×
☰ فهرست و مشخصات
بحوث في شرح العروة الوثقى3

تتمة كتاب الطهارة ؛ ج‌3، ص : 5

 

الجزء الثالث

[تتمة كتاب الطهارة]

فصل للنجاسات اثنتا عشرة

الأول و الثاني- البول و الغائط

من الحيوان للذي لا يؤكل لحمه (1)

______________________________
(1) يشرع الماتن- قده- في ذكر النجاسات مدعيا انها اثنتا عشرة و سوف يتضح خلال البحث أنها أقل من ذلك: ثم يبدأ باستعراض كل قسم منها، فيذكر البول و الغائط من كل حيوان لا يؤكل لحمه.

[في نجاسة البول]

اما البول فنجاسته في الجملة من الواضحات، بل من الضروريات، الا أن الكلام في إطلاق هذا الحكم لجملة من الموارد، إذ قد يقال أن عمدة الدليل على نجاسة البول هو الإجماع القطعي، لأن الأخبار التي استدل بها على نجاسة البول بوجه عام مفادها الأمر بالغسل، و هو أعم من النجاسة، إذ قد يكون ملاكه التخلص من فضلات غير المأكول فلا يبقى إلا الإجماع و هو دليل لبي لا يصلح لإثبات النجاسة في موارد الخلاف و الكلام.

و يرد عليه: أولا- ان دليل نجاسة البول من الاخبار لا ينحصر بما ورد فيها بلسان الأمر بالغسل، بل من جملة أدلتها الأخبار الواردة في انفعال الماء القليل بملاقاة البول «1» و هي تدل على نجاسة البول. و كذلك ما ورد في تشديد البول، كصحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه (ع).

قال: «ذكر المنى و شدده و جعله أشد من البول» «2».

و ثانيا- ان أوامر الغسل تقتضي بإطلاقها وجوب الغسل حتى مع‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 8 من أبواب الماء المطلق

(2) مسائل الطبعة باب 16 من أبواب النجاسات

 

 

 

5
بحوث في شرح العروة الوثقى3

في نجاسة البول ؛ ج‌3، ص : 5

..........

______________________________
زوال الأثر، و هذا لا يبقى له وجه إلا النجاسة، فتثبت النجاسة بإطلاق الأمر بالغسل.

و ثالثا- ان بعض تلك الأوامر نص في وجوب الغسل مع زوال العين، خصوصا ما كان منها مشتملا على الأمر بالتعدد في الغسل، لوضوح عدم بقاء الأثر بعد الغسلة الاولى.

و رابعا- ان المتيقن من مطلقات الأمر بالغسل هو بول الإنسان، و مانعية ما لا يؤكل لحمه لا يشمل موضوعها الإنسان. و التفكيك في مفاد الأمر بالغسل غير عرفي. نعم إذا كان النظر في الاستشكال الى الأمر بالغسل فيما لا يؤكل لحمه فقد يدعى ان موضوعه مطابق لموضوع المانعية، و لكن الأمر لا ينحصر بذلك.

و خامسا- ان الأمر بالغسل يدل عرفا على النجاسة في المقام و في سائر المقامات المماثلة. و هذه الدلالة اما باعتبار ظهور الغسل المأمور به بمادته في انه تنظيف و تخلص من القذر لدخل ذلك في مدلول المادة لغة أو دخله فيها عرفا باعتباره الاستعمال المطهر عرفا، أو بملاحظة مناسبات الحكم و الموضوع حيث ان مركوزية كبرى وجود نجاسات في الشريعة و كبرى ان الماء مطهر و مزيل لها شرعا و عدم ارتكازية نكتة اخرى للغسل كبرويا، يوجب انسباق ذهن الإنسان العرفي المتشرعي من خطاب اغسل الى كون الغسل بملاك النجاسة.

و هذا الملاك بكلا تقريبية هو الوجه العام في استفادة النجاسة من الأمر بالغسل في مختلف الموارد.

و عليه، فالأخبار الدالة على الأمر بالغسل تصلح لإثبات النجاسة، و دليل النجاسة لا ينحصر بالإجماع. و على هذا الأساس لا بد من ملاحظة العناوين الواقعة موضوعا للنجاسة في الروايات لنرى ما إذا كان بالإمكان‌


6
بحوث في شرح العروة الوثقى3

و حاصل ما دل على نجاسة البول من الاخبار طوائف. ؛ ج‌3، ص : 7

 

..........

______________________________
تحصيل مطلق يرجع إليه في إثبات نجاسة كل بول ليكون مرجعا في موارد الخلاف و الشك.

و حاصل ما دل على نجاسة البول من الاخبار طوائف.

الأولى: ما دل على نجاسة البول بلا تخصيص أو اضافة،

كرواية ابن ابى يعفور. قال: «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن البول يصيب الثوب.

قال: اغسله مرتين» «1» و خبر ابى بصير. قال: «إذا أدخلت يدك في الإناء قبل ان تغسلها فلا بأس الا ان يكون أصابها قذر بول أو جنابة» «2».

الثانية: ما دل على نجاسة بول الدواب،

كخبر محمد بن مسلم عن ابى عبد اللّه (ع). «سئل عن الماء تبول فيه الدواب و تلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب. قال: إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شي‌ء» «3». بدعوى ان ظاهر الجواب إمضاء التنجس في فرض قلة الماء و عدم ردع السائل عما في ذهنه من كون ما ذكره موجبا للانفعال. و عنوان الدواب ينطبق على كل حيوان يدب على وجه الأرض إذا لم يسلم بالانصراف إلى الدابة العرفية.

و لو نوقش بعدم إمكان التمسك بإطلاق الإمضاء المقتنص لعدم كون الامام (ع) في مقام البيان من تلك الجهة، أمكن الاستدلال- لو لا الخدشة في السند- برواية أخرى لأبي بصير عن ابى عبد اللّه (ع) «أنه سأل عن الماء النقيع تبول فيه الدواب. فقال: إن تغير الماء فلا تتوضأ منه» «4». مع ضم العلم من الخارج بأن التغير بغير النجس لا ينجس.

الثالثة: ما دل على نجاسة بول كل دابة لم تعد للأكل

و ان حلل أكلها‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 1 من أبواب النجاسات

(2) وسائل الشيعة باب 8 من أبواب الماء المطلق

(3) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب الماء المطلق

(4) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب الماء المطلق

 

 

 

7
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الرابعة: ما دل على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه. ؛ ج‌3، ص : 8

..........

______________________________
شرعا، كخبر زرارة عن أحدهما (ع) «في أبوال الدواب تصيب الثوب فكرهه. فقلت: أ ليس لحومها حلالا. فقال: بلى و لكن ليس مما جعله اللّه للأكل»
«1». بناء على استفادة النجاسة من لفظ الكراهة في الرواية.

الرابعة: ما دل على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه.

كخبر عبد اللّه ابن سنان عن ابى عبد اللّه (ع) قال: «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» «2».

أما الطائفة الأولى، فباعتبار فرض الإصابة فيها للثوب و نحوه و كون البول الذي يكون في نطاق ذلك عادة هو بول الإنسان، لا يبعد انصراف البول فيها الى بول الإنسان.

و اما الطائفة الثانية، فلو تمت فيها رواية سندا و دلالة أمكن الإشكال في إطلاقها لاحتمال انصراف كلمة الدواب الى دابة الخاصة.

و يبقى بعد ذلك عنوانان. أحدهما عنوان بول ما لا يؤكل، و الآخر عنوان بول ما لا يكون معدا للأكل. فإن كان ما لا يؤكل ظاهرا فيما يحرم اكله اختلف العنوانان و أمكن حينئذ دعوى: رفع اليد عن هذا الظهور و تنزيل عنوان ما لا يؤكل على عنوان ما لا يكون معدا للأكل، بدعوى:

حكومة خبر زرارة لما فيه من النظر إجمالا إلى القضية المركوزة في الذهن التي يناط فيها حكم النجاسة بالمأكولية. و سيأتي في بحث أبوال الخيل و البغال و الدواب تتمة تحقيق لذلك.

و على أي حال، يتحصل إطلاق يدل على النجاسة في حدود بول ما يحرم أكل لحمه على كل حال، لأنه أضيق العنوانين.

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات

(2) وسائل الشيعة باب 8 من أبواب النجاسات


8
بحوث في شرح العروة الوثقى3

البحث عن إطلاق في دليل الخرء ؛ ج‌3، ص : 9

 

[البحث عن إطلاق في دليل الخرء]

______________________________
و أما الخرء، فلم نعثر على ما يصلح جعله مطلقا يرجع إليه في مورد الشك. و ما قد يدعى كونه مطلقا صالحا للرجوع إليه في إثبات الموجبة الكلية أحد أمور.

الأول: صحيح ابن بزيع.

قال: «كتبت الى رجل أسأله ان يسأل أبا الحسن الرضا (ع) عن البئر تكون في المنزل للوضوء فيقطر فيها قطرات من بول أو دم أو يسقط فيها شي‌ء من عذرة كالبعرة و نحوها، ما الذي يطهرها حتى يحل الوضوء منها. فوقع (ع) بخطه في كتابي: ينزح دلاء منها» «1». بدعوى: ان لفظ العذرة و ان كانت منصرفة إلى خرء الإنسان خاصة الا أنها مستعملة هنا في الأعم بقرينة التشبيه بالبعرة.

و فيه: بعد الإغماض عن أن التشبيه لعله بلحاظ تحديد الكمية لا بيان جنس العذرة. و الإغماض عن أنها واردة في بئر تكون في المنزل للوضوء، مما يكون بعيدا عادة عن خرء غير الإنسان و الدواب المأكولة: أن البعرة خرء الحيوان المأكول. و لا إشكال في عدم نجاسته فدلالتها على النجاسة ساقطة في موردها فلا يمكن استفادة النجاسة منها في غيره.

أضف الى ذلك، ان الأمر بالنزح و ان كان صالحا للإرشاد إلى النجاسة و انفعال البئر- على ما تقدم في أبحاث ماء البئر- إلا أنا أثبتنا بملاحظة مجموع روايات الباب اعتصام البئر فتحمل أوامر النزح على درجة من الحزازة و التنزه. و هو غير كاشف عن نجاسة الملاقي معه.

نعم، الإنصاف أن هذا لا يمنع عن ظهور شخص هذه الرواية في ان السائل كان المرتكز في ذهنه نجاسة العذرة و انفعال البئر بها. خصوصا بقرينة قوله (ما الذي يطهرها) و ظاهر سكوت الامام (ع) هو إمضاء‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 14 من أبواب الماء المطلق

 

 

 

9
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الثاني: نفس دليل نجاسة البول. ؛ ج‌3، ص : 10

..........

______________________________
كلا هذين الارتكازين و قد سقط ظهور السكوت في الإمضاء عن الحجية- بلحاظ انفعال ماء البئر و هذا لا يمنع عن التمسك بظهوره في الإمضاء لإثبات نجاسة العذرة.

الا أن هذا التقريب للاستدلال بالرواية لا يجدي في إثبات نجاسة الخرء من كل حيوان بنحو الموجبة الكلية، إذ لا يوجد دال على ان الارتكاز كان منعقدا بنحو الموجبة الكلية في ذهن السائل.

الثاني: نفس دليل نجاسة البول.

بدعوى الملازمة بين نجاسة البول من حيوان و نجاسة خرئه. فتكون الروايات الدالة على نجاسة البول من الحيوان مطلقا- لو كان فيها إطلاق- أو في الموارد الخاصة دالة على نجاسة خرءه أيضا.

و فيه: أنه لو أريد الملازمة المتشرعية باعتبار أنهم يرون أن نكتة قذارة البول و الخرء مشتركة. فهي و ان كانت غير بعيدة في الجملة، الا أنها لا جزم ببلوغها مرتبة تشكل ظهورا لدليل نجاسة البول في نجاسة الخرء أيضا، كيف و قد ثبت التفصيل بين الروث و البول في كثير من الموارد، فحكم بكراهة بول الخيل و الحمير و البغال و ورد الأمر بالغسل منها في روايات كثيرة مع عدم ورود شي‌ء من ذلك في روثها. و ثبت أيضا ان بول الإنسان أشد قذارة من خرئه، و ان الغسل من بوله لا بد فيه من التعدد بخلافه في خرئه بل يكتفى في التطهير منه بالحجر عند الاستنجاء. فمع ثبوت مثل هذه الأحكام كيف يمكن الجزم بوجود ارتكاز متشرعي على عدم الفرق لكي يشكل لدليل نجاسة البول مدلولا التزاميا عرفيا؟

و لو أريد دعوى الملازمة العرفية الأعم من المتشرعية ففسادها أوضح.

إذ العرف لا يملك ارتكازا على أصل استقذار بول كل حيوان أو خرءه‌


10
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الثالث: رواية عمار التي نقلها العلامة في المختلف عن كتابه، ؛ ج‌3، ص : 11

..........

______________________________
فضلا عن ارتكاز الملازمة بينهما بينهما في القذارة.

الثالث: رواية عمار التي نقلها العلامة في المختلف عن كتابه،

حيث جاء فيه، أن الصادق (ع) قال: «خرء الخطاف لا بأس به هو مما يؤكل لحمه و لكن كره أكله لأنه استجار بك و آوى الى منزلك و كل طير يستجير بك فأجره» «1».

