×
☰ فهرست و مشخصات
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الخطبة ؛ ج 1، ص : 65

الجزء الأول

[الخطبة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

(1) الحمد للّه على سوابغ النعماء، و ترادف الآلاء، المتفضل بإرسال الأنبياء، لإرشاد الدهماء، و المتطول بنصب الأوصياء لتكميل الأولياء، و المنعم على عباده بالتكليف، المؤدي إلى أحسن الجزاء، رافع درجات العلماء، و مفضّل مدادهم على دماء الشهداء، و جاعل أقدامهم واطئة على أجنحة ملائكة السماء.

أحمده على كشف البأساء، و دفع الضراء، و أشكره في حالتي الشدة و الرخاء، و صلّى اللَّه على سيد الأنبياء محمد المصطفى و عترته الأصفياء صلاة تملأ أقطار الأرض و السماء.

______________________________
(1) بسم اللَّه الرّحمن الرحيم الحمد للَّه العلي الكبير، الحكيم الخبير، الذي خلق الخلق بقدرته، و ميّز ذوي العقول من بريّته بمعرفته، و كلّفهم بسلوك جادّة شريعته، و إقامة أعلام ملّته.

أحمده حمدا يستوجب المزيد من كرمه، و يرتبط العتيد من نعمه، و أشكره شكرا‌

65
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الخطبة ؛ ج 1، ص : 65

أما بعد: فهذا كتاب قواعد الأحكام في معرفة الحلال و الحرام لخّصت فيه لب الفتاوى خاصة، و بيّنت فيه قواعد أحكام الخاصة، إجابة لالتماس أحب الناس اليّ، و أعزهم عليّ، و هو الولد العزيز محمد، الذي أرجو من اللَّه تعالى طول عمره بعدي، و أن يوسدني في لحدي، و أن يترحّم عليّ بعد مماتي كما كنت أخلص له الدعاء في خلواتي، رزقه اللَّه سعادة الدارين، و تكميل الرئاستين، فإنه برّ بي في جميع الأحوال، مطيع لي في الأقوال و الأفعال، و اللَّه المستعان و عليه التكلان، و قد رتبت هذا الكتاب على عدة كتب:

______________________________
يقتضي الوافر من سيب
«1» قسمه، و الهامر «2» من مدرار ديمه، و الصلاة على رسوله محمّد المصطفى، رافع أعلام الإيمان، و ناهج سبيل الجنان، و على آله حماة الدين، و ولاة مشارع اليقين، صلاة تملأ أقطار السماوات و الأرضين، و تبلغ أسماع الخلائق أجمعين.

و بعد: فانّ كتاب (قواعد الأحكام في مسائل الحلال و الحرام) لشيخنا الأعظم، شيخ الإسلام، مفتي فرق الأنام، بحر العلوم، محيي دارس الرسوم، حبر الأمّة، مميت البدعة، ناصر السنة، جمال الملّة و الحق و الدين، أبي منصور الحسن بن الشيخ الفقيه السعيد، الأجلّ المقدس، سديد الملّة و الدين، يوسف بن المطهر الحلّي، سقى اللَّه تعالى ضريحه مياه الرضوان، و رفع قدره في فراديس «3» الجنان.

كتاب لم يسمح الدهر بمثاله، و لم ينسج ناسج على منواله، قد احتوى من الفروع الفقهية، على ما لا يوجد في مصنّف، و لم يتكفّل ببيانه مؤلّف، و لم يتفق له شرح يبرز حقائقه من مكنونها و يظهر دقائقه من مصونها.

______________________________
(1) السيب: العطاء. قاله الجوهري في الصحاح 1: 150 مادة «سيب».

(2) الهمر: صب الدمع و الماء و المطر. قاله ابن منظور في لسان العرب 5: 266 مادة «همر».

(3) فراديس جمع مفرده الفردوس: هي البستان الذي فيه الكرم و الأشجار. قاله الطريحي في مجمع البحرين 4: 91 مادة «فردس».

66
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الخطبة ؛ ج 1، ص : 65

..........

______________________________
و إنّي كنت على قديم الزمان أؤمّل أن أصنع له شرحا يتكفل ببيان مشكلاته، و إبراز مخدراته، على ما أنا فيه من قصر الباع عن هذا المرام، و القصور المانع عن الوصول الى هذا المقام، إلى أن مضى على ذلك مدة طويلة، كتبت في خلالها أشياء متفرقة على أبواب الكتاب، حسن وقعها عند اولي الألباب.

ثم شرعت في وضع شرح طويل، يشتمل من المقاصد على كلّ دقيق و جليل، و بعد الشروع رأيت عند مذاكرة جمع من العلماء، أن أعلّق على مسائل الكتاب ما يكون عونا على حلّ عباراته، و بيان مشكلاته، و إظهار نكاته، متعرضا فيه الى الخلاف الواقع بين العلماء، و الإشارة إلى الدلائل المتداولة على ألسنة الفقهاء، و ما عسى أن يسنح لهذا الخاطر الفاتر، و ينساق إليه النظر القاصر، مشيرا الى ما هو الحقّ بأوجز عبارة، مكتفيا بأقصر إشارة.

و لما كان هذا الكتاب ممّا منّ اللَّه عليّ بإنشائه في حرم سيّدي و مولاي أمير المؤمنين، و سيّد الوصيين صلوات اللَّه عليه تترى، بعد أخيه صفوة اللَّه من النبيين و آلهما المعصومين، واقعا في أيام الدولة العالية السامية، القاهرة الباهرة، الشريفة المنيفة، العلية العلوية، الشاهية الصفوية الموسوية، أيدها اللَّه تعالى بالنصر و التأييد، و قرن أيامها بالخلود و التأبيد، و لا زالت جباه الملوك و السلاطين معفّرة على أعتابها، و رؤوس العتاة و المتمردين من الجبابرة ملقاة على أبوابها، و لا زال الدهر ساعدا على ما يطلب في أيامها الزاهرة، من إقامة عمود الدين، و القدر موافقا لما يرام في أزمنتها الباهرة، من إعلاء معالم اليقين بمحمد و آله الأطهار المعصومين.

أحببت أن أجعله تحفة، أؤدّي بها بعض حقوقها عندي، و وسيلة لاستحصال الدعاء لها على مرور الأعصر، و ذلك غاية جهدي.

و أرجو أن تهب عليه نسمات القبول، و يفوز من وفور المرحمة، و عميم المعاطفة، بغاية المأمول [و سميته بجامع المقاصد في شرح القواعد] «1» و الى اللَّه أرغب في تيسير المراد، و نيل السداد، و هو حسبي و نعم الوكيل.

______________________________
(1) ما بين المعقوفين زيادة من نسخة «ح».

67
جامع المقاصد في شرح القواعد1

كتاب الطهارة ؛ ج 1، ص : 68

 

[كتاب الطهارة]

كتاب الطهارة و فيه مقاصد:

[الأول: في المقدمات]

الأول: في المقدمات، و فيه فصول:

[الأول: في أنواعها]

الأول: في أنواعها.

الطهارة: غسل بالماء أو مسح بالتراب، متعلّق بالبدن على وجه له صلاحية التأثير في العبادة، و هي وضوء و غسل و تيمّم، و كل واحد منها إمّا واجب أو ندب.

فالوضوء يجب للواجب من الصلاة، و الطواف، و مسّ كتابة القرآن. (1)

______________________________
«كتاب الطهارة» قوله رحمه اللَّه: (فالوضوء يجب للواجب من الصلاة و الطواف و مسّ كتابة القرآن).

(1) وجوب الصلاة و الطواف ثابت بأصل الشرع، غير متوقف على إحداث المكلف سببا يقتضيه. و أما مس كتابة القرآن- بناء على تحريم مسّها للمحدث- فلا يجب غالبا، إلا بسبب من قبل المكلف، كنذر و ما يجري مجراه، و لا شبهة في انعقاد نذره لو نذر، لأن المسّ عبادة كما صرح به جمع من المفسرين، و كذا حمل المصحف، و النظر إلى الكتابة فمن ثم قالوا: إن القراءة في المصحف أفضل.

و ربما وجب المس لإصلاح في المصحف لا يمكن بدونه، أو لجمع ما تناثر من ورقه كذلك و نحوه.

 

68
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الأول: في أنواعها ؛ ج 1، ص : 68

و يستحب للصلاة و الطواف المندوبين، (1) و لدخول المساجد، (2) و قراءة القرآن، و حمل المصحف، و النوم، و صلاة الجنائز، و السعي في الحاجة، و زيارة المقابر، و نوم الجنب، و جماع المحتلم، و ذكر الحائض، و الكون على طهارة، و التجديد.

______________________________
قوله: (و يستحب للصلاة و الطواف المندوبين).

(1) لا شبهة في استحبابه لهما، لامتناع وجوب شي‌ء لغاية مندوبة، لكنه شرط في الصلاة، إذ لا صلاة إلا بوضوء «1»، بخلاف الطواف المندوب لصحته من المحدث على الأصح، و سيأتي في الحج إن شاء اللَّه تعالى فهو مكمّل له. و كان عليه أن يذكر مسّ كتابة القرآن المستحب، فإن الوضوء مستحب له، و إن كان مع ذلك شرطا له إذ (لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) «2».

و لا منافاة بين كون الشي‌ء مستحبا لا يستقر في الذمة تحتم فعله، و كونه لا بد منه في شي‌ء مندوب، بمعنى أنه لا يباح بدونه، و ربما أطلق بعضهم على هذا القسم اسم الواجب، و لا يريد به إلا المجاز، و علاقة التجوز أنه لا بد منه في ذلك الشي‌ء، فأشبه الواجب الذي لا بد منه.

قوله: (و لدخول المساجد.).

(2) إنما استحب الوضوء لدخول المساجد لورود النص عليه «3»، و لاستحباب صلاة التحية و هي تقتضيه، و استحبابه لزيارة القبور مقيد في الخبر بقبور المؤمنين «4».

______________________________
(1) هذا اقتباس من حديث ورد في التهذيب 1: 49 حديث 144 و نصّه: (لا صلاة إلا بطهور)

(2) الواقعة: 79

(3) أمالي الصدوق 293 8، التهذيب 3: 263 حديث 743

(4) قال السيد العاملي في مفتاح الكرامة 1: 9 (و لم أظفر لخصوصه بنص) و الذي يظهر من عبارات الفقهاء وجود النص بذلك. قال الشهيد الأول في الذكرىٰ: 23 (و يستحب الوضوء. و زيارة قبور المؤمنين- الى أن قال- كل ذلك للنص). و في مدارك الأحكام: 2 (و الذي يجتمع من الأخبار و كلام الأصحاب: يستحب الوضوء للصلاة و الطواف المندوبين- الى ان قال- و زيارة قبور المؤمنين). و قال السيد الحكيم- طاب ثراه- في مستمسك العروة الوثقى 2: 290 (و يظهر عن الذكرى و المدارك ان به رواية، بل عن الدلائل ان في الخبر تقييدها بالمؤمنين)

69
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الأول: في أنواعها ؛ ج 1، ص : 68

..........

______________________________
و استحباب الوضوء للكون على طهارة، معناه استحباب فعله للبقاء على حكمه، و هذا معنى صحيح لا فساد فيه، و ما يوجد في الحواشي المنسوبة إلى شيخنا الشهيد من أنّ ذلك في قوّة: يستحب الوضوء للكون على وضوء. و هو ظاهر الفساد، فأنكر قراءة الكون بالجر، و كذا بالرفع، عطفا على المستتر في: يستحب للصلاة و الطواف. لأنه يصير حينئذ في قوة يستحب الوضوء، و يستحب الكون على طهارة، و هو تكرار لا حاصل له.

و اختار قراءته بالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر، و ما ذكره تكلف، و التكرار الذي ادعاه غير لازم، لأنّ المعنى على ذلك التقدير: يستحب الوضوء لهذه الأشياء، و يستحب الكون على طهارة، و هذا معنى صحيح لا تكرار فيه.

و يرد على ما اختاره ارتكاب التقدير، و هو خلاف الأصل، و عدم الخروج عن المعنى الذي فرّ منه في العطف، مع عطف الاسميّة على الفعلية.

و يستحب الوضوء تجديدا، و إن لم يصل بالأول، وفاقا لما في التذكرة «1»، و إن توقف شيخنا في الذكرى «2» لعموم قوله عليه السلام: «الوضوء على الوضوء كفارة من غير استغفار» «3».

و ينبغي أن يقرأ قوله: (و التجديد) بالرفع عطفا على المرفوع في قوله:

(و يستحب)، إذ لو قرئ بالجرّ لكان المعنى: يستحب الوضوء للتجديد، و لا ريب أن التجديد هو فعل الوضوء ثانيا بعد وضوء مبيح، فيكون فعل الوضوء مستحبا لفعل الوضوء ثانيا، و هو مستهجن.

و يستحب الوضوء في مواضع أخر غير ما ذكر [تصل] «4» إلى ستّة و ثلاثين موضعا.

______________________________
(1) تذكرة الفقهاء 1: 21

(2) ذكري الشيعة: 96

(3) الفقيه 1: 26 حديث 9 و فيه ان (الوضوء على الوضوء نور على نور و من جدد وضوءه من غير حدث آخر جدد اللَّه عز و جل توبته من غير استغفار) و في ص 31 حديث 15 ورد (من توضأ فذكر اسم اللَّه طهر جميع جسده و كان الوضوء الى الوضوء كفارة لما بينهما من الذنوب، و من لم يطهر من جسده الا ما أصابه الماء).

(4) لم ترد في «ع» و «ح» و أثبتناها ليستقيم المعنى.

70
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الأول: في أنواعها ؛ ج 1، ص : 68

..........

______________________________
و هنا فائدتان ينبغي التنبيه لهما:

(أ): هل يعتبر في الوضوء لواحد من الأمور المذكورة نية الرفع، أو الاستباحة لمشروط بالطهارة لتتحقق غايته، أم تكفي نية الغاية؟

ينبغي أن يقال بابتناء ذلك على أنّ نيّته بالطهارة- مكملة له و ليست من شرطه- هل هي كافية في رفع الحدث، أم لا؟.

فإن قلنا بالأول كفت الغاية، و الّا فلا بد من أحد الأمرين، و بدونهما لا يقع الوضوء صحيحا، كما يظهر من كلامهم في نية الوضوء «1»، بناء على اشتراط نية الرفع أو الاستباحة.

و يحتمل الاكتفاء بنيّة الغاية، تمسكا بعموم قوله عليه السلام: «إنّما لكلّ امرئ ما نوى» «2» و يظهر من كلام المصنف في الوضوء للتكفين، فإنه استحبه لذلك، و تردد في الدخول به في الصلاة، و هذا في غير الوضوء لنوم الجنب، و جماع المحتلم و التجديد و نحوها، كمريد غسل الميت و هو جنب، لامتناع الرفع في هذه المواضع.

(ب): الوضوء المجدد لا تتصور فيه الإباحة، لأن وضعه على أن يكون بعد وضوء مبيح، لكن لو فعل كذلك، و ظهر في الأول خلل، هل يكون رافعا أم لا؟ قولان للأصحاب «3»، و لا شبهة في كونه رافعا بناء على الاكتفاء بالقربة، و كذا على اعتبار نية الوجه معها، إنما الخلاف بناء على اعتبار أحد الأمرين.

و منشؤه، من ظاهر قوله عليه السلام: «إنّما لكل امرئ ما نوى» «4» و من أن شرعيته لتدارك ما عساه فات في الوضوء الأول.

و يظهر من الدروس الميل اليه، حيث قال: و في المجدد قول قويّ‌

______________________________
(1) المبسوط 1: 19، الكافي في الفقه: 132، الوسيلة: 37، غنية النزوع (الجوامع الفقهية): 491، السرائر:

17، المختلف: 20، منتهى المطلب 1: 55

(2) صحيح البخاري 1: 2، سنن أبي داود 2: 262 حديث 2201.

(3) قال العلامة الحلّي في التذكرة 1: 15، و الشهيد الأول في البيان: 8 بعدم الرفع، امّا المحقق الحلّي فقال في المعتبر 1: 140 بالرفع.

(4) راجع الهامش (2) المتقدم.

71
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الأول: في أنواعها ؛ ج 1، ص : 68

و الغسل يجب لما وجب له الوضوء، و لدخول المساجد و قراءة العزائم إن وجبا، (1) و لصوم الجنب مع تضيق الليل إلّا لفعله، و لصوم المستحاضة مع غمس القطنة. (2)

______________________________
بالرفع
«1»، و لعل الأقرب العدم، للشك في سبب الشرعية الذي ادعاه الخصم، و لو سلّم فلا يتعين لذلك رفع الحدث، لجواز أن يكون لتدارك المستحبات.

قوله: (و الغسل يجب لما يجب له الوضوء، و لدخول المساجد و لقراءة العزائم إن وجبا).

(1) قيد وجوب الغسل لهما بكونهما واجبين بنذر و شبهه، لامتناع استقرار وجوب الغسل لهما في الذمة مع عدم وجوبهما، لكن يجب ان يستثني من دخول المساجد الاجتياز في غير المسجدين، إذ ليس بمحرّم على الجنب، و شبهه للنص «2».

و يجب أن يقيد الغسل في قوله: (و الغسل يجب.) بما عدا غسل المس، فإنّ حدث المس لا تحرم معه قراءة العزائم، كما صرح به شيخنا في البيان، و لا دخول المساجد مطلقا، وفاقا لابن إدريس «3» للأصل، و لنقله الإجماع، و منعه المصنف في التذكرة «4» و هو ضعيف، و لا يخفى أن المراد بالعزائم: سور السجدات الواجبة.

قوله: (و لصوم الجنب مع تضيق الليل الّا لفعله، و لصوم المستحاضة مع غمس القطنة).

(2) يجب أن يقيد صوم كلّ منهما بكونه واجبا، على حد ما سبق في نظائره، إذ لو كان غير واجب لكان الغسل شرطا و لا يكون واجبا، و هذا بناء على ما استقر عليه مذهب الأصحاب، من اشتراط صحة صوم الجنب بتقديم الغسل على الفجر.

و الاستثناء من محذوف، أي: مع تضيق الليل لكل شي‌ء إلّا لفعله، و كأنه إنما ترك التقييد هنا اكتفاء بما ذكره في نظائره.

______________________________
(1) الدروس: 2

(2) التهذيب 1: 371 حديث 1132

(3) السرائر: 32.

(4) التذكرة 1: 56.

72
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الأول: في أنواعها ؛ ج 1، ص : 68

..........

______________________________
و لا يرد عليه أنه يرى وجوب الغسل للجنابة لنفسه، فتعليق وجوبه بالصوم ينافي مذهبه، لأن وجوبه لنفسه لا ينافي وجوبه لأمر آخر، لكونه شرطا فيه، لأن علل الشرع معرّفات للأحكام، فلا محذور في تعددها.

و لا يخفى أن تضيّق وجوب الغسل و ضده دائر مع تضيق الغاية و عدمه، لا مع وجوبه لنفسه، فيظهر به اختلاف منشأ الوجوب.

و أما صوم المستحاضة مع غمس الدم القطنة- سواء سال مع ذلك أم لا فاشتراطه بالغسل إجماعي، و إن اختلف الأصحاب في كمية الغسل بالنسبة إلى الحالتين.

و ينبغي التنبه لشي‌ء و هو: أن الغمس لو صادف الليل هل يجب تقديم الغسل على الفجر، بحيث يقارن طلوعه علما أو ظنّا، أم يجوز تأخيره إلى وقت صلاته؟ فيه وجهان، يلتفتان الى أن الغسل شرط للصوم، و الشرط مقدم، و أن شرطيته للصوم في الاستحاضة دائرة مع شرطيته للصلاة وجودا و عدما، و كذا سعته و ضيقه، و من ثمّ يبطل الصوم بالإخلال بالغسل الواجب بها نهارا، بخلاف الجنابة الطارئة بعد الفجر.

و لو تجدد الغمس بعد صلاة الفجر فلا غسل، لعدم وجوبه للصلاة، إلّا أن تسيل، فيجب لوجوبه للظهرين حينئذ.

فإن اعتبرنا في قلة الدم و كثرته الموجبة للغسل- متعددا تارة و متحدا اخرى- أوقات الصلاة، كما يلوح من الاخبار «1»، فلا بد من بقاء الكثرة إلى وقت الظهرين، و بدونها ينتفي الوجوب، لعدم الخطاب بالطهارة قبل الوقت.

و ان لم نعتبر في ذلك وقت الصلاة، روعي في وجوب الغسل وقت الصلاة لها، و للصوم وجود الغمس وقتا ما، نظرا إلى أن الدم حدث، و الحدث مانع سواء طرأ في الوقت أم قبله.

و في الأول قوة، لأن حدث الاستحاضة إنما يعتبر فيه ما سبق إذا انقطع للبرء،

______________________________
(1) الكافي 3: 95 حديث 1، و التهذيب 1: 168 و 388 حديث 482 و 1197، و الاستبصار 1: 140 حديث 482.

73
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الأول: في أنواعها ؛ ج 1، ص : 68

و يستحب للجمعة من طلوع الفجر إلى الزوال، و يقضى لو فات الى آخر السبت، و كلّما قرب من الزوال كان أفضل، (1) و خائف الإعواز يقدّمه يوم الخميس، فلو وجد فيه أعاده.

و أول ليلة من رمضان، (2) و نصفه، و سبع عشرة، و تسع عشرة، و احدى و عشرين، و ثلاث و عشرين، و ليلة الفطر، و يومي العيدين، و ليلتي

______________________________
و لهذا لو تجددت القلة بعد السيلان في خلال الغسل، و استمر ذلك الى وقت صلاة أخرى لم يجب الغسل.

و من هذا يعلم أن إطلاق المصنف وجوب الغسل للصوم مع غمس القطنة لا يستقيم على إطلاقه.

و إنما غيّر المصنف الأسلوب في العبارة- حيث غيّر وجوب الغسل بوجوب الأمور السابقة، و أطلق فلم يقيد بجنب و لا بغيره- لعدم التفاوت المقتضي لخفاء الحكم بترك التفصيل، بخلاف الصوم لشدة الاختلاف بين الجنب و المستحاضة في وجوب الغسل له، فمن ثم أطلق في الأول، و فصل هاهنا.

و كان عليه أن يذكر حكم الحائض و النفساء، فإنه إذا انقطع دمهما قبل الفجر بمقدار الغسل، وجب تقديمه عليه للصوم الواجب كالجنب، و قد صرّح المصنف بهذا الحكم في أكثر كتبه «1»، و في بعض الأخبار ما يدل عليه «2».

قوله: (و كلّ ما قرب من الزوال كان أفضل).

(1) هذا يقتضي أفضليته آخر الأداء، و التقديم، و أول القضاء، و ما قرب من الأفضل فيليه في الفضل.

قوله: (و أوّل ليلة من رمضان.).

(2) ليلة نصف رمضان مولد الحسن و الجواد عليهما السلام، و ليلة سبع عشرة ليلة التقاء الجمعين ببدر، و ليلة تسع عشرة يكتب و فد الحاج، و ليلة إحدى و عشرين‌

______________________________
(1) تذكرة الفقهاء 1: 566، و المختلف: 220، و تحرير الأحكام 1: 78

(2) التهذيب 1: 393 حديث 1213.

74
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الأول: في أنواعها ؛ ج 1، ص : 68

نصف رجب و نصف شعبان، و يوم المبعث، (1) و الغدير، و المباهلة، و عرفة، و نيروز الفرس، و غسل الإحرام، و الطواف و زيارة النبي و الأئمة عليهم السلام، و تارك الكسوف عمدا مع استيعاب الاحتراق، (2) و المولود، (3)

______________________________
أصيب فيها أوصياء الأنبياء، و فيها رفع عيسى بن مريم و قبض موسى عليهما السلام، و ليلة ثلاث و عشرين ترجى فيها ليلة القدر، و يستحب فيها غسلان، أول الليل و آخره، و يستحب الغسل لجميع فرادى رمضان.

قوله: (و يوم المبعث.).

(1) يوم المبعث: هو السابع و العشرون من رجب، و يوم الغدير: الثامن عشر من ذي الحجة، و يوم المباهلة: الرابع و العشرون منه على الأشهر، و يوم عرفة: هو اليوم التاسع منه.

و أما نيروز الفرس فهو أول سنة الفرس، و فسر بحلول الشمس [ببرج] «1» الحمل، و بعاشر أيار، و بأول يوم من شهر فروردين القديم الفارسي.

قوله: (و تارك الكسوف عمدا مع استيعاب الاحتراق).

(2) لا فرق بين كسوف الشمس و القمر في ذلك، لدلالة الأخبار عليه «2».

قوله: (و المولود).

(3) أي: يستحب له الغسل، و وقته حين ولادته، و قيل بوجوب الغسل «3».

______________________________
(1) زيادة من النسخة الحجرية، و بها يستقيم الكلام.

(2) ورد في هامش النسخة المعتمدة ما لفظه: «عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: إذا انكسف القمر فاستيقظ الرجل فكسل أن يصلي فليغتسل من غد و ليقض الصلاة، ان لم يستيقظ و لم يعلم بانكساف القمر فليس عليه إلّا القضاء بغير غسل. مد ظلّه».

و انظر من لا يحضره الفقيه 1: 44 حديث 172، و التهذيب 1: 114 حديث 302 و 3: 157 حديث 337.

(3) قاله ابن حمزة في الوسيلة: 43.

75
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الأول: في أنواعها ؛ ج 1، ص : 68

و للسعي إلى رؤية المصلوب بعد الثلاثة، (1) و التوبة عن فسق أو كفر، (2) و صلاة الحاجة و الاستخارة، (3) و دخول الحرم و المسجد الحرام و مكة و الكعبة و المدينة و مسجد النبي عليه السلام، و لا تداخل و ان انضم إليها واجب، (4) و لا يشترط

______________________________
قوله: (و للسعي إلى رؤية المصلوب بعد ثلاثة).

(1) المراد بعد ثلاثة أيام من صلبه، و قيل بوجوبه حينئذ «1»، و المستند ضعيف.

و لا فرق بين من صلب بحق أو ظلما، و بين من صلب على الهيئة المعتبرة شرعا و غيره، عملا بظاهر اللفظ، و التقييد بخلاف ذلك لا يعتد به.

قوله: (و التوبة عن فسق أو كفر).

(2) لا فرق في الفسق بين كونه عن صغيرة أو كبيرة، و عن المفيد رحمه اللَّه التقييد بالكبائر «2»، و الخبر يدفعه «3».

قوله: (و صلاة الحاجة و الاستخارة).

(3) ليس المراد أي صلاة اقترحها المكلف لأحد الأمرين، بل المراد بذلك ما نقله الأصحاب عن الأئمة عليهم السلام «4»، و له مظان فليطلب منها.

قوله: (و لا تداخل و إن انضم إليها واجب).

(4) الصواب في تداخل قراءتها بفتح الخاء، و ضم اللام مع تخفيف الدال على حذف تاء المضارعة، و ما أفتى به المصنف من عدم تداخلها عند الاجتماع، أي: عدم الاكتفاء بغسل واحد لأسباب متعددة- سواء عيّنها في النية أم لا، و سواء كان معها غسل واجب أم لا- هو القول المنصور، لعدم الدليل الدال على التداخل.

و ليست كالأغسال الواجبة، لأن المطلوب بها و هو الرفع أو الاستباحة أمر واحد، بخلاف المندوبة، و مع انضمام الواجب فعدم التداخل أظهر، لاختلاف الوجه‌

______________________________
(1) قاله أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 135

(2) المقنعة: 6.

(3) التهذيب 1: 116 حديث 304

(4) الكافي 3: 470 و 476، الفقيه 1: 350 و 355، التهذيب 1: 116، 117 حديث 305، 306 و ان شئت الاستزادة راجع الوسائل: 5 أبواب صلاة الاستخارة و باب 28 من أبواب بقية الصلاة المندوبة.

76
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الأول: في أنواعها ؛ ج 1، ص : 68

فيها الطهارة من الحدثين، و يقدّم ما للفعل (1) و ما للزمان فيه.

و التيمم يجب للصلاة و الطواف الواجبين، (2)

______________________________
بالوجوب و الندب، و هما متضادان.

و قيل: بالتداخل مطلقا، و قيل: مع انضمام الواجب «1»، استنادا الى بعض الأخبار التي لا تدل على ذلك صريحا «2»، مع معارضتها بأقوى منها.

و لم يذكر الأصحاب في الوضوء إذا اجتمع له أسباب، هل يكفي عنها وضوء واحد أم لا بد من التعدد؟ لكن يلوح من كلامهم، أن الوضوء الرافع للحدث كاف في مثل التلاوة، و دخول المساجد، و الكون على طهارة، و زيارة المقابر، و السعي في حاجة، و حيث يمتنع الرفع، كما في نوم الجنب، و جماع المحتلم و أمثالهما، مما شرع الوضوء فيه مع وجود المانع من الرفع فينبغي التعدد.

قوله: (و يقدم ما للفعل).

(1) ما يستحب للمكان من قبيل ما للفعل، لأنّه يستحب لدخوله، و يرد عليه: أن بعض ما يستحب للفعل من الغسل إنما يستحب بعد الفعل، و هو غسل تارك الكسوف بالقيدين، و غسل السعي إلى رؤية المصلوب، و غسل التوبة عن فسق أو كفر، و غسل قتل الوزغ.

و اعتذر شيخنا الشهيد عن ذلك، بأن اللام في قوله: (للفعل) لام الغاية، أي: يقدم ما غايته الفعل، و هذه المذكورات أسباب لاستحباب الغسل، لا غايات «3».

و هو دفع بمحض العناية، فإن اللام للتعليل مطلقا، و إرادة الغاية منه تحتاج إلى قرينة، و مع صحّة إرادة ذلك فأيّ شي‌ء في العبارة يدل على تعيين ما غايته الفعل، و تمييزه عن غيره.

قوله: (و التيمم يجب للصلاة و الطواف الواجبين.).

(2) الحصر لوجوب التيمم فيما ذكره،

______________________________
(1) قاله الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 40، و الخلاف 1: 36 مسألة 189 كتاب الطهارة

(2) الكافي 3: 41 حديث 1، التهذيب 1: 107 حديث 279

(3) حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 1: 25 و لم نقف عليها في كتبه المتوفرة لدينا.

77
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الأول: في أنواعها ؛ ج 1، ص : 68

و لخروج المجنب في المسجدين. (1)

______________________________
المستفاد من السياق، و من قوله: (و المندوب ما عداه) ينافيه الاعتراف بوقوع التيمم بدلا من كل من الطهارتين، و أنه يستباح به ما يستباح بهما، و هكذا صنع في كتبه
«1»، و ليس بجيد.

و قد عدل شيخنا الشهيد في كتبه إلى أن التيمم يجب لما تجب له الطهارتان، و ينفرد بخروج الجنب و شبهه من المسجدين «2»، و هو الصواب، لأنه إن كان بدلا من الوضوء فغاية الوضوء غاية له، و ان كان بدلا من الغسل فكذلك، حتى في صوم الجنب، و شبهه على الأصح، تمسكا باستصحاب المنع من الصوم إلى أن يتحقق المزيل.

و بعد التيمم يتحقق الاذن فيه اتفاقا فيتعين، و تجب استدامته إلى طلوع الفجر، إلا أن يعرض ما لا يمكن دفعه من نوم فلا حرج.

قوله: (و لخروج المجنب من المسجدين).

(1) ظاهر العبارة، أن المراد به: من أجنب في أحد المسجدين، و هو قريب من مورد الخبر «3»، فان مورده المحتلم في أحدهما، و إلحاق من عرض له الجنابة فيه بسبب آخر- كما هو ظاهر العبارة- و من أجنب خارجا، و دخل إلى أحد المسجدين عامدا، أو ناسيا، أو جاهلا، لعدم تعقل الفرق بين من ذكر و بين المحتلم، رجوع الى ظن لا يفيده النص.

إذ عرفت ذلك، فاعلم: أن مورد الخبر التيمم للخروج، فلو أمكن الغسل فهل يقدم؟

يحتمل ذلك، لعدم شرعية التيمم مع التمكن من مبدله، و خصوصا مع مساواة زمانه لزمان التيمم، أو قصوره عنه، و الأصح العدم وقوفا مع ظاهر النص، و لعدم العلم بإرادة حقيقة الطهارة، و لأن الخروج واجب، و لو جاز الغسل لم يجب.

و الظاهر: أن هذا التيمم لا يبيح و إن صادف فقد الماء، و الا لم يجب‌

______________________________
(1) المنتهى 1: 154، و التحرير 1: 22

(2) الذكرى: 25، و الدروس: 20، و البيان: 34، و اللمعة: 26

(3) الكافي 3: 73 حديث 14، التهذيب 1: 407، حديث 1280

78
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الأول: في أنواعها ؛ ج 1، ص : 68

و المندوب ما عداه، (1) و قد تجب الثلاثة باليمين و النذر و العهد. (2)

______________________________
الخروج عقيبه بغير فصل متحريا أقرب الطرق، و التالي باطل، فعلى هذا لا ينوي فيه البدلية.

و لم يذكر المصنف وجوب التيمم على الحائض، و الأصح إلحاقها بالجنب في ذلك، لرواية أبي حمزة الثمالي عن الباقر عليه السلام «1». و الظاهر: مساواة النفساء لها، لأنها حائض في المعنى، دون المستحاضة الكثيرة الدم لعدم النص.

قوله: (و المندوب ما عداه).

(1) قد ذكر استحباب التيمم في مواضع مخصوصة كالتيمم للنوم، و لصلاة الجنازة و لو مع وجود الماء، و لا كلام في استحبابه في تلك المواضع، لكن هل يستحب في كل موضع يستحب فيه الوضوء و الغسل؟ لا إشكال في استحبابه إذا كان المبدل رافعا أو مبيحا، إنما الإشكال فيما سوى ذلك.

و الحق أن ما ورد النص به، أو ذكره من يوثق به من الأصحاب، كالتيمم بدلا من وضوء الحائض للذكر يصار اليه، و ما عداه فعلى المنع، الا أن يثبت بدليل.

قوله: (و قد تجب الثلاثة باليمين و النذر و العهد).

(2) لما كان الأكثر وجوب الطهارات بأصل الشرع، صدّر ب‍ (قد) الدالة على التقليل إذا دخلت على المضارع غالبا في الوجوب، بأحد الأسباب الصادرة من المكلف.

و لا ريب انه يراعى في صحة تعلق الثلاثة بالثلاثة شرعيتها، فلا ينعقد اليمين و أخواه على الوضوء إلا إذا كان مشروعا.

و إطلاق بعضهم انعقاد اليمين عليه و أخويه «2» فاسد، إذ لا ينعقد اليمين على الوضوء مع غسل الجنابة، نعم شرعية الوضوء غالبة، و القول في الغسل كذلك، فلا ينعقد اليمين على مجرّد الغسل الذي لم تثبت شرعيته، كغسل في غير وقته.

______________________________
(1) الكافي 3: 73 حديث 14

(2) أطلق ذلك الشهيد الأول في الألفية: 26.

79
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الأول: في أنواعها ؛ ج 1، ص : 68

..........

______________________________
و ما قيل من ابتنائه على الانعقاد، لو تعلق بمباح متساوي الطرفين فاسد، لأن العبادة لا تتصور فيها الإباحة بهذا المعنى، لأنها قربة، فلا بد فيها من الرجحان، و من هذا يعلم حكم التيمم.

و قد تجب الطهارة بالتحمل عن الغير، إما لها بأن يستأجر عن ميت لوضوء نذره و أخل به، أو لما هي شرط فيه، و هو ظاهر.

80
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في أسبابها ؛ ج 1، ص : 81

[الفصل الثاني: في أسبابها]

الفصل الثاني: في أسبابها يجب الوضوء بخروج البول، و الغائط، و الريح من المعتاد و غيره مع اعتياده، (1)

______________________________
قوله: (الفصل الثاني: في أسبابها، يجب الوضوء بخروج البول، و الغائط، و الريح من المعتاد، و غيره مع اعتياده).

(1) اعلم أن السبب في عرف الأصوليين هو الوصف الوجودي الظاهر المنضبط، الذي دل الدليل الشرعي على أنه معرّف لحكم شرعي، و هو أحد متعلقات خطاب الوضع.

و قول المصنف: (في أسبابها).

(2) أراد بها: الأمور التي يترتب عليها فعل الطهارة في الجملة، أعمّ من أن تكون واجبة أو مندوبة، إذ لا تجب إلا بوجوب شي‌ء من الغايات السابقة، إلّا غسل الجنابة عند المصنف و جماعة «1».

و ربما هذه موجبات، نظرا إلى ترتب الوجوب عليها مع وجوب الغاية، و تسمى نواقض أيضا، باعتبار طروء شي‌ء منها على الطهارة غالبا، و إنّما قيد به لأن دائم الحدث لا ينقض حدثه الدائم إلا على بعض الوجوه، و الأول أعمّ مطلقا، و بين الأخيرين عموم من وجه.

و قوله: (من المعتاد).

(3) أراد بالمعتاد هاهنا: الذي اعتيد خلق مثله مصرفا للفضلة المعلومة، و هو المخرج الطبيعي، و أراد بالاعتياد في قوله: (مع اعتياده) تكرر خروج الفضلة مرّة بعد أخرى، لأنه حينئذ يصير مخرجا عرفا، فيتناول إطلاقات النصوص الواردة بالنقض بالخارج من السبيلين، ما يخرج منه «2».

______________________________
(1) منهم والد العلامة كما في المختلف: 29، و ابن حمزة في الوسيلة: 42.

(2) الكافي: 3: 35 و 36، الاستبصار 1: 86 و للمزيد راجع الوسائل 1: 177 الباب الثاني من نواقض الوضوء.

81
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في أسبابها ؛ ج 1، ص : 81

و النوم المبطل للحاستين مطلقا، (1) و كلّما أزال العقل،

______________________________
و إطلاق الشيخ النقض بالخارج مما تحت المعدة دون غيره
«1» ضعيف، و اعتبر بعضهم في صيرورته معتادا خروج الخارج منه مرتين متواليتين عادة، فيثبت النقض في الثالثة.

و في صيرورته بذلك مخرجا عرفا نظر، و لو اعتبر فيه صدق الاسم عليه عرفا، من غير تعيين عدد لكان وجها، لأن الحقيقة الشرعية إذا تعذرت، أو لم توجد صير إلى العرفية.

و ليس هذا كعادة الحيض، للإجماع على عدم اشتراط ما زاد على المرتين فيه، مع أنه مبني على التغليب، فلو خرج أحد الثلاثة من غير الطبيعي قبل اعتياده فلا نقض، و منه كل من قبلي المشكل، و هذا إنما هو إذا لم ينسد الطبيعي، فإذا انسد نقض الخارج من غيره، بأول مرّة، كما ذكره المصنف في المنتهى، و حكى فيه الإجماع «2».

و ينبغي أن يعلم أن الجار في قوله: (من المعتاد)، متعلق بخروج المعتبر في كل من الثلاثة، فلا نقض بخروج الريح من ذكر الرجل، و لا من قبل المرأة، إلا مع الاعتياد- على الأصح- في قبل المرأة.

و ينبغي أن يراد بالخروج: المتعارف، و هو خروج الخارج بنفسه منفصلا عن حد الباطن، فلو خرجت المقعدة ملوَّثة ثم عادت فلا نقض على الأصح.

قوله: (و النوم المبطل للحاستين مطلقا).

(1) أراد بالحاستين: السمع و البصر، و إنما خصّهما لأنهما أعم الحواس الخمس إدراكا، فإنّ بطلان الإدراك بهما غالبا يستلزم بطلان الإدراك بغيرهما، دون العكس، و في النصوص ما يصلح وجها لهذا التخصيص «3».

______________________________
(1) المبسوط 1: 27، الخلاف 1: 12 مسألة 58.

(2) منتهى المطلب 1: 31.

(3) علل الشرائع: 257، عيون أخبار الرضا 2: 104

82
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في أسبابها ؛ ج 1، ص : 81

و الاستحاضة القليلة، (1)

______________________________
و تعبيره ب‍ (المبطل)، أولى من تعبير غيره بالغالب
«1»، لأنه أصرح في نفي النقض عن السنة، و هي مبادئ النوم.

و أراد بقوله (مطلقا): تعميم النقض في جميع الحالات، سواء كان النائم قاعدا، أو منفرجا، أو قائما، أو راكعا، لأن قوله عليه السلام: «فمن نام فليتوضأ» «2» للعموم، و تخصيص ابن بابويه الحكم بالمنفرج «3» ضعيف.

و لو شك هل خفي عليه الصوت أم لا؟ و أن ما خطر له منام، أم حديث النفس؟ بنى على استصحاب الطهارة، و لو كان فاقد الحاسة قدّر وجودها، و عمل بما يغلب على ظنّه.

قوله: (و الاستحاضة القليلة).

(1) أورد على العبارة شيخنا الشهيد قسمي المتوسطة في غير الصبح، فإنّهما يوجبان الوضوء خاصة «4»، فكان عليه أن يذكرهما، ليكون كلامه حاصرا لأسباب الوضوء، كما صنع شيخنا في كتبه.

و يمكن دفع الإيراد، بأن المتوسطة من أسباب الغسل، لأنها سبب له بالنسبة إلى الصبح، أو يقال: إذا انقطع دمها للبرء في وقت الظهرين، أو العشاءين وجب الغسل إذا كان في وقت الصبح يوجبه، فالمتوسطة من أسباب الغسل، و إن تخلف الحكم لعارض.

و كل هذا لا يشفي، لأن غايته أن يكون من أسباب الوضوء وحده تارة، و من أسباب الغسل أخرى، فلا بد من ضمّ كلّ إلى بابه، ليكون المذكور حاصرا لأسباب كل منهما.

______________________________
(1) منهم: الشيخ المفيد في المقنعة: 3، و الشيخ في المبسوط 1: 26، و المحقق في الشرائع 1: 17، و ابن حمزة في الوسيلة: 42، و الشهيد في البيان: 5 و فيه: (المزيل للحواس)، و غيرهم.

(2) سنن ابن ماجة 1: 161 باب 62 حديث 477، سنن أبي داود 1: 52 حديث 203 مسند أحمد بن حنبل 1: 111، السنن الكبرى للبيهقي 1: 118.

(3) المقنع: 7.

(4) الذكرى: 25، الدروس: 7، البيان: 5، اللمعة: 21.

83
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في أسبابها ؛ ج 1، ص : 81

و المستصحب للنواقض كالدود المتلطخ ناقض أمّا غيره فلا، (1) و لا يجب بغيرها كالمذي (2) و القي‌ء و غيرهما.

و يجب الغسل بالجنابة، و الحيض، و الاستحاضة مع غمس القطنة، (3) و النفاس،

______________________________
قوله: (و المستصحب للنواقض كالدود المتلطخ ناقض، أما غيره فلا).

(1) في هذه العبارة مناقشة ما، لأن المستصحب للنواقض ليس النقض مستندا اليه، بل إلى ما صاحبه، و كأنه ارتكب في ذلك ضربا من التجوّز لعدم اللبس، و الضمير في قوله: (أما غيره) يعود الى المستصحب لأنه المحدث عنه، أو الى الدود لقربه.

قوله: (و لا يجب بغيرها كالمذي).

(2) أراد بذلك الرد على من يقول بانتقاض الوضوء بغير هذه الأسباب، من أصحابنا «1» و من العامة «2».

و ما ورد في أخبارنا من وجوب الوضوء بغير ما ذكر، مما لا يقول به الأصحاب، أمّا لضعف الحديث، أو لشذوذه «3».

و المذي بالذال المعجمة: ماء رقيق أصفر، يخرج عقيب شهوة الجماع و الملاعبة غالبا.

و المذهب انه ليس بناقض، و انه طاهر، و قول ابن الجنيد بنقضه عقيب الشهوة ضعيف «4»، كما ضعف قول أبي حنيفة بالنقض بالقي‌ء إذا ملأ الفم «5».

قوله: (و الاستحاضة مع غمس القطنة).

(3) لم يورد عليه شيخنا هاهنا وجوب التقييد في المتوسطة بوقت الصبح، مع أنه وارد‌

______________________________
(1) نسب في المختلف: 18 هذا القول لابن الجنيد.

(2) ذهب الى ذلك أبو حنيفة كما في اللباب في شرح الكتاب 1: 17، و الشافعي في الأم 1: 17.

(3) انظر: ما رواه الشيخ الطوسي في التهذيب 1: 11، 12، 13، 22، 45 حديث 19، 23، 29، 56، 127، و الاستبصار 1: 82، 85، 86، 88 حديث 257، 268، 273، 280، 284.

(4) المختلف: 18.

(5) المبسوط للسرخسي 1: 75، و شرح فتح القدير 1: 34، و بداية المجتهد 1: 34، و المحلى 1: 257

84
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في أسبابها ؛ ج 1، ص : 81

و مسّ الميت من الناس بعد برده قبل الغسل، أو ذات عظم منه و ان أبينت من حي (1)

______________________________
عليه، لما عرفت من أنها في غير الصبح من أسباب الوضوء خاصّة، و ليس له أن يقول:

أراد أنّها من أسباب الغسل في الجملة، لأن الظاهر أن المراد في جميع الأسباب، أنها أسباب متى حصلت.

و اعلم أن قوله: (و يجب الغسل بالجنابة و الحيض) يحتاج إلى فضل تكلف، لأن الحيض هو الدم، و المراد بإيجاب الغسل به إيجابه بخروجه، إذ لا معنى للإيجاب به نفسه، لما عرفت من أن السبب هو الوصف.

و الجنابة: هي الحالة التي تحصل بالإنزال أو بالجماع، فهي غنية عن تقدير شي‌ء، و لو قدرت معها الخروج الذي لا بد من تقديره مع الحيض فسد المعنى، فحينئذ يجب أن تكون العبارة هكذا، يجب الغسل بالجنابة، و بخروج الحيض، و أخويه، إلى آخره.

قوله: (و مس الميت من الناس بعد برده قبل الغسل، أو ذات عظم منه و إن أبينت من حي).

(1) قيّد الميت بكونه من الناس، لأن ميتة غير الآدمي لا يجب بمسها غسل، و قيد المس بكونه بعد برد الميت بالموت، إذ لو مسه حارّا لم يجب الغسل، لأن الحرارة من توابع الحياة و للنص «1».

و قيده أيضا بكونه قبل الغسل، كما دلّت الأخبار عليه، في نحو خبر عبد اللَّه بن سنان، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام: «إذا مسّه و قبّله و قد برد، فعليه الغسل، و لا بأس أن يمسه بعد الغسل و يقبّله» «2».

و المراد بالغسل: الغسل المعهود، و هو المعتبر في حال الاختيار، لأنه المتبادر الى الفهم، و لأنه المطلوب شرعا، و سقوط الطلب عن بعضه لتعذره لا يقتضي عدم اعتباره في مسمى الغسل، و من ثم لو غسّل للضرورة بغير خليط، أو يمّم عن بعض الغسلات، و أمكن الغسل المعتبر‌

______________________________
(1) الكافي 3: 160 حديث 1، 2، التهذيب 1: 438 و 439 حديث 1364، 1366

(2) الكافي 3: 160 حديث 3، التهذيب 1: 108 حديث 284، الاستبصار 1: 99 حديث 222

85
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في أسبابها ؛ ج 1، ص : 81

و غسل الأموات، (1) و لا يجب بغيرها.

و يكفي غسل الجنابة عن غيره منها لو جامعه دون العكس، (2)

______________________________
قبل الدفن، كان المتجه وجوب الإعادة، و لأن استصحاب ما كان قبل غسل الضرورة الى أن يحصل الناقل يقتضي ذلك.

فعلى هذا يندرج فيه: من لم يغسل أصلا بعد البرد، و من غسل فاسدا، و منه:

تغسيل الكافر عند فقد المسلم إن قلنا به، و من سبق موته قتله و قد اغتسل، أو قتل بغير السبب الذي اغتسل له، و من فقد في غسله أحد الخليطين، و الميمم و لو عن بعض الغسلات، و الكافر و إن فعل به صورة الغسل.

و يخرج عنه من لم يبرد بالموت، و من غسّل صحيحا، و ان تقدم الغسل إذا قتل بالسبب الذي اغتسل له، و الشهيد، و المعصوم.

و في عضو كمل الغسل بالنسبة إليه قولان، و سيأتي تحقيقه إن شاء اللَّه تعالى.

و حكم القطعة ذات العظم حكم الميت في ذلك، سواء أبينت من حيّ أو ميّت، و في العظم المجرد قول بالمساواة لا بأس به.

فعلى هذا كل من يجب تغسيله يجب بمسّه الغسل، و من لا فلا.

و في قوله: (أو ذات عظم منه، و إن أبينت من حيّ) مناقشة، لأن الضمير المجرور يعود الى الميت، فعطف المبانة من حي ب‍ (أن) الوصلية حينئذ لا يستقيم.

قوله: (و غسل الأموات).

(1) هو مبتدأ محذوف الخبر، أي: واجب، و إنما غيّر الأسلوب في العبارة لأن غسل الأموات ليس على نهج الأغسال السابقة، و لا يخفى أن المراد الميت المسلم و من بحكمه.

قوله: (و يكفي غسل الجنابة عن غيره منها لو جامعه دون العكس).

(2) الضمير في قوله: (منها) يرجع الى الأغسال، و المستتر في قوله: (لو جامعه) يرجع الى غسل الجنابة، و الآخر يعود الى الغير،. و معناه: انه إذا اجتمع على المكلف غسلان فصاعدا من هذه الأغسال- أحدهما غسل الجنابة- فإذا اغتسل غسل الجنابة كفى عن ذلك الغير و ارتفع الحدث، دون العكس، فلو اغتسل عن ذلك الغير و لم يتوضأ، فقد جزم المصنف بأنه لا يكفي عن الجنابة، و يبقى على الحدث، و قيل: بأنه‌

86
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في أسبابها ؛ ج 1، ص : 81

..........

______________________________
يجزئ عن غسل الجنابة كما يجزئ غسل الجنابة عنه من غير احتياج إلى الوضوء.

أما وجه الفرض الأول مضافا الى الإجماع، فهو أنّ الحدث- الذي هو عبارة عن النجاسة الحكمية- متحد- كما سننبه عليه- و إن تعددت أسبابه، فإذا نوى ارتفاعه بالسبب الأقوى ارتفع بالإضافة إلى غيره، و سيأتي- في دلائل الفرض الثاني- من الأخبار ما يصلح دليلا لهذا.

و أما وجه القول الأول من الفرض الثاني- و هو الذي جزم به المصنف- فهو:

أن غسل الجنابة أكمل من غيره من الأغسال، لأنه في قوّة طهارتين، و غيره طهارة واحدة و أقوى، لأنه يرفع الحدثين الأكبر و الأصغر، و غيره إنما يرفع حدثا واحدا، و الأضعف لا يقوم مقام الأقوى، و لا يجزئ عنه للأصل.

و يدل على القول الثاني وجوه:

(أ): ان الأحداث التي هي أسباب الطهارة، و إن تعددت، فان مسببها- و هو النجاسة الحكمية، التي هي المانع من الأشياء المخصوصة، و يعبر عنها بالحدث أيضا- متحد، و هي مشتركة في الدلالة عليه، فإذا نوى المكلف الغسل لرفع الحدث، مضافا الى واحد من الأسباب عند تعددها، فقد نوى رفع ذلك المشترك فيجب ارتفاعه، لأن «لكل امرئ ما نوى» «1» فيزول المانع المضاف الى جميعها.

بيان اتحاد المانع أنه لو تعدد لوجب لرفع كلّ واحد من أفراده غسل، و التالي باطل، فالمقدم مثله.

بيان الملازمة: أن الأسباب المتعددة إذا اجتمعت فالأصل عدم تداخل مسبباتها، و من ثم لم تتعدد الطهارة الصغرى بتعدد أسبابها. و في بيان الملازمة نظر.

(ب): انه لو لم يكتف بغسل الحيض عن الجنابة مثلا عند اجتماعهما، لم يكن لوجوب غسل الحيض فائدة أصلا، و كان وجوده كعدمه، و التالي ظاهر البطلان، فالمقدم مثله.

بيان الملازمة: أن وجوب الغسلين معا، إما أن يكون بمعنى تحتّمهما معا، أو‌

______________________________
(1) صحيح البخاري 1: 2، و سنن ابي داود 2: 262 حديث 2201.

87
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في أسبابها ؛ ج 1، ص : 81

..........

______________________________
التخيير بينهما على أن يجزئ كل منهما عن الآخر في التعبد به، أو بمعنى إجزاء أحدهما عن الآخر خاصة، دون العكس، و الأول معلوم البطلان، و الفرض بطلان الثاني، فتعيّن الثالث، و حينئذ فلا يكون لوجوب ذلك الآخر فائدة، لأنه لو أتى به لم يكن مجزئا، و لو أتى بغيره أجزأ عنه، و ذلك يقتضي أن لا يكون لوجوبه فائدة، و أن يكون وجوده كعدمه.

و يمكن أن يساق الدليل على وجه أوضح من هذا، بأن يقال: لو لم يجزئ غسل الحيض عن الجنابة عند وجوبهما امتنع وجوبه، و التالي واضح البطلان.

بيان الملازمة: أن وجوب الفعل يقتضي القطع بترتب الإجزاء على الإتيان به مشتملا على جميع وجوه الوجوب، و سقوط الطلب عن المكلف، و غسل الحيض على ذلك التقدير لا يترتب على فعله الإجزاء، و لا سقوط الطلب و الخروج عن عهدة التكليف، و إنّما يترتب الإجزاء على فعل الغسل المقارن له- و هو الجنابة- و وجوده كعدمه، فيكون التكليف به تكليفا بما لا يجزئ، و هو محال، فيمتنع.

أو يقال: وجوب غسل الحيض- على تقدير عدم اجزائه عن الجنابة- ليس واحدا من أقسام الوجوب، فيجب انتفاؤه.

بيان الملازمة: أن الوجوب ينقسم باعتبار الفعل إلى الحتمي، و المرتب، و المخير، و وجوب غسل الحيض في الفرض المذكور على تقدير عدم الاجزاء عن الجنابة ليس واحدا منها، فينتفي وجوبه، و إذا انتفى وجوبه- على تقدير عدم الاجزاء عن الجنابة- وجب بحكم العكس أن يجزئ عنه، على تقدير الوجوب.

(ج): النص، فمنه رواية حريز عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إذا حاضت المرأة و هي جنب أجزأها غسل واحد» «1» فإن أريد إجزاء كل منهما عن الآخر فهو المدعى، و إلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، و هو محال.

و منه حسنة زرارة، عن أحدهما عليهما السلام أنه قال في حديث طويل: «المرأة يجزئها غسل واحد لجنابتها، و إحرامها، و جمعتها، و غسلها من حيضها، و عيدها» «2»

______________________________
(1) التهذيب 1: 395 حديث 1225، الاستبصار 1: 146 حديث 502

(2) الكافي 3: 41 باب 27 حديث 1، التهذيب 1: 107 حديث 269

88
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في أسبابها ؛ ج 1، ص : 81

فان انضمّ الوضوء فإشكال، (1) و نيّة الاستباحة أقوى إشكالا. (2)

______________________________
و تقريبه ما تقدم.

و عليه إشكال: فإن الاكتفاء بغسل واحد، بحيث يكفي عن الأغسال المندوبة إن كان مع اشتماله على نيّتها يلزم وقوع غسل واحد على وجهين متنافيين، و إلّا لزم وقوع عمل بغير نية، مع لزوم استعمال الإجزاء في حقيقته و مجازه، إذ هو حقيقة في الخروج عن عهدة الواجب، فيمكن أن يراد بالواحد: الواحد في النوع، مع أنه بعيد، و لا ريب أن القول بالإجزاء قوي، و هو مختار صاحب المعتبر «1»، و شيخنا الشهيد «2»، و الأول أحوط.

قوله: (فان انضم الوضوء فإشكال).

(1) بناء على ما اختاره المصنف من الجزم بعدم إجزاء العكس تردد في الإجزاء على تقدير انضمام الوضوء إلى غير غسل الجنابة.

و منشأ الاشكال من أن غير الجنابة مع الوضوء يكافئ غسل الجنابة، لثبوت إباحة الصلاة و نحوها بكل واحد منهما عند الانفراد، و كل من المتكافئين يقوم مقام الآخر فيجزي عنه، و من أن الغسل وحده لا يجزئ عن الجنابة لضعفه و قصوره، و الوضوء لا مدخل له في رفع حدث الجنابة، فيبقى الحدث بحاله.

و لا شبهة في ضعف الوجه الأول، لأن جزء السبب لا بد أن يكون صالحا للتأثير، و ليس للوضوء مدخل في رفع حدث الجنابة أصلا، بل وجوده كعدمه، و جزء السبب لا يكون سببا برأسه.

قوله: (و نية الاستباحة أقوى إشكالا).

(2) المراد: أن عدم الإجزاء بالنسبة إليها أقوى إشكالا، فيكون الإجزاء أقوى، كما يدل عليه سوق العبارة، حيث انتقل مما لا يجزئ عنده جزما الى ما في إجزائه إشكال، استوى طرفاه، و مقتضاه الانتقال الى ما يكون جانب الاجزاء فيه أقوى.

و منشأ الاشكال: من أن غسله صالح لكل من الأضعف و الأقوى، و الرفع إنما‌

______________________________
(1) المعتبر 1: 361

(2) الذكرى: 25

89
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في أسبابها ؛ ج 1، ص : 81

و يجب التيمّم بجميع أسباب الوضوء و الغسل، (1) و كلّ أسباب الغسل أسباب الوضوء إلّا الجنابة فإن غسلها كاف عنه، و غسل الأموات كاف عن فرضه. (2)

______________________________
يتحقق بانصرافه إلى الأقوى، و انصرافه اليه ترجيح من غير مرجح، و من عموم قوله عليه السّلام: «إنما لكل امرئ ما نوى»
«1» و قد نوى بالاستباحة زوال المانع، فيجب أن يحصل له، و إنما يتحقق برفع حدث الجنابة فيرتفع، و قوّة هذا الوجه ظاهرة.

