج حب الدنيا من قلبك لأنه رأس كل خطيئة «وَ لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ» أي لا تعط عطية لتعطى أكثر منها و هذا للنبي ص خاصة أدبه الله سبحانه بأكرم الآداب و أشرفها عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و النخعي و الضحاك و قيل معناه و لا تمنن حسناتك على الله تعالى مستكثرا لها فينقصك ذلك عند الله عن الحسن و ربيع بن أنس و قيل معناه لا تمنن ما أعطاك الله من النبوة و القرآن مستكثرا به الأجر من الناس عن ابن زيد و قيل هو نهي عن الربا المحرم أي لا تعط شيئا طالبا أن تعطي أكثر مما أعطيت عن أبي مسلم و قيل لا تضعف في عملك مستكثرا لطاعاتك عن مجاهد و قيل و لا تمنن بعطائك على الناس مستكثرا ما أعطيته فإن متاع الدنيا قليل و لأن المن يكدر الصنيعة و قيل معناه إذا أعطيت عطية فأعطها لربك و اصبر حتى يكون هو الذي يثيبك عليها عن زيد بن أسلم و قيل معناه لا تمنن بإبلاغ الرسالة على أمتك عن الجبائي «وَ لِرَبِّكَ» أي لوجه ربك «فَاصْبِرْ» على أذى المشركين عن مجاهد و قيل فاصبر على ما أمرك الله به من أداء الرسالة و تعظيم الشريعة و على ما ينالك من التكذيب و الأذى لتنال الفوز و الذخر و قيل فاصبر عن المعاصي و على الطاعات و المصائب و قيل فاصبر لله على ما حملت من الأمور الشاقة في محاربة العرب و العجم عن ابن زيد «فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ» معناه إذا نفخ في الصور و هي كهيئة البوق عن مجاهد و قيل إن ذلك في النفخة الأولى و هو أول الشدة الهائلة العامة و قيل إنه النفخة الثانية و عندها يحيي الله الخلق و تقوم القيامة و هي صيحة الساعة عن الجبائي «فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ» قد مر معناه في الأعراف «يَوْمٌ عَسِيرٌ» أي شديد «عَلَى الْكافِرِينَ» لنعم الله الجاحدين لآياته «غَيْرُ يَسِيرٍ»

581
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 579

غير هين و لا سهل و هو بمعنى قوله «عَسِيرٌ» إلا أنه أعاده بلفظ آخر للتأكيد كما تقول إني واد لفلان غير مبغض و قيل معناه عسير في نفسه و غير عسير على المؤمنين لما يرون من حسن العاقبة.
[سورة المدثر (74): الآيات 11 الى 31]
ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11) وَ جَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً (12) وَ بَنِينَ شُهُوداً (13) وَ مَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15)
كَلاَّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20)
ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَ بَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَ اسْتَكْبَرَ (23) فَقالَ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هذا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (25)
سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَ ما أَدْراكَ ما سَقَرُ (27) لا تُبْقِي وَ لا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (30)
وَ ما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَ ما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ يَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَ لا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ لِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَ ما هِيَ إِلاَّ ذِكْرى‏ لِلْبَشَرِ (31)

582
مجمع البيان في تفسير القرآن10

اللغة ص 583

اللغة
التمهيد و التوطئة و التذليل و التسهيل نظائر و العنيد الذاهب عن الشي‏ء على طريق العداوة له يقال عند العرق يعند عنودا فهو عاند إذا نفر و المعاندة منافرة المضادة و كذلك العناد و بعير عنود أي نافر قال الشاعر:
         إذا نزلت فاجعلوني وسطا             إني كبير لا أطيق العندا
و الإرهاق الإعجاز بالعنف و الصعود العقبة التي يصعب صعودها و هي الكؤود و عبس يعبس عبوسا إذا قبض وجهه و العبوس و التكليح و التقطيب نظائر و ضدها الطلاقة و البشاشة و البسور بدو التكره في الوجه و أصله من بسر بالأمر إذا عجل به و منه البسر لتعجيل حاله قبل الإرطاب قال توبة:
         و قد رابني منها صدود رأيته             و إعراضها عن حاجتي و بسورها
و الإصلاء إلزام موضع النار يقال أصليته فاصطلى و سقر اسم من أسماء جهنم لم يصرف للتأنيث و التعريف و أصله من سقرته الشمس سقرا إذا ألمت دماغه و الإبقاء ترك شي‏ء مما أخذ و التلويح تغيير اللون إلى الاحمرار و لوحته الشمس تلويحا فهي لواحة على المبالغة و البشر جمع بشرة و هي ظاهر الجلد و منه سمي الإنسان بشرا لأنه ظاهر الجلد بتعريه من الوبر و الريش و الصوف الذي يكون في غيره من الحيوان.
الإعراب‏
وحيدا منصوب على الحال و هو على وجهين أحدهما أن يكون من صفة الله أي ذرني و من خلقته وحدي و الآخر أن يكون من صفة المخلوق.
النزول‏
نزلت الآيات في الوليد بن المغيرة المخزومي و ذلك أن قريشا اجتمعت في دار الندوة فقال لهم الوليد إنكم ذوو أحساب و ذوو أحلام و إن العرب يأتونكم فينطلقون من عندكم على أمر مختلف فاجمعوا أمركم على شي‏ء واحد ما تقولون في هذا الرجل قالوا نقول إنه شاعر فعبس عندها و قال قد سمعنا الشعر فما يشبه قوله الشعر فقالوا نقول إنه كاهن قال إذا تأتونه فلا تجدونه يحدث بما تحدث به الكهنة قالوا نقول إنه لمجنون فقال إذا تأتونه فلا تجدونه مجنونا قالوا نقول إنه ساحر قال و ما الساحر فقالوا بشر يحببون بين المتباغضين‏

583
مجمع البيان في تفسير القرآن10

النزول ص 583

و يبغضون بين المتحابين قال فهو ساحر فخرجوا فكان لا يلقى أحد منهم النبي ص إلا قال يا ساحر يا ساحر و اشتد عليه ذلك فأنزل الله تعالى أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ إلى قوله «إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ» عن مجاهد و يروى أن النبي ص لما أنزل عليه حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وَ قابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ قام إلى المسجد و الوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته فلما فطن النبي ص لاستماعه لقراءته أعاد قراءة الآية فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم فقال و الله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس و لا من كلام الجن و إن له لحلاوة و إن عليه لطلاوة و إن أعلاه لمثر و إن أسفله لمغدق و إنه ليعلو و ما يعلى ثم انصرف إلى منزله فقال قريش صبا و الله و الوليد و الله لتصبان قريش كلهم و كان يقال للوليد ريحانة قريش فقال لهم أبو جهل أنا أكفيكموه فانطلق فقعد إلى جانب الوليد حزينا فقال لي ما أراك حزينا يا ابن أخي قال هذه قريش يعيبونك على كبر سنك و يزعمون أنك زينت كلام محمد فقام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه فقال أ تزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه يخنق قط فقالوا اللهم لا قال أ تزعمون أنه كاهن فهل رأيتم عليه شيئا من ذلك قالوا اللهم لا قال أ تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه أنه بنطق بشعر قط قالوا اللهم لا قال أ تزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه شيئا من الكذب فقالوا اللهم لا و كان يسمى الصادق الأمين قبل النبوة من صدقه فقالت قريش للوليد فما هو فتفكر في نفسه ثم نظر و عبس فقال ما هو إلا ساحر ما رأيتموه يفرق بين الرجل و أهله و ولده و مواليه فهو ساحر و ما يقوله سحر يؤثر.
المعنى‏
ثم قال سبحانه لنبيه ص على وجه التهديد للكافر الذي وصفه «ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً» أي دعني و إياه فإني كاف له في عقابه كما يقول القائل دعني و إياه و معناه دعني و من خلقته متوحدا بخلقه لا شريك لي في خلقه و إن حملته على صفة المخلوق فمعناه دعني و من خلقته في بطن أمه واحد لا مال له و لا ولد يعني الوليد بن المغيرة قال مقاتل معناه خل بيني و بينه فأنا أفرد بهلكته و قال ابن عباس كان الوليد يسمى الوحيد في قومه و
روى العياشي بإسناده عن زرارة و حمران و محمد بن مسلم عن أبي عبد الله و أبي جعفر ع أن الوحيد ولد الزنا
قال زرارة ذكر لأبي جعفر ع عن أحد بني هشام أنه قال في خطبته أنا ابن الوحيد فقال ويله لو علم ما الوحيد ما فخر بها فقلنا له و ما هو من لا يعرف له أب‏
ثم ذكر سبحانه رزقه المال و الولد فقال «وَ جَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً» ما بين مكة إلى‏

584
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 584

الطائف من الإبل المؤبلة و الخيل المسومة و النعم المرحلة و المستغلات التي لا تنقطع غلتها و الجواري و العبيد و العين الكثيرة عن عطاء عن ابن عباس و قيل الممدود الكثير الذي لا تنقطع غلته عنه سنة حتى يدرك غلة سنة أخرى فهو ممدود على الأيام و كان له بستان بالطائف لا ينقطع خيره في شتاء و لا صيف و عشرة بنين و مائة ألف دينار عن مجاهد و قيل ستة آلاف دينار عن قتادة و قيل أربعة آلاف دينار عن سفيان «وَ بَنِينَ شُهُوداً» حضورا معه بمكة لا يغيبون عنه لغناهم عن ركوب السفر للتجارة قال سعيد بن جبير كانوا ثلاثة عشر و قال مقاتل كانوا سبعة الوليد و خالد و عمارة و هشام و العاص و قيس و عبد شمس أسلم منهم ثلاثة خالد و هشام و عمارة قالوا فما زال الوليد بعد هذه الآية في نقصان من ماله و ولده حتى هلك «وَ مَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً» أي بسطت له في العيش بسطا حتى صار مكفي المئونة من كل وجه حتى صارت أحواله متناسبة عن الحسن و غيره و قيل سهلت له و قيل سهلت له التصرف في الأمور تسهيلا «ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ» أي لم يشكرني على هذه النعم بل كفر نعمائي و هو مع ذلك يطمع أن أزيد في إنعامه ثم قال على وجه الردع و الزجر «كَلَّا» أي لا يكون كما ظن و لا أزيده مع كفره و قيل كلا معناه انزجر و ارتدع فليس الأمر على ما تتوهم ثم بين سبحانه كفره فقال «إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً» أي إنما لم نفعل به ذلك لأنه كان بحججنا و أدلتنا معاندا ينكرها مع معرفته بها و قيل عنيدا جحودا عن ابن عباس و قتادة «سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً» أي سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة فيه و
قيل صعود جبل في جهنم من نار يؤخذ بارتقائه فإذا وضع يده عليه ذابت فإذا رفعها عادت و كذلك رجله في خبر مرفوع‏
و قيل هو جبل من صخرة ملساء في النار يكلف أن يصعدها حتى إذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها ثم يكلف أيضا أن يصعدها فذلك دأبه أبدا يجذب من أمامه بسلاسل الحديد و يضرب من خلفه بمقاطع الحديد فيصعدها في أربعين سنة عن الكلبي «إِنَّهُ فَكَّرَ» و دبر ما ذا يقول في القرآن «وَ قَدَّرَ» القول في نفسه و إنما فكر ليحتال به للباطل لأنه لو فكر على وجه طلب الرشاد لكان ممدوحا و قدر فقال إن قلنا شاعر كذبتنا العرب باعتبار ما أتى به و إن قلنا كاهن لم يصدقونا لأن كلامه لا يشبه كلام الكهان فنقول ساحر يؤثر ما أتى به عن غيره من السحرة «فَقُتِلَ» أي لعن و عذب و قيل لعن بما يجري مجرى القتل و قيل استحق العذاب عن الجبائي «كَيْفَ قَدَّرَ» قال صاحب النظم معناه لعن على أي حال قدر ما قدر من الكلام كما يقال في الكلام لأضربنه كيف صنع أي على أي حال كان منه «ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ» هذا تكرير للتأكيد و قيل معناه كيف‏

585
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 584

قدر في آياتنا ما قدر مع وضوح الحجة ثم لعن و عوقب بعقاب آخر كيف قدر في إبطال الحق تقدير آخر و قيل معناه عوقب في الآخرة مرة بعد مرة «ثُمَّ نَظَرَ» في طلب ما يدفع به القرآن و يرده «ثُمَّ عَبَسَ وَ بَسَرَ» أي كلح و كره وجهه و نظر بكراهة شديدة كالمتهم المتفكر في الشي‏ء «ثُمَّ أَدْبَرَ» عن الإيمان «وَ اسْتَكْبَرَ» أي تكبر حين دعا إليه «فَقالَ إِنْ هذا» أي ما هذا القرآن «إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ» أي يروي عن السحرة و قيل هو من الإيثار أي سحر تؤثره النفوس و تختاره لحلاوته فيها «إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ» أي ما هذا إلا كلام الإنس و ليس من عند الله و لو كان القرآن سحرا أو من كلام البشر كما قاله الملعون لأمكن السحرة أن يأتوا بمثله و لقدر هو و غيره مع فصاحتهم على الإتيان بسورة مثله ثم قال سبحانه مهددا له «سَأُصْلِيهِ سَقَرَ» أي سأدخله جهنم و ألزمه إياها و قيل سقر دركة من دركات جهنم و قيل باب من أبوابها «وَ ما أَدْراكَ» أيها السامع «ما سَقَرُ» في شدتها و هولها و ضيقها ثم وصف بعض صفاتها فقال «لا تُبْقِي وَ لا تَذَرُ» أي لا تبقي لهم لحما إلا أكلته و لا تذرهم إذا أعيدوا خلقا جديدا عن مجاهد و قيل لا تبقي شيئا إلا أحرقته و لا تذر أي لا تبقي عليهم بل يبلغ مجهودهم في أنواع العذاب عن الجبائي «لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ» أي مغيرة للجلود و قيل لافحة للجلود حتى تدعها أشد سوادا من الليل «عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ» من الملائكة هم خزنتها مالك و معه ثمانية عشر أعينهم كالبرق الخاطف و أنيابهم كالصياصي يخرج لهب النار من أفواههم ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة تسع كف أحدهم مثل ربيعة و مضر نزعت منهم الرحمة يرفع أحدهم سبعين ألفا فيرميهم حيث أراد من جهنم و قيل معناه على سقر تسعة عشر ملكا و هم خزان سقر و للنار و دركاتها الآخر خزان آخرون و قيل إنما خصوا بهذا العدد ليوافق المخبر الخبر لما جاء به الأنبياء قبله و ما كان من الكتب المتقدمة و يكون في ذلك مصلحة للمكلفين و قال بعضهم في تخصيص هذا العدد أن تسعة عشر يجمع أكثر القليل من العدد و أقل الكثير منه لأن العدد آحاد و عشرات و مئات و ألوف فأقل العشرات عشرة و أكثر الآحاد تسعة قالوا و لما نزلت هذه الآية قال أبو جهل لقريش ثكلتكم أمهاتكم أ تسمعون ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر و أنتم الدهم الشجعان أ فيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم فقال أبو الأسد الجمحي أنا أكفيكم سبعة عشر عشرة على ظهري و سبعة على بطني فاكفوني أنتم اثنين فنزل «وَ ما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً» الآية عن ابن عباس و قتادة و الضحاك و معناه و ما جعلنا الموكلين بالنار المتولين تدبيرها إلا ملائكة جعلنا شهوتهم في تعذيب أهل‏