و تقريب الاستدلال بها: أن قوله (هو مما يؤكل لحمه) ظاهر في كونه تعليلا للحكم بنفي البأس عن خرء الخطاف الذي هو نوع من الطيور، و ليس جملة مستقلة تبرع بها الامام (ع) لبيان حلية أكل لحم الخطاف، إذ لو كان الأمر كذلك لناسب عرفا الإتيان بما يدل على كون الجملة مستأنفة و منفصلة عن سابقتها مع انه لم يؤت بشي‌ء من ذلك، بل جعلت الجملة تتمة و فضلة لما قبلها و لم يفصل بينهما بالعطف فيكون هذا سببا في ظهورها في الارتباط بالحكم السابق و انه تعليل له. و عليه، يدل التعليل بمفهومه على ان ما لا يحل أكله في خرءه بأس. و هذا يحقق المطلق المطلوب.

و يرد عليه: ان التعليل لا يدل على العلية الانحصارية المستلزمة لانتفاء الحكم المعلل عند انتفاء العلة، فلو قيل أكرم زيدا لأنه عالم لم يدل على عدم وجوب إكرامه لكونه جارا و لو لم يكن عالما فلا ينعقد للرواية المذكورة مفهوم دال على الانتفاء عند الانتفاء.

و من ذلك يظهر الحال أيضا في مثل رواية عمار عن ابى عبد اللّه (ع):

قال: «كل ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه» «2». فان لسانها ليس لسان الحصر لينتزع منها المفهوم و يجعل دالا على نجاسة مطلق ما يخرج من‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات

(2) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات


11
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الرابع: رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى(ع) ؛ ج‌3، ص : 12

 

..........

______________________________
الحيوان غير مأكول اللحم.

الرابع: رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع)

قال: «سألته عن الدجاجة و الحمامة و أشباههما تطأ العذرة ثم تدخل في الماء يتوضأ منه للصلاة.

قال: لا الا ان يكون الماء كثيرا قدر كر من ماء» «1». بدعوى ان كلمة العذرة مطلقة شاملة التمام إفراد المدفوع.

و يرد عليه: مضافا الى منع شمول كلمة العذرة لأنها لو لم تكن مختصة بعذرة الإنسان فلا أقل من إجمالها و كون عذرة الإنسان بنفسها معنى عرفيا لها بحيث يكون ارادتها من اللفظ من باب ارادة معنى اللفظ منه لا من باب التقييد. أن الرواية ناظرة سؤالا و جوابا الى تحقيق حال انفعال الماء و عدمه و ليست في مقام البيان من ناحية نجاسة العذرة ليتمسك بإطلاق جواب الامام (ع) من هذه الجهة.

و منه يظهر الحال في مثل رواية موسى بن القاسم عن علي بن محمد (ع) في حديث قال: «سألته عن الفارة و الدجاجة و الحمام و أشباهها تطأ العذرة ثم تطأ الثوب أ يغسل؟ قال: ان كان استبان من أثره شي‌ء فاغسله و الا فلا» «2». فإنه، مضافا الى المناقشة في إطلاق كلمة العذرة في نفسها، يلاحظ ظهور الرواية في النظر إلى حيثية قابلية الحيوان لنقل النجاسة الى الثوب و هذا يعنى ان أصل النجاسة للعذرة مفروغ عنه فلا يمكن التمسك بإطلاق الجواب لإثبات نجاسة مطلق العذرة.

الخامس: رواية عبد الرحمن بن ابى عبد اللّه (ع)

قال: «سألت» أبا عبد اللّه (ع) عن الرجل يصلى و في ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب الماء المطلق

(2) وسائل الشيعة باب 37 من أبواب النجاسات

 

 

 

12
بحوث في شرح العروة الوثقى3

حكم بول الصبي ؛ ج‌3، ص : 13

إنسانا أو غيره (1)

______________________________
كلب أ يعيد صلاته؟ قال: ان كان لم يعلم فلا يعيد»
«1». بدعوى:

ان الترديد بين الإنسان و السنور و الكلب قرينة عرفا على ان هذه العناوين مجرد أمثلة و ان المقصود جنس العذرة بمعناها العام الشامل لمدفوع الإنسان و غيره و بعد حمل العناوين المذكورة على المثالية يثبت الإطلاق.

و يرد عليه: ان الحمل على المثالية لا يقتضي أكثر من ملاحظة جامع عرفي بين العناوين الثلاثة و هذا لا يعين تقديره بنحو من السعة بحيث يشمل الطير مثلا أو السمك ليكون مطلقا فوقيا يرجع إليه في موارد الشك.

هذا مضافا الى النكتة التي أشرنا إليها سابقا، و هي كون النظر متجها الى حكم أخر مترتب على النجاسة و هو بطلان الصلاة مع الجهل، فحيثية السؤال أن ما يبطل الصلاة مع العلم هل يبطلها مع الجهل أولا. و كلما كان هناك حكمان طوليان من قبيل نجاسة العذرة و انفعال الماء بالنجس منها، أو نجاسة العذرة و مانعية نجاستها في حق المصلى الجاهل بوجودها و كان النظر الى استطلاع حال الحكم الثاني و حدوده كان للرواية بقرينة هذا النظر ظهور في الفراغ عن أصل الحكم الأول و افتراضه، فلا يتمسك بإطلاقها من ناحيته.

و هكذا يتبين: أنه لا يوجد ما يصلح ان يكون مرجعا للحكم بالنجاسة إلا في البول من الحيوان غير المأكول خاصة. و اما في غير ذلك من البول و الخرء فلا بد فيه من ملاحظة الأدلة الخاصة في كل مورد فان ثبت بها النجاسة فهو و الا كان المرجع قاعدة الطهارة أو غيرها من الأصول المؤمنة.

[حكم بول الصبي]

(1) لا إشكال في ان بول الإنسان هو القدر المتيقن من أدلة نجاسة البول. الا أنه ربما يقع الإشكال في بول الصبي قبل، ان يطعم حيث‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 4 من أبواب النجاسات


13
بحوث في شرح العروة الوثقى3

حكم بول الصبي ؛ ج‌3، ص : 13

..........

______________________________
نسب إلى الإسكافي القول بطهارته و لا ريب في أن مقتضى إطلاقات أدلة نجاسة البول شمولها لبول الصبي أيضا بحيث لا بد في القول بالطهارة من التماس مقيد لها. و ما يتوهم كونه مقيدا رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عليهما السلام أن عليا (ع) قال: «لبن الجارية و بولها يغسل منه الثوب قبل ان تطعم، لأن لبنها يخرج من مثانة أمها، و لبن الغلام لا يغسل منه الثوب و لا من بوله قبل أن يطعم، لان لبن الغلام يخرج من العضدين و المنكبين»
«1».

حيث يستفاد من نفى الغسل عن الثوب الملاقي مع بوله الإرشاد إلى الطهارة و قد يورد على ذلك ان الغسل ان كان لا يشمل الصب فنفيه لا يدل على الطهارة لإمكان افتراض نجاسة تطهر بالصب و ان قيل بشموله للصب فهو انما يدل على الطهارة بإطلاق النفي لتمام راتب الغسل بما فيها الصب فيقيد هذا الإطلاق بما دل على وجوب الصب في بول الصبي غير المتغذي و لكن دلالة الرواية على الطهارة ليست بلحاظ مجرد نفي الغسل بل بلحاظ تعليل هذا النفي في الصبي و تعليل ثبوت الغسل في الجارية بما يناسب ان يكون النظر إلى أصل الطهارة و النجاسة.

هذا غير أن الصحيح عدم إمكان التعويل على الرواية، باعتبار سقوطها سندا و متنا و مضمونا.

اما السند فلانة قد ورد فيه النوفلي و هو ممن لا طريق لإثبات توثيقه عدا مجيئه في رجال كامل الزيارات و نحن لا نقول بوثاقة جميع رجال كامل الزيارات.

و اما المتن، فلان مفاد الرواية الحكم بنجاسة لبن الجارية أيضا و هذا مما لم يفت به فقيه و لا يحتمل في نفسه فقهيا، مما يكشف عن وجود و هن‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب النجاسات الحديث 4


14
بحوث في شرح العروة الوثقى3

طهارة فضلات الطائر المحرم أكله ؛ ج‌3، ص : 15

بريا أو بحريا صغيرا أو كبيرا (1) بشرط ان يكون له دم سائل حين الذبح (2)، نعم في للطيور المحرمة الأقوى عدم للنجاسة لكن الأحوط فيها أيضا الاجتناب (3).

______________________________
في الرواية من جهة من الجهات و معه لا يمكن التعويل عليها و لو كانت نقية السند.

و اما المضمون ففي نفسه غريب و بعيد و ذلك باعتبار أن بول الغلام لو كان طاهرا في نفسه لا يحتاج الى التطهير منه و لا التجنب عنه لاشتهر هذا الحكم و ذاع بين المتشرعة و كثرت الروايات الدالة عليه باعتبار شدة الحاجة و الابتلاء في حياة الناس به مع أن الأمر على العكس تماما مضافا الى غرابة نفس التعليل الوارد فيها من ان لبن الجارية تخرج من مثانة الأم و لبن الغلام من بين عضديها و منكبيها، مع وضوح خلافه.

فالصحيح ما أفتى به الماتن- قده- من عدم الفرق في نجاسة البول بين الصبي و غيره و ان كان بوله أخف مئونة في مقام التطهير منه على ما سوف يأتي البحث عنه مستوعبا في فصول المطهرات.

(1) بمقتضى إطلاق ما تمت دلالته على نجاسة بول غير المأكول و اما الخرء فقد قلنا أنه لا يوجد مطلق يمكن التمسك به في تمام الموارد بل لا بد من الرجوع الى القدر المتيقن من الضرورة الفقهية و الارتكازات المتشرعية و ما يمكن التعدي إليه من الموارد المنصوصة بنكتة عدم الفرق عرفا و اثر ذلك يظهر في موارد الخلاف على ما سيأتي.

(2) سوف يأتي وجه هذه الشرطية.

[طهارة فضلات الطائر المحرم أكله]

(3) اختلفت كلمات الفقهاء في نجاسة بول و خرء غير المأكول من الطير بين قائل بنجاستهما معا و قائل بطهارتهما معا و متردد في نجاسة بوله‌


15
بحوث في شرح العروة الوثقى3

في بيان علاج التعارض بين الروايات الواردة في المقام ؛ ج‌3، ص : 16

 

..........

______________________________
مع الجزم بطهارة خرءه. و السبب في ذلك يرجع الى كيفية الاستفادة من الروايات المتعارضة بهذا الشأن، فهناك موثقة أبي بصير عن ابى عبد اللّه (ع) قال: «كل شي‌ء يطير فلا بأس ببوله و خرئه»
«1».

الواضحة في الدلالة على عدم النجاسة في مطلق الطير فتقع طرفا للمعارضة مع ما دل على نجاسة بول غير المأكول. و مورد التعارض هو البول من الطير غير المأكول بناء على إنكار الملازمة بين نجاسة البول و نجاسة الخرء.

و هو مع الخرء بناء على الملازمة.

و يمكن ان تذكر عدة وجوه في علاج هذا التعارض.

[في بيان علاج التعارض بين الروايات الواردة في المقام]

الأول- أن يقال بتقديم دليل النجاسة

باعتبار موافقته مع السنة الدالة على نجاسة البول مطلقا تطبيقا لكبرى الترجيح بموافقة الكتاب و السنة:

و فيه: أولا- ما حققناه فيما سبق من عدم وجود مطلق دال على نجاسة البول، و كل ما ورد من الروايات الدالة على نجاسة البول من دون تقييد كانت منصرفة إلى بول الآدمي خاصة. فلا تكون موافقة مع دليل نجاسة بول غير المأكول في مورد تعارضه مع دليل طهارة بول الطير كي ترجح بها، بل لا تكون موافقة معه حتى في غير مورد التعارض أيضا لمكان دعوى انصراف دليل نجاسة بول غير المأكول الى غير الإنسان من الحيوان غير المأكول فيختص كل من دليل نجاسة البول من دون تقييد و دليل نجاسة بول غير المأكول بموضوع غير موضوع الآخر.

و ثانيا- أن ترجيح أحد المتعارضين على الآخر انما يكون بموافقة السنة القطعية، بناء على إلغاء خصوصية الكتابية في الترجيح بموافقة الكتاب و استظهار أن مناط الترجيح هو موافقة دليل قطعي السند. و في المقام لم يبلغ ما دل على نجاسة البول بقول مطلق مبلغ القطع و التواتر.

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 10 من أبواب النجاسات

 

 

 

16
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الأول - أن يقال بتقديم دليل النجاسة ؛ ج‌3، ص : 16

..........

______________________________
و ثالثا- أن الترجيح بموافقة الكتاب و السنة من الترجيح السندي الذي مورده ما إذا كان التعارض بين الدليلين بحسب سنديهما كما في موارد التباين، فلا يجري في مورد تكاذب الدليلين بحسب الدلالة فقط كما فيما نحن فيه، على ما حقق في محله.

و رابعا- ان الرجوع الى المرجحات المذكورة في اخبار العلاج انما يكون بعد فقد الجمع الدلالي بين المتعارضين، فاذا تم شي‌ء من وجوه الجمع الدلالي الآتية لم تصل النوبة الى هذا العلاج.