و لو نوى رفع الحدث و أطلق فكالاستباحة، و هذا كله بناء على أن العكس لا يجزئ.

قوله: (و يجب التيمم بجميع «2» أسباب الوضوء و الغسل).

(1) أما وجوب التيمم بدلا من الغسل بجميع أسبابه فظاهر، لان المتيمم بدلا من الغسل لو أحدث حدثا أصغر وجب عليه التيمم بدلا من الغسل لا من الوضوء على الأصح، كما سيجي‌ء بيانه، و أما التيمم بدلا من الوضوء فإنما يجب بأسباب الوضوء.

و لا ريب أن المتيمم لو وجد الماء و تمكن من استعماله في الطهارة انتقض تيممه، فإذا فقد وجب التيمم، فيكون التمكن من استعمال الماء سببا ناقضا لوجوب التيمم.

قوله: (و كل أسباب الغسل أسباب الوضوء إلا الجنابة، فإن غسلها كاف عنه، و غسل الأموات كاف عن فرضه).

(2) لما كان غسل الجنابة لا يجامعه الوضوء لا فرضا و لا نفلا كان ضميمته إليه بدعة، و اكتفي بالغسل في استباحة الصلاة، فمن ثم كان غسل الجنابة كافيا عن الوضوء، لأنه يفيد فائدته، فيكون حدث الجنابة بعد الوضوء ناقضا للوضوء، غير موجب له.

و انما قلنا: ان الوضوء لا يجامعه مطلقا، لرواية عبد اللَّه بن سليمان قال: سمعت‌

______________________________
(1) صحيح البخاري 1: 2، و سنن ابي داود 2: 262 حديث 2201.

(2) ورد في هامش النسخة المعتمدة ما لفظه: «يجب أن يكون الحكم على طبيعة التيمم لا على كل فرد فرد، لان كل فرد فرد لا يجب بجميع موجبات الوضوء و الغسل «منه مد ظله».

90
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في أسبابها ؛ ج 1، ص : 81

..........

______________________________
أبا عبد اللَّه عليه السلام يقول: «الوضوء بعد الغسل بدعة»
«1» و مرسلة [محمد بن] أحمد ابن يحيى: «الوضوء قبل الغسل و بعده بدعة» «2».

و المراد: غسل الجنابة، لرواية محمد بن مسلم، قال: قلت لأبي عبد اللَّه عليه السلام: إن أهل الكوفة يروون عن علي عليه السلام أنه كان يأمر بالوضوء قبل الغسل من الجنابة، قال: «كذبوا على عليّ عليه السلام» «3» الحديث، و لا شك أن إطلاق الروايتين الأوليين يقتضي كون الوضوء بدعة، سواء كان واجبا أو مندوبا.

و نزّلهما الشيخ في التهذيب «4» على الوضوء واجبا، و أفتى باستحباب الوضوء مع الغسل، محتجا برواية أبي بكر الحضرمي، عن أبي جعفر عليه السلام، و قد سأله:

كيف أصنع إذا أجنبت؟ فقال: «اغسل كفك و فرجك، و توضأ» «5» الحديث.

و جوابه: أن تنزيل هذه على التقية، و اجراء الروايتين على ظاهرهما أولى، لأن ظاهرهما وجوب الوضوء، و هو موافق لمذهب العامة «6».

و الذي عليه الأصحاب نفي استحباب الوضوء، قال المصنف في المنتهى «7»: لا يستحب الوضوء عندنا فيه، خلافا للشيخ في التهذيب «8» و عبارة الكتاب تنفيه أيضا، حيث نفى الوضوء مع غسل الجنابة، و نفى فرضه مع غسل الأموات، فظهر من تقييده في الثاني إرادة الإطلاق في الأول.

و أمّا غسل الأموات فإنما يكفي عن فرض الوضوء، أي لا يجامعه الوضوء واجبا، كما هو مذهب أكثر الأصحاب «9»، و هو الأصح لقول الصادق عليه السلام في‌

______________________________
(1) الكافي 3: 45 حديث 12، التهذيب 1: 140 حديث 395.

(2) التهذيب 1: 140 حديث 394، الاستبصار 1: 126 حديث 430

(3) التهذيب 1: 142 حديث 400، الاستبصار 1: 125- 126 حديث 426

(4) التهذيب 1: 140 ذيل حديث 393، و كذا الاستبصار 1: 126 ذيل حديث 429

(5) التهذيب 1: 140 حديث 393، الاستبصار 1: 126 ذيل حديث 429

(6) انظر: الام 1: 42، و المجموع 2: 186، و عمدة القارئ 3: 191، و مغني المحتاج 1: 76.

(7) المنتهى 1: 90.

(8) التهذيب 1: 302 حديث 878، الاستبصار 1: 206- 207 حديث 726

(9) كالشيخ الطوسي في الخلاف 1: 161 مسألة 7 كتاب الجنائز، و ابن إدريس في السرائر: 31

91
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في أسبابها ؛ ج 1، ص : 81

..........

______________________________
عدة أخبار: «يوضأ وضوء الصلاة»
«1» و هو منزل على الاستحباب لأصالة البراءة من الوجوب، و لأن الجملة الخبرية غير صريحة في الوجوب، مع أن أكثر الأصحاب على نفي الوجوب.

و قيل بالوجوب لظاهر قوله عليه السلام: «في كلّ غسل وضوء، إلا الجنابة» «2» و نقل سلار عن شيخه: أنه لا يرى وضوءه «3»، و العمل على الاستحباب.

______________________________
(1) التهذيب 1: 302 حديث 878 و 879، و الاستبصار 1: 206- 207 حديث 726- 727.

(2) الكافي 3: 45 حديث 13، التهذيب 1: 139 حديث 391، الاستبصار 1: 126 حديث 428 و في المصادر كلها «كل غسل قبله وضوء إلا الجنابة».

(3) المراسم: 48.

92
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في آداب الخلوة و كيفية الاستنجاء ؛ ج 1، ص : 93

[الفصل الثالث: في آداب الخلوة و كيفية الاستنجاء]

الفصل الثالث: في آداب الخلوة و كيفية الاستنجاء يجب في البول غسله بالماء خاصة أقلّه مثلاه، (1)

______________________________
قوله: (أقله مثلاه).

(1) هذا هو المشهور بين الأصحاب، و به رواية نشيط بن صالح، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام، قال: سألته كم يجزئ من الماء في الاستنجاء من البول؟ قال: «مثلا ما على الحشفة من البلل» «1» و لا يضرّ قدح المصنف فيها- بأن في طريقها مروك بن عبيد، و ليس بمعلوم حاله- لاشتهار مضمونها بين الأصحاب.

و الظاهر أن المراد وجوب غسل مخرج البول مرتين، و التعبير بالمثلين لبيان أقل ما يجزئ، و قد وردت عدّة أخبار بوجوب غسل البول مرتين «2»، فهي مؤيّدة لهذه الرواية. و أنكر بعض الأصحاب وجوب المثلين، و اكتفى بالغسل مرّة، سواء كان مثلين أو أقل «3»، استضعافا للرواية، و شيخنا في البيان قال: ان الاختلاف في مجرّد العبارة «4»، و ليس بجيد.

و في الذكرى اعتبر الفصل بين المثلين «5»، و الظاهر أنه أراد به تحقق الغسلتين، فهو اعتراف بأن الخلاف معنوي، و في الدروس اعتبر الغسل بما يزيل العين و يرد بعد الزوال «6»، و هو كما في الذكرى، و العمل على المشهور.

______________________________
(1) التهذيب 1: 35 حديث 93، الاستبصار 1: 49 حديث 139.

(2) منها ما رواه في الكافي 3: 20 حديث 7، التهذيب 1: 249 حديث 714، السرائر: 473.

(3) منهم المرتضى في الانتصار: 16، و جمل العلم و العمل: 50، و أبو الصلاح في الكافي في الفقه: 127، و الشيخ في الجمل و العقود: 157.

(4) البيان: 6

(5) الذكرى: 21

(6) الدروس: 2

93
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في آداب الخلوة و كيفية الاستنجاء ؛ ج 1، ص : 93

و في الغائط المتعدي كذلك حتى تزول العين و الأثر، (1)

______________________________
و ما اعتبره في الذكرى، من اشتراط تخلل الفصل بين المثلين، ليتحقق تعدد الغسل
«1» حق، لا لأن التعدد لا يتحقق إلّا بذلك، بل لأن التعدد المطلوب بالمثلين لا يوجد بدون ذلك، لأن ورود المثلين دفعة واحدة غسلة واحدة، و لو غسل بأكثر من المثلين بحيث تراخى أجزاء الغسل بعضها عن بعض في الزمان، لم يشترط الفصل قطعا.

إلّا أن هنا سؤالا، و هو أن الغسل إنما يتحقق إذا ورد الماء على محل النجاسة شاملا له، مع الغلبة و الجريان، و ذلك منتف مع كلّ واحد من المثلين، فان المماثل للبلل الذي على الحشفة كيف يكون غالبا عليه؟

و الذي سنح لي في الاعتذار عن هذا هو: أن الحشفة تتخلف عليها بعد خروج البول قطرة، فلعل المماثلة بين هذه و بين الماء المغسول به، و لا ريب أن القطرة يمكن إجراؤها على المخرج، و أغلبيّتها- على البلل الذي يكون على حواشي المخرج- طاهر.

و اعلم: أنه يجب على الأغلف في الاستنجاء من البول كشف البشرة، و تطهير محل النجاسة لأن ما تحتها من الظواهر، و لو ارتتقت أمكن القول بوجوب التوصل اليه بحسب الممكن، و قد صرّح المصنف في المنتهى «2» و شيخنا في الذكرى «3»، بإلحاقه بالبواطن، فيغسل ما ظهر، و للنظر فيه مجال.

و كذا يجب على الثيب أن تغسل ما يبدو من الفرج عند الجلوس على القدمين، و لو علمت وصول البول إلى مخرج الولد و الحيض غسلت ما ظهر منه وجوبا.

قوله: (حتى تزول العين و الأثر).

(1) المراد بالعين معلوم، و أما الأثر: فهو في الأصل رسم الشي‌ء و بقاياه، و المراد به هنا، هو ما يتخلف على المحل عند مسح النجاسة و تنشيفها، و ليس المراد به الرطوبة التي تتخلف بعد قلع جرم النجاسة لأن ذلك من العين، و انما وجب إزالة الأثر لأن الغسل يأتي عليه، بخلاف الاستجمار.

______________________________
(1) الذكرى: 21

(2) المنتهى 1: 43

(3) الذكرى: 21

94
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في آداب الخلوة و كيفية الاستنجاء ؛ ج 1، ص : 93

و لا عبرة بالرائحة. (1)

و غير المتعدّي يجزي ثلاثة أحجار و شبهها من خرق، و خشب، و جلد (2) مزيلة للعين، (3)

______________________________
قوله: (و لا عبرة بالرائحة).

(1) يدل على ذلك ما روي عن أبي الحسن الرضا عليه السلام «1»، و اعترض على ذلك شيخنا، بأن وجود الرائحة يرفع أحد أوصاف الماء، و ذلك يقتضي النجاسة «2».

و أجاب مرّة بالعفو عن الرائحة للنص و الإجماع- و في الدلالة نظر- و اخرى بأن الرائحة إن كان محلّها الماء نجس لانفعاله، و ان كان محلها اليد أو المخرج فلا حرج، و هذا أجود، و عليه تنزّل الرواية و كلام الأصحاب، و لو شك فالعفو بحاله.

قوله: (و شبهها من خرق و خشب و جلد).

(2) ربما أفاد حصر الشبه فيما ذكره، نظرا الى أن (من) إمّا للتبيين أو للتبعيض، و كلاهما يعطي ذلك، فكان ينبغي أن تكون العبارة أشمل ممّا ذكره، كأن يقول:

من نحو خرق و خشب.

و اعلم: أنه لا فرق في الجلد بين أن يدبغ أم لا، كما يستفاد من إطلاق اللفظ.

و يحتمل أن يقال: ما لم يدبغ من قبيل المحترم لأنه مطعوم، فإن أكل الجلد مع اللحم شائع في السخال «3» و في غيرها في بعض البلدان كمصر، و هو بعيد، إذ ليس مقصودا بالأكل عادة.

قوله: (مزيلة للعين).

(3) احترز به عما يكون صقيلا جدا يزلق عن النجاسة، أو خشنا جدا لا يمكن الاعتماد عليه في قلعها، أو رخوا كذلك، و يستفاد من قوله: (مزيلة للعين) أن زوال‌

______________________________
(1) الكافي 3: 17 حديث 9، التهذيب 1: 28 حديث 75

(2) قال السيد العاملي في المفتاح 1: 44 (و قال الفاضل الكركي: لو شك في أن الرائحة في الماء أو غيره فالعفو بحاله، و نقل هو و صاحب المدارك و الدلائل عن الشهيد انه استشكل بأن وجود الرائحة ان كان محلها الماء نجس لانفعاله).

(3) جمع سخل، يقال لأولاد الغنم ساعة تضعه، من الضأن و المعز جميعا ذكرا كان أو أنثى، الصحاح (سخل) 5:

1728.

95
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في آداب الخلوة و كيفية الاستنجاء ؛ ج 1، ص : 93

و الماء أفضل، كما أنّ الجمع في المتعدي أفضل. (1) و يجزئ ذو الجهات الثلاث، (2)

______________________________
الأثر في الأحجار غير لازم لتعذره، فيعفى عنه، حتى لو عرض للمحل بلل بعد ذلك كان طاهرا.

قوله: (و الماء أفضل، كما أن الجمع في المتعدي أفضل).

(1) إن قيل: الماء أحد الواجبين تخييرا فكيف يكون أفضل؟ قلنا: الوجوب التخييري لا ينافي الاستحباب العيني، لأن متعلق الوجوب في المخيّر ليس عين واحد من الافراد، بل الأمر الكلي- كما حقق في الأصول «1»- فتعلق الاستحباب و الأفضلية بواحد منها لا محذور فيه.

و أورد: ان الجمع في غير المتعدي أيضا أفضل، فلم خص المتعدي بالذكر؟

و أجيب: بأن الأفضل في غير المتعدي هو الماء، و أما الجمع بينه و بين الأحجار فيه فإنه أكمل، لانه المرتبة الثانية في الفضل، فحاول المصنف الإشعار بمرتبة كل واحد في الفضل.

و وجه أفضلية الماء على الأحجار ظاهر، فإنه يزيل العين و الأثر بخلافها، و أما وجه أفضلية الجمع فأظهر، فإن فيه تنزيها لليد عن مخامرة «2» النجاسة، و قد اثنى اللَّه تعالى على أهل قبا بمحبة التطهير لذلك «3».

قوله: (و يجزئ ذو الجهات الثلاث).

(2) هذا أصح القولين «4»، لأنه ثلاثة أحجار قوة، و لان المطلوب تعدد موضع‌

______________________________
(1) ورد في هداية المسترشدين: 248 ما لفظه: (و منها ان الواجب في المقام مفهوم أحدهما و المنع من الترك حاصل بالنسبة اليه و اختاره جماعة من الخاصة و العامة منهم العلامة في النهاية و نهج الحق و السيد العميدي و الشهيد و المحقق الكركي و شيخنا البهائي و المحقق الخونساري و الحاجبي و البيضاوي و عن القاضي حكاية إجماع سلف الأمة عليه و حكاه في العدة عن شيخنا المفيد و عزاه في نهج الحق إلى الإمامية مؤذنا بإطباقهم عليه.

(2) المخامرة: المخالطة، انظر الصحاح (خمر) 2: 650.

(3) التبيان 5: 300، مجمع البيان 3: 73.

(4) ذهب الى الاجزاء الشيخ في المبسوط 1: 17، و المحقق في المعتبر 1: 131، و ذهب الى عدم الاجزاء ابن البراج في المهذب 1: 40 و قيده بما إذا لم يقدر على ثلاثة أحجار، و يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 27، و الشهيد في الدروس: 2.

96
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في آداب الخلوة و كيفية الاستنجاء ؛ ج 1، ص : 93

و التوزيع على أجزاء المحل، (1) و ان لم ينق بالثلاثة وجب الزائد، و يستحب الوتر، و لو نقي بدونها وجب الإكمال. (2)

______________________________
المسح، كما دل عليه قوله عليه السلام في بعض الأخبار: «فليتمسح ثلاث مسحات»
«1».

و قيل: لا يجزئ، وقوفا مع ظاهر النص الوارد بثلاثة أحجار «2».

و جوابه: أن الحكم مستفاد من نصّ آخر، على أن ظاهره- لو أريد- لم يجز إلا الأحجار دون الخرق و نحوها.

قوله: (و التوزيع على أجزاء المحل).

(1) هذا أحد القولين «3»، و معناه المسح ببعض أدوات الاستنجاء بعض محل النجاسة، و ببعض آخر بعضا آخر، و بما بقي ما بقي، مع حصول النقاء المعتبر.

و وجه إجزائه تناول إطلاق النص له، و ليس في شي‌ء من النصوص ما يدل على استيعاب المحل كلّه بجميع المسحات.

و قيل «4»: بعدم الاجزاء، لأنه خلاف المتبادر من الإطلاق، و لأن الثلاث حينئذ، في قوّة مسحة واحدة، و هذا أحوط القولين.

قوله: (و لو نقي بدونها وجب الإكمال).

(2) هذا أصح القولين «5»، لإطلاق النصوص اعتبار مسحات ثلاث «6»، فيجب الوقوف معها، و لأن زوال النجاسة حكم شرعي، فيتوقف على سببه الشرعي.

و قيل: لا يجب، لأن المعتبر النقاء و قد حصل «7». و فيه منع، و إنما المعتبر‌

______________________________
(1) في التهذيب 1: 46، 209 حديث 129، 604، ورد مضمون الحديث، و ورد النص في مسند أحمد 3: 336.

(2) قاله جماعة منهم: الشيخ في النهاية: 10، و ابن إدريس في السرائر: 16، و ابن حمزة في الوسيلة: 35.

(3) قاله الشيخ في المبسوط 1: 17، و الشهيد في الذكرى: 20.

(4) القول للمحقق الحلي في شرائع الإسلام 1: 19.

(5) قاله ابن إدريس في السرائر: 16، و المحقق في الشرائع 1: 19.

(6) التهذيب 1: 46 حديث 129- 130.

(7) قاله جماعة منهم: الشيخ في النهاية: 10 و الخلاف 1: 10 مسألة 49 كتاب الطهارة، و ابن حمزة في الوسيلة:

35.

97
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في آداب الخلوة و كيفية الاستنجاء ؛ ج 1، ص : 93

و لا يجزئ المستعمل، و لا النجس، (1) و لا ما يزلق عن النجاسة.

و يحرم بالروث، و العظم، (2) و ذي الحرمة كالمطعوم، و تربة الحسين عليه السلام (3) و يجزئ. (4)

______________________________
النقاء على الوجه المخصوص، فعلى هذا، هل الحكم بطهارة المحل موقوف على الإكمال، أم الطهارة دائرة مع النقاء، و الإكمال واجب؟

الظاهر الأول لما قلناه، فلو تركه و صلّى لم تصح صلاته.

قوله: (و لا يجزئ المستعمل، و لا النجس).

(1) إنما لا يجزئ المستعمل إذا كان نجسا، حتى لو طهر جاز استعماله ثانيا، فالجمع بينه و بين النجس لا فائدة فيه.

و يمكن أن يقال: المستعمل بعد نقاء المحل بما دون الثلاث ليس بنجس مع صدق الاستعمال عليه، ففائدة الجمع: التنبيه على عدم إجزائه. و فيه بعد، بل الظاهر إجزاؤه لانتفاء المانع، فإنه طاهر.

قوله: (و يحرم بالروث، و العظم).

(2) لورود النهي عن الاستنجاء بهما، معلّلا بأنهما طعام الجن و دوابهم «1»، و منه يستفاد تحريم الاستنجاء بمطعوم الانس.

قوله: (و تربة الحسين عليه السلام).

(3) يوجد في عبارة بعض الأصحاب: ما كتب عليه القرآن، و فيه شي‌ء، فان هذا يقتضي كفر فاعله. و في التربة المقدسة، إن دل استعمالها على الاستخفاف بالحسين عليه السلام كذلك.

قوله: (و يجزئ).

(4) أي: كل واحد من الأمور المذكورة، من الروث و ما بعده- و هذا أصح القولين «2»- لعدم المنافاة بين النهي و الاجزاء في نحوه مما ليس بعبادة، إذ ليس مطلوبا‌

______________________________
(1) الفقيه 1: 20 حديث 58، التهذيب 1: 354 حديث 1053.

(2) ذهب إليه العلامة في المختلف: 19، و الشهيد في الذكرى: 21.

98
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في آداب الخلوة و كيفية الاستنجاء ؛ ج 1، ص : 93

و يجب على المتخلّي ستر العورة. (1) و يحرم استقبال القبلة و استدبارها مطلقا، (2)

______________________________
للقربة فينافيه النهي، كما لو استنجى بحجر أو ماء مغصوبين، و قيل: لا يجزئ للنهي
«1».

و قد عرفت أنه إنما يقتضي الفساد في العبادة المطلوبة للقربة، لا مطلقا.

قوله: (و يجب على المتخلي ستر العورة).

(1) أي: جلوسه بحيث لا ترى عورته، و معلوم: أن ذلك حيث يكون النظر محرما، فالزوجة و المملوكة التي يباح وطؤها، و من حضوره و غيبته سواء، من الحيوان و الطفل الذي لا يميز، لا يجب التستر عنهم.

قوله: (و يحرم استقبال القبلة و استدبارها مطلقا).

(2) المراد: الاستقبال و الاستدبار بالبدن في حال قضاء الحاجة، و توهم بعضهم أن تحريم ذلك منوط بالعورة حتى لو حرفها زال المنع «2» ليس بشي‌ء، لدلالة النصوص صريحا على ما قلناه.

و المراد بالقبلة: العين للقريب، و الجهة للبعيد، و سيأتي تحقيقه إن شاء اللَّه تعالى.

و أراد بقوله: (مطلقا) استواء الصحراء و البنيان في التحريم.

و قال بعض الأصحاب بكراهة الاستقبال و الاستدبار مطلقا «3».

و بعضهم بالتحريم في الصحراء، و الكراهة في البيان «4»، و هما ضعيفان.

و اعلم: ان الاستقبال و الاستدبار بالنسبة إلى القائم و الجالس معلوم، أمّا بالنسبة إلى المضطجع و المستلقي، فإن بلغ بهما العجز الى هذا الحد، فلا بحث في ان الاستقبال و الاستدبار- بالنسبة إليهما في التخلي- يحال على استقبالهما في الصلاة، و الا ففيه تردد ينشأ من أن هذه حالة استقبال و استدبار في الجملة، و من أن ذلك إنما هو‌

______________________________
(1) ذهب اليه الشيخ في المبسوط 1: 16، و المحقق في المعتبر 1: 132، و الشرائع 1: 19.

(2) يلوح هذا المذهب من كلام الشيخ في المبسوط 1: 16، و قاله الشهيد في الألفية: 37.

(3) نسبه العلامة في التذكرة 1: 12 لابن الجنيد.

(4) ذهب اليه سلار في المراسم: 32.

99
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في آداب الخلوة و كيفية الاستنجاء ؛ ج 1، ص : 93

و ينحرف في المبني عليهما. (1) و يستحب ستر البدن، (2) و تغطية الرأس، و التسمية، (3) و تقديم اليسرى دخولا (4) و اليمنى خروجا، و الدعاء عندهما و عند الاستنجاء و الفراغ منه. و الاستبراء في البول للرجل، (5)

______________________________
بالنسبة إلى العاجز، و لهذا لو حلف ليستقبلن لم يبرأ بهذه الحالة مع القدرة على غيرها، و لعل هذا أقرب.

قوله: (و ينحرف في المبني عليهما).

(1) أي: وجوبا، بحيث يخرج عن الاستقبال و الاستدبار.

قوله: (و يستحب ستر البدن).

(2) المراد به: جلوسه للحاجة حيث لا يرى، إما بان يلج حفيرة، أو يدخل بنيانا، أو يبعد بحيث لا يرى.

قوله: (و التسمية).

(3) المراد بها قول: (بسم اللَّه و باللّه، أعوذ باللّه من الرجس النجس، الى آخره) «1».

قوله: (و تقديم اليسرى دخولا).

(4) هذا في البنيان ظاهر، أمّا في الصحراء فلا يصدق الدخول و الخروج، و يمكن أن يقال: التقديم هنا منوط بموضع الجلوس، على ما فيه من التكلف.

قوله: (و الاستبراء في البول للرجل).

(5) قال الشيخ في الاستبصار بوجوبه، و به رواية محمولة على الاستحباب «2»، و تقييده بالرجل يشعر بعدم استحبابه للمرأة، وقوفا مع ظاهر النص، و ربما قيل باستحبابه لها، فتستبرئ عرضا «3». فان قلنا به، فهل تتعدى إليها فائدته، بحيث يحكم‌

______________________________
(1) الكافي 3: 16 حديث 1، التهذيب 1: 25 حديث 63 مع اختلاف يسير في المصدرين، و في السرائر: 16 (. فالمستحب أن يقول: أعوذ باللّه من الرجس النجس- بكسر الراء من الرجس و كسر النون من النجس- لأن هذه اللفظة إذا استعملت مع الرجس قيل: رجس نجس بخفض الراء و النون، و إذا استعملت مفردا قيل: نجس بفتح النون و الجيم معا.).

(2) الاستبصار 1: 49 حديث 138.

(3) قاله العلامة في المختلف: 20.

100
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في آداب الخلوة و كيفية الاستنجاء ؛ ج 1، ص : 93

بأن يمسح من المقعدة إلى أصل القضيب ثلاثا، و منه الى رأسه ثلاثا، و ينتره ثلاثا، فان وجد بللا بعده مشتبها لم يلتفت، و لو لم يستبرئ أعاد الطهارة.

و لو وجده بعد الصلاة أعاد الطهارة خاصة، (1) و غسل الموضع و مسح بطنه عند الفراغ. (2)

و يكره استقبال الشمس و القمر بفرجه في الحدثين، (3)

______________________________
بطهارة البلل المشتبه بعده، و عدم كونه ناقضا؟ وجهان، و يحتمل قويا الحكم بطهارة الخارج منها، و عدم النقض به مع اشتباهه و إن لم تستبرئ، و القول بتعدية الحكم باستحباب الاستبراء إليها ضعيف، لان فيه خروجا عن المنصوص، مع انتفاء محله.

قوله: (و لو وجده بعد الصلاة أعاد الطهارة خاصة).

(1) لأن ذلك حدث متجدد.

قوله: (و مسح بطنه عند الفراغ).

(2) أي: بعده قائما بيده اليمنى، قاله المفيد رحمه اللَّه «1»، و من تبعه «2».

قوله: (و يكره استقبال الشمس و القمر بفرجه في الحدثين).

(3) لثبوت النهي عن ذلك- و المراد: نفس القرص دون الجهة، بخلاف القبلة- عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله: لا يبولن أحدكم، و فرجه باد للقمر» «3».

قال المصنف في المنتهى: لو استتر عنهما بشي‌ء فلا بأس، لأنه لو استتر عن القبلة بالانحراف جاز، فهاهنا أولى «4».

______________________________
(1) المقنعة: 4.

(2) تبعه سلار في المراسم: 33، و الشهيد في البيان: 6.

(3) التهذيب 1: 34 حديث 92 و في آخره «يستقبل به».

(4) المنتهى 1: 40.

101
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في آداب الخلوة و كيفية الاستنجاء ؛ ج 1، ص : 93

و استقبال الريح بالبول (1) و البول في الصلبة، (2) و قائما و مطمحا، (3) و في الماء جاريا و راكدا. (4)

______________________________
قوله: (و استقبال الريح بالبول).

(1) للنهي عنه «1»، و لئلا يعكس الريح البول فيرده على جسد المتخلي و ثيابه.

و في الذكرى عدّ في المكروهات: استقبال الريح و استدباره «2»، معللا بنهي الحسن عليه السلام عنه «3»

قوله: (و البول في الصلبة).

(2) لئلا يعود عليه، و كذا ما في معناها، كالجلوس في أسفل المنحدرة، و يشهد لذلك قول الرضا عليه السلام: «من فقه الرجل أن يرتاد لبوله» «4» أي: يتخير موضعا مناسبا، كالمرتفع، أو كثير التراب.

قوله: (و قائما و مطمحا).

(3) عللت كراهية البول قائما في الأخبار بأنه من الجفاء «5»، أي: البعد عن الآداب، و لأنه يعود عليه غالبا.

و نهي أن يطمّح «6» الرجل ببوله من السطح في الهواء «7»، و هو قريب من البول قائما في العلة.

قوله: (و في الماء جاريا و راكدا).

(4) علل في الاخبار بأن للماء أهلا «8»، و لا ريب أن الراكد أشد كراهية، لأنه أشد قبولا للانفعال، و لما روي عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال: «لا بأس بأن يبول الرجل في الماء الجاري» «9».

______________________________
(1) الكافي 3: 15 حديث 3، الفقيه 1: 18 حديث 47، التهذيب 1: 26، 33 حديث 65، 88 الاستبصار 1: 47 حديث 131.

(2) الذكرى: 20.

(3) الفقيه 1: 18 حديث 47.

(4) الكافي 3: 15 حديث 1، التهذيب 1: 33 حديث 86.

(5) الكافي 3: 15 حديث 4، الفقيه 1: 16، 19 حديث 36، 51، علل الشرائع: 278 باب 186.

(6) طمّح ببوله و بالشي‌ء: رمى به في الهواء (طمح) لسان العرب 2: 535.

(7) الكافي 3: 15 حديث 4، الفقيه 1: 19 حديث 50.

(8) التهذيب 1: 34 حديث 90، الاستبصار 1: 13 حديث 25.

(9) التهذيب 1: 31 حديث 81، الاستبصار 1: 13 حديث 23.

102
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في آداب الخلوة و كيفية الاستنجاء ؛ ج 1، ص : 93

و الحدث في الشوارع و المشارع، (1) و مواضع اللعن، (2) و تحت المثمرة، (3) و في‌ء النزّال، (4)

______________________________
و لا يبعد أن يقال: أن الماء المعدّ في بيوت الخلاء لأخذ النجاسة و اكتنافها- كما يوجد في الشام، و ما جرى مجراها من البلاد الكثيرة الماء- لا يكره قضاء الحاجة فيه.

قوله: (و الحدث في الشوارع و المشارع).

(1) الشوارع، جمع شارع: و هو الطريق، و المشارع، جمع مشرعة: و هي طريق الماء للواردة.

قوله: (و مواضع اللعن).

(2) عن زين العابدين عليه السلام: أنها أبواب الدور «1»، و قيل: مجمع النادي «2» لتعرضه للعنهم.

قوله: (و تحت المثمرة).

(3) أي: الأشجار المثمرة، و الظاهر أنه لا يراد بها ذات الثمر بالفعل، بل ما من شأنها ذلك، كما في شاة لبون على ما صرحوا به، و لان المشتق لا يشترط في صدقه بقاء أصله، و لان ذلك موجب لبقاء النفرة من ثمرها في النفس، و هذا إنما هو في المملوك له أو المباح، أما ملك الغير فلا يجوز قطعا إلّا باذنه، و يضمن ما يتلف.

قوله: (و في‌ء النزّال).

(4) المراد به: موضع الظل المعد لنزول القوافل و المترددين، كموضع ظل جبل، أو شجرة، و نحو ذلك.

و يمكن أن يراد به: أعم من ذلك، و هو الموضع المعد لنزولهم مطلقا، نظرا إلى أنهم يرجعون في النزول إليه، من فاء إذا رجع و فيه تجوز، و الأول هو الموجود في الأخبار «3».

______________________________
(1) الكافي 3: 15 حديث 2، الفقيه 1: 18 حديث 44، التهذيب 1: 30 حديث 78.

(2) مجمع النادي: مجلس القوم و متحدّثهم. انظر الصحاح (ندا) 6: 2505.

(3) الكافي 3: 16 حديث 5، 6، الفقيه 1: 18 حديث 45، المقنع: 3، التهذيب 1: 30 حديث 79، 80.

103
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في آداب الخلوة و كيفية الاستنجاء ؛ ج 1، ص : 93

و جحرة الحيوان، (1) و الأفنية، (2) و مواضع التأذي، و السواك عليه، (3) و الأكل و الشرب. و الكلام إلّا بالذكر، أو حكاية الأذان، أو قراءة آية الكرسي، أو طلب الحاجة المضر فوتها، (4)

______________________________
قوله: (و جحرة الحيوان).

(1) هي: بكسر الجيم و فتح الحاء و الراء المهملتين جمع جحر للنهي عنه «1»، و لأنه لا يؤمن خروج حيوان يلسعه، فقد حكي: أن سعد بن عبادة بال في جحر بالشام فاستلقى ميتا، فسمعت الجن تنوح عليه بالمدينة، و تقول:

نحن قتلنا سيد الخزرج

سعد بن عباده

و رميناه بسهمين

فلم نخط فؤاده «2»

قوله: (و الأفنية).

(2) هي: جمع فناء بكسر الفاء، و هو ما امتد من جوانب الدار «3»، و المراد به:

حريمها خارج المملوك منها.

قوله: (و السواك عليه).

(3) أي: حالة الحدث، فالمضاف محذوف، و علل في الأخبار «4» بأنه يورث البخر «5».

قوله: (و الكلام إلا بالذكر، أو حكاية الأذان، أو قراءة آية الكرسي، أو طلب الحاجة المضر فوتها).

(4) أما الذكر، فيدل عليه حديث: «ذكري على كل حال حسن» «6».

و أما حكاية الأذان: فحكاه شيخنا، في الذكرى، بقوله: و قيل «7»،

______________________________
(1) سنن أبي داود 1: 8 حديث 29، و مستدرك الصحيحين 1: 186.

(2) أسد الغابة 2: 284، الاستيعاب 2: 40، تنقيح المقال 2: 16.

(3) الصحاح (فني) 6: 2457.

(4) الفقيه 1: 32 حديث 110، التهذيب 1: 32 حديث 85.

(5) البخر: نتن الفم. الصحاح 2: 586 (بخر).

(6) التهذيب 1: 27 حديث 68.

(7) الذكرى: 20.

104
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في آداب الخلوة و كيفية الاستنجاء ؛ ج 1، ص : 93

و طول الجلوس، (1) و الاستنجاء باليمين، (2) و اليسار فيها خاتم عليه اسم اللَّه تعالى أو أنبيائه أو الأئمة عليهم السلام، أو فصّة من حجر زمزم، (3)

______________________________
و مستنده عموم الأمر بالحكاية، و أنه ذكر.

و ربما قيل باستثناء الصلاة على النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله عند ذكره.

و أما قراءة آية الكرسي، فلقول أبي عبد اللَّه عليه السلام: «لم يرخص في الكنيف في أكثر من آية الكرسي، و حمد اللَّه، أو آية» «1».

و يجب رد السلام، كما صرح به المصنف في المنتهى «2».

و استحب الحمدلة «3» للعاطس و هي ذكر، و التسميت، و فيه شي‌ء.

قوله: (و طول الجلوس).

(1) لما ورد في الأخبار أنه يورث الناسور «4»، و الناسور بالنون: علة في حوالي المقعدة.

قوله: (و الاستنجاء باليمين).

(2) لما روي عن النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله أنه قال: «من الجفاء الاستنجاء باليمين» «5». و روى الجمهور عنه صلّى اللَّه عليه و آله: انه نهى عنه و عن مسّ الذكر باليمين «6»، و مع الحاجة تزول الكراهة.

قوله: (و باليسار و فيها خاتم عليه اسم اللَّه تعالى، أو أنبيائه، أو الأئمة عليهم السلام، أو فصّه من حجر زمزم).

(3) كراهة الاستنجاء باليسار إذا كان فيها خاتم كذلك، لا مطلقا، فلا يبعد أن يكون استئناف الجار للإشعار بأن الجملة الحالية مختصة باليسار.

______________________________
(1) الفقيه 1: 19 حديث 22، التهذيب 1: 352 حديث 1042. و فيهما: «و يحمد اللَّه».

(2) المنتهى 1: 41.

(3) هي قول: الحمد للَّه.

(4) الفقيه 1: 19 حديث 21 و فيه: الباسور، و هي الدمامل في المقعدة كما في مجمع البحرين (بسر) 3: 221.

(5) الخصال 1: 54 و فيه: «الاستنجاء باليمين من الجفاء».

(6) صحيح البخاري 1: 50 باب 19، صحيح مسلم 1: 225 باب 18، سنن ابن ماجة 1: 13 حديث 310، سنن النسائي 1: 43.

105
جامع المقاصد في شرح القواعد1

فروع ؛ ج 1، ص : 106

 

فإن كان حوّله. (1)

[فروع]

فروع:

[أ: لو توضأ قبل الاستنجاء صحّ وضوءه]

أ: لو توضأ قبل الاستنجاء صحّ وضوءه، و عندي انّ التيمم إن كان لعذر لا يمكن زواله كذلك، (2)

______________________________
و الظاهر: ان اسم فاطمة عليها السلام كأسماء الأئمة عليهم السلام.

و أما إذا كان فصه من حجر زمزم، فقد روي مقطوعا جواز الفص منه، و كراهة الاستنجاء و هو في اليد، و الأمر بنزعه عند إرادته «1».

و أورد عليه: أن إخراج الحصى من المسجد غير جائز، و أجيب: باستثناء ذلك للنص، و بأن هذا الحكم مبني على الوقوع لا على الجواز، فلا يلزم من وقوعه جوازه.

لكن قال شيخنا في الذكرى: و في نسخة الكافي للكليني رحمه اللَّه إيراد هذه الرواية بلفظ من حجارة زمرذ، فعلى هذا يكون هو المراد من زمزم، قال: و سمعناه مذاكرة «2»، فحينئذ يسقط السؤال أصلا.

و الفص بفتح الفاء، و الزمرذ بالزاء و الذال المعجمتين، قال في القاموس:

الزمرذ بالضمات و شد الزاء: الزبرجد معرب «3».

قوله: (فان كان حوله).

(1) أي: من تلك اليد الى غيرها.

قوله: (و عندي أن التيمم إن كان لعذر لا يمكن زواله كذلك).

(2) هذا مبني على أن التيمم إن كان لعذر لا يرجى زواله- عادة- يجوز فعله مع سعة الوقت، فإنه حينئذ يتيمم، ثم يزيل النجاسة بالاستنجاء و يصلي.

و على هذا: فلو كان العذر مرجو الزوال لم يصح التيمم قبل الاستنجاء، لوجوب مراعاة ضيق الوقت في صحة فعل التيمم.

______________________________
(1) الكافي 3: 17 حديث 6 و فيه «من زمرد»، التهذيب 1: 355 حديث 1059 و قد وردت اللفظتان (زمرد، زمرذ) كما في القاموس (زمرد) 1: 298.

(2) الذكرى: 20.

(3) القاموس (الزمرذ) 1: 354.

 

106
جامع المقاصد في شرح القواعد1

أ: لو توضأ قبل الاستنجاء صح وضوءه ؛ ج 1، ص : 106

و لو صلّى و الحال هذه أعاد الصلاة خاصة. (1)

______________________________
فإذا وقع قبل الاستنجاء، لم يكن بدّ من زيادة الوقت على وقت التيمم و الصلاة، إذ لا بد للاستنجاء من وقت، فيلزم وقوع التيمم- مع السعة- مع كون العذر مرجو الزوال.

و على القول بجواز التيمم مع السعة مطلقا «1»، يصح التيمم قبل الاستنجاء مطلقا، و ينعكس الحكم على القول بمراعاة التضييق مطلقا.

و ربما قيل بجواز التيمم قبل الاستنجاء، من غير التفات الى هذا التفصيل، فلا يكون الحكم بجوازه حينئذ مبنيا على القول بجوازه مع السعة، إما مطلقا، أو مع عدم رجاء زوال العذر، و ذلك لأن الاستنجاء و نحوه من إزالة النجاسة عن الثوب و البدن من جملة مقدمات الصلاة، فيجب أن يستثني وقته مع وقت الصلاة، فلا ينافي التضييق- على القول به- كستر العورة، و استقبال القبلة.

و لأن الظاهر: أن المراد بالتضيق: العادي فلا ينافيه بقاء زمان يسير، و الّا لم يجز التيمم في موضع يحتاج أن ينتقل عنه إلى مصلاه، و لا فعل الأذان و الإقامة، و هذا قوي متين.

و لا يخفى أن المراد بقول المصنف: (لا يمكن زواله) عدم الإمكان عادة، أي:

لا يرجى زواله.

قوله: (و لو صلى و الحال هذه أعاد الصلاة خاصة).

(1) هذا أصح القولين، و قيل: إن ترك غسل مخرج البول لزمه إعادة الطهارة أيضا، بخلاف مخرج الغائط، فيقتصر فيه على إعادة الصلاة «2»، و هو ضعيف.

______________________________
(1) قاله ابن بابويه في المقنع: 8- 9.

(2) قال الشيخ الصدوق في المقنع: 5 (و ان نسيت أن تستنجي بالماء. فأعد الوضوء و الصلاة).

و قال في الفقيه 1: 21 (و من نسي أن يستنجي من الغائط حتى صلى لم يعد).

و قال العلامة في المختلف: 19 (و قال أبو جعفر بن بابويه: من صلى و ذكر. و من نسي أن يستنجي من الغائط حتى يصلي لم يعد الصلاة)، فتأمل.

107
جامع المقاصد في شرح القواعد1

ب: لو خرج أحد الحدثين ؛ ج 1، ص : 108

[ب: لو خرج أحد الحدثين]

ب: لو خرج أحد الحدثين اختص مخرجه بالاستنجاء.

[ج: الأقرب جواز الاستنجاء في الخارج]

ج: الأقرب جواز الاستنجاء في الخارج من غير المعتاد إذا صار معتادا. (1)

[د: لو استجمر بالنجس بغير الغائط وجب الماء]

د: لو استجمر بالنجس بغير الغائط وجب الماء، و به يكفي الثلاثة غيره. (2)

[المقصد الثاني: في المياه]

المقصد الثاني: في المياه، و فصوله خمسة:

[الأول: في المطلق]

الأول: في المطلق، و المراد به ما يستحق إطلاق اسم الماء عليه من غير قيد و يمتنع سلبه عنه، (3)

______________________________
قوله: (الأقرب جواز الاستنجاء في الخارج من غير المعتاد إذا صار معتادا).

(1) لو قال بدل هذا: الأقرب جريان أحكام الاستنجاء، الى آخره لكان أوضح، إذ ربما يتبادر الى الفهم من الاستنجاء غسل المحل، فربما أوهم أن مقابل الأقرب عدم جوازه، و ليس بفاسد، لأن المراد بالاستنجاء غسل مخصوص يتعلق به حكم طهارة الماء المنفصل، أو مسح مخصوص بالأحجار و نحوها، فإذا لاحظ الذهن هذا المعنى فلا وهم.

و وجه القرب: أنه باعتياده صار مخرجا حقيقيا تتناوله إطلاقات النصوص، فتتعلق به أحكام الاستنجاء، كما تتعلق به أحكام النقض، و يحتمل ضعيفا العدم، لاختصاص الاستنجاء بتخفيف في الأحكام، فيقتصر فيه على موضع اليقين، و ضعفه ظاهر.

قوله: (و به يكفي الثلاثة غيره).

(2) أي: و لو استجمر بالنجس بالغائط يكفي الثلاثة- أي: الأحجار الثلاثة أو ما في حكمها المعلومة مما سبق- غيره، اي: غير ذلك النجس بالغائط، لامتناع اعتبار النجس في التطهير، و وجهه: ان نجاسة الغائط واحدة، فلا يتفاوت الحكم بطريانه على المحل، و إلّا لزم اجتماع الأمثال، و يحتمل تعين الماء لأن الاستجمار رخصة، فيختص بنجاسة المحل.

قوله: (المقصد الثاني: في المياه، و فصوله خمسة: الأول: في المطلق، و المراد به ما يستحق إطلاق اسم الماء عليه من غير قيد و يمتنع سلبه عنه).

(3) هذا بيان لمدلول لفظ الماء المطلق، فهو تعريف لفظي على قانون أهل اللغة،

108
جامع المقاصد في شرح القواعد1

المقصد الثاني: في المياه ؛ ج 1، ص : 108

و هو المطهر من الحدث و الخبث خاصة (1) ما دام على أصل الخلقة، (2) فإن خرج عنها بممازجة طاهر (3) فهو على حكمه و إن تغيّر أحد أوصافه، ما لم يفتقر صدق اسم الماء عليه الى قيد فيصير مضافا،

______________________________
و عرّفه بخاصتي الحقيقة اللتين أحدهما ثبوتية، و الأخرى سلبيّة.

و المراد بقوله (ما يستحق) ثبوت ذلك له عند أهل العرف، و المراد ب‍ (إطلاق اسم الماء عليه): جعله بإزائه بحيث يستفاد منه من غير توقف على قرينة.

و لا يخفى: أن استحقاق إطلاق اسم الماء عليه لا ينافي جواز تقييده مع ذلك، كما يقال: ماء الفرات و ماء البحر، فالاستحقاق ثابت و إن جاز مثل هذا التقييد، بخلاف المضاف، فان تقييده لازم، و لا يستحق الإطلاق المذكور.

و المراد بامتناع سلبه عنه: عدم صحته عند أهل الاستعمال، بحيث يخطّئون من سلب اسم الماء عن المستحق لإطلاقه عليه.

قوله: (و هو المطهر من الحدث و الخبث خاصة).

(1) أكّد بقوله: (خاصة): ما استفيد من الحصر في قوله: (و هو المطهر)، فهي حال مؤكّدة.

و المراد: اختصاصه بالأمرين معا، من بين سائر المائعات، فلا يرد المضاف عند بعض الأصحاب «1» إذ ليس كذلك، و لا التراب، على أن تطهيره غير تام، فإن إناء الولوغ إنما يطهر بالتراب و الماء معا.

و قوله: (ما دام على أصل الخلقة)

(2) ظرف للحصر المذكور، فان (ما) هذه بمعنى: المدّة، أي الاختصاص المذكور ثابت للمطلق في مدة دوامه على أصل خلقته.

قوله: (فان خرج عنه بممازجة طاهر.).

(3) الممازجة: هي المخالطة، و هي انما تتحقق في الشيئين إذا وصل أحدهما إلى الآخر، و اختلط به كالزعفران و غيره من الأصباغ التي تنماع «2» في الماء.

و قد اقتصر المصنّف على بيان حكم الممازج من الطاهر و النجس، فبقي‌

______________________________
(1) كابن بابويه في الهداية: 13.

(2) تنماع: من انماع السمن أي ذاب، انظر القاموس 3: 86 مادة (ميع).

109
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الأول: الجاري ؛ ج 1، ص : 110

و ان خرج بممازجة النجاسة فأقسامه ثلاثة: (1)

[الأول: الجاري]

الأول: الجاري، (2) و انّما ينجس بتغير أحد أوصافه الثلاثة- أعني:

اللون، و الطعم، و الرائحة- التي هي مدار الطهورية، و زوالها- (3)

______________________________
حكم تغير الماء بنحو الجيفة على الشاطئ، و وقوع الأشياء غير الممازجة، مثل الخشب و عظم نجس العين بغير بيان.

اللهم إلّا أن يقال: أراد بالممازج للماء الواقع فيه مطلقا.

و حكم التغير بالجيفة يعلم بأدنى تأمّل للاحكام التي أوردها في هذا البحث.

و اعلم أنه يندرج في قوله: (بممازجة طاهر) ما يقع في الماء بنفسه و ما يطرح فيه، سواء كان مما لا ينفك الماء عنه غالبا كالطحلب و التراب و مطلق ما في مقرّه و ممره كالنورة، أم لا.

قوله: (فأقسامه ثلاثة).

(1) إنما كانت أقسامه ثلاثة نظرا الى اختلاف أحكامه باختلاف هذه الأقسام الثلاثة عند أكثر الأصحاب، فكان انقسامه إليها باعتبار أحكامه.

قوله: (الأول الجاري).

(2) المراد به النابع، لان الجاري لا عن نبع من أقسام الراكد، تعتبر فيه الكرية اتفاقا ممن عدا ابن أبي عقيل رحمه اللَّه «1» بخلاف النابع.

قوله: (التي هي مدار الطهورية و زوالها).

(3) أي: أوصاف الماء الأصلية، التي هو عليها في أصل خلقته.

و المراد بأصل خلقته: الحالة التي يخرج عليها من منبعه إن كان نابعا.

و المراد برائحة الماء: سلامته من رائحة مكتسبة، سواء كان له رائحة في أصله، أم لا.

و اعلم: أن الدوران، هو ترتب الشي‌ء على الشي‌ء الذي له صلوح العلية، و الأول يقال له: الدائر، و الثاني يقال له: المدار، و هو قد يكون مدارا للوجود خاصة كالهبة بالنسبة إلى الملك، و للعدم خاصة كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة، و لهما معا‌

______________________________
(1) حكاه العلامة في المختلف 1: 2.

110
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الأول: الجاري ؛ ج 1، ص : 110

لا- مطلق الصفات كالحرارة بالنجاسة إذا كان كرا فصاعدا، (1) و لو تغيّر بعضه- نجس دون ما قبله و بعده. (2)

______________________________
كالأوصاف الثلاثة الأصلية في الماء بالنسبة إلى الطهورية، فإنها مدار لوجودها، بمعنى أن وجودها يتبعه وجود الطهورية، و لعدمها بمعنى أن عدمها يتبعه عدم الطهورية.

و لما كان عدم المجموع يكفي فيه عدم جزء من أجزائه، كان عدم واحد من الأوصاف يتبعه عدم الطهورية.

و الجار في قوله (بالنجاسة) يتعلق بالمصدر في قوله: (بتغير أحد أوصافه).

و يستفاد من الحصر ب‍ (إنما) أن التغير بالمتنجس لا يقتضي نجاسة الماء إذا كان كثيرا.

و الفعل في قوله: (و إنما ينجس) مفتوح العين و مضمومها، على حدّ يعلم، و يكرم، نص عليه في القاموس «1»، فعين الماضي مضمومة و مكسورة.

قوله: (إذا كان كرا فصاعدا).

(1) أفاد بذلك اشتراط الكرية في الجاري فينجس بالملاقاة لو كان دون الكر عنده، و مستنده عموم اشتراط الكرية، لعدم قبول النجاسة بالملاقاة، و هو ضعيف، مع مخالفته لمذهب الأصحاب، فإنه مما تفرد به المصنف، و ما احتج به من العموم معارض بعموم نفي البأس عن البول في الماء الجاري من غير تقييد «2»، و الترجيح معنا للأصل و الشهرة، و العلية المستفادة من تعلّق الحكم على وصف الجريان.

قوله: (و لو تغيّر بعضه نجس، دون ما قبله، و ما بعده).

(2) لا ريب أن ما قبل المتغير لا ينجس على حال، لكونه نابعا، و على ما اختاره المصنف لا بد من بقاء كرّ غير متغير.

و أما ما بعده، فان لم يستوعب التغير عمود الماء- أي: جميع أجزائه في العرض و العمق- فكذلك، و لا تشترط الكرية لبقاء الاتصال بالنابع، و ان استوعب فلا بد فيه‌

______________________________
(1) القاموس 2: 253.

(2) الكافي 3: 12 حديث 1، التهذيب 1: 43 حديث 120، 121، الاستبصار 1: 13 حديث 21، 22 و ان شئت المزيد فراجع الوسائل 1: 107 باب 5.

111
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الأول: الجاري ؛ ج 1، ص : 110

و ماء المطر حال تقاطره كالجاري، (1) فإن لاقته نجاسة بعد انقطاع تقاطره فكالواقف. (2)

و ماء الحمام كالجاري، ان كانت له مادة هي كر فصاعدا (3) و إلّا فكالواقف.

______________________________
من الكرية، لتحقق الانفصال و إلّا كان نجسا.

و إطلاق عبارة المصنف يتخرج على مذهب الأصحاب، لا على اشتراط الكرية في الجاري، و هكذا صنع في غير ذلك من مسائل الجاري.

قوله: (و ماء المطر حال تقاطره كالجاري).

(1) فلا تشترط فيه الكرية، و لا يعتبر جريانه من ميزاب، لإطلاق الخبر «1»، خلافا للشيخ رحمه اللَّه «2».

و على ما اختاره المصنف من اشتراط الكرية في الجاري يلزمه اشتراطها هنا.

قوله: (كالجاري) مع قوله: (فان لاقته نجاسة بعد انقطاع تقاطره، فكالواقف)

(2) انما يظهر- لاختلاف التشبيه فيه معنى- على مقالة الأصحاب، أما على مقالته فالكل سواء.

قوله: (و ماء الحمام كالجاري، إن كانت له مادة هي كر فصاعدا).

(3) ينبغي أن يراد بماء الحمام ما في حياضه الصغار، مما لا يبلغ الكرّ كما يليق بالمقام، إذ لا يحسن البحث عن ما كان منه كرّا فصاعدا، و كما هو مفروض في غير هذا الكتاب، مع إمكان أن يراد به الأعم، و اشتراط الكرّية في المادة إنما هو مع عدم استواء السطوح بأن تكون المادة أعلى أو أسفل، لكن مع اشتراط القاهرية بفوران و نحوه في هذا القسم، أما مع استواء السطوح فيكفي بلوغ المجموع كرّا، كالغديرين إذا وصل بينهما بساقية، بل أولى لعموم البلوى هنا.

و اعلم أن اشتراط الكرّية في المادة هو أصح القولين للأصحاب «3»، لانفعال‌

______________________________
(1) الكافي 3: 13 حديث 3، الفقيه 1: 7 حديث 4.

(2) انظر المبسوط 1: 6.

(3) منهم الشيخ في النهاية: 5، و العلامة في المنتهى 1: 6.

112
جامع المقاصد في شرح القواعد1

فروع ؛ ج 1، ص : 113

 

[فروع]

فروع:

[أ: لو وافقت النجاسة الجاري في الصفات فالوجه عندي الحكم بنجاسته]

أ: لو وافقت النجاسة الجاري في الصفات فالوجه عندي الحكم بنجاسته، إن كان يتغيّر بمثلها على تقدير المخالفة، و إلّا فلا. (1)

______________________________
ما دون الكرّ بالملاقاة، فلا يدفع النجاسة عن غيره.

و قال أبو القاسم بن سعيد رحمه اللَّه: لا يشترط، لإطلاق الرواية بالمادة عن الباقر عليه السّلام «1» مع عموم البلوى بالحمّام «2».

و جوابه وجوب التقييد بالكرية لعموم اشتراطها ترجيحا للشهرة.

و ينبغي التنبيه بشي‌ء و هو أن المادة لا بد أن تكون أزيد من الكرّ، إذ لو كانت كرا فقط لكان ورود شي‌ء منها على ماء الحمام موجبا لخروجها عن الكرية، فيقبل الانفعال حينئذ.

و معنى قوله: (و الا فكالواقف) أن المادة لو لم تكن كرّا كان ماء الحمّام كالواقف، يتنجس بالملاقاة مع القلة.

و لا يخفى أن اعتبار الكرية في مادة ماء الحمّام إنما هو حيث لا يكون منتزعا من الجاري، لأن الجاري لا ينفعل بالملاقاة و إن كان قليلا- على الأصح- كما سبق.

قوله: (لو وافقت النجاسة الجاري في الصفات فالوجه عندي الحكم بنجاسته، إن كان يتغير بمثلها على تقدير المخالفة، و إلّا فلا).

(1) كان حق العبارة أن يقول: لو وقعت نجاسة مسلوبة الصفات في الجاري و الكثير لأن موافقة النجاسة الماء في الصفات صادق على نحو الماء المتغير بطاهر أحمر إذا وقع فيه دم، فيقتضي ثبوت التردد في تقدير المخالفة.

و ينبغي القطع بوجوب تقدير خلوّ الماء عن ذلك الوصف، لأن التغير هنا- على تقدير حصوله- تحقيقي، غاية ما في الباب انه مستور على الحس، و قد نبه عليه شيخنا‌

______________________________
(1) الكافي 3: 14 حديث 2، التهذيب 1: 378 حديث 1168.

(2) المعتبر 1: 42.

 

113
جامع المقاصد في شرح القواعد1

أ: لو وافقت النجاسة الجاري في الصفات فالوجه عندي الحكم بنجاسته ؛ ج 1، ص : 113

..........

______________________________
في البيان
«1».

و التقييد بالجاري يمكن أن يكون خرّج مخرج التصوير للمسألة، مع أنه في بحثه.

وفقه المبحث: أنه إذا وقعت النجاسة المذكورة في الماء هل يبقى على طهارته مطلقا، أم يجب تقدير النجاسة على أوصاف مخالفة له؟

ثم يستفتي القلب على ذلك التقدير، فان شهد بتغير الماء بها حينئذ حكم بنجاسته، و الّا فهو على أصل الطهارة.

و في المسألة قولان:

الأول منهما: قال به شيخنا في الذكرى «2»، محتجا بأن النص «3» دال على انحصار نجاسة الماء في تغير أحد أوصافه، و التغير حقيقة إنما هو الحسي، و اختيار المصنف هو الثاني، لأن التغير الذي هو مناط النجاسة دائر مع وجود الأوصاف، فإذا فقدت وجب تقديرها، و هو إعادة لمحل النزاع.

و احتج الفاضل ولد المصنف في الشرح بأن الماء مقهور، لأنه كلما لم يصر الماء مقهورا لم يتغير بها على تقدير المخالفة، و ينعكس بعكس النقيض إلى قولنا: كلما تغير على تقدير المخالفة كان مقهورا «4»، و كلية الأولى ممنوعة، فإن صورة النزاع صيرورة الماء مقهورا [لا ينفك عنه] «5» على تقدير المخالفة، فكيف يكون الحكم بعدم التغير التقديري لازما لعدم صيرورة الماء مقهورا لا ينفك عنه.