586
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 584

النار و لم نجعلهم من بني آدم كما تعهدون أنتم فتطيقونهم «وَ ما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا» أي لم نجعلهم على هذا العدد إلا محنة و تشديدا في التكليف للذين كفروا نعم الله و جحدوا وحدانيته حتى يتفكروا فيعلموا أن الله سبحانه حكيم لا يفعل إلا ما هو حكمة و يعلموا أنه قادر على أن يزيد في قواهم ما يقدرون به على تعذيب الخلائق و لو راجع الكفار عقولهم لعلموا أن من سلط ملكا واحدا على كافة بني آدم لقبض أرواحهم فلا يغلبونه قادر على سوق بعضهم إلى النار و جعلهم فيها بتسعة عشر من الملائكة «لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ» من اليهود و النصارى أنه حق و إن محمدا ص صادق من حيث أخبر بما هو في كتبهم من غير قراءة لها و لا تعلم منهم «وَ يَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً» أي يقينا بهذا العدد و بصحة نبوة محمد ص إذا أخبرهم أهل الكتاب أنه مثل ما في كتابهم «وَ لا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ الْمُؤْمِنُونَ» أي و لئلا يشك هؤلاء في عدد الخزنة و المعنى و ليستيقن من لم يؤمن بمحمد ص و من آمن به صحة نبوته إذا تدبروا و تفكروا «وَ لِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا» اللام هنا لام العاقبة أي عاقبة أمر هؤلاء أن يقولوا هذا يعني المنافقين و الكافرين و قيل معناه و لأن يقولوا ما ذا أراد الله بهذا الوصف و العدد و يتدبروه فيؤدي بهم التدبر في ذلك إلى الإيمان «كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ» أي مثل ما جعلنا خزنة أصحاب النار ملائكة ذوي عدد محنة و اختبارا تكلف الخلق ليظهر الضلال و الهدى و أضافهما إلى نفسه لأن سبب ذلك التكليف و هو من جهته و قيل يضل عن طريق الجنة و الثواب من يشاء و يهدي من يشاء إليه «وَ ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ» أي ما يعلم جنود ربك من كثرتها أحد إلا هو و لم يجعل خزنة النار تسعة عشر لقلة جنوده و لكن الحكمة اقتضت ذلك و قيل هذا جواب أبي جهل حين قال ما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر عن مقاتل و قيل معناه و ما يعلم عدة الملائكة الذين خلقهم الله لتعذيب أهل النار إلا الله عن عطاء و المعنى أن التسعة عشر هم خزنة النار و لهم من الأعوان و الجنود ما لا يعلمه إلا الله ثم رجع إلى ذكر سقر فقال «وَ ما هِيَ إِلَّا ذِكْرى‏ لِلْبَشَرِ» أي تذكرة و موعظة للعالم ليتذكروا فيتجنبوا ما يستوجبون به ذلك و قيل معناه و ما هذه النار في الدنيا إلا تذكرة للبشر من نار الآخرة حتى يتفكروا فيها فيحذروا نار الآخرة و قيل ما هذه السورة إلا تذكرة للناس و قيل و ما هذه الملائكة التسعة عشر إلا عبرة للخلق يستدلون بذلك على كمال قدرة الله تعالى و ينزجرون عن المعاصي.

587
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة المدثر الآيات 32 الى 56 ص 588

[سورة المدثر (74): الآيات 32 الى 56]
كَلاَّ وَ الْقَمَرِ (32) وَ اللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَ الصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (34) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (36)
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37) كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلاَّ أَصْحابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41)
ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَ كُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (45) وَ كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46)
حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (47) فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51)
بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى‏ صُحُفاً مُنَشَّرَةً (52) كَلاَّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (53) كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (55) وَ ما يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى‏ وَ أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56)

القراءة
قرأ نافع و حمزة و يعقوب و خلف «إِذْ» بغير ألف «أَدْبَرَ» بالألف و الباقون إذا بالألف دبر بغير الألف و قرأ أهل المدينة و ابن عامر مستنفرة بفتح الفاء و الباقون بكسر الفاء و في الشواذ قراءة بعضهم يرويه عن ابن كثير أنها لحد الكبر بلا همزة و قراءة سعيد بن جبير صحفا منشرة بسكون الحاء و النون.
الحجة
أبو علي قال يونس دبر انقضى و أدبر تولى قال قتادة الليل إذ أدبر إذا ولى و يقال دبر و أدبر و قال و التخفيف في «لَإِحْدَى الْكُبَرِ» أن يجعل فيها الهمزة بين بين نحو سيم فأما حذف الهمزة فليس بقياس و وجه ذلك أن الهمزة حذفت حذفا كما حذفت في قوله:

588
مجمع البيان في تفسير القرآن10

الحجة ص 588

         و يلمها في هواء الجو طالبها             و لا كهذا الذي في الأرض مطلوب‏
و قد جاء ذلك في مواضع من الشعر قال أبو الأسود لزياد:
         يا با المغيرة رب أمر معضل             فرجته بالنكر مني و الدهاء
و قال آخر:
         إن لم أقاتل فالبسوني برقعا             و فتخات في اليدين أربعا
و أنشد أحمد بن يحيى:
         إن كان حزن لك با فقيمة             باعك عبدا بأخس قيمة
و قال الفرزدق:
         و عليك إثم عطية بن الخطفي             و إثم التي زجرتك إن لم تجهد
قال و الكسر في «مُسْتَنْفِرَةٌ» أولى لقوله «فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ» فهذا يدل على أنها هي استنفرت و يقال نفر و استنفر مثل سخر و استسخر و عجب و استعجب و من قال مستنفرة فكان القسورة استنفرتها و الرامي قال أبو عبيدة مستنفرة مذعورة و أنشد الزجاج:
         أمسك حمارك إنه مستنفر             في إثر أحمرة عمدن لغرب‏
و رويت بالكسر أيضا قال ابن سلام سألت أبا سوار العرني و كان أعرابيا فصيحا قارئا للقرآن فقلت «كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ» ما ذا قال حمر مستنفرة طردها قسورة قلت إنما هو فرت من قسورة فقال أ فرت قلت نعم فقال «مُسْتَنْفِرَةٌ» قال ابن جني أما سكون الحاء من صحف فلغة تميمية و أما منشرة بسكون النون فإن العرف في الاستعمال نشرت الثوب و غيره و أنشر الله الموتى فنشروا هم قال و قد جاء عنهم أيضا نشر الله الميت قال المتنبي:
         ردت صنائعه إليه حياته             فكأنه من نشرها منشور
و لم نعلمهم قالوا أنشرت الثوب و نحوه إلا أنه يجوز أن يشبه بشي‏ء و كما جاز أن يشبه‏

589
مجمع البيان في تفسير القرآن10

الحجة ص 588

الميت بالشي‏ء المطوي حتى قال المتنبي منشور فكذلك يجوز أن يشبه المطوي بالميت فيقال صحف منشرة أي كأنها بطيها ميتة فلما نشرت قيل منشرة.
اللغة
اليقين العلم الذي يوجد برد الثقة به في الصدر و يقال وجد فلان برد اليقين و ثلج اليقين في صدره و لذلك لا يوصف سبحانه بأنه متيقن و القسورة الأسد و قيل هم الرماة من قسره يقسره قسرا إذا قهره و أصل الفرار الانكشاف عن الشي‏ء و منه يقال فر الفرس يفر فرا إذا كشف عن سنة و الصحف جمع الصحيفة و هي الورقة التي من شأنها أن تقلب من جهة إلى جهة لما فيها من الكتابة و منه المصحف و جمعه مصاحف.
الإعراب‏
 «نَذِيراً لِلْبَشَرِ» اختلف في وجه انتصابه فقيل نصب على الحال و هو اسم فاعل بمعنى منذر و ذو الحال الضمير في إحدى الكبر العائد إلى الهاء في أنها و هي كناية عن النار فالمعنى أنها لكبيرة في حال الإنذار و أنا ذكره لأن معناه معنى العذاب و يجوز أن يكون التذكير على قولهم امرأة طالق أي ذات طلاق و كذلك نذير بمعنى ذات إنذار و قيل هو حال يتعلق بأول السورة فكأنه قال يا أيها المدثر قم نذيرا للبشر فأنذر و قيل إن النذير هنا بمعنى الإنذار و تقديره إنذارا للبشر فيكون نصبا على المصدر لأنه لما قال «إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ» دل على أنه أنذرهم بها إنذارا و قوله «مُعْرِضِينَ» منصوب على الحال مما في اللام من قوله «فَما لَهُمْ» من معنى الفعل و التقدير أي شي‏ء ثبت لهم معرضين عن التذكرة و «كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ» جملة في موضع الحال من معرضين و هي حال من حال أو حال بعد حال أي مشابهين حمرا.
المعنى‏
ثم أقسم سبحانه على عظيم ما ذكره من الوعيد فقال «كَلَّا» أي حقا و قيل معناه ليس الأمر على ما يتوهمونه من أنهم يمكنهم دفع خزنة النار و غلبتهم «وَ الْقَمَرِ» أقسم بالظهر لما فيه من الآيات العجيبة في طلوعه و غروبه و مسيره و زيادته و نقصانه «وَ اللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ» و أقسم بالليل إذا ولى و ذهب عن قتادة و قيل أدبر إذا جاء بعد غيره و أدبر إذا ولى مدبرا فعلى هذا يكون المعنى في إذ أدبر إذا جاء الليل في أثر النهار و في إذا أدبر إذا ولى الليل فجاء الصبح عقيبة و على القول الأول فهما لغتان معناهما ولى و انقضى «وَ الصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ» أي إذا أضاء و أنار عن قتادة و هم قسم آخر و قيل معناه إذا كشف الظلام و أضاء الأشخاص و قال قوم التقدير في هذه الأقسام و رب هذه الأشياء لأن اليمين لا يكون إلا بالله تعالى «إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ» هذا جواب القسم يعني أن سقر التي هي النار لإحدى العظائم و الكبر جمع الكبرى و هي العظمى عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و قيل معناه أن آيات القرآن لإحدى الكبر في الوعيد «نَذِيراً لِلْبَشَرِ» أي منذرا و مخوفا معلما مواضع المخافة

590
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 590

و النذير الحكيم بالتحذير عما ينبغي أن يحذر منه فكل نبي نذير لأنه حكيم بتحذيره عقاب الله تعالى على معاصيه و اختلف فيه فقيل إنه من صفة النار عن الحسن و قيل من صفة النبي ص فكأنه قال قم نذيرا عن ابن زيد و قيل من صفة الله تعالى عن ابن رزين و على هذا يكون حالا من فعل القسم المحذوف «لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ» أي يتقدم في طاعة الله أو يتأخر عنها بالمعصية عن قتادة و المشيئة هي الإرادة فيكون المعنى أن هذا الإنذار متوجه إلى من يمكنه أن يتقي عذاب النار بأن يتجنب المعاصي و يفعل الطاعات فيقدر على التقدم و التأخر في أمره بخلاف قول أهل الجبر القائلين ما لا يطاق و قيل إنه سبحانه عبر عن الإيمان و الطاعة بالتقدم لأن صاحبه متقدم في العقول و الدرجات و عن الكفر و المعصية بالتأخير لأنه متأخر في العقول و الدرجات و
روى محمد بن الفضيل عن أبي الفضل عن أبي الحسن (ع) أنه قال كل من تقدم إلى ولايتنا تأخر عن سقر و كل من تأخر عن ولايتنا تقدم إلى سقر
 «كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ» أي مرهونة بعملها محبوسة به مطالبة بما كسبته من طاعة أو من معصية فالرهن أخذ الشي‏ء بأمر على أن لا يرد إلا بالخروج منه قال زهير:
         و فارقتك برهن لا فكاك له             يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا
فكذلك هؤلاء الضلال قد أخذوا برهن لا فكاك له و الكسب هو كل ما يجتلب به نفع أو يدفع به ضرر و يدخل فيه الفعل و أن لا يفعل ثم استثنى سبحانه أصحاب اليمين فقال «إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ» و هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم و قيل هم الذين يسلك بهم ذات اليمين قال قتادة غلق الناس كلهم إلا أصحاب اليمين و هم الذين لا ذنب لهم فهم ميامين على أنفسهم و قيل هم المؤمنون المستحقون للثواب عن الحسن و قيل هم الملائكة عن ابن عباس و
قال الباقر (ع) نحن و شيعتنا أصحاب اليمين‏
 «فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ» أي يسأل بعضهم بعضا و قيل يساءلون «عَنِ الْمُجْرِمِينَ» أي عن حالهم و عن ذنوبهم التي استحقوا بها النار «ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ» هذا سؤال توبيخ أي تطلع أهل الجنة على أهل النار فيقولون لهم ما أوقعكم في النار «قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ» أي كنا لا نصلي الصلاة المكتوبة على ما قررها الشرع و في هذا دلالة على أن الإخلال بالجواب يستحق به الذم و العقاب لأنهم علقوا استحقاقهم العقاب بالإخلال في الصلاة و فيه دلالة أيضا على أن الكفار مخاطبون بالعبادات الشرعية لأنه حكاية عن الكفار بدلالة قوله «وَ كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ» و قوله «وَ لَمْ نَك‏