ثم ان السيد الأستاذ- دام ظله- بعد أن ذكر هذا الوجه أورد عليه بأن المقام ليس من موارد الترجيح بموافقة الكتاب و السنة، لأن ذلك انما يكون فيما إذا كان عموم الكتاب أو السنة لفظيا لا بالإطلاق و مقدمات الحكمة لأن مقدمات الحكمة ليست من الكتاب و السنة كي تكون موافقتها موافقة الكتاب و روايات نجاسة البول في المقام لو سلم دلالتها فهي بالإطلاق و مقدمات الحكمة لا بالعموم «1».

و هذا بيان يطبقه الأستاذ- دام ظله- في تمام موارد المعارضة مع إطلاق الكتاب الثابت بمقدمات الحكمة.

الا أن هذه المناقشة غير صحيحة. إذ مضافا الى عدم تمامية التفصيل المذكور بين العموم و الإطلاق في نفسه على ما أوضحناه مفصلا في بعض الأبحاث السابقة من هذا الشرح. ان تطبيقه في المقام على موافقة السنة قياسا على الكتاب في غير محله. إذ الإطلاق و مقدمات الحكمة في الكتاب لو سلم انه ليس قرآنا فلا ريب في ان الإطلاق في السنة سنة أيضا إذ السنة نعم القول و الفعل و السكوت كما هو واضح «2»

______________________________
(1) التنقيح ج 1 ص 406

(2) راجع هامش الجزء الأول ص 73


17
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الثاني - ان يقال بتعارض الموثقة مع دليل نجاسة بول غير المأكول ؛ ج‌3، ص : 18

 

الثاني- ان يقال بتعارض الموثقة مع دليل نجاسة بول غير المأكول

______________________________
و تساقطهما و الرجوع بعد ذلك الى مطلقات نجاسة البول بوصفها عموما فوقيا.

و قد اعترض عليه السيد الأستاذ- دام ظله-: بأن تلك المطلقات على القول بانقلاب النسبة تكون هي أيضا طرفا للمعارضة بالعموم من وجه مع موثقة أبي بصير للعلم بتخصيص المطلقات بما دل على طهارة بول ما يؤكل لحمه من البقر و الغنم فيكون حالها بعد هذا التخصيص حال ما دل على نجاسة بول غير المأكول «1».

و هذا الاعتراض غريب في بابه. ذلك أن القائلين بانقلاب النسبة لا يقولون به فيما إذا كان هناك عام و مخصصان إذ لا موجب لملاحظة العام أولا مع أحد الخاصين ثم ملاحظته مع الآخر كي تنقلب النسبة بينهما. و مقامنا من هذا القبيل إذ كل من دليل طهارة بول المأكول و موثقة أبي بصير مخصص في عرض واحد لمطلقات النجاسة.

و الصحيح في إبطال هذا العلاج أن يقال:

أولا- بعدم تمامية مطلق دال على نجاسة البول في نفسه على ما تقدم تحقيقه.

ثانيا- بعدم الانتهاء الى هذا الموقف فيما إذا صح شي‌ء من وجوه الجمع الدلالي بين المتعارضين.

الثالث- إيقاع المعارضة بين موثقة أبي بصير و رواية عبد اللّه بن سنان

اغسل ثوبك من بول كل ما لا يؤكل لحمه «2» باعتبار أنهما معا بالعموم و بعد التساقط نرجع إلى رواية عبد اللّه بن سنان الأخرى «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» «3» باعتبارها بالإطلاق المحكوم في نفسه لموثقة‌

______________________________
(1) التنقيح ج 1 ص 406

(2) وسائل الشيعة باب 8 من أبواب النجاسات

(3) وسائل الشيعة باب 8 من أبواب النجاسات

 

 

 

18
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الرابع - تقديم رواية أبي بصير على رواية عبد الله بن سنان ؛ ج‌3، ص : 19

 

..........

______________________________
أبي بصير لو لا ابتلائها بالمعارض فيكون مرجعا بعد التساقط بنفس نكتة الرجوع الى العام الفوقاني.

و هذا الوجه في العلاج أيضا غير تام، و ذلك.

أولا- لعدم تمامية سند رواية عبد اللّه بن سنان الدالة على النجاسة بالعموم لأنها منقولة في الكافي عن علي بن محمد عن عبد اللّه بن سنان، و نحن نعلم بأن علي بن محمد الذي ينقل عنه صاحب الكافي إن كان هو شيخه فقد وقع بينه و بين عبد اللّه بن سنان سقط في السند للعلم بعدم معاصرته له:

و ان كان شخصا آخر ممن يمكن افتراضه معاصرا مع ابن سنان فيعلم ان نقل صاحب الكافي عنه لا يكون الا مع الواسطة فيكون في السند إرسال على كل حال.

و ثانيا- انه موقوف على ان لا يتم وجه من وجوه الجمع الدلالي بين المتعارضين.

الرابع- تقديم رواية أبي بصير على رواية عبد اللّه بن سنان

باعتبار ان دلالتها بالعموم و دلالة الأخيرة بالإطلاق و العموم مقدم على الإطلاق على ما حقق في محله- و لو فرض تساويهما في الظهور أيضا كانت النتيجة التساقط و الرجوع الى قاعدة الطهارة.

و هكذا يكون هذا الوجه للعلاج، خلافا للوجوه السابقة مثبتا لطهارة البول و الخرء من الطير غير المأكول.

الخامس- دعوى حكومة موثقة أبي بصير على أدلة نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه،

باعتبار ظهورها في الاستثناء و التقييد، لأنها تفترض ثبوت النجاسة للبول بنحو القضية المهملة فتتعرض لنفي إطلاقها لبول الطير و القرينة على هذا الافتراض هي ان كل نفي للحكم عن حصة إذا لم يكن من المحتمل عادة اختصاص الحكم المنفي بها يكون له ظهور في انه نفي استثنائي و انه‌

 

 

 

19
بحوث في شرح العروة الوثقى3

السادس: تقديم دليل طهارة بول الطير و خرئه على دليل نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه ؛ ج‌3، ص : 20

..........

______________________________
استثناء من الحكم الثابت على المطلق. و لهذا قلنا بأن لسان لا ضرر- مثلا- لسان الاستثناء لأن ما هو المحتمل في نفسه شمول الحكم لحال الضرر لا تشريع الأحكام الضررية خاصة فيكون للسان لا ضرر نظر الى أدلة الأحكام و بذلك يحكم عليها و هكذا في المقام فان المحتمل في نفسه شمول الحكم بنجاسة البول لبول الطائر لا اختصاصها به، فيكون النفي ظاهرا عرفا في اللسان الاستثنائي المساوق للنظر الى دليل نجاسة البول و هو يقتضي الحكومة.

السادس: تقديم دليل طهارة بول الطير و خرئه على دليل نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه

باعتبار أن العكس يؤدي الى إلغاء عنوان الطير المأخوذ موضوعا في دليل الطهارة حيث يتقيد الحكم بما إذا كان الطير حلال اللحم و الطهارة ثابتة على عنوان ما لا يؤكل لحمه في نفسه سواء كان طيرا أم لا.

و توضيح هذا الوجه و تمحيصه ان: هنالك ظهورين لكل عنوان يؤخذ في موضوع حكم.

أحدهما: الظهور في دخالته في الحكم و عدم كونه أجنبيا عنه بالمرة الثاني: ظهوره في كونه دخيلا بنحو تمام الموضوع للحكم و أنه كلما صدق ذلك العنوان صدق الحكم أيضا.

و الظهور الأول ظهور عرفي ناشى‌ء من أخذ عنوان و إيراده في موضوع الكلام و الثاني إطلاق معتمد على مقدمات الحكمة و على هذا الأساس كلما وقع التعارض بين الظهور الأول في دليل مع الظهور الثاني في دليل آخر قدم الأول على الأخير لأن رفع اليد عن إطلاق موضوعية عنوان للحكم أخف مئونة من إلغاء العنوان المأخوذ في موضوع الكلام عن الموضوعية رأسا و مقامنا من هذا القبيل، فان دليل طهارة بول الطير لو قيد بالمأكول كان ذلك إلغاء لعنوان الطير عن الموضوعية رأسا و جعل موضوع الحكم عنوانا‌


20
بحوث في شرح العروة الوثقى3

السادس: تقديم دليل طهارة بول الطير و خرئه على دليل نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه ؛ ج‌3، ص : 20

 

..........

______________________________
آخر قد يكون طيرا و قد لا يكون. و هذا بخلاف ما لو قيد دليل نجاسة بول غير المأكول بما إذا لم يكن طيرا، إذ غاية ما يلزم هو رفع اليد عن إطلاق موضوعيته للنجاسة.

و هذا البيان موقوف على أن يكون كل ما يحل أكل لحمه من الحيوان طاهر البول و أما لو قيل باختصاص الطهارة بما إذا كان الحيوان المحلل غير الطير مما يتعارف أكله لا من قبيل الخيل و البغال- كما اختار صاحب الحدائق- قده- فلا يلزم من تخصيص طهارة بول الطير بما إذا كان محلل الأكل إلغاء عنوان الطير عن الموضوعية إذ ليس كل محلل الأكل طاهر البول بل لا بد أما أن يكون مما يتعارف أكله أو طائرا فيحفظ بذلك دخل عنوان الطير في موضوع الحكم.

و على أي حال يرد على هذا الوجه أنه موقوف على أن يكون عنوان ما يؤكل لحمه ملحوظا على نحو الموضوعية لا المعرفية إلى واقع العناوين التي تثبت فيها الحلية. و مقتضى الطبع الاولى في أخذ عنوان و ان كان هو الموضوعية لا المعرفية الا أن المقام خاصة يستظهر فيه العرف بمناسبات الحكم و الموضوع المركوزة لديه أن الطهارة و النجاسة لا تكون بملاك الحرمة التكليفية و حليتها و انما تكون بملاك الطيب و الاستقذار الذي يثبت لواقع تلك العناوين التفصيلية في عرض الحلية و الحرمة. و بناء على هذا الفهم لا يلزم من تخصيص الحكم بطهارة بول الطير بما إذا كان حلالا إلغاء عنوان الطير عن الموضوعية بل لعل طهارة بول الطير الحلال انما كان بلحاظ كونه طيرا كما هو مقتضى دليل طهارة بول الطير و طهارة بول ما يؤكل لحمه ليس الا معرفا الى ما يثبته دليل طهارة بول الطير:

ثم ان هنا رواية أخرى ربما يستدل بها على التفصيل في الطير بين ما يؤكل و ما لا يؤكل، و هي رواية عمار التي نقلها العلامة في المختلف عن‌

 

 

 

21
بحوث في شرح العروة الوثقى3

السادس: تقديم دليل طهارة بول الطير و خرئه على دليل نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه ؛ ج‌3، ص : 20

..........

______________________________
كتابه عن الصادق (ع) قال: «خرء الخطاف لا بأس به هو مما يؤكل لحمه و لكن كره أكله لأنه استجار بك و آوى الى منزلك و كل طير يستجير بك فأجره»
«1».

و تقريب الاستدلال بها مبني على ان يكون جملة (هو مما يؤكل لحمه) تعليلا للحكم بطهارة خرء الخطاف لا جملة مستقلة تبرع بها الامام (ع) و قد تقدم ان هذا هو ظاهر السياق حيث لم يأت بما يدل على كون الجملة مستأنفة و منفصلة عن سابقتها و إنما ذكرت في سياق واحد ظاهر في الارتباط و التعليل للحكم بالطهارة. و حينئذ يقال: بأنه لو كان الطير طاهر الخرء من حيث هو طير لم يكن وجه للتعليل المذكور بعد افتراض كون السؤال عن الخطاف الذي هو نوع من الطير لأن العدول عن الأمر الذاتي في مقام التعليل الى الأمر العرضي ليس عرفيا فالتعليل المذكور دليل على أن الميزان في طهارة خرء الطيور و نجاسته أيضا هو حلية الأكل و حرمته، فتقيد بها موثقة أبي بصير الدالة على طهارة بول الطير و خرئه فيحكم بنجاسة خرء الطير غير المأكول بل بنجاسة بوله أيضا. أما لتمامية الملازمة بين نجاسة الخرء و نجاسة البول و ان لم تتمّ الملازمة بين نجاسة البول و نجاسة الخرء. و أما لعدم احتمال الفرق بين الخرء و البول بأن يكون الميزان في نجاسة الأول هو حلية اللحم و حرمته دون نجاسة الثاني مع كون روايات التفصيل واردة في البول. و أما بدعوى أن الطيور تدفع البول و الخرء معا من مخرج واحد و كثيرا ما تكون أبوالها مختلطة مع خرءها فلا يفهم العرف ارادة خصوص الخرء المجرد عن البول في الحكم المذكور بل يفهم أن المراد بخرء الطير الفضلات التي تخرج منه سواء كانت خرءا خالصا أو بولا أو مختلطا و قد يجاب عن ذلك بأن العدول في مقام التعليل عن الأمر الذاتي الى الأمر العرضي انما لا يصح عرفا إذا‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات


22
بحوث في شرح العروة الوثقى3

حكم فضلات الخفاش ؛ ج‌3، ص : 23

 

خصوصا الخفاش و خصوصا بوله (1)

______________________________
كان دخلهما على حد سواء و أما إذا كان دخل الأمر العرضي من باب نفي المقتضي و دخل الأمر الذاتي من باب وجود المانع فلا بأس بالعدول و المقام من هذا القبيل فإن حرمة اللحم هي المقتضي للحكم بالنجاسة و لو بحسب مقام الإثبات و ألسنة الروايات.