و يمكن الاحتجاج بأن المضاف المسلوب الأوصاف لو وقع في الماء وجب‌

______________________________
(1) البيان: 44.

(2) الذكرى: 8.

(3) الكافي 3: 4 حديث 3، 6، الفقيه 1: 12 حديث 22، التهذيب 1: 216 حديث 624، 625، الاستبصار 1: 9 حديث 9، 10، و للمزيد راجع الوسائل 1: 102 باب 3 من أبواب الماء المطلق.

(4) إيضاح الفوائد في شرح القواعد 1: 16.

(5) ما بين المعقوفين زيادة من نسخة «ح»

114
جامع المقاصد في شرح القواعد1

ب: لو اتصل الواقف القليل بالجاري لم ينجس بالملاقاة ؛ ج 1، ص : 115

[ب: لو اتصل الواقف القليل بالجاري لم ينجس بالملاقاة]

ب: لو اتصل الواقف القليل بالجاري لم ينجس بالملاقاة، (1) و لو تغيّر بعضه بها اختص المتغيّر بالتنجيس.

[ج: الجريات المارّة على النجاسة الواقفة طاهرة]

ج: الجريات المارّة على النجاسة الواقفة طاهرة و إن قلّت عن الكر مع التواصل. (2)

______________________________
اعتباره، إما بقلة الاجزاء و كثرتها، أو بتقديره مخالفا في الأوصاف، على اختلاف القولين، و إذا وجب الاعتبار في الجملة للمضاف، فللنجاسة أولى، و لأن عدم وجوب التقدير يفضي إلى جواز الاستعمال، و إن زادت النجاسة على الماء أضعافا، و هو كالمعلوم البطلان، فوجب تقدير الأوصاف، لأنها مناط التنجيس و عدمه.

و هذا القول أرجح و أقرب إلى الاحتياط.

فعلى هذا يمكن أن تقدر المخالفة على وجه أشد، كحدّة الخل، و ذكاء المسك، و سواد الحبر، لمناسبة النجاسة تغليظ الحكم.

و الظاهر اعتبار الوسط، اعتبارا للأغلب، لرجحانه.

و هل تعتبر أوصاف الماء وسطا، نظرا إلى شدة اختلافها كالعذوبة و الملوحة، و الرقة و الغلظة، و الصفاء و الكدورة؟ فيه احتمال، و لا يبعد اعتبارها، لأن له أثرا بينا في قبول التغير و عدمه.

قوله: (لو اتصل الواقف القليل بالجاري لم ينجس بالملاقاة).

(1) يشترط في هذا الحكم علو الجاري، أو مساواة السطوح، أو فوران الجاري من تحت القليل إذا كان الجاري أسفل، لانتفاء ثبوته بدون ذلك.

قوله: (الجريات المارة على النجاسة الواقفة طاهرة و إن قلت عن الكر مع التواصل).

(2) الجرية: هي الدفعة من الماء الجاري بين حافتي النهر عند جريانه على سطح منحدر.

و قد ذهب بعض العامة الى أن الجريات الحاصلة في الماء عند جريانه متفاصلة معنى، و إن تواصلت حسّا، فلكل جرية حكم نفسها، فيعتبر فيها الكثرة، و الّا‌

115
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الثاني: الواقف غير البئر ؛ ج 1، ص : 116

[الثاني: الواقف غير البئر]

الثاني: الواقف غير البئر ان كان كرا فصاعدا مائعا على اشكال (1) هو ألف و مائتا رطل بالعراقي، (2) أو ثلاثة أشبار و نصف طولا في عرض في عمق (3) لا ينجس بملاقاة النجاسة، بل بتغيّره بها في أحد أوصافه.

______________________________
تنجست عند ملاقاة النجاسة لها، فلو مرت الجريات على نجاسة واقعة في النهر، و كانت كل واحدة منها لا تبلغ الكثرة تنجست جميعها
«1».

و لمّا كان هذا من الأوهام الفاسدة التي لا يدل عليها دليل، نبّه المصنف على الحكم مع الرد على المخالف.

قوله: (مائعا على إشكال).

(1) الإشكال في اشتراط المائعية، و منشؤه: من أن الجمود لا يخرج الماء عن حقيقته، و من أنه بجموده خرج عن صدق اسم الماء عليه، و الأحكام دائرة مع الأسماء لوجوب اعتبار الدلالة الوضعية، و لأن الجمود أخرجه عن شيوع الأجزاء، فلا يتقوى بعضها ببعض و لا يسري الحكم من بعضها الى بعض، بل يختص موضع ملاقاة النجاسة بالتنجيس، و الأصح اعتبار المائعية.

قوله: (هو ألف و مائتا رطل بالعراقي).

(2) للأصحاب قولان: في أن الأرطال عراقية- كل رطل منها أحد و تسعون مثقالا «2»- أم مدنية- كل رطل منها رطل و نصف بالعراقي «3»- و المشهور بين الأصحاب الأول، و عليه الفتوى.

قوله: (أو ثلاثة أشبار و نصف طولا في عرض في عمق).

(3) أراد ب‍ (في) ضرب الحساب ليكون الحكم دائرا مع هذا المقدار، و إن تغيرت هذه الصورة، فيكون مجموع تكسيرها اثنين و أربعين و سبعة أثمان شبر.

و قال القطب الراوندي رحمه اللَّه: إنه إذا بلغ مجموع الأبعاد الثلاثة للماء عشرة‌

______________________________
(1) قاله الشافعي في الأم 1: 4.

(2) ذهب اليه جمع منهم: المفيد في المقنعة: 8 و فيه (بالبغدادي)، و الشيخ في المبسوط 1: 6، و ابن البراج في المهذب 1: 21، و الشهيد في البيان: 44، و اللمعة: 15.

(3) ذهب اليه جمع منهم: الصدوق في الفقيه 1: 6 حديث 2 و أطلق في المقنع: 10، و المرتضى في الناصريات (ضمن الجوامع الفقهية): 214.

116
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الثاني: الواقف غير البئر ؛ ج 1، ص : 116

و ان نقص عنه نجس بالملاقاة لها و ان بقيت أوصافه، سواء قلّت النجاسة كرؤوس الابر من الدم أو كثرت، (1) و سواء كان ماء غدير، أو آنية، أو حوض، أو غيرها. (2)

و الحوالة في الأشبار على المعتاد، (3) و التقدير تحقيق لا تقريب. (4)

______________________________
أشبار و نصفا كان كرا، سواء كان تكسيره يبلغ ذلك أم لا.

قوله: (سواء قلّت النجاسة كرؤوس الابر من الدم أو كثرت).

(1) خالف الشيخ رحمه اللَّه في الحكم الأول فقال: ان القليل من الدم جدّا بحيث لا يدركه الطرف- أي لا يكاد يدركه لقلته، و مثل له المصنف برءوس الابر، و الأمر قريب- لا ينجس الماء القليل «1» تعويلا على رواية «2» لا دلالة فيها على ذلك، و الأصح ما في الكتاب.

قوله: (و سواء كان ماء غدير أو آنية أو حوض أو غيرها).

(2) خالف المفيد «3» و سلار «4» رحمهما اللَّه في ماء الآنية و الحوض، فحكما فيه بالنجاسة و إن كان كثيرا، و ضعفه بيّن.

قوله: (و الحوالة في الأشبار على المعتاد).

(3) المراد بالمعتاد: الموجود مثله غالبا، و هو الذي يراد بمستوي الخلقة.

قوله: (و التقدير تحقيق لا تقريب).

(4) يظهر من كلام ابن الجنيد: أن الكرّ ما بلغ تكسيره نحوا من مائة شبر «5» أن التقدير تقريب، لأن نحو الشي‌ء ما شابهه و كان قريبا منه، فلو نقص شيئا يسيرا لم يقدح، و هو مذهب الشافعي «6» من العامة.

______________________________
(1) المبسوط 1: 7.

(2) الكافي 3: 74 حديث 16، التهذيب 1: 412 حديث 1299، الاستبصار 1: 23 حديث 57.

(3) المقنعة: 9.

(4) المراسم: 36.

(5) نقله العلامة في المختلف: 3.

(6) المجموع 1: 123، و كفاية الأخيار 1: 8.

117
جامع المقاصد في شرح القواعد1

فروع ؛ ج 1، ص : 118

 

[فروع]

فروع:

[أ: لو تغير بعض الزائد على الكر]

أ: لو تغير بعض الزائد على الكر، (1) فان كان الباقي كرا فصاعدا اختص المتغير بالتنجيس، و إلّا عمّ الجميع.

______________________________
و الأصح: أنه تحقيق، فلا يغتفر نقصان شي‌ء و إلّا لم يكن الحدّ حدا.

و هنا سؤالان: أحدهما: انّ أحد الحدين للكرّ مرجعه إلى الأشبار، و هي متفاوتة، حتى أنه قلّ أن يكون شبر شخص مطابقا لشبر آخر، و مع التفاوت كيف يكون تحقيقا!!؟.

الثاني: ان مقدار كل من تحديدي الكر لا ينطبق على الآخر و لا يساويه، على أنه قد قيل: بأن الكر ما كان كل واحد من أبعاده الثلاثة ثلاثة أشبار، و هو قول القميين «1»، و اختاره المصنف في المختلف «2»، و حينئذ فتظهر شدة التفاوت، و كيف يحدّ مقدار واحد بحدين مختلفين، و قد كان اللازم الحكم للأقل بكونه الحد المعتبر دون الآخر؟!.

و الجواب عن الأول: أنه ليس المراد من التقدير التحقيقي عدم التفاوت أصلا، فإن الموازين تتفاوت فكيف الأشبار؟ بل المراد عدم جواز نقصان شي‌ء مما جعل حدا بعد تعيينه في قدر مخصوص، و على التقريب يجوز.

و عن الثاني: أن الظاهر أن اختلاف الحدين لاختلاف المياه في الوزن باعتبار الرقّة و الصفاء و مقابلهما، فربما بلغ مقدار من ماء مخصوص الكرية بأحدهما دون الآخر، و ينعكس ذلك في ماء آخر مع فرض الاستواء، فالحدّ الحقيقي هو الأقل، و الزائد منزل على الاستحباب.

قوله: (لو تغير بعض الزائد على الكر.).

(1) المراد بعض المجموع الزائد على الكرّ، لا بعض ما به الزيادة، و إلا لم ينتظم معه‌

قوله: (فإن كان الباقي كرّا فصاعدا.). «3»

______________________________
(1) الفقيه 1: 6.

(2) المختلف: 4.

(3) هكذا ورد هذا القول من دون شرح.

 

118
جامع المقاصد في شرح القواعد1

ب: لو اغترف ماء من الكر المتصل بالنجاسة المتميزة ؛ ج 1، ص : 119

[ب: لو اغترف ماء من الكر المتصل بالنجاسة المتميّزة]

ب: لو اغترف ماء من الكر المتصل بالنجاسة المتميّزة، كان المأخوذ طاهرا و الباقي نجسا، و لو لم يتميز كان الباقي طاهرا أيضا. (1)

[ج: لو وجد نجاسة في الكر]

ج: لو وجد نجاسة في الكر، و شكّ في وقوعها قبل بلوغ الكرّية أو بعدها فهو طاهر، (2)

______________________________
قوله: (لو اغترف ماء من الكر المتصل بالنجاسة المتميزة كان المأخوذ طاهرا و الباقي نجسا، [و لو لم يتميز كان الباقي طاهرا أيضا]) «1».

(1) المراد ب‍ (المتميزة:) ما لم تكن مستهلكة، لتشمل الجامدة و المائعة، فتكون غير المتميزة- في الحكم الثاني- هي المستهلكة.

و يجب أن يكون الاغتراف بآلة على وجه يكون الماء مستوليا عليها، فلو كان الماء يدخلها شيئا فشيئا فالجميع نجس، لنقصان الكر بأول دخول شي‌ء منه في آلة الاغتراف.

و لو اغترف النجاسة انعكس الحكم: فيكون المأخوذ و باطن الإناء نجسا، و الباقي و ظاهر الإناء طاهرا.

قوله: (لو وجد نجاسة في الكر، و شكّ في وقوعها قبل بلوغ الكرية أو بعدها فهو طاهر).

(2) لا ريب أن النجاسة سبب في تنجيس ما تلاقيه مع اجتماع جميع المعدّات لقبول التنجيس، و كذا لا ريب أنّ بلوغ الماء حدّ الكرية سبب لزوال التنجيس، و لمنع قبوله مع انتفاء المانع من ذلك، فإذا وجدت النجاسة و بلوغ حدّ الكرية في ماء، و لم يعلم السابق و اللاحق، كان محكوما بطهارته، لأن المقتضي للطهارة هنا موجود- و هو بلوغ الكرية- و المانع هنا- و هو سبق النجاسة لا غيره- مشكوك فيه، فينتفي بالأصل، فيعمل المقتضي عمله.

و أما المقتضي للتنجيس- و هو النجاسة- فإن تأثيره مشروط بعدم الكرية، و لا يكون ذلك إلّا مع السبق، و هو غير معلوم، فينتفي بالأصل.

______________________________
(1) ما بين المعقوفين زيادة من نسخة «ح».

119
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الثالث: ماء البئر ؛ ج 1، ص : 120

و لو شكّ في بلوغ الكريّة فهو نجس. (1)

[الثالث: ماء البئر]

الثالث: ماء البئر ان غيّرت النجاسة (2) أحد أوصافه نجست إجماعا، و ان لاقته من غير تغيير فقولان، أقربهما البقاء على الطهارة. (3)

______________________________
قوله: (و لو شك في بلوغ الكرية فهو نجس).

(1) لأن المقتضي للتنجيس موجود، و المانع مشكوك فيه، فينتفي بالأصل- كما سبق- لكن الحكم بالنجاسة هنا مطلقا مشكل، لوجوب اعتبار هذا الماء إذا تعين للاستعمال، لأنه إذا توقف تحصيل الماء الطاهر على الاعتبار وجب الاعتبار، و لم يجز التيمم و لا الصلاة بالنجاسة من دونه، فيمكن حمل ذلك على ما إذا تعذّر اعتباره بوقوع ماء آخر فيه حصل به الجهل، بقدر ذلك الماء حين وصول النجاسة إليه، و نحو ذلك.

قوله: (ماء البئر إن غيرت النجاسة.).

(2) عرّف شيخنا الشهيد في شرح الإرشاد البئر بأنها: مجمع ماء نابع من الأرض لا يتعدّاها غالبا، و لا يخرج عن مسمّاها عرفا «1».

و القيد الأخير موجب لإجمال التعريف، لأن العرف الواقع لا يظهر أيّ عرف هو، أعرف زمانه صلّى اللَّه عليه و آله، أم عرف غيره؟ و على الثاني، فيراد العرف العام، أم الأعم منه و من الخاص؟

مع أنه يشكل إرادة عرف غيره صلّى اللَّه عليه و آله، و الّا لزم تغير الحكم بتغيير التسمية، فيثبت في العين حكم البئر لو سمّيت باسمه، و بطلانه ظاهر.

و الذي يقتضيه النظر: أنّ ما ثبت إطلاق اسم البئر عليه في زمنه صلّى اللَّه عليه و آله، أو زمن أحد الأئمة المعصومين صلوات اللَّه عليهم، كالتي في العراق و الحجاز، فثبوت الأحكام له واضح، و ما وقع فيه الشك فالأصل عدم تعلق أحكام البئر به، و إن كان العمل بالاحتياط أولى.

قوله: (و إن لاقته من غير تغيير فقولان: أقربهما البقاء على الطهارة).

(3) إذا لم تغير النجاسة ماء البئر للأصحاب في المسألة أقوال، و قول المصنف:

إن فيها قولين تسامع، لأن البقاء على الطهارة قول، و مقابله كأنّه قول آخر، و حاصل‌

______________________________
(1) غاية المراد في شرح الإرشاد: 7.

120
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الثالث: ماء البئر ؛ ج 1، ص : 120

..........

______________________________
الخلاف يرجع الى أربعة أقوال:

الأول: الحكم بالنجاسة بالملاقاة مطلقا، و اليه ذهب أكثر الأصحاب «1».

و الثاني: الحكم ببقاء الطهارة و النزح مستحب، و إليه ذهب المصنف و جماعة «2».

الثالث: القول بعدم النجاسة مع وجوب النزح تعبدا، و هو قول الشيخ في التهذيب «3».

الرابع: القول بعدم النجاسة إن كان ماؤها كرّا و إلّا تنجس «4».

و هذان القولان نادران، و أما الأولان فالأخبار في الدلالة عليهما مختلفة «5»، و لا يكاد يوجد خبر واحد من الأخبار الدالة على النجاسة سليما عن الطعن، و أخبار الطهارة «6»- مع سلامتها عن ذلك- أقوى دلالة و متأيّدة بالأصل، و بدلائل أخرى:

منها: ما ذكره المصنف في المنتهى: لو نجست البئر بالملاقاة لما طهرت، و التالي ظاهر البطلان «7».

بيان الملازمة: أن الدلو و الرّشا «8» و جوانب البئر تتنجس بملاقاة الماء النجس، و نجاستها مانعة من حصول الطهارة في الماء بالنزح لدوام ملاقاتها، و كذا المتساقط من الدلو حال النزح خصوصا الدلو الأخير، و ليس ارتكاب الحكم بطهارتها، بعد‌

______________________________
(1) من القائلين به: المفيد في المقنعة: 9، و المرتضى في الانتصار: 11، و أبو الصلاح في الكافي في الفقه: 130، و عبارته غير صريحة، و الشيخ في المبسوط 1: 9، و الشهيد في البيان: 45، و اللمعة 1: 34- 35: 15.

(2) منهم: الفاضل في إيضاح الفوائد 1: 17 و نقله عن ابن عقيل و الشيخ.

(3) اضطرب النقل عن الشيخ في هذه المسألة فقد نسب اليه ذلك تارة و تارة عكسه كما هو الظاهر، انظر:

التهذيب 1: 232 و 409، و الاستبصار 1: 32، و مفتاح الكرامة 1: 79- 80، و المدارك: 14.

(4) حكاه السيد في المدارك: 16، عن أبي الحسن محمد بن محمد البصري من المتقدمين.

(5) الكافي 3: 5 حديث 1، التهذيب 1: 237، 244 حديث 686، 705، الاستبصار 1: 37، 44 حديث 101، 124.

(6) قرب الاسناد: 84، التهذيب 1: 234، 246 حديث 676، 709، الاستبصار 1: 42 حديث 118.

(7) المنتهى 1: 10.

(8) الرّشاء: الحبل الذي يوصل به الى الماء. لسان العرب 14: 322 (رشا).

121
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في المضاف و الأسآر ؛ ج 1، ص : 122

[الفصل الثاني: في المضاف و الأسآر]

الفصل الثاني: في المضاف و الأسآر (1) المضاف: هو ما لا يصدق إطلاق اسم الماء عليه، و يمكن سلبه عنه (2) كالمعتصر من الأجسام،

______________________________
استيفاء ما يجب نزحه بأولى من القول بعدم النجاسة بالملاقاة.

و منها: أنه لو تنجست البئر بالملاقاة لكان وقوع الكر من الماء المصاحب للنجاسة فيها موجبا لنجاسة جميع الماء، و التالي ظاهر البطلان، لأنّ الملاقي للنجاسة إذا لم يتغير بها- قبل وقوعه- محكوم بطهارته، فتمتنع نجاسته بغير منجس، و للاستصحاب.

بيان الملازمة: ان نجاسة ماء البئر بملاقاة النجاسة يقتضي نجاسة الماء الواقع، لاستحالة أن يكون بعض الماء الواحد طاهرا و بعضه نجسا، مع عدم التغيّر.

و منها: العمومات الدالة على عدم انفعال الماء إلّا مع تغيره بالنجاسة، إلّا ما أخرجه دليل، فالأصح حينئذ القول بعدم التنجيس.

قوله: (الفصل الثاني: في المضاف و الأسآر).

(1) السؤر لغة: هو ما فضل من شرب الحيوان «1»، و يراد به هنا: ما باشره جسم حيوان مع قلّته، فان البحث عنه من جهة طهارته و نجاسته و كراهته، و ذلك لا اختصاص له بالشرب.

قوله: (المضاف: هو ما لا يصدق إطلاق اسم الماء عليه، و يمكن سلبه عنه).

(2) المراد بعدم الصدق، و بإمكان السلب، أي: جوازه عند أهل العرف- كما تقدم في بيان مدلول المطلق- و لمّا كان المضاف مقابلا للمطلق كانت خاصّتاه مقابلتين لخاصّتي المطلق، و إذ قد بيّنا- في ما سبق- أن التعريف لفظي لم يكن عموم تعريف المضاف المستفاد من قوله: (ما لا يصدق) قادحا في صحة التعريف، لأن التعريف اللفظي يطلب به بيان موضوع اللفظ فيكفي فيه الإتيان بلفظ آخر هو أشهر استعمالا‌

______________________________
(1) انظر لسان العرب 4: 340 (سأر).

122
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في المضاف و الأسآر ؛ ج 1، ص : 122

و الممتزج بها مزجا يخرجه عن الإطلاق، فهو طاهر غير مطهّر لا من الحدث و لا من الخبث، (1) فان وقعت فيه نجاسة فهو نجس قليلا كان أو كثيرا. فان مزج طاهرة بالمطلق، فإن بقي الإطلاق فهو مطلق (2) و إلّا فمضاف.

______________________________
في ذلك، أو أوضح دلالة مثل الحنطة برّ، و العشرق نبت
«1».

قوله: (و هو طاهر غير مطهّر لا من الحدث و لا من الخبث).

(1) يمكن أن تكون إعادة (لا) مع العطف في قوله: (و لا من الخبث) للاعتناء بالرد على المخالف في ذلك، فان كلّا من الأمرين قد وقع الخلاف فيه، فقال ابن بابويه بتطهيره من الحدث «2» تعويلا على رواية شاذة «3».

و قال المرتضى بتطهيره من الخبث، لصدق اسم المأمور به على إزالة النجاسة، «4» و هما ضعيفان، و ما ادعاه من الصدق ممنوع.

و قد استدلوا على انحصار الطهورية في المطلق بقوله تعالى (وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً) «5».

أما من حيث أن ذلك وقع في معرض الامتنان، فلو لا الانحصار المذكور، لكان المناسب للغرض الامتنان بالأعم، و لأن رفع الحدث و زوال الخبث حكم شرعي، فيتوقف على ورود الشرع به، و لم يرد ثبوت ذلك للمضاف، فلا يكون استدلالا بمفهوم اللقب الضعيف.

قوله: (فان مزج طاهرة بالمطلق، فإن بقي الإطلاق فهو مطلق).

(2) أي: فان بقي الإطلاق في المطلق، إذ بالمزج يحدث الإطلاق في المجموع على ذلك التقدير، فلا ينتظم بقاء الإطلاق فيه بالمزج، إلّا أن يراد بالبقاء الحصول، و الضمير في قوله: (فهو مطلق) ينبغي على الأول أن يعود الى المجموع، و إن كان خلاف المتبادر من سوق الكلام، إذ لو أعيد إلى المطلق لصار هكذا فالمطلق مطلق،

______________________________
(1) انظر: لسان العرب 10: 252 (عشرق).

(2) الهداية: 13، الفقيه 1: 6.

(3) الكافي 3: 73 حديث 12، التهذيب 1: 218 حديث 627، الاستبصار 1: 14 حديث 27.

(4) اختلف الفقهاء في اسناد هذا القول الى السيد، راجع مفتاح الكرامة 1: 59.

(5) الفرقان: 48.

123
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في المضاف و الأسآر ؛ ج 1، ص : 122

و سؤر كل حيوان طاهر طاهر، و سؤر النجس- و هو الكلب و الخنزير و الكافر- (1) نجس.

و يكره سؤر الجلّال، و آكل الجيف مع طهارة الفم، و الحائض المتهمة، (2) و الدجاج، و البغال، و الحمير، (3) و الفأرة، و الحيّة، (4)

______________________________
و هو تكرار عريّ عن الفائدة إلّا أن يراد بالمطلق الثاني لازمه مجازا، فيكون تقديره: فإن بقي الإطلاق فيه فهو مطهّر.

و لو جعل الضمير للمجموع، أمكن أن يستفاد منه الرد على بعض العامة الذي يقول: إذا استهلك المطلق المضاف، وجب أن يبقى منه قدر المضاف، فلا يتطهر به «1»، و فساده ظاهر، لأن الحكم تابع للإطلاق و قد تحقق.

قوله: (و هو الكلب و الخنزير و الكافر).

(1) يمكن أن يقال: المتولد من الكلب و الخنزير، إذا لم يغلب عليه اسم واحد منهما، لاستواء الشبهين وارد على عبارته لأنه نجس.

قوله: (و الحائض المتهمة).

(2) أي: بعدم التحفظ من النجاسة و المبالاة بها- على الأصح- جمعا بين رواية النهي عن الوضوء بفضلها «2»، و نفي البأس إذا كانت مأمونة «3»، و تعدية الحكم إلى كل متهم تصرف في النص.

قوله: (و البغال و الحمير).

(3) و كذا الدواب- على الأصح- لكراهة لحمها، و المراد بالحمير الأهلية، إذ الوحشية لا كراهة فيها.

قوله: (و الفأرة و الحيّة).

(4) للنهي عن سؤرهما «4»، و ربما قيل بالمنع منه «5».

______________________________
(1) المجموع 1: 99، و الوجيز 1: 6.

(2) الكافي 3: 11 حديث 4.

(3) التهذيب 1: 221 حديث 632، الاستبصار 1: 16 حديث 30.

(4) الكافي 3: 73 حديث 15، التهذيب 1: 413 حديث 1302، الاستبصار 1: 25 حديث 62، 63، و للمزيد راجع الوسائل 1: 171 باب 9.

(5) قاله الشيخ في النهاية: 6.

124
جامع المقاصد في شرح القواعد1

فروع ؛ ج 1، ص : 125

 

و ولد الزنا. (1)

[فروع]

فروع:

[أ: لو نجس المضاف]

أ: لو نجس المضاف، ثم امتزج بالمطلق الكثير، فغيّر أحد أوصافه، فالمطلق على طهارته. فان سلبه الإطلاق خرج عن كونه مطهرا لا طاهرا. (2)

______________________________
قوله: (و ولد الزنا).

(1) على الأصح، و قيل بالمنع للحكم بعدم إسلامه، و هو ضعيف.

قوله: (لو نجس المضاف، ثم امتزج بالمطلق الكثير، فغيّر أحد أوصافه، فالمطلق على طهارته، فان سلبه الإطلاق خرج عن كونه مطهرا لا طاهرا).

(2) الحكم الأول واضح، و إن خالف فيه الشيخ «1» إلحاقا للتغير بالمتنجس بالتغير بالنجاسة «2»، و هو ضعيف.

و أما الثاني:- أعني الحكم بطهارة المضاف النجس، مع بقاء الإضافة باختلاطه بالكثير الطاهر- فهو مختار المصنف في هذا الكتاب و في غيره «3»، و هو مشكل، لأن طهارة النجس متوقفة على شيوع الماء الطاهر في جميع أجزائه و اختلاطها به، و ذلك غير معلوم، على أنه بالشيوع تنفصل أجزاء المطلق بعضها عن بعض، فيزول وصف الكثرة، فيتنجس بالملاقاة، و الأصح الخروج عن الطهارة أيضا.

و ينبغي أن يعلم، أن موضع النزاع ما إذا أخذ المضاف النجس و ألقي في المطلق الكثير، فسلبه الإطلاق، فلو انعكس الفرض وجب الحكم بعدم الطهارة جزما، لأن موضع المضاف النجس نجس لا محالة، فيبقى على نجاسته، لأن المضاف لا يطهره، و المطلق لم يصل اليه، فيتنجس المضاف به على تقدير طهارته.

______________________________
(1) المبسوط 1: 5.

(2) في نسخة «ح»: للتغير بالنجاسة بالتغير بالمتنجس.

(3) التذكرة 1: 4.

 

125
جامع المقاصد في شرح القواعد1

ب: لو لم يكفه المطلق للطهارة ؛ ج 1، ص : 126

[ب: لو لم يكفه المطلق للطهارة]

ب: لو لم يكفه المطلق للطهارة، فتمم بالمضاف الطاهر و بقي الاسم، صحّ الوضوء به، و الأقرب وجوب التيمم. (1)

[ج: لو تغيّر المطلق بطول لبثه]

ج: لو تغيّر المطلق بطول لبثه، لم يخرج عن الطهورية ما لم يسلبه التغير الإطلاق.

______________________________
قوله: (لو لم يكفه المطلق للطهارة، فتمم بالمضاف الطاهر و بقي الاسم، صح الوضوء به، و الأقرب وجوب التيمم).

(1) الذي يظهر من عبارة المختلف «1» أن خلاف الشيخ رحمه اللَّه «2» في وجوب التيمم خاصة، و كأن وجوب الوضوء بعده لا نزاع فيه، و كذا يدل آخر كلام الشارح- ولد المصنف «3»- و يظهر من أوله: أن الشيخ يقول بصحة الوضوء بعد التيمم و لا يوجبه.

و الذي يفهم من كلام الشيخ و المصنف- و المناسب لصحيح النظر- هو الأول، إذ بعد المزج و صدق الإطلاق و صحة الوضوء لا يكاد يتردد أحد في وجوبه، إنما الكلام في وجوب المزج.

و وجه ما قربه المصنف: أن الطهارة واجب مطلق فيجب تحصيل شرطها، و لا يتم إلا بالمزج، و ما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب.

و ألزم المصنف الشيخ بتنافي قوله بصحة الطهارة و عدم وجوب المزج، لأن الماء المطلق إن تحقق وجوده بالمزج، صح الوضوء به و وجوب المزج، و إلّا وجب الحكم بعدم صحة الوضوء «4».

و دفعه الشارح بأن الطهارة واجب مشروط بوجود الماء و التمكن منه، فلا يجب إيجاده، لأن شرط الواجب المشروط غير واجب.

و جوابه: أنه إن أراد بإيجاد الماء ما لا يدخل تحت قدرة المكلف، فاشتراط الأمر‌

______________________________
(1) المختلف: 14.

(2) المبسوط 1: 9- 10.

(3) إيضاح الفوائد 1: 18.

(4) نقل هذا التضاد في كلام الشيخ ولد المصنف في إيضاح الفوائد 1: 18، و السيد العاملي في مفتاح الكرامة 1: 87.

126
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في المستعمل ؛ ج 1، ص : 127

[الفصل الثالث: في المستعمل]

الفصل الثالث: في المستعمل.

أمّا ماء الوضوء فإنه طاهر مطهّر، و كذا فضلته و فضلة الغسل. (1)

و أمّا ماء الغسل من الحدث الأكبر، فإنه طاهر إجماعا، و مطهر على الأصح. (2)

______________________________
بالطهارة به حق و لا يضرنا، و إن أريد به الأعم فليس بجيد، إذ لا دليل يدل على ذلك، و الإيجاد المتنازع فيه معلوم كونه مقدورا للمكلف، و الأمر بالطهارة خال من الاشتراط، فلا يجوز تقييده إلا بدليل.

و الأصح مختار المصنف، و أراد بوجوب التيمم الحتم، إن لم يجد ماء آخر، و إلّا وجب تخييرا.

قوله: (الفصل الثالث: في المستعمل: أما ماء الوضوء فإنه طاهر مطهِّر، و كذا فضلته و فضلة الغسل).

(1) لا خلاف عندنا في أن ماء الوضوء على حكمه قبل الاستعمال، من أنه طاهر مطهر، و قد خالف في الأمرين بعض العامة «1».

قوله: (و أما ماء الغسل من الحدث الأكبر فإنه طاهر إجماعا، و مطهر على الأصح).

(2) يلوح من العبارة، أن الخلاف في رفع الحدث به ثانيا، و إزالة الخبث حيث جعل مناطه كونه مطهرا و أطلق، و الشارح نقل الإجماع على جواز إزالته الخبث به «2»، و حكى شيخنا في الذكرى في ذلك خلافا «3» و لعله الصواب، و القائل: بأنه غير مطهر الشيخان «4» و جماعة «5»، استنادا إلى أخبار ضعيفة «6»، و الأصح مختار المصنف.

______________________________
(1) المغني لابن قدامة 1: 47، المجموع 1: 151.

(2) إيضاح الفوائد 1: 19.

(3) الذكرى: 9.

(4) المفيد في المقنعة: 9، و الطوسي في المبسوط 1: 11، و الخلاف 1: 25 مسألة 126 كتاب الطهارة.

(5) منهم: ابن بابويه في الفقيه 1: 10، و المحقق الحلي في الشرائع 1: 16.

(6) التهذيب 1: 221 حديث 630، المعتبر 1: 86 و راجع الوسائل 1: 153 باب 9 من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

127
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في المستعمل ؛ ج 1، ص : 127

و المستعمل في غسل- النجاسة نجس و ان لم يتغير بالنجاسة، (1)

______________________________
و يستفاد من ظاهر قول المصنف: (أما ماء الغسل من الحدث الأكبر) أن الخلاف غير مختص بالغسل من الجنابة، كما صرح به في المختلف
«1».

و اعلم: أن المراد بماء الوضوء و الغسل الماء القليل المنفصل عن أعضاء الطهارة، إذ الكثير لا يتصور فيه الاستعمال، و المتردد على الأعضاء لا يمكن الحكم باستعماله، و إلّا لامتنع فعل الطهارة.

قوله: (و المستعمل في غسل النجاسة نجس و إن لم يتغير بالنجاسة).

(1) هذا هو القول الأشهر بين متأخري الأصحاب، و الأشهر بين المتقدمين أنه غير رافع، كالمستعمل في الكبرى.

و قال المرتضى «2» و ابن إدريس- «3» و قواه في المبسوط «4»،- بعدم نجاسته إذا لم يتغير، و إلا لم يطهر المحل، لأنه إذا تنجس لوروده لم يفد المحل طهارة.

و التزم المصنف بعدم نجاسته حين الورود، بل بعد الانفصال، و فيه اعتراف بالعجز عن دفع ما استدل به من مكان قريب، فإن القول بنجاسة القليل الملاقي للنجاسة- بعد مفارقتها- لا يعقل وجهه.

و قال الشيخ في الخلاف بطهارة ماء الغسل الأخير «5»، و الظاهر أن موضع الخلاف ماء الغسل المعتبر في التطهير، دون ما سواه.

و حكى بعضهم عن المصنف و شيخه ابن سعيد «6»، القول بنجاسة الغسالة مطلقا، و ان زاد الغسل على العدد المعتبر، و لعله فهمه من قوله آخرا: (و المتخلف في الثوب بعد عصره.)، و لا دلالة فيه، لأن هذا حكم الماء الوارد على المحل‌

______________________________
(1) المختلف: 12.

(2) جمل العلم و العمل: 49.

(3) السرائر: 7.

(4) المبسوط 1: 11.

(5) الخلاف 1: 26 مسألة 135 كتاب الطهارة.

(6) المصنف في تحرير الأحكام 1: 5، مختلف الشيعة 1: 13، تذكرة الفقهاء 1: 5، و الظاهر انه أراد بابن سعيد المحقق الحلّي كما يتضح- من شرائع الإسلام 1: 55.

128
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في المستعمل ؛ ج 1، ص : 127

عدا ماء الاستنجاء، فإنه طاهر مطهّر ما لم يتغير بالنجاسة، أو يقع على نجاسة خارجة، (1) و المستعمل في الأغسال المندوبة مطهر إجماعا.

______________________________
النجس، و بعد الغسل المعتبر يحكم بالطهارة، فلا مقتضي لانفعال الماء، و العمل على المشهور بين المتأخرين وقوفا مع الشهرة و الاحتياط، فعلى هذا يكون ماء الغسلة كمغسولها قبلها.

قوله: (عدا ماء الاستنجاء فإنه طاهر مطهّر، ما لم يتغير بالنجاسة، أو يقع على نجاسة خارجة).

(1) استثنى الأصحاب من غسالة النجاسة ماء الاستنجاء من الحدثين، فاتفقوا على عدم تنجسه، و حكم الصادق عليه السلام- بعدم نجاسة الثوب الملاقي له «1»- يدل على ذلك، و لا فرق بين المخرجين و لا بين المتعدي و غيره، إلا أن يتفاحش التعدي، و لا بين الطبيعي و غيره إذا صار معتادا لإطلاق الحكم.

لكن يشترط لطهارته أمور دلت على اشتراطها دلائل أخرى، أن لا يتغير بالنجاسة، و لا يقع على نجاسة خارجة، مماثلة كانت أو لا، و قد ذكرهما المصنف، و اشتراطهما ظاهر. و يشترط أيضا- زيادة على ما ذكره- أن لا تنفصل مع الماء أجزاء من النجاسة متميّزة، لأنها كالنجاسة الخارجة، يتنجس الماء بها بعد مفارقة المحل، و أن لا تخالط نجاسة الحدثين بنجاسة أخرى.

و لا يعتد بما يقال من اشتراط سبق الماء اليد إلى المحل، أو مقارنتها له، لأن اليد تتنجس على كل حال، و لا أثر للتقدم و التأخر في ذلك.

نعم، ثبوت العفو مخصوص بما إذا كانت نجاستها لكونها آلة للغسل، فلو تنجست لا لذلك ثم حصل الاستنجاء فلا عفو.

و هل يعتبر عدم زيادة الوزن؟ فيه وجهان: أظهرهما العدم، لأن التنجيس لتغير شي‌ء من الأوصاف الثلاثة، لا مطلقا.

و اعلم أن قول المصنف: (فإنه طاهر)، مقتضاه أنه كغيره من المياه الطاهرة في‌

______________________________
(1) الكافي 3: 13 حديث 5، الفقيه 1: 41 حديث 162، التهذيب 1: 85، 86 حديث 223، 227، 228، و للاستزادة راجع الوسائل 1: 160 باب 13.

129
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في المستعمل ؛ ج 1، ص : 127

و تكره الطهارة بالشمس في الآنية، (1)

______________________________
ثبوت الطهارة له، و نقل في المنتهى على ذلك الإجماع
«1»، و قال المحقق في المعتبر:

ليس في الاستنجاء تصريح بالطهارة، إنما هو بالعفو «2»، و تظهر الفائدة في استعماله [ثانيا] «3».

قال شيخنا في الذكرى: و لعله أقرب، لتيقن البراءة بغيره «4».

قلت: اللازم أحد الأمرين: إما عدم إطلاق العفو عنه، أو القول بطهارته، لأنه إن جاز مباشرته من كل الوجوه لزم الثاني، لأنه إذا باشره بيده، ثم باشر به ماء قليلا- و لم يمنع من الوضوء به- كان طاهرا لا محالة، و إلّا وجب المنع من مباشرة نحو ماء الوضوء به إذا كان قليلا، فلا يكون العفو مطلقا، و هو خلاف ما يظهر من الخبر «5» و من كلام الأصحاب، فلعل ما ذكره المصنف أقوى، و إن كان ذاك أحوط.

قوله: (و تكره الطهارة بالشمس في الآنية).

(1) الأصل في كراهته ورود النص بالنهي عنه معلّلا بخوف البرص «6»، و الظاهر: أنه لا فرق في الكراهية بين الآنية المنطبعة و غيرها «7»، و كون ذلك في قطر حار أو لا، وقوفا مع إطلاق النص، و التعليل بخوف البرص تنبيه على الحكمة في النهي عنه، و لا يفيد تخصيصا و لا تقييدا، و ربما خص الكراهية بعض بكون ذلك في إناء منطبع، و قطر حار، و قد دللنا على ضعفه.

و كذا لا يشترط القصد إلى التشميس، فيعم الحكم ما تشمس بنفسه. و لا‌

______________________________
(1) المنتهى 1: 22.

(2) قال السيد العاملي في مفتاح الكرامة 1: 94: (و لقد تتبعت المعتبر غير مرة فما وجدت ما يناسب ما نحن فيه الا قوله: «و أما طهارة ماء الاستنجاء فهو مذهب الشيخين. و قال علم الهدى رحمه اللَّه في المصباح: لا بأس بما ينضح من ماء الاستنجاء على الثوب و البدن» المعتبر 1: 91. و كلامه صريح في العفو و ليس بصريح في الطهارة).

(3) زيادة من النسخة الحجرية.

(4) الذكرى: 9.

(5) الكافي 3: 13 حديث 5، الفقيه 1: 41 حديث 162، التهذيب 1: 85 حديث 223، العلل: 287 باب 207، و للمزيد راجع الوسائل 1: 160 باب 13 من أبواب الماء المضاف و المستعمل.

(6) الكافي 3: 15 حديث 5، علل الشرائع: 280 باب 194 حديث 2، التهذيب 1: 379 حديث 1177.

(7) الأواني المنطبعة: هي الأواني المصنوعة من الفلزات كالحديد و الرصاص و النحاس و غيرها عدا الذهب و الفضة، لأن الشمس إذا أثرت فيها استخرجت منها زهومة تعلو الماء و منها يتولد المحذور. اما الذهب و الفضة فلصفاء معدنهما لا تؤثر فيهما الشمس هذا التأثير.

و غير المنطبعة: هي الأواني الأخرى المصنوعة من الخزف أو الخشب و غيرهما.

(انظر للتفصيل: نهاية الأحكام 1 226 و الحدائق 2 409).

130
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في المستعمل ؛ ج 1، ص : 127

و تغسيل الميت بالمسخن بالنار إلّا مع الحاجة. (1)

و غسالة الحمام لا يجوز استعمالها إلّا مع العلم بخلوّها من النجاسة (2)

______________________________
يشترط بقاء السخونة استصحابا لما كان، و القول باشتراطهما ضعيف، فعلى هذا لو قال المصنف: (المتشمس) بدل (المشمس) لكان أولى.

و هل الكراهة هنا للإرشاد على حد قوله تعالى (وَ أَشْهِدُوا إِذٰا تَبٰايَعْتُمْ) «1» أم للعبادة؟ كل محتمل، و لعل الأول أوضح.

فإن قيل: لم لم يكن استعماله محرما لوجوب دفع الضرر؟ قلنا: ليس بمعلوم الوقوع و لا مظنونه، و إنما هو ممكن، نظرا الى صلاحيته له، و كما تكره الطهارة يكره العجن به، لورود الخبر به «2».

و هل تكره باقي استعمالاته؟ لا يبعد القول به نظرا الى المحذور.

و اعلم: أن التقييد بالآنية يشعر باختصاص الحكم بالمتشمس بها، و هو كذلك، فلو تشمس الماء في حوض أو ساقية لم يكره استعماله.

و هل يختص هذا الحكم بالقليل، أم يعم الكثير؟ لا يحضرني الآن نص على شي‌ء بخصوصه، لكن إطلاق النص «3»، و كلام الأصحاب يتناوله، و كذا خوف تولد المحذور.

و معلوم أن الكراهة إنما هي مع وجود ماء آخر للطهارة، فان لم يوجد وجب استعماله حينئذ.

قوله: (و تغسيل الميت بالمسخن بالنار، إلا مع الحاجة).

(1) علل في الأخبار بأن فيه أجزاء نارية تعجل للميت، و لأن فيه تفاؤلا له بالحميم «4»، و لأنه يعد بدن الميت لخروج شي‌ء من النجاسات لأنه يرخيه.

قوله: (و غسالة الحمام لا يجوز استعمالها، إلّا مع العلم بخلوّها من‌

______________________________
(1) البقرة: 282.

(2) الكافي 3: 151 حديث 5، علل الشرائع: 280 باب 194 حديث 2، التهذيب 1: 379 حديث 1177.

(3) الكافي 3: 151 حديث 5، علل الشرائع: 280 باب 194 حديث 2، التهذيب 1: 379 حديث 1177.

(4) الكافي 3: 147 حديث 2، التهذيب 1: 322 حديث 937، 939 و التعليل الأخير قد يكون للفقهاء.

131
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في المستعمل ؛ ج 1، ص : 127

و المتخلف في الثوب بعد عصره طاهر، فان انفصل فهو نجس. (1)

______________________________
النجاسة).

(1) لم يصرح المصنف بنجاستها، لعدم التصريح بذلك في الأخبار، إنما الذي ورد النهي عن استعماله في الغسل «1»، مع ضعف السند، و قيل بنجاستها «2». استنادا إلى هذا النهي، و ضعفه ظاهر.

و اختار المصنف في المنتهى طهارتها «3»، لحكم الكاظم عليه السلام بنفي البأس عن إصابتها الثوب «4»، و لا يكاد يظهر منه مخالفة ما هنا، و الذي يقتضيه النظر، أنه مع الشك في النجاسة يكون على حكمها الثابت لها قبل الاستعمال، و إن كان اجتنابها أحوط.

قوله: (و المتخلف في الثوب بعد عصره طاهر، فإن انفصل فهو نجس).

(2) إنما كان كذلك، لأن المصنف التزم عدم نجاسة الماء الوارد على المحل النجس ما دام لم ينفصل عنه، و إلا لم يطهر المحل، فإذا انفصل ظهر أثر ملاقاة النجاسة فيه، فينجس حينئذ- كما سبق- «5»، فإذا عصر الثوب من الغسل المعتبر في تطهيره حكم بطهارته قطعا، و لا ريب أن المتخلف فيه من الماء على حكم الطهارة، فلو بالغ أحد في عصره، فانفصل منه شي‌ء كان نجسا، لما عرفت من أن أثر ملاقاته للمحل النجس إنما يظهر بعد انفصاله، و قد عرفت ما فيه.

و الظاهر: أن هذا الحكم عنده مختص بالغسل المقتضي لحصول الطهارة، فلو غسل زيادة عن الموظف كان ماء الغسل الزائد طاهرا، لعدم ملاقاته للمحل في حال نجاسته، مع إمكان أن يقول بنجاسته أيضا لانفصال شي‌ء من الماء المتخلف في المحل معه، و التنجيس فيه بعد انفصاله، و هو بعيد، مع أن الأصل العدم.

______________________________
(1) الكافي 6: 498 و 503 حديث 10، 38، العلل: 292 حديث 1، التهذيب 1: 373 حديث: 1143، و للمزيد راجع الوسائل 1: 58 باب 11.

(2) قاله المحقق في المعتبر 1: 92.

(3) المنتهى 1: 25.

(4) الكافي 3: 15 حديث 4، الفقيه 1: 10 حديث 17، التهذيب 1: 379 حديث: 1176.

(5) قد سبق قول المصنف ص 47.

132
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الرابع: في تطهير المياه النجسة ؛ ج 1، ص : 133

[الفصل الرابع: في تطهير المياه النجسة]

الفصل الرابع: في تطهير المياه النجسة أمّا القليل، فإنّما يطهر بإلقاء كرّ دفعة عليه لا بإتمامه كرا على الأصح، (1)

______________________________
قوله: (الفصل الرابع: في تطهير المياه النجسة: أمّا القليل فإنما يطهر بإلقاء كر دفعة عليه لا بإتمامه كرّا على الأصح).

(1) المراد بحصر تطهيره- فيما ذكره-: بالإضافة إلى إتمامه كرّا، لأنه يطهر بوصول الماء الجاري و ماء المطر اليه، و كذا القول في المادة المشتملة على الكرّ، لأنها لا تختص بالحمام كما سبق.

و المراد بالدفعة: وقوع جميع أجزاء الكرّ في زمان قصير، بحيث يصدق اسم الدفعة عليه عرفا، لامتناع ملاقاة جميع الأجزاء في آن واحد، و لأن الاستعمال العرفي هو المراد في نحو ذلك، تقول: جاؤوا دفعة، و لا تريد إلا هذا المعنى.

و قد عبّر في الذكرى بإلقاء كر عليه متصل «1»، و فيه تسامح، لأن وصول أقل جزء إلى النجس يقتضي نقصانه عن الكر، فلا يطهر حينئذ، و لورود النص بالدفعة «2» و تصريح الأصحاب بها «3»، و يمكن أن يريد به هذا المعنى، لأن اتصال جميع الأجزاء حين إلقائه لا يتحقق إلا بهذا المعنى، و إن كان خفيا.

إذا تقرر ذلك، فقد اختلف الأصحاب في طهر القليل النجس إذا تمم كرّا، على أقوال ثلاثة «4»، ثالثها يفرق فيه بين الإتمام بالطاهر و النجس، و أكثر المحققين‌

______________________________
(1) الذكرى: 8.

(2) الفقيه 1: 6 حديث 2، انظر: هامش مفتاح الكرامة 1: 99.

(3) منهم: المحقق في الشرائع 1: 12، و العلامة في التذكرة 1: 2.

(4) القول الأول: عدم التطهير و ذهب اليه الشيخ في الخلاف 1: 30 مسألة 149 كتاب الطهارة، و المحقق في المعتبر 1: 51 و الشرائع 1: 12: و العلامة في التذكرة 1: 4.

و القول الثاني: التطهير ان تمم بطاهر و ذهب اليه ابن حمزة في الوسيلة: 68.

133
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الرابع: في تطهير المياه النجسة ؛ ج 1، ص : 133

و لا بالنبع من تحته. (1)

______________________________
كالشيخ
«1»، و ابن البراج «2»، و المرتضى «3»، و ابن إدريس «4»، و يحيى بن سعيد «5» على الطهارة مطلقا، لقوله عليه السلام: «إذا بلغ الماء كرّا لم يحمل خبثا» «6»، فان الماء مطلق فيجري في الطاهر و النجس، و الخبث نكرة في سياق النفي فيعم.

و معنى لم يحمل خبثا: لم يظهر فيه، قال في القاموس: و حمل الخبث أظهره، قيل: و منه: لم يحمل خبثا أي: لم يظهر فيه الخبث «7»، و في نهاية ابن الأثير: لم يحمل خبثا أي: لم يظهره، و لم يغلب الخبث عليه، من قولهم: فلان يحمل غضبه، أي: [لا يظهره، و قيل: معنى لم يحمل خبثا أنه يدفعه عن نفسه، كما يقال: فلان لا يحمل الضيم، إذا كان يأباه و يدفعه عن نفسه «8»، و في المجمل: و حكى ناس أن معنى قوله صلّى اللَّه عليه و آله «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا» «9» إنما أراد لم يظهر فيه الخبث، قالوا: و تقول العرب: فلان يحمل غضبه، أي: يظهر غضبه «10».

و المتأخرون على استصحاب حكم النجاسة «11»، و ارتكبوا في الحديث تأويلات لا يدل عليها دليل، و طعنوا فيه بمطاعن ضعيفة، و لا شبهة في أن الاحتياط هو العمل بقولهم، و للتحقيق حكم آخر.

قوله: (و لا بالنبع من تحته).

(1) هذا الحكم مشكل، و يمكن حمل كلامه على نبع ضعيف يترشح ترشحا، أو نبع لا مادة له، فلو نبع ذو المادة من تحته مع قوة و فوران، فلا شبهة في حصول الطهارة.

______________________________
(1) المبسوط 1: 7.

(2) المهذب 1: 23.

(3) جوابات المسائل الرسية الأولى (ضمن رسائله، المجموعة الثانية): 361.

(4) السرائر: 8.

(5) الجامع للشرائع: 18.

(6) عوالي اللآلي 2: 16 حديث 30 و أورد الرواية الشيخ في المبسوط 1: 7.

(7) القاموس المحيط (حمل) 3: 362.

(8) النهاية (حمل) 1: 444 و ما بين المعقوفين من المصدر.

(9) سنن أبي داود 1: 17 حديث 63، و سنن الترمذي 1: 46 حديث 67، و سنن النسائي 1: 46 و 175.

(10) المجمل لابن الفارس 1: 253.

(11) منهم: الشهيد في الدروس: 14 و البيان: 14.

134
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الرابع: في تطهير المياه النجسة ؛ ج 1، ص : 133

و أمّا الكثير، فإنّما يطهر بذلك ان زال التغيّر، و إلّا وجب إلقاء كرّ آخر، (1) فان زال و إلّا فآخر، و هكذا.

و لا يطهر بزوال التغيّر من نفسه، (2) أو بتصفيق الرياح، أو بوقوع أجسام طاهرة فيه غير الماء، فيكفي الكر و ان لم يزل التغيّر به لو كان، (3) و لو تغير بعضه و كان الباقي كرا طهر بزوال التغيّر بتموّجه.

و الجاري يطهر بتكاثر الماء و تدافعه حتى يزول التغيّر. (4)

______________________________
قوله: (و الا وجب إلقاء كرّ آخر).

(1) أي: دفعة، اكتفاء بما سبق، و إنما يجب إلقاء كرّ آخر إذا تغيّر الكر الأول بالنجاسة، فلو بقي على حكمه، فالمتغير كنجاسة متصلة به، فإذا امتزج أحدهما بالآخر و زال تغير المتغير حكم بالطهارة، و لم يحتج إلى كرّ آخر، و ليس هذا بأدون مما لو تغير بعض الزائد على الكر، و بقي الباقي كرّا.

قوله: (و لا يطهر بزوال التغير من نفسه).

(2) خلافا ليحيى بن سعيد «1».

قوله: (فيكفي الكرّ و إن لم يزل به لو كان).

(3) أي: لو وقعت أجسام طاهرة في الماء المتغير بالنجاسة، فأزالت عنه التغير، بحيث لم يبق فيه تغيّر أصلا، لا أن سترته فلم يدرك بالحس، فإنه يكفي الكر لتطهيره حينئذ، لعدم وجود التغير، و إن كان التغير السابق لا يزول بالكرّ لو لا الأجسام الطاهرة، لحصول المطلوب بزواله.

قوله: (و الجاري يطهر بتكاثر الماء و تدافعه حتى يزول التغير).

(4) هكذا وقع في عبارته و عبارة غيره، و الظاهر: أن الحكم بالطهارة في الجاري غير موقوف على التكاثر و التدافع، بل لو زال التغير- بأي وجه كان- حكم بالطهارة لمكان المادة.

اللهم إلا أن يقال: بأن مجرد اتصال الماء الطاهر بالنجس لا يقتضي طهارة النجس، بل لا بد من الامتزاج مع صلاحيته للتطهير، فيستوي في ذلك الجاري،

______________________________
(1) الجامع للشرائع: 18.

135
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الرابع: في تطهير المياه النجسة ؛ ج 1، ص : 133

و المضاف بإلقاء كرّ دفعة و ان بقي التغيّر ما لم يسلبه الإطلاق فيخرج عن الطهورية، (1) أو يكن التغيّر بالنجاسة فيخرج عن الطهارة. (2)

______________________________
و الواقف، و ماء الحمام، و ماء الكوز النجس إذا غمس في الكثير، و الأصح: أن الامتزاج غير شرط، للأصل، و لأنه ليس للامتزاج معنى معتمد محصل.

قوله: (و إن بقي التغير ما لم يسلبه الإطلاق فيخرج عن الطهورية).

(1) خالف الشيخ رحمه اللّٰه في الحكم الأول، فحكم بأن حصول التغير في المطلق بالمضاف النجس موجب لنجاسته، و إن بقي إطلاق الاسم، لأنه متغير بنجس «1»، و هو ضعيف، لأن تغيره بغير النجاسة، و المقتضي للتنجيس هو الأول دون الثاني، و لأن المضاف يصير طهورا بأول خروجه عن الإضافة، لقبوله الطهارة، فإنه ليس عين نجاسة.

و هذا إذا لم يسلب المضاف المطلق إطلاقه، فإن سلبه خرج عن الطهورية، لا عن الطاهرية عند المصنف، و قد علم فيما مضى خروجه عنهما، و ضعف ما ذهب اليه.

و علم أيضا، أن تصوير المسألة يجب أن يكون بأن يلقى المضاف النجس على الكثير المطلق، و إن كان ظاهر قوله: (بإلقاء كر) قد يشعر بخلافه.

قوله: (أو يكن التغير بالنجاسة فيخرج عن الطهارة).

(2) أي: إذا كان التغير في المطلق حين إلقائه على المضاف بأوصاف النجاسة لوجودها في المضاف- كلون الدم في ماء الورد- فان المطلق حينئذ يخرج عن الطهارة، و هو واضح.

و اعلم أن جملة (إن) الوصلية لتأكيد إطلاقه الحكم بطهر المضاف بإلقاء كرّ، و ما- في (ما لم يسلبه)- ظرف بمعنى المدة هي في معنى الاستثناء من الحكم السابق، لأنه في قوة عود المضاف طهورا، و إلا لما صح الاستثناء، و المستتر في (يسلبه) للمضاف، و الآخر للمطلق، و المعطوف ب‍ (أو) على ما في خبر لم، و المعنى: يعود طهورا ما لم يكن هذا أو ذاك.

______________________________
(1) المبسوط 1: 5.

136
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الرابع: في تطهير المياه النجسة ؛ ج 1، ص : 133

و ماء البئر بالنزح حتى يزول التغيّر. (1)

______________________________
قوله: (و ماء البئر بالنزح حتى يزول التغير).

(1) لما لم يحكم بنجاسة البئر إلا مع التغير بالنجاسة، حكم بعود الطهارة بزواله بالنزح، و ظاهره: أن ذلك طريق تطهيرها، و هو مشكل، و قد كان اللازم الحكم بطهرها بزوال التغير بأي طريق كان، اعتبارا بمادة النبع، كما دلّ عليه حديث الرضا عليه السّلام «1»، و كما يظهر من احتجاجه بوجود المادة المقتضي لعدم النجاسة إلا بالتغير.

لكن بناء على أصله من اعتبار الكرية في الجاري، يجب اعتبارها هنا بطريق أولى، و على ما اخترناه، فينبغي الحكم بطهرها إذا غلب ماؤها الطاهر، و استهلك المتغير، و إن كان النبع من تحت، إذا كان غزيرا، و لو سبق إليها الجاري، أو وقع عليها ماء الغيث، أو ألقي عليها ماء كثير فزال تغيرها، فلا ريب في عود الطهارة.

و اعلم أن المصنف لم يذكر حكم تغير البئر عند القائلين بالنجاسة بالملاقاة، فإن لهم أقوالا:

منها: النزح حتى يزول التغير كما سبق «2».

و منها: نزح الجميع، فان تعذر نزح حتى يزول التغير، و يستوفى المقدّر «3».