591
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 590

نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ» معناه لم نك نخرج الزكوات التي كانت واجبة علينا و الكفارات التي وجب دفعها إلى المساكين و هم الفقراء «وَ كُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ» أي كلما غوى غاو بالدخول في الباطل غوينا معه عن قتادة و المعنى كنا نلوث أنفسنا بالمرور في الباطل كتلويث الرجل بالخوض فلما كان هؤلاء يجرون مع من يكذب بالحق مشيعين لهم في القول كانوا خائضين معهم «وَ كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ» مع ذلك أي نجحد يوم الجزاء و هو يوم القيامة و الجزاء هو الإيصال إلى كل من له شي‏ء أم عليه شي‏ء ما يستحقه فيوم الدين هو يوم أخذ المستحق بالعدل «حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ» أي أتانا الموت على هذه الحالة و قيل حتى جاءنا العلم اليقين من ذلك بأن عايناه «فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ» أي شفاعة الملائكة و النبيين كما نفعت الموحدين عن ابن عباس في رواية عطاء و قال الحسن لم تنفعهم شفاعة ملك و لا شهيد و لا مؤمن و يعضد هذا الإجماع على أن عقاب الكفر لا يسقط بالشفاعة و قد صحت الرواية عن عبد الله بن مسعود قال يشفع نبيكم ص رابع أربعة جبريل ثم إبراهيم ثم موسى أو عيسى ثم نبيكم ص لا يشفع أحد أكثر مما يشفع فيه نبيكم ص ثم النبيون ثم الصديقون ثم الشهداء و يبقى قوم في جهنم فيقال لهم «ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ» إلى قوله «فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ» قال ابن مسعود فهؤلاء الذين يبقون في جهنم و
عن الحسن عن رسول الله ص قال يقول الرجل من أهل الجنة يوم القيامة أي رب عبدك فلان سقاني شربة من ماء في الدنيا فشفعني فيه فيقول اذهب فأخرجه من النار فيذهب فيتجسس في النار حتى يخرجه منها
و
قال ص إن من أمتي من سيدخل الله الجنة بشفاعته أكثر من مضر
 «فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ» أي أي شي‏ء لهم و لم أعرضوا و تولوا عن القرآن فلم يؤمنوا به و التذكرة التذكير بمواعظ القرآن و المعنى لا شي‏ء لهم في الآخرة إذا أعرضوا عن القرآن و نفروا عنه «كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ» أي كأنهم حمر وحشية نافرة «فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ» يعني الأسد عن عطاء و الكلبي قال ابن عباس الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت منه كذلك هؤلاء الكفار إذا سمعوا النبي ص يقرأ القرآن هربوا منه و قيل القسورة الرماة و رجال القنص عن ابن عباس بخلاف و الضحاك و مقاتل و مجاهد و قال سعيد بن جبير هم القناص «بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى‏ صُحُفاً مُنَشَّرَةً» أي كتبا من السماء تنزل إليهم بأسمائهم أن آمنوا بمحمد ص عن الحسن و قتادة و ابن زيد و قيل معناه أنهم يريدون صحفا من الله تعالى بالبراءة من العقوبة و إسباغ النعمة حتى يؤمنوا و إلا قاموا على كفرهم و قيل يريد كل واحد منهم أن يكون رسولا يوحى إليه متبوعا و أنف من‏

592
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 590

أن يكون تابعا و قيل هو تفسيرها ما ذكره الله تعالى في قوله وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ فقال سبحانه «كَلَّا» أي حقا ليس الأمر على ما قالوا و لا يكون كذلك «بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ» بجحدهم صحتها و لو خافوا عذاب الآخرة لما اقترحوا الآيات بعد قيام الدلالات و المعجزات «كَلَّا» أي حقا «إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ» أي إن القرآن تذكير و موعظة «فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ» أي اتعظ به لأنه قادر عليه «وَ ما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ» هذه المشيئة غير الأولى إذ لو كانت واحدة لتناقض فالأولى مشيئة اختيار و الثانية مشيئة إكراه و إجبار و المعنى أن هؤلاء الكفار لا يذكرون إلا أن يجبرهم الله تعالى على ذلك و قيل معناه إلا أن يشاء الله من حيث أمر به و نهى عن تركه و وعد الثواب على فعله و أوعد بالعقاب إن لم تفعله فكانت مشيئته سابقة أي لا تشاءون إلا و الله قد شاء ذلك «هُوَ أَهْلُ التَّقْوى‏ وَ أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ» أي هو أهل أن يتقي محارمه و أهل أن يغفر الذنوب عن قتادة و
روي مرفوعا عن أنس قال إن رسول الله ص تلا هذه الآية فقال قال الله سبحانه أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إليه فمن اتقى أن يجعل معي إلها فأنا أهل أن أغفر له‏
و قيل معناه و هو أهل أن يتقى عقابه و أهل أن يعمل له بما يؤدي إلى مغفرته.

593
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة القيامة مكية و آياتها أربعون ص 594

(75) سورة القيامة مكية و آياتها أربعون (40)
[توضيح‏]
أربعون آية كوفي و تسع و ثلاثون في الباقين.
اختلافها
آية «لِتَعْجَلَ بِهِ» كوفي.
فضلها
أبي بن كعب عن النبي ص و من قرأ سورة القيامة شهدت أنا و جبريل له يوم القيامة أنه كان مؤمنا بيوم القيامة و جاء و وجهه مسفر على وجوه الخلائق يوم القيامة
أبو بصير عن أبي عبد الله (ع) قال من أدمن قراءة لا أقسم و كان يعمل بها بعثها الله يوم القيامة معه في قبره في أحسن صورة تبشر و تضحك في وجهه حتى يجوز الصراط و الميزان.
تفسيرها
لما ختم الله سبحانه سورة المدثر بذكر القيامة و أن الكافر لا يؤمن بها افتتح هذه السورة بذكر القيامة و ذكر أهوالها فقال:

594
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة القيامة الآيات 1 الى 15 ص 595

[سورة القيامة (75): الآيات 1 الى 15]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏
لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (1) وَ لا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (3) بَلى‏ قادِرِينَ عَلى‏ أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (4)
بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (5) يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (6) فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَ خَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَ جُمِعَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ (9)
يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلاَّ لا وَزَرَ (11) إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَ أَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14)
وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذِيرَهُ (15)

القراءة
قرأ القواس لأقسم و الباقون «لا أُقْسِمُ» و لم يختلفوا في الثاني أنه «وَ لا أُقْسِمُ» و قرأ أهل المدينة برق البصر بفتح الراء و الباقون «بَرِقَ» بالكسر و في الشواذ قراءة ابن عباس و عكرمة و أيوب السختياني و الحسن المفر بفتح الميم و كسر الفاء و قراءة الزهري المفر بكسر الميم و فتح الفاء.
الحجة
قال أبو علي من قرأ «لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ» كانت لا على قوله صلة كالتي في قوله لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ فإن قلت لا و ما و الحروف التي هن زوائد إنما تكون بين كلامين كقوله مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ و فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ و فَبِما نَقْضِهِمْ* و لا تكاد تزاد أولا فقد قالوا إن مجاري القرآن مجاري الكلام الواحد و السورة الواحدة قال و الذي يدل على ذلك أنه قد يذكر الشي‏ء في سورة و يجي‏ء جوابه في سورة أخرى كقوله يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ جاء جوابه في سورة أخرى ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ فلا فصل على هذا بين قوله لِئَلَّا يَعْلَمَ و بين قوله «لا أُقْسِمُ» فأما من قرأ لأقسم فإن اللام تجوز أن تكون اللام التي تصحبها إحدى النونين في أكثر الأمر و قد حكى ذلك سيبويه و أجازه و كما لم يلحق النون مع الفعل الآتي في لأقسم كذلك لم يحلق اللام مع النون في نحو قول الشاعر:
         و قتل مرة أثأرن فإنه             فرع و إن أخاكم لم يثأر
يريد لأثأرن فحذف اللام و يجوز أن يكون اللام لحقت فعل الحال و إذا كان المثال للحال لم يتبعها النون لأن هذه النون التي تلحق الفعل في أكثر الأمر إنما هي للفصل بين فعل الحال و الفعل الآتي و قد يمكن أن يكون لا ردا لكلام و زعموا أن الحسن قرأ «لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ وَ لا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ» و قال أقسم بالأولى و لم يقسم بالثانية و حكي نحو ذلك عن ابن أبي إسحاق أيضا و ذكر أبو علي في غير كتاب الحجة أن اللام زيادة لأن القسم لا يدخل‏

595
مجمع البيان في تفسير القرآن10

الحجة ص 595

على القسم و قال ابن جني ينبغي أن تكون هذه اللام لام الابتداء أي لأنا أقسم بيوم القيامة و حذف المبتدأ للعلم به و قال أبو الحسن برق البصر أكثر في كلام العرب و المفتوحة لغة قال الزجاج من قرأ «بَرِقَ» فمعناه فزع و تحير و من قرأ برق فهو من بريق العينين و قال أبو عبيدة برق البصر إذا شق و أنشد:
         لما أتاني ابن صبيح راغبا             أعطيته عيساء منها فبرق‏
و المفر الفرار و المفر بكسر الفاء الموضع الذي يفر إليه و المفر بكسر الميم و فتح الفاء الإنسان الجيد الفرار و قال امرؤ القيس:
         مكر مفر مقبل مدبر معا             كجلمود صخر حطه السيل من عل‏
الإعراب‏
 «بَلى‏ قادِرِينَ» نصب على الحال و التقدير بلى بجمعها قادرين فالعامل في الحال محذوف لدلالة ما تقدم عليه كما في قوله فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أي فصلوا رجالا و مفعول يريد محذوف تقديره بل يريد الإنسان الحياة ليفجر و يسأل جملة في موضع الحال و «لا وَزَرَ» خبره محذوف و تقديره لا وزر في الوجود و قوله «بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ» قيل في تفسيره أقوال (أحدها) أن المعنى بل الإنسان على نفسه عين بصيرة (و الثاني) حجة بصيرة أي بينة (و الثالث) أن الهاء للمبالغة كما يقال رجل علامة و نسابة و قال علي بن عيسى تقديره بل الإنسان على نفسه من نفسه بصيرة أي جوارحه شاهدة عليه يوم القيامة فأنت بصيرة لأنه حمل الإنسان على النفس و جواب لو محذوف تقديره و لو ألقى معاذيره و لم ينفعه ذلك و يجوز أن يكون جوابه فيما سبق.
المعنى‏
 «لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ» قيل إن لا صلة و معناه أقسم بيوم القيامة عن ابن عباس و سعيد بن جبير و قيل إن لا رد على الذين أنكروا البعث و النشور من المشركين فكأنه قال لا كما تظنون ثم ابتدأ القسم فقال أقسم بيوم القيامة أنكم مبعوثون ليكون فرقا بين اليمين التي تكون جحدا و بين اليمين المستأنفة و قيل معناه لا أقسم بيوم القيامة لظهورها بالدلائل العقلية و السمعية و قيل معناه لا أقسم بيوم القيامة فإنكم لا تقرون بها «وَ لا أُقْسِمُ بِالنَّفْس‏

596
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 596

اللَّوَّامَةِ» فإنكم لا تقرون بأن النفس تلوم صاحبها يوم القيامة و لكن استخبركم فأخبروني هل أقدر على أن أجمع العظام المتفرقة و هذان الوجهان عن أبي مسلم و قيل معناه أقسم بيوم القيامة و لا أقسم بالنفس اللوامة أقسم بالأول و لم يقسم بالثاني عن الحسن قال علي بن عيسى و هذا ضعيف لأنه يخرج عن تشاكل الكلام و الأولى أن يكونا قسمين و هو قول الأكثرين و جواب القسم محذوف تقديره ما الأمر على ما تتوهمون و إنكم تبعثون أو لتبعثن و من قرأ لأقسم فإنه يجعلها جواب القسم و حذف النون لأنه أراد الحال و قد ذكرنا ما قيل فيه و النفس اللوامة الكثيرة اللوم و ليس من نفس برة و لا فاجرة إلا و هي تلوم نفسها يوم القيامة إن كانت عملت خيرا قالت هلا ازددت و إن كانت عملت سوءا قالت يا ليتني لم أفعل عن ابن عباس في رواية عطاء و قال مجاهد تلوم على ما مضى تقول لم فعلت و لم لم أفعل و قيل النفس اللوامة الكافرة الفاجرة عن قتادة و مجاهد و معناه ذات اللوم الكثير لما سلف منها و قيل هي النفس المؤمنة تلوم نفسها في الدنيا و تحاسبها فتقول ما ذا فعلت و لم قصرت فتكون مفكرة في العواقب أبدا و الفاجر لا يفكر في أمر الآخرة و لا يحاسب نفسه عن الحسن «أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ» صورته صورة الاستفهام و معناه الإنكار على منكري البعث و معناه أ يحسب الكافر بالبعث و النشور يعني جنس الكفار «أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ» أي أنه لن نعيده إلى ما كان أولا خلقا جديدا بعد أن صار رفاتا فكني عن البعث بجمع العظام ثم قال سبحانه «بَلى‏» نجمعها «قادِرِينَ عَلى‏ أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ» على ما كانت و إن قلت عظامها و صغرت فنردها كما كانت و نؤلف بينها حتى يستوي البنان و من قدر على جمع صغار العظام فهو على جمع كبارها أقدر عن الزجاج و الجبائي و أبي مسلم و قيل معناه نقدر على أن نجعل بنانه كالخلف و الحافر فيتناول المأكول بفيه و لكنا مننا عليه بالأنامل ليكمل بها المنفعة و يتهيأ له القبض و البسط و الارتفاق بالأعمال اللطيفة كالكتابة و غيرها عن ابن عباس و قتادة «بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ» أي يريد الكافر «لِيَفْجُرَ أَمامَهُ» هذا إخبار من الله تعالى أن الإنسان يمضي قدما في معاصي الله تعالى راكبا رأسه لا ينزع عنها و لا يتوب عن مجاهد و الحسن و عكرمة و السدي أي فهذا هو الذي يحمله على الإعراض عن مقدورات ربه فلذلك لا يقر بالبعث و ينكر النشور و قيل ليفجر أمامه أي ليفكر بما قدامه من البعث و يكذب به فالفجور و هو التكذيب و عن الزجاج قال و يجوز أن يريد أنه يسوف التوبة و يقدم الأعمال السيئة و قال ابن الأنباري يريد أن يفجر ما امتد عمره و ليس في نيته أن يرجع عن ذنب يرتكبه و قيل معناه أنه يقول أعمل ثم أتوب عن عطية و المراد أنه يتعجل المعصية ثم يسوف التوبة يقول غدا و بعد غد «يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ» معناه أن الذي يفجر أمامه يسأل متى تكون القيامة فإن معنى أيان متى إلا أن السؤال بمتى أكثر من السؤال بأيان‏