و الصحيح في الجواب على الاستدلال المذكور هو التشكيك في سند الرواية و متنها أما الأول فلعدم معلومية طريق العلامة الى كتاب عمار و أما الثاني فلأنها منقولة بطريق الشيخ عن كتاب عمار مع حذف كلمة الخرء مما يجعلها بيانا لحكم الخطاف في نفسه و أنه لا بأس به من حيث الحلية و جواز الأكل فتكون بهذا المتن أجنبية عن محل الكلام و مع هذا التهافت لا يمكن الاعتماد على نقل العلامة بعد استبعاد تعدد المنقول مع التشابه المطلق في فقرأتها من غير ناحية كلمة الخرء و كونها منقولة عن كتاب واحد و هو كتاب عمار.

و هكذا يتلخص أن الصحيح هو طهارة بول الطير و خرئه مطلقا.

[حكم فضلات الخفاش]

(1) البحث عن خرء الخفاش و بوله يقع تارة بلحاظ دليل نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه باعتبار كونه من الحيوان محرم الأكل، و اخرى بلحاظ دليل طهارة بول الطير باعتبار كونه طائرا، و ثالثة بلحاظ الروايات الخاصة، فالكلام في مقامات.

أما المقام الأول

فقد يقال فيه ان دليل اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل شامل لبول الخفافيش أيضا فلا بد من الحكم بنجاسته لو لا الدليل المخصص و اما خرءه فشمول الدليل له مبني على الملازمة المتقدمة.

الا ان هذا الإطلاق يمكن منعه بأحد وجهين.

 

 

 

23
بحوث في شرح العروة الوثقى3

و اما المقام الثاني ؛ ج‌3، ص : 24

..........

______________________________
الأول- ما أفاده السيد الأستاذ- دام ظله. من ان الخفاش مما لا نفس سائلة له- على ما شهد بذلك جماعة- فيحكم بطهارة بوله و خرءه من باب انه لا نفس له. و لو فرض الشك في كونه كذلك كفى ذلك أيضا في عدم إمكان التمسك بعموم النجاسة لكون الشبهة مصداقية بالنسبة إليه فتجري أصالة الطهارة أو استصحاب عدم كونه ذا النفس. بناء على جريانه في الاعدام الأزلية
«1».

و هذا الوجه موقوف على تمامية كبرى طهارة بول و خرء ما لا نفس له. و هي غير تامة على ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

الثاني- ان موضوع الإطلاق هو ما لا يؤكل لحمه من الحيوانات فلا يشمل الحيوان غير اللحمي عرفا. و الخفاش لا يكون حيوانا لحميا عند العرف فاسراء الحكم اليه يحتاج إلى إلغاء خصوصية اللحمية و جعل تمام الموضوع حرمة الأكل و هو بلا موجب بعد احتمال الفرق عقلا و عرفا بينهما.

و هذا الوجه صحيح و به يثبت في هذا المقام عدم تمامية مقتضى النجاسة في نفسه لبول الخفاش و خرئه.

و اما المقام الثاني

فلو افترض تمامية الإطلاق في المقام الأول لدليل نجاسة البول لبول الخفاش يقع البحث عن النسبة بينه و بين موثقة أبي بصير الدالة على طهارة بول الطير. حيث قد يقال بأنه في خصوص الخفاش لا بد من تقديم الموثقة و الحكم بطهارة بوله و لو فرض عدم تقدمها على دليل النجاسة في غير الخفاش من الطيور المحرمة. و ذلك بدعوى انحصار البول في دائرة الطيور بالخفاش إذ سائر الطيور لا بول لها بصورة منفصلة عن الخرء، فتكون الموثقة كالنص في طهارة بول الخفاش.

و فيه انه لو سلم انحصار البول في دائرة الطيور بالخفاش، و سلم ان‌

______________________________
(1) التنقيح الجزء الأول ص 409


24
بحوث في شرح العروة الوثقى3

و أما المقام الثالث ؛ ج‌3، ص : 25

..........

______________________________
المائع الخارج مع الخرء ليس بولا عرفا إلا بالعناية. فلا بد من حمل قوله (ع) كل شي‌ء من الطير فلا بأس ببوله، على ارادة هذا المائع نفسه الذي يكون بولا عناية إذ لا يمكن ان يكون مثل هذا الخطاب المشتمل على اداة العموم و الواضح في إعطاء قاعدة عامة في باب الطير. ناظرا الى خصوص بول الخفاش كما هو واضح.

و أما المقام الثالث

فقد استدل على نجاسة بول الخفاش برواية داود الرقي «قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن بول الخشاشيف يصيب ثوبي فأطلبه فلا أجده. فقال: اغسل ثوبك.» «1»

حيث يستفاد من الأمر بغسل الملاقي في أمثال المقام الإرشاد إلى نجاسة الملاقي و فيه: أن الرواية ضعيفة سندا لا باعتبار داود الرقي فإنه و ان لم يوثق و لكنه ممن روى عنه الأزدي بسند صحيح و لكن باعتبار غيره كيحيى بن عمر الواقع في السند و الإرسال الواقع في طريق السرائر الى داود مضافا الى أنها معارضة مع ما لا يقل عنها شأنا- و ان كان غير نقي السند أيضا- و هي رواية غياث «لا بأس بدم البراغيث و البق و بول الخشاشيف» «2» فتكون قرينة على إرادة مرتبة من التنزه و الاستحباب في الأمر بغسل الثوب بناء على ما هو الصحيح من ثبوت مراتب التنزه و الاستحباب عرفا في مثل النجاسة رغم كونها حكما وضعيا. هذا.

مضافا الى إمكان منع دلالتها على النجاسة حيث لم يسأل فيها عن نجاسة بول الخشاف أو طهارته و انما افترض أصابته للثوب و تصديه لتشخيص موضعه و التنزه عنه و لكنه لم يجده فكأن النظر إلى كيفية الموافقة القطعية و ان الجهل لا يرفع الحكم سواء كان ذلك الحكم لزوميا أو تنزهيا. و معه لا يمكن أن يستظهر من الأمر بالغسل الإرشاد إلى لزومية المحذور.

و هكذا يتضح عدم دليل تام على نجاسة بول الخفاش فضلا عن خرئه‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 10 من النجاسات

(2) وسائل الشيعة باب 10 من النجاسات


25
بحوث في شرح العروة الوثقى3

حكم فضلات ما يحرم أكله بالعرض ؛ ج‌3، ص : 26

[حكم فضلات ما يحرم أكله بالعرض]

و لا فرق في غير المأكول بين ان يكون أصليا كالسباع و نحوها أو عارضيا كالجلال و موطوء، الإنسان و للغنم للذي شرب لبن خنزيرة (1)

______________________________
(1) و ذلك تمسكا بإطلاق الروايات الدالة على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه بعد استظهار ان المراد ما لا يؤكل بحسب نظر الشارع أي ما يحرم أكل لحمه.

و قد يمنع عن هذا الإطلاق بدعوى أن عنوان ما لا يؤكل معرف الى العناوين التفصيلية من الحيوانات التي لا يؤكل لحومها كالسباع و نحوها و التمسك بالإطلاق المذكور مبني على أن يكون عنوان ما لا يؤكل بنحو الموضوعية و هذا خلاف الظاهر كما تقدم فيما سبق أيضا و لهذا لا يتوهم إطلاقه لما إذا حرم أكل الحيوان لجهة طارئة كالغصبية مثلا.

و فيه: ان المستظهر من روايات نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه أن موضوع الحكم هو الحيوان حرام اللحم الذي تكون حرمته ثابتة للحمه بما هو لحم لا بما هو غصب أو ضرر أو نحو ذلك، و هذا شامل للحيوان الذي حرم لحمه و لو كانت الحرمة لطرو حالة في اللحم كالجلال. و لا يمنع عنه كون عنوان ما لا يؤكل مشيرا الى العناوين التفصيلية الواقعية من الحيوان فان العناوين الواقعية التفصيلية قد تكون دائمية و قد تكون عارضة كالجلال و الموطوء.

و قد يتوهم أن الإطلاق على تقدير تسليمه معارض بالعموم من وجه مع مثل ما دل على طهارة بول الشاة الشامل بإطلاقه للجلال منها، و بعد التعارض و التساقط و عدم وجود مطلق فوقي للنجاسة يرجع الى أصالة الطهارة.

و يندفع بأن ما دل على طهارة بول الشاة يتكفل حكما ترخيصيا و هو‌


26
بحوث في شرح العروة الوثقى3

حكم فضلات الحمار و البغل و الخيل ؛ ج‌3، ص : 27

 

و اما للبول و للغائط من حلال اللحم فطاهر حتى الحمار و للبغل و الخيل (1)

______________________________
نفي النجاسة و غاية ما يقتضيه عدم كون العنوان المأخوذ موضوعا فيه مقتضيا للنجاسة و هو لا ينافي ثبوت المقتضى لها بعنوان آخر. نعم لو كان يدل على اقتضاء العنوان المأخوذ في موضوعه للنفي لحصلت المعارضة و لكن ارتكازية نشوء الأحكام الترخيصية من عدم المقتضى لا مقتضى العدم تكون قرينة عرفية على تعيين مفاد الدليل في بيان عدم المقتضى من ناحية عنوان بول الشاة لا المقتضى للعدم. و هذه هي النكتة العامة في عدم المعارضة بين أدلة الأحكام الترخيصية و أدلة الأحكام الإلزامية في أمثال المقام.

و على هذا، فالإطلاق تام. و يمكن أن نضيف إليه أيضا ما دل على نجاسة عرق الجلال بضم الملازمة العرفية المتشرعية بين العرق و البول في النجاسة، و لو باعتبار ارتكازية أهونية العرق من البول فما يدل على نجاسة العرق يدل على نجاسة البول بالفحوى العرفية.

ثم ان هذا كله في بول الجلال و أما خرءه فالإطلاق غير تام بالنسبة إليه كما تقدم، فإن أمكن اجراء الفحوى العرفية التي أشرنا إليها أمكن إثبات نجاسة خرء الجلال بلحاظ دليل نجاسة عرقه على القول بتمامية ذلك الدليل.

[حكم فضلات الحمار و البغل و الخيل]

(1) لا إشكال في طهارة بول و خرء الحيوان المحلّل شرعا و المأكول خارجا كالشاة. و انما البحث و الاشكال في بول الحمار و البغل و الخيل من ناحيتين إحداهما من ناحية كونه بول ما لا يعتاد اكله و الأخرى من ناحية كونه بول هذه الأشياء بعناوينها التفصيلية.

أما الناحية الاولى:

فيقع البحث عنها تارة بلحاظ مقتضى النجاسة‌

 

 

 

27
بحوث في شرح العروة الوثقى3

أما مقام المقتضي للنجاسة ؛ ج‌3، ص : 28

..........

______________________________
و اخرى بلحاظ المانع فهنا مقامان.

أما مقام المقتضي للنجاسة

فهو يرتبط بكيفية فهم الروايات الدالة على نجاسة بول ما لا يؤكل.

و تفصيل الكلام في ذلك. ان جملة ما لا يؤكل لحمه تارة تحمل على كون عدم الأكل بلحاظ الذوق العرفي و لو كان من ناحية استعماله في غرض آخر كالركوب مثلا و اخرى تحمل على ما لا يجوز أكل لحمه شرعا و ثالثة تحمل على الجامع بينهما اي مطلق وجود نكتة لعدم الأكل سواء كانت عرفية أو شرعية فعلى الأول و الثالث يتم الإطلاق لدليل النجاسة لبول الحمار و البغل و الخيل لأنها مما لا تؤكل بحسب الذوق العرفي. و على الثاني لا يتم الإطلاق و الاحتمال الأول من هذه الاحتمالات غير وارد في نفسه إذ لا يحتمل ان يكون عنوان (ما لا يؤكل) الوارد في لسان الشارع غير ناظر الى ذوقه هو و لا يبعد دعوى ان مناسبات الحكم و الموضوع العرفية تقتضي أن نكتة الحكم بالنجاسة هي الحزازة في لحم الحيوان التي تكون الحرمة كاشفة عنها لا مجرد عدم المأكولية عرفا و لو من جهة استعماله في غرض آخر كالركوب مثلا. و لا أقل من احتمال ذلك المساوق للإجمال و عدم انعقاد الإطلاق.

لا يقال: مثل رواية عبد الرحمن عن ابي عبد اللّه (ع) «قال:

يغسل بول الحمير و الفرس و البغل فأما الشاة و كل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله» «1» قرينة على ان المراد من عنوان ما يؤكل لحمه في ألسنة الروايات ما يكون حلالا شرعا و مأكولا عرفا حيث جعل مقابلا للحمير و البغال:

فإنه يقال: غاية ما تدل عليه الرواية إرادة المعنى الأخص من الحلية الشرعية في شخص الاستعمال الواقع في هذه الرواية و لا يمكن ان يستظهر منها اصطلاح عام للشارع يقصده من عنوان ما لا يؤكل دائما، فالصحيح‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 9 من النجاسات


28
بحوث في شرح العروة الوثقى3

و أما المقام الثاني ؛ ج‌3، ص : 29

 

..........