و منها: نزح الجميع، فان تعذّر وجب التراوح «4».

و منها: نزح أكثر الأمرين من المقدر، و ما به يزول التغير في النجاسة المنصوصة «5» و في غيرها نزح الجميع، بناء على أن غير المنصوصة ينزح لها جميع الماء، و اختاره ابن إدريس «6»، و هو الأقوى، تفريعا على القول بالنجاسة.

______________________________
(1) الاستبصار 1: 33 حديث 87.

(2) ذهب اليه الصدوق في المقنع: 11، و أبو الصلاح في الكافي في الفقه: 130.

(3) قاله الشيخ في المبسوط 1: 11، و النهاية: 7.

(4) ذهب اليه الصدوق في الفقيه 1: 13، و الشيخ في التهذيب 1: 240، و المحقق في الشرائع 1: 14.

(5) ذهب إليه أبو المكارم ابن زهرة في الغنية (ضمن الجوامع الفقهية): 490، و يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 19، و الشهيد في الذكرى: 9.

(6) السرائر: 10.

137
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الرابع: في تطهير المياه النجسة ؛ ج 1، ص : 133

و أوجب القائلون بنجاستها بالملاقاة نزح الجميع بوقوع المسكر، (1) أو الفقاع، أو المني، (2) أو دم الحيض أو الاستحاضة أو النفاس، (3) أو موت بعير، (4)

______________________________
قوله: (لوقوع المسكر).

(1) لا فرق فيه بين الخمر و غيره، لأن كل مسكر خمر، و المراد به: المائع بالأصالة، لعدم نجاسة الجامد، و لا فرق أيضا بين كثيره و قليله، حتى القطرة، كما يظهر من العبارة، و قد فرق بعض الأصحاب، فأوجب في القطرة عشرين «1».

و الفقاع خمر، كما ورد به النص «2»، و سيأتي تحقيقه إن شاء اللَّه تعالى.

قوله: (أو مني).

(2) اشتهر القول بذلك بين الأصحاب، و لا نص فيه، على ما ذكره الشيخ أبو علي ابن الشيخ أبي جعفر في شرح نهاية والده.

قوله: (أو دم الحيض، أو الاستحاضة، أو النفاس).

(3) ذهب إلى ذلك الشيخ «3» و عامة الأصحاب «4»، نظرا إلى أنها كالمني، و لغلظ نجاستها، و أطلق المفيد القول بأن الدم الكثير ينزح له عشر، و للقليل خمس «5»، و كذا ابنا بابويه «6»، و ان خالفاه في مقدّر الكثير و القليل، و الاحتياط العمل بالمشهور.

قوله: (أو موت بعير).

(4) هو للجنس، يتناول الذكر و الأنثى، و مثله الثور عند الأكثر- و هو ذكر البقر- لصحيحة عبد اللَّه بن سنان عن الصادق عليه السلام «7»، خلافا لابن إدريس فإنه‌

______________________________
(1) و هو الصدوق في المقنع: 11.

(2) الكافي 3: 407 حديث 15، التهذيب 1: 282 حديث 828.

(3) المبسوط 1: 11.

(4) منهم: ابن حمزة في الوسيلة: 69، و ابن البراج في المهذب 1: 21، و المحقق في الشرائع 1: 13.

(5) المقنعة: 9.

(6) المقنع: 10، 11، الفقيه 1: 13، المختلف: 6.

(7) التهذيب 1: 241 حديث 695، الاستبصار 1: 34 حديث 93.

138
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الرابع: في تطهير المياه النجسة ؛ ج 1، ص : 133

فان تعذّر تراوح عليها أربعة رجال يوما، كل اثنين دفعة. (1)

______________________________
اكتفى بالكر
«1»، و الشيخان «2» و أتباعهما «3» لم يذكروا حكمه، لأنهم أوجبوا لنزح البقرة كرّا، و لم يتعرضوا للثور، و لفظ البقرة لا يدل عليه، و نقل صاحب الصحاح إطلاق لفظ البقرة على الذكر «4»، فيجب الكر حينئذ، حكى ذلك المصنف في المختلف «5».

قوله: (فان تعذر تراوح عليها أربعة رجال يوما، كل اثنين دفعة).

(1) التراوح: تفاعل من الراحة، لأن كل اثنين يريحان صاحبيهما دفعة،.

و لا يجزئ فيه ما دون الأربعة، لقول الصادق عليه السلام: «يقام عليها قوم اثنين اثنين» «6»، و يجزئ ما فوقها ما لم يتصور بطء بالكثرة.

و لا غير الرجال من نساء، أو صبيان، أو خناثى للفظ القوم، و اجتزأ بهم بعض الأصحاب «7» لشمول الاسم، و اختلف تفسير أهل «8» اللغة له، و الآية «9» ترجح القول بأن القوم للرجال.

و المعتبر يوم الصوم من طلوع الفجر الثاني إلى الغروب، و هو الظاهر من عبارة الأصحاب، و لا فرق بين الطويل و القصير، نظرا الى شمول الإطلاق، و لا يجزئ الليل، و لا الملفق منهما اقتصارا على المنصوص، و يجب إدخال جزء من الليل أولا و آخرا من باب المقدمة، و يستثني الاجتماع في الأكل و الصلاة.

و الظاهر: أن التأهب للنزح داخل في اليوم، لأنه من مقدماته، مع إمكان‌

______________________________
(1) السرائر: 10.

(2) المفيد في المقنعة: 9، و الطوسي في المبسوط 1: 11.

(3) منهم: سلّار في المراسم: 35، و المحقق في الشرائع 1: 13، و الشهيد في اللمعة: 15.

(4) الصحاح 2: 594، 593 مادة (بقر، بعر).

(5) المختلف: 8.

(6) التهذيب 1: 284 حديث 832.

(7) قاله العلامة في التذكرة 1: 4.

(8) قال الجوهري في الصحاح 5: 2016 مادة (قوم): القوم الرجال دون النساء، و في القاموس (قوم) 4: 168، الرجال و النساء معا أو الرجال خاصة أو تدخله النساء على تبعيّة و يؤنث، و في اللسان (قوم) 12: 504 الجماعة من دون النساء، و عن الصنعاني: و ربما دخل النساء تبعا لان قوم كل نبي رجال و نساء.

(9) الحجرات: 11.

139
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الرابع: في تطهير المياه النجسة ؛ ج 1، ص : 133

و نزح كرّ لموت الدابة، أو الحمار، أو البقرة. (1) و سبعين دلوا لموت الإنسان، (2)

______________________________
وجوب تقديمه عليه نظرا الى ظاهر قوله عليه السلام: «يقام عليها قوم اثنين اثنين ينزفون يوما إلى الدليل»
«1».

قوله: (و نزح كر لموت الدابة، أو الحمار، أو البقرة).

(1) البغل كالحمار في ذلك، و ان لم يذكر في بعض الروايات، لوجوب قبول الزيادة غير المنافية، و أما الدابة و البقرة فللشهرة، إذ هما مما لا نص فيه، ذكره في المعتبر «2»، و في المختلف لم نقف على حديث يتعلق بالبقرة «3».

قوله: (و سبعين دلوا لموت الإنسان).

(2) سيأتي أنه لا فرق في الإنسان بين المسلم و الكافر، و كذا لا فرق بين موته في البئر و وقوعه ميتا، و عبارته قاصرة عن الثاني، فلو قال لمباشرة ميت الإنسان كان أشمل و يشترط كون الميت نجسا، فلو طهّر بالغسل أو لم يجب غسله لم يجب النزح، بخلاف ما لو يمم أو غسل فاسدا و نحوه.

و اعلم: أن الميت في البئر، إذا كان كافرا، يجب أن ينزح له أكثر الأمرين من الواجب لما لا نص فيه، و الواجب لنجاسة الموت، فيبني على الخلاف فيما لا نص فيه، فان قيل بوجوب الجميع فلا بحث، و إلا فسبعون، مع احتمال التضاعف لاختلاف النجاسة.

و إنما لم يكتف بالسبعين لملاقاته البئر في حال الحياة، و تلك نجاسة غير منصوصة، و عروض الموت له موجب لنجاسة أخرى.

و وجه التداخل: أنها نجاسة ذات واحدة في حالين.

______________________________
(1) التهذيب 1: 284 حديث 832.

(2) المعتبر 1: 63.

(3) المختلف: 8.

140
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الرابع: في تطهير المياه النجسة ؛ ج 1، ص : 133

و خمسين للعذرة الرطبة و الدم الكثير (1) كذبح الشاة، غير الدماء الثلاثة.

و أربعين لموت الثعلب، أو الأرنب، أو الخنزير، (2) أو السنّور، أو الكلب، (3) أو لبول الرجل. (4)

______________________________
قوله: (و الدم الكثير).

(1) هذا مختار الشيخ «1» و اتباعه «2»، قال المصنف في المختلف: ما قدّره الشيخ لم أقف فيه على حديث مروي «3». هذا كلامه، و في حسنة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام: «ما بين الثلاثين إلى الأربعين» «4» و الأكثر طريق إلى اليقين، و أسنده في المختلف «5» إلى الصدوق، و لا بأس به.

و اعلم أن إطلاق الأصحاب يقتضي عدم الفرق بين دم نجس العين و غيره و يحتمل قويا الفرق لغلظ نجاسته، إذ هو في قوّة نجاستين، و من ثم لم يعف عن قليله في الصلاة، فيكون مما لا نص فيه.

قوله: (أو الخنزير).

(2) الظاهر: أن الخنزير إذا وقع حيّا ثم مات، ينزح له أكثر الأمرين من الأربعين، و مقدر ما لا نص فيه على القول به، مع احتمال التضاعف- على ما سبق في الكافر- «6»، إذ لا نص في نجاسته حال الحياة، و لم أجد في ذلك كلاما لأحد.

قوله: (أو الكلب).

(3) يجري فيه احتمال التضاعف لو وقع حيا فمات، و يلحق بموت الخنزير و الكلب كلّ ما ماثلهما في قدر الجسم، ككلب الماء و خنزيره.

قوله: (و لبول الرجل).

(4) لما رواه علي بن أبي حمزة عن أبي عبد اللَّه عليه السلام «7» و لا يلحق به بول‌

______________________________
(1) المبسوط 1: 12، النهاية: 7.

(2) منهم سلار في المراسم: 35، و ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 490، و الشهيد في الذكرى: 10.

(3) المختلف: 6.

(4) قرب الاسناد: 84، الكافي 3: 6 حديث 8، الفقيه 1: 15 حديث 29 التهذيب 1: 409 حديث 1288.

(5) المختلف: 6.

(6) سبق في صفحة 140 عند قوله: و اعلم أن الميت إذا كان كافرا.

(7) التهذيب 1: 243 حديث 700، الاستبصار 1: 34 حديث 90.

141
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الرابع: في تطهير المياه النجسة ؛ ج 1، ص : 133

و ثلاثين لماء المطر المخالط للبول، و العذرة، و خرء الكلاب. (1) و عشر للعذرة اليابسة و الدم القليل، كذبح الطير و الرعاف القليل. و سبع لموت الطير، كالحمامة و النعامة و ما بينهما، (2)

______________________________
المرأة، خلافا لابن إدريس
«1» لعدم النص، و بطلان القياس، فيجب له ما يجب لما لا نص فيه، و كذا الخنثى على الأقرب، و لو قيل: يجب له أكثر الأمرين من الأربعين، و ما يجب لما لا نص فيه كان وجها.

قوله: (و ثلاثين لماء المطر المخالط للبول و العذرة و خرء الكلاب).

(1) مستند هذا الحكم رواية كردويه عن أبي الحسن موسى عليه السلام: «و لو خالط ماء المطر أحد هذه أجزأ الثلاثون بطريق أولى» «2».

و هنا إشكال هو: أن ترك الاستفصال عن النجاسات المذكورة يقتضي المساواة في الحكم بين جميع محتملاتها، لأن ترك الاستفصال مع قيام الاحتمال يدل على العموم، فيستوي حال العذرة رطبة و يابسة، و حال البول إذا كان بول رجل، أو امرأة، أو خنثى، أو غيرهم، مع أن ظاهر عبارة بعضهم أن خرء الكلاب مما لا نص فيه.

و قد أطلق المصنف في المختلف، القول: بأنّ بول و روث ما لا يؤكل لحمه مما لا نص فيه «3»، و مع الحمل على نجاسات بخصوصها، لا يتم ذلك عند القائل بتضاعف النزح، لاختلاف النجاسات.

و يمكن تنزيل الرواية «4» على ماء المطر المخالط لهذه النجاسات، مع استهلاك أعيانها، إذ لا بعد في أن يكون ماء النجاسة أخف منها، فيندفع الاشكال.

قوله: (و سبع لموت الطير كالحمامة و النعامة و ما بينهما) «5».

(2) فيه مناقشة لطيفة، لأن المراد بالطير هنا: هو الحمامة، و النعامة، و ما بينهما،

______________________________
(1) السرائر: 12.

(2) الفقيه 1: 16 حديث 35، التهذيب 1: 413 حديث 1300، الاستبصار 1: 43 حديث 120.

(3) المختلف: 5.

(4) الفقيه 1: 16، حديث 35، التهذيب 1: 413 حديث 1300، الاستبصار 1: 43 حديث 120.

(5) جاء في هامش الصفحة من النسخة الخطيّة المعتمدة ما لفظه: «التشبيه بالحمامة و النعامة صحيح بالنسبة إلى نحوهما و ما في حجمها. أمّا ما بينهما فإنّه لا شبهة بالنسبة إليه لعموم اللفظ (منه مد ظله)».

142
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الرابع: في تطهير المياه النجسة ؛ ج 1، ص : 133

و للفأرة مع التفسّخ أو الانتفاخ، و لبول الصبي، و اغتسال الجنب، (1) و لخروج الكلب منها حيا. (2)

______________________________
و التشبيه يقتضي صدقه على غير ذلك، لأن المشبه غير المشبه به و يمكن دفعها بأن وجود الحمامة و نحوها، و النعامة و نحوها و ما بينهما مصحح للتشبيه.

قوله: (و لبول الصبي و اغتسال الجنب).

(1) المراد بالصبي: الفطيم الذي لم يبلغ، و لا تلحق به الصبية لعدم النص، و المراد بالجنب: الخالي بدنه من نجاسة عينية، و ظاهر قول المصنف: (و اغتسال الجنب) يؤذن بأنّ النزح إنما هو إذا اغتسل في البئر لا بمجرد الملاقاة، و النصوص الواردة في هذا الباب ظاهرها عدم الفرق، لأنها واردة بنزول الجنب إلى البئر، و دخوله إليها، و وقوعه فيها «1»، و ابن إدريس خصّ الحكم بالمرتمس «2»، و لا وجه له.

و بعد، ففي هذا الحكم إشكال، لأن النزح لا يستقيم كونه لنجاسة البئر هنا، و إن كان ظاهر كلام القوم، لأن نحاسة البئر بلا منجس معلوم البطلان، إذ الفرض إسلام الجنب، و خلو بدنه من نجاسة عينية، و إلا لم يجزئ السبع، و لا يستقيم كون النزح لصيرورة الماء باغتسال الجنب مستعملا عند من يقول به، فيكون النزح لعود الطهارة، لأن ذلك مشروط باغتساله على الوجه المعتبر و ارتفاع حدثه، و إلا لم يثبت الاستعمال.

و مورد الأخبار أعم من الاغتسال كما قدمناه، و حديث عبد اللَّه بن أبي يعفور عن الصادق عليه السلام بالنهي عن نزوله إلى البئر «3» يقتضي فساد غسله، فلا يرتفع حدثه، كما صرّح به الشيخ «4»، فلا يظهر للنزح هنا وجه، و لو قلنا به فهل تلحق به الحائض و النفساء و المستحاضة الكثيرة الدم؟ فيه احتمال.

قوله: (و لخروج الكلب حيّا).

(2) أوجب ابن إدريس نزح أربعين إذ لا نص فيه «5»، و التقدير بالأربعين لأنها‌

______________________________
(1) التهذيب 1: 240 حديث 694 و 695، و الاستبصار 1: 34 حديث 92 و 93.

(2) السرائر: 12.

(3) الكافي 3: 65 حديث 9، التهذيب 1: 149 حديث 426، الاستبصار 1: 27 حديث 435.

(4) المبسوط 1: 12.

(5) السرائر: 11.

143
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الرابع: في تطهير المياه النجسة ؛ ج 1، ص : 133

و خمس لذرق جلّال الدجاج، (1) و ثلاث للفأرة و الحيّة، (2) و يستحب للعقرب و الوزغة. (3) و دلو للعصفور و شبهه، و بول الرضيع قبل اغتذائه بالطعام. (4)

______________________________
تجري لموته، فلوقوعه حيا أولى، و لولاه لوجب نزح الجميع، و جوابه وجود النص بالسبع
«1».

قوله: (و خمس لذرق جلّال الدجاج).

(1) لم يقيده الشيخ بكونه جلالا «2»، بناء منه على أن ذرقه مطلقا نجس، و في المختلف بعد حكاية الخلاف قال: و على القولين لم يصل إلينا حديث يتعلق بالنزح لهما «3»، و يمكن أن يقال: التقدير بالنزح مستفاد من الإجماع.

قوله: (و ثلاث للفأرة و الحيّة).

(2) المراد بالفأرة، إذا خلت من الأمرين، و وجوب الثلاث في الحية إما بالإحالة على الفأرة و الدجاجة المروي فيهما دلوان أو ثلاث- على ما ذكره في الذكرى «4»- و هو ضعيف. و حكى عن المعتبر التعليل بأن لها نفسا سائلة، و في التعليل بعد.

و حكى عنه أيضا الإيماء إلى الثلاث، لقول الصادق عليه السلام: «للحيوان الصغير دلاء» «5»، و أقل محتملاته الثلاث «6».

قوله: (و يستحب للعقرب و الوزغة).

(3) المراد بالاستحباب عند القائلين بالنجاسة بالملاقاة، لانتفاء النجاسة إذ ليس لهما نفس، و عدم يقين الضرر، و هو حسن.

قوله: (و بول الرضيع قبل اغتذائه بالطعام).

(4) المراد: اغتذاؤه كثيرا بحيث يساوي اللبن، فلا يضر القليل، و لا بدّ من كونه في سن الرضاع، و لا تلحق به الرضيعة لعدم النص.

______________________________
(1) التهذيب 1: 237 حديث 687، الاستبصار 1: 38 حديث 103.

(2) المبسوط 1: 12، النهاية: 7.

(3) المختلف: 9.

(4) الذكرى: 11.

(5) الكافي 3: 6 حديث 7، التهذيب 1: 240 حديث 694.

(6) المعتبر 1: 75، و نقله عنه في الذكرى: 11.

144
جامع المقاصد في شرح القواعد1

فروع ؛ ج 1، ص : 145

 

[فروع]

فروع:

[أ: أوجب بعض هؤلاء الجميع فيما لم يرد فيه نص]

أ: أوجب بعض هؤلاء الجميع فيما لم يرد فيه نص، و بعضهم أربعين. (1)

[و كذا صغيره و كبيره، ذكره و أنثاه]

ب: جزء الحيوان و كلّه سواء، (2) و كذا صغيره و كبيره، ذكره و أنثاه،

______________________________
قوله: (أوجب بعض هؤلاء نزح الجميع «1»، فيما لم يرد فيه نص، و بعضهم أربعين) «2».

(1) و أوجب بعضهم ثلاثين «3»، و حكى شيخنا الشهيد في بعض ما نسب إليه قولا بعدم وجوب شي‌ء، و اختار المصنف في المختلف القول بالثلاثين «4» محتجا برواية كردويه «5»، و هو عجيب، إذ لا دلالة فيها على المتنازع بوجه، و لو دلت عليه كان ما لا نص فيه منصوصا، لأن المراد بالنص الدليل النقلي من الكتاب أو السنّة، لا ما يدل على المعنى، مع عدم احتمال النقيض، و إلا لكان كثير مما عدوه منصوصا من قبيل ما لا نص فيه، فيضعف القول بالثلاثين و مثله القول بالأربعين، و عدم إيجاب شي‌ء مع القول بنجاسة الماء ظاهر البطلان، فلم يبق إلا القول بوجوب الجميع، و هو المعتمد.

قوله: (جزء الحيوان و كله سواء).

(2) أي: في الاجتزاء بمنزوح الكلّ للجزء بطريق أولى، و في وجوب منزوح الكل للجزء، لأن يقين زوال النجاسة يتوقف عليه، لانتفاء الدليل الدال على الاكتفاء بما دونه.

و أما الصغير و الكبير، و الذكر و الأنثى، فلأن اسم الجنس يقع عليها، كما في الإنسان و البعير، و لورود الحكم للذكر كالثور، أو ما يتعلق به كبول الرجل، اختص‌

______________________________
(1) منهم: الشيخ في المبسوط 1: 12 قال: (فالاحتياط يقتضي نزح جميع الماء)، و ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 490، و الشهيد في الذكرى: 10.

(2) ذهب اليه الشيخ في المبسوط 1: 11، و ابن حمزة في الوسيلة: 69.

(3) قال السيد العاملي في مفتاح الكرامة 1: 121: (و نفى عنه الشهيد البأس و هو المنقول عن البشرى).

(4) المختلف: 9.

(5) الفقيه 1: 16 حديث 35، التهذيب 1: 413 حديث 1300، الاستبصار 1: 43 حديث 120.

 

145
جامع المقاصد في شرح القواعد1

ج: الحوالة في الدلو على المعتاد ؛ ج 1، ص : 146

و لا فرق في الإنسان بين المسلم و الكافر. (1)

[ج: الحوالة في الدلو على المعتاد]

ج: الحوالة في الدلو على المعتاد، (2) فلو اتخذ آلة تسع العدد فالأقرب الاكتفاء. (3)

______________________________
بمورده، و يحكى عن الصهرشتي شارح النهاية إلحاق صغار الطيور بالعصفور.

قوله: (و لا فرق في الإنسان بين المسلم و الكافر).

(1) خالف ابن إدريس في ذلك، فحكم بوجوب نزح الجميع، لمباشرة الكافر ميّتا، محتجا بأن مباشرته حيّا يوجب نزح الجميع، إذ لا نص فيه، فبعد الموت أولى، لأن الموت ينجّس الطاهر، و يزيد النجس نجاسة «1». و أجاب المصنف في المختلف بأن نجاسته حيّا بسبب اعتقاده، و قد زال بالموت «2». و ليس بجيّد، لأن أحكام الكفر باقية بعد الموت، و من ثم لا يغسل و لا يدفن في مقابر المسلمين.

و التحقيق: أن ما احتج به ابن إدريس استدلال في مقابل النص «3»، لوروده بوجوب سبعين لموت الإنسان، الصادق على المسلم و الكافر، و وجوب الجميع فيما لا نص فيه- إذ تم- فغير منصوص عليه، فكيف يعارض به المنصوص.

قوله: (الحوالة في الدلو على المعتاد).

(2) أي: على تلك البئر، لعدم انضباط العادة مطلقا، و قيل: المراد بها الدلو الهجرية «4»، و وزنها ثلاثون رطلا، و قيل: أربعون، و الأول هو الوجه.

قوله: (فلو اتخذ آلة تسع العدد، فالأقرب الاكتفاء).

(3) وجه القرب أن الغرض إخراج ذلك القدر من الماء، و قد حصل.

و أنت خبير بورود المنع على المقدمة الأولى، و الإجزاء إنما يتحقق بالإتيان بالمأمور به على وجهه، فيبقى في العهدة، فالأقرب عدم الاكتفاء.

و لا يخفى أن تفريع هذا الحكم على ما قبله غير ظاهر، فلو عطفه بالواو مكان الفاء لكان أولى.

______________________________
(1) السرائر: 11.

(2) المختلف: 6.

(3) التهذيب 1: 234 حديث 678.

(4) قال ابن البراج في المهذب 1: 23: ذهب اليه قوم.

الهجرية: نسبة الى هجر، و هي قرية قرب المدينة كانت تجلب منها القلال. معجم البلدان 5: 393.

146
جامع المقاصد في شرح القواعد1

د: لو تغيرت البئر بالجيفة ؛ ج 1، ص : 147

[د: لو تغيّرت البئر بالجيفة]

د: لو تغيّرت البئر بالجيفة، حكم بالنجاسة من حين الوجدان. (1)

[ه‍: لا يجب النيّة في النزح]

ه‍: لا يجب النيّة في النزح، فيجوز ان يتولاه الصبي (2) و الكافر مع عدم المباشرة.

[و: لو تكثرت النجاسة]

و: لو تكثرت النجاسة، تداخل النزح مع الاختلاف و عدمه. (3)

[ز: انّما يجزئ العدد بعد إخراج النجاسة]

ز: انّما يجزئ العدد بعد إخراج النجاسة، أو استحالتها. (4)

______________________________
قوله: (لو تغيرت البئر بالجيفة حكم بالنجاسة من حين الوجدان).

(1) لأن الأصل عدم التقدم، و مستنده خبر الدجاجة «1».

إن قيل: لا بدّ من الحكم بسبقها على الوجدان بزمان ما، لامتناع وقوعها حال الوجدان، قلنا: على القول بعدم النجاسة بالملاقاة لا إشكال، لإمكان حصول التغيّر في ذلك الوقت، و على القول بالنجاسة لا يلزم من وقوعها وصولها إلى الماء، فيمكن تجدد الوصول وقت الوجدان.

قوله: (فيجوز أن يتولاه الصبي).

(2) يستثني منه التراوح إن قلنا بأن لفظ القوم لا يقع عليه.

قوله: (لو تكثرت النجاسة تداخل النزح مع الاختلاف و عدمه).

(3) أي: فيكفي منزوح الأكثر، لصدق الامتثال، و قيل بعدم التداخل «2»، لأن الأصل في الأسباب إذا اجتمعت عدم تداخل مسبباتها، و صدق الامتثال ممنوع.

و ربما فرق بين اختلاف النجاسة في النوع و عدمه، و الظاهر عدم التداخل مطلقا، و يستثني من ذلك اختلاف نجاسة الواقع بالكم، فان الدم الواقع إذا كان قليلا، فوقع- بعد- ما يخرجه من القلة إلى حد الكثرة، يجب منزوح الأكثر خاصة لانتفاء التكثر حينئذ.

قوله: (إنما يجزئ العدد بعد إخراج النجاسة، أو استحالتها).

(4) الحكم الأول لا كلام فيه، إذ مع بقاء عين النجاسة التي لا تستهلك بالماء- كجلد الميتة- لا فائدة في النزح لدوام الملاقاة المقتضي للتنجيس.

و أمّا الحكم الثاني، فإنما يستقيم على ظاهره إذا قيل بوجوب نزح المتغيرة‌

______________________________
(1) التهذيب 1: 233 حديث 675، الاستبصار 1: 37 حديث 102.

(2) القائل هو الشهيد في الدروس: 15، و البيان: 45.

147
جامع المقاصد في شرح القواعد1

ح: لو غار الماء سقط النزح ؛ ج 1، ص : 148

[ح: لو غار الماء سقط النزح]

ح: لو غار الماء سقط النزح، فان عاد كان طاهرا، و لو اتصلت بالنهر الجاري طهرت. (1)

و لو زال تغيّرها بغير النزح و الاتصال فالأقرب نزح الجميع، و ان زال ببعضه- لو كان- على اشكال. (2)

______________________________
بالنجاسة، حتى يزول التغيّر، ثم يستوفى المقدر، فعلى ما اخترناه- من الاكتفاء بأكثر الأمرين- يجزي النزح مع وجود نجاسة الدم المغيرة.

قوله: (و لو اتصلت بالنهر الجاري طهرت).

(1) هذا إذا كان الاتصال على وجه لا يتسنمها «1» من علو، لاتحادها به حينئذ، أما إذا تسنمها من علو فيشكل، لأن الحكم بالطهارة دائر مع النزح، و كذا القول في ماء المطر و الكثير إذا ألقي دفعة، و رواية كردويه «2» تشعر بعدم حصول الطهارة بذلك.

قوله: (و لو زال تغيرها بغير النزح و الاتصال، فالأقرب نزح الجميع، و إن زال ببعضه لو كان، على اشكال).

(2) أي: الأقرب وجوب نزح الجميع في النجاسة التي يكفي لها نزح البعض، و إن زال التغيّر بنزح بعض الماء، لو كان التغير باقيا.

و وجه القرب، أن المقدار الذي نزحه غير معلوم حيث زال التغير، لأن زوال التغير بالنزح له مدخل في حصول الطهارة، و الماء محكوم بنجاسته، فيتوقف الحكم بطهارته على نزح الجميع و منشأ الإشكال من ذلك، و من أن البعض يجزئ على تقدير بقاء التغير، فإجزاؤه مع زواله أولى.

و لما لحظ المصنف هذا الوجه رجع عن الفتوى إلى التردد، و لا يخفى ضعفه، و أن الأولوية التي ادعيت ممنوعة، و لو سلمت فمقدار ذلك البعض غير معلوم، فعلى هذا ما قرّبه أولا هو الأقرب.

______________________________
(1) تسنم الشي‌ء: علاه، الصحاح (سنم) 5: 1955.

(2) الفقيه 1: 16 حديث 35، التهذيب 1: 413 حديث 1300، الاستبصار 1: 43 حديث 120.

148
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الخامس: في الأحكام ؛ ج 1، ص : 149

[الفصل الخامس: في الأحكام]

الفصل الخامس: في الأحكام (1) يحرم استعمال الماء النجس في الطهارة و ازالة النجاسة مطلقا، (2) و في الأكل و الشرب اختيارا، (3) فان تطهّر به لم يرتفع حدثه، و لو صلّى أعادهما مطلقا. (4)

______________________________
قوله: (الفصل الخامس: في الأحكام).

(1) قد جرت عادة المصنف في هذا الكتاب، و في غيره، بأن يذكر بعد المباحث التي هو بصدد بيانها مثل أقسام المياه، و أعداد النجاسات، و كيفية الوضوء إلى غير ذلك من المباحث، فصلا يذكر فيه أحكام ما سبق، مع كون المباحث السابقة أيضا مشتملة على بيان أحكام، فكأنه يريد بذلك الأحكام الثانية التي تترتب على الأحكام الأولى، أو أن المباحث السابقة غالبا تتضمن أحكام الوضع، و أحكام التكليف لازمة لها، فلذلك تذكر بعدها كالطهارة و النجاسة، و الإضافة التي تضمنتها المباحث السالفة من هذا المقصد.

قوله: (يحرم استعمال الماء النجس في الطهارة و إزالة النجاسة مطلقا).

(2) المراد بالتحريم هنا هو المتعارف، أعني طلب الترك المانع من النقيض، الذي يترتب على فعل متعلقة الذم و العقاب، و إنما كان كذلك لأن استعمال المكلف الماء النجس فيما يعد طهارة في نظر الشارع أو إزالة نجس، يتضمن إدخال ما ليس من الشرع فيه، فيكون حراما لا محالة و المراد بالإطلاق في قوله: (مطلقا) شمول حالتي الاضطرار و الاختيار، مقابل القيد الذي في المسألة التي بعده.

قوله: (و في الأكل و الشرب اختيارا).

(3) أي: من غير ضرورة، فيستفاد من القيد إباحته عند الضرورة، و إنما يباح القدر الضروري كما تشعر به الضرورة.

قوله: (فان تطهر به لم يرتفع حدثه، و لو صلى أعادهما مطلقا).

(4) أما الحكم الأول فلأن النجس لا يطهّر غيره، و أما الثاني فلأنه صلّى محدثا‌

149
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الخامس: في الأحكام ؛ ج 1، ص : 149

أما لو غسل ثوبه به، فإنه يعيد الصلاة ان سبقه العلم مطلقا، و إلّا ففي الوقت خاصة، (1) و حكم المشتبه بالنجس حكمه. (2)

______________________________
فتقع صلاته فاسدة، و يجب إعادتها في الوقت- و هو ظاهر- و في خارجه لأنه لم يأت بالأداء، و عموم: (من فاتته صلاة فريضة فليقضها)
«1» يقتضي وجوب القضاء، و معلوم أن مراده بقوله: (مطلقا) الوقت و خارجه، و سبق العلم و عدمه، في مقابل التقييد في المسألة التي بعده.

قوله: (أما لو غسل ثوبه به فإنه يعيد الصلاة، إن سبقه العلم مطلقا، و إلا ففي الوقت خاصة).

(1) ما تقدم فهو بيان حكم استعماله في رفع الحدث، و هذا بيان حكم استعماله في إزالة الخبث، و حكمه إن فعل ذلك و صلّى بالثوب عامدا وجوب الإعادة في الوقت و خارجه، و هو ظاهر، و أما إذا علم بالنجاسة في الماء، ثم نسي وقت فعل الصلاة و قد أزال نجاسة ثوبه به، فقد قيل بوجوب الإعادة في الوقت دون خارجه «2»، و الأصح وجوب الإعادة مطلقا، كالعامد لظاهر الاخبار «3».

فقول المصنف: (إن سبقه العلم) شامل للقسمين، لأن سبق العلم صادق مع طروء النسيان و عدمه.

و قوله: (و إلا) أي: و إن لم يسبقه العلم أعاد في الوقت دون خارجه، إذا ثبت أن النجاسة كانت في الماء وقت الاستعمال، و مستند ذلك خبران مطلقان بالإعادة «4»، و بعدمها «5»، فجمع بينهما بحمل خبر الإعادة على الوقت، و الآخر على خارجه، و هو جمع ظاهر.

قوله: (و حكم المشتبه بالنجس حكمه).

(2) أي: حكم النجس في وجوب اجتنابه في الصلاة و إزالة النجاسة و عدم جوازه‌

______________________________
(1) عوالي اللآلي 2: 54 حديث 143.

(2) قاله الشيخ في المبسوط 1: 38، و النهاية: 52.

(3) الكافي 3: 59 حديث 3، التهذيب 1: 254 حديث 736، 737.

(4) التهذيب 1: 50 حديث 146، الاستبصار 1: 55 حديث 162.

(5) التهذيب 1: 48 حديث 140، الاستبصار 1: 54 حديث 157.

150
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الخامس: في الأحكام ؛ ج 1، ص : 149

و لا يجوز له التحرّي و ان انقلب أحدهما، (1) بل يتيمّم مع فقد غيرهما، و لا تجب الإراقة، بل قد تحرم عند خوف العطش. (2)

و لو اشتبه المطلق بالمضاف، تطهّر بكل واحد منهما طهارة، (3)

______________________________
في الأكل و الشرب اختيارا.

قوله: (و لا يجوز التحري و إن انقلب أحدهما).

(1) المراد بالتحري: الاجتهاد في طلب الأحرى بالاستعمال، و هو الظاهر، لقرينة ثبوت النهي عن استعمالهما، و القرينة التي لا تثمر اليقين غير كافية في الخروج عن النهي الشرعي، و لأنه لا يأمن أن يكون استعماله للنجس، فيتنجس به مع بقائه على حدثه، و ليس هذا كالاجتهاد في القبلة، و جوّزه الشافعي هنا «1».

و مع انقلاب أحد الإناءين، فالتحري عند بعض الشافعية ثابت،- كما إذا لم ينقلب- و عند بعضهم يتعين استعمال الباقي لعدم القطع بوجود النجس، و قد كان الأصل الطهارة «2»، و ليس بشي‌ء، فحاول المصنف الرد عليهم، مشيرا الى الوجه الأخير بقوله: (و إن انقلب أحدهما)، فإن الانقلاب مفض إلى الطهارة عند البعض- كما عرفت- فجواز التحري معه أولى، و في العبارة شائبة التكلف.

قوله: (و لا تجب الإراقة، بل قد تحرم عند خوف العطش).

(2) خالف الشيخ «3» في ذلك فقال بوجوب الإراقة لورود الأمر بها في بعض الاخبار «4»، و هو ضعيف، و ربما كانت حراما لخوف العطش و نحوه.

قوله: (و لو اشتبه المطلق بالمضاف تطهّر بكل واحد منهما طهارة).

(3) لا ريب أن التطهر بهما محصل للطهارة بالمطلق المأمور بها، فيكون مقدمة للواجب المطلق، و لا يضر عدم جزمه بالنيّة عند كل طهارة، لأن الجزم إنما يعتبر بحسب الممكن، لكن يشترط لصحته فقد ما ليس بمشتبه، و إلا تعين استعماله.

______________________________
(1) المجموع شرح المهذب 1: 180، و فتح العزيز بهامشه 1: 273.

(2) انظر: المجموع 1: 185.

(3) التهذيب 1: 247.

(4) التهذيب 1: 229 حديث 662، الاستبصار 1: 21 حديث 48.

151
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الخامس: في الأحكام ؛ ج 1، ص : 149

و مع انقلاب أحدهما فالوجه الوضوء و التيمم، (1) و كذا يصلّي في الباقي من الثوبين، و عاريا (2) مع احتمال الثاني خاصة.

و لو اشتبه بالمغصوب وجب اجتنابهما، (3)

______________________________
قوله: (و مع انقلاب أحدهما فالوجه الوضوء و التيمم).

(1) وجهه: أنه مقدمة لتحصيل الطهارة بالمطلق في الجملة فيجب، و لأن الحكم بوجوب الاستعمال تابع لوجود المطلق، و قد كان وجوده مقطوعا به، و لم يقطع بانقلابه، فيبقى الحكم بالوجوب الى أن يتحقق الناقل.

و يحتمل- ضعيفا- عدم الوجوب فيتيمم خاصة، لأن التكليف بالطهارة مع وجود المطلق: و هو منتف، و لأصالة البراءة من وجوب طهارتين، و الفتوى على الأول، و لا يخفى أنه يجب تقديم الوضوء على التيمم.

قوله: (و كذا يصلي في الباقي من الثوبين و عاريا).

(2) أي: و كذا الوجه في وجوب فعل الصلاة مرتين، كما ذكره، لو كان عنده ثوبان، أحدهما نجس لم يتعين، فتلف أحدهما و بقي الآخر، و وجهه أنه مقدمة للواجب المطلق، و للقطع بوجوده قبل تلف واحد كما سبق.

و يحتمل الاقتصار على الصلاة عاريا، نظرا إلى عدم تحقق ثوب طاهر، و هذا بناء على أن من لم يجد ساترا إلا النجس، و لم يقدر على إزالة النجاسة ينزعه و يصلي عاريا، و سيأتي أن الأصح أفضلية الصلاة فيه، فلا تتعين الصلاة عاريا، بل و لا يجب، و إنما الواجب فعلها في الباقي من الثوبين خاصة.

و اعلم أن قول المصنف: (مع احتمال الثاني خاصة) يريد به الاقتصار على التيمم و الصلاة عاريا في المسألتين، و قد عرفت ضعفه، بل ضعف ما اختاره في المسألة الثانية.

قوله: (و لو اشتبه بالمغصوب وجب اجتنابهما).

(3) و ذلك لأن اجتناب إتلاف مال الغير واجب مطلق، و لا يتم إلا باجتنابهما، و ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب.

152
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الخامس: في الأحكام ؛ ج 1، ص : 149

فان تطهّر بهما فالوجه البطلان. (1)

و لو غسل ثوبه أو بدنه من النجاسة به أو بالمشتبه به طهر. (2) و هل يقوم ظن النجاسة مقام العلم؟ فيه نظر، (3)

______________________________
قوله: (فان تطهر بهما فالوجه البطلان).

(1) وجهه ثبوت النهي عن استعمال كل منهما، لما عرفت من ثبوت النهي عن إتلاف مال الغير عدوانا، و مع الاشتباه، فاستعمال أيهما كان معرض لاستعمال مال الغير، و النهي في العبادة يقتضي الفساد، و توهم القلب هنا ضعيف، لأن مقدمة الواجب المطلق لا بدّ من كونها مباحة، لامتناع كون الحرام مقدمة الواجب.

و يحتمل ضعيفا الصحة، ليقين الطهارة بماء مملوك مباح عند تطهيره بها، و قد عرفت دليل التحريم في كل منهما، فلا يتم هذا الوجه.

قوله: (و لو غسل ثوبه أو بدنه من النجاسة به أو بالمشتبه به طهر).

(2) أي: بالمغصوب أو بالمشتبه بالمغصوب، و ذلك لأن إزالة النجاسة ليس مأمورا به على وجه القربة، فلا يكون عبادة محضة، فلا يؤثر فيه النهي فسادا.

قوله: (و هل يقوم ظن النجاسة مقام العلم؟ فيه نظر).

(3) المراد بقيامه مقام العلم إجراؤه مجرى العلم بحصول النجاسة، أو مكافأته للعلم بطهارة المحل السابق على حصول ظن النجاسة، و منشأ النظر من اختلاف الأصحاب، فقال أبو الصلاح: تثبت النجاسة بكل ظن، لأن الظن مناط الشرعيات «1»، و هو ظاهر الفساد، لأن مناطها ظن مخصوص أجراه الشارع مجرى اليقين لا مطلقا.

و قال ابن البراج: لا تثبت النجاسة بالظن مطلقا «2»، أي و إن كان الظن بسبب شرعي، كشهادة العدلين تمسكا باليقين السابق. و فيه ضعف، لأن المثمر للظن شرعا جار مجرى اليقين عند الشارع، و لأن المشتري لو ادعى العيب في المبيع لكونه نجسا، و شهد له عدلان، فلا بد من القول بالثبوت، لأن حقوق العباد تثبت بالعدلين‌

______________________________
(1) نقله العاملي في المفتاح 1: 130 عنه.

(2) جواهر الفقه (الجوامع الفقهية): 410.

153
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الخامس: في الأحكام ؛ ج 1، ص : 149

أقربه ذلك إن استند الى سبب، و إلّا فلا. (1)

و لو شهد عدل بنجاسة الماء لم يجب القبول، و ان أسند إلى السبب. (2)

و يجب قبول العدلين، فان عارضهما مثلهما فالوجه الحاقه بالمشتبه، (3)

______________________________
إجماعا، و ثبوت الحكم في هذا الفرد يقتضي الثبوت مطلقا، لعدم الفصل.

قوله: (أقربه ذلك إن استند الى سبب، و إلا فلا).

(1) أي: أقرب وجهي النظر القول بقيام الظن مقام العلم، إذا كان الظن مستندا إلى سبب، و المراد به: ما اعتبر الشارع سببيته، كشهادة العدلين، و مثله إخبار المالك لا نحو شهادة العدل الواحد، أو كون الشي‌ء مظنّة للنجاسة عادة، و نحو ذلك.

و في هذه العبارة إجمال يتأكد بقوله: (و لو شهد عدل.). بالواو و كان حقه الإتيان بالفاء و يزيده قوله: (و يجب قبول العدلين) و إن كان قد يعتذر له بكونه توطئة لما بعده، و الحق أن نظم العبارة غير حسن.

قوله: (و لو شهد عدل بنجاسة الماء لم يجب القبول، و إن استند الى السبب).

(2) أي: إلى السبب المقتضي للتنجيس، كأن المصنف حاول بهذا، الرد على أبي الصلاح الذي يكتفي في حصول النجاسة بمطلق ما يحصل به الظن، و الشافعي القائل بقبول العدل الواحد إذا بيّن سبب التنجيس «1» لا إن أطلق، لاختلاف الناس في أسباب التنجيس اختلافا ظاهرا.

قوله: (فان عارضهما مثلهما فالوجه الحاقه بالمشتبه).

(3) المراد بالمعارضة: استجماع كل من الشهادتين ما به يتحقق التنافي بينهما بحيث لا يمكن الجمع، فلو شهدت إحداهما بالنجاسة، و الأخرى بعدم الاطلاع على سبب يقتضي التنجيس فلا تعارض، إذ لا يلزم من عدم الاطلاع العدم، أما لو ضبط الزمان كيوم كذا مثلا، و شهدت إحداهما بحصول النجاسة في هذا اليوم، و الأخرى بالعلم بعدم النجاسة فيه، لملاحظتها له تمام اليوم فقد ثبت التعارض.

______________________________
(1) المجموع 1: 175.

154
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الخامس: في الأحكام ؛ ج 1، ص : 149

و لو أخبر الفاسق بنجاسة مائه أو طهارته قبل.

و لو علم بالنجاسة بعد الطهارة، (1) و شك في سبقها عليها، فالأصل الصحة.

و لو علم سبقها و شك في بلوغ الكريّة أعاد.

و لو شك في نجاسة الواقع بنى على الطهارة، و ينجس القليل بموت ذي لنفس السائلة فيه دون غيره، و إن كان من حيوان الماء كالتمساح. (2)

______________________________
ثم هو إما في إناء واحد، أو في إنائين، و في الفرض الأول أقوال:

الطهارة «1» إما لترجيح بينة الطهارة بالأصل، أو للتساقط، و النجاسة «2» ترجيحا للناقل على المقرر، و الحاقه بالمشتبه لتكافؤ البينتين و هذا أحوط، و إن كان القول بالطهارة لا يخلو من وجه.

أما الفرض الثاني فيحتمل فيه القول بالطهارة، للتعارض الموجب للتساقط، و الرجوع إلى حكم الأصل. و فيه نظر، لأنهما إنما تعارضتا في تعيين النجس لا في حصول النجاسة، لاتفاقهما على نجاسة أحدهما و مثله القول بالنجاسة تقريرا للبينتين، لاتفاقها على طهارة واحد، فلم يبق إلا إلحاقه بالمشتبه لاتفاقهما على نجاسة واحد، و انتفاء المقتضي للتعيين لتعارضهما، و لا معنى للاشتباه إلا ذلك، و هذا هو الأصح.

قوله: (و لو علم بالنجاسة بعد الطهارة.).

(1) قد سبق ما يعلم منه وجه ذلك، و ما يجب أن يقيد به الحكم الثاني.

قوله: (و ينجس القليل بموت ذي النفس السائلة فيه دون غيره، و إن كان من حيوان الماء كالتمساح).

(2) رد على الشافعي بقوله: (دون غيره) أي: دون غير ذي النفس، فإن الشافعي يرى أن ما لا نفس له ينجس الماء بموته إذا لم يكن من حيوان الماء «3».

و بجملة (إن) الوصلية المؤكدة لما دل عليه قوله: (و ينجس القليل بموت ذي النفس) ردّ على أبي حنيفة القائل: بأن موت حيوان الماء فيه لا ينجسه، و إن قل الماء‌

______________________________
(1) نقل هذا القول عن الشيخ في إيضاح الفوائد 1: 24.

(2) ذهب اليه ابن إدريس في السرائر: 14.

(3) الأم 1: 5.

155
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الخامس: في الأحكام ؛ ج 1، ص : 149

و لو اشتبه استناد موت الصيد في القليل الى الجرح أو الماء، احتمل العمل بالأصلين، و الوجه المنع. (1)

و يستحب التباعد بين البئر و البالوعة بقدر خمس أذرع مع صلابة الأرض، أو فوقية البئر، و إلّا فسبع. (2)

______________________________
و كان الحيوان ذا نفس
«1».

قوله: (و لو اشتبه استناد موت الصيد في القليل إلى الجرح أو الماء احتمل العمل بالأصلين، و الوجه المنع).

(1) أما الأصلان فالمراد بهما: طهارة الماء- فإن الأصل فيه الطهارة- و تحريم الصيد، لأن الأصل عدم حصول شرائط التذكية، و وجه العمل بهما أصالة كل منهما في نفسه، و وجوب التمسك بالأصل إلى أن يحصل الناقل و وجه ما اختاره المصنف أن العمل بهما يفضي الى الجمع بين المتنافيين، لأن طهارة الماء يقتضي عدم نجاسة الصيد المقتضي لعدم موته حتف أنفه، و تحريمه يقتضي عدم ذكاته المقتضي لموته حتف أنفه.

و التحقيق، أن يقال: إن تحريم الصيد إن كان مستندا الى عدم التذكية- التي هي عبارة عن موته حتف أنفه- تم التنافي الذي ادعى لزومه، و امتنع العمل بهما، و إن كان مستندا إلى عدم العلم بالتذكية لم يتم ما ادعاه من التنافي، لأن الحكم بطهارة الماء يستلزم عدم العلم بوجود النجاسة فيه، لا عدم النجاسة في الواقع، فإنه لو شك في نجاسة الواقع لم ينجس الماء قطعا.

على أن العمل بالأصلين المتنافيين واقع في كثير من المسائل، مثلا لو ادعت وقوع العقد في الإحرام حلف، و لم يكن لها المطالبة بالنفقة، و لا له التزوج بأختها، و هذا قوي، و إن كان الحكم بالنجاسة أحوط و أوفق لما يلمحه الأصحاب غالبا.

قوله: (و يستحب التباعد بين البئر و البالوعة بقدر خمس أذرع مع صلابة الأرض، أو فوقية البئر، و إلا فسبع).

(2) هذا هو المشهور بين الأصحاب «2»، و قال ابن الجنيد: إن كانت الأرض‌

______________________________
(1) شرح فتح القدير 1: 73، و الهداية (بهامشه) 1: 73، و المجموع شرح المهذب 1 132.

(2) منهم: الشيخ في المبسوط 1: 13، و النهاية: 9، و المحقق في المعتبر 1: 79.

156
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الخامس: في الأحكام ؛ ج 1، ص : 149

..........

______________________________
رخوة، و البئر تحت البالوعة فليكن بينهما اثنتا عشر ذراعا، و إن كانت صلبة، أو كانت البئر فوق البالوعة فليكن بينهما سبع أذرع
«1»، و المعتمد الأول.

لنا: إن فيه جمعا بين رواية حسن بن رباط الدالة على اعتبار الفوقية و التحتية في الخمس و السبع «2»، و مرسل قدّامة بن أبي [يزيد] الحمّار الدالة على اعتبار السهولة و الجبلية فيهما أيضا «3».

و يدل على تقدير ابن الجنيد، ما رواه محمد بن سليمان الديلمي عن أبيه قال:

سألت أبا عبد اللَّه عليه السّلام عن البئر يكون إلى جنبها الكنيف، فقال: «إن مجرى العيون كلها مع مهب الشمال، فإذا كانت البئر النظيفة فوق الشمال و الكنيف أسفل منها لم يضرها إذا كان بينهما أذرع و إن كان الكنيف فوق النظيفة فلا أقل من اثني عشر ذراعا، و إن كانت اتجاهها بحذاء القبلة و هما مستويان في مهب الشمال فسبع أذرع» «4».

كذا احتج له في المختلف «5» و في دلالة هذه الرواية على مذهبه نظر، و طريق الجمع حمل ما دل على الزيادة على المبالغة في الاستحباب، و حينئذ فتعتبر الفوقية و التحتية باعتبار المجرى، فإن جهة الشمال فوق بالنسبة (إلى) ما يقابلها كما دلت عليه هذه الرواية، و إنما يظهر أثر ذلك مع التساوي في القرار، و يضم إلى الفوقية و التحتية باعتبار القرار، و الى صلابة الأرض و رخاوتها، فنحصل أربع و عشرون صورة، لأن البئر و البالوعة إما أن يكون امتدادهما بين الشمال و الجنوب و له صورتان: كون البئر في الشمال و عكسه، أو بين المشرق و المغرب، و له صورتان.

و على كل تقدير إما أن تكون الأرض صلبة أو لا، و على التقديرات إما أن يكون البئر أعلى قرارا أو جهة أو البالوعة، أو يستويا، و حاصل ذلك أربع و عشرون صورة، في‌

______________________________
(1) نقل قوله في المختلف: 15.

(2) الكافي 3: 7 حديث 1، التهذيب 1: 410 حديث 1290، الاستبصار 1: 45 حديث 126.

(3) الكافي 3: 8 حديث 3، التهذيب 1: 410 حديث 1291، الاستبصار 1: 45 حديث 127.

(4) التهذيب 1: 410 حديث 1292.

(5) المختلف: 15.

157
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الخامس: في الأحكام ؛ ج 1، ص : 149

و لا يحكم بنجاسة البئر مع التقارب ما لم يعلم وصول ماء البالوعة إليها مع التغير عندنا، و مطلقا عند آخرين. (1)

و يكره التداوي بالمياه الحارة (2) من الجبال التي يشم منها رائحة الكبريت، و ما مات فيه الوزغة أو العقرب أو خرجا منه. (3)

______________________________
سبع عشرة منها يكفي الخمس- و هي كل صورة توجد فيها صلابة الأرض، أو فوقية البئر بأحد الاعتبارين- و السبع في الباقي و هي كل صورة ينتفي فيها الأمران. و اعلم أن قول المصنف: (و إلا فسبع) يحتاج إلى تقدير مبتدأ أو خبر، و لو قال: (و إلا فبسبع) لأغنى عن ذلك، مع ما فيه من السلامة و الجزالة.

قوله: (مع التغيّر عندنا، و مطلقا عند آخرين).

(1) يريد بذلك البناء على الخلاف، في أن نجاسة البئر بالملاقاة أو بالتغير. قال المصنف، في المنتهى: فرع: لو تغير ماؤها تغيرا يصلح استناده إلى البالوعة فهو على الطهارة ما لم يحصل اليقين بالاستناد، و كذا غير البالوعة من النجاسات «1»، و ما قاله جيد.

قوله: (و يكره التداوي بالمياه الحارة.).

(2) قيل: إن الطهارة بها مكروهة «2»، و لم يثبت، لكن روى ابن بابويه كراهة التداوي بها لأنها من فيح جهنم «3».

قوله: (و ما مات فيه الوزغة أو العقرب، أو خرجتا منه).

(3) الوزغة محركة: سام أبرص، لأمر الباقر عليه السّلام بإراقة ما وقع فيه العقرب «4»، و الأمر بالنزح للوزغة «5» و لا يمنع من استعماله، لأن الأمر بذلك محمول على الندب للتنزه أو السم، إذ لا نفس لهما، و ضررهما غير متيقن و لا مظنون.

______________________________
(1) المنتهى 1: 19.

(2) ذهب اليه الصدوق في الفقيه 1: 13، و الشيخ في النهاية: 9.

(3) الفقيه 1: 14 حديث 25.

(4) التهذيب 1: 230 حديث 664، الاستبصار 1: 27 حديث 69.

(5) التهذيب 1: 238 حديث 688، الاستبصار 1: 39 حديث 106.

158
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الخامس: في الأحكام ؛ ج 1، ص : 149

و لا يطهر العجين النجس بخبزه، بل باستحالته رمادا، (1) و روي بيعه على مستحلّ الميتة أو دفنه. (2)

______________________________
قوله: (و لا يطهر العجين النجس بخبزه، بل باستحالته رمادا).

(1) خالف في ذلك الشيخ رحمه اللَّه فقال في النهاية: إنه يطهر بخبزه «1»، استنادا إلى مرسلة ابن أبي عمير الصحيحة «2»، و لا صراحة فيها مع مخالفة الحكم أصول المذهب، فان النار إنما تطهّر ما أحالته رمادا أو نحوه، لأن المراد بالاستحالة المطهرة زوال الصورة النوعية، التي هي مناط تعليق الاسم المفضي إلى زوال الاسم الأول، كما في صيرورة العذرة دودا أو ترابا، فيتمسك باستصحاب النجاسة إلى أن يحصل المطهر.

و قد يتوهم من قول المصنف: (بل باستحالته رمادا) سدّ باب طهارته بغير ذلك، كما تشعر به صحاح ابن أبي عمير الواردة بدفنه «3»، و بيعه على مستحل الميتة «4»، و طهره بالخبز «5».

قال في الذكرى إلا أن يقيد بالمعهود من القليل، و مال الى طهارته إذا (رقق) و تخلله الماء «6»، و هو حسن. و لا ريب أن تخلل الماء له بعد خبزه أظهر، لأن النار تعده لذلك لتصلبه بها، و حدوث المسام له.

قوله: (و روي بيعه على مستحل الميتة أو دفنه).

(2) الروايتان صحيحتان من مراسيل ابن أبي عمير الملحقة بالمسانيد «7»، قال المصنف في المنتهى: الأقرب أنه لا يباع، و حمل الرواية على البيع من غير أهل الذمة، و قال: و إن لم يكن ذلك بيعا في الحقيقة، فصرف لفظ البيع عن حقيقته إلى الاستنقاذ لأن مال من لا ذمة له في‌ء لنا «8».

______________________________
(1) النهاية: 8.

(2) الفقيه 1: 11 حديث 19، التهذيب 1: 414 حديث 1304، الاستبصار 1: 29 حديث 75.

(3) التهذيب 1: 414 حديث 1306، الاستبصار 1: 29 حديث 77.

(4) التهذيب 1: 414 حديث 1305، الاستبصار 1: 29 حديث 76.

(5) الفقيه 1: 11 حديث 19، التهذيب 1: 414 حديث 1304، الاستبصار 1: 29 حديث 75.

(6) الذكرى: 14.

(7) التهذيب 1: 414 حديث 1305، 1306، الاستبصار 1: 29 حديث 76، 77.

(8) المنتهى 1: 18.

159
جامع المقاصد في شرح القواعد1

المقصد الثالث: في النجاسات ؛ ج 1، ص : 160

 

[المقصد الثالث: في النجاسات]

المقصد الثالث: في النجاسات، و فيه فصلان:

[الأول: في أنواعها]

الأول: في أنواعها، و هي عشرة: البول، و الغائط من كل حيوان ذي نفس سائلة (1) غير مأكول، و ان كان التحريم عارضا كالجلّال، (2)

______________________________
و فيما قال إشكال، أمّا أولا فلأن طهارته ممكنة كما عرفت، و أمّا ثانيا فلأنه بنجاسته لم يخرج عن كونه مالا حتى لا يقابل بمال، إذ ليس هو عين نجاسة، و الانتفاع به ثابت، في نحو علف الدواب، و أما ثالثا فلأنه لا ضرورة إلى ارتكاب المجاز في الحديث، بحمل البيع على الاستنقاذ و تخصيصه بمن عدا أهل الذمة، فإنه لا مانع من جواز البيع لهم و لغيرهم حتى المسلمين، لما قلناه من كونه مالا فيصح أن يقابل بمال.

و لا دلالة في الحديث على ما ينافي ذلك بوجه من الوجوه، و تقييد البيع في الحديث بمستحل الميتة، الظاهر أنه عليه السّلام أراد به مع عدم الإعلام بالنجاسة، أما معه فيجوز مطلقا.