597
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 596

فلذلك حسن أن يفسر بها و إنما يسأل عن ذلك تكذيبا و اشتغالا بالدنيا من غير تفكر في العاقبة فإذا خوف بالقيامة قال متى يكون ذلك ثم قال سبحانه «فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ» أي شخص البصر عند معاينة ملك الموت فلا يطرف من شدة الفزع و قيل إذا فزع و تحير لما يرى من أهوال القيامة و أحوالها مما كان يكذب به في الدنيا و هذا كقوله لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ عن قتادة و أبي مسلم «وَ خَسَفَ الْقَمَرُ» أي ذهب نوره و ضوءه «وَ جُمِعَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ» جمع بينهما في ذهاب ضوئهما بالخسوف ليتكامل ظلام الأرض على أهلها حتى يراها كل أحد بغير نور و ضياء عن مجاهد و هو اختيار الفراء و الزجاج و الجمع على ثلاثة أقسام جمع في المكان و جمع في الزمان و جمع الأعراض في المحل فأما جمع الشيئين في حكم أو صفة فمجاز لأن حقيقة الجمع جعل أحد الشيئين مع الآخر و قيل جمع بينهما في طلوعهما من المغرب كالبعيرين القرينين عن ابن مسعود «يَقُولُ الْإِنْسانُ» المكذب بالقيامة «يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ» أي أين الفرار و يجوز أن يكون معناه أين موضع الفرار عن الفراء و قال الزجاج المفر بالفتح الفرار و المفر بالكسر مكان الفرار قال الله سبحانه «كَلَّا لا وَزَرَ» أي لا مهرب و لا ملجأ لهم يلجئون إليه و الوزر ما يتحصن به من جبل أو غيره و منه الوزير الذي يلجأ إليه في الأمور و قيل معناه لا حصن عن الضحاك «إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ» أي المنتهى عن قتادة أي ينتهي الخلق يومئذ إلى حكمه و أمره فلا حكم و لا أمر لأحد غيره و قيل المستقر المكان الذي يستقر فيه المؤمن و الكافر و ذلك إلى الله لا إلى العباد و قيل المستقر المصير و المرجع عن ابن مسعود و المستقر على وجهين مستقر إلى أمد و مستقر إلى الأبد «يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَ أَخَّرَ» أي يخبر الإنسان يوم القيامة بأول عمله و آخره فيجازى به عن مجاهد و قيل معناه بما قدم من العمل في حياته و ما سنه فعمل به بعد موته من خير أو شر و قيل بما قدم من المعاصي و أخر من الطاعات عن ابن عباس و قيل بما أخذ و ترك عن ابن زيد و قيل بما قدم من طاعة الله و أخر من حق الله فضيعه عن قتادة و قيل بما قدم من ماله لنفسه و ما خلقه لورثته بعده عن زيد بن أسلم و حقيقة النبإ الخبر بما يعظم شأنه و إنما حسن في هذا الموضع لأن ما جرى مجرى المباح لا يعتد به في هذا الباب و إنما هو ما يستحق عليه الجزاء فأما ما وجوده كعدمه فلا اعتبار به «بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ» أي إن جوارحه تشهد عليه بما عمل فهو شاهد على نفسه بشهادة جوارحه عليه عن ابن عباس و عكرمة و مقاتل و قال القتيبي أقام جوارحه مقام نفسه و لذلك أنث لأن المراد بالإنسان هاهنا الجوارح و قال الأخفش هي كقولك فلان حجة و عبرة و دليله قوله تعالى كَفى‏ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً و قيل معناه أن الإنسان بصير بنفسه و عمله و
روى العياشي بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال ما يصنع‏

598
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 596

أحدكم أن يظهر حسنا و يسر سيئا أ ليس إذا رجع إلى نفسه يعلم أنه ليس كذلك و الله سبحانه يقول «بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ» إن السريرة إذا صلحت قويت العلانية
عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع) أنه تلا هذه الآية ثم قال ما يصنع الإنسان أن يتعذر إلى الناس خلاف ما يعلم الله منه أن رسول الله ص كان يقول من أسر سريرة رداه الله رداءها إن خيرا فخير و إن شرا فشر
و
عن زرارة قال سألت أبا عبد الله ما حد المرض الذي يفطر صاحبه قال «بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ» هو أعلم بما يطيق و في رواية أخرى هو أعلم بنفسه ذاك إليه‏
 «وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذِيرَهُ» أي و لو اعتذر و جادل عن نفسه لم ينفعه ذلك يقال معذرة و معاذر و معاذير و هي ذكر موانع تقطع عن الفعل المطلوب و قيل معناه و لو أرخى الستور و أغلق الأبواب عن الضحاك و السدي قال الزجاج معناه و لو أدلى بكل حجة عنده و جاء في التفسير المعاذير الستور واحدها معذار و قال المبرد هي لغة طائية و المعنى على هذا القول و إن أسبل الستور ليخفي ما يعمل فإن نفسه شاهدة عليه.
[سورة القيامة (75): الآيات 16 الى 25]
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ (17) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (19) كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (20)
وَ تَذَرُونَ الْآخِرَةَ (21) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (22) إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ (23) وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (25)

القراءة
قرأ أهل المدينة و الكوفة تحبون و تذرون بالتاء و الباقون بالياء.
الحجة
من قرأ بالتاء فعلى معنى قل لهم بل تحبون و تذرون و من قرأ بالياء فعلى معنى هم يحبون و يذرون قال أبو علي الياء على ما تقدم من ذكر الإنسان فإن المراد به الكثرة و العموم كقوله إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ثم قال إِلَّا الْمُصَلِّينَ.
اللغة
التحريك تصيير الشي‏ء من مكان إلى مكان أو من جهة إلى جهة بفعل الحركة

599
مجمع البيان في تفسير القرآن10

اللغة ص 599

فيه و الحركة ما به يتحرك المتحرك و المتحرك هو المنتقل من جهة إلى غيرها و اللسان آلة الكلام و العجلة طلب عمل الشي‏ء قبل وقته الذي ينبغي أن يعمل فيه و نقيضه الإبطاء و السرعة عمل الشي‏ء في أول الوقت الذي هو له و ضده الأناة و القرآن أصله الضم و الجمع و هو مصدر كالرجحان و النقصان و البيان إظهار المعنى للنفس بما يتميز به عن غيره و نقيض البيان الإخفاء و الإغماض و النصرة مثل البهجة و الطلاقة و ضده العبوس و البسور نضر وجهه ينضر نضارة و نضرة فهو ناضر و النظر تقليب الحدقة الصحيحة نحو المرئي طلبا لرؤيته و يكون النظر بمعنى الانتظار كما قال عز شأنه وَ إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ أي منتظرة و قال الشاعر:
         وجوه يوم بدر ناظرات             إلى الرحمن تنتظر الفلاحا
ثم يستعمل في الفكر فيقال نظرت في هذه المسألة أي تفكرت و منه المناظرة و تكون من المقابلة يقال دور بني فلان تتناظر أي تتقابل و الفاقرة الكاسرة لفقار الظهر شدة و قيل الفاقرة الداهية و الآبدة.
المعنى‏
ثم خاطب سبحانه نبيه ص فقال «لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ» قال ابن عباس كان النبي ص إذا نزل عليه القرآن عجل بتحريك لسانه لحبه إياه و حرصه على أخذه و ضبطه مخافة أن ينساه فنهاه الله عن ذلك و في رواية سعيد بن جبير عنه أنه ص كان يعاجل من التنزيل شدة و كان يشتد عليه حفظه فكان يحرك لسانه و شفتيه قبل فراغ جبريل من قراءة الوحي فقال سبحانه «لا تُحَرِّكْ بِهِ» أي بالوحي أو بالقرآن لسانك يعني بالقراءة لتعجل به أي لتأخذه كما قال و لا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه «إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ» في صدرك حتى تحفظه «وَ قُرْآنَهُ» أي و تأليفه على ما نزل عليك عن قتادة و قيل معناه إن علينا جمعه و قرآنه عليك حتى تحفظه و يمكنك تلاوته فلا تخف فوت شي‏ء منه عن ابن عباس و الضحاك «فَإِذا قَرَأْناهُ» أي قرأه جبريل عليك بأمرنا «فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ» أي قراءته عن ابن عباس و المعنى اقرأه إذا فرغ جبريل عن قراءته قال فكان النبي ص بعد هذا إذا نزل عليه جبريل (ع) أطرق فإذا ذهب قرأ و قيل «فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ» أي فاعمل بما فيه من الأحكام و الحلال و الحرام عن قتادة و الضحاك و قال البلخي الذي اختاره أنه لم يرد القرآن و إنما أراد قراءة العباد لكتبهم يوم القيامة يدل على ذلك ما قبله و ما بعده و ليس فيه شي‏ء يدل على أنه القرآن و لا شي‏ء من أحكام الدنيا و في ذلك تقريع للعبد و توبيخ له حين لا تنفعه العجلة يقول لا تحرك لسانك بما تقرأه من صحيفتك التي فيها أعمالك يعني اقرأ كتابك و لا تعجل فإن هذا الذي هو على نفسه‏

600
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 600

بصيرة إذا رأى سيئاته ضجر و استعجل فيقال له توبيخا لا تعجل و تثبت لتعلم الحجة عليك فإنا نجمعها لك فإذا جمعناه فاتبع ما جمع عليك بالانقياد لحكمه و الاستسلام للتبعة فيه فإنه لا يمكنك إنكاره «ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ» لو أنكرت و قال الحسن معناه ثم إن علينا بيان ما أنبأناك أنا فاعلون في الآخرة و تحقيقه و قيل يريد أنا نبين لك معناه إذا حفظته عن قتادة و قيل معناه ثم إن علينا أن نحفظه عليك حتى تبين للناس بتلاوتك إياه عليهم و قيل معناه علينا أن ننزله قرآنا عربيا فيه بيان للناس عن الزجاج و في هذا دلالة على أنه لا تعمية في القرآن و لا الغاز و لا دلالة فيه على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة و إنما يدل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب «كَلَّا» أي لا تتدبرون القرآن و ما فيه من البيان «بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَ تَذَرُونَ الْآخِرَةَ» أي تختارون الدنيا على العقبي فيعلمون للدنيا لا للآخرة جهلا منهم و سوء اختيار ثم بين سبحانه حال الناس في الآخرة فقال «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ» يعني يوم القيامة «ناضِرَةٌ» أي ناعمة بهجة حسنة عن ابن عباس و الحسن و قيل مسرورة عن مجاهد و قيل مضيئة بيض يعلوها النور عن السدي و مقاتل جعل الله سبحانه وجوه المؤمنين المستحقين للثواب بهذه الصفة علامة للخلق و الملائكة على أنهم الفائزون «إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ» اختلف فيه على وجهين (أحدهما) أن معناه نظر العين (و الثاني) أنه الانتظار و اختلف من حمله على نظر العين على قولين (أحدهما) أن المراد إلى ثواب ربها ناظرة أي هي ناظرة إلى نعيم الجنة حالا بعد حال فيزداد بذلك سرورها و ذكر الوجوه و المراد أصحاب الوجوه روي ذلك عن جماعة من علماء المفسرين من الصحابة و التابعين لهم و غيرهم فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه كما في قوله تعالى وَ جاءَ رَبُّكَ أي أمر ربك و قوله وَ أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ أي إلى طاعة العزيز الغفار و توحيده و قوله إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ أي أولياء الله (و الآخر) أن النظر بمعنى الرؤية و المعنى تنظر إلى الله معاينة رووا ذلك عن الكلبي و مقاتل و عطاء و غيرهم و هذا لا يجوز لأن كل منظور إليه بالعين مشار إليه بالحدقة و اللحاظ و الله يتعالى عن أن يشار إليه بالعين كما يجل سبحانه عن أن يشار إليه بالأصابع و أيضا فإن الرؤية بالحاسة لا تتم إلا بالمقابلة و التوجه و الله يتعالى عن ذلك بالاتفاق و أيضا فإن رؤية الحاسة لا تتم إلا باتصال الشعاع بالمرئي و الله منزه عن اتصال الشعاع به على أن النظر لا يفيد الرؤية في اللغة فإنه إذا علق بالعين أفاد طلب الرؤية كما أنه إذا علق بالقلب أفاد طلب المعرفة بدلالة قولهم نظرت إلى الهلال فلم أره فلو أفاد النظر الرؤية لكان هذا القول ساقطا متناقضا و قولهم ما زلت أنظر إليه حتى رأيته و الشي‏ء لا يجعل غاية لنفسه فلا يقال ما زلت أراه حتى رأيته و لأنا نعلم الناظر ناظرا بالضرورة و لا نعلمه رائيا بالضرورة بدلالة أنا نسأله‏

601
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 600

هل رأيت أم لا و أما من حمل النظر في الآية على الانتظار فإنهم اختلفوا في معناه على أقوال (أحدها)
أن المعنى منتظرة لثواب ربها و روي ذلك عن مجاهد و الحسن و سعيد بن جبير و الضحاك و هو المروي عن علي (ع)
و من اعترض على هذا بأن قال إن النظر بمعنى الانتظار لا يتعدى بإلى فلا يقال انتظرت إليه و إنما يقال انتظرته فالجواب عنه على وجوه منها أنه قد جاء في الشعر بمعنى الانتظار معدي بإلى كما في البيت الذي سبق ذكره:
         ناظرات إلى الرحمن‏
و كقول جميل بن معمر:
         و إذا نظرت إليك من ملك             و البحر دونك جدتني نعما
و قول الآخر:
        إني إليك لما وعدت لناظر             نظر الفقير إلى الغني الموسر
و نظائره كثيرة و منها أن تحمل إلى في قوله «إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ» على أنها اسم فهو واحد الآلاء التي هي النعم فإن في واحدها أربع لغات إلي و ألى مثل معا و قفا و إلي و إلي مثل جدي و حسي و سقط التنوين بالإضافة و قال أعشى وائل:
         أبيض لا يرهب الهزال و لا             يقطع رحما و لا يخون إلى‏
أي لا يخون نعمة من أنعم عليه و ليس لأحد أن يقول إن هذا من أقوال المتأخرين و قد سبقهم الإجماع فإنا لا نسلم ذلك لما ذكرناه من‏
أن عليا (ع) و مجاهدا و الحسن و غيرهم قالوا المراد بذلك تنتظر الثواب و منها أن لفظ النظر
يجوز أن يعدى بإلى في الانتظار على المعنى كما أن الرؤية عديت بإلى في قوله تعالى أَ لَمْ تَرَ إِلى‏ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ فأجرى الكلام على المعنى و لا يقال رأيت إلى فلان و من إجراء الكلام على المعنى قول الفرزدق:
         و لقد عجبت إلى هوازن أصبحت             مني تلوذ ببطن أم جرير
فعدي عجبت بإلى لأن المعنى نظرت (و ثانيها) أن معناه مؤملة لتجديد الكرامة كما يقال عيني ممدودة إلى الله تعالى و إلى فلان و أنا شاخص الطرف إلى فلان و لما كانت العيون بعض أعضاء الوجوه أضيف الفعل الذي يقع بالعين إليها عن أبي مسلم (و ثالثها) أن المعنى‏