______________________________
عدم تمامية المقتضي لنجاسة غير المأكول الحلال من الحيوان.

و أما المقام الثاني

فلو سلمنا تمامية المقتضي للنجاسة فهنالك ما يمنع عنه و هو رواية عبد اللّه بن بكير التي جاء فيها. «فأخرج (ع) كتابا زعم أنه إملاء رسول اللّه (ص) أن الصلاة في وبر كل شي‌ء حرام أكله فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كل شي‌ء منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلى في غيره مما أحل اللّه أكله، فإن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و ألبانه و كل شي‌ء منه جائز إذا علمت أنه ذكي و قد ذكاه الذابح، و ان كان غير ذلك مما قد نهيت عن اكله و حرم عليك أكله فالصلاة في كل شي‌ء منه فاسد ذكاه الذبح أو لم يذكه» «1».

فإنها و ان كانت ناظرة إلى حكم المانعية لا النجاسة الا أن تجويزها الصلاة في كل شي‌ء مما أحل اللّه اكله حتى بوله و روثه يدل على عدم نجاستهما أيضا و هي واضحة في الدلالة على ان ما أخذ في موضوع الحكم انما هو حلية الأكل و ان لا يكون مما قد نهينا عن أكله أو حرم علينا اكله، و لو فرض كونه غير متعارف الأكل. و حينئذ يقع التعارض بين إطلاقها و إطلاق ما دل على نجاسة بول ما لا يؤكل و بعد التساقط يرجع الى أصالة الطهارة.

فالصحيح هو طهارة بول و خرء غير المأكول من الحيوان المحلل شرعا.

و أما الناحية الثانية و هي في حكم بول الحمير و البغال و الخيل بلحاظ عناوينها.

فقد وقع الخلاف بين الأصحاب في نجاسة أبوالها بعد التسالم تقريبا على طهارة أرواثها استنادا الى عدة نصوص ادعى دلالتها على نجاسة أبوالها.

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 2 من لباس المصلى

 

 

 

29
بحوث في شرح العروة الوثقى3

و أما الناحية الثانية و هي في حكم بول الحمير و البغال و الخيل بلحاظ عناوينها. ؛ ج‌3، ص : 29

..........

______________________________
و الإنصاف أن هنا لك في الروايات الواردة بهذا الشأن ما لا ينبغي الاستشكال في تماميتها سندا و دلالة على التفصيل بين أبوال الخيل و البغال و الحمير و أرواثها. من قبيل رواية الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن أبوال الخيل و البغال، فقال: اغسل ما أصابك منه»
«1» و رواية أخرى عنه أيضا «عن أبي عبد اللّه (ع)، قال: لا بأس بروث الحمير و أغسل أبوالها» «2» و رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: «سألت أبا عبد اللّه عن الرجل يمسه بعض أبوال البهائم أ يغسله أم لا. قال:

يغسل بول الحمار و الفرس و البغل فأما الشاة و كل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله» «3».

نعم مثل رواية أبي مريم ما تقول في أبوال الدواب و أرواثها قال:

أما أبوالها فاغسل ما أصاب ثوبك و أما أرواثها فهي أكثر من ذلك» «4» و نحوها رواية عبد الأعلى «5».

لا يمكن أن يستفاد منها النجاسة و ذلك باعتبار ما جاء في ذيلها من قوله (ع) «و أما أرواثها فهي أكثر من ذلك» فإنه سواء حمل على التفصيل بين البول و الروث بأن يراد من الأكثرية الكثرة في الكم الموجب لعسر التجنب عنه، أو حمل- و لو بعيدا- على أن الروث أولى بالغسل باعتباره أكثر قذارة و أشد، كان شاهدا على عدم المحذور اللزومي في الغسل من البول أما على الأول فلوضوح أن مجرد الأكثرية لا تكون موجبة بحسب المناسبات العرفية لرفع اليد عن الحكم بالنجاسة إلا في الأحكام التنزيهية مما يجعل الأمر بالغسل عن البول ظاهرا في التنزه و أما على الثاني» فبعد البناء المتشرعي و التسالم فتوى و نصا على طهارة الروث من الحيوانات المذكورة لا يبقى للأمر بالغسل من البول الذي هو أقل محذورا من الروث‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات.

(2) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات.

(3) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات.

(4) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات.

(5) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات.


30
بحوث في شرح العروة الوثقى3

و ما يمكن أن يذكر لتخريج فتوى المشهور أحد طريقين. ؛ ج‌3، ص : 31

 

..........

______________________________
دلالة على غير التنزه و الاستحباب.

و مثلهما أيضا رواية محمد بن مسلم التي جاء فيها «فان لم تعلم مكانه فاغسل الثوب كله و ان شككت فانضحه» «1» حيث قد يقال إن المستفاد من أمره بالنضح في فرض الشك أن المحذور المراد التخلص عنه ليس محذور النجاسة اللزومية فإنها لا ترتفع بالنضح بل تزداد و تتسع و باعتبار وحدة السياق يفهم أن الأمر بالغسل في فرض العلم أيضا ليس لزوميا و لا أقل من صلاحيته للإجمال و عدم ظهوره في اللزوم.

و على أي حال. ففي الروايات الأولى الواضحة في الدلالة على نجاسة البول كفاية.

غير أن المشهور ذهبوا الى القول بالطهارة حيث لم ينقل القول بالنجاسة عن غير ابن جنيد (ره) و الشيخ (ره) في بعض كتبه من المتقدمين و صاحب الحدائق و المحقق الأردبيلي- رهما- من المتأخرين.

و ما يمكن أن يذكر لتخريج فتوى المشهور أحد طريقين.

الأول- ما أفاده السيد الأستاذ- دام ظله

بعد أن ناقش في سند بعض الروايات التي استدل بها لإثبات الطهارة من دعوى قيام السيرة القطعية على معاملة أبوال هذه الحيوانات و أرواثها معاملة الطاهر فلا بد من حمل ما يأمر بالغسل منها على التنزه.

و التحقيق: أن السيرة المدعاة في المقام بالإمكان تقريبها بأحد أنحاء‌

النحو الأول- أن يراد بها السيرة العملية لدى المتشرعة بما هم متشرعة

و يستند في ثبوت هذه السيرة في عصر الأئمة عليهم السلام الى قيامها في في العصور المتأخرة التي تعلم حالها مباشرة فيستكشف من قيامها في هذه العصور أنها كانت قائمة منذ عصر الأئمة، و عمل المتشرعة في ذلك العصر‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 9 من النجاسات

 

 

 

31
بحوث في شرح العروة الوثقى3

النحو الثاني ؛ ج‌3، ص : 32

 

..........

______________________________
يكشف إنا عن الدليل على الطهارة.

و هذا الطريق في إثبات السيرة عهدته على مدعيه. لأن تكون السيرة في زمان متأخر بمجرده و بدون ضم نكتة خاصة لا يكشف عن ذلك إذ قد يكون متأثرا بعوامل حادثة كانتشار الفتوى بالطهارة تدريجا و نحو ذلك لا الى انعقادها منذ عصر الأئمة عليهم السلام. و مما يؤيد ذلك ذهاب بعض العلماء المتقدمين إلى النجاسة- كما أشرنا إليه- فإنه لا يناسب استقرار السيرة القاطعة منذ ذلك الزمان على الطهارة.

النحو الثاني

ان يقال ان مقتضى الطبع العقلائي أو مقتضى شدة ابتلاء الناس بابوال الدواب و صعوبة التحرز عنها هو مساورتها، و كل ما توفرت الدوافع النوعية على الاقدام عليه لو كان ممنوعا شرعا لحصل الردع عنه و حيث لم يحصل ردع عن ذلك في المقام فيستكشف إمضاء ما يقتضيه طبع القضية من مساورة تلك الأبوال.

و هذا استدلال بالسيرة العقلائية، و لهذا يحتاج الى ضم دعوى عدم الردع بينما التقريب السابق استدلال بسيرة المتشرعة التي هي بنفسها دليل إنى على الطهارة.

و الجواب عليه، ان أوامر الغسل الواردة في الروايات صالحة للردع لو سلم اقتضاء طبع القضية للإقدام على مساورة تلك الأبوال.

النحو الثالث- ان يدعى ثبوت سيرة المتشرعة في عصر الأئمة (ع) على الطهارة

و لكن لا يستدل على هذه السيرة بقيامها في العصور المتأخرة كما هو الحال في النحو الأول بل ببيان آخر، و حاصله: ان هذه المسألة حيث انها كانت محل ابتلاء المتشرعة آنذاك كثيرا فلا بد و أن يكون الحكم فيها واضحا عندهم، كما هي العادة في المسائل التي يعم فيها الابتلاء و يكثر التعرض لها. و عليه نتساءل: ما هو الحكم الذي كان واضحا عندهم‌

 

 

 

32
بحوث في شرح العروة الوثقى3

النحو الثالث - ان يدعى ثبوت سيرة المتشرعة في عصر الأئمة(ع) على الطهارة ؛ ج‌3، ص : 32

..........

______________________________
و ثابتا في ارتكازهم؟ فان كان هو الطهارة ثبت المطلوب، و ان كان هو النجاسة فكيف نفسر ذهاب مشهور فقهاء الإمامية إلى الحكم بالطهارة رغم تظافر الروايات الآمرة بالغسل و المطابقة لارتكاز النجاسة المفترض. و بقدر ما يضعف احتمال ذهاب المشهور الى خلاف ارتكاز متشرعي عام متطابق مع روايات عديدة يقوى الظن بان الارتكاز كان منعقدا على الطهارة.

و لكن في قبال ضعف احتمال ذهاب المشهور الى خلاف ارتكاز متشرعي عام مطابق لعدد من الروايات يوجد استبعاد آخر و هو استبعاد قيام ارتكاز متشرعي عام على الطهارة مع ان الارتكازات تعتمد في نشوئها عادة على بيان الأئمة (ع). و ما وصلنا من بياناتهم مما يدل بظاهره على النجاسة لعله أضعاف ما وصل مما يدل على الطهارة.

و لكن هذا على اي حال ان أزال وثوقنا بانعقاد الارتكاز المتشرعي المعاصر للنصوص على الطهارة بنحو يمتنع الاستدلال بالسيرة مباشرة فلا يزيل احتمال ذلك بنحو معتد به. و هذا الاحتمال ينفع حينئذ لا في تتميم الاستدلال بالسيرة، بل في إيجاد الإجمال في البيانات الآمرة بالغسل المروية، لأن الارتكاز المذكور على تقدير ثبوته يصلح ان يكون بمثابة القرينة اللبية المتصلة للحمل على التنزه و الاستحباب فيكون احتماله من احتمال القرينة المتصلة. و احتمال القرينة المتصلة كاحتمال قرينية المتصل يوجب الإجمال عندنا حيث لا يكون المحتمل من سنخ القرائن اللفظية و نحوها مما تدخل في نطاق تعهد الراوي بنقلها و يعتبر عدم نقله لها شهادة بعدمها. و ذلك كما في القرائن اللبية الارتكازية التي لا يوجد من الراوي تعهد بالتعرض لها ليكون سكوته شهادة بعدمها.

اللهم الا أن يقال: ان بعض الروايات الدالة على النجاسة قوية الظهور في ذلك على نحو لا يصلح الارتكاز المفترض ان يكون قرينة على تأويل ظهورها أو إسقاط صراحتها. من قبيل ما يأتي مما دل على ان أبوالها كبول‌


33
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الثاني: تصحيح بعض ما يدل على الطهارة من الروايات. ؛ ج‌3، ص : 34

..........

______________________________
الإنسان، فإن حمل مثل هذا اللسان على التنزه بعيد جدا.

الثاني: تصحيح بعض ما يدل على الطهارة من الروايات.

من قبيل رواية أبي الأغر النحاس قال: «قلت لأبي عبد اللّه (ع) اني أعالج الدواب فربما خرجت بالليل و قد بالت وراثت فيضرب أحدها برجله فينضح على ثيابي فأصبح فأرى أثره فيه. فقال: ليس عليك شي‌ء» «1».

و هي واضحة الدلالة في نفي المحذور عن أبوالها و أرواثها، و الاشكال في سندها بابي الأغر النحاس يمكن دفعه بالتوثيق العام لمن يروى عنه أحد الثلاثة، فإنه قد روى عنه ابن ابى عمير و صفوان و الطريق صحيح. فتتم الرواية سندا و دلالة و بها يحمل الأمر بالغسل في الروايات الأخرى على التنزه و الاستحباب.

و منها رواية عبد اللّه بن ابى يعفور قال: «كنا في جنازة و قدامنا حمار فبال فجاءت الريح ببوله حتى صكت وجوهنا و ثيابنا فدخلنا على ابى عبد اللّه (ع) فأخبرناه، فقال: ليس عليكم بأس» «2».

و هي كسابقتها في الدلالة. كما ان الاشكال في سندها بالحكم بن مسكين يندفع برواية ابن ابى عمير و البزنطي عنه فتصح و تكون قرينة على حمل الأمر بالغسل على الاستحباب.

نعم هنا اشكال. و هو: أن هاتين الروايتين إذا صحتا لا تصلحان قرينة في مقابل رواية سماعة قال: «سألته عن أبوال السنور و الكلب و الحمار و الفرس قال: كأبوال الإنسان» «3».

لقوة ظهورها في النجاسة على نحو يكون حمل تشبيه بول الحمار ببول الإنسان على مجرد التنزه غير عرفي. و حينئذ تحصل المعارضة بين رواية سماعة و ما دل على الطهارة و بعد التساقط يمكن الرجوع الى الأوامر بالغسل في سائر الروايات. لأن تلك الأوامر لا تقع طرفا في هذه المعارضة لصلاحية ما دل على الطهارة للقرينية بالنسبة إليها، فتكون بمثابة العام الفوقي فتثبت النجاسة.