قوله: (المقصد الثالث في النجاسات: و فيه فصلان: الأول: في أنواعها، و هي عشرة: البول و الغائط من كل حيوان ذي نفس سائلة).

(1) النفس هنا هي الدّم قال:

تسيل على حدّ الظبات «1» نفوسنا «2»

و المراد بالنفس السائلة: الدم الذي يجتمع في العروق و يخرج إذا قطع شي‌ء منها بقوة و دفع، بخلاف دم ما لا نفس له، فإنه يخرج ترشيحا.

قوله: (و إن كان التحريم عارضا كالجلّال).

(2) و مثله موطوء الإنسان، و المراد بالجلّال: الحيوان الذي يغتذي بعذرة الإنسان محضا، الى أن يسمى في العرف جلّالا، و أن «3» ينبت بها لحمه و يشتد عظمه، لانه بذلك يصير جزءا و عضوا له، و سيأتي تحقيقه في موضعه ان شاء اللَّه تعالى.

______________________________
(1) الظبات: حد السيوف، لسان العرب (ظبا) 15: 22.

(2) قاله السموأل، و عجز البيت .. و ليست على غير الظبات تسيل.

(3) في نسخة ح «أو أن».

 

160
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الأول: في أنواعها ؛ ج 1، ص : 160

و المني من كل حيوان ذي نفس سائلة، و ان كان مأكولا، و الدم من ذي النفس السائلة مطلقا، و الميتة منه، (1) و الكلب، و الخنزير (2) و أجزاؤهما و إن لم تحلها الحياة (3) كالعظم. و المسكرات. (4)

______________________________
قوله: (و الميتة منه).

(1) أي من ذي النفس السائلة مطلقا، فيشمل الآدمي، لكن يجب أن يستثني منه ما إذا حكم بطهره شرعا، اما لتطهيره بالغسل، أو لسبق غسله، أو لكونه لم ينجس بالموت لكونه شهيدا أو معصوما.

قوله: (و الكلب و الخنزير).

(2) و كذا المتولد بينهما إذا أشبهه أحدهما بحيث يعدّ من نوعه، و يطلق عليه اسمه، و لو انتفى عنه الشبهان و الإسمان، ففي الحكم بطهارته أو نجاسته تردد، و لو قيل بالنجاسة لم يكن بعيدا، و لا يحضرني الان فيه تصريح لأحد من الأصحاب بشي‌ء.

قوله: (و أجزاؤهما و إن لم تلجها الحياة).

(3) خالف المرتضى رحمه اللَّه في ذلك «1» فحكم بطهارة ما لا تلجه الحياة منهما، استنادا الى عموم عدم تنجس ما لا تلجه الحياة بالموت. و فيه ضعف، لأن ذلك إنما يتم فيما كان طاهرا حال الحياة، و هما نجسان عينا حينئذ، لقول الصادق عليه السلام في الكلب: «رجس نجس» «2» و هو يقتضي أن تكون عينه نجاسة، فتدخل فيه جميع أجزائه.

قوله: (و المسكرات).

(4) أي: المائعة بأنواعها من خمر و غيره، دون الجامدة بالأصالة، قال المصنف في المنتهى: لم أقف على قول لعلمائنا في الحشيشة المتخذة من ورق القنب، و الوجه أنها إن أسكرت فحكمها حكم الخمر في التحريم لا النجاسة «3»، و هو يعطي توقفه في كونها مسكرة.

______________________________
(1) الناصريات (الجوامع الفقهية): 218.

(2) التهذيب 1: 225 حديث 646، الاستبصار 1: 19 حديث 40.

(3) المنتهى 1: 168.

161
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الأول: في أنواعها ؛ ج 1، ص : 160

و يلحق بها العصير إذا غلا و اشتد، (1) و الفقاع، (2) و الكافر سواء كان أصليا أو مرتدا، (3) و سواء انتمى الى الإسلام (4) كالخوارج و الغلاة أو لا.

______________________________
قوله: (و يلحق بها العصير إذا غلا و اشتد).

(1) المراد بغليانه: صيرورة أعلاه أسفله، و باشتداده: حصول الثخانة المسببة عن مجرد الغليان، و يبقى كذلك حتى يذهب ثلثاه أو يصير دبسا، و هذا هو المشهور بين الأصحاب كما ذكره في المختلف «1».

و عبارة الذكرى «2» تدل على خلاف ذلك، و على النجاسة، فإذا حكم بطهره طهر كل ما يزاوله. و هذا إنما هو في عصير العنب، و أما عصير الزبيب، فهو على أصل الطهارة على الأصح.

قوله: (و الفقاع).

(2) المراد به: المتخذ من ماء الشعير، كما ذكره المرتضى في الانتصار «3»، لكن ما يوجد في أسواق أهل السنة يحكم بنجاسته إذا لم يعلم أصله، عملا بإطلاق التسمية.

و اعلم أن سوق العبارة يدل على أن الملحق بالمسكرات نوع من النجاسات برأسه، و تحته شيئان الفقاع و العصير العنبي، فلو قدم الفقاع لكان أولى، لكونه خمرا كما وردت به الاخبار «4»، و للإجماع على نجاسته، بخلاف العصير كما عرفته.

قوله: (أو مرتدا).

(3) يندرج فيه المرتد بنوعيه، سواء في ذلك المرتد عن فطرة، و المرتد عن ملّة.

قوله: (و سواء انتمى إلى الإسلام.).

(4) انتمى إليه: انتسب ذكره في القاموس «5» و المراد به: إظهار الشهادتين المقتضي لكونه من جملة المسلمين مع ارتكابه ما يقتضي كفره، بنحو إنكار شي‌ء من ضروريات الدين.

______________________________
(1) المختلف: 58.

(2) الذكرى: 13.

(3) الانتصار: 198- 199.

(4) الكافي 6: 423 حديث 7، التهذيب 1: 279، 282 حديث 821، 828.

(5) القاموس 4: (نمى) 397.

162
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الأول: في أنواعها ؛ ج 1، ص : 160

و يلحق بالميتة ما قطع من ذي النفس السائلة حيا و ميتا، و لا ينجس من الميتة ما لا تحلّه الحياة (1) كالعظم و الشعر إلّا ما كان من نجس العين، كالكلب و الخنزير و الكافر.

و الدم المتخلف في اللّحم مما لا يقذفه المذبوح طاهر، (2) و كذا دم ما لا نفس له سائلة، كالسمك و شبهه (3) و كذا منيّه.

و الأقرب طهارة المسوخ، (4)

______________________________
قوله: (و لا ينجس من الميتة ما لا تحله الحياة).

(1) قد صرح في ذلك في عشرة أشياء و هي هذه: العظم، و السن، و الظفر، و الظلف، و القرن، و الحافر، و الشعر، و الوبر، و الصوف، و الأنفحة.

قوله: (و الدم المتخلف في اللحم مما لا يقذفه المذبوح طاهر).

(2) لما كان التحريم و النجاسة معا إنما يثبتان في الدم المسفوح- و هو الذي يخرج عند قطع العروق- كان ما سواه، مما يبقى بعد الذبح و القذف المعتاد، طاهرا و حلالا أيضا، إذا لم يكن جزءا من محرم، سواء بقي في العروق أم في اللحم، أم في البطن.

و لو علم دخول شي‌ء من الدم المسفوح إلى البطن، إما في البطن.

و لو علم دخول شي‌ء من الدم المسفوح إلى البطن، إما بجذب الحيوان له بنفسه، أو لأنه ذبح في أرض منحدرة و رأسه أعلى، و نحو ذلك فان ما في البطن نجس حينئذ.

و ينبغي أن يقرأ قوله: (المتخلف) بصيغة اسم المفعول.

قوله: (و كذا دم ما لا نفس له سائلة كالسمك و شبهه).

(3) خالف في ذلك الشيخ رحمه اللَّه في الجمل «1»، و المبسوط «2»، و هو محجوج بنقله الإجماع على عدم النجاسة في الخلاف «3».

قوله: (و الأقرب طهارة المسوخ).

(4) روى الصدوق بإسناده إلى أبي عبد اللَّه عليه السّلام، عن أبيه، عن جده‌

______________________________
(1) الجمل (الرسائل العشرة): 170- 171.

(2) المبسوط 1: 35.

(3) الخلاف 3: 193 مسألة 36 كتاب الصيد و الذبائح.

163
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الأول: في أنواعها ؛ ج 1، ص : 160

و من عدا الخوارج، و الغلاة، و النواصب، و المجسّمة (1) من المسلمين،

______________________________
عليهم السلام: «أن المسوخ من بني آدم ثلاثة عشر صنفا»
«1» الحديث، قال: و المسوخ جميعها لم تبق أكثر من ثلاثة أيام ثم ماتت، و لم تتوالد، و هذه الحيوانات على صورها سميت مسوخا استعارة.

و قد اختلف الأصحاب في طهارتها، فقال الشيخ: إنها نجسة «2»، محتجا بالمنع من بيعها، و لا مقتضي له إلا النجاسة، و احتج على الأولى بما روي من النهي عن بيع القرد «3»، و المنع متوجه الى المقدمتين، و الرواية ضعيفة السند.

قوله: (و من عدا الخوارج، و الغلاة، و النواصب، و المجسمة).

(1) المراد بالخوارج: أهل النهروان و من دان بمقالتهم.

و الغلاة جمع غال: و هم الذين زادوا في الأئمة عليهم السلام فاعتقدوا فيهم أو في أحد منهم أنه آله، و نحو ذلك.

و النواصب جمع ناصب: و هم الذين ينصبون العداوة لأهل البيت عليهم السلام، و لو نصبوا لشيعتهم لأنهم يدينون بحبهم فكذلك.

و أمّا المجسمة فقسمان: بالحقيقة، و هم الذين يقولون: إن اللَّه تعالى جسم كالأجسام، و المجسمة بالتسمية المجرّدة، و هم القائلون بأنه جسم لا كالأجسام، و ربما تردد بعضهم في نجاسة القسم الثاني، و الأصح نجاسة الجميع.

إذا تقرر ذلك، فنجاسة هؤلاء الفرق الأربع لا كلام فيها، إنما الخلاف في نجاسة كل من خالف أهل الحق مطلقا- كما يقوله المرتضى «4»- أو نجاسة المجبرة من أهل الخلاف- و هو قول الشيخ «5»- و القولان ضعيفان.

و اعلم أن حكم المصنف بطهارة من عدا الفرق الأربع من المسلمين مشكل، فإن من أنكر شيئا من ضروريات الدين، و لم يكن أحد هؤلاء لا ريب في نجاسته.

______________________________
(1) علل الشرائع: 487 حديث 4، الخصال: 493 حديث 1.

(2) المبسوط 2: 166، الخلاف 2: 49 مسألة 305، 307 كتاب البيوع.

(3) الكافي: 5: 227 حديث 7، التهذيب 7: 134 حديث 594.

(4) الانتصار: 10.

(5) المبسوط 1: 14.

164
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الأول: في أنواعها ؛ ج 1، ص : 160

و الفأرة، و الوزغة، (1) و الثعلب، و الأرنب، (2) و عرق الجنب من الحرام، و الإبل الجلالة. (3)

______________________________
قوله: (و الفأرة و الوزغة).

(1) أي: الأقرب طهارتهما، و قال الشيخ بنجاستهما «1»، لأمر الكاظم عليه السّلام بغسل أثر الفأرة «2»، و قول أبي عبد اللَّه عليه السلام عن الوزغة: (لا ينتفع بما تقع فيه) «3».

و يعارضان بحديث الفضل أبي العباس «4»، و بنفي البأس عن السمن و الزيت تقع فيه الفأرة، مع الاعتضاد بالأصل و الشهرة، فالقول بالنجاسة ضعيف.

قوله: (و الثعلب و الأرنب).

(2) قال أيضا بنجاستهما، «5» لأمر ماسّهما بغسل يده «6»، و في الاستدلال نظر، و في الإسناد إرسال، و حديث الفضل حجة على الطهارة في الجميع، و هو الأصح.

قوله: (و عرق الجنب من الحرام، و الإبل الجلالة).

(3) أي: الأقرب طهارتهما، و قال الشيخان «7»، و ابن البراج «8» بالنجاسة، لورود الأمر بغسله «9»، و إن لم تكن دلالة الخبر صريحة في أن الغسل من عرق الجنب، و هو معارض بما دل بعمومه على طهارة عرق الجنب من حلال و حرام، و الأمر بغسل عرق الإبل الجلالة لا يدل على النجاسة صريحا، فيحمل على الاستحباب، لأنها طاهرة العين إجماعا، و هو المختار.

و ربما قيد عرق الجنب من الحرام بكونه حال الفعل، و ما ظفرنا به من عبارات‌

______________________________
(1) المبسوط 1: 37.

(2) التهذيب 1: 261 حديث 761، و ج 2: 366 حديث 1522.

(3) التهذيب 1: 238 حديث 690، الاستبصار 1: 24 حديث 59.

(4) التهذيب 1: 225 حديث 646، و الاستبصار 1: 19 حديث 40.

(5) المبسوط 1: 37.

(6) التهذيب 1: 262 حديث 763.

(7) المفيد في المقنعة: 10، و الطوسي في المبسوط 1: 38، و النهاية: 53.

(8) المهذب 1: 51.

(9) الأمر بغسل عرق الجنب من الحرام: التهذيب 1: 271 حديث 799، الاستبصار 1: 187 حديث 655، الذكرى: 14، الأمر بغسل عرق الإبل الجلالة: الكافي 6: 251، التهذيب 1: 263 حديث 767.

165
جامع المقاصد في شرح القواعد1

فروع ؛ ج 1، ص : 166

 

و المتولد من الكلب و الشاة يتبع الاسم، (1) و كلب الماء طاهر. (2)

و يكره ذرق الدجاج، (3) و بول البغال و الحمير و الدواب و أرواثها. (4)

[فروع]

فروع:

[أ: الخمر المستحيل في بواطن حبات العنب نجس]

أ: الخمر المستحيل في بواطن حبات العنب نجس. (5)

______________________________
القوم خال من هذا القيد.

قوله: (و المتولد من الكلب و الشاة يتبع الاسم).

(1) تنقيحه: أنه إذا كان بصورة أحد النوعين، بحيث استحق إطلاق اسم ذلك النوع عليه عرفا، لحقته أحكامه، لأنه إذا سمي بأحدهما اقتراحا تلحقه الأحكام، و لو لم تغلب عليه صورة أحد النوعين فهو طاهر غير حلال، تمسكا بالأصل في الأمرين.

قوله: (كلب الماء طاهر).

(2) اقتصارا في نجاسة الكلب على المتعارف المتفاهم، و كلامه في الذكرى «1» يدل على خلاف فيه، و كذا خنزير الماء، و لا مانع من وقوع الذكاة عليهما.

قوله: (و يكره ذرق الدجاج).

(3) أي: غير الجلال لحل لحمه، و نجسه الشيخان «2»، و في المستند ضعف، فيحمل على الكراهية.

قوله: (و بول البغال و الحمير و أرواثها).

(4) قيل بنجاسة بولها للأمر بغسله «3»، و المشهور الطهارة مع الكراهة و هو الأصح.

قوله: (الخمر المستحيل في بواطن حبات العنب نجس).

(5) مراده: أن المستحيل خمرا في بواطن حبات العنب نجس، خلافا لبعض العامة «4»، و إن كانت عبارته غير فصيحة في تأدية هذا المعنى، لدلالتها على أن الاستحالة للخمر، و ليس كذلك، و الأمر في ذلك هين.

______________________________
(1) الذكرى: 11.

(2) المفيد في المقنعة: 9، و الطوسي في المبسوط 1: 12، و النهاية: 7.

(3) قاله ابن الجنيد كما في المختلف: 56، و الشيخ في النهاية: 51.

(4) المجموع 1: 159، و السراج الوهاج: 23.

 

166
جامع المقاصد في شرح القواعد1

ب: الدود المتولد من الميتة أو من العذرة طاهر ؛ ج 1، ص : 167

[ب: الدود المتولد من الميتة أو من العذرة طاهر]

ب: الدود المتولد من الميتة أو من العذرة طاهر. (1)

[ج: الآدمي ينجس بالموت]

ج: الآدمي ينجس بالموت، (2) و العلقة نجسة و ان كانت في البيضة. (3)

[د: اللبن تابع]

د: اللبن تابع. (5)

______________________________
قوله: (الدود المتولد من الميتة، أو من العذرة طاهر).

(1) و كذا القول في باقي النجاسات، لأن الأحكام تابعة للصورة النوعية و الاسم و قد زالا، و كما لا يكون المتولد عين نجاسة لا يكون متنجسا إلا مع بقاء شي‌ء من عين النجاسة عليه، و من هذا مني ذي النفس السائلة إذا صار حيوانا.

قوله: (الآدمي ينجس بالموت).

(2) هذا هو الأصح و المشهور بين الأصحاب، و خالف فيه المرتضى «1»، و سيأتي الكلام عليه- إن شاء اللَّه تعالى- في غسل مس الأموات.

قوله: (و العلقة نجسة و إن كانت في البيضة).

(3) وجهه ظاهر، فإن العلقة دم حيوان له نفس، أما ما يوجد في البيضة أحيانا من الدم- و هو الذي أراده المصنف بقوله: (و إن كانت في البيضة)- ففي النفس منه شي‌ء، إذ لا يعلم كونها من دم ذلك الحيوان، فالعلم بكونها علقة له أشد بعدا، و قد نبه، في الذكرى «2» على ذلك.

قوله: (اللبن تابع).

(4) أي: تابع للحيوان المتكون فيه، فان كان طاهرا فهو طاهر، و إلا فهو نجس، و في طهارة لبن الحيوان الذي عرضت له النجاسة بالموت قول، و به أخبار صحيحة «3»، و المشهور النجاسة، و هو الموافق لأصول المذهب، و عليه الفتوى.

و يمكن أن تكلف عبارة المصنف إفادة هذا المعنى، باعتبار أن الميتة نجسة فتبعها لبنها في النجاسة.

______________________________
(1) جمل العلم و العمل: 6 51.

(2) الذكرى: 13.

(3) الفقيه 3: 216 حديث 1006، التهذيب 9: 75، 76 حديث 320، 324.

167
جامع المقاصد في شرح القواعد1

ه‍: الانفحة ؛ ج 1، ص : 168

[ه‍: الانفحة]

ه‍: الانفحة- و هي لبن مستحيل في جوف السخلة- طاهرة و ان كانت ميّتة. (1)

[و: جلد الميتة لا يطهر بالدباغ]

و: جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، (2) و لو اتخذ منه حوض لا يتسع للكر نجس

______________________________
قوله: (الإنفحة- و هي لبن مستحيل في جوف السخلة- طاهرة، و إن كانت ميتة).

(1) اختلف الكلام في تفسير الإنفحة، قال في الجمهرة: و الانفحة- و قالوا: إنفحة- كرش الحمل، أو الجدي، قبل أن يستكرش «1».

و في الصحاح «2» الانفحة- بكسر الهمزة و فتح الفاء مخففة- كرش الحمل أو الجدي ما لم يأكل، فإذا أكل فهو كرش.

و عبارة ابن إدريس في السرائر «3» هي هذه بعينها.

و قال في القاموس: الإنفحة- بكسر الهمزة و قد تشدد الحاء، و قد تكسر الفاء- و المنفحة و البنفجة شي‌ء يستخرج من بطن الجدي الرضيع أصفر، فيعصر في صوفه فيغلظ كالجبن، فإذا أكل الجدي فهي كرش «4»، و هذه العبارة تقرب من تفسير المصنف، و عبارة (الذكرى)- مع خلوها عن تفسيرها- تشعر بالأول، لأن فيها، و الأولى تطهير ظاهرها من الميتة «5».

و حمل ذلك على اللبن مما لا يستقيم، و عده إنفحة بعيد عن شبه أكثر الأشياء التي لا تحلها الحياة، على أنه يلزم إما نجاسته لما يعينه و نجاسة محلّه، أو طهارة محله، و هذا هو الأظهر.

قوله: (جلد الميتة لا يطهر بالدباغ).

(2) هذا هو المشهور بين الأصحاب، بل هو إجماعي لانقراض المخالف، فان ابن الجنيد «6» طهر بالدباغ ما كان طاهرا في حال الحياة، و لم يجوز الصلاة فيه، استنادا إلى‌

______________________________
(1) الجمهرة 2: 178.

(2) الصحاح 1: 413 مادة «نفح».

(3) السرائر: 369.

(4) القاموس 1: 253 مادة «نفح».

(5) الذكرى: 14.

(6) حكاه عنه العلامة في المختلف: 64.

168
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في الأحكام ؛ ج 1، ص : 169

الماء فيه، و ان احتمله فهو نجس و الماء طاهر، فإن توضأ منه جاز إن كان الباقي كرا فصاعدا.

[الفصل الثاني: في الأحكام]

الفصل الثاني: في الأحكام تجب إزالة النجاسة عن البدن و الثوب للصلاة و الطواف و دخول المساجد (1) و عن الأواني لاستعمالها (2) لا مستقرا، (3)

______________________________
بعض الاخبار التي لا تنهض حجة مع وجود المعارض الأقوى
«1».

قوله: (الفصل الثاني: في الأحكام: تجب إزالة النجاسة عن البدن و الثوب للصلاة، و الطواف، و دخول المساجد).

(1) لا يخفى أنه إنما تجب إزالة النجاسة لشي‌ء مما ذكره، مع كون أحدها واجبا لا مطلقا، و هو معلوم مما سبق في أول الكتاب، لكن يعتبر في الوجوب لدخول المساجد كون النجاسة متعدية إلى المسجد، أو شي‌ء من آلاته على الأصح، و لما لم يكن الوجوب مشروطا بذلك عند المصنف أطلقه.

قوله: (و عن الأواني لاستعمالها).

(2) إنما يتحقق ذلك إذا كان الاستعمال في أمر مشروط بعدم النجاسة كالأكل و الشرب اختيارا.

قوله: (لا مستقرا).

(3) معطوف على محذوف، تقديره تجب إزالة النجاسة عن الثوب و البدن وجوبا متعلقا بالصلاة و الطواف، و عن الأواني وجوبا معلقا باستعمالها، لا وجوبا مستقرا في الذمة غير معلّق بشي‌ء في جميع ما ذكر.

و تجب مستقرا على الفور إزالتها عن المساجد و آلتها، لحديث (جنّبوا) «2»، و عن المصحف، و آلاته، و منسوباته كجلده و غلافه إذا كان فيه، أما منفردا فيحتمل، و عن الضرائح المقدسة و المشاهد الشريفة و آلاتها.

______________________________
(1) التهذيب 9: 78 حديث 332.

(2) ذكره الشهيد في الذكرى و قال: (و لم أقف على اسناد هذا الحديث النبوي).

169
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في الأحكام ؛ ج 1، ص : 169

سواء قلّت النجاسة أو كثرت عدا الدم، فقد عفي عن قليله في الثوب و البدن، و هو ما نقص عن سعة الدرهم البغلي، (1) إلّا دم الحيض و الاستحاضة و النفاس و نجس العين. (2)

______________________________
قوله: (و هو ما نقص عن سعة الدرهم البغلي).

(1) هو بإسكان الغين و تخفيف اللام منسوب إلى رأس البغل، ضربه الثاني في خلافته بسكة كسروية، وزنته ثمانية دوانيق كالدراهم الكسروية، و هذا الاسم حدث في الإسلام، و الوزن كما كان، و جرت في المعاملة مع الطبرية، و هي أربعة دوانيق، و في زمن عبد الملك جمع بينهما، و اتخذ الدراهم منهما، و استقر أمر الإسلام على ذلك، نقل ذلك شيخنا، في الذكرى عن ابن دريد «1»، و قيل بفتح الغين و تشديد اللام، منسوب الى بغل قرية بالجامعين، كان يوجد بها دراهم.

قال ابن إدريس: شاهدتها تقرب سعتها من أخمص الراحة «2»- و هو ما انحفض من باطن الكف- قال في القاموس: و الأخمص من باطن القدم ما لم يصب الأرض «3»، و لا نزاع في التسمية، و إن كان الرجوع إلى المنقول أولى، و شهادة ابن إدريس في قدره مسموعة.

قوله: (إلا دم الحيض، و الاستحاضة، و النفاس، و نجس العين).

(2) في موقوف أبي بصير: إن دم الحيض لا يعفى عن كثيره و لا قليله «4»، و عليه الأصحاب، و ألحقوا به دم الاستحاضة و النفاس، لاشتراكها في إيجاب الغسل، و هو مشعر بغلظ الحكم، و لأن دم النفاس حيض، و ألحق بها جمع من الأصحاب دم نجس العين- و هو الكلب و الخنزير و الكافر و الميتة- لتضاعف النجاسة «5».

______________________________
(1) الذكرى: 16.

(2) السرائر: 35.

(3) القاموس (خمص) 2: 302.

(4) الكافي 3: 405 حديث 3، التهذيب 1: 257 حديث 745.

(5) منهم: الشهيد في الدروس: 17، و البيان: 41.

170
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في الأحكام ؛ ج 1، ص : 169

و عفي أيضا عن دم القروح اللّازمة، و الجروح الدامية و ان كثر مع مشقّة الإزالة، (1) و عن النجاسة مطلقا فيما لا تتم الصلاة فيه منفردا، (2) كالتكة و الجورب و القلنسوة و الخاتم و النعل و غيرها من الملابس خاصة، إذا كانت في محالها. (3)

______________________________
قوله: (و عفي أيضا عن دم القروح اللازمة، و الجروح الدامية، و إن كثر مع مشقة الإزالة).

(1) ظاهر هذه العبارة يقتضي كون العفو منه مخصوصا بما إذا شق إزالته، و الرواية عن الصادق عليه السلام تدل على خلافه «1». و لا يجب تخفيفه و إن أمكن، و لا عصبه، لظاهر قوله عليه السلام: «تصلي و إن كانت الدماء تسيل» «2» و قوله عليه السلام:

«لست أغسل ثوبي حتى يبرأ» «3».

قوله: (فيما لا تتم الصلاة فيه منفردا).

(2) أراد بذلك إمّا البناء على الغالب، أو أنه لا تتم الصلاة فيه باعتبار وضعه المعين، و ليس من ذلك العمامة التي يمكن الستر بها، خلافا لابن بابويه «4».

قوله: (من الملابس خاصة إذا كانت في محالها).

(3) فلا يعفى عن نجاسة نحو الدراهم، و لا عن نجاسة الأشياء المذكورة، إذا كانت محمولة في غير محالها، قصرا للرخصة على الأشياء التي يغلب كونها مع المصلي، على الحالة الغالبة.

و يشكل كل من الحكمين، بعموم الحديث الدال على الجواز مطلقا من غير منافاة شي‌ء آخر له، فإنه ورد بهذا اللفظ: «كل ما كان على الإنسان، أو معه مما لا يجوز الصلاة فيه» الحديث، «5» إلا أن اشتراط ذلك أحوط.

______________________________
(1) التهذيب 1: 256 حديث 744، الاستبصار 1: 177 حديث 615.

(2) التهذيب 1: 258 حديث 749.

(3) الكافي 3: 58، حديث 1، التهذيب 1: 258 حديث 747.

(4) الهداية: 15.

(5) التهذيب 1: 275 حديث 810.

171
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في الأحكام ؛ ج 1، ص : 169

و لو زاد الدم عن سعة الدرهم مجتمعا وجبت إزالته، و الأقرب في المتفرّق الإزالة إن بلغه لو جمع. (1)

و يغسل الثوب من النجاسات العينيّة حتى تزول العين، أما الحكمية، كالبول اليابس في الثوب، فيكفي غسله مرة. (2)

______________________________
قوله: (و الأقرب في المتفرق وجوب الإزالة إن بلغه لو جمع).

(1) وجه القرب صحيحة ابن أبي يعفور، عن الصادق عليه السلام، المتضمنة للأمر بإزالة المتفرق إذا كان مقدار الدرهم مجتمعا «1»، و هو نص في الباب، و ليس مجتمعا خبرا لكان، و لا حالا مقدرة، لأن المقدرة هي التي زمانها غير زمان عاملها، بل هي حالة محققة.

فإن قيل: يجوز أن يكون خبرا بعد خبر، قلنا: فالحجة حينئذ عموم قوله تعالى:

(وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ) «2» و نحوه، و لا دليل على ثبوت العفو هنا، و قيل بعدم وجوب الإزالة و إن كثر، و الأول أقوى.

و لا فرق بين الثوب الواحد و الثياب المتعددة في الحكم بوجوب الإزالة، لو بلغه على تقدير الاجتماع، و منه يعلم أن المجتمع لو بلغه تجب إزالته بطريق أولى.

و لو أصاب الدم وجهي الثوب، فإن تفشي من جانب إلى آخر فدم واحد، و إلّا فدمان، و لو أصاب الدم المعفو عنه مائع طاهر فالعفو بحاله على الأصح، لعدم زيادة الفرع على أصله، لكن بشرط أن لا يبلغ المجموع الدرهم.

قوله: (اما الحكمية كالبول اليابس في الثوب فيكفي غسله مرّة).

(2) للعينية في كلام الفقهاء إطلاقات- و يقابلها الحكمية-:

الأول: ما تتعدى نجاسته مع الرطوبة، و هو مطلق الخبث، و هو أكثر معانيها دورانا على ألسنة الفقهاء، و تقابلها الحكمية، و هي ما لا تتعدى، و يتوقف رافعها على النية.

الثاني: ما كان عينا محسوسة مع قبول الطهارة كالدم، و الغائط، و البول قبل‌

______________________________
(1) التهذيب 1: 255 حديث 740، و الاستبصار 1: 176 حديث 611.

(2) المدثر: 4.

172
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في الأحكام ؛ ج 1، ص : 169

و يجب العصر إلّا في بول الرضيع، فإنه يكتفي بصب الماء عليه، (1)

______________________________
جفافه، و يقابلها الحكمية بهذا الاعتبار، كالبول اليابس في الثوب.

الثالث: ما كان عينا غير قابل للتطهير كالكلب و الخنزير، و يقابلها الحكمية بهذا الاعتبار أيضا.

إذا تقرر ذلك، فالذي اختاره المصنف من الاكتفاء بغسل البول عن الثوب مرّة، أحد القولين للأصحاب «1»، و الأصح وجوب المرتين في غسله عن الثوب و البدن، كما وردت به الأخبار الكثيرة الصريحة «2»، و أسانيد معظمها صحيحة، و تعدية هذا الحكم إلى غيره من النجاسات إما بطريق مفهوم الموافقة، أو بما أشير إليه في بعض الأخبار: من أن غسلة تزيل و أخرى تطهر «3» هو الظاهر.

قوله: (و يجب العصر إلا في بول الرضيع، فإنه يكتفي بصب الماء عليه).

(1) لا ريب في وجوب العصر إذا كان الغسل في غير الكثير و الجاري، لأن النجاسة تزول به، و لأن الماء القليل ينجس بها، فلو بقي في المحل لم يحكم بطهره (إذ لا يطهر أثر النجاسة إلا بعد الانفصال، على ما ذكره المصنف) «4». فعلى هذا لو جفّ الماء على المحل و لم ينفصل لم يطهر، و هذا إنما هو فيما لا يعسر عصره، أما نحو الحشايا فيكفي فيها الدق و التغميز للرواية «5».

و يستثني من ذلك بول الرضيع الذي لم يغتذ بغير اللبن كثيرا بحيث يزيد على اللبن أو يساويه، و لم يتجاوز سن الرضاعة، لأن غير من ذكر لا يعد رضيعا، فإنه يكتفى بصب الماء على محلّه، و لا يشترط جريانه على المحل، و لا انفصاله بطريق أولى، بخلاف‌

______________________________
(1) ذهب الى القول بالغسل مرة: المرتضى في الانتصار: 16، و الجمل: 50، و أبو الصلاح في الكافي في الفقه: 127، و الشيخ الطوسي في الجمل و العقود: 157 و لمزيد الاطلاع راجع مفتاح الكرامة 1: 42.

و ذهب الى القول بالغسل مرتين: الصدوق في الفقيه 1: 21، و سلار في المراسم: 33، و المحقق في المعتبر 1: 127، و الشهيد في الدروس: 17.

(2) الكافي 3: 55 حديث 1، التهذيب 1: 249 حديث 714- 718.

(3) عوالي اللآلي 1: 348 حديث 131.

(4) ما بين الهلالين زيادة من نسخة «ح».

(5) الكافي 3: 55 حديث 2، التهذيب 1: 251 حديث 724.

173
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في الأحكام ؛ ج 1، ص : 169

و لو اشتبه موضع النجاسة وجب غسل جميع ما يحتمل ملاقاتها له، (1) و كل نجاسة عينيّة لاقت محلا طاهرا، فان كانا يابسين لم يتغيّر المحل عن حكمه، إلّا الميت فإنه ينجّس الملاقي له مطلقا. (2)

و يستحب رش الثوب الذي أصابه الكلب، أو الخنزير، أو الكافر يابسين. و لو كان أحدهما رطبا نجس المحل.

و لو صلّى و على بدنه أو ثوبه نجاسة مغلّظة، و هي التي لم يعف عنها (3) عالما أو ناسيا أعاد مطلقا.

______________________________
بول الرضيعة للأمر بغسله.

و اعلم أن المصنف جعل مراتب إيراد الماء ثلاثا، النضح لجميع المحل بالماء مجرّدا عن الغلبة، و مع الغلبة و مع الجريان، و لا حاجة في الصب إلى الجريان، بل النضح مع الغلبة، و كذا الرش، إذ لا بد من كون الماء قاهرا للنجاسة، أما الغسل فلا يصدق إلا مع الجريان، و قد ورد استحباب الرش في مواضع و سيأتي بعضها في كلام المصنف.

قوله: (و لو اشتبه موضع النجاسة وجب غسل جميع ما يحتمل ملاقاتها له).

(1) لأن الدخول به في الصلاة موقوف على القطع بطهارته، و هو موقوف على غسل الجميع، أما الحكم بعدم تعدي النجاسة منه فليس موقوفا على ذلك.

قوله: (إلا الميت فإنه ينجس الملاقي له مطلقا).

(2) أي: ميت الآدمي، و المراد بالإطلاق مع الرطوبة و عدمها، استنادا الى الأمر بغسل اليد من ملاقاته من غير تقييد، و يعارض بقوله عليه السلام: «كل يابس ذكي» «1» و الأصح اشتراط الرطوبة كغيره.

قوله: (و لو صلّى و على بدنه أو ثوبه نجاسة مغلظة- و هي التي لم يعف عنها.).

(3) قد سبق الكلام على هذه المسألة في أحكام المياه، و إنما أعاد الكلام عليها‌

______________________________
(1) التهذيب 1: 49 حديث 141.

174
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في الأحكام ؛ ج 1، ص : 169

و لو جهل النجاسة أعاد في الوقت لا خارجه، و لو علم في الأثناء ألقى الثوب و استتر بغيره و أتمّ، (1) ما لم يفتقر الى فعل كثير، أو استدبار فيعيد. (2)

و تجتزي المربّية للصبي ذات الثوب الواحد أو المربي بغسله في اليوم مرة (3)

______________________________
هاهنا، لأن موضع البحث عنها في الحقيقة هو أحكام النجاسات، فأعادها مع زيادة.

قوله: (و لو علم في الأثناء ألقى الثوب و استتر بغيره و أتم).

(1) هذا إذا لم يعلم سبق النجاسة بأن جوّز حصولها حين الوجدان، لأن الأصل عدم التقدم، أما لو علم سبقها، فعلى القول: بأن الجاهل بالنجاسة يعيد في الوقت، يجب الإعادة، و قد نبّه على ذلك في الذكرى «1»، فلا بد من تقييد عبارة الكتاب بما يدفع عنها التنافي.

و لو علم بعد خروج الوقت و هو متلبس بالصلاة، لم يبعد البناء على صلاته مع طرح ما بقي فيه لئلا يلزم وجوب القضاء على الجاهل بالنجاسة.

قوله: (ما لم يفتقر إلى فعل كثير أو استدبار فيستأنف).

(2) إذا كان في الوقت سعة فلا إشكال في الاستئناف هنا، أما مع الضيق ففيه إشكال ينشأ: من أن النجاسة مانع الصحة، و من أن أداء الفريضة في الوقت واجب بحسب الإمكان، و أفتى في البيان بالاستمرار مع الضيق «2».

قوله: (و يجزئ المربية للصبي- ذات الثوب الواحد- و المربي بغسله في اليوم مرّة).

(3) مورد الرواية- عن الصادق عليه السلام- مولود «3»، و المتبادر منه الصبي، و هكذا فهم الأصحاب، و لا يبعد أن يقال بشمول الحكم الصبية لصدق المولود عليها، و احترز بكونها ذات واحد عن ذات الثوبين، فلا تنالها هذه الرخصة وقوفا مع ظاهر الرواية، و هذا إنما يكون حيث لا تحتاج الى لبس الثوبين دفعة، فان احتاجت إلى ذلك لبرد و شبهه فكالثوب الواحد، و المراد باليوم الليل و النهار، إما لأن مسمى اليوم ذلك، أو‌

______________________________
(1) الذكرى: 17.

(2) البيان: 42.

(3) الفقيه 1: 41 حديث 161، التهذيب 1: 250 حديث 719.

175
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في الأحكام ؛ ج 1، ص : 169

ثم تصلّي باقيه فيه ان نجس بالصبي لا بغيره. (1)

و لو اشتبه الطاهر بالنجس و فقد غيرهما، (2) صلى في كلّ واحد منهما الصلاة الواحدة.

______________________________
بالتبعية و التغليب.

و مورد الرواية تنجس الثوب بالبول، فيمكن قصر الحكم عليه بالعفو اقتصارا على المنصوص، و ربما كنّى بالبول عن النجاسة الأخرى، كما هو قاعدة لسان العرب في ارتكاب الكناية فيما يستهجن التصريح به، و الظاهر اعتبار كون الغسل في وقت الصلاة، لأن الأمر بالغسل يقتضي الوجوب، و لا وجوب في غير وقت الصلاة، و لو جعلته آخر النهار كان أولى لتصلي أربع صلوات فيه.

و هل يجب إيقاع الصلاة عقيب الغسل؟. الرواية مطلقة، و الوجوب بعيد، نعم هو أولى، و ألحق المصنف بالمربية المربي، و غيره بالمولود المتحد المتعدد، نظرا إلى الاشتراك في المشقة و عدم تعقل الفرق، و هو محتمل.

قوله: (ثم تصلي باقيه فيه، و إن نجس بالصبي لا بغيره).

(1) المراد باقي اليوم مع الليل، و قوله: (و إن نجس بالصبي) يعم نجاسة البول و الغائط، و ربما أورد عليه أنه لا حاجة إلى الواو لحصول المعنى بدونه، و أجيب بأن حذفه يقتضي فساد المعنى، لأن النجاسة بالصبي حينئذ تكون شرطا لصحة الصلاة، فلا تصح بدونها.

و فيه نظر، لأن صحتها مع النجاسة تدل على صحتها بدونها بطريق أولى، و لأن المتبادر من قوله: (ثم تصلي باقيه فيه) مع قوله: (و تجتزئ) التخفيف في باقي الزمان بعدم إيجاب الغسل، و لا يتحقق التخفيف إلا مع النجاسة، و لأنه يصح الاشتراط بالإضافة إلى قوله: (لا بغيره).

و الحق أن كلا من الأمرين جائز، و إن كان مع الواو أحسن، لدلالته حينئذ بمنطوقه على الصورتين، و لمّا كان العفو عن نجاسة الصبي بعد الغسل مرّة هو مورد الرواية، و محل الحاجة، لم يثبت العفو فيما لو تنجس بغيره.

قوله: (و فقد غيرهما).

(2) إنما اشترط ذلك لأن الجزم في النية شرط الصحة، و مع الصلاة في الثوبين لا‌

176
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في الأحكام ؛ ج 1، ص : 169

و لو تعدد النجس زاد في الصلاة على عدده بواحدة، و مع الضيق يصلّي عاريا، (1) و لو لم يجد إلّا النجس تعيّن نزعه و صلّى عاريا، و لا إعادة عليه، (2)

______________________________
جزم، إذ لا يعلم أي الصلاتين فرضه لعدم علمه بالثوب الطاهر.

أما مع فقد غيرهما فلا مانع، لأن الجزم إنما يجب بحسب الممكن، و خالف ابن إدريس فمنع من الصلاة فيهما مطلقا، و حتم الصلاة عاريا مع فقد غيرهما، احتجاجا بما سبق «1»، و جوابه ما تقدم.

و يمكن الجواب بأن الجزم في المتنازع أيضا حاصل، لأن كلا من الصلاتين واجب، لأن يقين البراءة متوقف عليهما، و هذا المقدار كاف في حصول الجزم.

قوله: (و مع الضيق يصلي عاريا).

(1) لتعذر العلم بالصلاة في الطاهر بيقين، و الأصح يقين الصلاة في واحد من الثوبين أو الثياب، استصحابا لما كان قبل الضيق، و لإمكان كون الصلاة واقعة في ثوب، و النجاسة مغتفرة مع تعذّر إزالتها، كما سيجي‌ء.

و لا يخفى أنه يجب رعاية الترتيب في الثياب و الصلوات المتعددة، فلو صلّى الظهر في أحد المشتبهين، ثم صلى العصر في الآخر، ثم الظهر، ثم نزعه و صلى العصر فيما صلّى به الظهر أولا لم يبرأ، لإمكان كون الطاهر هو الثاني، فيختل الترتيب.

قوله: (و لو لم يجد إلّا النجس تعين نزعه، و صلى عاريا، و لا إعادة عليه).

(2) هذا مذهب الشيخ «2» و جمع من الأصحاب «3»، للأمر بالصلاة عاريا في عدة أخبار «4»، و الحق ما ذهب اليه المصنف في المنتهى «5» من التخيير بين الصلاة فيه‌

______________________________
(1) السرائر: 37.

(2) المبسوط 1: 39، النهاية: 55، الخلاف 1: 81 مسألة 97 كتاب الصلاة.

(3) منهم: المحقق في الشرائع 1: 54، و ابن إدريس في السرائر: 38، و السيوري في التنقيح الرائع 1: 53.

(4) الكافي 3: 396 حديث 15، التهذيب 1: 405، 406 حديث 1271، 1278 و ج 2: 223 حديث 881، 882.

(5) المنتهى 1: 182.

177
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في الأحكام ؛ ج 1، ص : 169

و لو لم يتمكن من نزعه لبرد أو غيره صلّى فيه و لا إعادة. (1)

و تطهر الحصر، و البواري، و الأرض، و النبات، و الأبنية بتجفيف الشمس خاصة من نجاسة البول و شبهه كالماء النجس، (2) لا ما تبقى عين النجاسة فيه.

______________________________
و عاريا لرواية علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام
«1» و الصلاة فيه أفضل، لحصول الستر و استيفاء جميع أفعال الصلاة، و مانعية النجاسة على بعض الأحوال، و على كل تقدير فلا إعادة، قال في المنتهى: لو صلى عاريا فلا إعادة، قولا واحدا «2».

قوله: (و لو لم يتمكن من نزعه لبرد أو غيره صلى فيه و لا إعادة).

(1) أوجب الشيخ الإعادة إذا لم يجد ما يغسله به فتيمم و صلى فيه، ثم وجد الماء «3»، و مستنده ضعيف.

قوله: (و تطهر الحصر و البواري و الأرض و النبات بتجفيف الشمس خاصة من نجاسة البول و شبهه كالماء النجس).

(2) و قيل: إن الحكم مقصور على الحصر و البواري و الأرض و النبات بتجفيف الشمس خاصة من نجاسة البول و شبهه كالماء النجس).

و قيل: إن الحكم مقصور على الحصر و البواري و الأرض و أنها لا تطهر، بل تجوز الصلاة عليها «4»، و عموم النص المصرح بالطهارة يدفعها «5»، نعم لا تطهر المنقول عادة، سوى ما ذكر، و ما لا ينقل عادة كالأخشاب، و الأبواب المثبتة في البناء، و الأشجار، و الفواكه الباقية على أصولها، و الزرع القائم لا الحصيد إذا جف بالشمس طهر و لا بد في التجفيف من كونه بإشراق، فلا يكفى التجفيف بالحرارة و الريح، خلافا للشيخ في الخلاف «6»، و لا ريب أن ما يبقى عين النجاسة فيه لا يطهر كصفرة البول المتغير، و متى أشرقت الشمس مع رطوبة المحل طهر الظاهر و الباطن «7»،

______________________________
(1) قرب الاسناد: 89، التهذيب 2: 224 حديث 884.

(2) المنتهى 1: 182.

(3) المبسوط 1: 39.

(4) حكاه المحقّق الحلي في «المعتبر» عن الراوندي و ابن حمزة، و استحسنه هو أيضا، و حكاه العاملي في «مفتاح الكرامة» عن ابن الجنيد أيضا.

انظر: المعتبر 1: 446، الوسيلة 1: 75- 76، و مفتاح الكرامة 1: 183.

(5) الفقيه 1: 157 حديث 732، التهذيب 1: 273 حديث 804 و ج 2: 377 حديث 1572.

(6) الخلاف 1: 36 مسألة 186 كتاب الطهارة.

(7) في نسخة «ح» الباطن و الظاهر.

178
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في الأحكام ؛ ج 1، ص : 169

و تطهّر النار ما أحالته، (1) و الأرض باطن النعل و أسفل القدم. (2)

و تطهر الأرض بإجراء الماء الجاري أو الزائد على الكر عليها، (3) لا بالذنوب و شبهه. (4)

______________________________
إذا جف الجميع بها.

قوله: (و تطهّر النار ما أحالته).

(1) المراد بالإحالة: صيرورته رمادا أو دخانا بالإجماع، أو فحما على أظهر الوجهين.

قوله: (و الأرض باطن النعل و أسفل القدم).

(2) و كذا أسفل الخف و ما ينتعل عادة كالقبقاب، للنص «1» و الإجماع، و لا بد من زوال عين النجاسة بالأرض و اجزائها التي لم يخرج عنها بالاستحالة، و يشترط طهارتها و جفافها، و لا يشترط المشي بل يكفي المسح المزيل للعين، و كذا لا يشترط جفاف النجاسة، و لا كونها ذات جرم للعموم.

قوله: (أو الزائد على الكر عليها).

(3) الظاهر أنه لا تشترط الزيادة على الكر إذا صب الماء عليها دفعة، نعم لو أجرى منه ساقية بحيث يخرج الماء إلى النجس شيئا فشيئا، فلا بد من الزيادة، بحيث يبقى بعد وروده على المحل النجس كرّ.

قوله: (لا بالذّنوب و شبهه).

(4) بفتح الذال المعجمة: الدلو فيها ماء، أو الملأى، أو دون المل‌ء، ذكره في القاموس «2»، و إنما لم يطهر به، لأنه انما يطهر بالغسل بالقليل ما ينفصل الماء المغسول به عنه كما سيأتي، و ليست الأرض كذلك.

و قال الشيخ يطهر بذلك «3»، لأمر النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله بإلقائه على بول الأعرابي في المسجد «4»، و لا دلالة فيه على كونه قليلا، و لا على حصول الطهارة بإلقائه،

______________________________
(1) الكافي 3: 38 باب الرجل يطأ على العذرة.

(2) القاموس (ذنب) 1: 71.

(3) المبسوط 1: 92.

(4) صحيح البخاري 1: 65 باب 58، صحيح مسلم 1: 236 حديث 99، سنن أبي داود 1: 103 حديث 380.

179
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في الأحكام ؛ ج 1، ص : 169

و يطهر الخمر بالانقلاب خلا و إن طرح فيها أجسام طاهرة، (1) و لو لاقتها نجاسة أخرى لم تطهر بالانقلاب.

و طين الطريق طاهر ما لم يعلم ملاقاة النجاسة له، (2) و يستحبّ إزالته بعد ثلاثة أيام. (3) و دخان الأعيان النجسة (4) و رمادها طاهران.

و في تطهّر الكلب و الخنزير إذا وقعا في المملحة فصارا ملحا، (5)

______________________________
فربما جعل معدا لتجفيف الشمس، و نحو ذلك.

قوله: (و يطهر الخمر بالانقلاب خلا و إن طرح فيها أجسام طاهرة).

(1) و كذا العصير بعد غليانه المنجّس له، و النبيذ، و يطهر الإناء و إن كانت قد غلت ثم نقصت، و لا فرق في الأجسام الطاهرة بين كونها جامدة و مائعة، ما لم يتطرق إلى المائعة إمكان الاستهلاك ظاهرا للغلبة مع بقاء الخمرية.

قوله: (و طين الطريق طاهر ما لم يعلم ملاقاة النجاسة له).

(2) المراد بالطريق: ما يعم شوارع البلد التي يستطرقها الناس كثيرا، و إن كانت مظنّة النجاسة.

قوله: (و يستحب إزالته بعد ثلاثة أيام).

(3) لقول أبي الحسن عليه السلام في طين الطريق: «لا بأس به أن يصيب الثوب ثلاثة أيام، إلا أن يعلم أنه قد نجّسه شي‌ء بعد المطر، و إن أصابه بعد ثلاثة أيام فاغسله، و إن كان الطريق نظيفا لم يغسله» «1»، و المراد بالأمر بالغسل الاستحباب، كما فهمه الأصحاب، لعدم المقتضي للتنجيس.

قوله: (و دخان الأعيان النجسة.).

(4) سيأتي في الاستصباح بالدهن النجس في التجارة كلام لبعض الأصحاب يقتضي نجاسة دخان النجس، و أن الأصح الطهارة.

(5) قوله: (و في تطهر الكلب و الخنزير إذا وقعا في المملحة فصارا ملحا،

______________________________
(1) الكافي 3: 13 حديث 4، الفقيه 1: 41 حديث 163.

180
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في الأحكام ؛ ج 1، ص : 169

و العذرة إذا امتزجت بالتراب، و تقادم عهدها حتى استحالت ترابا نظر.

______________________________
و العذرة إذا امتزجت بالتراب، و تقادم عهدها حتى استحالت ترابا نظر).

(1) ينشأ من أن اجزاء النجاسة باقية لم تزل، و إنما تغيرت الصورة، و كما أن النجاسة حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل، كذا حصول الطهارة موقوف على الدليل و لم يثبت، و من أن مناط النجاسة هو تلك الصورة مع الاسم، لأن أحكام الشرع جارية على المسميات بواسطة الأسماء، لأن المخاطب بها كافة الناس، فينزل على ما هو المتفاهم بينهم عرفا أو لغة كما يليق بالحكمة، و لا ريب أن الذي كان من أفراد نوع الكلب قبل الاستحالة، بحيث يصدق عليه اسمه، قد زال عنه ما كان، و صار في الفرض من أفراد الملح، بحيث لا يصدق عليه ذلك الاسم، بل يعد إطلاقه غلطا.

و كذا القول في العذرة بعد صيرورتها ترابا، فيجب الآن أن يجري عليها الأحكام المرتبة شرعا على التراب و الملح، على أن جميع ما أجمعوا على طهارته من نحو العذرة تصير دودا، و المني يصير حيوانا طاهر العين، و نحو ذلك، لا يزيد على هذا، فكان التوقف في الطهارة هنا لا وجه له.

و قد خرّج الشارح الفاضل ولد المصنف بقاء النجاسة، تارة على كونها ذاتية لهذه الأعيان، و أخرى على أن الباقي مستغن عن المؤثر، و زوالها على احتياجه «1»، و هو تخريج غير واضح، لأن المراد بكون النجاسة ذاتية للشي‌ء حكم الشارع بها، لا باعتبار طروء شي‌ء آخر عليه، و هذا لا دخل له في بقاء النجاسة و زوالها، و ليس المراد بكونها ذاتية معنى آخر، و لو أريد لم يستقم.

و بناء الطهارة على احتياج الباقي غير واضح، لأن احتياجه في الإبقاء لا يقتضي زواله باختلاف الزمان، و لا بتغير محله، و إلا لكان الحكم الشرعي الثابت- بدليل- في كل آن زائلا، أو بكل تغير يعرض لمحله، و هو معلوم الفساد، و قد تقرر في الأصول: أن استصحاب الحال حجة إلى أن يحصل الناقل.

فان قيل: لما كان المقتضي للنجاسة هو تعليق الشارع إياها بالاسم و الصورة‌

______________________________
(1) إيضاح الفوائد 1: 31.

181
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في الأحكام ؛ ج 1، ص : 169

و تكفي إزالة العين و الأثر و ان بقيت الرائحة، و اللّون العسر الإزالة (1) كدم الحيض، و يستحب صبغه بالمشق و شبهه. (2)

______________________________
المخصوصين وجب أن يعتبر بقاؤهما في بقائه.

قلنا: ليس المقتضي للنجاسة هنا ذلك، بل المقتضي لها نص الشارع على نجاسة الجسم المعين، و لا يعتبر لبقاء الحكم إلا بقاء ذلك الجسم، و لا دخل لاحتياج الباقي و استغنائه في بقاء الحكم و زواله، مع بقاء المحل، فان ذلك مخل بحجية الاستصحاب.

على أن هذا البناء لا يستقيم أصلا، لأن احتياج الباقي و عدمه، إنما هو في العلل الحقيقية المؤثرة دون علل الشرع، فإنها معرفات الأحكام، و الحكم بعد ثبوته بدلالة معرّفة عليه مستغن عن التعريف الى أن يثبت معرّف بحكم آخر.

و الحق أن تخريج مسائل الفقه على مثل هذه القواعد بعيد، و ينبغي أن تفرض المسألة فيما إذا كانت العذرة يابسة، إذ لو كانت رطبة لتنجست الأرض بها، فإذا استحالت اختلطت أجزاؤها بالمتنجسة، فلا تكون طاهرة، نعم لا تكون عين نجاسة.

قوله: (و إن بقيت الرائحة و اللون العسر الإزالة).

(1) هذا إذا لم تكن الرائحة في الماء، فان علم تغيره بها نجس، و إلا فلا عبرة بها، و كذا لا عبرة باللون العسر الإزالة، فيعفى عنه للرواية «1» و المشقة، و المراد العسر عادة، فلو كان بحيث يزول بمبالغة كثيرة لم يجب.

و هل يتعين له نحو الأشنان و الصابون، أم يتحقق العسر بمجرد الغسل بالماء إذا لم يزل به؟ كل محتمل و الأصل يقتضي الثاني، و الاحتياط الأول.

قوله: (و يستحب صبغه بالمشق و شبهه).

(2) هو بكسر الميم، و إسكان الشين المثلثة: المغرة محركة، و مستند ذلك النص «2»، و المتبادر صبغ موضع الدم، و يحتمل صبغ جميع الثوب، لأن الظاهر أن المراد زوال صورته من النفس، و لا يتحقق إلا بالجميع.

______________________________
(1) الكافي 3: 17 حديث 9، الفقيه 1: 42 حديث 165، التهذيب 1: 28 حديث 75.

(2) التهذيب 1: 257 حديث 746، و المغرة: طين أحمر تصبغ به الثياب (الصحاح 2: 818- مغر-).

182
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في الأحكام ؛ ج 1، ص : 169

و يستحب الاستظهار بتثنية الغسل و تثليثه بعد إزالة العين. (1) و انما يطهر بالغسل ما يمكن نزع الماء المغسول به عنه، لا ما لا يمكن كالمائعات و ان أمكن إيصال الماء إلى أجزائها بالضرب. (2)

______________________________
قوله: (و يستحب الاستظهار بتثنية الغسل و تثليثه بعد إزالة العين).

(1) هو إمّا استفعال من الطهارة، أو من الظهور، أي: طلب الطهارة، أي المبالغة فيها، أو طلب ظهورها، فيصح كون الطاء مهملة و معجمة، و هذا إنما يتمشى على الاكتفاء بغسلة واحدة، أما على القول بوجوب التعدد فتستحب الثالثة حيث لا يجب، و إنما يعتد بالغسل الذي تذهب به العين، أما غيره فلا عبرة به.

قوله: (و إنما يطهر بالغسل ما يمكن نزع الماء المغسول به عنه، لا ما لا يمكن كالمائعات، و إن أمكن إيصال الماء إلى أجزائه بالضرب).

(2) لما ثبت اشتراط انفصال الماء المغسول به عن محل النجاسة إذا كان قليلا، إما بنفسه أو بالعصر فيما يعصر، أو بآلة كخرقة أو إناء، وجب قصر الحكم على ما يمكن نزع الماء عنه كالخشب، و الحجر، و الثوب، و البدن، و لا تضر الثقوب و المسام التي لا يمتنع نزع الماء منها، أما نحو الصابون، و الورق، و الطين و الحبوب، و الجبن ذي المسام المانعة من فصل الماء، و المائعات فلا تطهر بالقليل، بل يتخلل الكثير لها، و قد سبق في بحث المياه بيان تطهير المائعات من ماء و غيره.

و في طهارة الدهن المائع بالكثير إذا ضرب و شاع فيه الماء قول، اختاره المصنف في المنتهى «1»، و التذكرة «2» إذا علم وصول الماء إلى جميع أجزائه، و هو حق على هذا التقدير، إلا أنه لا يعلم، بل قد يعلم خلافه، لأن الدهن يبقي في الماء مودعا فيه غير مختلط به، و إنما يصيب سطحه الظاهر، و لو كان الدهن جامدا جدا كسائر الجامدات طهر ظاهره بالغسل، كالألية قبل أن تذاب، و إلا فيكشط ما يكتنف النجاسة كالسمن.

و لو كان منه على البدن شي‌ء طهر بالغسل، إذا لم يكن له جرم، لما ورد من‌

______________________________
(1) المنتهى 1: 180.

(2) التذكرة 1: 9.