602
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 600

أنهم قطعوا آمالهم و أطماعهم عن كل شي‏ء سوى الله تعالى و وجوده دون غيره فكنى سبحانه عن الطمع بالنظر أ لا ترى أن الرعية تتوقع نظر السلطان و تطمع في إفضاله عليها و إسعافه في حوائجها فنظر الناس مختلف فناظر إلى سلطان و ناظر إلى تجارة و ناظر إلى زراعة و ناظر إلى ربه يؤمله و هذه الأقوال متقاربة في المعنى و على هذا فإن هذا الانتظار متى يكون فقيل إنه بعد الاستقرار في الجنة و قيل إنه قبل استقرار الخلق في الجنة و النار فكل فريق ينتظر ما هو له أهل و هذا اختيار القاضي عبد الجبار و ذكر جمهور أهل العدل أن النظر يجوز أن يحمل على المعنيين جميعا و لا مانع لنا من حمله على الوجهين فكأنه سبحانه أراد أنهم ينظرون إلى الثواب المعد لهم في الحال من أنواع النعيم و ينتظرون أمثالها حالا بعد حال ليتم لهم ما يستحقونه من الإجلال و يسأل على هذا فيقال إذا كان بمعنى النظر بالعين حقيقة و بمعنى الانتظار مجازا فكيف يحمل عليهما و الجواب أن عند أكثر المتكلمين في أصول الفقه يجوز أن يراد بلفظة واحدة إذ لا تنافي بينهما و هو اختيار المرتضى قدس الله روحه و لم يجوز ذلك أبو هاشم إلا إذا تكلم به مرتين مرة يريد النظر و مرة يريد الانتظار و أما قولهم المنتظر لا يكون نعيمه خالصا فكيف يوصف أهل الجنة بالانتظار فالجواب عنه أن من ينتظر شيئا لا يحتاج إليه في الحال و هو واثق بوصوله إليه عند حاجته فإنه لا يهتم بذلك و لا يتنغص سروره به بل ذلك زائد في نعيمه و إنما يلحق الهم المنتظر إذا كان يحتاج إلى ما ينتظره في الحال و يلحقه بفوته مضرة و هو غير واثق بالوصول إليه و قد قيل في إضافة النظر إلى الوجوه إن الغم و السرور إنما يظاهران في الوجوه فبين الله سبحانه أن المؤمن إذا ورد يوم القيامة تهلل وجهه و أن الكافر العاصي يخاف مغبة أفعاله القبيحة فيكلح وجهه و هو قوله «وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ» أي كالحة عابسة متغيرة «تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ» أي تعلم و تستيقن أنه يعمل بها داهية تفقر ظهورهم أي تكسرها و قيل إنه على حقيقة الظن أي يظنون حصولها جملة و لا يعلمون تفصيلها و هذا أولى من الأول لأنه لو كان بمعنى العلم لكان أن بعده مخففة من أن الثقيلة على ما ذكر في غير موضع و ذكر سبحانه هذه الوجوه الظانة في مقابلة الوجوه الناظرة فهؤلاء يرجون تجديد الكرامة و هؤلاء يظنون حلول الفاقرة فيكون حال الوجوه الراجية للأحوال السارة على الضد من حال الوجوه الظانة للفاقرة.
النظم‏
وجه اتصال قوله «لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ» بما قبله أنه لما تقدم ذكر القيامة و الوعيد خاطب سبحانه نبيه ص فقال لا تحرك به لسانك لتعجل قراءته بل كررها عليهم ليتقرر في قلوبهم فإنهم غافلون عن الأدلة ألهاهم حب العاجلة فاحتاجوا إلى زيادة تنبيه و تقرير.

603
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة القيامة الآيات 26 الى 40 ص 604

[سورة القيامة (75): الآيات 26 الى 40]
كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (26) وَ قِيلَ مَنْ راقٍ (27) وَ ظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (28) وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (30)
فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى (31) وَ لكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى (32) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى‏ أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (33) أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏ (34) ثُمَّ أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏ (35)
أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (36) أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى‏ (37) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏ (39) أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى‏ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى‏ (40)

القراءة
قرأ حفص و رويس يمنى بالياء و الباقون بالتاء.
الحجة
قال أبو علي من قرأ بالتاء حمله على النطفة أي لم يك نطفة تمنى من مني و من قرأ بالياء حمله على المني أي من مني يمني يقدر خلق الإنسان و غيره منها قال:
         منت لك أن تلقى ابن هند منية             و فارس مياس إذا ما تلببا
و قال آخر:
         لعمر أبي عمرو لقد ساقه المنى             إلى جدث يؤزى له بالأهاضب‏
أي ساقه القدر.
اللغة
التراقي جمع الترقوة و هو مقدم الحلق من أعلى الصدر تترقى إليه النفس عند

604
مجمع البيان في تفسير القرآن10

اللغة ص 604

الموت و إليه يتراقى البخار من الجوف و هناك تقع الحشرجة قال ذو الرمة:
         و رب عظيمة دافعت عنها             و قد بلغت نفوسهم التراقي‏
و الراقي طالب الشفاء رقاه يرقيه رقية إذا طلب له شفاء بأسماء الله الشريفة و آيات كتابه العظيمة و أما العوذة فهي دفع البلية بكلمات الله تعالى و تقول العرب قامت الحرب على ساق يعنون شدة الأمر قال:
         فإذ شمرت لك عن ساقها             فويها ربيع و لا تسأم‏
و المطي تمدد البدن من الكسل و أصله أن يلوي مطاه أي ظهره و قيل أصله يتمطط فجعل إحدى الطائين ياء و هو من المط بمعنى المد كقولهم تظنيت و أمليت و نحو ذلك و نهى عن مشية المطيطاء و ذلك أن يلقي الرجل يديه مع التكفي في مشيته. أولى لك كلمة وعيد و تهديد قالت الخنساء:
         هممت بنفسي كل الهموم             فأولى بنفسي أولى لها
و السدي المهمل و العلقة القطعة من الدم المنعقد.
الإعراب‏
في إعراب أولى وجوه (أحدها) أن يكون مبتدأ و خبره لك (و الآخر) أن يكون خبر مبتدإ محذوف تقديره الشر أولى لك فعلى هذا يكون اللام في لك للاختصاص كأنه قال الشر أولى لك من الخير و يجوز أن يكون بمعنى من تقديره الشر أقرب منك و سدى منصوب على الحال من قوله «يُتْرَكَ».
المعنى‏
ثم بين سبحانه حالهم عند النزع فقال «كَلَّا» أي ليس يؤمن الكافر بهذا و قيل معناه حقا «إِذا بَلَغَتِ» النفس أو الروح و لم يذكره لدلالة الكلام عليه كما قال ما ترك على ظهرها من دابة يعني على ظهر الأرض «التَّراقِيَ» أي العظام المكتنفة بالحلق و كنى بذلك عن الإشفاء على الموت «وَ قِيلَ مَنْ راقٍ» أي و قال من حضره من أهله هل من راق أي طبيب شاف يرقيه و يداويه فلا يجدونه عن أبي قلابة و الضحاك و قتادة و ابن زيد قال قتادة التمسوا له الأطباء فلم يغنوا عنه من عذاب الله شيئا و قيل إن معناه قالت الملائكة من يرقى بروحه أ ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب عن ابن عباس و مقاتل قال أبو العالية تختصم فيه ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب أيهم يرقي روحه و قال الضحاك أهل الدنيا يجهزون البدن‏

605
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 605

و أهل الآخرة يجهزون الروح «وَ ظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ» أي و علم عند ذلك هذا الذي بلغت روحها تراقيها أنه الفراق من الدنيا و الأهل و المال و الولد و الفراق ضد الوصال و هو بعاد الألاف و
جاء في الحديث أن العبد ليعالج كرب الموت و سكراته و مفاصله يسلم بعضها على بعض يقول عليك السلام تفارقني و أفارقك إلى يوم القيامة
 «وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ» قيل فيه وجوه (أحدها) التفت شدة أمر الآخرة بأمر الدنيا عن ابن عباس و مجاهد (و الثاني) التفت حال الموت بحال الحياة عن الحسن (و الثالث) التفت ساقاه عند الموت عن الشعبي و أبي مالك لأنه يذهب القوة فيصير كجلد يلتف بعضه ببعض و قيل هو أن يضطرب فلا يزال يمد إحدى رجليه و يرسل الأخرى و يلف إحداهما بالأخرى عن قتادة و قيل هو التفاف الساقين في الكفن (و الرابع) التف ساق الدنيا بساق الآخرة و هو شدة كرب الموت بشدة هول المطلع و المعنى في الجميع أنه تتابعت عليه الشدائد فلا يخرج من شدة إلا جاءه أشد منها «إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ» أي مساق الخلائق إلى المحشر الذي لا يملك فيه الأمر و النهي غير الله تعالى و قيل يسوق الملك بروحه إلى حيث أمر الله تعالى به إن كان من أهل الجنة فإلى عليين و إن كان من أهل النار فإلى سجين و المساق موضع السوق «فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى» أي لم يتصدق بشي‏ء و لم يصل لله «وَ لكِنْ كَذَّبَ» بالله «وَ تَوَلَّى» عن طاعته عن الحسن و قيل معناه لم يصدق بكتاب الله و لا صلى الله و لكن كذب بالكتاب و الرسول و أعرض عن الإيمان عن قتادة «ثُمَّ ذَهَبَ إِلى‏ أَهْلِهِ يَتَمَطَّى» أي يرجع إليهم يتبختر و يختال في مشيته و قيل إن المراد بذلك أبو جهل بن هشام «أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏» و هذا تهديد من الله له و المعنى وليك المكروه يا أبا جهل و قرب منك و
جاءت الرواية أن رسول الله أخذ بيد أبي جهل ثم قال له أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى فقال أبو جهل بأي شي‏ء تهددني لا تستطيع أنت و لا ربك أن تفعلا بي شيئا و إني لأعز أهل هذا الوادي فأنزل الله سبحانه كما قال له رسول الله ص‏
و قيل معناه الذم أولى لك من تركه إلا أنه حذف و كثر في الكلام حتى صار بمنزلة الويل لك و صار من المحذوف الذي لا يجوز إظهاره و قيل هو وعيد على وعيد عن قتادة و معناه وليك الشر في الدنيا وليك ثم وليك الشر في الآخرة وليك و التكرار للتأكيد و قيل بعدا لك من خيرات الدنيا و بعدا لك من خيرات الآخرة عن الجبائي و قيل أولى لك ما تشاهده يا أبا جهل يوم بدر فأولى لك في القبر ثم أولى لك يوم القيامة فلذلك أدخل ثم فأولى لك في النار «أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ» يعني أبا جهل «أَنْ يُتْرَكَ سُدىً» مهملا لا يؤمر و لا ينهى عن ابن عباس و مجاهد و الألف للاستفهام و المراد الإنكار أي لا ينبغي أن يظن ذلك و قيل أنه عام أي أ يظن الإنسان الكافر بالبعث الجاحد لنعم الله أن يترك مهملا من غير أمر يؤخذ به فيكون فيه‏

606
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 605

تقويم له و إصلاح لما هو أعود عليه في عاقبة أمره و أجمل به في دنياه و آخرته «أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى‏» أي كيف يظن أن يهمل و هو يرى في نفسه و من تنقل الأحوال ما يمكنه أن يستدل به على أن له صانعا حكيما أكمل عقله و أقدره و خلق فيه الشهوة فيعلم أنه لا يجوز أن يخليه من التكليف و معنى قوله «يُمْنى‏» أي يقدر و قيل معناه يصب في الرحم «ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ» منها خلقا في الرحم «فَسَوَّى» خلقه و صورته و أعضاءه الباطنة و الظاهرة في بطن أمه و قيل فسواه إنسانا بعد الولادة و أكمل قوته و قيل معناه فخلق الأجسام فسواها للأفعال و جعل لكل جارحة عملا يختص بها «فَجَعَلَ مِنْهُ» أي من الإنسان «الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏» و قيل من المني و هذا إخبار من الله سبحانه أنه لم يخلق الإنسان من المني و لم ينقله من حال إلى حال ليتركه مهملا فإنه لا بد من غرض في ذلك و هو التعريض للثواب بالتكليف «أَ لَيْسَ ذلِكَ» الذي فعل هذا «بِقادِرٍ عَلى‏ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى‏» هذا تقرير لهم على أن من قدر على الابتداء قدر على البعث و الإحياء فإن من قدر على جعل النطفة علقة و العلقة مضغة إلى أن يجعلها حيا سليما مركبا فيه الحواس الخمس و الأعضاء الشريفة التي يصلح كل منها لما لا يصلح له الآخر و خلق الزوجين الذكر و الأنثى الذين يصح بهما التناسل فإنه يقدر على إعادته بعد الموت إلى ما كان عليه من كونه حيا و
جاء في الحديث عن البراء بن عازب قال لما نزلت هذه الآية «أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى‏ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى‏» قال رسول الله ص سبحانك اللهم و بلى و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله ع‏
و في الآية دلالة على صحة القياس العقلي فإنه سبحانه اعتبر النشأة الثانية بالنشأة الأولى.

607
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة الإنسان مدنية و آياتها إحدى و ثلاثون ص 608

(76) سورة الإنسان مدنية و آياتها إحدى و ثلاثون (31)
[توضيح‏]
و تسمى سورة الدهر و تسمى سورة الأبرار و منهم من يسميها بفاتحتها و اختلفوا فيها فقيل مكية كلها و قيل مدنية كلها عن مجاهد و قتادة و قيل إنها مدنية إلا قوله «وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً» فإنه مكي عن الحسن و عكرمة و الكلبي و قيل إن قوله «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا» إلى آخر السورة مكي و الباقي مدني.
عدد آيها
إحدى و ثلاثون آية بالإجماع.
فضلها
أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأ سورة (هل أتى) كان جزاؤه على الله جنة و حريرا
و
قال أبو جعفر (ع) من قرأ سورة هل أتى في كل غداة خميس زوجه الله من الحور العين مائة عذراء و أربعة آلاف ثيب و كان مع محمد ص.
تفسيرها
ختم الله سبحانه يوم القيامة بأن دل على صحة البعث بخلق الإنسان من نطفة و افتتح هذه السورة بمثل ذلك فقال:

608
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة الإنسان الآيات 1 الى 10 ص 609

[سورة الإنسان (76): الآيات 1 الى 10]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏
هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (2) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً (3) إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَ أَغْلالاً وَ سَعِيراً (4)
إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً (5) عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (7) وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً (8) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً (9)
إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (10)

القراءة
قرأ أهل المدينة و أبو بكر عن عاصم و الكسائي سلاسلا بالتنوين و كذلك قواريرا قواريرا و يقفون بالألف على الجميع و قرأ ابن كثير و خلف سلاسل بغير تنوين و قواريرا قوارير الأول بالتنوين و الثاني بغير تنوين و يقفان على سلاسل و قوارير الثانية بغير الألف و قرأ حمزة و يعقوب بغير تنوين في الجميع و يقفان بغير ألف عليها و قرأ أبو عمرو و ابن عامر و حفص بغير تنوين فيها أيضا إلا أنهم يقفون على سلاسل و قواريرا الأولى بالألف و على قوارير الثانية بغير ألف غير أن شجاعا يقف على سلاسل أيضا بغير ألف.
الحجة
قال أبو علي حجة من صرف سلاسلا و قواريرا في الوصل و الوقف أمران (أحدهما) أن أبا الحسن قال سمعنا من العرب من يصرف هذا و يصرف جميع ما لا ينصرف قال و هذه لغة أهل الشعر لأنهم اضطروا إليه في الشعر فصرفوه فجرت ألسنتهم على ذلك و احتملوا ذلك في الشعر لأنه يحتمل الزيادة كما يحتمل النقص فاحتملوا زيادة التنوين و الأمر الآخر أن هذه الجموع أشبهت الآحاد لأنهم قالوا صواحبات يوسف فلما جمعت جمع الآحاد المنصرفة جعلوه في حكمها فصرفوها قال أبو الحسن و كثير من العرب يقول مواليات يريد الموالي و أنشد للفرزدق:
         فإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم             خضع الرقاب نواكسي الأبصار