و قد يمكن التخلص عن ذلك بدعوى عدم تسليم التساقط و لزوم ترجيح روايات الطهارة لأنها مخالفة للعامة، و مع وجود المرجح العلاجي لا تصل النوبة إلى التساقط.

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات

(2) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات

(3) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات


34
بحوث في شرح العروة الوثقى3

حكم بول ما لا نفس سائلة له ؛ ج‌3، ص : 35

[حكم بول ما لا نفس سائلة له]

و كذا من حرام اللحم للذي ليس له دم سائل كالسمك المحرم و نحوه (1).

______________________________
(1) مما استثنى عن كبرى نجاسة بول ما لا يؤكل، ما لا نفس سائلة له.

و البحث فيه يقع تارة بلحاظ مقتضى النجاسة و إطلاقه له في نفسه، و اخرى بلحاظ ما نخرج به عن ذلك.

أما البحث عن المقتضى.

فالظاهر تمامية الإطلاق في روايات اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل فإنه شامل لكل حيوان لحمي محرم الأكل شرعا.

و لا وجه لدعوى الانصراف عما ليس له نفس سائلة منه. نعم الحيوان غير اللحمي قد أشرنا فيما سبق إلى انه لا يبعد انصراف العنوان المذكور عنه فالمقتضي لنجاسة بول مثل السمك المحرم تام. و اما الخرء منه فنجاسته مبنية على دعوى الملازمة المتقدمة، أو عدم القول بالفصل.

و اما البحث عن المانع الذي نرفع اليد به عن إطلاق دليل النجاسة

فيتمثل في إحدى روايتين.

الأولى: رواية حفص بن غياث

عن جعفر بن محمد عن أبيه- عليهما السلام- قال: «لا يفسد الماء الا ما كانت له نفس سائلة» «1».

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 35 من أبواب النجاسات


35
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الأولى: رواية حفص بن غياث ؛ ج‌3، ص : 35

..........

______________________________
و تقريب الاستدلال بها، هو دعوى إطلاقها لما إذا لاقى الماء مع بول أو خرء ما ليس له نفس سائلة. و فيه بقطع النظر عن الإشكال في سند الرواية الذي سوف يأتي حله في بعض الأبحاث المقبلة أنها لا تدل على المدعى فان تمام النظر فيها إلى حيثية فساد الماء بالحيوان أو بميتته من حيث كونه حيوانا ذا نفس أو ليس ذا نفس، فلا تكون الرواية في مقام بيان فساد الماء بنجاسة حيثيات الحيوان ذي النفس و عدم فساده بشي‌ء من حيثيات الحيوان غير ذي النفس كي يتمسك بالإطلاق فيها.

ثم، لو فرضنا إطلاقها تقع طرفا للمعارضة مع عموم نجاسة بول الحيوان غير المأكول بنحو العموم من وجه، فهل تقدم الرواية أو ذاك العموم؟

الصحيح، ان تقديمها على ذلك العموم موقوف على تمامية أحد وجهين:

الوجه الأول- دعوى حكومتها عليه بملاك النظر المستفاد من ظهور سياقها في الاستثناء بعد الفراغ عن ثبوت النجاسة في الجملة بنحو القضية المهملة.

الوجه الثاني- دعوى ان هذه الرواية أخص مطلقا من مجموع أدلة نجاسة الميتة و أدلة نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه، لان تقديم هذا المجموع عليها يوجب إلغاءها. و حينئذ، فتارة نقول بأن أخصية دليل من مجموع دليلين توجب صلاحيته للقرينية عليهما و تقدمه عليهما معا بلحاظ أن الأخص من مجموع الدليلين لو فرض اتصالهما و اتصاله بهما لكان صالحا للقرينية على تقييد كل منهما، و كل ما كان كذلك في فرض الاتصال فهو موجب لهدم الحجية و التقدم بالقرينية في فرض الانفصال. و اخرى، نقول: بان الدليل الأخص من مجموع دليلين يستحق التقدم بملاك الأخصية على المجموع بما هو مجموع لا على الجميع، و بعد التقديم على المجموع يحصل التعارض بين إطلاق الدليلين المكونين للمجموع الأعم.

فعلى الأول تقدم الرواية على كل من دليلي نجاسة الميتة و نجاسة البول‌


36
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الرواية الثانية - موثقة عمار الساباطي ؛ ج‌3، ص : 37

..........

______________________________
ابتداء. و على الثاني تقدم الرواية على مجموع الدليلين لا جميعهما، و تقع المعارضة بعد ذلك بين إطلاق دليل نجاسة الميتة و إطلاق دليل نجاسة البول فيتساقطان و تكون النتيجة هي الطهارة أيضا.

الا أن جعل المعارضة بين الرواية و مجموع دليلي نجاسة الميتة و نجاسة البول يتوقف أولا، على افتراض وجود إطلاق في كل من الدليلين. مع إمكان نفي الإطلاق في أدلة نجاسة الميتة لمثل ميتة السمك و نحوها مما لا نفس له سائلة، كما سيأتي. و ثانيا: بعد فرض تسليم الإطلاق في كل منهما، على ان تكون نسبة الرواية الى كل من الإطلاقين على حد واحد، مع أن الرواية صريحة في نفي نجاسة الميتة، فإطلاق دليل نجاسة الميتة ساقط على كل حال و ليس الأمر دائرا بين سقوطه و سقوط إطلاق دليل نجاسة البول.

الرواية الثانية- موثقة عمار الساباطي

عن أبي عبد اللّه (ع) قال «سئل عن الخنفساء و الذباب و الجراد و النملة و ما أشبه ذلك يموت في البئر و الزيت و السمن و شبهه؟ قال: كل ما ليس له دم فلا بأس» «1» و تقريب دلالتها: أنها نفت البأس عن موت ما ليس له نفس و تفسخه في شبه الزيت و السمن من المائعات فتدل على طهارته و طهارة ما في جوفه من البول أو سائر الفضلات «2».

و يرد عليه: ان المنفي عنه البأس في قوله (كل ما ليس له دم فلا بأس) اما ان يكون هو الميت من الحيوان بمعنى ان كل ما ليس له دم فلا بأس بميتته. و اما ان يكون هو موت الحيوان في الزيت و السمن بمعنى انه لا بأس بموت الحيوان الذي ليس له دم في الزيت و نحوه. فعلى الأول تكون الرواية بمدلولها المطابقي دالة على نفي النجاسة عن الميتة الواقعة في‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 35 من أبواب النجاسات

(2) التنقيح ص 418 ج 1


37
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الرواية الثانية - موثقة عمار الساباطي ؛ ج‌3، ص : 37

..........

______________________________
الزيت التي ليس لها دم، و لا تكون ناظرة إلى نفي النجاسة عن بولها و خرئها.

و لا معنى للتمسك بإطلاقها لصورة تفسخ الميتة و اشتمالها على البول و الخرء لأن الإطلاق انما يقتضي تعميم ما هو المنظور و المقصود بالإفادة في الرواية و هو طهارة الميتة لا طهارة شي‌ء آخر. نعم لو ثبتت الملازمة العادية أو الغالبية بين اشتمال الزيت على الميتة و تفسخها و ظهور مدفوعها بولا و خرءا أمكن جعل الرواية دليلا بالالتزام على طهارة المدفوع لئلا يلزم كون الحكم بالطهارة و نفى البأس جهتيا محضا. و لكن هذه الملازمة غير ثابتة خصوصا ان مورد الرواية هو الذباب، و الجراد و نحوهما.

و أما على الثاني، فمن الواضح ان موت ما ليس له دم في الزيت بما هو ليس مما يحتمل كونه محذورا و انما يحتمل كونه منشأ للمحذور فنفى البأس يعنى نفى نشوء محذور منه. فان ادعى انصراف هذا المحذور المنفي إلى محذور الميتة فالأمر كما تقدم. و ان أنكرنا هذا الانصراف و تمسكنا بالإطلاق أمكن تتميم الاستدلال في المقام.

و هكذا يتضح عدم وجود ما يمكن ان يخرج به عن إطلاق دليل نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه من الحيوان غير ذي النفس السائلة، و ان كانت الشهرة منعقدة على الطهارة فيكون الحكم بالنجاسة هو الأحوط.


38
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 1) حكم الملاقاة في الداخل ؛ ج‌3، ص : 39

 

(مسألة- 1) [حكم الملاقاة في الداخل]

ملاقاة للغائط في للباطن لا توجب للنجاسة كالنوى الخارج من الإنسان أو الدود الخارج منه إذا لم يكن معه شي‌ء من للغائط، و ان كان ملاقيا له في الباطن. نعم لو ادخل من الخارج شيئا فلاقى للغائط في للباطن كشيشة الاحتقان ان علم ملاقاتها له الأحوط الاجتناب عنه، و اما إذا شك في ملاقاته فلا يحكم عليه بالنجاسة، فلو خرج ماء الاحتقان و لم يعلم خلطه في للغائط و لا ملاقاته له لا يحكم بنجاسته (1).

______________________________
(1) بعد الفراغ عن تنجس الملاقي مع النجس في الخارج يقع البحث عن النجاسة الداخلية و الملاقاة في الداخل. و تحقيق هذه المسألة يقع في جهات:

الاولى: فيما إذا كان النجس الملاقي- بالفتح- داخليا بالمعنى الأخص أي على نحو لا يمكن إدراكه و الوصول إليه عادة، كالبول في المثانة و نحو ذلك. و الظاهر في مثل ذلك عدم انفعال الملاقي- بالكسر- سواء كان داخليا أو خارجيا، و ذلك لعدم ثبوت نجاسة تلك الأعيان في حالة كونها داخلية لكي يترتب على ذلك انفعال الملاقي لها. لأن أدلة نجاسة النجاسات كالبول و الغائط و الدم و غيره لم تدل عليها بعناوينها المطلقة المنطبقة على مصداقها في الداخل أيضا و انما هي روايات خاصة واردة كلها في موارد النجاسات في الخارج و ليس لها إطلاق للمصداق الداخلي المذكور، و لا يقتضي الارتكاز العرفي التعدي و إلغاء الخصوصية لاحتمال الفرق عرفا بين الداخلي و الخارجي على حد الفرق بين ماء الريق و البصاق، و عليه فلا مقتضى لنجاسة الملاقي في مثل ذلك بل مقتضى القاعدة الطهارة سواء كان الملاقي داخليا أو خارجيا.

و قد يستدل على طهارة الملاقي الداخلي بالخصوص بتقريبات اخرى

كما في كلمات السيد الأستاذ- دام ظله.

منها- الاستناد الى ما دل على طهارة المذي أو البلل الخارج من فرج المرأة «1»

فإنه يلاقي مجرى البول و الدم و المنى فلو كانت ملاقاة شي‌ء من ذلك موجبة لنجاسة مواضعها الداخلية لكان البلل الملاقي لتلك المواضع محكوما عليه بالنجاسة لا محالة.

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 55 من أبواب النجاسات

 

 

 

39
بحوث في شرح العروة الوثقى3

و منها - الاستناد الى ما دل على عدم وجوب غسل ما عدا الظاهر في الاستنجاء و في دم الرعاف، ؛ ج‌3، ص : 40

و منها- الاستناد الى ما دل على عدم وجوب غسل ما عدا الظاهر في الاستنجاء و في دم الرعاف،

______________________________
ففي رواية إبراهيم بن ابى محمود «انما عليه ان يغسل ما ظهر منه»
«1» مع ان البواطن ملاقية للدم و الغائط و هذا يدل على عدم انفعالها.

و منها- أن النجاسة تستفاد من الأمر بغسلها

و لم يرد أمر بغسل البواطن فيستكشف من ذلك عدم انفعالها بالملاقاة «2».

أما التقريب الأول، فهو لا يثبت عدم انفعال الملاقي الداخلي و انما يثبت- على أفضل تقدير- إنه على فرض انفعاله ليس مما تبقى نجاسته بعد انفصاله عن عين النجاسة و زوالها عنه. و هذا متيقن على اي حال سواء قيل بالنجاسة أو لا، للفراغ عن ان البواطن إذا لاقت مع النجاسة لا تحتاج الى غسل لكي تطهر فأي محذور في فرض نجاسة المجرى بالملاقاة للبول و ارتفاع النجاسة عنه بزوال عين النجاسة عنه، بل في فرض نجاسة الرطوبة الخارجة نفسها عند ملاقاتها للبول و زوال النجاسة عنها بانفصالها عن البول.

و الحاصل ان تنجس الباطن بالملاقاة شي‌ء و عدم بقاء النجاسة بعد انفصال عين النجاسة شي‌ء آخر، و ما يثبت بالتقريب المذكور الثاني و ما يراد نفيه الأول.

فإن قيل: ان مقتضى إطلاق دليل طهارة البلل الخارج من فرج المرأة طهارته و لو كان المجرى متلوثا بالبول فعلا و هذا يعنى عدم انفعاله بملاقاة البول و هو المراد.

قلنا: ان الإطلاق المذكور لو سلم لا ينفى انفعال البلل عند ملاقاته للبول، غاية الأمر أنه يطهر بانفصاله عن عين النجاسة باعتباره شيئا باطنيا‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 24 من أبواب الماء المطلق

(2) التنقيح الجزء الأول ص 420


40
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الجهة الثانية: فيما إذا كان النجس داخليا بالمعنى الأعم ؛ ج‌3، ص : 41

..........