183
جامع المقاصد في شرح القواعد1

فروع ؛ ج 1، ص : 184

[فروع]

فروع:

[أ: لو جبر عظمه بعظم نجس]

أ: لو جبر عظمه بعظم نجس وجب نزعه مع الإمكان. (1)

[ب: لا يكفي إزالة عين النجاسة بغير الماء كالفرك]

ب: لا يكفي إزالة عين النجاسة بغير الماء كالفرك، (2) و لو كان الجسم صقيلا كالسيف لم يطهر بالمسح. (3)

______________________________
كراهة الادهان قبل الغسل
«1»، و لأن هذا القدر غير مانع من وصول الماء إلى البدن، و ضمير (اجزائه) في العبارة يعود إلى (ما) في قوله: (لا ما لا يمكن)، و في كثير من النسخ اجزاؤها للمائعات، و هو حسن.

قوله: (لو جبر عظمه بعظم نجس وجب نزعه مع الإمكان).

(1) الظاهر أن المراد به نجس العين كعظم الكلب، لأن المسألة مفروضة فيه، لكن على ما اختاره أصحابنا، لا فرق بين نجس العين و المتنجس، و المراد بإمكان النزع عدم حصول مشقة كثيرة لا يتحمل مثلها عادة، سواء خشي تلف عضو أم لا، و مثله ما لو خاط جرحه بخيط نجس، فلو صلّى مع إمكان النزع بطلت، لأنه حامل نجاسة مغلظة.

و احتمل في الذكرى «2» مع اكتساء اللحم عدم الوجوب، أي: و إن لم يكن في النزع مشقة لالتحاق ذلك بالباطن، و هو بعيد عن البواطن المعهودة للنجاسات المختصة بها، و قال الشافعي: يجب النزع إلا أن يخشى تلفه، أو تلف عضو من أعضائه «3»، و نفي الحرج الحاصل بالمشقة يدفعه.

قوله: (لا يكفي إزالة عين النجاسة بغير الماء كالفرك).

(2) خالف أبو حنيفة في ذلك، فاجتزأ بفرك المني عن الثوب يابسا «4».

قوله: (و لو كان الجسم صقيلا كالسيف لم يطهر بالمسح).

(3) خالف في ذلك السيد المرتضى، فحكم بطهارة الصيقل بالمسح «5»، و هو‌

______________________________
(1) الكافي 3: 51 حديث 6، التهذيب 1: 129 حديث 355، الاستبصار 1: 117 حديث 393.

(2) الذكرى: 17.

(3) المجموع شرح المهذب 3: 137.

(4) المبسوط للسرخسي 1: 81، شرح فتح القدير 1: 173، اللباب في شرح الكتاب 1: 51.

(5) لم نجد القول في كتب السيد المتوفرة لدينا و نقله عنه العلامة في المختلف: 63.

184
جامع المقاصد في شرح القواعد1

ج: لو صلى حاملا لحيوان غير مأكول صحت صلاته ؛ ج 1، ص : 185

[ج: لو صلّى حاملا لحيوان غير مأكول صحّت صلاته]

ج: لو صلّى حاملا لحيوان غير مأكول صحّت صلاته، بخلاف القارورة المصمومة المشتملة على النجاسة، (1) و لو كان وسطه مشدودا بطرف حبل طرفه الآخر مشدود في نجاسة صحّت صلاته و ان تحركت بحركته. (2)

______________________________
ضعيف، لأن زوال النجاسة حكم شرعي، فيتوقف على الشرع.

قوله: (لو صلى حاملا لحيوان غير مأكول صحت صلاته، بخلاف القارورة المصمومة المشتملة على النجاسة).

(1) الحجة في ذلك حمل النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله أمامة بنت أبي العاص و هو يصلي «1»، و للأصل السالم عن معارضة ما يقتضي المنافاة، و ليست القارورة المصمومة الرأس- أي: المسدودة الرأس برصاص و نحوه، فان صم القارورة، بالصاد المهملة: سدها- كالحيوان غير المأكول على الأصح، و إن تردد فيه الشيخ في الخلاف «2» و في المنتهى بعد أن قوى المنع من ذلك قال: و إن كان لم يقم عندي عليه دليل «3»، و جوّزه في المعتبر مطالبا بدليل المنع في مثله «4»، فعلى قوله لا حاجة إلى سدّ رأس القارورة.

و من اشترطه من العامة «5» إنما أراد به القياس على الحيوان المحمول، إذ لا يقولون بالعفو عن نجاسة ما لا تتم فيه الصلاة، و لو كان الحيوان مذبوحا فكالقارورة، لصيرورة الظاهر و الباطن- المشتمل على النجاسة- سواء بعد الموت، و لأن حمل جلد غير المأكول لحمه ممنوع منه في الصلاة.

قوله: (و لو كان وسطه مشدودا بطرف حبل، طرفه الآخر مشدود في نجاسة صحت صلاته و إن تحركت بحركته).

(2) لانتفاء اللبس و الحمل، و المنع منوط بهما، و كذا لو نجس طرف ثوبه الذي لا‌

______________________________
(1) صحيح البخاري 1: 137 باب 137، صحيح مسلم 1: 385 حديث 543 سنن النسائي 2: 95، سنن أبي داود 1: 241، الموطأ 1: 170 حديث 81.

(2) الخلاف 1: 109 مسألة 191 كتاب كيفية الصلاة.

(3) المنتهى 1: 184.

(4) المعتبر 1: 443.

(5) المجموع شرح المهذب 3: 150 و في ص 148 شرط بالنجس الا يتحرك بتحرك المصلي فتصح الصلاة.

185
جامع المقاصد في شرح القواعد1

د: ينبغي في الغسل ورود الماء على النجس ؛ ج 1، ص : 186

[د: ينبغي في الغسل ورود الماء على النجس]

د: ينبغي في الغسل ورود الماء على النجس، فان عكس نجس الماء و لم يطهر المحل. (1)

[ه‍: اللّبن إذا كان ماؤه نجسا أو نجاسة طهر بالطبخ على اشكال]

ه‍: اللّبن إذا كان ماؤه نجسا أو نجاسة طهر بالطبخ على اشكال، (2) و لو كان بعض أجزائه نجاسة كالعذرة.

______________________________
يقله في شي‌ء من أحوال الصلاة- كالعمامة الطويلة- لانتفاء الحمل و اللبس على موضع النجاسة، كما ذكره الشيخ في المبسوط
«1» و جماعة «2».

قوله: (ينبغي في الغسل ورود الماء على النجس، فلو عكس نجس الماء و لم يطهر المحل).

(1) ينبغي قد تستعمل في الوجوب، و الأكثر استعمالها في الندب، و المراد بها هنا الوجوب، بدليل قوله: (فلو عكس.) و إنما اشترط الورود، لأن الوارد عامل فلا يتنجس، بل يفيد المحل الطهارة.

و هذا فيما يمكن فيه الورود، أما ما لا يمكن كالإناء، فيحتمل عدم الاشتراط إلا أن يكتفى بأول وروده. كذا قيل «3»، و الحق أنه لا يراد بالورود أكثر من هذا، و إلا لم يتحقق الورود في شي‌ء مما يحتاج فصل الغسالة عنه إلى معونة شي‌ء آخر.

و يحتمل عدم اشتراط الورود مطلقا، لأن ملاقاة الماء القليل للنجاسة حاصل على التقديرين، و وروده لا يخرجه عن كونه ملاقيا، و فيه ضعف، خصوصا على القول بأن النجاسة في الماء بعد انفصاله لا قبله، فيلزم تنجس القليل بالملاقاة و عدمه.

قوله: (اللبن إذا كان ماؤه نجسا، أو نجاسة طهر بالطبخ على إشكال).

(2) ينشأ من ادعاء صدق الاستحالة، و قول أبي الحسن عليه السلام في الجص يوقد عليه بالعذرة و عظام الموتى: «إن الماء و النار قد طهراه» «4»، و من أن الاستحالة إنما تتحقق مع زوال الصورة النوعية، التي هي مدار التسمية و الاسم، و لم يحصل،

______________________________
(1) المبسوط 1: 94.

(2) منهم: العلامة في التذكرة 1: 94، و الشهيد في الذكرى: 150.

(3) قاله السيد المرتضى في الناصريات (الجوامع الفقهية): 215.

(4) الكافي 3: 330 حديث 3، الفقيه 1: 175 حديث 829، التهذيب 2: 235 حديث 928.

186
جامع المقاصد في شرح القواعد1

و: لو صلى في نجاسة معفو عنها - كالدم اليسير ؛ ج 1، ص : 187

 

[و: لو صلّى في نجاسة معفو عنها- كالدم اليسير]

و: لو صلّى في نجاسة معفو عنها- كالدم اليسير، أو فيما لا تتم الصلاة فيه منفردا- في المساجد بطلت. (1)

[كلام في الآنية]

كلام في الآنية: (2) و أقسامها ثلاثة:

الأول: ما يتّخذ من الذهب أو الفضة، و يحرم استعمالها في أكل و شرب و غيره. (3)

______________________________
و الحديث لا دلالة فيه. و لو في قوله: (و لو كان بعض أجزائه نجاسة.) وصلية.

قوله: (لو صلّى في نجاسة معفوّ عنها- كالدم اليسير أو فيما لا تتم الصلاة فيه منفردا- في المساجد بطلت).

(1) لا يجوز إدخال النجاسة الملوّثة للمسجد أو لشي‌ء من آلاته اليه، لقوله عليه السلام: «جنبوا مساجدكم النجاسة» «1»، قال في الذكرى «2»: الظاهر أن المسألة إجماعية.

أما غير الملوثة، فمذهب المصنف عدم جواز إدخالها الى المسجد، و إن عفي عنها في الصلاة إما لقلتها، أو باعتبار محلّها، و الأصح عدم التحريم، للأصل السالم عن معارضة النص السابق، و الإجماع، و للاتفاق على دخول الحيّض من النساء اجتيازا مع عدم الانفكاك من النجاسة، و الصبيان و الغالب عليهم النجاسة، و كذا القول في المجروح، و السلس، و المستحاضة.

قوله: (كلام في الآنية).

(2) هي جمع إناء، و قد جرت العادة بالبحث عنها في آخر أحكام النجاسات، لأن معظم أحكامها تتعلق بزوال النجاسة.

قوله: (و يحرم استعمالها في أكل و شرب و غيره).

(3) لقول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: «الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في جوفه نار جهنم» «3» يقال: جرجر الشراب، أي: صوت، و المراد انه بفعله ذلك مستحق‌

______________________________
(1) ذكره الشهيد في الذكرى و قال: (و لم أقف على اسناد هذا الحديث النبوي.)

(2) الذكرى: 14.

(3) المجازات النبوية: 143 حديث 108 البحار 66: 531 حديث 21 و فيه: (آنية)، صحيح البخاري 7: 146.

 

187
جامع المقاصد في شرح القواعد1

كلام في الآنية ؛ ج 1، ص : 187

و هل يحرم اتخاذها لغير الاستعمال، كتزيين المجالس؟ فيه نظر أقربه التحريم. (1)

و يكره المفضض، (2) و قيل: يجب اجتناب موضع الفضّة. (3)

______________________________
للعذاب على أبلغ وجوهه، فالمجرجر في جوفه ليس الا نار جهنم، و الوعيد بالنار إنما يكون على فعل المحرم، و إذا حرم الشرب حرم غيره، لأنه أبلغ، و لعدم القائل بالفصل، و يلزم من تحريم ذلك في إناء الفضة تحريمه في الذهب بطريق أولى.

قوله: (و هل يحرم اتخاذها لغير الاستعمال كتزيين المجالس؟ فيه نظر أقربه التحريم).

(1) ينشأ من الأصل، و من نهي الباقر عليه السلام عن آنية الذهب و الفضة «1»، و النهي للتحريم، و لما امتنع تعلقه بالأعيان لأنه لفعل المكلف، وجب المصير إلى أقرب المجازات إلى الحقيقة، و الاتخاذ أقرب من الاستعمال لأنه يشمله، بخلاف العكس، و في قول الكاظم عليه السلام: «إنية الذهب و الفضة متاع الذين لا يوقنون» «2» إيماء إلى ذلك، و كذا ما روي عن النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله من قوله: «إنها لهم في الدنيا و لكم في الآخرة» «3» و منه يظهر وجه القرب، و هو الأصح.

فرع هذا التحريم مشترك بين: الرجال و النساء اتفاقا.

قوله: (و يكره المفضض).

(2) هذا أصح القولين، لقول الصادق عليه السلام: «لا بأس بأن يشرب الرجل في القدح المفضض» «4»، و قيل: يحرم «5» للنهي عنه في حديث آخر «6»، و هو محمول على الكراهية، أو على تحريم الأكل و الشرب من موضع الفضة جمعا بين الأخبار.

قوله: (و قيل: يجب اجتناب موضع الفضة) «7».

(3) أي: حال الأكل و الشرب، فيعزل الفم عنه لقوله عليه السلام: «و اعزل فاك‌

______________________________
(1) الكافي 6: 267 حديث 4.

(2) الكافي 6: 268 حديث 7، التهذيب 9: 91 حديث 389.

(3) صحيح البخاري 7: 99 و 146.

(4) التهذيب 9: 91 حديث 392.

(5) قاله الشيخ في الخلاف 1: 4 مسألة 15 كتاب الطهارة.

(6) التهذيب 9: 90 حديث 386.

(7) قاله الشيخ في المبسوط 1: 13، و ابن البراج في المهذب 1: 28.

188
جامع المقاصد في شرح القواعد1

كلام في الآنية ؛ ج 1، ص : 187

الثاني: المتّخذ من الجلود، و يشترط طهارة أصولها و تذكيتها، (1) سواء أكل لحمها أو لا. نعم يستحب الدبغ فيما لا يؤكل لحمه، (2) أما المتّخذ من العظام فإنما يشترط فيه طهارة الأصل خاصة.

الثالث: المتخذ من غير هذين، (3) و يجوز استعماله مع طهارته و ان غلا ثمنه. (4) و أواني المشركين طاهرة و ان كانت مستعملة، ما لم يعلم مباشرتهم لها برطوبة. (5)

______________________________
عن موضع الفضّة»
«1» و الأمر للوجوب، و هو الأصح.

قوله: (و يشترط طهارة أصولها و تذكيتها).

(1) إنما يشترط التذكية فيما ينجس بالموت، و هو ماله نفس دون ما لا نفس له.

قوله: (نعم يستحب الدبغ فيما لا يؤكل لحمه).

(2) و قيل بالوجوب «2»، و مقتضى كلام القائلين به: ان الطهارة تحصل بالدبغ، و هو مردود، لأن الطهارة حاصلة بالتذكية، إذ لولاها لكان ميتة، فلم يطهر بالدبغ، و الأصح عدم الوجوب، و إن كان العمل به أحوط، و ربما اعتبر الدبغ إن استعمل في مائع، و فيه ضعف.

قوله: (المتخذ من غير هذين).

(3) أراد بهذين القسمين المذكورين- أعني آنية الذهب و الفضة، و آنية الجلود و العظام- إذ لو لا ذلك لدخل بعض الأقسام الثلاثة في بعض.

قوله: (و يجوز استعماله مع طهارته و إن غلا ثمنه).

(4) المراد مع طهارة أصله.

قوله: (و أواني المشركين طاهرة ما لم يعلم مباشرتهم لها برطوبة).

(5) للأصل و النصوص الدالة على ذلك «3»، و لا فرق بين أوانيهم و سائر ما بأيديهم و عليهم، إلّا الجلد و اللحم، لاشتراط العلم بالذكاة.

______________________________
(1) التهذيب 9: 91 حديث 392 و فيه: (و اعزل فمك).

(2) القائل به الشيخ في المبسوط 1: 15، الخلاف 1: 3: مسألة 11 كتاب الطهارة، و الشهيد في البيان: 43.

(3) الكافي 6: 264 حديث 10، السنن الكبرى للبيهقي 1: 32.

189
جامع المقاصد في شرح القواعد1

كلام في الآنية ؛ ج 1، ص : 187

و تغسل الآنية من ولوغ الكلب ثلاث مرات أولاهن بالتراب، (1)

______________________________
قوله: (و يغسل الانية من ولوغ الكلب ثلاث مرّات أولاهن بالتراب).

(1) الأصل في ذلك النص الوارد عن النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله، و عن الأئمة عليهم السلام، كخبر الفضل أبي العباس، عن الصادق عليه السلام: «اغسله بالتراب أول مرة، ثم بالماء مرّتين» «1» و الولوغ هو شرب الكلب ممّا في الإناء بطرف لسانه، نص عليه صاحب الصحاح «2» و غيره «3».

و هل يلحق بالولوغ ما لو لطع الإناء بلسانه؟ الظاهر نعم لمفهوم الموافقة، و لا يلحق به مباشرته بسائر أعضائه، و لا وقوع لعابه في الإناء، بل هي كسائر النجاسات، و كذا الحكم في غسالة الولوغ، و لا يتفاوت الغسل منها بكونها الأولى أو الأخيرة، لبقاء النجاسة بحالها ما بقي شي‌ء من الغسل، لامتناع تأثير جزء السبب.

و ربما يوجد في كلام بعض الأصحاب وجوب تعدد الغسل من إصابة ماء الغسلة، بقدر ما بقي من الغسل الواجب قبل ورودها، لأن الغسالة كالمحل قبلها «4»، و هو ضعيف، و على هذا يتخرج الحكم في غسالة ولوغ الخنزير و غيره.

و لا يلحق بالإناء غيره من ثياب و غيرها، بل يغسل منه كسائر النجاسات.

و القول بوجوب الغسل ثلاثا هو المشهور بين الأصحاب، و النصوص المعتبرة واردة به «5»، و قال ابن الجنيد: يغسل سبعا، و يجب كون التراب أولا «6»، خلافا للمفيد حيث اعتبر الغسل به ثانيا «7»، و حديث الفضل حجة عليه «8»، و لا يعتبر تجفيف الإناء بعد الغسل خلافا له، فإن الرطوبة لو كانت نجسة لم يطهر الإناء.

______________________________
(1) التهذيب 1: 225 حديث 646، الاستبصار 1: 19 حديث 40 و ليس فيهما (مرتين)، المعتبر 1: 458 و فيه:

مرتين.

(2) الصحاح (ولغ) 4: 1329.

(3) القاموس (ولغ) 3: 115.

(4) الشهيد في اللمعة الدمشقية: 17.

(5) مستدرك الوسائل 1: 167 باب 43 من أبواب النجاسات.

(6) حكاه عنه في المعتبر 1: 458، و المختلف: 63.

(7) المقنعة: 9.

(8) التهذيب 1: 225 حديث 646.

190
جامع المقاصد في شرح القواعد1

كلام في الآنية ؛ ج 1، ص : 187

و من ولوغ الخنزير سبع مرات بالماء، (1) و من الخمر و الجرذ ثلاث مرات و يستحب السبع، (2)

______________________________
و يشترط في التراب الطهارة على أظهر الوجهين، لظاهر قوله عليه السلام:

«اغسله» فإن الحقيقة إذا تعذرت يجب المصير إلى أقرب المجازات، و الغسل إنما يكون بطاهر.

و ربما يوجد في بعض الأخبار: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب» الحديث «1»، و الطهور هو المطهر، و لا يلحق به ولوغ الخنزير، خلافا للشيخ «2» نظرا إلى صدق اسم الكلب عليه، و فيه منع، فإنه قد غلب على هذا النابح.

قوله: (و من ولوغ الخنزير سبع مرّات بالماء).

(1) هذا هو الأصح، لنص الكاظم عليه السلام «3»، و قيل: تجزئ الثلاث «4»، أما نجاسة بدنه فكسائر النجاسات.

قوله: (و من الخمر و الجرذ ثلاث مرات، و يستحب السبع).

(2) الأصح وجوب السبع فيهما، لخبري عمار عن الصادق عليه السلام الدالين على وجوب السبع فيهما «5»، و ضعف عمار منجبر بالشهرة، و لا تضرّ المعارضة بخبره الدال على الثلاث، لأن الشهرة مرجحة، و ليس الحكم مقصورا على الخمر، بل المسكر المائع كله كذلك، و لا يبعد إلحاق الفقاع بها.

و أما الجرذ، فهو بضم الجيم و فتح الراء المهملة و الذال المعجمة آخرا: ضرب من الفأر، و المراد الغسل من نجاسة موته، و هل يكون الغسل من غير هذا الضرب من الفأر؟ الظاهر عدم التفاوت، نظرا إلى إطلاق اسم الفأر على الجميع، و قد صرح به جمع من الأصحاب «6»، و إن توقف فيه صاحب المعتبر «7».

______________________________
(1) مستدرك الوسائل 1: 167 باب 43 من أبواب النجاسات.

(2) المبسوط 1: 15.

(3) التهذيب 1: 261 حديث 790.

(4) قاله الشيخ في المبسوط 1: 15، و الخلاف 1: 28 المسألة 143 كتاب الطهارة.

(5) التهذيب 1: 284 حديث 832، التهذيب 9: 116 حديث 502.

(6) منهم: العلامة في المختلف: 64.

(7) المعتبر 1: 461.

191
جامع المقاصد في شرح القواعد1

فروع ؛ ج 1، ص : 192

 

و من باقي النجاسات ثلاثا استحبابا، و الواجب الإنقاء، (1) و هذا الاعتبار مع صب الماء في الآنية، (2) أما لو وضعت في الجاري أو الكر فإنّها تطهر مع زوال العين بأول مرة.

[فروع]

فروع:

[أ: لو تطهّر من آنية الذهب]

أ: لو تطهّر من آنية الذهب، أو الفضة، أو المغصوبة، أو جعلها مصبا لماء الطهارة صحّت طهارته، و ان فعل محرما. (3)

______________________________
قوله: (و من باقي النجاسات ثلاثا استحبابا، و الواجب الإنقاء).

(1) الأصح وجوب الثلاث، لرواية عمّار، عن الصادق عليه السلام «1» و يستفاد من قوله: (و الواجب الإنقاء) أن الغسل الوارد على عين النجاسة- إذا أزالها- محسوب من الغسل الواجب، بخلاف ما لو لم تزل به العين، فإنه لا أثر له. و يحتمل أن لا يحسب إلا ما ورد بعد زوال العين إن كانت موجودة، نظرا الى أن سبب التنجيس موجود، فلا أثر للماء الوارد معه.

قوله: (و هذا الاعتبار مع صب الماء في الآنية.).

(2) لا يخفى أن الماء الكثير لما لم ينفعل بملاقاة النجاسة، لم يكن كالقليل الذي ينفعل بها في تطهير المحل المتنجس، فاعتبر في الغسل به عدد مخصوص بخلاف الكثير، فيكفي الغسل به مرّة، لكن يعتبر في الولوغ غسل الإناء بالتراب قبله على الأصح، لإطلاق الأمر به.

قوله: (لو تطهر من آنية الذهب، أو الفضة، أو المغصوبة، أو جعلها مصبا لماء الطهارة صحت طهارته، و إن فعل محرما).

(3) إما آنية النقدين فلأن المنهي عنه فيهما هو أخذ الماء منهما، أو جعلها مصبا «2»، لا إفاضة الماء على محل الطهارة، و لا تبطل العبادة بمقارنة فعل محرم لفعلها، و لو تطهر فيهما فالظاهر عدم البطلان، لرجوع النهي إلى أمر خارج عن العبادة.

______________________________
(1) التهذيب 1: 284 حديث 832.

(2) التهذيب 1: 425 حديث 1353.

 

192
جامع المقاصد في شرح القواعد1

ب: لا يمزج التراب ؛ ج 1، ص : 193

بخلاف الطهارة في الدار المغصوبة. (1)

[ب: لا يمزج التراب]

______________________________
أما إذا تطهر من المغصوبة أو جعلها مصبّا لماء الطهارة، فإن النهي حينئذ متوجه إلى العبادة، نظرا إلى منافاتها لحق آدمي مضيق، فان رد الإناء المغصوب على مالكه واجب على الفور، فيقتضي الفساد، كما هو مختار بعض الأصحاب في الصلاة إذا نافت حق آدمي مضيق
«1»، إلا أن يراد فعل الطهارة آخر الوقت.

و لا ريب أن هذا أحوط، إلا أنّ الدليل لا يساعد عليه، لأن النهي في العبادة إنما يتحقق بتوجهه إلى نفس العبادة من حيث هي، أو إلى جزئها أو شرطها، و المنهي عنه في المتنازع إنما هو ترك الرد على المالك، لأن الأمر يقتضي الرد على وجه يمنع من نقيضه، و هو الترك.

و تحقق ترك الرد في ضمن فرد مخصوص- كالطهارة في المثال- لا يقتضي كون الطهارة منهيّا عنها إلا بالواسطة و العرض و ما هذا شأنه فليس بمنهي عنه من حيث هو، فلا يتطرق الفساد إلى الطهارة. و مثله لو تطهر مكشوف العورة اختيارا مع ناظر محترم، أو أخرج الخمس، أو الزكاة، أو الكفارة في الدار المغصوبة، أو نوى الصوم إلى غير ذلك من المسائل الكثيرة.

قوله: (بخلاف الطهارة في الدار المغصوبة).

(1) أي: فإنها تبطل، و مثله لو تطهر في نفس الإناء المغصوب، و اعلم أن وجه الفرق المقتضي للبطلان هنا دون الأول غير واضح، فإن النهي عن شغل المغصوب بالكون فيه لا يقتضي النهي عن مقارناته التي من جملتها الطهارة، لأنها أمر خارج عن التصرف فيه، إذ هي عبارة عن جريان الماء على البدن بفعل المكلف، و ليس للكون بها تعلق في نظر الشارع، نعم يتخرج على القول السابق- إن تم لقائله- البطلان مع سعة الوقت لا مع ضيقه، و أكثر المتأخرين حكموا بالبطلان هنا مطلقا، لما فيه من الزجر عن الاستيلاء على مال الغير عدوانا، و المصير إليه هو المختار.

قوله: (لا يمزج التراب بالماء).

______________________________
(1) منهم: السيد المرتضى في الناصريات (الجوامع الفقهية): 231، و الشهيد في الذكرى: 149.

193
جامع المقاصد في شرح القواعد1

ج: لو فقد التراب أجزأ مشابهة من الأشنان و الصابون ؛ ج 1، ص : 194

ب: لا يمزج التراب (1)

[ج: لو فقد التراب أجزأ مشابهة من الأشنان و الصابون]

ج: لو فقد التراب أجزأ مشابهة من الأشنان و الصابون، (2) و لو فقد الجميع اكتفى بالماء ثلاثا (3)

______________________________
(1) يجوز الكسر في الجيم على أنه مجزوم بلا، و أنها للنهي، و الكسر للساكنين، و يجوز الرفع على أنه خبر بمعنى النهي، و يحتمل أن يكون المعنى: لا يجب أن يمزج التراب، و المخالف في ذلك هو ابن إدريس فاعتبر المزج، لأن الغسل حقيقة إجراء المائع
«1»، و قد ورد الأمر بالغسل بالتراب «2»، فيجب المزج تحصيلا للحقيقة.

و هو خيال ضعيف، فان الغسل حقيقة إجراء الماء، فالمجاز لازم على كل تقدير، مع أن الأمر بغسله بالتراب، و الممزوج ليس ترابا، فعلى هذا لو مزج هل يتحقق معه الامتثال أم لا؟ لا أعلم تصريحا بالمنع، مع أن الحاجة قد تدعو اليه، كما في الإناء الضيق الرأس إذا أريد تعفيره، فإنه بدون المزج متعذر أو متعسر.

قوله: (لو فقد التراب أجزأ مشابهة من الأشنان و الصابون).

(2) يظهر من تعليق أجزأ ما شابه التراب على فقده عدم الإجزاء مع وجوده، و فيه إشكال يلتفت إلى أن الأمر بالتراب إن كان لخصوصية قائمة به لكونه طهورا، وجب أن لا يجزئ غيره اضطرارا و اختيارا، لأن النجاسة مانع، و مزيلها سبب، و كلاهما من خطاب الوضع الذي لا يتفاوت الحال فيه بالضرورة، و الاختيار، و الاضطرار، و إلا لم يكن سببا مطلقا.

و المتبادر من النص خلافه «3»، و لم تكن خصوصيته معتبرة، و المفروض خلافه و إن لم يكن لخصوصية فيه، و إنما أريد به الاستعانة بجرمه على قلع لزوجة النجاسة، و ذكره بخصوصه، لأنه أعم وجودا و أسهل وجب الاجتزاء بغيره اختيارا، و المتجه هو الأول اتباعا للمنصوص، إلا أن جمعا من الأصحاب «4» ذكروا الاجتزاء بمشابهه مع فقده، و الخروج عن مقالتهم أشد إشكالا، و إن كان الاحتياط تحري التراب مطلقا.

قوله: (و لو فقد الجميع اكتفى بالماء ثلاثا).

(3) هذا فتوى المصنف‌

______________________________
(1) السرائر: 15.

(2) التهذيب 1: 225 حديث 646.

(3) التهذيب 1: 225 حديث 646.

(4) منهم: الشيخ في المبسوط 1: 14، و العلامة في المختلف: 64 حكاه عن ابن الجنيد.

194
جامع المقاصد في شرح القواعد1

د: لو تكرر الولوغ لم يتكرر الغسل ؛ ج 1، ص : 195

و لو خيف فساد المحل باستعمال التراب فكالفاقد، و لو غسله بالماء عوض التراب لم يطهر على إشكال. (1)

[د: لو تكرر الولوغ لم يتكرر الغسل]

د: لو تكرر الولوغ لم يتكرر الغسل، و لو كان في الأثناء استأنف.

[ه‍: آنية الخمر من القرع]

ه‍: آنية الخمر من القرع، و الخشب، و الخزف غير المغضور كغيره. (2)

______________________________
و الشيخ
«1»، مع أن عبارة الشيخ تقتضي الاكتفاء بالماء عند فقد التراب، و يحتمل الاجتزاء بغسلتين عند فقده، كما يجبان عند وجوده.

و الذي يقتضيه النظر بقاء المحل على نجاسته، الى أن يوجد الذي عينه الشارع لتطهيره، فان الماء لو فقد لم تطهر النجاسة بالمسح، و التراب في الولوغ أحد جزأي المطهر، و مثله لو خيف فساد المحل باستعمال التراب.

قوله: (و لو غسله بالماء عوض التراب لم يطهر على إشكال).

(1) ينشأ: من أن الماء أبلغ من التراب فيجزي عنه، و من أن النص «2» ورد على أن المطهر له هو الماء و التراب فلا يتعدى، و هو الأصح.

قوله: (آنية الخمر من القرع، و الخشب، و الخزف غير المغضور كغيره).

(2) المراد بالمغضور: المدهون بشي‌ء يقويه، و يمنع نفوذ المائع في مسامه، كالدهن الأخضر الذي تدهن به الأواني غالبا، و مقصود المسألة أن ما له منافذ من الآنية كالقرع، و ما ليس كذلك كالزجاج و المغضور، سواء في طهارتها من الخمر إذا غسلت على الوجه المعتبر على أصح القولين.

و قيل: إن القسم الأول لا يطهر، و لا يجوز استعماله و إن غسل «3»، و هو ضعيف، نعم طهارته باطنا موقوف على تخلل الماء بحيث يصل إلى ما وصل إليه أجزاء الخمر، و متى طهر ظاهره و علم ترشح شي‌ء من أجزاء الخمر المستكنة في البواطن نجس، و إلّا فلا.

______________________________
(1) المبسوط 1: 14.

(2) التهذيب 1: 225 حديث 646.

(3) حكاه عن ابن الجنيد المحقق الحلي في المعتبر 1: 467.

195
جامع المقاصد في شرح القواعد1

المقصد الرابع: في الوضوء ؛ ج 1، ص : 196

 

[المقصد الرابع: في الوضوء]

المقصد الرابع: في الوضوء، و فصوله ثلاثة: (1)

[الأول: في أفعاله]

الأول: في أفعاله و فروضه سبعة:

[أولا: النيّة]

أولا: النيّة، و هي إرادة إيجاد الفعل على الوجه المأمور به شرعا، (2)

______________________________
قوله: (المقصد الرابع: في الوضوء: و فصوله ثلاثة).

(1) لا ريب أن مباحث الطهارة هي المقصود الحقيقي في هذا الكتاب، و ما سبق من المباحث بالنسبة إليها كالمقدمات، و الوضوء، بالضم: الفعل من الوضاءة، و هي الحسن، و بالفتح: الماء المعد له.

قوله: (و فروضه سبعة: الأول: النية، و هي إرادة إيجاد الفعل على الوجه المأمور به شرعا).

(2) يمكن أن يراد بالأفعال جملة ما يتوقف عليه الشي‌ء، فلا ينافيه قوله بعد (و هي شرط في كل طهارة،.) بل هو الأنسب، لأن النية بالشرط أشبه لسبقها على باقي الأفعال و مصاحبتها إلى الآخر، و هكذا شأن الشروط، و اللام في النية للعهد كما هو المتبادر، لأن الظاهر أن المراد بالنية نية الوضوء، و مقتضى قوله: (و هي) أن التعريف لها، فيكون تعريفا بالأعم، و لا يتعين أن يراد بالفعل الوضوء كما قيل، و إن كان صادقا عليه.

و الظاهر أن المصنف لما أراد تعريف نيّة الوضوء، و رأى أنّ تعريف مطلق النية أنفع لعمومه و أليق، لأن الوضوء أول العبادات فيناسبه البحث عما يشترك فيه جميعها، و هو النيّة، و المطلوب- و هو معرفة نية الوضوء- حاصل، عدل إلى تعريف مطلق النية، و إن كان نظم عبارته ليس بذلك الحسن، و الإرادة جنس يتناول كلّا من النيّة و العزم، لأنها أعم من أن تقارن الفعل أولا، و من وقوعها جنسا لتعريف النية يعلم أن النطق لا دخل له في النيّة أصلا، و بإضافتها إلى إيجاد الفعل تخرج إرادة ترك المنهيات على الوجه المعتبر من أنها نيّة.

و كذا تخرج نية الصوم و الإحرام، لأن كلا منهما عبارة عن الإمساك عن أمور‌

 

196
جامع المقاصد في شرح القواعد1

أولا: النية ؛ ج 1، ص : 196

و هي شرط في كل طهارة عن حدث لا عن خبث، لأنها كالترك. (1)

______________________________
مخصوصة، و ما قيل من أن التكليف فيهما، و في التروك بالكف عن تلك الأشياء
«1»، و الكف فعل، لا يجدي نفعا، إذ ليس ثم إيجاد فعل بل إبقاؤه.

و الجار في قوله: (على الوجه المأمور به) إن علق بإيجاد- و هو المتبادر- صدق على العزم، فلم يكن التعريف مانعا، و كذا يصدق على إرادة اللَّه- تعالى- أفعال العباد، و إن علق بإرادة لم ينتقض بهما، لكن لا يكون دالا على اعتبار مشخصات الفعل في النية إلا بطريق اللزوم، لأن الوجه المأمور به على ذلك التقدير للإرادة لا للفعل.

ثم المأمور به إن أريد به الواجب- لأن الأمر حقيقة في الوجوب، و مجاز في غيره-، انتقض التعريف في عكسه بخروج نية المندوب، و إن أريد به مطلق المطلوب فعله، و لو على وجه الإباحة، كالمطلوب في قوله تعالى (وَ إِذٰا حَلَلْتُمْ فَاصْطٰادُوا) «2» لزم مع ارتكاب المجاز صدقه على إرادة إيجاد المباح، كالاصطياد في الآية على الوجه المطلوب فيها، و في عد ذلك نيّة عند الفقهاء بعد.

و أيضا فإن الوجه محتمل أن يراد به الإجمالي، فينتقض في طرده بإرادة أي عبادة فرضت للقربة، و أن يراد به التفصيلي، فلا يصدق على شي‌ء من نيّات العبادات، و إن أريد غير ذلك، فلا بد من شي‌ء يعينه، و أخذ الألفاظ المجملة في التعريف ينافي المطلوب منه من التبيين و الإيضاح. و أورد عليه انه شرعا مستدرك، لأن النيّة تكون للتكليفات العقلية، و أجيب بأن التكليفات العقلية معتبرة بالشرع فهي شرعية أيضا.

قوله: (و هي شرط في كل طهارة عن حدث لا عن خبث، لأنها كالترك).

(1) لا ريب أن الطهارة عن الحدث فعل مطلوب للقربة، و هو اتفاقي. و وقوعه على وجوه متعددة- بعضها معتبر عند الشارع، و بعضها غير معتبر- أمر معلوم، و ما هذا شأنه فلا بد فيه‌

______________________________
(1) قاله الشهيد في اللمعة: 56.

(2) المائدة: 2.

197
جامع المقاصد في شرح القواعد1

أولا: النية ؛ ج 1، ص : 196

و محلّها القلب، (1) فان نطق بها مع عقد القلب صحّ، و إلّا فلا، (2) و لو نطق بغير ما قصده كان الاعتبار بالقصد.

______________________________
من النية، لأن بها يصير واقعا على الوجه المطلوب شرعا، لأن المؤثر في وجوه الأفعال هو النيّة، كما دل عليه قوله عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيات، و إنما لكل امرئ ما نوى»
«1».

أما طهارة الأخباث- أعني إزالة النجاسات- فان المطلوب ترك النجاسة، و الفعل الموصل إلى ذلك غير مقصود إلا بطريق العرض و التروك باعتبار كونها مرادة للشارع، لا على وجه مخصوص بأي وجه تحققت حصل المطلوب شرعا، فليس هناك وجوه متعددة لمتعلق التكليف يتوقف الامتثال على تعيين بعضها بالنية، فمن ثم لم يحتج في التروك و في الأفعال- التي المطلوب بها ترك شي‌ء آخر- إلى النيّة، بخلاف الأفعال التي تقع على وجوه متعددة بعضها غير مطلوب شرعا، فإنه لا بد فيها من النيّة كما قدمناه.

و في حكمها التروك التي ألحقت بالأفعال، و أجريت مجراها في وقوعها عبادة على وجه مخصوص- و هو الصوم و الإحرام- فيتحصل أن متعلق التكليف منحصر بالاستقراء في أربعة: فعل محض، ترك محض، فعل كالترك، ترك كالفعل، و قد علم حكمها في اعتبار النيّة، و عدم اعتبارها.

و اعلم أن قول المصنف: (كالترك) أراد به أنّ إزالة النجاسة لما كان المراد بها تركها أشبهت التروك باعتبار المعنى المراد منها.

قوله: (و محلها القلب).

(1) هذا معلوم بطريق اللزوم من قوله: (ارادة.) ذكره للتصريح به، و ليبني عليه ما بعده، و ليعلم أن النطق لا تعلّق له بالنيّة أصلا.

قوله: (فان نطق بها مع عقد القلب صح، و إلّا فلا).

(2) فيه تسامح، لأن الذي يسبق الى الفهم من العبارة أن يكون المراد صح النطق، و المراد معلوم، بني الأمر فيه و في أمثاله على المسامحة، كأنه أراد صح فعل النيّة.

______________________________
(1) صحيح البخاري 1: 2، و سنن أبي داود 2: 262.

198
جامع المقاصد في شرح القواعد1

أولا: النية ؛ ج 1، ص : 196

و وقتها استحبابا عند غسل كفّيه المستحب، (1) و وجوبا عند ابتداء أول جزء من غسل الوجه،

______________________________
قوله: (و وقتها استحبابا عند غسل كفيه المستحب).

(1) لا يخفى أن محل النيّة عند أول العبادة، لأنها لو تقدمت عليه لكانت عزما، و لو تأخرت عنه خلا بعض العبادة عن النيّة، و أول واجبات الوضوء الذي يتصور إيقاع النية عنده أول غسل الوجه، فلا يجوز تأخيرها عنه.

و أما غسل اليدين، و المضمضة و الاستنشاق، فإنها لما كانت من الأفعال المستحبة، كان أول الوضوء الكامل عند غسل اليدين، فيكون إيقاع النيّة عنده جائزا، بل مستحبا، ليتحقق بها كون الغسل و المضمضة و الاستنشاق مستحبة، إذ لو خلت من النيّة لم يقع من مستحبات الوضوء، و لا ينافي استحباب النية حينئذ كونها واجبة على معنى التوسعة، لأن أول وقت الموسّع أفضل من غيره، كقضاء الصلوات الواجبة فإن أوله أفضل مع ثبوت الوجوب.

و قيد الغسل بكونه مستحبا، إذ لا يكون من أفعال الوضوء إلا مع الاستحباب، و مراده استحبابه للوضوء، كما يشعر به السياق، و يرشد إليه التعليل، فلو وجب الغسل لنحو إزالة النجاسة، أو حرم لصيرورة ماء الطهارة بسببه قاصرا عنها، أو كره لتوهم قصوره مع ظن العدم، أو أبيح كأن تتوضأ من كر فصاعدا أو مما لا يمكن الاغتراف منه.

و احتمل في الذكرى «1» الاستحباب هنا، لحصول مقصود الغسل بالإضافة إلى باقي الأعضاء، أو لم يكن الوضوء من حدث النوم، و البول، و الغائط، أو استحب لغير الوضوء مما يتعلق به كالغسل للاستنجاء، أو لما لا يتعلق به كالغسل للأكل لم يجز إيقاع النيّة في شي‌ء من هذه المواضع، لانتفاء كونه من أفعال الوضوء.

و اعلم أن قوله: (استحبابا) منصوب على التمييز، و كذا قوله (وجوبا)، و أراد بالوجوب فيه المضيق الذي لا يجوز التأخير عنه، و (ابتداء) في قوله: (عند ابتداء أول جزء من غسل الوجه) مستدرك، مع أنه ليس لأول جزء من غسل الوجه ابتداء.

و اعلم أيضا أنه لما كان إدخال جزء من الرأس في غسل الوجه واجبا من باب‌

______________________________
(1) الذكرى: 93.

199
جامع المقاصد في شرح القواعد1

أولا: النية ؛ ج 1، ص : 196

و يجب استدامتها حكما الى آخر الوضوء. (1)

و يجب في النيّة القصد الى رفع الحدث، أو استباحة فعل مشروط بالطهارة، و التقرب الى اللَّه تعالى، و أن يوقعه لوجوبه أو ندبه أو لوجههما على رأي. (2)

______________________________
المقدمة، كان غسل ذلك الجزء أوّل جزء، فيجب الابتداء به، أو بضمه إلى جزء أول من الوجه و يبتدئ بهما.

قوله: (و يجب استدامتها حكما إلى آخر الوضوء).

(1) قد كان الواجب استدامة النيّة فعلا الى آخر الوضوء و كل عبادة، لأن كل جزء من الاجزاء عبادة، فلا بد له من النية، الا أن هذا متعذر أو متعسر فاكتفى بالاستدامة حكما، و فسرها أكثر الأصحاب بأمر عدمي «1»، و هو أن لا يأتي بنية تنافي الأولى.

و شيخنا الشهيد فسرها بأمر وجودي، و هو البقاء على حكمها، و العزم على مقتضاها، و جعل في رسالة الحج مبنى القولين على مسألة كلامية اختلف فيها، و هي أن الممكن الباقي هل هو محتاج إلى المؤثر، أو مستغن عنه؟ و ما ذهب اليه من التفسير لا حاصل له، فان الذهول لا ينافي صحة العبادة اتفاقا، و لا يجتمع معه ما فسر به، و البناء المذكور مع بعده غير مستقيم في نفسه، فالقول ما قاله الأكثر.

قوله: (و يجب في النية القصد الى رفع الحدث، أو استباحة فعل مشروط بالطهارة، و التقرب الى اللَّه تعالى، و أن يوقعه لوجوبه أو ندبه، أو لوجههما على رأي).

(2) اختلف في نيّة الوضوء على أقوال: فقيل بالاكتفاء بالقربة- و هو قول الشيخ في النهاية) «2»- و قيل بالاكتفاء برفع الحدث، أو استباحة فعل مشروط بالطهارة- و هو قوله في المبسوط «3»- و الظاهر أنه يريد به مع القربة.

و قيل باعتبار الاستباحة، و ينسب إلى المرتضى «4»، و قيل بالقربة و الوجوب أو‌

______________________________
(1) منهم: الشيخ في المبسوط 1: 19، و المحقق في المعتبر 1: 139: و العلامة في التذكرة 1: 15.

(2) النهاية: 15.

(3) المبسوط 1: 19.

(4) الناصريات (الجوامع الفقهية): 219، 223.

200
جامع المقاصد في شرح القواعد1

أولا: النية ؛ ج 1، ص : 196

..........

______________________________
الندب، و هو مذهب صاحب المعتبر في الشرائع
«1»، و قيل بهما مع الرفع و الاستباحة معا، و هو مذهب أبي الصلاح «2» و جماعة «3»، و قيل بالقربة و الوجه من الوجوب و الندب أو وجههما، و أحد الأمرين من الرفع و الاستباحة، و هو اختيار المصنف و جمع من الأصحاب «4»، و هو الأصح.

أما القربة، فلأن الإخلاص يتحقق بها، و أما الوجه، فلأن الامتثال في العبادة إنما يتحقق بإيقاعها على الوجه المطلوب، و لا يتحقق ذلك الوجه في الفعل المأتي به إلا بالنيّة، بدليل «إنما لكل امرئ ما نوى» «5»، و منه يستفاد اعتبار أحد الأمرين من الرفع و الاستباحة، و لا يجبان معا لتلازمهما فيما عدا التيمم، و طهارة دائم الحدث.

إذا تقرر ذلك، فاعلم أن المراد بالقربة اما موافقة إرادة اللَّه تعالى، أو القرب منه المتحقق بحصول الرفعة عنده، و نيل الثواب لديه مجازا عن القرب المكاني، و إيثار القربة لتحصيل الإخلاص، لتكرر ذكرها في الكتاب و السنة، في مثل قوله تعالى (وَ يَتَّخِذُ مٰا يُنْفِقُ قُرُبٰاتٍ عِنْدَ اللّٰهِ وَ صَلَوٰاتِ الرَّسُولِ أَلٰا إِنَّهٰا قُرْبَةٌ لَهُمْ) «6» و قوله عليه السلام:

«أقرب ما يكون العبد الى ربه إذا سجد» «7».

و المراد برفع الحدث زوال المانع، أعني النجاسة الحكمية المتوهم حصولها في البدن، فانّ الحدث يطلق عليها و على مبطلات الطهارة بالاشتراك اللفظي، و المتعقل رفعه- أي زواله- هو الأول دون الثاني.

و أما الاستباحة فالمراد بها طلب الإباحة، أي: زوال المنع من العبادة التي منع من فعلها شرعا ذلك الحدث، و إنما يزول المنع بزوال المانع إذا أمكن زواله بتلك‌

______________________________
(1) الشرائع 1: 20.

(2) الكافي في الفقه: 132.

(3) منهم: ابن البراج في المهذب 1: 43، و ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 491، و العلامة في التذكرة 1: 14.

(4) منهم: الشيخ في المبسوط 1: 19، و ابن حمزة في الوسيلة: 40، و المحقق في المعتبر 1: 139، و الشهيد في الذكرى:

80.

(5) صحيح البخاري 1: 2، و سنن أبي داود 2: 262.

(6) التوبة: 99.

(7) الكافي 3: 64 حديث 1، الفقيه 1: 206 حديث 930، عيون أخبار الرضا 2: 7 حديث 15.

201
جامع المقاصد في شرح القواعد1

أولا: النية ؛ ج 1، ص : 196

..........

______________________________
الطهارة، لامتناع زوال الحكم مع بقاء مقتضيه، و إنما يتخلّف هذا الحكم في التيمم للاتفاق على أنه لا يرفع الحدث، و في دائم الحدث لمقارنة حدثه للطهارة، و فيما عدا هذين فالامران متلازمان، فمتى حصلت الإباحة بنيتها زال المنع و المستلزم زوال المانع، و متى ارتفع الحدث زال المانع فيزول المنع.

و اعلم أن قوله: (أو استباحة فعل مشروط بالطهارة) لا يتمشى على ظاهره، بل لا بد أن يكون المنوي استباحة مشروط بالوضوء، و تنكيره يشعر بأن المراد: الاجتزاء بنيّة استباحة أي مشروط اتفق، فلو نوى استباحة الطواف و هو بالعراق مثلا صح، كما يحكى عن ولد المصنف «1»، و صرح به شيخنا الشهيد في البيان «2»، لأن المطلوب بالطهارة كذلك كونه بحيث يباح له لو أراده، و يشكل بأنه نوى أمرا ممتنعا عادة فكيف يحصل له؟

و المراد بوجه الوجوب و الندب: السبب الباعث على إيجاب الواجب و ندب المندوب، فهو على ما قرره جمهور العدليين من الإمامية، و المعتزلة: ان السمعيات ألطاف في العقليات، و معناه: إنّ الواجب السمعي مقرب من الواجب العقلي،- أي امتثاله باعث على امتثاله- فان من امتثل الواجبات السمعية كان أقرب الى امتثال الواجبات العقلية من غيره، و لا معنى للطف إلا ما يكون المكلّف معه أقرب الى الطاعة، و كذا الندب السمعي مقرب من الندب العقلي، أو مؤكد لامتثال الواجب العقلي، فهو زيادة في اللطف، و الزيادة في الواجب لا يمتنع أن تكون ندبا.

و لا نعني أن اللطف في العقليات منحصر في السمعيات، فان النبوة و الإمامة، و وجود العلماء، و الوعد و الوعيد، بل جميع الآلام تصلح للإلطاف فيها، و إنما هي نوع من الألطاف، و إنما كانت نيّة الوجه كافية لأنه يستلزم نية الوجوب و الندب، لاشتماله عليهما و زيادة، فكان أبلغ.

______________________________
(1) في مفتاح الكرامة 1: 217 (قلت: هذا الذي نقله عن ولد المصنف وجدته في حاشية الإيضاح عندي و هي نسخة عتيقة معربة محشاة عن [من] خطه، ذكر ذلك ثم كتب في آخر الحاشية محمد بن المطهر).

(2) البيان: 7.

202
جامع المقاصد في شرح القواعد1

فروع ؛ ج 1، ص : 203

 

و ذو الحدث الدائم، كالمبطون و صاحب السلس و المستحاضة ينوي الاستباحة، فإن اقتصر على رفع الحدث فالأقوى البطلان. (1)

[فروع]

فروع:

[أ: لو ضم التبرد صح على اشكال]

أ: لو ضم التبرد صح على اشكال (2) و لو ضم الرياء بطل.

______________________________
قوله: (و ذو الحدث الدائم كالمبطون و صاحب السلس، و المستحاضة ينوي الاستباحة، فإن اقتصر على رفع الحدث فالأقوى البطلان).

(1) المراد به: ينوي الاستباحة سواء اقتصر عليها أو ضم إليها الرفع، فان طهارته تصح على التقديرين، لأن ضميمة الرفع- و إن لم تكن معتبرة- فإنها لا تؤثر فسادا على أقوى الوجهين، بل تقع لغوا.

و لو اقتصر دائم الحدث على نية رفع الحدث فقولان: أحدهما الصحة «1»، لأنه نوى رفع المانع المستلزم لرفع المنع، فيحصل له ما نواه بحسب الممكن في حقه، و الثاني:

البطلان «2»، لأنه نوى امرا ممتنعا بالنسبة إليه، فكيف يحصل له؟

و التحقيق: أنه إن نوى رفع الحدث السابق مع المقارن للطهارة و أطلق، فالأصح البطلان، لأنه نوى أمرا ممتنعا، فان مقتضى الإطلاق رفع المانع مطلقا، و إن قصد رفع السابق خاصة فالأصح الصحة، كما خرّجه صاحب المعتبر «3»، و شيخنا الشهيد «4»، لإمكان ذلك فيه، و الحدث المقارن و الطارئ معفو عنه في تلك الصلاة، فهو في معنى الاستباحة.

قوله: (لو ضمّ التبرد صح على إشكال).

(2) أي: لو ضمه إلى نيّة الوضوء المعتبرة، و منشأ الاشكال من منافاته للقربة و الإخلاص، إذ هو أمر خارج عن العبادة، و من أنه لازم لفعلها، سواء نوى أم لا، و الأصح الأول، لأن لزومه لفعل الطهارة لا يقتضي جواز نيّته، و مثل التبرد التسخن، و زوال الوسخ، و لو ضم الرياء بطل قولا واحدا، و حكى عن المرتضى: ان عبادة الرياء‌

______________________________
(1) ذهب اليه الشهيد في الذكرى: 81.

(2) قاله فخر المحققين في إيضاح الفوائد 1: 36.

(3) المعتبر 1: 139.

(4) الذكرى: 81.

 

203
جامع المقاصد في شرح القواعد1

ب: لا يفتقر الى تعيين الحدث و ان تعدد ؛ ج 1، ص : 204

[ب: لا يفتقر الى تعيين الحدث و ان تعدد]

ب: لا يفتقر الى تعيين الحدث و ان تعدد، و لو عيّنه ارتفع الباقي.

و كذا لو نوى استباحة صلاة معيّنة استباح ما عداها و ان نفاها، سواء كانت المعيّنة فرضا أو نفلا. (1)

______________________________
تسقط الطلب عن المكلف، و لا يستحق بها ثوابا
«1»، و ليس بشي‌ء.

إذا تقرر ذلك فالضمائم أربع:

أ: ضميمة اللازم المؤكد كضميمة الرفع إلى الاستباحة، و لا شبهة في صحتها.

ب: ضميمة اللازم الأجنبي كضميمة التبرد، و قد سبق حكمها.

ج: ضميمة المنافي كالرياء، و بطلانه معلوم.

د: ضميمة الأمر الأجنبي الغريب كدخول السوق، و في البطلان به وجهان، أصحهما البطلان.

قوله: (و كذا لو نوى استباحة صلاة معينة استباح ما عداها و إن نفاها سواء كانت المعيّنة فرضا أو نفلا).

(1) الضمير في (نفاها) يعود إلى (ما)، أي: و ان نفى ما عداها، و وجه ما ذكره أنه نوى استباحة، فيجب أن يحصل له عملا بالحديث، و حينئذ فيستبيح ما سواها، لأن الاستباحة تقتضي زوال المانع فيقع النفي لغوا.

و فيه نظر، فإنه نوى استباحة و عدمها، فإنه كما ان استباحة صلاة تقتضي استباحة غيرها، كذا نفي استباحة صلاة أخرى يقتضي عدم الاستباحة مطلقا، لاستلزامه بقاء المانع، و الأصح البطلان، كما اختاره شيخنا الشهيد «2»، لأن الحدث متحقق و لم يحصل الرافع له يقينا، و لا فرق بين كون المعينة فرضا أو نفلا.

و ينبغي أن يستثني من ذلك نحو المستحاضة، فإن وضوءها إنما يبيح صلاة واحدة، و من ذلك يعلم حكم ما لو نوى رفع حدث و نفي غيره.

______________________________
(1) الانتصار: 17.

(2) الذكرى: 81.

204
جامع المقاصد في شرح القواعد1

ج: لا تصح الطهارة من الكافر ؛ ج 1، ص : 205

[ج: لا تصحّ الطهارة من الكافر]

ج: لا تصحّ الطهارة من الكافر، لعدم التقرب في حقه (1) إلّا الحائض الطاهر تحت المسلم، لإباحة الوطء ان شرطنا الغسل للضرورة، فإن أسلمت أعادت (2) و لا يبطله الارتداد بعد الكمال، (3) و لو حصل في الأثناء أعاد. (4)

______________________________
قوله: (لا تصح الطهارة من الكافر، لعدم التقرب في حقه).

(1) أي: لامتناعه، و إن اعتقد الطهارة قربة، كالمرتد بإنكار بعض ضروريات الدين، لبعده عن اللَّه- سبحانه- بكفر.

قوله: (إلّا الحائض الطاهر تحت المسلم، لإباحة الوطء إن شرطنا الغسل للضرورة، فإن أسلمت أعادت).

(2) المراد بالحائض الطاهر: التي حصل لها الطهارة بعد حصول دم الحيض، فان هذه لو كانت كافرة زوجة لمسلم، و قلنا بأن وطء الحائض قبل الغسل لا يجوز، تغتسل غسل الحيض لضرورة حل الوطء لزوجها المسلم، و لا يكون غسلا حقيقيا، و لا يعد في ذلك، فقد شرعت صورة الطهارة للضرورة في مواضع منها: تغسيل الكافر للميت المسلم إذا فقد المماثل، و المحرم من المسلمين، و منها تيمم الجنب مع وجود الماء، و كذا للخروج من المسجدين، و غير ذلك.

و مال في (الذكرى) «1» إلى إباحة الوطء بغير غسل هنا- و إن منعنا في غيره- التفاتا الى ان تجويز الوطء بغير غسل للضرورة أولى من ارتكاب غسل بغير نيّة صحيحة، و الاكتفاء بالضرورة في مواضع للنص «2» لا يقتضي جواز غيرها و فيه قوّة، و لو قلنا بالغسل ففعلته ثم أسلمت، فلا شك في وجوب الإعادة لبقاء الحدث، و كونها في عهدة التكليف، و أبعد منه غسل المجنونة بتولي الزوج، و إن سوغه المصنف.

قوله: (و لا تبطل بالارتداد بعد الكمال).

(3) لارتفاع الحدث، و عوده يحتاج إلى الناقض.

قوله: (و لو حصل في الأثناء أعاد).

(4) ظاهر العبارة يدل على أن المراد: إعادة الطهارة بعد العود إلى الإسلام، و وجهه‌

______________________________
(1) الذكرى: 82.

(2) الكافي 3: 82 حديث 3، التهذيب 1: 400 حديث 1250.

205
جامع المقاصد في شرح القواعد1

د: لو عزبت النية في الأثناء صح الوضوء ؛ ج 1، ص : 206

[د: لو عزبت النيّة في الأثناء صحّ الوضوء]

د: لو عزبت النيّة في الأثناء صحّ الوضوء و ان اقترنت بغسل الكفين، (1) نعم لو نوى التبرّد في باقي الأعضاء بعد عزوب النيّة فالوجه البطلان. (2)

[ه‍: لو نوى رفع حدث و الواقع غيره، فان كان غلطا صحّ]

ه‍: لو نوى رفع حدث و الواقع غيره، فان كان غلطا صحّ، (3)

______________________________
بطلان حكم النيّة بتخلل الردّة، و الحق أنه إنما يعيد إذا جف البلل لفوات الموالاة حينئذ، و بدونه يستأنف النيّة لما بقي و يتم طهارته، سواء في ذلك المرتد عن فطرة و غيره.