609
مجمع البيان في تفسير القرآن10

الحجة ص 609

فهذا كأنه جمع نواكس و من قرأ بغير تنوين و لا ألف فإنه جعله كقوله «لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَ بِيَعٌ وَ صَلَواتٌ وَ مَساجِدُ» و إلحاق الألف في سلاسل و قوارير كالحاقة في قوله «الظُّنُونَا» و «السَّبِيلَا» و «الرَّسُولَا» يشبه ذلك بالإطلاق في القوافي من حيث كانت مثلها في أنها كلام تام.
اللغة
الدهر مرور الليل و النهار و جمعه أدهر و دهور و أصل النطفة الماء القليل و قد تقع على الكثير
قال أمير المؤمنين (ع) حين ذكر الخوارج مصارعهم دون النطفة
يريد النهروان و الجمع نطاف و نطف قال الشاعر:
         و ما النفس إلا نطفة بقرارة             إذا لم تكدر كان صفوا غديرها
و واحد الأمشاج مشيج و مشجت هذا بهذا أي خلطته و هو ممشوج و مشيج و واحد الأبرار بار نحو ناصر و أنصار و بر أيضا و الكأس الإناء إذا كان فيه شراب قال عمرو بن كلثوم:
         صددت الكأس عنا أم عمرو             و كان الكأس مجراها اليمينا
و أوفى بالعقد و وفى به فأوفى لغة أهل الحجاز و وفى لغة تميم و أهل نجد و النذر عقد عملي فعل بر يوجبه الإنسان على نفسه نذر ينذر قال عنترة:
         الشاتمي عرضي و لم أشتمهما             و الناذرين إذا لم ألقهما دمي‏
أي يقولان إن لقينا عنترة لنقتلنه و المستطير المنتشر قال الأعشى:
         فبانت و قد أسأرت في الفؤاد             صدعا على نأيها مستطيرا
و القمطرير الشديد في الشر و قد اقمطر اليوم اقمطرارا و يوم قمطرير و قماطر كأنه قد التف شره بعضه على بعض قال الشاعر:

610
مجمع البيان في تفسير القرآن10

اللغة ص 610

         بني عمنا هل تذكرون بلاءنا             عليكم إذا ما كان يوم قماطر
قيل إن هل هنا بمعنى قد قال الشاعر:
         أم هل كبير بكى لم يقض عبرته             إثر الأحبة يوم البين مشكوم‏
الإعراب‏
 «لَمْ يَكُنْ شَيْئاً» جملة في محل الرفع لأنها صفة حين و التقدير لم يكن فيه شيئا مذكورا و أمشاج يجوز أن يكون صفة لنطفة و يجوز أن يكون بدلا و الوصف بالجمع مثل قولهم برمة أعشار و ثوب أسمال و نبتليه في موضع نصب على الحال. «إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً» حالان من الهاء في هديناه أي هديناه شاكرا أو كفورا و قوله «عَيْناً» في انتصابه وجوه (أحدها) أن يكون بدلا من كافورا إذا جعلت الكافور اسم عين فيكون بدل الكل من الكل (و الثاني) أن يكون بدلا من قوله «مِنْ كَأْسٍ» أي يسقون من عين ثم حذف الجار فوصل الفعل إليه فنصبه (و الثالث) أن يكون منصوبا على المدح و التقدير أعني عينا يشرب بها الباء مزيدة أي يشربها و المعنى يشرب ماؤها لأن العين لا تشرب و إنما يشرب ماؤها.
النزول‏
قد روى الخاص و العام أن الآيات من هذه السورة و هي قوله «إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ» إلى قوله «وَ كانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً» نزلت في علي و فاطمة و الحسن و الحسين ع و جارية لهم تسمى فضة و هو المروي عن ابن عباس و مجاهد و أبي صالح.
[و القصة طويلة]
جملتها أنهم قالوا مرض الحسن و الحسين (ع) فعادهما جدهما ص و وجوه العرب و قالوا يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذرا فنذر صوم ثلاثة أيام إن شفاهما الله سبحانه و نذرت فاطمة (ع) كذلك و كذلك فضة فبرءا و ليس عندهم شي‏ء فاستقرض علي (ع) ثلاثة أصوع من شعير من يهودي و روي أنه أخذها ليغزل له صوفا و جاء به إلى فاطمة (ع) فطحنت صاعا منها فاختبزته و صلى علي المغرب و قربته إليهم فأتاهم مسكين يدعو لهم و سألهم فأعطوه و لم يذوقوا إلا الماء فلما كان اليوم الثاني أخذت صاعا فطحنته و خبزته و قدمته إلى علي (ع) فإذا يتيم في الباب يستطعم فأعطوه و لم يذوقوا إلا الماء فلما كان اليوم الثالث عمدت إلى الباقي فطحنته و اختبزته و قدمته إلى علي (ع) فإذا أسير بالباب يستطعم فأعطوه‏

611
مجمع البيان في تفسير القرآن10

و القصة طويلة ص 611

و لم يذوقوا إلا الماء فلما كان اليوم الرابع و قد قضوا نذورهم أتى علي (ع) و معه الحسن و الحسين (ع) إلى النبي ص و بهما ضعف فبكى رسول الله ص و نزل جبرائيل (ع) بسورة هل أتى و
في رواية عطاء عن ابن عباس أن علي ابن أبي طالب (ع) آجر نفسه ليستقي نخلا بشي‏ء من شعير ليلة حتى أصبح فلما أصبح و قبض الشعير طحن ثلثه فجعلوا منه شيئا ليأكلوه يقال له الحريرة فلما تم إنضاجه أتى مسكين فأخرجوا إليه الطعام ثم عمل الثلث الثاني فلما تم إنضاجه أتى يتيم فسأل فأطعموه ثم عمل الثلث الثالث فلما تم إنضاجه أتى أسير من المشركين فسأل فأطعموه و طووا يومهم ذلك ذكره الواحدي في تفسيره‏
و
ذكر علي بن إبراهيم أن أباه حدثه عن عبد الله بن ميمون عن أبي عبد الله (ع) قال كان عند فاطمة شعير فجعلوه عصيدة فلما أنضجوها و وضعوها بين أيديهم جاء مسكين فقال المسكين رحمكم الله فقام علي فأعطاه ثلثها فلم يلبث أن جاء يتيم فقال اليتيم رحمكم الله فقام علي (ع) فأعطاه الثلث ثم جاء أسير فقال الأسير رحمكم الله فأعطاه علي (ع) الثلث الباقي و ما ذاقوها فأنزل الله سبحانه الآيات فيهم‏
و هي جارية في كل مؤمن فعل ذلك لله عز و جل و في هذا دلالة على أن السورة مدنية و قال أبو حمزة الثمالي في تفسيره حدثني الحسن بن الحسن أبو عبد الله بن الحسن أنها مدنية نزلت في علي و فاطمة السورة كلها
[النزول‏]
حدثنا السيد أبو الحمد مهدي بن نزار الحسيني القايني قال أخبرنا الحاكم أبو القسم عبيد الله بن عبد الله الحسكاني قال حدثنا أبو نصر المفسر قال حدثني عمي أبو حامد إملاء قال حدثني الفزاري أبو يوسف يعقوب بن محمد المقري قال حدثنا محمد بن يزيد السلمي قال حدثنا زيد بن موسى قال حدثنا عمرو بن هارون عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس قال أول ما أنزل بمكة (اقرأ باسم ربك) ثم (ن و القلم) ثم (المزمل) ثم (المدثر) ثم (تبت) ثم (إذا الشمس كورت) ثم (سبح اسم ربك الأعلى) ثم (و الليل إذا يغشى) ثم (و الفجر) ثم (و الضحى) ثم (أ لم نشرح) ثم (و العصر) ثم (و العاديات) ثم (إنا أعطيناك الكوثر) ثم (ألهيكم التكاثر) ثم (أ رأيت) ثم (الكافرون) ثم (أ لم تر كيف) ثم (قل أعوذ برب الفلق) ثم (قل أعوذ برب الناس) ثم (قل هو الله أحد) ثم (و النجم) ثم (عبس) ثم (إنا أنزلناه) ثم (و الشمس) ثم (البروج) ثم (و التين) ثم (لإيلاف) ثم (القارعة) ثم (القيامة) ثم (الهمزة) ثم (و المرسلات) ثم (ق).

612
مجمع البيان في تفسير القرآن10

النزول ص 612

ثم (لا أقسم بهذا البلد) ثم (الطارق) ثم (اقتربت الساعة) ثم (ص) ثم (الأعراف) ثم (قل أوحي) ثم (يس) ثم (الفرقان) ثم (الملائكة) ثم (كهيعص) ثم (طه) ثم (الواقعة) ثم (الشعراء) ثم (النمل) ثم (القصص) ثم (بني إسرائيل) ثم (يونس) ثم (هود) ثم (يوسف) ثم (الحجر) ثم (الأنعام) ثم (الصافات) ثم (لقمان) ثم (القمر) ثم (سبأ) ثم (الزمر) ثم (حم المؤمن) ثم (حم السجدة) ثم (حمعسق) ثم (الزخرف) ثم (الدخان) ثم (الجاثية) ثم (الأحقاف) ثم (الذاريات) ثم (الغاشية) ثم (الكهف) ثم (النحل) ثم (نوح) ثم (إبراهيم) ثم (الأنبياء) ثم (المؤمنون) ثم (الم تنزيل) ثم (الطور) ثم (الملك) ثم (الحاقة) ثم (ذو المعارج) ثم (عم يتساءلون) ثم (النازعات) ثم (انفطرت) ثم (انشقت) ثم (الروم) ثم (العنكبوت) ثم (المطففين) فهذه أنزلت بمكة و هي خمس و ثمانون سورة ثم أنزلت بالمدينة (البقرة) ثم (الأنفال) ثم (آل عمران) ثم (الأحزاب) ثم (الممتحنة) ثم (النساء) ثم (إذا زلزلت) ثم (الحديد) ثم سورة (محمد) ثم (الرعد) ثم سورة (الرحمن) ثم (هل أتى) ثم (الطلاق) ثم (لم يكن) ثم (الحشر) ثم (إذا جاء نصر الله) ثم (النور) ثم (الحج) ثم (المنافقون) ثم (المجادلة) ثم (الحجرات) ثم (التحريم) ثم (الجمعة) ثم (التغابن) ثم سورة (الصف) ثم سورة (الفتح) ثم سورة (المائدة) ثم سورة (التوبة) فهذه ثمان و عشرون سورة و قد رواه الأستاذ أحمد الزاهد بإسناده عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس في كتاب الإيضاح و زاد فيه و كانت إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت بمكة ثم يزيد الله فيها ما يشاء بالمدينة و بإسناده عن عكرمة و الحسن بن أبي الحسن البصري إن أول ما أنزل الله من القرآن بمكة على الترتيب (اقرأ باسم ربك و ن و المزمل) إلى قوله و ما نزل بالمدينة (ويل للمطففين) (و البقرة و الأنفال و آل عمران و الأحزاب و المائدة و الممتحنة و النساء و إذا زلزلت و الحديد و سورة محمد) ص (و الرعد و الرحمن و هل أتى على الإنسان) إلى آخره و
بإسناده عن سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب (ع) أنه قال سألت النبي عن ثواب القرآن فأخبرني بثواب سورة سورة على نحو ما نزلت من السماء فأول ما نزل عليه بمكة (فاتحة الكتاب) ثم (اقرأ باسم ربك) ثم (ن) إلى أن قال و أول ما نزل بالمدينة سورة (البقرة) ثم (الأنفال) ثم (آل عمران) ثم (الأحزاب) ثم (الممتحنة) ثم (النساء) ثم (إذا زلزلت) ثم (الحديد) ثم (سورة محمد) ثم‏

613
مجمع البيان في تفسير القرآن10

النزول ص 612

 (الرعد) ثم (سورة الرحمن) ثم (هل أتى) إلى قوله فهذا ما أنزل بالمدينة ثم قال النبي ص جميع سور القرآن مائة و أربع عشرة سورة و جميع آيات القرآن ستة آلاف آية و مائتا آية و ست و ثلاثون آية و جميع حروف القرآن ثلاثمائة ألف حرف واحد و عشرون ألف حرف و مائتان و خمسون حرفا لا يرغب في تعلم القرآن إلا السعداء و لا يتعهد قراءته إلا أولياء الرحمن‏
 (أقول) قد اتسع نطاق الكلام في هذا الباب حتى كاد يخرج عن أسلوب الكتاب و ربما نسبنا به إلى الإطناب و لكن الغرض فيه أن بعض أهل العصبية قد طعن في هذه القصة بأن قال هذه السورة مكية فكيف يتعلق بها ما كان بالمدينة و استدل بذلك على أنها مخترعة جرأة على الله سبحانه و عداوة لأهل بيت رسوله فأحببت إيضاح الحق في ذلك و إيراد البرهان في معناه و كشف القناع عن عناد هذا المعاند في دعواه على أنه كما ترى يحتوي على السر المخزون و الدر المكنون من هذا العلم الذي يستضاء بنوره و يتلألأ بزهوره و هو معرفة ترتيب السور في التنزيل و حصر عددها على الجملة و التفصيل اللهم أمددنا بتأييدك و أيدنا بتوفيقك فأنت الرجاء و الأمل و على فضلك المعول و المتكل.
المعنى‏
 «هَلْ أَتى‏» معناه قد أتى «عَلَى الْإِنْسانِ» أي أ لم يأت على الإنسان «حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ» و قد كان شيئا إلا أنه «لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً» لأنه كان ترابا و طينا إلى أن نفخ فيه الروح عن الزجاج و على هذا فهل هنا استفهام يراد به التقرير قال الجبائي و هو تقرير على ألطف الوجوه و تقديره أيها المنكر للصانع و قدرته أ ليس قد أتى عليك دهور لم تكن شيئا مذكورا ثم ذكرت و كل أحد يعلم من نفسه أنه لم يكن موجودا ثم وجد فإذا تفكر في ذلك علم أن له صانعا صنعه و محدثا أحدثه و المراد بالإنسان هنا آدم (ع) و هو أول من سمي به عن الحسن و قتادة و سفيان و الجبائي و قيل إن المراد به كل إنسان و الألف و اللام للجنس عن أبي مسلم و قيل أنه أتى على آدم (ع) أربعون سنة لم يكن شيئا مذكورا لا في السماء و لا في الأرض بل كان جسدا ملقى من طين قبل أن ينفخ فيه الروح و روى عطاء عن ابن عباس أنه تم خلقه بعد عشرين و مائة سنة و
روى العياشي بإسناده عن عبد الله بن بكير عن زرارة قال سألت أبا جعفر (ع) عن قوله «لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً» قال كان شيئا و لم يكن مذكورا
و
بإسناده عن سعيد الحداد عن أبي جعفر (ع) قال كان مذكورا في العلم و لم يكن مذكورا في الخلق و عن عبد الأعلى مولى آل سام عن أبي عبد الله (ع) مثله‏
و
عن حمران بن أعين قال سألت عنه فقال كان شيئا مقدورا و لم يكن مكونا
و في هذا دلالة على أن المعدوم معلوم و إن لم يكن مذكورا و إن المعدوم يسمى شيئا فإذا حملت الإنسان على الجنس فالمراد أنه‏