______________________________
ما لم يخرج فيكون زوال العين عنه من المطهرات، و هذا غير عدم الانفعال رأسا. هذا على أن دليل طهارة البلل المذكور ناظر مطابقة الى نفي النجاسة الذاتية و لا ينفى فرض النجاسة العرضية أحيانا. نعم لو التزم بنجاسته العرضية غالبا للزم حمل دليل الطهارة على أمر جهتي و حيثي غير مفيد في مقام العمل و هو خلاف ظاهر الدليل، فبدلالة الاقتضاء العرفية تنفى النجاسة العرضية أيضا بمقدار يخرج به مفاد الدليل عن كونه مجرد أمر جهتي غير عملي، و يكفي في ذلك الالتزام بعدم النجاسة العرضية في موارد عدم العلم بالملاقاة مع البول في الداخل و ان علم بالملاقاة مع المجرى لان المجرى لو تنجس يطهر بزوال العين.

و اما التقريب الثاني، فيرد عليه: أن نفي الأمر بغسل البواطن كما قد يكون بنكتة طهارة تلك الأشياء الداخلية و عدم تنجس البواطن كذلك قد يكون بنكتة أن نجاسة البواطن غير مضرة بالوظائف العملية الشرعية لأن المطلوب في الصلاة طهارة الظاهر فقط.

و اما التقريب الثالث ففيه ان نجاسة الباطن على تقدير ثبوتها لا إشكال في عدم احتياجها في مقام التطهير الى الغسل لكفاية زوال العين في طهارتها فلا يمكن ان يستكشف من عدم ورود أمر بغسل البواطن انها لا تتنجس أصلا.

فالعمدة في إثبات عدم النجاسة الرجوع الى الأصل بعد قصور أدلة النجاسات عن الشمول للبول و الدم الداخليين و أمثالهما.

الجهة الثانية: فيما إذا كان النجس داخليا بالمعنى الأعم

من قبيل الدم المتكون في فضاء الفم أو في داخل الأنف و كان الملاقي داخليا أيضا كالأسنان الملاقية لذلك الدم. و في مثل ذلك إذا منعنا من إطلاق أدلة نجاسة الدم و نحوه لمثل هذا المصداق الداخلي أيضا فلا إشكال في عدم الانفعال، و إذا سلمنا بالإطلاق المذكور فلا موجب أيضا للحكم بانفعال الملاقي لأن الحكم‌


41
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الجهة الثالثة: فيما إذا كان النجس خارجيا و كان الملاقي باطنيا و لو بالمعنى الأعم، ؛ ج‌3، ص : 42

..........

______________________________
بانفعاله انما يثبت بإطلاقات الأمر بالغسل و حيث ان من المفروغ عنه في البواطن عدم توقف طهارتها على الغسل و كفاية زوال العين في ارتفاع النجاسة عنها على تقدير انفعالها فلا تشملها الإطلاقات المزبورة، و مع عدم الشمول لا يبقى دليل على انفعال البواطن بالملاقاة، فيرجع الى القاعدة المقتضية للطهارة:

الجهة الثالثة: فيما إذا كان النجس خارجيا و كان الملاقي باطنيا و لو بالمعنى الأعم،

و في مثل ذلك لا إشكال في نجاسة الملاقي- بالفتح- لغرض كونه خارجيا، و لكن لا دليل على انفعال الباطن بملاقاته لنفس التقريب السابق حيث ان دليل الانفعال هو إطلاقات الأمر بالغسل و هي غير شاملة للبواطن حتى لو قيل بانفعالها بالملاقاة فلا يبقى دليل على تنجس الباطن بالملاقاة.

الجهة الرابعة: فيما إذا كان النجس داخليا بالمعنى الأعم

كما فرض في الجهة الثانية و كان الملاقي خارجيا، كما إذا أدخل الإنسان إصبعه إلى فمه فلاقى مع الدم في الداخل و لم يعلق به شي‌ء منه عند إخراجه و ثبوت التنجيس هنا موقوف على أمرين:

أحدهما، شمول دليل نجاسة الدم للدم الداخلي بالمعنى الأعم. و الآخر، عدم الفرق في الملاقاة المنجسة بين الملاقاة الواقعة في الخارج و الملاقاة الواقعة في الداخل. و الأمر الثاني تام على ما يأتي، و انما الكلام في الأمر الأول، إذ قد يقال: ان دليل نجاسة الدم كما يكون قاصراً عن الشمول للدم الداخلي بالمعنى الأخص كذلك يقصر عن الشمول للدم الداخلي بالمعنى الأعم. و قد يقال: بأن إطلاقات روايات الأمر بغسل ما اصابه الدم كافية لإثبات نجاسة الدم المفروض في المقام و انفعال الأمر الخارجي بملاقاته، إذ يصح ان يقال حين يدخل الشخص إصبعه في فمه فيلاقى الدم ان إصبعه اصابه الدم فتشمله إطلاقات الأمر بالغسل. و لكن الإنصاف، أن الحصول على إطلاقات تشمل محل الكلام في غاية الإشكال لأن الروايات التي فرض فيها‌


42
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الجهة الخامسة: فيما إذا كان الملاقي و الملاقي معا خارجيين ؛ ج‌3، ص : 43

..........

______________________________
ان الثوب و نحوه اصابه الدم مسوقة على الأكثر لبيان حكم طولي بعد الفراغ عن النجاسة، من قبيل الحكم بوجوب الإعادة على من صلى في ذلك الثوب و عدم وجوبها. و يأتي في بحث نجاسة الدم الاستشكال في أصل وجود إطلاق يدل على نجاسة كل دم فضلا عن أن يشمل الدم الداخلي. و لعل أحسن ما يدعى هناك من إطلاق قوله في موثقة عمار: «الا ان ترى في منقاره دما فلا تتوضأ و لا تشرب»
«1» و من الواضح ان هذا الإطلاق لو تم شموله لكل دم خارجي فلا يشمل محل الكلام.

الجهة الخامسة: فيما إذا كان الملاقي و الملاقي معا خارجيين

غير ان ظرف ملاقاتهما كان في الباطن، كما لو أدخل الإنسان إصبعه النجس الى فمه فلاقى مع إصبعه الآخر داخل فضاء الفم.

و الحكم بعدم التنجيس هنا موقوف على ان تتم دعوى احتمال الفرق عرفا بين الملاقاة بين شيئين في الخارج و الملاقاة بينهما في الداخل، بعد افتراض عدم الإطلاق اللفظي في أوامر الغسل. و كلا المطلبين محل تأمل بل منع. إذ لا وجه للمنع عن إطلاق الأمر بالغسل في رواية عمار لكل ما اصابه ذلك الماء من الأمور الخارجية سواء كانت الإصابة في الخارج أو الداخل. كما ان دعوى إلغاء العرف خصوصية الخارج و كون الملاقاة في هذا المكان أو ذاك لا غبار عليها.

لا يقال: هذا الارتكاز مناقض بارتكاز عدم الفرق بين ملاقاة الخارجيين في الباطن كملاقاة الإصبع مع دم محمول الى جوف الفم من الخارج و بين ملاقاة الخارجي مع الدم الداخلي في جوف الفم التي حكم فيها بعدم الانفعال كالدم الخارج من الأسنان فان كليهما بحسب النظر العرفي من سنخ واحد، و لعله اليه استند من أفتى بالطهارة في هذه الجهة.

فإنه يقال- أولا: انه يوجد احتمال الفرق بينهما، لما تقدم من اختلاف النظر العرفي في باب الاستقذارات بين المادة الخارجة عن موطنها و غير الخارجة.

و ثانيا: لو سلم ارتكاز عدم الفرق فهو يقتضي الحكم بالنجاسة في الصورتين لا الطهارة، لوضوح ان الحكم بالطهارة في المسألة الثانية لم يكن من جهة قيام الدليل عليه و انما كان من جهة عدم الدليل المثبت للنجاسة فلو فرضت الملازمة عرفا بينهما كانت أوامر الغسل دالة على النجاسة في المسألتين معا كما هو واضح.

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 4 من الأسئار


43
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 2) لا مانع من بيع البول و الغائط من مأكول اللحم(1) ؛ ج‌3، ص : 44

(مسألة- 2) لا مانع من بيع البول و الغائط من مأكول اللحم (1)

و اما بيعهما من غير المأكول فلا يجوز (2) نعم يجوز الانتفاع بها في للتسميد و نحوه (3).

______________________________
(1) تمسكا بإطلاقات أدلة حلية البيع بعد فرض وجود المالية بلحاظ بعض المنافع المحللة، أو فرض إنكار دخل المالية في مفهوم البيع، أو تمسكا بإطلاقات صحة العقود و التجارات لو سلم تقوّم عنوان البيع بالمالية و عدمها في المقام، و لا مقيد لكل تلك الإطلاقات إلا النبوي المرسل «إذا حرم اللّه أكل شي‌ء حرم ثمنه
«1» و هو ساقط عن الحجية. و تفصيل الكلام في ذلك موكول الى محله.

(2) اما للإجماع، أو لعدم المالية، أو لقيام دليل على عدم جواز بيع النجس بعنوانه، أو للملازمة بين تحريم الشي‌ء و تحريم ثمنه المستفادة من النبوي المرسل، أو للروايات الخاصة المانعة في العذرة المبتلاة بالمعارض.

و كل هذه الوجوه لا يمكن التعويل عليها كما حققناه في محله، فالظاهر جواز بيعهما.

(3) لعدم تمامية ما استدل به المانعون على عدم جواز الانتفاع بالنجس و لو تم الدليل على ذلك لاقتضى سلب المالية عنه و بطلان بيعه و الصحيح عدم وجود دليل يقتضي المنع من سائر الانتفاعات بالنجس على نحو يحتاج جواز الانتفاع الى مخصص بل الأصل جواز الانتفاع الا حيث يقوم دليل على حرمته و لم يقم دليل على ذلك في المقام. و تفاصيل هذه المسائل موكولة إلى محلها.

______________________________
(1) المستدرك باب 6 من أبواب ما يكتسب به


44
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 3) حكم الشك في الحيوان ؛ ج‌3، ص : 45

 

(مسألة- 3) [حكم الشك في الحيوان]

إذا لم يعلم كون حيوان معين انه مأكول اللحم أولا لا يحكم بنجاسة بوله و روثه (1).

______________________________
(1) تارة يكون الشك في نجاسة البول و الخرء من جهة الشك في كون الحيوان شاة فيكون مأكول اللحم أو ذئبا فلا يكون مأكولا، و هذه شبهة موضوعية. و اخرى يكون من جهة الشك في ان الحيوان المتولد من أبوين حلال و حرام هل يلحق بالحرام أو الحلال و هذه شبهة حكمية من حيث حلية اللحم و حرمته و ان كانت بلحاظ النجاسة قد يتراءى أنها شبهة موضوعية دائما لدليل نجاسة بول غير المأكول، غير انه سوف يتضح انه ليس بصحيح على إطلاقه.

و تفصيل الكلام في هذا الفرع: أنا تارة نفترض أخذ عنوان غير المأكول في دليل النجاسة بنحو المعرفية إلى العناوين التفصيلية من الحيوان المحرم، و أخرى نفترضه بنحو الموضوعية فالبحث يقع على تقديرين.

الأول: ما لو كان عنوان غير المأكول مأخوذا بنحو المعرفية إلى العناوين التفصيلية للحيوان،

(2) فوقع الشك في حلية لحم حيوان و حرمته بنحو الشبهة الموضوعية أو الحكمية. و البحث على هذا التقدير على مستوى الأصل اللفظي‌

 

 

 

45
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الأول: ما لو كان عنوان غير المأكول مأخوذا بنحو المعرفية إلى العناوين التفصيلية للحيوان، ؛ ج‌3، ص : 45

..........

______________________________
تارة و الأصل العملي اخرى.

اما الأصل اللفظي ففيما إذا كانت الشبهة موضوعية من جهة تردد الحيوان بين الشاة و الذئب مثلا، لا يوجد أصل لفظي يمكن ان يثبت به النجاسة أو الطهارة، لأن الشك في موضوع دليل النجاسة فلا يمكن التمسك به.

و اما إذا كانت الشبهة حكمية من جهة تردد الحيوان بين اللحوق بالحرام أو الحلال من أبويه، فالشبهة تكون حكمية أيضا بلحاظ دليل نجاسة غير المأكول لأن موضوعه واقع الحيوان غير المأكول من الذئب و السبع و نحوه، كما إذا قال اغسل من أبوال الكلب و الذئب و السبع.

و حينئذ إن تم مطلق فوقاني على نجاسة كل بول و خرج عنه بول المأكول، كان المقام من موارد الشك في التخصيص الزائد بعد إجمال المخصص المنفصل. فيتمسك فيه بالعام لإثبات النجاسة.

و إذا منعنا عن وجود مطلق فوقانى و كان المطلق الثابت في حدود غير المأكول من الحيوان أصبح المقام من موارد الشك في شمول العام و إجماله بالنسبة للمشكوك، فلا يمكن التمسك به لإثبات النجاسة.

و اما الأصل العملي فلا يفيد لإثبات الطهارة أو نفي النجاسة إجراء استصحاب عدم الحرمة بنحو العدم الأزلي الثابت قبل وجود الحيوان- على القول به في الاعدام الأزلية- أو إجراء أصالة الحل، إذ المفروض عدم ترتب الحكم على عنوان الحرام أو الحلال.