قوله: (لو عزبت النيّة في الأثناء صحّ الوضوء و إن اقترنت بغسل الكفين).

(1) عزبت، بالعين المهملة و الزاي: معناه ذهبت صورتها عن الذهن، و قد عرفت فيما مضى أنه لا يجب الاستدامة فعلا الى آخر الوضوء اتفاقا، لكن قيل بوجوبها إن اقترنت النيّة بغسل الكفين، بناء على عدم الاجتزاء بتقديمها عنده، و يلوح ذلك مما حكاه في الذكرى «1» عن ابن طاوس، و الفتوى على ما ذكره المصنف.

قوله: (نعم لو نوى التبرّد في باقي الأعضاء بعد عزوب النيّة فالوجه البطلان).

(2) استثنى مما سبق، ما لو نوى التبرد بعد عزوب النيّة في باقي الأعضاء، و ليس قيدا للحكم، فنيّته في بعض ما بقي كنيّته في الجميع، و اختار البطلان هاهنا لفقد النيّة فعلا، و الاستدامة ضعيفة جدا، فإذا نوى التبرد تمحض الفعل لذلك و خرج عن كونه عبادة.

و يحتمل ضعيفا الصحة نظرا إلى وجود الاستدامة، و أن المنوي حاصل على كل تقدير، و ليس بشي‌ء، و لو حاول أحد إلزامه بالصحة- بناء على ما اختاره سابقا- لوجد إلى ذلك سبيلا، لأن نيّة التبرد إن كانت منافية للإخلاص أبطلت مع ضمها «2» إلى نيّة الوضوء، و إلا لم تؤثر، لبقاء الإخلاص في الموضعين.

قوله: (لو نوى رفع الحدث و الواقع غيره، فان كان غلطا صحّ).

(3) أي: فان كان ذلك غلطا منه في النيّة، لاعتقاده كون الواقع هو المنوي، و وجه‌

______________________________
(1) الذكرى: 80 نقله عن البشرى لابن طاوس.

(2) في النسخ المخطوطة (ضميمتها).

206
جامع المقاصد في شرح القواعد1

و: لو نوى ما يستحب له ؛ ج 1، ص : 207

و إلّا بطل. (1)

[و: لو نوى ما يستحب له]

و: لو نوى ما يستحب له كقراءة القرآن فالأقوى الصحّة. (2)

[ز: لو شك في الحدث بعد يقين الطهارة الواجبة فتوضأ احتياطا]

ز: لو شك في الحدث بعد يقين الطهارة الواجبة فتوضأ احتياطا، ثم تيقن الحدث فالأقوى

______________________________
الصحة أنه قصد رفع المانع، غاية ما في الباب أنه غلط في تعيين سببه، و ذلك لا يخل بكونه منويا.

قوله: (و إلّا بطل).

(1) أي: و إن لم يكن غلطا بأن تعمّد ذلك بطل، لأنه كلانيّة، و استقرب في الذكرى البطلان مطلقا لفقد النيّة المعتبرة «1»، و فيما اختاره المصنف قوّة.

قوله: (لو نوى ما يستحب له كقراءة القرآن فالأقوى الصحة).

(2) ليس المراد بما يستحب له الوضوء ما هو شرط في صحته، كالصلاة المندوبة، فإن نيّة استباحته معتبرة قولا واحدا، إنما المراد ما يستحب له الوضوء، لكونه مكملا له كقراءة القرآن، و في صحة الوضوء بذلك، و كونه رافعا قولان: أحدهما الصحة و اختاره المصنف، لأنه نوى شيئا من ضرورته صحة الطهارة، و هو إيقاع القراءة على وجه الكمال، و لا يتحقق الا برفع الحدث، فيكون رفع الحدث منويّا.

و فيه نظر، لأن المفروض هو نيّة قراءة القرآن لا نيّته على هذا الوجه المعين، إذ لو نواه على هذا الوجه ملاحظا ما ذكر لكان ناويا رفع الحدث، فلا يتجه في الصحة حينئذ إشكال، فعلى هذا الأصح في المتنازع البطلان، و إليه ذهب الشيخ «2»، و ابن إدريس «3»، و جماعة «4»، و هذا بناء على اعتبار نيّة الرفع أو الاستباحة، فعلى القول بعدم اعتبارهما في النيّة لا إشكال في الصحة.

قوله: (لو شك في الحدث بعد يقين الطهارة الواجبة، فتوضأ احتياطا، ثم تيقن الحدث فالأقوى الإعادة).

______________________________
(1) الذكرى: 81.

(2) المبسوط 1: 19.

(3) السرائر: 17.

(4) منهم ولد المصنف في إيضاح الفوائد 1: 37.

207
جامع المقاصد في شرح القواعد1

ح: لو أغفل لمعة في الأولى ؛ ج 1، ص : 208

الإعادة. (1)

[ح: لو أغفل لمعة في الأولى]

ح: لو أغفل لمعة في الأولى، فانغسلت في الثانية على قصد الندب فالأقوى البطلان. (2)

______________________________
(1) لأن نيّته غير مجزوم بها للحكم بكونه متطهرا، و عدم توجه الخطاب بالطهارة اليه، و عدم الجزم إنما يغتفر إذا كان مأمورا بالفعل، كالمصلي في الثوبين المشتبهين.

و قيل: لا يجب «1»، لإتيانه بالطهارة على الوجه المعتبر، لأنه المفروض، و لو لا إجزاؤها مع تيقن الحدث لانتفت فائدة الاحتياط، و فيهما منع، و هذا بناء على ما تقدم اشتراطه في النيّة، و لو اكتفينا بالقربة فلا إشكال في الإجزاء.

و اعلم أنه لو عبر بالمبيحة بدل الواجبة، فقال: (بعد يقين الطهارة المبيحة) لكان أشمل و أبعد عن الوهم.

قوله: (لو أغفل لمعة في الأولى، فانغسلت في الثانية على قصد الندب فالأقوى البطلان).

(2) اللمعة، بضم اللام: الموضع الذي لم يصبه الماء، أي لو ترك غسل لمعة في عضو من الغسلة الاولى- اعني الواجبة- غير عالم بها، فانغسلت في الثانية، ثم علم بعد جفاف البلل، فالأصح بطلان الطهارة، بناء على ما تقدم من اشتراط نية الرفع أو الاستباحة، لعدم تأثير الغسلة الثانية فيهما، فلا ينوي بها واحدا منهما، فيبقى الخلل في الطهارة بحاله.

و يمكن القول بالصحة، إما على الاكتفاء بالقربة فواضح، و كذا على الاكتفاء بها مع الوجه إذا كانت الطهارة مندوبة، أو كانت الغسلة الثانية واجبة بنذر و شبهه.

و أما على اشتراط الرفع أو الاستباحة، فلأن الثانية إنما شرعت استظهارا على ما لم ينغسل في الاولى، و فيه منع.

و اعلم أن قول المصنف: (فانغسلت في الثانية على قصد الندب) قد يفهم من التقييد بالندب، أنها لو انغسلت فيها على قصد الوجوب بالنذر و شبهه يجزئ، و ليس كذلك، لاشتراط الرفع أو الاستباحة، و لو قال: فانغسلت في الثانية باعتقاده، بدل قوله: (على قصد الندب) لكان أولى و أشمل، لاندراج ما إذا كانت الثانية واجبة فيه، و ما إذا لم يقصد شيئا عند فعل الثانية، على أنه يمكن إدراج الأخيرة في العبارة، فإنّ فعله‌

______________________________
(1) هو قول الشهيد في الذكرى: 81.

208
جامع المقاصد في شرح القواعد1

ط: لو فرق النية على الأعضاء ؛ ج 1، ص : 209

و كذا لو انغسلت في تجديد الوضوء. (1)

[ط: لو فرق النيّة على الأعضاء]

ط: لو فرق النيّة على الأعضاء، (2) بأن قصد عند غسل الوجه رفع الحدث عنه، و عند غسل اليدين الرفع عنهما لم يصح. أما لو نوى غسل الوجه عنده الرفع الحدث، و غسل اليمنى عنده لرفع الحدث، و هكذا فالأقرب الصحة.

______________________________
محمول على قصده الواقع في النية.

قوله: (و كذا لو انغسلت في تجديد الوضوء).

(1) بقرينة تعرف ممّا سبق، و أبعد منه ما لو انغسلت في ثانيته.

قوله: (لو فرق النيّة على الأعضاء.).

(2) لتفريق النيّة صور:

الاولى: أن ينوي عند كل عضو رفع الحدث عن ذلك العضو، أو عنه و عن عضو آخر، و الأصح البطلان هنا، لأن الحدث متعلق بالجملة لا بالأعضاء المخصوصة، و لأن رفعه لا يتبعض، و لأن الوضوء عبادة واحدة اتفاقا، و لفعل صاحب الشرع- عليه السلام- في وضوء البيان «1».

الثانية: أن ينوي عند كل عضو غسل ذلك العضو، لرفع الحدث مطلقا، فيمكن الصحة كما اختاره المصنف، لأن غسل جميع الأعضاء بنيّة واحدة يجزئ، فغسل كل عضو بنيّة تخصه أولى بالإجزاء، لأن ارتباط النيّة الخاصة بالعضو أقوى من ارتباط العامة به، و لأن إطلاق الآية «2» يتناول ذلك، و الأصح البطلان لأن الوضوء عبادة واحدة، و الأولوية التي ادعيت ممنوعة، و إطلاق الآية منزل على فعل صاحب الشرع عليه السلام.

الثالثة: أن ينوي في ابتداء الوضوء رفع الحدث عن الأعضاء، و فيه الوجهان كما في الاولى، و الأصح البطلان أيضا.

______________________________
(1) الكافي 3: 24 باب صفة الوضوء، الفقيه 1: 24 باب صفة وضوء رسول اللَّه (ص)، التهذيب 1: 56، 75 حديث 158، 189.

(2) المائدة: 6.

209
جامع المقاصد في شرح القواعد1

ي: لو نوى قطع الطهارة بعد الإكمال لم تبطل ؛ ج 1، ص : 210

[ي: لو نوى قطع الطهارة بعد الإكمال لم تبطل]

ي: لو نوى قطع الطهارة بعد الإكمال لم تبطل، و لو نواه في الأثناء لم تبطل فيما مضى، إلّا أن يخرج عن الموالاة. (1)

[ك: لو وضأه غيره لعذر]

ك: لو وضأه غيره لعذر تولى هو النيّة. (2)

[ل: كلّ من عليه طهارة واجبة ينوي الوجوب]

ل: كلّ من عليه طهارة واجبة ينوي الوجوب، و غيره ينوي الندب، فان نوى الوجوب و صلّى به فرضا أعاد، (3) فإن تعددتا مع تخلل الحدث أعاد الأولى خاصة، (4)

______________________________
قوله: (و لو نواه في الأثناء لم تبطل فيما مضى، إلا أن يخرج عن الموالاة).

(1) و ذلك بأن يجف البلل، لا مطلق الخروج عن الموالاة، و إنما لم تبطل فيما مضى، لأن الوضوء لا يشترط لصحة فعل من أفعاله صحة باقي الأفعال، و إن توقف تأثيره على المجموع، و لهذا لو نكس لم يبطل، بل يعيد على ما يحصل معه الترتيب، و مثله الغسل، فإذا أعاد و البلل موجود استأنف النية لما بقي من الأفعال، بأن ينوي فعلها لا تمام الوضوء، و لا يضر هذا التفريق لأنه تدارك لما فات من النيّة الأولى.

قوله: (لو وضأه غيره لعذر تولى هو النيّة).

(2) لأن التكليف منوط به، و فعل الغير قائم مقام فعله، و لأن العذر إنما هو فيما عدا النيّة، فلا تجوز التولية فيها، و لو نويا معا كان حسنا.

قوله: (فان نوى الوجوب و صلّى به فرضا أعاد).

(3) و ذلك لأن نيّة الوجوب لا تجزئ عن الندب على الأصح لتباينهما، و لاشتراط نيّة الوجه في الوضوء- كما سبق-، فمع المخالفة لا يكون المأتي به معتبرا، و يحتمل الاكتفاء به لاشتراك الوجوب و الندب في ترجيح الفعل، و اعتقاد المنع من الترك مؤكد، و ليس بشي‌ء، لأن المباين للشي‌ء ينافيه فكيف يؤكده؟!

قوله: (فان تعددتا مع تخلل الحدث أعاد الأولى خاصة).

(4) أي: فان تعددت الطهارة و الصلاة، و احترز بذلك عما لو اتحدت الطهارة فإنه يعيد جميع ما صلى بها قولا واحدا، و إنما اعتبر تخلل الحدث ليكون معتقدا للوجوب اعتقادا مطابقا للواقع، إذ بدونه يكون معتقدا للطهارة، فتكون نيّة الوجوب لغوا، و إنما اكتفى بإعادة الأولى لأن المكلف عند نية الوجوب في البواقي كان مشغول الذمة‌

210
جامع المقاصد في شرح القواعد1

ل: كل من عليه طهارة واجبة ينوي الوجوب ؛ ج 1، ص : 210

و لو دخل الوقت في أثناء المندوبة فأقوى الاحتمالات الاستئناف. (1)

______________________________
بالصلاة الأولى، فصادف نيته للوجوب ما في ذمته فأجزأه.

و يشكل بأنه لم يكن يشعر بهذا الوجوب الذي في نفس الأمر، و اعتقاده خلو ذمته، فتكون نيّة الوجوب منه كلانية، و يمكن أن يجاب بأنه قصد الى الوجوب الحقيقي حيث أقامه مقام الندب، فلم يكن لغوا فصادف ما في ذمته، فيجب أن يجزئ.

و لا يبعد أن يقال: إن كان المكلف معتقدا صحّة نية الوجوب في موضع الندب باجتهاد أو تقليد لأهله، لم يكن القول بالإجزاء بذلك البعيد، و إن كان لا يخلو من شي‌ء، و إن اعتقد خلاف ذلك، أو لم يكن له علم بهذا الحكم، بل نوى ذلك اقتراحا، فالقول بالإجزاء بعيد جدّا، لأن نيته للوجوب باعتقاده لغو محض.

قوله: (و لو دخل الوقت في أثناء المندوبة فأقوى الاحتمالات الاستئناف).

(1) وجه ما قواه توجه الخطاب إليه بفعل الطهارة، لدخول الوقت عليه و هو محدث، و في كبرى القياس منع، و لأن طهارة واحدة لا يكون بعضها واجبا و بعضها مندوبا، لأن الفعل الواحد لا يتصف بالوجهين المختلفين، و هو منقوض بالمندوب الذي يجب بالشروع.

و اعلم أن الذي بلغنا أن المصنف أفتى في هذه المسألة أولا بإعادة جميع الصلوات، فلما روجع في ذلك رجع إلى الاكتفاء بإعادة الأولى، نظرا الى اشتغال ذمته عند باقي الطهارات، و بما قررناه يعلم أن بديهته أولى من رويّته.

و يحتمل الإتمام بنية الوجوب لأصالة الصحة فيما مضى، و العمل بمقتضى الخطاب فيما بقي، و لا يخلو من قوّة، و يحتمل بناء ما بقي على ما مضى، لوقوع النيّة في محلّها على الوجه المعتبر، و هو أضعفها، و العمل على الأول، و ينبغي أن يكون موضع المسألة ما إذا لم يعلم بضيق ما بقي إلى دخول الوقت عن فعل الطهارة.

211
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الثاني غسل الوجه ؛ ج 1، ص : 212

[الثاني غسل الوجه]

الثاني غسل الوجه بما يحصل به مسماه، و ان كان كالدهن مع الجريان. (1)

و حدّه من قصاص شعر الرأس إلى محادر شعر الذقن طولا، (2) و ما اشتملت عليه الإبهام و الوسطى عرضا. (3)

______________________________
قوله: (الثاني غسل الوجه بما يحصل به مسماه، و ان كان كالدهن مع الجريان).

(1) الواجب في غسل الوجه و غيره- مما يغسل في الطهارات- هو اجراء الماء على المحل، إما بنفسه أو بنحو اليد، و لا يشترط المبالغة، فلو كان كالدهن أجزأ، إذا جرى لا مطلقا، خلافا للشيخ «1».

قوله: (و حده من القصاص الى محادر شعر الذقن طولا).

(2) القصاص: هو آخر منابت شعر الرأس، و المراد به هنا: من جانب الوجه، لأنه في تحديده، و انما يستقيم هذا بالنسبة إلى الناصية إذا كان مستوي الخلقة، أما النزعتان محركة-: و هما البياضان اللذان يحيطان بالناصية، فلا يستقيم هذا التحديد بالنسبة إليهما، إذ لا يجب غسلهما لكونهما من الرأس، بل يغسل من محاذاة قصاص الناصية.

و كذا بالنسبة إلى موضع التحذيف- و هو الشعر الذي بين النزعة و الصدغ- على القول بوجوب غسله، و هو الأولى، فإنه داخل بين اجزاء الوجه و ان اتصل بالرأس، و انما سمي موضع التحذيف لكثرة حذف الشعر منه.

و المحادر- بالحاء المهملة، و الدال و الراء المهملتين- جمع محدر، و هو: طرف الذقن، بالمعجمة محركة، أعني: مجمع اللحيين اللذين عليهما الأسنان السفلى من الجانبين، و يجب إدخال جزء من غير محلّ الفرض في الابتداء و الانتهاء من باب المقدمة، و كذا في غسل أعضاء جميع الطهارات و المسح المغيّا بغاية، فيجب حينئذ أن يراعى في النيّة مقارنتها لجزء من الرأس و الوجه معا.

قوله: (و ما اشتملت عليه الإبهام و الوسطى عرضا).

(3) هذا التحديد و الذي قبله مستفاد من الأخبار المروية عنهم عليهم السلام «2»،

______________________________
(1) المبسوط 1: 23.

(2) الكافي 3: 27 باب حد الوجه، الفقيه 1: 28 باب 10 حد الوضوء، التهذيب 1: 54 حديث 154.

212
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الثاني غسل الوجه ؛ ج 1، ص : 212

و يرجع الأنزع و الأغم و قصير الأصابع و طويلها الى مستوي الخلقة، (1) و يغسل من أعلى الوجه، فان نكس بطل. (2)

______________________________
فالصدغ- و هو: الذي يتصل أسفله بالعذار- ليس من الوجه قطعا، و كذا البياض الذي بين العذار و الأذن، و العذار: هو الشعر المحاذي للأذن، يتصل أعلاه بالصدغ، و أسفله بالعارض، و في وجوب غسله قولان، و التحديد بما اشتملت عليه الإبهام و الوسطى لا يناله.

و يمكن أن يحتج لوجوبه بأن غسله من باب المقدمة، و بأن شعر الخدين يجب غسله و هو متصل به، و بعدم مفصل يقف الغسل عليه دون العذار، و الوجوب أحوط.

أما العارض: و هو الشعر المنحط عن العذار المحاذي للأذن فقد قطع في الذكرى بوجوب غسله «1»، و ما سفل منه تناله الإبهام و الوسطى فيجب غسله.

قوله: (و يرجع الأنزع، و الأغم، و قصير الأصابع و طويلها الى مستوي الخلقة).

(1) المراد بالأنزع: من انحسر الشعر عن بعض رأسه، و يقابله الأغم، و هو الذي نبت الشعر على بعض جبهته، و فرضهما غسل ما يغسله مستوي الخلقة.

قوله: (و يغسل من أعلى الوجه، فان نكس بطل).

(2) هذا أصح القولين، و قال المرتضى «2»، و ابن إدريس «3» بالصحة لإطلاق الآية «4»، و قول الصادق عليه السلام: «لا بأس بمسح الوضوء مقبلا و مدبرا» «5».

و جوابه: أن الإطلاق مقيد ببيان النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله «6»، و قوله: «هذا وضوء لا يقبل اللَّه الصلاة إلا به» «7» و المسح غير الغسل، و لا يخفى أن الوضوء إنما يبطل‌

______________________________
(1) الذكرى: 83.

(2) قاله السيد المرتضى في المصباح كما نقله عنه في الجواهر 2: 148.

(3) السرائر: 17.

(4) المائدة: 6.

(5) التهذيب 1: 58 حديث 161.

(6) الكافي 3: 24 باب صفة الوضوء، الفقيه 1: 24 باب صفة وضوء رسول اللَّه (ص)، التهذيب 1: 56، 75 حديث 158، 190.

(7) الفقيه 1: 25 حديث 67.

213
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الثاني غسل الوجه ؛ ج 1، ص : 212

و لا يجب غسل مسترسل اللّحية (1) و لا تخليلها، و ان خفّت وجب، و كذا لو كانت للمرأة، (2) بل يغسل الظاهر على الذقن، و كذا شعر الحاجب و الأهداب و الشارب.

______________________________
بالنكس، إذا لم يتداركه على الوجه المعتبر قبل الجفاف، و المراد بالنكس: ما قابل الغسل من الأعلى.

قوله: (و لا يجب غسل مسترسل اللحية).

(1) المراد به: الشعر الخارج عن حدّ الوجه، فإنه ليس من الوجه اتفاقا منا، و إنما يحب غسل ما حاذى الوجه من الشعور.

قوله: (و لا تخليلها، و إن خفت وجب، و كذا لو كانت للمرأة).

(2) المراد بالشعر الخفيف: ما تتراءى البشرة من خلاله في مجلس التخاطب، و الكثيف: مقابله، و لا خلاف في عدم وجوب تخليله، إنما الخلاف في وجوب تخليل الخفيف بحيث يصل الماء إلى ما تحته، و المشهور عدم وجوبه، لقول الباقر عليه السلام:

«كل ما أحاط به الشعر فليس على العباد أن يطلبوه، و لا أن يبحثوا عنه، لكن يجري عليه الماء «1»»، و هو شامل للخفيف، و قول أحدهما عليهما السلام، و قد سئل عن الرجل يتوضأ، أ يبطن لحيته؟ قال: «لا» «2» و لم يستفصل عن كونها خفيفة أو كثيفة، فيكون للعموم.

و المصنف و جمع «3» على الوجوب، نظرا إلى أن المواجهة لما لم تكن بالشعر الخفيف لم ينتقل الحكم إليه، قلنا: ينتقل فيما ستر من البشرة بالشعر، فانّ كل شعرة تستر ما تحتها قطعا، و أما ما بين الشعر، فلا كلام في وجوب غسله، و العمل على المشهور.

و أشار بقوله: (و كذا لو كانت للمرأة، و كذا شعر الحاجب و الأهداب- أي:

شعر الأجفان- و الشارب) إلى رد خلاف العامة القائلين بوجوب التخليل «4» في هذه‌

______________________________
(1) الفقيه 1: 28 حديث 88، التهذيب 1: 364 حديث 1106.

(2) الكافي 3: 28 حديث 2، التهذيب 1: 360 حديث 1084.

(3) منهم: ابن الجنيد كما في المختلف: 21، و المرتضى في الناصريات (الجوامع الفقهية): 219، و الشهيدان في الروضة 1: 74.

(4) بلغة السالك لأقرب المسالك 1: 42، كفاية الأخيار 1: 12، المجموع 1: 374، بداية المجتهد 1: 11.

214
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الثالث: غسل اليدين ؛ ج 1، ص : 215

[الثالث: غسل اليدين]

الثالث: غسل اليدين من المرفق إلى أطراف الأصابع، (1)

______________________________
المذكورات مطلقا، خفيفة كانت أو كثيفة، لأن كثافتها على خلاف الغالب، و ألزمه في الذكرى
«1» بمخالفة المشهور عندهم، و ظاهر مذهب الأصحاب، لأن عبارة البعض- و إن أشعرت بوجوب تخليل الخفيف- إلا أنها عند التحقيق تفيد خلافه كما عليه الباقون، فيكون تفصيل المصنف غير منطبق على واحد من المذهبين.

و اعلم أن قوله: (بل يغسل الظاهر على الذقن) معطوف على قوله: (و لا تخليلها)، أي: لا يجب تخليل اللحية، بل يغسل ظاهر الشعر الذي على الذقن دون ما استرسل منه.

قوله: (غسل اليدين من المرفق إلى أطراف الأصابع).

(1) المرفق كمنبر و مجلس: موصل الذراع في العضد، ذكره في القاموس «2»، و لا كلام في وجوب غسله، إنما الكلام في أن وجوبه بالأصالة كسائر أعضاء الوضوء، أو من باب المقدمة؟

الأرجح: الأول، إما لأن (الى) في الآية بمعنى مع، كما ذكره المرتضى «3» و جماعة «4» من الموثوق بهم، و ورودها في الاستعمال كذلك كثيرا يؤيده، و كذا فعله صلّى اللَّه عليه و آله في وضوء البيان، أو لأن الغاية إذا لم تتميز يجب دخولها في المغيا و يشهد لهذا القول شهرته بين العلماء، و قول الكاظم عليه السلام في مقطوع اليد من المرفق: «يغسل ما بقي» «5» فإن غسله لو وجب مقدمة لغسل اليد لسقط بسقوطه، فلما لم يسقط علم أن وجوبه بالأصالة.

قوله: (فان نكس أو لم يدخل المرفق بطل).

______________________________
(1) الذكرى: 84.

(2) القاموس (رفق) 3: 236.

(3) الانتصار: 17، الناصريات (الجوامع الفقهية): 220.

(4) منهم: الشيخ في التبيان 3: 450، و الراوندي في فقه القرآن 1: 14.

(5) الكافي 3: 29 حديث 9، التهذيب 1: 360 حديث 1086.

215
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الثالث: غسل اليدين ؛ ج 1، ص : 215

فإن نكس أو لم يدخل المرفق بطل. (1) و تغسل الزائدة مطلقا ان لم تتميز عن الأصلية، (2) و إلّا غسلت إن كانت تحت المرفق، (3) و اللحم و الإصبع الزائدان إن كانا تحت المرفق، و لو استوعب القطع محل الفرض سقط الغسل، و إلّا غسل ما بقي.

______________________________
(1) خالف المرتضى
«1»، و ابن إدريس «2» في البطلان بالنكس هنا أيضا، و الكلام عليه كما سبق في الوجه.

قوله: (و تغسل الزائدة مطلقا إن لم تتميز عن الأصلية).

(2) المراد بقوله: (مطلقا): تعميم الحكم بالغسل، سواء كانت تحت المرفق، أو فوقه، أو من نفس المرفق، لعدم تحقق الامتثال بدونه.

قوله: (و إلا غسلت إن كانت تحت المرفق).

(3) أي: و إن لم تكن كذلك بأن تميزت عن الأصلية، غسلت وجوبا- إن كانت تحت المرفق- لتبعيتها لما يجب غسله، إذ هي من جملة اليد كاللحم الزائد و الإصبع، و لو كانت فوق المرفق- و هي متميزة- لم يجب غسلها، كما دلّ عليه مفهوم الشرط في العبارة.

و في المختلف: يجب غسلها لصدق اسم اليد عليها «3»، و يشكل بوجوب الحمل على المعهود، و هو الغالب. و لو نبتت من نفس المرفق فظاهر العبارة عدم وجوب غسلها إن تميزت، و هو مشكل على القول بوجوب غسل المرفق لتبعيّة المحل كالتي تحته، و لو قيل بالوجوب لم يكن بذلك البعيد «4».

و تعلم الزائدة بالقصر الفاحش، و نقص الأصابع، و فقد البطش و ضعفه، و ما أحسن قوله: (و لو استوعب القطع محل الفرض سقط الغسل، و إلا غسل ما بقي)

______________________________
(1) الانتصار: 16.

(2) السرائر: 17.

(3) المختلف: 23.

(4) في نسخة «ح»: التبعيّة.

216
جامع المقاصد في شرح القواعد1

فروع ؛ ج 1، ص : 217

[فروع]

فروع:

[أ: لو افتقر الأقطع الى من يوضّؤه بأجرة وجبت مع المكنة]

أ: لو افتقر الأقطع الى من يوضّؤه بأجرة وجبت مع المكنة، و ان زاد عن اجرة المثل (1) و الّا سقطت أداء و قضاء. (2)

[ب: لو طالت أظفاره، فخرجت عن حد اليد وجب غسلها]

ب: لو طالت أظفاره، فخرجت عن حد اليد وجب غسلها، (3) و لو كان تحتها وسخ (4) يمنع وصول الماء، وجب إزالته مع المكنة.

______________________________
قوله: (لو افتقر الأقطع إلى من يوضؤه بأجرة وجب مع المكنة، و إن زادت عن أجرة المثل).

(1) لأن ذلك من باب مقدمة الواجب المطلق، و إنما تتحقق المكنة إذا لم يضر بحاله، و يحتمل عدم وجوب ما زاد عن أجرة المثل، لأن الغبن ضرر، و الفتوى على الوجوب لصدق التمكن.

قوله: (و إلا سقطت أداء و قضاء).

(2) أي: و إن لم يتمكن، و إنما تسقط مع تعذر الطهارة بنوعيها، و على القول بأن فاقد الطهورين يقضي «1» يتجه القضاء هاهنا.

قوله: (لو طالت أظفاره فخرجت عن حدّ اليد وجب غسلها).

(3) لأنها من أجزاء اليد، و يحتمل عدم الوجوب، كما ذكره في المنتهى «2»، لخروجها عن محل الوجوب كمسترسل اللحية، و فرّق في الذكرى «3» بما ليس بظاهر.

قوله: (و لو كان تحتها وسخ.).

(4) احتمل في المنتهى «4» عدم الوجوب لأنه ساتر عادة، فلو وجب إزالته لبينه عليه السلام، و لما لم يبيّنه دل على عدم الوجوب. و هو ضعيف، لأنها في حدّ الظاهر، و يكفي في البيان الحكم بوجوب غسل جميع اليد.

______________________________
(1) قاله الشيخ في المبسوط 1: 23، و ابن حمزة في الوسيلة: 40، و الشهيد في الذكرى: 86.

(2) المنتهى 1: 59.

(3) الذكرى: 85.

(4) المنتهى 1: 59.

217
جامع المقاصد في شرح القواعد1

ج: لو انكشطت جلدة من محل الفرض و تدلت منه وجب غسلها ؛ ج 1، ص : 218

[ج: لو انكشطت جلدة من محل الفرض و تدلّت منه وجب غسلها]

ج: لو انكشطت جلدة من محل الفرض و تدلّت منه وجب غسلها، و لو تدلت من غير محله سقطت، و لو انكشطت من غير محل الفرض و تدلت منه وجب غسلها.

[د: ذو الرأسين و البدنين]

د: ذو الرأسين و البدنين يغسل أعضاءه مطلقا. (1)

[الرابع: مسح الرأس]

الرابع: مسح الرأس، و الواجب أقل ما يقع عليه اسمه، (2) و يستحب بقدر ثلاث أصابع (3) مقبلا، و يكره مدبرا، (4) و محلّه المقدّم،

______________________________
قوله: (ذو الرأسين و البدنين يغسل أعضاءه مطلقا).

(1) أي: على كل حال، سواء حكمنا بأنه واحد في الميراث أو اثنان، نظرا إلى صورة الاثنينية، و لأن يقين البراءة إنما يحصل بذلك، و يراعى في صحة الفعل مباشرة كل منهما غسل أعضائه.

قوله: (و الواجب أقل ما يقع عليه اسمه).

(2) أي: اسم المسح، و المراد: الصدق عرفا لإطلاق الأمر بالمسح فلا يتقدر بقدر مخصوص.

قوله: (و يستحب بقدر ثلاث أصابع).

(3) و هل يوصف ما زاد عن المسمى بالوجوب، أو بالاستحباب؟ قولان أصحهما الأول، و لا يضر جواز ترك الزائد، لأن الواجب هو الكلي، و أفراده مختلفة بالشدة و الضعف، فأي فرد أتي به تحقق الامتثال به، لأن الواجب يتحقق به.

و عبارة المصنف تحتمل الأمرين، لأن الاستحباب العيني لا ينافي الوجوب التخييري، فيمكن أن يريد أفضلية هذا الفرد، و أن يريد استحباب الزائد على المسمى الذي به يكون استحباب المجموع من حيث هو، و اعلم أن المراد بمقدار ثلاث أصابع في عرض الرأس، أما في طوله فمقداره ما يسمى به ماسحا، و يتأدى الفضل بمسح المقدار المذكور و لو بإصبع.

قوله: (مقبلا و يكره مدبرا).

(4) أي: مستقبل الشعر، لقول الصادق عليه السلام: «لا بأس بمسح الوضوء مقبلا‌

218
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الرابع: مسح الرأس ؛ ج 1، ص : 218

فلا يجزئ غيره. و لا يجزئ الغسل عنه، (1) و لا المسح على حائل و ان كان من شعر الرأس غير المقدم، (2) بل اما على البشرة أو على الشعر المختص بالمقدم إذا لم يخرج عن حده، (3) فلو مسح على المسترسل أو على الجعد الكائن في حد الرأس إذا خرج بالمد عنه لم يجز.

______________________________
و مدبرا»
«1» و قال المرتضى «2»، و ابن إدريس لا يجوز «3»، و فيه ضعف.

و اعلم أن الكلام في استحباب المسح مقبلا كالكلام في استحباب المسح بثلاث أصابع، بل كراهية المسح مدبرا كذلك، إذ لا يراد بالكراهية هنا الّا خلاف الأولى، فيرجع إلى الاستحباب.

قوله: (و لا يجزئ الغسل عنه).

(1) إما بأن يستأنف ماء جديدا، أو بان يقطر ماء الوضوء على محل المسح، أو يجريه على المحل بآلة غير اليد اختيارا، و بعض العامة اجتزأ به «4».

قوله: (و لا المسح على حائل و إن كان من شعر الرأس غير المقدم).

(2) و إن وصل البلل إلى الرأس، و كذا لو مسح بآلة غير اليد، تأسيا بفعل النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله «5»، و لأن الباء في قوله تعالى (وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ) «6»، يقتضي الإلصاق، لأنه أعمّ معانيها، و يجب كون المسح بباطن اليد للتأسي.

قوله: (بل إما على البشرة أو على الشعر المختص بالمقدم، إذا لم يخرج عن حدّه).

(3) البشرة في العبارة تصدق على موضع الشعر إذا أزيل بشي‌ء، و بموضع النزع‌

______________________________
(1) التهذيب 1: 58 حديث 161، الاستبصار 1: 57 حديث 169.

(2) الانتصار: 19.

(3) قال السيد العاملي في مفتاح الكرامة 1: 249 و اختلف النقل عن ابن إدريس فالمحقق الثاني و جماعة نسبوا اليه التحريم، و المصنف في المختلف و جماعة نسبوا اليه القول بالكراهة و هو الحق. انظر: السرائر: 249، المختلف: 24.

(4) ذهب إليه أحمد بن حنبل، انظر: المغني لابن قدامة 1: 147 مسألة 172.

(5) الكافي 3: 25 حديث 4، الفقيه 1: 24 باب صفة وضوء رسول اللَّه (ص)، التهذيب 1: 56، 75، 76 حديث 158، 190، 191.

(6) المائدة: 6.

219
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الخامس: مسح الرجلين ؛ ج 1، ص : 220

[الخامس: مسح الرجلين]

الخامس: مسح الرجلين، و الواجب أقل ما يقع عليه اسمه، (1) و يستحب بثلاث أصابع، و محلّه ظهر القدم من رؤوس الأصابع إلى الكعبين، و هما حد المفصل بين الساق و القدم، (2)

______________________________
الذي لا ينبت عليه الشعر، مع كونه من الرأس باعتبار الغالب، و المراد ب‍ (المختص بالمقدم) في العبارة: النابت في المقدم، و قيده بعدم الخروج عن حده احترازا عن الطويل، الذي إذا مدّ خرج عن حد المقدم، فإنه لا يجزئ المسح على ما طال منه، لأنه خارج عن محل الفرض، و الجعد- بفتح الجيم و إسكان العين- ضد السبط: و هو الكثيف من الشعر الملتف المجتمع بعضه على بعض، و أراد بالمسترسل: مقابله.

قوله: (الخامس: مسح الرجلين، و الواجب أقل ما يقع عليه اسمه).

(1) المراد بذلك: في عرض القدم، أما في طوله فسيأتي أنه من رؤوس الأصابع إلى الكعبين، و احتمل في الذكرى «1» إجزاء مسح جزء من ظهر القدم، كما يجزئ مسح جزء من مقدم الرأس، و يكون التحديد للقدم الممسوح لا للمسح، و هو بعيد.

قوله: (و هما حد المفصل بين الساق و القدم).

(2) ما ذكره في تفسير الكعبين خلاف ما عليه جميع أصحابنا «2»، و هو من متفرداته، مع أنه ادعى في عدة من كتبه «3» أنه المراد في عبارات الأصحاب، و ان كان فيها اشتباه على غير المحصل، و استدل عليه بالاخبار و كلام أهل اللغة، و هو عجيب، فان عبارات الأصحاب صريحة في خلاف ما يدعيه، ناطقة بأنّ الكعبين هما العظمان النابتان في ظهر القدم أمام الساق، حيث يكون معقد الشراك غير قابلة للتأويل و الأخبار كالصريحة في ذلك، و كلام أهل اللغة مختلف، و ان كان اللغويون من أصحابنا، مثل عميد الرؤساء لا يرتابون في أن الكعب هو الناتئ في ظهر القدم، و قد أطنب عميد الرؤساء في كتاب الكعب في تحقيق ذلك، و أكثر في الشواهد على‌

______________________________
(1) الذكرى: 89.

(2) منهم: المفيد في المقنعة: 5، و الشيخ في المبسوط 1: 22، و ابن البراج في المهذب 1: 44، و المحقق في المعتبر 1: 148.

(3) انظر: المختلف: 24، المنتهى 1: 64.

220
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الخامس: مسح الرجلين ؛ ج 1، ص : 220

و لو نكس المسح جاز. (1) و لو استوعب القطع محل الفرض سقط المسح، و إلّا مسح على الباقي، و يجب المسح على البشرة، و يجوز على الحائل- كالخف و شبهه- للضرورة أو التقية خاصة، فإن زال السبب ففي الإعادة من غير حدث اشكال. (2)

______________________________
ذلك، على ما حكي من كلامه.

على أن القول بأن الكعب هو المفصل بين الساق و القدم، إن أراد به: أن نفس المفصل هو الكعب، لم يوافق مقالة أحد من الخاصة و العامة، و لا كلام أهل اللغة، و لم يساعد عليه الاشتقاق الذي ذكروه، فإنهم قالوا: إن اشتقاقه من كعب إذا ارتفع «1»، و منه: كعب ثدي الجارية، و إن أراد به أن ما نتئ عن يمين القدم و شماله هو الكعب- كمقالة العامة «2»-، لم يكن المسح منتهيا الى الكعبين، و المعتمد ما قدمنا حكايته عن الأصحاب، و عليه الفتوى.

و يجب إدخال الكعبين في المسح، إمّا لأن (إلى) بمعنى مع، أو لأن الغاية التي لا تتميز يجب إدخالها، و لو بلغ بالمسح، إلى المفصل خروجا من الخلاف لكان أحوط.

قوله: (و لو نكس المسح جاز).

(1) و قيل: لا يجوز «3»، لأن (إلى) للانتهاء، و جوابه: أنها على تقدير أن تكون للانتهاء، لا يلزم ما ذكر من عدم جواز النكس، لأن الانتهاء كما يكون للكيفية كذا يكون للكميّة، مثل أعطه من عشرة إلى واحد، و مع الاحتمال لا يتعين واحد، و كذا القول في (إلى المرافق)، و قول الصادق عليه السلام: «لا بأس بمسح الوضوء مقبلا و مدبرا» «4» يدل على الجواز، نعم هو مكروه.

و ما أحسن قوله: (و لو استوعب القطع محل الفرض سقط المسح، و إلا مسح على الباقي)! فإنه شامل للمطلوب، جار على جميع الأقوال.

قوله: (فان زال السبب ففي الإعادة إشكال).

(2) ينشأ من أنها طهارة ضرورة، فيتقدر بقدرها، و من أن زوال السبب المبيح‌

______________________________
(1) انظر: لسان العرب 1: 718 مادة (كعب).

(2) انظر: المغني لابن قدامة 1: 155، الشرح الكبير 3: 173، المجموع 1: 422، و انظر تهذيب الأسماء و اللغات 4: 116.

(3) قاله ابن إدريس في السرائر: 17، و الشهيد في الألفية: 29.

(4) التهذيب 1: 58 حديث 161، الاستبصار 1: 57 حديث 168.

221
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الخامس: مسح الرجلين ؛ ج 1، ص : 220

و لا يجزئ الغسل عنه إلّا للتقيّة، (1) و يجب أن يكون مسح الرأس و الرجلين ببقية نداوة الوضوء، (2)

______________________________
للرخصة بعد الحكم بصحة الطهارة، و كونها رافعة للحدث لا يقتضي البطلان، إذ ليس هو من جملة الأحداث، و تحقيق البحث يتم بمقدمات.

أ: امتثال المأمور به يقتضي الاجزاء، و الإعادة على خلاف الأصل، فيتوقف على الدليل، و بيانهما في الأصول.

ب: يجوز أن ينوي صاحب هذه الطهارة رفع الحدث لانتفاء المانع، و متى نواه حصل له، لقوله عليه السلام: «و إنما لكل امرئ ما نوى» «1».

ج: بعد ارتفاع الحدث إنما ينقض الرافع له حدث مثله، و زوال السبب ليس من الأحداث إجماعا، فيجب استصحاب الحكم إلى أن يحصل حدث آخر، و متى تقررت هذه المقدمات لزم الجزم بعدم الإعادة هنا، و في الجبيرة، و هو الأصح.

و تقدّر الطهارة بقدر الضرورة، إن أريد به عدم جواز الطهارة كذلك بعد زوال الضرورة فحقّ، و إن أريد به عدم إباحتها فليس بحق، لأن المتقدر هي لا إباحتها، فإن ذلك هو محل النزاع.

قوله: (و لا يجزئ الغسل عنه إلا للتقيّة).

(1) و لا تجب الإعادة بزوالها قولا واحدا فيما أظنه، و لا يشترط في الصحة عدم المندوحة لإطلاق النص «2».

قوله: (و يجب أن يكون المسح ببقية نداوة الوضوء).

(2) هذا ما استقر عليه مذهب الأصحاب، و لا يعتد بخلاف ابن الجنيد «3»، فلو استأنف ماء جديدا، أو مسح بماء الثالثة لم يصح قطعا، و لو غمس أعضاء الوضوء في الماء فقد منع بعض الأصحاب من المسح بمائه «4»، لما يتضمن من بقاء آن بعد الغسل، فيلزم الاستئناف.

______________________________
(1) صحيح البخاري 1: 2، و سنن ابي داود 2: 262.

(2) التهذيب 1: 82 حديث 214، الاستبصار 1: 37 حديث 219.

(3) نقله العلامة في المختلف: 24.

(4) المنتهى 1: 64 و نسب فيه هذا القول الى والده، و هو اختيار العلامة في المختلف: 26.

222
جامع المقاصد في شرح القواعد1

السادس: الترتيب ؛ ج 1، ص : 223

فإن استأنف بطل. (1) و لو جفّ ماء الوضوء قبله أخذ من لحيته و حاجبيه و أشفار عينه و مسح به، فان لم تبق نداوة استأنف.

[السادس: الترتيب]

السادس: الترتيب، يبدأ بغسل وجهه، ثم بيده اليمنى، ثم اليسرى، ثم يمسح رأسه، ثم يمسح رجليه،

______________________________
و يشكل بأن الغمس لا يصدق معه الاستئناف عرفا، فان المحكم في أمثال ذلك إنما هو العرف، و لو أريد الاحتياط نوى الغسل عند آخر ملاقاة الماء للعضو حين إخراجه، تفاديا مما حذره.

و لو مسح العضو و عليه بلل ففي صحّة المسح قولان «1»، يلتفتان إلى أن بلل المحل يختلط ببلل الوضوء، فيلزم استئناف الجديد، و ان المرجع في معنى الاستئناف إلى العرف، و هو غير صادق على هذا الفرد، و للأصل، و عموم النصوص «2» يتناوله، فإخراجه يحتاج إلى دليل، و لو منع المسح مثل هذا البلل لمنعه الوضوء في موضع لا ينفك من العرق كالحمّام، و فيما إذا كان على الأعضاء بلل سابق على الوضوء للقطع ببقاء شي‌ء منه. و في الذكرى «3» لو غلب ماء الوضوء رطوبة الرجلين ارتفع الاشكال، و فيه نظر، فان التعليل يقتضي بقاءه، و أصح القولين الثاني، و هو مختار المحقق «4»، و ابن إدريس «5»، و الأول أحوط.

قوله: (فإن استأنف بطل).

(1) أي: الوضوء إن اكتفى بهذا المسح إلى أن جف البلل، أو تعذر المسح بالبلة، و إلا أعاد المسح بها، و صح وضوءه، و ذلك بأن يجفف ما على محل الاستئناف، و يأخذ من نداوة الوضوء. و يمكن عود الضمير إلى المسح، و حينئذ فيستفاد بطلان الوضوء، إذا تعذر تدارك المسح على الوجه المعتبر بدليل من خارج.

______________________________
(1) قال بالصحة ابن الجنيد كما في المختلف: 26، و ابن إدريس في السرائر: 18، و المحقق في المعتبر 1: 160، و قال بعدمها العلامة و والده في المختلف: 26.

(2) الكافي 3: 29 حديث 2، التهذيب 1: 91 حديث 243، الاستبصار 1: 62 حديث 184.

(3) الذكرى: 89.

(4) الشرائع 1: 24.

(5) السرائر: 18.

223
جامع المقاصد في شرح القواعد1

السابع: الموالاة ؛ ج 1، ص : 224

و لا ترتيب بينهما. (1) فإن أخلّ به أعاد مع الجفاف، و إلّا على ما يحصل معه الترتيب، و النسيان ليس عذرا. و لو استعان بثلاثة للضرورة فغسّلوه دفعة لم يجزئ. (2)

[السابع: الموالاة]

السابع: الموالاة، و يجب أن يعقب كل عضو بالسابق عليه عند كماله، (3)

______________________________
قوله: (و لا ترتيب فيهما).

(1) هذا أحد القولين «1» لانتفاء المقتضي، و الأصح الوجوب، لأن وضوء البيان إن وقع فيه الترتيب فوجوبه ظاهر، و إلا لزم وجوب مقابله، و الثاني باطل اتفاقا. و بيان الملازمة: أن ما وقع عليه وضوء البيان يجب العمل به، لأن بيان الواجب واجب، و لقوله عليه السلام بعده: «هذا وضوء لا يقبل اللَّه الصلاة إلا به» «2».

قيل: يجوز أن يكون الواقع في وضوء البيان خلاف الترتيب، و لم يتعين ذلك الواقع للإجماع على جواز غيره، قلنا: فيلزم أن لا يكون قوله عليه السلام: «هذا وضوء لا يقبل اللَّه الصلاة إلا به» جاريا على ظاهره في الفرد المتنازع بل يكون مخصصا بالنسبة إليه، و هو خلاف الأصل، و ما لزم عنه خلاف الأصل فهو خلاف الأصل.

قوله: (و لو استعان بثلاثة للضرورة فغسّلوه دفعة لم يجزئ).

(2) المراد: غسلوا أعضاء وضوئه دفعة، و ذلك حيث يتعذر عليه المباشرة بنفسه، و إنما لم يجزئ لفوات الترتيب، و إنما يبطل ما عدا غسل الوجه، فيعيد المتوالي لذلك ما سواه على الوجه المعتبر.

قوله: (الموالاة: و هي أن يعقب كلّ عضو بالسابق عليه عند كماله).

(3) أي: عند كمال السابق، و المراد تعقيبه به بحسب العادة، و هذا أحد القولين للأصحاب في تفسير الموالاة «3»، و هو أقرب الى المعنى اللغوي، فإن الموالاة مفاعلة من الولاء، و هو التتابع، و هو اختيار المصنف.

و القول الثاني: إن الموالاة مراعاة الجفاف على معنى أنه يجب الغسل قبل أن‌

______________________________
(1) ذهب الى عدم وجوب الترتيب المحقق في الشرائع 1: 22، و المعتبر 1: 155، و فخر الإسلام على ما ذكره السيد العاملي في مفتاح الكرامة 1: 260، و ذهب الى وجوب الترتيب الصدوق في الفقيه 1: 28، و سلار في المراسم: 28، و الشهيدان في الروضة 1: 75.

(2) الفقيه 1: 25 حديث 3.

(3) منهم: المفيد في المقنعة: 5، و أبو الصلاح في الكافي في الفقه: 133، و الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 23، و الخلاف 1: 8 مسألة 41 كتاب الطهارة، و المحقق في المعتبر 1: 157 و الشهيد في الذكرى: 92.

224
جامع المقاصد في شرح القواعد1

السابع: الموالاة ؛ ج 1، ص : 224

..........

______________________________
يجف ما قبله، فما دام البلل باقيا فلا حرج، و هو الظاهر من عبارة أكثر الأصحاب
«1»، و في بعض حواشي الشهيد حكاية قول ثالث جامع بين التفسيرين، و هو المتابعة اختيارا، و مراعاة الجفاف اضطرارا.

و عندي إن هذا هو القول الأول، لأن القائل به لا يحكم بالبطلان بمجرد الإخلال بالمتابعة ما لم يجف البلل، فلم يبق لوجوب المتابعة معنى إلا ترتب الإثم على فواتها، و لا يعقل تأثيم المكلف بفواتها إلا إذا كان مختارا، لامتناع التكليف بغير المقدور.

إذا تقرر ذلك فأصح القولين هو الثاني، إذ ليس في النصوص ما ينافيه، و الموالاة بالمعنى الأول تقتضي زيادة تكليف، و الأصل عدمه.

و قد احتج المصنف على الأول بحجج مدخولة، و لو تمت لزم فساد الوضوء بالإخلال بالمتابعة، لعدم تحقق الامتثال بدونها على تقدير الوجوب، لأن الامتثال إنما يتحقق إذا أتى بالمأمور به مشتملا على جميع الأمور الواجبة فيه، و أصحاب القول الأول لا يقولون به، و هذا من أمتن الدلائل على صحة القول الثاني، و هنا مباحث:

أ: حكى في الذكرى «2» عن الأصحاب، في تحقيق معنى جفاف السابق و عدمه ثلاثة أقوال: فعن ظاهر المرتضى «3»، و ابن إدريس «4» اعتبار العضو المتقدم بغير فصل، و عن صريح ابن الجنيد «5» اشتراط بقاء البلل في جميع ما تقدم، إلّا لضرورة، و عن ظاهر باقي الأصحاب «6» الاكتفاء بشي‌ء من البلل، و اطباقهم على الأخذ من شعور الوجه للمسح، و ورود الأخبار «7» بذلك يقتضي صحة الثالث، إذ لولاه لزم‌

______________________________
(1) منهم: السيد المرتضى في الناصريات (الجوامع الفقهية): 221، و سلار في المراسم: 38 و ابن البراج في المهذب 1: 45، و ابن إدريس في السرائر: 17.

(2) الذكرى: 92.

(3) الناصريات (الجوامع الفقهية): 221.

(4) السرائر: 18.

(5) نقل عنه في المختلف: 27.

(6) منهم: سلار في المراسم: 38، و ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 492، و المحقق في الشرائع 1: 22، و الشهيد في اللمعة 18.

(7) التهذيب 1: 59، 89 حديث 165، 235، الاستبصار 1: 59، 74 حديث 175، 229.

225
جامع المقاصد في شرح القواعد1

السابع: الموالاة ؛ ج 1، ص : 224

فإن أخلّ وجف السابق (1) استأنف و إلّا فلا. و ناذر الوضوء مواليا لو أخلّ بها فالأقرب الصحة و الكفّارة. (2)

______________________________
فساد الوضوء للإخلال بالموالاة.

ب: هل بقاء البلل معتبر مطلقا، أم في الهواء المعتدل، حتى لو كان مفرط الرطوبة و عرق «1» بحيث لو لا إفراط الرطوبة لجف البلل- يبطل الوضوء؟ فيه احتمال، و وجه الصحة بقاء البلل حسّا، و التقدير على خلاف الأصل، قال في الذكرى «2»! و تقييد الأصحاب بالهواء المعتدل، ليخرج طرف الإفراط في الحرارة.

ج: لو تعذر بقاء الموالاة لإفراط الحرّ و الهواء، مع رعاية ما يمكن من الإسباغ و الإسراع فالظاهر السقوط، و عليه يحمل الحديث «3» الدال على اغتفار جفاف البلل، و لو افتقر إلى الاستئناف للمسح جاز، كما صرّح به في الذكرى «4» و غيرها، و لو جمع بين الوضوء و التيمم احتياطا كان أقرب الى البراءة.

قوله: (فإن أخل وجف السابق).

(1) المتبادر منه جفاف الجميع.

قوله: (و ناذر الوضوء مواليا، لو أخل بها فالأقرب الصحة و الكفارة).

(2) المراد بالوضوء: ما يتصور تعلق النذر به ليشمل المندوب، و الواجب المبيح و غيره، فمن نذر الوضوء مواليا، أي: متابعا لأفعاله انعقد نذره.

أما على القول بأنها مراعاة الجفاف فظاهر، و أما على أنها المتابعة، فلأن نذر الواجب ينعقد و يظهر أثره في وجوب الكفارة بالمخالفة، فلو توضأ و أخل بالمتابعة ففي صحة الوضوء وجهان، يلتفتان إلى أن المعتبر في صحة الفعل حاله الذي اقتضاه النذر، أم أصله، لأن شرط المنذور كغيره، إذ هو بعض أفراد الوضوء؟ الأصح الأول، لاقتضاء النذر ذلك، فلا يقع عن المنذور لعدم المطابقة، و لا عن غيره لعدم النيّة، إذ الفرض أن المنوي هو المنذور، و مثله لو نذر صلاة ركعتين من قيام، فأتى بهما من جلوس بنيّة النذر، لم‌

______________________________
(1) في (ع) و (ح) فرق، و المثبت هو الصحيح ظاهرا.

(2) الذكرى: 92.

(3) التهذيب 1: 88 حديث 232، الاستبصار 1: 72 حديث 222.

(4) الذكرى: 92.

226
جامع المقاصد في شرح القواعد1

السابع: الموالاة ؛ ج 1، ص : 224

..........

______________________________
ينعقد، مع أن القيام غير شرط في أصلها.

إذا تقرر ذلك، فقد رتب المصنف على صحة الوضوء وجوب الكفارة- و صرّح به الشارحان- «1» و كأنه يرى أن المأتي به هو المنذور، و الكفارة للإخلال بالصفة المشترطة.

و ليس بجيد، لأن المأتي به إنما يجزئ عن المنذور إذا اشتمل على جميع وجوه الوجوب فيه، لأن هذا هو المعقول من الاجزاء، و حينئذ، فلا كفارة لعدم المخالفة، و إلا بقي المنذور في الذمة لعدم الإتيان به.

و الفرض عدم المطابقة بين المأتي به و المنذور فيبقى في عهدته، فيجب تداركه، و لا تجب الكفارة إلا إذا قصّر في التدارك عند تضيق وقته حتى فات وقته، فظهر أنّ الكفارة لا يتوجه القول بها على واحد من القول بالصحة و البطلان، إلا على ما ذكرناه.

و فصّل ولد المصنف بما حاصله على القول بالبطلان «2»، مع بقاء الوقت تجب الإعادة و لا كفارة، و على الصحة تجب، و مع خروج الوقت تجب مطلقا، و هذا لأنه فرض نذر الوضوء مواليا في وقت معين، و هو بعض أفراد مسألة الكتاب، لأنها أعم من أن يكون النذر معيّنا أو مطلقا.

و الحاصل: إن جعل مدار وجوب الكفارة صحة الوضوء المأتي به غير مستقيم، و سيأتي في باب صلاة النذر أنه لو نذر صلاة في زمان، أو مكان مخصوص فأتى بها في غيره، فإنه يجب عليه فعلها فيه و لا كفارة، و هو مخالف لما هنا، و الحق أن ما قرروه هنا لا وجه له.

و تحقيق الحكم: ان الوضوء المنذور كذلك إن تعين وقته، و أخل بالصفة المشترطة اختيارا حتى خرج الوقت وجبت الكفارة، و إن بقي تداركه فيه و لا كفارة، سواء قلنا بصحة المأتي به على خلاف الصفة أم لا، و إن لم يتعين وقته لم يتحقق وجوب الكفارة فيه، إلا مع تضيق وقته بغلبة ظن الوفاة، مع الإخلال به على التقديرين أيضا.

______________________________
(1) انظر: إيضاح الفوائد 1: 40.

(2) انظر: إيضاح الفوائد 1: 41.

227
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في مندوباته ؛ ج 1، ص : 228

[الفصل الثاني: في مندوباته]

الفصل الثاني: في مندوباته و يتأكد السواك و ان كان بالرطب للصائم آخر النهار و أوله سواء، (1)

______________________________
قوله: (الفصل الثاني: في مندوباته.

(1) و يتأكد السواك و إن كان بالرطب للصائم آخر النهار و أوله سواء).

من مستحبات الوضوء المتأكدة السواك، حتى أنه ورد عنه صلّى اللَّه عليه و آله-: «لو لا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء» «1»، أي: لأوجبته عليهم، فان الاستحباب ثابت، و عن الباقر و الصادق عليهما السلام: «صلاة ركعتين بسواك أفضل من سبعين ركعة بغير سواك» «2» و يستحب بقضبان الأشجار، و أفضلها الأراك، و تجزئ الخرقة الخشنة، و الإصبع، و يستحب أن يكون عرضا.

و لا فرق بين الرطب و اليابس للصائم، و غيره.

و قال ابن أبي عقيل «3»، و الشيخ «4» يكره بالرطب للصائم، و لا فرق في استحبابه للصائم بين أول النهار و آخره، خلافا للعامة «5»، القائلين بكراهته للصائم بعد الزوال، لأنه يزيل أثر العبادة، و ليس بشي‌ء.