614
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 614

قبل الولادة لا يعرف و لا يذكر و لا يدري من هو و ما يراد به بل يكون معدوما ثم يوجد في صلب أبيه ثم في رحم أمه إلى وقت الولادة و قيل المراد به العلماء لأنهم كانوا لا يذكرون فصيرهم الله سبحانه بالعلم مذكورين بين الخاص و العام في حياتهم و بعد مماتهم و سمع عمر بن الخطاب رجلا يقرأ هذه الآية فقال ليت ذلك ثم يعني ليت آدم بقي على ما كان فكان لا يلد و لا يبتلي أولاده ثم قال سبحانه «إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ» يعني ولد آدم (ع) «مِنْ نُطْفَةٍ» و هي ماء الرجل و المرأة الذي يخلق منه الولد «أَمْشاجٍ» أي أخلاط من ماء الرجل و ماء المرأة في الرحم فأيهما علا ماء صاحبه كان الشبه له عن ابن عباس و الحسن و عكرمة و مجاهد و قيل أمشاج أطوار طورا نطفة و طورا علقة و طورا مضغة و طورا عظاما إلى أن صار إنسانا عن قتادة و قيل أراد اختلاف ألوان النطفة فنطفة الرجل بيضاء و حمراء و نطفة المرأة خضراء و صفراء فهي مختلفة الألوان عن مجاهد و الضحاك و الكلبي و روي أيضا عن ابن عباس و قيل نطفة مشجت بدم الحيض فإذا حبلت ارتفع الحيض عن الحسن و قيل هي العروق التي تكون في النطفة عن ابن مسعود و قيل أمشاج أخلاط من الطبائع التي تكون في الإنسان من الحرارة و البرودة و اليبوسة و الرطوبة جعلها الله في النطفة ثم بناه الله البنية الحيوانية المعدلة الأخلاط ثم جعل فيه الحياة ثم شق له السمع و البصر فتبارك الله رب العالمين و ذلك قوله «فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً» و قوله «نَبْتَلِيهِ» أي نختبره بما نكلفه من الأفعال الشاقة ليظهر إما طاعته و إما عصيانه فنجازيه بحسب ذلك قال الفراء معناه «فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً» لنبتليه أي لنتعبده و نأمره و ننهاه و المراد فأعطيناه آلة السمع و البصر ليتمكن من السمع و البصر و معرفة ما كلف «إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ» أي بينا له الطريق و نصبنا له الأدلة و أزحنا له العلة حتى يتمكن من معرفة الحق و الباطل و قيل هو طريق الخير و الشر عن قتادة و قيل السبيل هو طريق معرفة الدين الذي به يتوصل إلى ثواب الأبد و يلزم كل مكلف سلوكه و هو أدلة العقل و الشرع التي يعم جميع المكلفين «إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً» قال الفراء معناه أن شكر و أن كفر على الجزاء و قال الزجاج معناه ليختار إما السعادة و إما الشقاوة و المراد إما أن يختار بحسن اختياره الشكر لله تعالى و الاعتراف بنعمه فيصيب الحظ و إما أن يكفر نعم الله و يجحد إحسانه فيكون ضالا عن الصواب فأيهما اختار جوزي عليه بحسبه و هذا كقوله «فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ» و في هذه الآية دلالة على أن الله قد هدى جميع خلقه لأن اللفظ عام ثم بين سبحانه ما أعده للكافرين فقال «إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ» أي هيأنا و ادخرنا لهم جزاء على كفرانهم و عصيانهم «سَلاسِلَ» يعني في جهنم كما قال فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً «وَ أَغْلالًا وَ سَعِيراً» نار موقدة نعذبهم بها و نعاقبهم فيها ثم ذكر ما أعده‏

615
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 614

للشاكرين المطيعين فقال «إِنَّ الْأَبْرارَ» و هو جمع البر المطيع لله المحسن في أفعاله و قال الحسن هم الذين لا يؤذون الذر و لا يرضون الشر و قيل هم الذين يقضون الحقوق اللازمة و النافلة و قد أجمع أهل البيت (ع) و موافقوهم و كثير من مخالفيهم إن المراد بذلك علي و فاطمة و الحسن و الحسين ع و الآية مع ما بعدها متعينة فيهم و أيضا فقد انعقد الإجماع على أنهم كانوا أبرارا و في غيرهم خلاف «يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ» إناء فيه شراب «كانَ مِزاجُها» أي ما يمازجها «كافُوراً» و هو اسم عين ماء في الجنة عن عطاء و الكلبي و اختاره الفراء قال و يدل عليه قوله «عَيْناً» و هي كالمفسرة للكافور و قيل يعني الكافور الذي له رائحة طيبة و المعنى يمازجه ريح الكافور و ليس ككافور الدنيا عن مجاهد و مقاتل قال قتادة يمزج بالكافور و يختم بالمسك و قيل معناه طيب بالكافور و المسك و الزنجبيل عن ابن كيسان «عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ» أي أولياؤه عن ابن عباس أي هذا الشراب من عين يشرب بها أولياء الله و خصهم بأنهم عباد الله تشريفا و تبجيلا قال الفراء شربها و شرب بها سواء في المعنى كما يقولون تكلمت بكلام حسن و كلاما حسنا قال عنترة:
         شربت بماء الدحرضين فأصبحت             عسرا علي طلابها ابنة مخرم‏
و أنشد الفراء:
         شربن بماء البحر ثم ترفعت             متى لجج خضر لهن نئيج‏
أي صوت.
 «يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً» أي يقودون تلك العين حيث شاءوا من منازلهم و قصورهم عن مجاهد و التفجير تشقيق الأرض بجري الماء قال و أنهار الجنة تجري بغير أخدود فإذا أراد المؤمن أن يجري نهرا خط خطا فينبع الماء من ذلك الموضع و يجري بغير تعب ثم وصف سبحانه هؤلاء الأبرار فقال «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ» أي كانوا في الدنيا بهذه الصفة و الإيفاء بالنذر هو أن يفعل ما نذر عليه فإذا نذر طاعة تممها و وفى بها عن مجاهد و عكرمة و قيل يتمون ما فرض الله عليهم من الواجبات عن قتادة «وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً»

616
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 614

أي فاشيا منتشرا ذاهبا في الجهات بلغ أقصى المبالغ و سمي العذاب شرا لأنه لا خير فيه للمعاقبين و إن كان في نفسه حسنا لكونه مستحقا و قيل المراد بالشر هنا أهوال يوم القيامة و شدائده «وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ» أي على حب الطعام و المعنى يطعمون الطعام أشد ما تكون حاجتهم إليه وصفهم الله سبحانه بالأثرة على أنفسهم و
في الحديث عن أبي سعيد الخدري أن النبي ص قال ما من مسلم أطعم مسلما على جوع إلا أطعمه الله من ثمار الجنة و ما من مسلم كسا أخاه على عري إلا كساه الله من خضر الجنة و من سقى مسلما على ظمإ سقاه الله من الرحيق‏
قال ابن عباس يطعمون الطعام على شهوتهم له و محبتهم إياه و قيل الهاء كناية عن الله تعالى أي يطعمون الطعام على حب الله «مِسْكِيناً» و هو الفقير الذي لا شي‏ء له «وَ يَتِيماً» و هو الذي لا والد له من الأطفال «وَ أَسِيراً» و هو المأخوذ من أهل دار الحرب عن قتادة و قيل هو المحبوس من أهل القبلة عن مجاهد و سعيد بن جبير و قيل الأسير المرأة «إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ» أي لطلب رضا الله خالصا لله مخلصا من الرياء و طلب الجزاء و هو قوله «لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً» و هو مصدر مثل القعود و الجلوس و قيل إنهم لم يتكلموا بذلك و لكن علم الله سبحانه ما في قلوبهم فأثنى به عليهم ليرغب في ذلك الراغب عن سعيد بن جبير و مجاهد و المراد لا نطلب بهذا الطعام مكافاة عاجلة و لا نريد أن تشكرونا عليه عند الخلق بل فعلناه لله «إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً» أي عذاب يوم «عَبُوساً» أي مكفهرا تعبس فيه الوجوه و وصف اليوم بالعبوس توسعا لما فيه من الشدة و هذا كما يقال يوم صائم و ليل قائم قال ابن عباس يعبس فيه الكافر حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران «قَمْطَرِيراً» أي صعبا شديدا عن أبي عبيدة و المبرد و قال الحسن سبحان الله ما أشد اسمه و هو من اسمه أشد و قيل القمطرير الذي يقلص الوجوه و يقبض الجباه و ما بين الأعين من شدته عن قتادة.

617
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة الإنسان الآيات 11 الى 22 ص 618

[سورة الإنسان (76): الآيات 11 الى 22]
فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَ لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً (11) وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً (12) مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَ لا زَمْهَرِيراً (13) وَ دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً (14) وَ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (15)
قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (16) وَ يُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً (17) عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (18) وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (19) وَ إِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَ مُلْكاً كَبِيراً (20)
عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَ إِسْتَبْرَقٌ وَ حُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (21) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَ كانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (22)

القراءة
قرأ الشعبي و عبيد بن عمير قدروها بضم القاف و القراءة المشهورة «قَدَّرُوها» بفتح القاف و قرأ أهل المدينة و حمزة عاليهم ساكنة الياء و الباقون «عالِيَهُمْ» بفتح الياء و قرأ أهل البصرة و أبو جعفر و ابن عامر خضر بالرفع و إستبرق بالجر و قرأ ابن كثير و أبو بكر خضر بالجر و إستبرق بالرفع و قرأ نافع و حسن بالرفع فيهما و قرأ حمزة و الكسائي و خلف بالجر فيهما.
الحجة
من قرأ «قَدَّرُوها» بالفتح فالمعنى قدروها في أنفسهم فجاءت كما قدروها و من قرأ بالضم أراد أن ذلك قدر لهم أي قدره الله لهم كذلك قال أبو علي الضمير في «قَدَّرُوها» للخزان أو الملائكة أي قدروها على ربهم لا ينقص من ذلك و لا يزيد عليه و من قرأ قدروها فهو على هذا المعنى يريد كان اللفظ قدروا عليها فحذف الجار كما حذف من قوله:
         كأنه واضح الأقراب في لقح             أسمى بهن و عزته الأناصيل‏
فلما حذف الحرف وصل الفعل فكذلك قوله قدروها إلا أن المعنى قدرت عليهم أي على ربهم فقلب كما قال:
         لا تحسبن دراهما سرقتها             تمحو مخازيك التي بعمان‏
و على هذا يتأول قوله «ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ» و مثل هذا ما حكاه أبو زيد إذا طلعت الجوزاء أوفى السود في الجرباء قال و من نصب «عالِيَهُمْ» فإن النصب يحتمل أمرين‏

618
مجمع البيان في تفسير القرآن10

الحجة ص 618

 (أحدهما) أن يكون حالا (و الآخر) أن يكون ظرفا فأما الحال فيحتمل أن يكون العامل فيها أحد شيئين (أحدهما) لقاهم (و الآخر) جزاهم و مثله في كونه حالا «مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ» فإن قلت لم لا يكون متكئين صفة جنة و فيها ذكر لها قيل لا يجوز ذلك أ لا ترى أنه لو كان كذلك للزمك أن تبرز الضمير الذي في اسم الفاعل من حيث كان صفة للجنة و ليس الفعل لها فإذا لم يجز ذلك كان حالا و كذلك قوله «وَ دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها» إلا أنه يجوز في قوله «وَ دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها» أمران (أحدهما) الحال (و الآخر) أن ينتصب على أنه مفعول به و يكون المعنى و جزاهم جنة و حريرا أي لبس حرير و دخول جنة و دانية عليهم ظلالها فيكون على هذا التقدير كقوله وَ لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ فإن لم تحمله على هذا و قلت إنه يعرض فيه إقامة الصفة مقام الموصوف و إن ذلك ليس بالمطرح في كلامهم و إذا حملته على الحال يكون مثل ما عطفته عليه من قوله «مُتَّكِئِينَ» «وَ دانِيَةً عَلَيْهِمْ» و كذلك يكون «عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ» معطوفا على ما انتصب على الحال في السورة فيكون ثياب سندس مرتفعة باسم الفاعل و الضمير عائد إلى ذي الحال من قوله «عالِيَهُمْ» و في الشواذ عاليتهم قراءة الأعمش و يكون بمنزلة قوله خاشعا أبصارهم و خاشعة أبصارهم و من جعله ظرفا فإنه لما كان عالي بمعنى فوق أجري مجراه في هذا و من قرأ عاليهم بسكون الياء جعله مبتدأ و ثياب سندس خبره و يكون عاليهم المبتدأ في موضع الجماعة كما أن الخبر جماعة و قد جاء اسم الفاعل في موضع جماعة قال:
         ألا إن جيراني العشية رائح             دعتهم دواع من هوى و منادح‏
و في التنزيل مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا فكأنه أفرد من حيث جعل بمعنى المصدر من نحو قوله‏
         " و لا خارجا من في زور كلام"
و قد قالوا الجامل و الباقر يراد بهما الكثرة و أخذ عليه البصير النحوي الملقب بجامع العلوم هذا الكلام و نسبه فيه إلى سوء التأمل و قال عاليهم بسكون الياء صفة الولدان أي يطوف عليهم ولدان عاليهم ثياب سندس فيرتفع ثياب سندس باسم الفاعل الجاري صفة على الموصوف و أقول و بالله التوفيق إني لأرى أن نظر هذا الفاضل قد اختل كما أن بصره قد اعتل فرمى أبا علي بدائه و أنسل أ لم ينظر في خاتمة هذه الآية إلى قوله سبحانه «وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً» ثم قوله عقيب ذلك «إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً» فيعرف أن الضمير في عاليهم هو بعينه في و سقاهم و هو ضمير المخاطبين في لكم و هذا الضمير لا يمكن أن يعود إلا إلى الأبرار