قال في الذكرى «6» ما حاصله: هل السواك و التسمية من سنن الوضوء حتى تقع عندهما نيته؟ ظاهر الأصحاب «7» و الأخبار «8» انهما من سننه، لكن لم يذكر الأصحاب إيقاع النيّة عندهما، و لعله لسلب اسم الغسل المعتبر في الوضوء عنهما.

______________________________
(1) الكافي 3: 22 حديث 1، الفقيه 1: 34 حديث 123.

(2) الكافي 3: 22 حديث 1 و فيه: (ركعتان بالسواك)، الفقيه 1: 33 حديث 118، المحاسن: 561 حديث 949.

(3) حكاه العلامة في المختلف: 223.

(4) المبسوط 1: 273، النهاية: 156.

(5) الوجيز 1: 13، المجموع 1: 275، نيل الأوطار 1: 127.

(6) الذكرى: 83.

(7) منهم: الشيخ في المبسوط 1: 273، و سلار في المراسم: 38، و المحقق في المعتبر 1: 168، و يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 34.

(8) الكافي 3: 22 باب السواك، الفقيه 1: 33 باب السواك، المحاسن: 558 باب الخلال و السواك.

228
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في مندوباته ؛ ج 1، ص : 228

و وضع الإناء على اليمين، و الاغتراف بها، (1) و التسمية، و الدعاء. (2)

و غسل الكفين قبل إدخالهما الإناء (3) مرة من حدث النوم و البول، و مرتين من الغائط، و ثلاثا من الجنابة،

______________________________
قوله: (و وضع الإناء على اليمين و الاغتراف بها).

(1) هذا إن كان يتوضأ من إناء يمكن الاغتراف منه باليد، أسنده في الذكرى «1» الى الأصحاب، روي ان النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله كان يحب التيامن في شأنه كله «2»، و يستحب أن يكون الاغتراف باليد اليمنى، لفعل الباقر عليه السلام في وصف وضوء رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله «3»، و ليدره بها إلى اليسار عند غسل اليمنى، قاله الأصحاب، و روي عن الباقر عليه السلام الأخذ لغسل اليمنى باليسرى «4».

و روي عنه عليه السلام الأخذ باليمنى أيضا «5».

قوله: (و التسمية و الدعاء).

(2) هي قول: بسم اللّٰه و باللّه، إلى آخره الدعاء «6».

قوله: (و غسل الكفين قبل إدخالهما الإناء.).

(3) غسل الكفين للوضوء من مفصل الزند، و للجنابة من المرفق- على الأظهر- لورود النص به «7»، و ظاهر العبارة عدم الفرق، و لو اجتمعت هذه الأسباب تداخل الغسل كما صرّح به في المنتهى «8».

______________________________
(1) الذكرى: 80.

(2) صحيح البخاري 1: 53 باب 31.

(3) الكافي 3: 25 حديث 4، 5.

(4) الكافي 3: 24 حديث 2.

(5) الكافي 3: 24 حديث 3.

(6) التهذيب 1: 53 حديث 153.

(7) التهذيب 1: 131 حديث 362، الاستبصار 1: 118 حديث 398.

(8) المنتهى 1: 49.

229
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في مندوباته ؛ ج 1، ص : 228

و المضمضة و الاستنشاق ثلاثا ثلاثا، (1) و الدعاء عندهما (2) و عند كل فعل، و بدأة الرجل بغسل ظاهر ذراعيه، (3) و في الثانية بباطنهما، و المرأة بالعكس، و الوضوء بمد، (4)

______________________________
قوله: (و المضمضة و الاستنشاق ثلاثا ثلاثا).

(1) و يستحب كونهما بثلاث أكف، ثلاث أكف، و قول ابن أبي عقيل: ليسا بفرض و لا سنة «1» ضعيف، و يستحب المبالغة فيهما بجذب الماء إلى أقصى الحنك، و جذبه إلى خياشيمه لغير الصائم.

قوله: (و الدعاء عندهما).

(2) يريد به: فيهما، كما عبر به في المنتهى «2».

قوله: (و بدأة الرجل بغسل ظاهر ذراعيه.).

(3) قال في الذكرى «3»: إن أكثر الأصحاب لم يفرقوا بين الرجل و المرأة «4»، و الفرق ذكره في المبسوط «5»، و تبعه جماعة «6»، و تتخيّر الخنثى.

قوله: (و الوضوء بمد).

(4) سيأتي بيان المدّ- إن شاء اللَّه تعالى- في الفطرة «7»، قال في الذكرى: المد لا يكاد يبلغه الوضوء، فيمكن أن يدخل فيه ماء الاستنجاء، لما تضمنته رواية ابن كثير، عن أمير المؤمنين عليه السلام «8».

______________________________
(1) حكاه عنه العلامة في المختلف: 21.

(2) المنتهى 1: 51.

(3) الذكرى: 94.

(4) منهم: العلامة في المنتهى 1: 51.

(5) المبسوط 1: 21.

(6) ممن ذهب الى هذا القول: المفيد في المقنعة: 5، و أبو الصلاح في الكافي في الفقه: 132، و ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 492، و المحقق في الشرائع 1: 24، و يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 34 و العلامة في المنتهى 1: 51، و الشهيد في الدروس: 4، و اللمعة 18.

(7) الكافي 1: 70 حديث 6، الفقيه 1: 26 حديث 84، المقنع: 2، التهذيب 1: 53 حديث 153 المحاسن: 45 حديث 16.

(8) الذكرى: 95.

230
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثاني: في مندوباته ؛ ج 1، ص : 228

و تثنية الغسلات (1) و الأشهر التحريم في الثالثة، (2) و لا تكرار في المسح. (3)

و تكره الاستعانة، (4) و التمندل، (5) و يحرم التولية اختيارا.

______________________________
قوله: (و تثنية الغسلات).

(1) خلافا لابن بابويه، حيث أنكر الثانية «1».

قوله: (و الأشهر التحريم في الثالثة).

(2) و قال ابن الجنيد «2»، و ابن أبي عقيل «3»، و المفيد بعدم التحريم «4»، و هو ضعيف، و الأصح التحريم إذا اعتقد الشرعية، لأنه أدخل في الدين ما ليس منه، و يبطل الوضوء إن استوعب بها الأعضاء، بحيث يتعذر المسح بالبلل.

قوله: (و لا تكرار في المسح).

(3) أي: لا واجبا و لا مندوبا، و لو اعتقد الشرعية حرم و أثم، و عليه ينزل قول الشيخين «5»، و ابن إدريس بالتحريم «6»، و لا يبطل به الوضوء قطعا.

قوله: (و تكره الاستعانة).

(4) لورود النص بالنهي عنها «7»، و نحو إحضار الغير الماء للوضوء لا يعد استعانة، بل صب الماء ليغسل به المتوضي استعانة، لا صبه على العضو فان ذلك تولية.

قوله: (و التمندل).

(5) لما روي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام: «من توضأ فتمندل كانت له حسنة، و إن توضأ و لم يتمندل حتى يجف وضوءه كانت له ثلاثون حسنة» «8» و قيل بعدم‌

______________________________
(1) الهداية: 16.

(2) حكاه عنه في المختلف: 22.

(3) المصدر السابق.

(4) المقنعة: 5.

(5) المفيد في المقنعة: 5، و الطوسي في المبسوط 1: 23.

(6) السرائر: 17.

(7) الكافي 3: 69 حديث 1، الفقيه 1: 27 حديث 85، التهذيب 1: 365 حديث 1107.

(8) الكافي 3: 70 حديث 4، الفقيه 1: 31 حديث 105، ثواب الأعمال: 32 حديث 1.

231
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في أحكامه ؛ ج 1، ص : 232

[الفصل الثالث: في أحكامه]

الفصل الثالث: في أحكامه يستباح بالوضوء الصلاة و الطواف للمحدث إجماعا، (1) و مس كتابة القرآن إذ يحرم عليه مسها على الأقوى. (2)

______________________________
الكراهية
«1».

و المراد بالتمندل: مسح ماء الوضوء بثوب و نحوه، و الظاهر أنّ مسح الوجه باليدين، و وضع اليدين في الكمين لا يعد مكروها، لعدم صدق التمندل على ذلك، لكن قوله عليه السلام: «حتى يجف وضوءه» قد يشعر بخلاف ذلك.

قوله: (الفصل الثالث: في أحكامه: يستباح بالوضوء الصلاة، و الطواف للمحدث إجماعا).

(1) إطلاق استباحة الطواف للمحدث لا يخلو من تسامح، فان مندوبه مباح للمحدث بخلاف الصلاة، و إنما الوضوء مكمل له، فكان ينبغي أن يقيد الطواف بالواجب.

قوله: (و مس كتابة القرآن، إذ يحرم مسّها على الأقوى).

(2) لثبوت النهي عن مسّها للمحدث، و النهي للتحريم، و قوله تعالى (لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ). «2» خبر معناه النهي، و المراد بالكتاب: الكتابة، لأن المراد به ما بين دفتي المصحف، و المراد بالمس: الملاقاة بشي‌ء من البدن، و الظاهر أن الإصابة بنحو الشعر و السن لا يعد مسّا، و يراد بالكتابة الرقوم الدالة على مواد الكلمات، كما يسبق إلى الأفهام، فالإعراب لا يعدّ منها، بخلاف نحو الهمزة و التشديد، مع احتمال عدّ الجميع و العدم، لخلو الكتابة السابقة عن الجميع، و لا يحضرني الآن في ذلك كلام لأحد.

______________________________
(1) قال الشهيد في الذكرى: (و ظاهر المرتضى في شرح الرسالة عدم كراهية التمندل و هو أحد قولي الشيخ) و شرح الرسالة غير متوفر لدنيا، و قول الشيخ في المبسوط 1: 23.

(2) الواقعة: 79.

232
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في أحكامه ؛ ج 1، ص : 232

و ذو الجبيرة ينزعها مع المكنة، أو يكرر الماء حتى يصل البشرة، فإن تعذّر مسح عليها و ان كان ما تحتها نجسا، (1) و في الاستئناف مع الزوال اشكال.

______________________________
قوله: (و ذو الجبيرة ينزعها مع المكنة، أو يكرر الماء حتى يصل البشرة، فإن تعذر مسح عليها و إن كان ما تحتها نجسا).

(1) تحرير القول في الجبيرة أنها إن كانت في موضع الغسل، و كان ما تحتها طاهرا، و أمكن إيصال الماء اليه من غير خوف ضرر، يجوز للمكلف تكرير الماء حتى تنغسل به البشرة، و لا يجب النزع و ان أمكن لحصول الغسل المطلوب، و لو كان ما تحتها نجسا و أمكن النزع و لا ضرر بالغسل، وجب النزع لوجوب تطهير محل الغسل إذا لم يمكن تطهيره بدون النزع.

و لو تعذر النزع و إيصال الماء، أو خاف الضرر، أو كان ما تحتها نجسا و تعذر تطهيره، مسح عليها المسح المعهود في الوضوء، بشرط أن يكون ظاهرها طاهرا، و إلا وضع عليها طاهرا ليمسح عليها على الأظهر، كما صرح به المصنف، و شيخنا الشهيد «1»، و إن كانت في محل المسح، و أمكن النزع و لا ضرر بإيصال الماء تعين النزع، و لا يجزئ التكرار بحيث يصل البلل الى ما تحتها، و إن كان ما تحتها طاهرا، لوجوب المسح ببطن اليد بلا حائل، و إن لم يمكن النزع، أو كان يتضرر بوصول الماء، أو كان ما تحتها نجسا يتعذر تطهيره مسح على الظاهر الطاهر، و هل يجب تكراره، بحيث يصل الماء إلى ما تحتها إن أمكن، و كان طاهرا و لا يتضرر بوصوله؟ وجهان، أظهرهما الوجوب، لأن الميسور لا يسقط بالمعسور.

إذا عرفت هذا فعد إلى عبارة الكتاب، و انظر قصورها عن بيان هذه الأحكام، فان ظاهرها استواء المسح و الغسل في ذلك، و قد عرفت التفاوت بينهما، و كذا قوله:

(ينزعها مع المكنة أو يكرر الماء) شامل لما إذا كان ما تحتها نجسا أو طاهرا، و يتضرر بإصابة الماء، و معلوم عدم تخيره بين الأمرين في الصورتين، فان النزع في الأولى متعين، و المسح في الثانية كاف و إن أمكن النزع و التكرير.

و متى أردت ضبط صور المسألة قلت: الجبيرة إما أن يمكن نزعها، أو لا، و على‌

______________________________
(1) الذكرى: 97.

233
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في أحكامه ؛ ج 1، ص : 232

و الخاتم أو السير أو شبههما ان منع وصول الماء حرّك وجوبا، و إلّا استحبابا.

و صاحب السلس و المبطون يتوضأ أن لكل صلاة عند الشروع فيها و ان تجدد حدثهما، و كذا المستحاضة. (1)

و غسل الأذنين و مسحهما بدعة، و كذا التطوق إلّا للتقية، و ليس مبطلا.

______________________________
التقديرين إما أن يكون في موضع الغسل، أو لا، و على التقديرات إما أن يكون ما تحتها طاهرا، أو لا، و على التقادير إما أن يمكن إمساسه بالماء، أو لا، و تعذر الإمساس إما أن يكون لتضرر به، أو لعدم إمكان وصول الماء عادة، فهذه أربعة و عشرون صورة قد علمت أحكامها، و بأدنى ملاحظة يعلم ما يدخل في العبارة منها، و ما يخرج. و حكم الطلاء، و اللصوق على الجرح، و نحوه حكم الجبيرة على الأظهر.

قوله: (و صاحب السلس و المبطون يتوضأ ان لكل صلاة عند الشروع فيها، و إن تجدد حدثهما، و كذا المستحاضة).

(1) لا إشكال في أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة، و ليكن وضوؤها عند الشروع فيها، و لا يضرّ تخلل نحو الأذان و الإقامة، و انتظار للجماعة غير كثير، و نحو ذلك.

و أما السلس فالمشهور أنه كذلك، نظرا إلى أنه بتجدد الحدث يصير محدثا، فتجب عليه الطهارة، و يمنع من المشروط بها، إلا أن ذلك لما امتنع اعتباره مطلقا، لتعذر الصلاة حينئذ، وجب عليه الوضوء لكل صلاة، مراعاة لمقتضى الحدث بحسب الممكن، و في المبسوط «1»: إنه يصلي بوضوء واحد عدة صلوات، لأن إلحاقه بالمستحاضة قياس، و جوابه: إن مساواتها له في الحكم بدليل ليس بقياس.

و أما المبطون، و المراد به: عليل البطن أعم من أن يكون بريح أو غائط، و في الرواية تنبيه عليه «2»، فالمشهور أنه يتوضأ لكل صلاة، فإن تجدد حدثه فيها توضأ و بنى بشرط عدم الكلام و الاستدبار، و إنما يتم هذا إذا لم يكن حدثه متواترا، فان تواتر اتجه كونه كالسلس.

و الأصح أن كلّا من السلس و المبطون، إن أمكن منه فعل الطهارة و الصلاة‌

______________________________
(1) المبسوط 1: 68.

(2) الفقيه 1: 38 حديث 146، التهذيب 1: 348 و 350 و 351 حديث 1021، 1036، 1037.

234
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في أحكامه ؛ ج 1، ص : 232

و لو تيقّن الحدث و شك في الطهارة تطهّر (1) دون العكس. و لو تيقنهما متحدين متعاقبين و شك في المتأخر، فان لم يعلم حاله قبل زمانهما تطهر، و إلّا استصحبه. (2)

______________________________
سليمة عن الحدث، و لو بتحري الزمان الذي يرجى فيه ذلك تعين، و إلّا وجب الوضوء لكل صلاة، كما تقدم في السلس، و اعلم أن كلّا من الثلاثة يجب عليه التحفظ في منع النجاسة بحسب الممكن، لورود النص
«1»، و تصريح الأصحاب «2».

قوله: (و لو تيقن الحدث، و شك في الطهارة تطهر.).

(1) أي: لو تيقن الحدث في زمان، ثم طرأ الشك في الطهارة بعده، فان الذهن إذا التفت الى اليقين السابق أفاد ظن بقاء الحدث، فيترجح على الطرف الآخر، و هذا هو المراد من قولهم: (الشك لا يعارض اليقين) فتجب الطهارة، و ينعكس الحكم لو انعكس الفرض.

قوله: (و لو تيقنهما متحدين، متعاقبين، و شك في المتأخر، فان لم يعلم حاله قبل زمانهما تطهر، و إلا استصحبه).

(2) أراد بكونهما متحدين: استواءهما في العدد، كحدث و طهارة، أو حدثين و طهارتين، و على هذا، فإنهما إذا استويا في العدد اتحدا فيه، و المراد بكونهما متعاقبين:

كون الطهارة عقيب الحدث، لا عقيب طهارة، و كون الحدث عقيب طهارة لا عقيب حدث، و إنما اعتبر الاتحاد و التعاقب، لأنه بدونهما لا يطرد الأخذ بمثل ما كان قبلهما، لو علم حاله قبل زمانهما.

و أصل المسألة مفروضة في كلام الأصحاب، خالية من هذا التقييد، و تحريرها: إن من تيقن حصول الحدث و الطهارة منه، و لم يعلم السابق منهما و اللاحق، أطلق المتقدمون من الأصحاب وجوب الطهارة عليه «3»، لتكافؤ الاحتمالين من غير ترجيح، و الدخول في الصلاة موقوف على الحكم بكونه متطهرا.

______________________________
(1) المصدر السابق.

(2) منهم: الشيخ في المبسوط 1: 68، و العلامة في المختلف: 28، و الشهيد في الذكرى: 97.

(3) منهم: الصدوق في المقنع: 7، و الهداية: 17، و المفيد في المقنعة: 6، و الشيخ في المبسوط 1: 24.

235
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في أحكامه ؛ ج 1، ص : 232

و لو علم ترك عضو أتى به و بما بعده، فان جف البلل استأنف.

______________________________
و فصّل المتأخرون في ذلك
«1»، فقالوا: ينظر، فان لم يعلم حاله قبل زمانهما وجبت الطهارة- كما ذكروه-، و إن علم حاله قبلهما، بأنه كان متطهرا، أو محدثا لم يتجه الحكم بالطهارة على كل حال.

ثم اختلفوا، فقال المحقق ابن سعيد: يأخذ بضد ما كان قبلهما من حدث و طهارة «2»، لأنه إن كان محدثا، فقد تيقن رفع ذلك الحدث بالطهارة المتيقنة مع الحدث الآخر، لأنها إن كانت بعد الحدثين، أو بينهما فقد ارتفع الأول بها، و انتقاضها بالحدث الآخر غير معلوم، للشك في تأخره عنها، ففي الحقيقة هو متيقن للطهارة، شاك في الحدث.

و إن كان متطهرا، فقد تيقن أنه نقض تلك الطهارة بالحدث المتيقن مع الطهارة، لأنه إن كان بعد الطهارتين، أو بينهما فقد نقض الأولى على كل تقدير، و رفعه بالطهارة الأخرى غير معلوم، للشك في تأخرها عنه، فهو متيقن للحدث، شاك في الطهارة.

و قال المصنف: إنه يأخذ بمثل ما كان قبلهما، و احتج في المختلف «3» على أنه الآن متطهر إذ علم قبلهما أنه كان متطهرا، بأنه تيقن أنه نقض تلك الطهارة، ثم توضأ، و لا يمكن أن يتوضأ عن حدث مع بقاء تلك الطهارة، و نقض الطهارة الثانية مشكوك فيه، فلا يزول عن اليقين بالشك، و على أنه الآن محدث، إذا علم قبلهما أنه كان محدثا، بأنه تيقن أنه انتقل عنه إلى الطهارة، ثم نقضها، و الطهارة بعد نقضها مشكوك فيها.

و يرد عليه أنه ان لم يعلم التعاقب، جاز توالي الطهارتين في الأول، فيكون الحدث بعدهما، و الحدثين في الثاني، فتكون الطهارة بعدهما، فلا يتم ما ذكره، و لهذا قيد المسألة في غير المختلف بالتعاقب «4»، و لما كان فرض المسألة لا يأبى كون كل من الطهارة و الحدث متعددا، قيدهما بكونهما متحدين في العدد، إذ لو زاد أحدهما على عدد‌

______________________________
(1) منهم المحقق في المعتبر 1: 170، و يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 37.

(2) المعتبر 1: 171.

(3) المختلف: 27.

(4) المنتهى 1: 72، التحرير 1: 10.

236
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في أحكامه ؛ ج 1، ص : 232

و لو شك في شي‌ء من أفعال الطهارة فكذلك ان كان على حاله، (1) و إلّا فلا التفات في الوضوء، و المرتمس و المعتاد على اشكال. (2)

______________________________
الآخر، لم يطرد الأخذ بمثل ما كان قبلهما، لأنه لو زاد عدد الطهارة على الحدث، و كان قبلهما محدثا لم يكن الآن محدثا، و ما قيد به حق، إلا أنه خروج عن المسألة إما الى غيرها، أو الى بعض أفرادها، و أعراض عن الحكم فيها.

و أورد عليه شيخنا الشهيد: ان ذلك ليس من الشك في شي‌ء «1»، الذي هو موضوع المسألة، و هو غير قادح، لو لا أنه خروج عن المسألة، إذ يكفي كون الشك في مبدأ الأمر، و أورد عليه غيره «2» أن ذلك لا يسمى استصحابا عند العلماء، و نقل عنه أنه أجاب، بأن المراد: لازم الاستصحاب، و هو: البناء على نظير السابق، و الأصح البناء على الضد إن لم يقطع بالتعاقب، و إلا أخذ بالنظير، و لو لم يعلم حاله قبلهما تطهر.

قوله: (و لو شك في شي‌ء من أفعال الطهارة فكذلك ان كان على حاله).

(1) أي: أتى به و بما بعده إن لم يجف البلل، هذا إذا كان المتطهر على حاله- أي على فعل الطهارة- من وضوء و غيره، و لا يعتبر انتقاله من موضعه إلى موضع غيره، و إنما يعيد على المشكوك فيه و ما بعده، إذا لم يكثر شكه، فان كثر عادة لم تجب الإعادة للحرج، و لأنه لا يأمن دوام عروض الشك، و ربما حدث الكثرة بثلاث مرات، و يشكل بعدم النص، فتعيّن الرجوع إلى العرف، و يزول الحكم بزوال الكثرة.

قوله: (و المرتمس و المعتاد على إشكال).

(2) أي: معتاد الموالاة بين أفعال الغسل، و المراد: إن هذين- أيضا- لو شكّا في شي‌ء من أفعال الطهارة، بعد الانتقال عن فعلها، و الفراغ منه لا يلتفتان، على اشكال ينشأ من أن الأصل عدم الإتيان بالمشكوك فيه، فلا يتحقق الخروج من عهدة التكليف، و من أن الارتماس إنما يصح بارتماسة واحدة عرفا تعم جميع البدن، و الأصل الصحة.

______________________________
(1) الذكرى: 98.

(2) المعترض هو البيضاوي على ما في مفتاح الكرامة 1: 290 حيث قال: (ان المنقول في حاشية المدارك.) انظر: المدارك حاشية ص: 41.

237
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في أحكامه ؛ ج 1، ص : 232

و لو ترك غسل أحد المخرجين و صلّى أعاد الصلاة خاصة، و ان كان ناسيا أو جاهلا بالحكم.

و تشترط طهارة محل الأفعال عن الخبث لا غيره، (1)

______________________________
و أيضا، فإن الظاهر شمول الماء جميع البدن، مع عدم الحائل، و العادة قد يحصل بها العلم، و لقول الصادق عليه السلام لزرارة: «إذا خرجت من شي‌ء، ثم دخلت في غيره، فشككت، فليس بشي‌ء»
«1» و الأصح عدم الالتفات فيهما.

و مقتضى قول المصنف: (و إلا فلا التفات في الوضوء، و المرتمس، و المعتاد) ثبوت الالتفات في غيرها، و هو حق في غير التيمم، فإنه كالوضوء. و في بعض فوائد شيخنا الشهيد رحمه اللَّه «2»: أن الاشكال في المعتاد خاصة، و العبارة محتملة، و كل من المسألتين قابل للإشكال، لأن الموالاة غير شرط في الغسل مطلقا، و إن كان الارتماس إنما يتحقق بارتماسة واحدة، نعم الحكم في الارتماس أقوى منه في المعتاد.

و في بعض فوائده: إنّ هذا الاشكال، لا يتوجه، لأنه إن حصل ظن الإيقاع بنى عليه، و إلا فلا فرق بينه «3» و بين غيره، و ليس بشي‌ء، لأن العادة تثمر الظن، إلا أنّ العمل بمطلق الظن ليس بمطرد، بل المعتبر الظن الذي أقامه الشارع مقام العلم.

قوله: (و يشترط طهارة محل الأفعال عن الخبث لا غيره).

(1) أي: لا غير المحل، و إنما اشترط طهارة محلها لأن الماء القليل ينجس بملاقاة النجاسة، فلا يصلح للتطهير، و الكثير لا يفيد المحل الطهارة، مع بقاء العين، و كما أن النجس لا يطهر، فكذا محل النجاسة مع بقاء عينها، حقه أن لا يقبل الطهارة.

و يستفاد من اشتراط طهارة المحل أن المطهر للنجاسة لا يكون محسوبا للطهارة، بل لا بد من إفاضة الماء عليه بعد تطهيره، و هو الأصح، لتوقف يقين البراءة عليه.

______________________________
(1) التهذيب 2: 352 حديث 1459.

(2) القواعد و الفوائد 1: 90.

(3) القواعد و الفوائد 1: 147 و 149.

238
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في أحكامه ؛ ج 1، ص : 232

و لو جدد ندبا و ذكر إخلال عضو من إحداهما أعاد الطهارة و الصلاة، و ان تعددت على رأي. (1)

______________________________
قوله: (و لو جدد ندبا، و ذكر إخلال عضو من إحداهما أعاد الطهارة و الصلاة و إن تعددت على رأي).

(1) المجدد: هو الوضوء الثاني الواقع بعد وضوء أول مبيح للصلاة، فلو تبين فساد السابق فالواقع بعده بنية التجديد مجدد ظاهرا، لا بحسب الواقع، و قيدناه بكونه أولا ليندرج المجدد الثاني و الثالث، و غيرهما، إن قلنا بمشروعيته لصلاة واحدة أكثر من مرّة، أو كان تعدده بحسب الصلوات.

و هذا كما يصدق على المجدد ندبا، يصدق على الواجب بنذر و شبهه، فقوله:

(ندبا) كأنه مستدرك، إذ لا يظهر له كثير فائدة، بل ربما كان مضرّا، لأن التجديد وجوبا تتعلق به بعض هذه الأحكام، و الضمير في (إحداهما) يعود إلى الطهارتين، المجدد و ما قبله لدلالته عليه التزاما.

قوله: (و إن تعددت) لا يخلو من مناقشة، إذ العطف ب‍ (أن) الوصلية للفرد الأخفى تأكيدا للحكم، و بيانا لشموله، و ليس إعادة الصلاة المتعددة أخفى من إعادة الواحدة، نعم، ما وقع بالطهارتين من الصلوات، قد يقال: إعادته أخفى مما وقع بواحدة، لأن بعض الأصحاب لما اكتفى بالطهارة الثانية، على تقدير فساد الأولى، لم يتحقق عنده وجوب إعادة ما وقع بالطهارتين، بخلاف ما وقع بالأولى، لعدم القطع بكونها رافعة للحدث، فيبقى في عهدة التكليف، فلو قال: و إن وقعت بالطهارتين كان أولى.

و اعلم أن هذه المسألة مبنية على الأقوال السابقة في النيّة، فعلى القول باشتراط نيّة الرفع أو الاستباحة تتعين إعادة الطهارة و الصلاة، لإمكان أن يكون الإخلال من الأولى و الثانية لا تبيح لانتفاء النيّة المعتبرة فيها، فإنها إنما وقعت على قصد التجديد، و الحدث قد كان مقطوعا به، فيبقى حكمه استصحابا (لما كان و هذا هو الذي أشار) «1» إليه المصنف بقوله: (على رأي).

______________________________
(1) في نسخة «ح»: و لما كان هذا هو الأقوى أشار.

239
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في أحكامه ؛ ج 1، ص : 232

و لو توضأ و صلّى و أحدث، ثم توضأ و صلّى اخرى، ثم ذكر الإخلال المجهول (1) أعادهما مع الاختلاف عددا بعد الطهارة، و مع الاتفاق يصلّي ذلك العدد و ينوي به ما في ذمته.

______________________________
و على القول بالاكتفاء بالقربة لا إشكال في صحة الصلاة الواقعة بالطهارتين، إما على القول بالاكتفاء بالوجوب، أو الندب مع القربة، فيجب إعادتهما إلّا في صور:

الاولى: أن تكون الطهارتان معا مندوبتين، و تكونا معا واقعتين في وقت لا تجب فيه الطهارة، كما لو توضأ و ذمته بريئة من مشروط بالطهارة، ثم جدد ندبا في وقت لا تجب فيه الطهارة أيضا، و إنما قيدنا بوقوعهما معا في وقت لا تجب فيه الطهارة، لأنهما أو إحداهما لو وقعت في وقت الوجوب لم تكن مبيحة للصلاة، لفقد الشرط- و هو نيّة الوجوب- فلو كان التجديد ندبا بعد دخول الوقت، و قد توضأ مندوبا قبله، لم يكن المجدد كافيا على تقدير فساد الأول، لفقد نية الوجوب مع كونه معتبرا في صحة طهارته.

الثانية: أن تكونا معا واجبتين، كأن يتوضأ واجبا، و يجدد واجبا بنذر و شبهه.

الثالثة: أن يتوضأ واجبا، و يجدد ندبا، مع خلو ذمته من مشروط بالطهارة، لأنه حينئذ مخاطب بالندب، على تقدير علمه بفساد الاولى، فيكون شرط النيّة حاصلا.

الرابعة: عكسه، بأن يتوضأ ندبا مع براءة ذمته، و يجدد واجبا بنذر و شبهه بعد اشتغالها بمشروط بالطهارة. فإنه في هذه الصور الأربع لا تجب عليه إعادة الطهارة، و لا الصلاة الواقعة بالطهارتين معا، لأن أيتهما فسدت أجزأت الأخرى.

و يمكن مثل هذا على القول باشتراط نية أحد الأمرين، فيما لو توضأ بنية معتبرة، ثم ذهل عن طهارته، فتوضأ مرّة أخرى بنية الرفع، مع الاتفاق في الوجوب نيّة و محلا، على القول بإجزاء الثانية لو تبين فساد الأولى، فإنه على هذا القول، لو ذكر الإخلال المجهول لا يعيد شيئا من الطهارة و الصلاة الواقعة بالطهارتين معا.

قوله: (و لو توضأ و صلّى، و أحدث، ثم توضأ و صلّى أخرى، ثم ذكر الإخلال المجهول.).

(1) لو تعدد الوضوء المبيح، بأن وقع كل وضوء بعد حدث، و تعددت الصلاة،

240
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في أحكامه ؛ ج 1، ص : 232

..........

______________________________
و وقعت كل صلاة بوضوء، ثم ذكر المكلف إخلال عضو، فقد يكون الإخلال من طهارة واحدة، و قد يكون من طهارتين، فان كان الأول: فإما أن يكون الشك في طهارتي صلاتين، أو في طهارات صلوات يوم.

و إن كان الثاني: فإما أن يكون الترك من الطهارتين، مع الشك في صلوات يوم واحد، أو في صلوات يومين، فهذه صور أربع، ذكرها المصنف على الترتيب:

الأولى: أن يكون الإخلال من طهارة واحدة، و الشك في طهارتي صلاتين، فإما أن تتفق الصلاتان عددا، أو تختلفا، فان اختلفتا وجب إعادتهما معا، لتيقن فساد إحداهما، و لا يحصل يقين البراءة إلا بإعادتهما، و إن اتفقتا أعاد ذلك العدد، ناويا به ما في ذمته من هاتين الصلاتين، لأن الواجب إعادة ذلك العدد بنية الفائت، و قد حصل بالترديد، و لأصالة البراءة من وجوب الزائد السالمة عن معارضة كونه مقدمة للواجب، بخلاف المختلفين، و لقول أبي عبد اللَّه عليه السلام في الناسي واحدة من صلوات يوم لم يعلمها: «يصلي ركعتين، و ثلاثا، و أربعا» «1» و إلى هذا صار أكثر الأصحاب «2».

و قال أبو الصلاح «3»، و ابن زهرة «4»: يعيد الصلاتين معا كالمختلفتين، و ضعفه يظهر مما تقدم، و لا فرق في هاتين الصورتين بين المسافر و الحاضر.

و اعلم أن اللام في قول المصنف: (الإخلال المجهول) للعهد، و المعهود ما تقدم من قوله: (ثم ذكر إخلال عضو) هذا حكم الصلاة، و أما الطهارة فحكمها راجع الى متيقن الطهارة و الحدث مع الشك في السابق، و هذه من صور الإعادة.

______________________________
(1) التهذيب 2: 197 حديث 774.

(2) منهم: الصدوق في المقنع: 32، و ابن الجنيد كما في المختلف: 148، و المفيد في المقنعة: 34، و المرتضى في جمل العلم و العمل: 68، و الشيخ في المبسوط 1: 127، و ابن البراج في المهذب 1: 126، و ابن إدريس في السرائر: 59 و ابن حمزة في المراسم: 91.

(3) الكافي في الفقه: 150.

(4) الغنية (الجوامع الفقهية): 503.

241
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في أحكامه ؛ ج 1، ص : 232

و لو كان الشك في صلاة يوم (1) أعاد صبحا و مغربا و أربعا، و المسافر يجتزئ بالثنائية و المغرب.

و لو كان الإخلال من طهارتين (2) أعاد أربعا صبحا و مغربا و أربعا مرتين، و المسافر يجتزي بالثنائيتين و المغرب بينهما.

______________________________
قوله: (و لو كان الشك في صلاة يوم.).

(1) هذه هي الصورة الثانية، و تحقيقها: أن يكون الإخلال من طهارة واحدة، و الشك في طهارات صلوات يوم، فان كانت من فرض المقيم أعاد ثلاث صلوات، و هي التي اختلف عددها صبحا، و مغربا معينتين، لعدم ما يوافقهما في العدد، و أربعا مطلقة إطلاقا ثلاثيا بين الظهر، و العصر، و العشاء.

و إن كانت من فرض المسافر أتى بصلاتين مغربا معينة، و ثنائية مطلقة إطلاقا رباعيا بين الصبح، و الظهر، و العصر، و العشاء، لاتفاق عددهن، و لا ترتيب في واحدة من الصورتين، لاتحاد الفائت، و على قول أبي الصلاح، و ابن زهرة يجب اعادة الخمس، و نبه المصنف بقوله: (يجتزئ،.) على أن ما تقدم حكم الحاضر، و إن لم يجر له ذكر.

و اللام في قوله: (و لو كان الشك) للعهد، و المعهود ما دل عليه الإخلال السابق، أي: و لو كان الشك في صلاة يوم، للإخلال بعضو من إحدى طهاراته، لأن الفرض تعدد الطهارة بتعدد الصلاة كما تقدم.

قوله: (و لو كان الإخلال من طهارتين.).

(2) هذه هي الصورة الثالثة، و تحقيقها: أن يكون الإخلال من طهارتين، و الشك في طهارات صلوات يوم، و الفرض أنه صلّى الخمس بخمس طهارات، فان كان مقيما أعاد أربع صلوات صبحا و مغربا، و رباعيتين إحداهما قبل المغرب، و الأخرى بعدها رعاية للترتيب لتعدد الفائت، يطلق في الأولى منهما ثنائيا بين الظهر و العصر، و في الثانية بين العصر و العشاء، و إنما لم يكتف بالثلاث لأن الفائت اثنتان، فجاز كونهما رباعيتين.

و إن كان مسافرا أعاد ثلاثا مغربا، و ثنائيتين، إحداهما قبلها، و الأخرى‌

242
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في أحكامه ؛ ج 1، ص : 232

و الأقرب جواز إطلاق النية فيهما و التعيين، فيأتي بثالثة و يتخير بين الظهر أو العصر أو العشاء، فيطلق بين الباقيتين مراعيا للترتيب، و له الإطلاق الثنائي فيكتفي بالمرتين. (1)

______________________________
بعدها، يطلق في الأولى إطلاقا ثلاثيا بين الصبح، و الظهر، و العصر، و في الثانية بين الظهر، و العصر، و العشاء، و حينئذ فتبرأ الذمة على كل من التقديرين، لانطباقهما على كل واحد من الاحتمالات الممكنة، و هي عشرة
«1»، و خلاف أبي الصلاح آت هنا «2»، و أفاد المصنف باعتبار الترتيب بالنسبة إلى المسافر، حيث قال: (و المغرب بينهما) اعتباره بالنسبة إلى المقيم، لاستوائها في الفائت المتعدد.

فان قيل: إيجاب الترتيب هنا ينافي سقوط الترتيب المنسي. قلنا: لا منافاة، لأن للمكلف هنا طريقا الى تحصيله، من غير زيادة تكلف، لأن العدد الواجب لا يتغير بالترتيب.

قوله: (و الأقرب جواز إطلاق النيّة فيهما، و التعيين) الى قوله (فيكتفي بالمرتين).

(1) هذا من أحكام الصورة الثالثة، و تحقيقه: أن الأقرب عند المصنف جواز الجمع بين الإطلاق و التعيين معا، في كل من رباعيتي المقيم، و ثنائيتي المسافر، بأن يصلي رباعية، أو ثنائية معينة، و يطلق في الأخرى، فيجب عليه حينئذ أن يأتي بفريضة ثالثة، لعدم حصول يقين البراءة بدونها، لإمكان كون الفائت رباعيتين، أو ثنائيتين غير ما عينه، فلا تكون الثانية وحدها كافية في الإجزاء.

و لا يتعين عليه في الفريضة الثالثة إطلاق و لا تعيين، و إن كان المراد في العبارة الأول، حيث قال: (فيطلق بين الباقيتين)، (أي: الفريضتين الباقيتين) «3» بعد المعينة من الرباعيتين، أو الثنائيتين بضميمة الثالثة، و يتخير بين تعيين الظهر، أو‌

______________________________
(1) جاء في هامش الصفحة من النسخة المخطوطة «ع» ما لفظه: و هي احتمال كون الفائت الصبح مع واحدة من الأربع أو الظهر مع واحدة من الثلاث أو العصر مع احدى العشاءين أو المغرب مع العشاء «منه مدّ ظله).

(2) الكافي في الفقه: 150.

(3) ما بين الهلالين ساقط من نسخة «ح».

243
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في أحكامه ؛ ج 1، ص : 232

..........

______________________________
العصر، أو العشاء إن كان مقيما، و في تعيين أيها شاء، أو الصبح ان كان مسافرا.

و يجب رعاية الترتيب، فالمقيم إذا عيّن الظهر بعد الصبح، ردد ثنائيا بين العصر و العشاء مرتين، إحداهما قبل المغرب، و الأخرى بعدها، و لا يجوز تواليهما، لاختلال الترتيب بين المغرب و العشاء، و إن عيّن العصر أطلق ثنائيا بين الظهر و العشاء مرتين، إحداهما بعد الصبح و قبل العصر، و الأخرى بعد المغرب، و لا يجوز تواليهما بعد العصر، و لا بعد المغرب، لفوات الترتيب بين الظهرين، و بين العشاءين، و إن عيّن العشاء، أطلق ثنائيا مرتين متواليتين، بين الظهر و العصر بعد الصبح، و قبل المغرب.

و إن كان مسافرا و عيّن الصبح، أطلق ثنائيا بين الظهر و العصر، و بين العصر و العشاء مرتين، إحداهما قبل المغرب، و الأخرى بعدها، و لا يجوز تواليهما قبل المغرب لفوات ترتيب العشاءين، و لا بعدها لفوات الترتيب بينها و بين إحدى الظهرين.

و إن عيّن الظهر، ردد ثنائيا بين الصبح و العصر قبل الظهر، فلا يجوز بعدها لفوات الترتيب بينها و بين الصبح، و لا يخل ذلك بالترتيب بينها و بين العصر، لأنه بتقدير فواتهما تصح العصر بالترديد الثاني بعد المغرب، و بين العصر و العشاء بعد المغرب، لا قبلها لفوات الترتيب بينها و بين العشاء، و إن عيّن العصر أطلق ثنائيا قبلها بين الصبح و الظهر، و بين الظهر و العشاء بعد المغرب، و إن عيّن العشاء أطلق ثنائيا بين الصبح و الظهر، و بين الظهر و العصر قبل المغرب، تحصيلا للترتيب بينها و بين واحدة من الثلاث قبلها.

و وجه القرب: أنه طريق صالح لبراءة الذمة، فإنه يجوز له كل من الإطلاق و التعيين منفردين، أما الإطلاق فقد تقدم توجيهه، و أما التعيين فلتضمنه الواجب و زيادة، و يختل عدم الجزم بالنية على تقدير التعيين، فيلزمه الإطلاق، حيث يمكن تحصيلا للجزم بحسب الإمكان.

أما ما لا يمكن كالصبح و المغرب و في فرض المقيم فلا طريق إلى البراءة منهما الا التعيين فضعيف، لأن الجزم إنما يجب مع العلم، أما مع عدمه فلا، و لأن وجوبها من باب المقدمة يدفع هذا الخيال لتحقق الوجوب قطعا، و جواز الإطلاق لا ينافي ذلك، لأن كلّا منهما طريق للبراءة، فيكون وجوبه تخييريا، و لأن الظاهر أن العدول عن‌

244
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في أحكامه ؛ ج 1، ص : 232

..........

______________________________
التعيين إنما هو رخصة و تسهيل لا لمصادفة النيّة ما في الذمة، و إذا جازا منفردين فكذا مجتمعين، لوجود المقتضي- و هو إجزاؤهما منفردين- و انتفاء المانع، إذ ليس إلا اجتماعهما، و هو غير صالح للمانعية.

و يحتمل ضعيفا عدم الجواز، لعدم حصول فائدة به، لانتفاء التخفيف بحذف بعض الفرائض لوجوب ثالثة، و لعدم الجزم بحسب ما يمكن بمصادفة النيّة ما في الذمة لتعيين واحدة، و ما انتفت فائدته ينبغي عدم جوازه، و الحق- كما قال شيخنا في الذكرى- إنه تكلف محض لا فائدة فيه، بل لا ينبغي فعله «1».

و اعلم أنه يجب أن يقرأ التعيين في قول المصنف: (و الأقرب جواز إطلاق النيّة فيهما، و التعيين) بالنصب على أنه مفعول معه، و أن الواو بمعنى مع لا عاطفة، لعدم كون العبارة نصا في المراد، إلا على هذا التقدير، إذ لا يراد فيها جواز الإطلاق، و جواز التعيين ليكون ردا على أبي الصلاح «2»، كما ذكره الشارحان الفاضلان «3».

أمّا أولا: فلأن خلاف أبي الصلاح جار في مسائل الباب كلها، فتخصيص رده بهذا الموضع لا وجه له، فان المناسب إما تقديمه ليجري عليه باقي المسائل، أو التعرض لرده في الجميع.

و أما ثانيا: فلأن الفاء في قوله: (فيأتي بثالثة) تقتضي كون الإتيان بفريضة ثالثة متفرعا على الأقرب، و ما في حيزه، و لا يستقيم إلا إذا أريد الجمع بين الأمرين معا، لأن الإطلاق لا يقتضيه.

و أما ثالثا: فلأن قوله: (و يتخير بين تعيين الظهر، أو العصر، أو العشاء.)

لا ينطبق إلا على ما ذكرناه، لأنه جمع فيه بين التعيين و الإطلاق، و لا يستقيم ذلك مع الإطلاق وحده، و لا مع التعيين وحده، و لأن معنى قوله: (فيطلق بين الباقيتين) إطلاقه بين الفريضتين الباقيتين، من المزيد عليهما الثالثة بعد تعيين واحدة منهما، و لا ينتظم هذا إلا على ذلك التقدير.

______________________________
(1) الذكرى: 99.

(2) الكافي في الفقه: 150.

(3) انظر: إيضاح لفوائد 1: 44، و الفاضل عميد الدين في كتابه و هو غير متوفر.

245
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في أحكامه ؛ ج 1، ص : 232

..........

______________________________
و لأن الضمير في (يتخير) لا مرجع له بدون ما ذكرناه، إذ لا يستقيم عوده إلى المكلف باعتبار جواز الإطلاق له و هو ظاهر، و لا باعتبار التعيين، لأن المتبادر منه تعيين الجميع فلا يطابق، و لو جعل أعم من تعيين الجميع و البعض، لكان فيه- مع اختلاف مرجع الضمير فيه، و فيما قبله- فوات النظم العربي، لأن التقدير حينئذ: و الأقرب جواز الإطلاق فيهما له، و جواز تعيين الصادق بتعيين الكل، و تعيين البعض خاصة، فيأتي على تقدير التعيين بمعنييه بثالثة، و يتخير من أراد التعيين في البعض خاصة الى آخره، و هذا كلام متهافت، منحط عن درجة الاعتبار.

و أما رابعا، فلأن قوله: (و له الإطلاق الثنائي فيكتفي بالمرتين) يكون مستدركا، على تقدير أن يراد جواز كل منهما، مع ما فيه من اختلال النظم، لأن الإطلاق الثنائي هو المراد بقوله: (و الأقرب جواز إطلاق النيّة فيهما) حينئذ.

و ما ذكره الفاضل عميد الدين من أن المراد بالإطلاق الأول الثلاثي، بأن يطلق في كل من الفريضتين بين الثلاث- أعني الظهرين و العشاء- و يكون قوله بعد:

(و له الإطلاق الثنائي) بيانا لأقل ما يجزئ تكلف لا حاصل له، لأن الإطلاق في الفوائت هو عبارة عن الترديد بينها مع رعاية التوزيع على ما وقع فيه الاشتباه إذا كان المردد فيه متعددا، بأن يطرح في الترديد الثاني ما بدأ به في الأول و يزيد على آخره أخرى.

مثلا في هذه المسألة المردد فيه رباعيتان، و الترديد بين الرباعيات الثلاث لاحتمال كون الفائتين منها، فيوزع الترديد بين الثلاث على الرباعيتين، فيكون ترديد كل رباعية بين اثنتين، و لا يتم إلا بما ذكرناه، فلو كان الفائت الاولى و الثالثة، صحتا بالترديد الأول و الثاني، و لو ردد في كل من الرباعيتين بين الثلاث، لكان الزائد على ما ذكرناه لغوا لا فائدة فيه أصلا، و المطلوب بيان ما به تتحقق البراءة.

فإن قلت: التكرار لازم على ما قدّرت أيضا، لأنه قد سبق وجوب أربع صلوات على الحاضر، و لا يكون إلا كذلك، فاعادتها تكرار.

قلت: ليس كذلك، لأنه لما ذكر وجوب الأربع على الحاضر، و الثلاث على المسافر، أراد أنّ يبين كيفية أدائها، فذكر له كيفيتين: إحداهما الجمع في كل من‌

246
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في أحكامه ؛ ج 1، ص : 232

و لو كان الترك من طهارتين في يومين، (1) فان ذكر التفريق صلّى عن كل يوم ثلاث صلوات،

______________________________
الرباعيتين و الثنائيتين، بين الإطلاق و التعيين، فيأتي بثالثة الى آخره.

و الثانية: الاقتصار على الإطلاق، و ترك ذكر التعيين في الجميع، لأن جواز الإطلاق و التعيين يقتضي جوازه بطريق أولى، و لأنا لا نعلم في جوازه مخالفا، فكان الأهم بيان ما هو مختلف فيه، كما سبق في الصورة التي قبلها.

فان قلت: قوله: (و يتخير بين تعيين الظهر أو العصر.) و قوله: (و له الإطلاق الثنائي) لا ينطبق على المسافر، لأنه يتخير بين تعيين إحدى الثلاث أو الصبح، و إذا اقتصر على الإطلاق فإطلاقه ثلاثي لا ثنائي.

قلت: لما لم ينطبق على حكمهما عبارة واحدة اقتصر على بيان حكم المقيم و ترك حكم المسافر، لأنه يعلم بالمقايسة بأدنى تأمل.

فإن قلت: كيف تقدير العبارة ليزول عنها الإجمال و الخفاء، و يندفع و هم المتوهمين فيها؟

قلت: تقديرها هكذا: و لو كان الإخلال السابق من طهارتين في جملة طهارات يوم و الحال في أدائها كما سبق صلّى أربعا، و المسافر ثلاثا، مراعيا للترتيب، بتقديم الصبح، و توسيط المغرب بين الرباعيتين و الثنائيتين.

و الأقرب في كيفية أداء كل من الرباعيتين و الثنائيتين، جواز الجمع بين إطلاق النيّة و التعيين، بحيث يكونان معا، فيتعين عليه حينئذ أن يأتي برباعية أو ثنائية ثالثة، لأن إحداهما إذا عينت لم يكف الأخرى في يقين البراءة، و يتخير الحاضر بين تعيين الظهر، أو العصر، أو العشاء، فائتها عيّن أطلق بين الباقيتين، مراعيا للترتيب الذي لا تتحقق البراءة إلا به.

و له كيفية أخرى في أدائهما، و هي الإطلاق فيهما ثنائيا بين الرباعيات الثلاث، فيكتفي بالمرتين، و لا حاجة إلى الفريضة الثالثة، و منه يستفاد حكم المسافر، و اللَّه أعلم.

قوله: (و لو كان الترك من طهارتين في يومين.).

(1) هذه هي الصورة الرابعة، و تحقيقها: أن يكون الترك المذكور من طهارتين،

247
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في أحكامه ؛ ج 1، ص : 232

..........

______________________________
و الشك في طهارات صلوات يومين، و هي تنقسم إلى أقسام ثلاثة، لأنه إما أن يعلم التفريق- أي: تفريق الطهارتين المختلفين في اليومين-، أو يذكر جمعهما في يوم، أو يجهل كلا من الجمع و التفريق.

و ربما أورد على العبارة عدم صدقها على غير الصورة الأولى، لأن معنى قوله:

(و لو كان الترك من طهارتين في يومين) كونهما في اليومين، فكيف يحتمل الجمع في يوم أو الجهل بالجمع و التفريق؟ و جوابه أن العبارة- إذا نزلت على ما ذكرناه- تكون شاملة للأقسام الثلاثة حينئذ، و لا بعد في ذلك مع مساعدة المقام، و قد سبق في العبارة ما ينبه على ما هنا، و هو قوله في الصورة الثانية: (و لو كان الشك في صلاة يوم.).

القسم الأول: أن يذكر التفريق، فيجب أن يصلي بحسب حال اليومين، باعتبار وجوب التمام فيهما، أو القصر، أو بالتفريق، أو ثبوت التخيير، و صور ذلك عشر، و المصنف ذكر حكم واحدة و أحال الباقي على ما سبق:

أ: أن يكون متما فيهما حتما، فيجب أن يصلي عن كل يوم ثلاث صلوات:

صبحا، و مغربا، و رباعية، يطلق فيها ثلاثيا بين الظهر و العصر و العشاء، فيحصل له من كل ثلاث واحدة.

ب: أن يكون مقصرا فيهما حتما، فيجب أن يصلي عن كل يوم صلاتين مغربا، و ثنائية يطلق فيها رباعيا بين البواقي، ليحصل له من كل صلاتين واحدة.

ج: أن يكون متما في أحدهما حتما، مقصرا في الآخر حتما، فيصلي ثلاثا و اثنتين، مرتبا بين اليومين إن علم السابق.

د: أن يكون متما في أحدهما حتما، مخيّرا في الآخر، و يختار التمام، فكالاولى.

ه‍: الصورة بحالها و يختار القصر فكالثالثة.

و: أن يكون مقصرا في أحدهما حتما مخيرا في الآخر و يختار القصر، فكالثانية.

ز: الصورة بحالها و يختار التمام، فكالثالثة.

ح: أن يكون مخيرا فيهما و يختار التمام، فكالأولى.

ط: الصورة بحالها و يختار القصر فيهما فكالثانية.

248
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في أحكامه ؛ ج 1، ص : 232

و إن ذكر جمعهما في يوم و اشتبه صلّى أربعا.

و تظهر الفائدة في إتمام أحد اليومين، و تقصير الآخر حتما، أو بالتخيير فيزيد ثنائية، و وجوب تقديم فائتة اليوم على حاضرته لا غير. (1)

______________________________
ي: الصورة بحالها و يختار القصر في أحدهما و التمام في الآخر فكالثالثة، و ذلك كله بعد الإحاطة بما سبق ظاهر.

قوله: (و إن ذكر جمعهما في يوم و اشتبه- إلى قوله- لا غير).

(1) هذا هو القسم الثاني من أقسام الصورة الرابعة، و تحقيقه: أن يذكر اجتماع الطهارتين المختلّتين في طهارات صلوات يوم من اليومين المذكورين، و يشتبه اليوم المتروك فيه باليوم الآخر، و صوره العشر السالفة أيضا.

أ: أن يكون متمّا فيهما حتما، فيجب أن يصلي أربعا: صبحا، و رباعيتين بينهما المغرب.

ب: أن يكون مقصرا فيهما حتما، فيصلي ثنائيتين و المغرب بينهما.

ج: أن يكون متمّا في أحدهما حتما، مقصرا في الآخر حتما، فيصلي خمسا:

ثنائية يطلق (فيها) ثلاثيا بين الصبح، و الظهر، و العصر، ثم رباعية يطلق فيها ثنائيا بين الظهر، و العصر، ثم مغربا، و رباعية يطلق فيها بين العصر و العشاء، و ثنائية يطلق فيها بينهما و بين الظهر، مراعيا هذا الترتيب فيما عطف ب‍ (ثم)، لتوقف يقين البراءة عليه، فلو لم يبدأ بالثنائية لم يتحقق الترتيب بين الصبح و ما بعدها.

د: أن يكون متما في أحدهما حتما، مخيرا في الآخر و يختار التمام، فكالأولى.

ه‍: الصورة بحالها و يختار القصر، فكالثالثة.

و: أن يكون مقصرا في أحدهما حتما مخيرا في الآخر و يختار القصر، فكالثانية.

ز: الصورة بحالها و يختار التمام، فكالثالثة.

ح: أن يكون مخيّرا فيهما و يختار التمام فيهما، فكالاولى.

ط: الصورة بحالها و يختار القصر فيهما، فكالثانية.

ي: الصورة بحالها و يختار التمام في أحدهما و القصر في الأخر، فكالثالثة.

إذا تقرر ذلك فهنا مباحث:

249
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في أحكامه ؛ ج 1، ص : 232

..........

______________________________
أ: إنما تكون صور هذه المسألة و التي قبلها عشرا مع استواء الأيام و تفاوتها في التمام، و القصر، و التخيير، أما إذا كان الاستواء و التفاوت بالنسبة إلى الصلوات فان الصور تزيد على ذلك، و حكمها يعلم مما سبق.

ب: قد يقال: قول المصنف: (صلى أربعا) وقع جوابا للشرط- أعني: قوله:

(و إن ذكر جمعهما)- فيجب أن يكون واردا على جميع الصور المندرجة تحته- و هي العشر السالفة- و ظاهر أنه ليس كذلك.

و يمكن أن يجاب: بأن المصنف اقتصر على بيان حكم التمام لأنه الغالب، و ذكر في الفائدة حكم اجتماع القصر و التمام، بأن يضم إلى الأربع ثنائية، و أحال حكم الباقي على النظر و التأمل، فإنه يظهر بأدنى تأمل، إذ لم يبق سوى حكم القصر، و هو ظاهر مما مضى.

ج: أشار بقوله: (و تظهر الفائدة) إلى جواب سؤال مقدر، تقديره أي فائدة لقولكم: (و اشتبه)؟ فإنه لا فارق بين صلوات كل من ليومين، ثم ان هذه متكررة لا فائدة لذكرها لتقدم بيان حكمها في الصورة الثالثة.

أجاب- رحمه اللَّه تعالى-: بأن فائدة الاشتباه تظهر في ثلاثة مواضع، و بالتقييد بالاشتباه و بيان فائدته يخرج عن التكرار.

الأول من المواضع: أن يكون أحد اليومين تماما حتما و الآخر قصرا حتما، فقوله: (حتما) ينازعه كل من التمام و القصر، فهو إما مصدر حذف عامله، أو حال من أحدهما، و العامل فيه محذوف مدلول عليه بالمعنى، لأن الكلام في وجوب التمام و القصر، و أيهما جعلته حالا منه قدّرت حذفه، و حذف عامله من الآخر.

لكن في التعبير بالتمام و القصر- هنا- مناقشة لطيفة، لأن أحدهما قاصر و الآخر متعد، فيجب تقدير العامل على وجه مختلف، و حكمه وجوب زيادة ثنائية على الأربع المذكورة في كلامه على ما بيناه فيما تقدم.

الموضع الثاني: أن يكون التمام أو القصر بالتخيير، فالجار في قوله: (أو بالتخيير) متعلق بمحذوف وجوبا، على أنه حال من التمام و التقصير و تحته صور ثلاث: أن يكونا معا مخيرا فيهما، أن يكون أحدهما تماما و الآخر مخيرا فيه، أن يكون أحدهما قصرا و الآخر‌

250
جامع المقاصد في شرح القواعد1

الفصل الثالث: في أحكامه ؛ ج 1، ص : 232

و لو جهل الجمع و التفريق صلّى عن كل يوم ثلاث صلوات، (1)

______________________________
مخيرا فيه، كأنه قيل: أو بالتخيير فيهما، أو في أحدهما، و قد تقدم حكم ذلك كله.

الموضع الثالث: وجوب تقديم فائتة اليوم على حاضرته على القول به، و ذلك فيما إذا حصل الاشتباه المذكور في وقت العشاء الآخرة من اليوم الثاني، فإنه يجب عليه:

ان كان مقيما- أن يصلي صبحا، و رباعية مطلقة ثنائيا بين الظهر و العصر قضاء فيهما، و مغربا مرددة بين الأداء و القضاء، إذ على تقدير فواته