619
مجمع البيان في تفسير القرآن10

الحجة ص 618

المثابين المجازين دون الولدان المخلدين الذين هم من جملة ثوابهم و جزائهم اللهم لك الحمد على تأييدك و تسديدك رجعنا إلى كلام أبي علي قال و يجوز على قياس قول أبي الحسن في قائم أخواك و إعمال اسم الفاعل عمل الفعل و إن لم يعتمد على شي‏ء أن يكون ثياب سندس مرتفعة بعاليهم و أفردت عاليا لأنه فعل متقدم قال أبو علي و الأوجه قراءة من قال خضر بالرفع و إستبرق بالجر لأن خضرا صفة مجموعة لموصوف مجموع و هو ثياب و أما إستبرق فجر من حيث كان جنسا أضيفت إليه الثياب كما أضيفت إلى سندس كما يقال ثياب خز و كتان و يدل على ذلك قوله «وَ يَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ» و إستبرق و من قرأ «خُضْرٌ وَ إِسْتَبْرَقٌ» فإنه أجرى الخضر و هو جمع على السندس لما كان المعنى أن الثياب من هذا الجنس و أجاز أبو الحسن وصف هذه الأجناس بالجمع فقال تقول أهلك الناس الدينار الصفر و الدرهم البيض على استقباح له و من رفع إستبرق فإنما أراد عطف الاستبراق على الثياب كأنه ثياب سندس و ثياب إستبرق فحذف المضاف الذي هو ثياب و أقام إستبرق مقامه كما إنك إذا قلت عليه خز بمعنى عليه ثوب خز و ليس المعنى أن عليه الدابة التي هي الخز و على هذا قوله:
         كان خزا تحته و قزا             و فرشا محشوة اوزا.
اللغة
الوقاية الحفظ و المنع من الأذى وقاه يقيه وقاية و وقاه توقية قال رؤبة
         " أن الموقي مثل ما وقيت"
و منه اتقاه و توقاه و أصل الشر الظهور فهو ظهور الضرر و منه شررت الثوب إذا ظهرته للشمس أو الريح قال‏
         " و حتى أشرت بالأكف المصاحف"
أي أظهرت و منه شرر النار لظهوره بتطايره و النضرة حسن الألوان و نبت ناضر و نضير و نضر و السرور اعتقاد وصول المنافع إليه في المستقبل و قال قوم هو لذة في القلب فحسب متعلقة بما فيه النفع و كل سرور فلا بد له من متعلق كالسرور بالمال و الولد و السرور بالإكرام و الإجلال و السرور بالحمد و الشكر و السرور بالثواب و الأرائك الحجال فيها الأسرة واحدتها أريكة قال الزجاج الأريكة كل ما يتكأ عليه من مسورة أو غيرها و الزمهرير أشد ما يكون من البرد و الزنجبيل ضرب من القرفة طيب الطعم يحذو اللسان و يربى بالعسل و يستدفع به المضار و إذا مزج به الشراب فاق في الإلذاذ و العرب تستطيب الزنجبيل جدا قال الشاعر:

620
مجمع البيان في تفسير القرآن10

اللغة ص 620

         كان القرنفل و الزنجبيل             باتا بفيها واريا مشورا
و السلسبيل الشراب السهل اللذيذ يقال شراب سلسل و سلسال و سلسبيل و الولدان الغلمان جمع وليد و السندس الديباج الرقيق الفاخر الحسن و الإستبرق الديباج الغليظ الذي له بريق.
الإعراب‏
 «وَ إِذا رَأَيْتَ ثَمَّ» قال الزجاج العامل في ثم معنى رأيت و المعنى و إذا رأيت ببصرك ثم قال الفراء المعنى و إذا رأيت ما ثم و غلطه الزجاج في ذلك و قال إن ما تكون موصولة بقوله ثم على هذا التفسير و لا يجوز إسقاط الموصول و ترك الصلة و لكن رأيت يتعدى في المعنى إلى ثم و أقول يجوز أن يكون مفعول رأيت محذوفا و يكون ثم ظرفا و التقدير و إذا رأيت ما ذكرناه ثم.
المعنى‏
ثم أخبر سبحانه بما أعد للأبرار الموصوفين في الآيات الأولى من الجزاء فقال «فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ» أي كفاهم الله و منع منهم أهوال يوم القيامة و شدائده «وَ لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً» أي استقبلهم بذلك «وَ جَزاهُمْ» أي و كافأهم «بِما صَبَرُوا» أي بصبرهم على طاعته و اجتناب معاصيه و تحمل محن الدنيا و شدائدها «جَنَّةً» يسكنونها «وَ حَرِيراً» من لباس الجنة يلبسونه و يفرشونه «مُتَّكِئِينَ» أي جالسين جلوس الملوك «فِيها» أي في الجنة «عَلَى الْأَرائِكِ» أي الأسرة في الحجال عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و قيل كلما يتكأ عليه فهو أريكة عن الزجاج و قيل الأرائك الفرش فوق الأسرة عن أبي مسلم «لا يَرَوْنَ فِيها» أي في تلك الجنة «شَمْساً» يتأذون بحرها «وَ لا زَمْهَرِيراً» يتأذون ببرده «وَ دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها» يعني أن أفياء أشجار تلك الجنة قريبة منهم و قيل إن ظلال الجنة لا تنسخها الشمس كما تنسخ ظلال الدنيا «وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا» أي و سخرت و سهل أخذ ثمارها تسخيرا إن قام ارتفعت بقدره و إن قعد نزلت عليه حتى ينالها و إن اضطجع تدلت حتى تنالها يده عن مجاهد و قيل معناه لا يرد أيديهم عنها بعد و لا شوك «وَ يُطافُ عَلَيْهِمْ» أي على هؤلاء الأبرار الموصوفين قبل «بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوابٍ» جمع كوب و هو إناء للشرب من غير عروة و قيل الأكواب الأقداح عن مجاهد «كانَتْ» تلك الأكواب «قَوارِيرَا» أي زجاجات «مِنْ فِضَّةٍ»
قال الصادق (ع) ينفذ البصر في فضة الجنة كما ينفذ في الزجاج‏
و المعنى أن أصلها من فضة فاجتمع لها بياض الفضة و صفاء

621
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 621

القوارير فيرى من خارجها ما في داخلها قال أبو علي إن سئل فقيل كيف تكون القوارير من فضة و إنما القوارير من الرمل دونها فالقول في ذلك أن الشي‏ء إذا قاربه شي‏ء و اشتدت ملابسته له قيل أنه من كذا و إن لم يكن منه في الحقيقة كقول البعيث:
         ألا أصبحت خنساء خارمة الوصل             و ضنت علينا و الضنين من البخل‏
         و صدت فأعدانا بهجر صدودها             و هن من الأخلاف قبلك و المطل‏
و قال:
         ألا في سبيل الله تغيير لمتي             و وجهك مما في القوارير أصفر
فعلى هذا يجوز قوارير من فضة أي هي في صفاء الفضة و نقائها و يجوز تقدير حذف المضاف أي من صفاء الفضة و قوارير الثانية بدل من الأولى و ليست بتكرار و قيل أن قوارير كل أرض من تربتها و أرض الجنة فضة فلذلك كانت قواريرها مثل الفضة عن ابن عباس «قَدَّرُوها تَقْدِيراً» أي قدروا الكأس على قدر ربهم لا يزيد و لا ينقص من الري و الضمير في قدروها للسقاة و الخدم الذين يسقون فإنهم يقدرونها ثم يسقون و قيل قدروها على قدر مل‏ء الكف أي كانت الأكواب على قدر ما اشتهوا لم تعظم و لم يثقل الكف عن حملها عن الربيع و القرظي و قيل قدروها في أنفسهم قبل مجيئها على صفة فجاءت على ما قدروا و الضمير في قدروا للشاربين «وَ يُسْقَوْنَ فِيها» أي في الجنة «كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا» قال مقاتل لا يشبه زنجبيل الدنيا و قال ابن عباس كل ما ذكره الله في القرآن مما في الجنة و سماه ليس له مثل في الدنيا و لكن سماه الله بالاسم الذي يعرف و الزنجبيل مما كانت العرب تستطيبه فلذلك ذكره في القرآن و وعدهم أنهم يسقون في الجنة الكأس الممزوجة بزنجبيل الجنة «عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا» أي تمزج الخمر بالزنجبيل و الزنجبيل من عين تسمى تلك العين سلسبيلا قال ابن الأعرابي لم أسمع السلسبيل إلا في القرآن و قال الزجاج هو صفة لما كان في غاية السلاسة يعني أنها سلسلة تتسلسل في الحلق و قيل سمي سلسبيلا لأنها تسيل عليهم في الطرق و في منازلهم تنبع من أصل العرش من جنة عدن إلى أهل الجنان عن أبي العالية و مقاتل و قيل سميت بذلك لأنها ينقاد ماؤها لهم يصرفونها حيث شاءوا عن قتادة «وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ» مر تفسيره «إِذا رَأَيْتَهُمْ» يعني إذا رأيت أولئك الولدان «حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً» من الصفاء و حسن المنظر و الكثرة فذكر لونهم و كثرتهم و قيل إنما

622
مجمع البيان في تفسير القرآن10

المعنى ص 621

شبههم بالمنثور لانتثارهم في الخدمة فلو كانوا صفا لشبهوا بالمنظوم «وَ إِذا رَأَيْتَ ثَمَّ» أي إذا رميت ببصرك ثم يعني الجنة و
قيل أن تقديره و إذا رأيت الأشياء ثم «رَأَيْتَ نَعِيماً» خطيرا «وَ مُلْكاً كَبِيراً» لا يزول و لا يفنى عن الصادق (ع)
و قيل كبيرا أي واسعا يعني أن نعيم الجنة لا يوصف كثرة و إنما يوصف بعضها و قيل الملك الكبير استئذان الملائكة عليهم و تحيتهم بالسلام و قيل هو أنهم لا يريدون شيئا إلا قدروا عليه و قيل هو أن أدناهم منزلة ينظر في ملكه من مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه و قيل هو الملك الدائم الأبدي في نفاذ الأمر و حصول الأماني «عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ» من جعله ظرفا فهو بمنزلة قولك فوقهم ثياب سندس و من جعله حالا فهو بمنزلة قولك يعلوهم ثياب سندس و هو ما رق من الثياب فيلبسونها و
روي عن الصادق (ع) أنه قال في معناه تعلوهم الثياب فيلبسونها
 «خُضْرٌ وَ إِسْتَبْرَقٌ» و هو ما غلظ منها و لا يراد به الغلظ في السلك إنما يراد به الثخانة في النسج قال ابن عباس أ ما رأيت الرجل عليه ثياب و الذي يعلوها أفضلها «وَ حُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ» الفضة الشفافة و هي التي يرى ما وراءها كما يرى من البلورة و هو أفضل من الدر و الياقوت و هما أفضل من الذهب و الفضة فتلك الفضة أفضل من الذهب و الفضة في الدنيا و هما أثمان الأشياء و قيل أنهم يحلون بالذهب تارة و بالفضة أخرى ليجمعوا محاسن الحلية كما قال الله تعالى يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ* و الفضة و إن كانت دنية الثمن في الدنيا فهي في غاية الحسن خاصة إذا كانت بالصفة التي ذكرناها و الغرض في الآخرة ما يكثر الاستلذاذ و السرور به لا ما يكثر ثمنه لأنه ليست هناك أثمان «وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً» أي طاهرا من الأقذار و الأقذاء لم تدنسها الأيدي و لم تدسها الأرجل كخمر الدنيا و قيل طهورا لا يصير بولا نجسا و لكن يصير رشحا في أبدانهم كريح المسك و إن الرجل من أهل الجنة يقسم له شهوة مائة رجل من أهل الدنيا و أكلهم و نهمتهم فإذا أكل ما شاء سقي شرابا طهورا فيطهر بطنه و يصير ما أكل رشحا يخرج من جلده أطيب ريحا من المسك الأذفر و يضمر بطنه و تعود شهوته عن إبراهيم التميمي و أبي قلابة و
قيل يطهرهم عن كل شي‏ء سوى الله إذ لا طاهر من تدنس بشي‏ء من الأكوان إلا الله رووه عن جعفر بن محمد (ع)
 «إِنَّ هذا» يعني ما وصف من النعيم و أنواع الملاذ «كانَ لَكُمْ جَزاءً» أي مكافاة على أعمالكم الحسنة و طاعتكم المبرورة «وَ كانَ سَعْيُكُمْ» في مرضاة الله و قيامكم بما أمركم الله به «مَشْكُوراً» أي مقبولا مرضيا جوزيتم عليه فكأنه شكر لكم فعلكم.

623
مجمع البيان في تفسير القرآن10

سورة الإنسان الآيات 23 الى 31 ص 624

[سورة الإنسان (76): الآيات 23 الى 31]
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (24) وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً (25) وَ مِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَ سَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (26) إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَ يَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)
نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَ إِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً (28) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبِيلاً (29) وَ ما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (30) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (31)

القراءة
قرأ ابن كثير و أبو عمرو و ابن عامر و ما يشاءون بالياء و الباقون بالتاء و في الشواذ قراءة عبد الله بن الزبير و أبان بن عثمان و الظالمون بالواو.
الحجة
وجه الياء قوله تعالى «فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ» و وجه التاء أنه خطاب للكافة أي و ما تشاءون الطاعة و الاستقامة إلا أن يشاء الله أو يكون محمولا على الخطاب و أما قوله و الظالمون فإنه على ارتجال جملة مستأنفة قال ابن جني كأنه قال الظالمون أعد لهم عذابا أليما ثم أنه عطف الجملة على ما قبلها و قد سبق الرفع إلى مبتدئها غير أن قراءة الجماعة أسبق و هو النصب لأن معناه و يعذب الظالمين فلما أضمر هذا الفعل فسره بقوله «أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً» و هذا أكثر من أن يؤتى له بشاهد قال الزجاج يقول النحويون أعطيت زيدا و عمرا أعددت له برا فيختارون النصب على معنى و بررت عمرا أعددت له برا و أنشد غيره:
         أصبحت لا أحمل السلاح و لا             أملك رأس البعير إن نفرا
         و الذئب أخشاه إن مررت به             وحدي و أخشى الرياح و المطرا.
اللغة
الأسر أصله الشد و منه قتب مأسور أي مشدود و منه الأسير لأنهم كانوا يشدونه بالقدر قولهم خذ بأسره أي بشدة قبل أن يحل ثم كثر حتى صار بمعنى خذ جميعه قال الأخطل:

624
مجمع البيان في تفسير القرآن10

اللغة ص 624

         من كل مجتنب شديد أسره             سلس القياد تخاله مختالا.
الإعراب‏
قال الزجاج في قوله «وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً» أو هنا أوكد من الواو لأنك إذا قلت لا تطع زيدا و عمرا فأطاع أحدهما كان غير عاص لأنك أمرته أن لا يطيع الاثنين و إذا قلت لا تطع منهم آثما أو كفورا فأو قد دلت على أن كل واحد منهما أهل أن يعصي و أنهما أهل أن يعصيا كما أنك إذا قلت جالس الحسن أو ابن سيرين فقد قلت كل واحد منهما أهل أن يجالس قال البصير النحوي أو هذه التي للتخيير إذا قلت اضرب زيدا أو عمرا فمعناه اضرب أحدهما فإذا قلت ل