بل التحقيق ان يقال: ان الشك ان كان من جهة الاشتباه الخارجي و تردد الحيوان بين ان يكون ذئبا أو شاة، أمكن إجراء استصحاب عدم كونه ذئبا لنفي موضوع النجاسة لو كان دليل نجاسة البول موضوعه ما يحرم اكله بالخصوص، أو استصحاب عدم كونه شاة لإثبات موضوع‌


46
بحوث في شرح العروة الوثقى3

التقدير الثاني: أن يكون عنوان غير المأكول مأخوذا بنحو الموضوعية في دليل النجاسة ؛ ج‌3، ص : 47

 

..........

______________________________
النجاسة لو كان موضوعه مطلق البول خرج منه ما يحل اكله.

و قد يتوهم: عدم جريان هذه الاستصحابات للإعدام الأزلية في المقام على أساس أن المشكوك عنوان ذاتي و ليس عرضيا، بناء على التفصيل في جريان استصحاب العدم الأزلي بين العناوين الذاتية و غيرها.

و يندفع هذا التوهم: بأن موضوع الحكم هو العنوان العرفي للذئب و الشاة مثلا، و لا شك في تقومه بجملة من الخصوصيات العرضية القابلة لاستصحاب العدم الأزلي حتى عند من يقول بالتفصيل المذكور.

و اما إذا كانت الشبهة من جهة الشك في حلية الحيوان المتولد من أبوين مختلفين- و المفروض عدم تخصيل دليل اجتهادي على الحلية إثباتا و نفيا- فبالامكان إثبات الحكم بالطهارة باستصحاب عدم نسخها الثابت في أول عصر التشريع حيث امضى ما كان على العرف و العقلاء أولا ثم استثنى عنه شيئا فشيئا. بناء على ان لا يكون هنالك استقذار عرفي لبول الحيوان المتولد على نحو يمنع عن استفادة إمضاء الحكم بالطهارة.

و اما التمسك بأصالة الطهارة فسوف نبحث عن تماميتها في التقدير الآتي.

التقدير الثاني: أن يكون عنوان غير المأكول مأخوذا بنحو الموضوعية في دليل النجاسة

و البحث هنا أيضا فيما تقتضيه الأدلة الاجتهادية تارة، و الأصل العملي اخرى.

اما الدليل الاجتهادي،

فقد يقال فيه بأن التمسك بمطلقات نجاسة البول الفوقانية- بناء على القول بها- متعذر حتى لو كانت الشبهة في حلية الحيوان و حرمته حكمية، لأن الشبهة بلحاظ ما هو موضوع نجاسة البول و طهارته مصداقية بين العام و مخصصة، لأن الحرمة و الحلية موضوعان للنجاسة و الطهارة.

و لكن الصحيح إمكان التمسك بعموم نجاسة البول- لو تم في نفسه-

 

 

 

47
بحوث في شرح العروة الوثقى3

و أما الأصل العملي. ؛ ج‌3، ص : 48

..........

______________________________
إذا كانت الشبهة في حرمة الحيوان و حليته حكمية- كما في المتولد من أبوين مختلفين- و ذلك بناء على ما سلكناه و حققناه في الأصول من جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لمخصصه فيما إذ كانت شبهة حكمية في نفسها
«1» و في المقام. الشك في حلية الحيوان و حرمته شبهة حكمية في نفسها و ان كانت مصداقية بلحاظ العام المخصص فيجوز التمسك فيها بالعام.

غير أن هذا البيان موقوف على ان يكون دليل نجاسة البول قد دل على ذلك بالعموم لا بالإطلاق فإنا إنما صححنا التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لمخصصه في العمومات دون المطلقات. مع انك عرفت عدم تمامية ما يدل على نجاسة البول بالإطلاق فضلا عن العموم. و عليه فلا أصل على مستوى الأدلة الاجتهادية يمكن التمسك به لإثبات النجاسة أو الطهارة في المقام.

و أما الأصل العملي.

فإن كانت الشبهة حكمية كالحيوان المتولد من حلال و حرام، فان فرض وجود عموم يدل على حلية كل حيوان أو حرمته الا ما خرج بالتخصيص كان هو المرجع و به يتنقح موضوع دليل الطهارة أو النجاسة. و ان لم يكن هناك عموم من ذلك القبيل فالمرجع استصحاب عدم الحرمة الثابت و لو في صدر التشريع، بناء على جريان استصحاب عدم النسخ، و به يتنقح موضوع نفي النجاسة أو الحكم بالطهارة، و لو لم على جريان استصحاب عدم النسخ كان المرجع أصالة الحل و حيث أنها أصل تنزيلي فيترتب عليها آثار الحلية الواقعية التي منها طهارة المدفوع.

نعم لو لم نبن على تنزيليتها، أو بنينا على أصالة الاحتياط في اللحوم تعذر تنقيح موضوع الحكم بالطهارة بالأصل و تعين الرجوع الى أصل حكمي كأصالة الطهارة على تقدير جريانها في أمثال المقام على ما سنشير اليه.

______________________________
(1) راجع الجزء الأول من هذا الكتاب هامش ص 45


48
بحوث في شرح العروة الوثقى3

و أما الأصل العملي. ؛ ج‌3، ص : 48

..........

______________________________
و ان كانت الشبهة موضوعية، فإن فرض وجود عموم يدل على حرمة كل حيوان و خرج منه بالتخصيص ما خرج أمكن إجراء استصحاب العدم الأزلي لعنوان المخصص كاستصحاب عدم الغنيمة مثلا، و بذلك يثبت موضوع الحرمة و في طول ذلك يثبت موضوع النجاسة، و إن فرض وجود عموم يدل على حلية كل حيوان، خرج منه بالتخصيص ما خرج أمكن إجراء استصحاب العدم الأزلي لعنوان المخصص كاستصحاب عدم السبعية مثلا و بذلك يثبت موضوع الحلية و في طول ذلك تثبت الطهارة. و ان فرض عدم العموم من الطرفين و انما دل الدليل على حلية بعض الحيوانات و حرمة بعضها فالمرجع حينئذ استصحاب عدم الحرمة بنحو العدم الأزلي أو أصالة الحل، و في كيفية إثبات الطهارة و نفي النجاسة بهما اشكال حتى مع فرض أصالة الحل أصلا تنزيليا، لان اجراءهما في شخص هذا الفرد المشكوك يثبت حليته الواقعية تعبدا، فان كان موضوع نفي النجاسة عدم حرمة الحيوان شخصا ثبت هذا الموضوع و اما إذا كان الموضوع عدم حرمته نوعا اي عدم كونه من نوع محرم فلا يثبت هذا الموضوع بإجراء الأصل في شخص هذا الحيوان، بل لا بد من محاولة إجراءه حينئذ في نوع هذا الفرد المردد على إجماله و تردده بين ما هو معلوم الحلية و ما هو معلوم الحرمة فإن منع عن مثل ذلك في أصالة الحل أيضا كما يمنع عن استصحاب المردد تعين الرجوع الى الأصول الحكمية كاستصحاب عدم النجاسة الأزلي و كأصالة الطهارة في مدفوع الحيوان المشكوك، بناء على جريان القاعدة في موارد الشك في النجاسة الذاتية و في حالة كون المشكوك النجاسة من أول الأمر. و قد مر تحقيق ذلك مفصلا في مباحث قاعدة الطهارة في الجزء الثاني من هذا الشرح
«1».

______________________________
(1) راجع الجزء الثاني ص 199


49
بحوث في شرح العروة الوثقى3

و تحقيق الكلام في حكم أكل لحم الحيوان المشكوك: ؛ ج‌3، ص : 50

و ان كان لا يجوز أكل لحمه بمقتضى الأصل (1)

______________________________
(1) لأن الأصل سواء أريد به أصالة الاحتياط في اللحوم أو استصحاب الحرمة الثابتة قبل الذبح لا يثبت الحرمة الذاتية الواقعية و لو تعبدا لكي يكون منقحا لموضوع الحكم بالنجاسة، اما أصالة الاحتياط فواضح، لان مفادها وجوب الاحتياط و هو لا يثبت الحكم الواقعي و لو تعبدا، و اما الاستصحاب المذكور فلأنه يثبت الحرمة الفعلية بعد ذبح الحيوان و لا يثبت كونها حرمة بعنوانه الذاتي الا من باب الملازمة و الأصل المثبت.

و تحقيق الكلام في حكم أكل لحم الحيوان المشكوك:

أنه لو أحرز قابليته للتذكية و شك في حليته و حرمته الذاتية فالمرجع العملي أصالة الإباحة سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية. و المرجع الاجتهادي عمومات و إطلاقات الحل إذا كانت الشبهة حكمية من قبيل قوله تعالى قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ. إلخ «1». و لا يوجد في مقابل الرجوع الى أصالة الإباحة إلا دعوى تخصيص أدلتها بأصالة الحرمة في اللحوم أو دعوى حكومة استصحاب الحرمة الثابتة حال الحياة قبل تذكيته فإنه كان محرما قبل التذكية على أي حال و يشك في زوال تلك الحرمة بالتذكية فتستصحب حرمته.

اما الدعوى الاولى

فلا دليل عليها لعدم ثبوت أصالة الحرمة في اللحوم بدليل معتبر ليخصص به عموم أصالة الحل.

و اما الدعوى الثانية، فقد يورد عليها بوجوه.

الأول

ان الحرمة المعلومة حال حياة الحيوان كانت بعنوان عدم التذكية و المفروض قابلية الحيوان لها و وقوعها، و معه يقطع بارتفاع تلك الحرمة بارتفاع موضوعها فيمتنع استصحابها «2».

______________________________
(1) الانعام: 145

(2) التنقيح ج 1 ص 437


50
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الثاني ؛ ج‌3، ص : 51

..........

______________________________
و التحقيق ان حيثية عدم التذكية المأخوذة في موضوع الحرمة المجعولة على هذا العنوان اما ان تكون حيثية تعليلية عرفا غير مكثرة للموضوع و اما ان تكون حيثية تقييدية و موجبة لتعدد الموضوع، فعلى الثاني يمتنع جريان الاستصحاب لأجل عدم وحدة الموضوع. و على الأول يكون الموضوع واحدا و بوحدته تعتبر الحرمة المشكوكة بقاء للحرمة المعلومة و ان كان كل منهما مجعولا بجعل مغاير لجعل الآخر، لأن مناط الحدوث و البقاء في استصحاب المجعول انما هو الموضوع الذي له حدوث و بقاء و يكتسب المجعول بتبعه الحدوث و البقاء فالمجعول إذا لوحظ في عالم وجود الموضوع فلا يتعدد بتعدد الجعل بل بتعدد الموضوع و الجعل يرى عرفا كحيثية تعليلية لوجوده على موضوعه و المفروض وحدة الموضوع في المقام. و إذا لوحظ في عالم الجعل فليس له حدوث و بقاء أصلا في هذا العالم و لا معنى لإجراء استصحابه بلحاظ هذا العالم. و بتعبير آخر: أن المجعول إذا لوحظ وجوده الحقيقي بالذات الثابت بنفس الجعل فلا محالة يتعدد و يتغاير بتعدد الجعل و تغايره و لكنه بهذا اللحاظ لا يتصور له حدوث و بقاء فلا يمكن اجراء الاستصحاب في الشبهات الحكمية بهذا اللحاظ، و إذا لوحظ ما للمجعول من نحو ثبوت تابع لفعلية وجود موضوعه فهذا النحو من الثبوت يتصف بالحدوث و البقاء تبعا لاتصاف الموضوع بذلك و هذا النحو من الثبوت يكون الجعل بالنسبة إليه بمثابة الحيثية التعليلية فلا يتغاير و يتعدد بتعدد الجعل بل بتعدد الموضوع فمع تعدد الجعل تنحفظ الوحدة في الحرمة المجعولة و يجرى استصحابها كما هو الحال فيما إذا كان بياض جسم ثابتا حدوثا بعلة و احتمل بقاؤه بعلة أخرى فيجري استصحابه.

الثاني

ان الاستصحاب المذكور من القسم الثالث من استصحاب الكلي و ذلك لأن الحرمة المحتملة التي يراد تنجيزها بالاستصحاب هي الحرمة‌


51
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الثاني ؛ ج‌3، ص : 51

..........

______________________________
الذاتية، و من الواضح أنها على تقدير ثبوتها تكون موجودة من أول الأمر مع وجود الحرمة الأخرى التي كانت ثابتة بعنوان عدم التذكية و متى كان المشكوك على تقدير وجوده ثابتا من أول الأمر على نحو يكون معاصرا للمتيقن السابق، فيمتنع اجراء استصحاب شخص الحرمة السابقة المتيقنة و يتعين اجراء استصحاب جامع الحرمة و هو من القسم الثالث من استصحاب الكلي لأنه جامع بين فرد معلوم الارتفاع و فرد مشكوك الوجود من أول الأمر. و الفرق بين هذا الوجه و سابقه أن نكتة امتناع استصحاب شخص الحرمة المتيقنة سابقا في ذلك الوجه هو تعدد الجعل بقطع النظر عن المعاصرة بين المجعولين، و النكتة هنا ان المعاصرة بين المشكوك و المتيقن تمنع عن صدق كون أحدهما بقاءا للآخر.

و يرد عليه: ان هذا مبني على ان يكون دليل الحرمة الثابتة بعنوان عدم التذكية شاملا للحيوانات المحرمة ذاتا أيضا، و اما إذا قيل باختصاصه بالحيوان الذي يحل بالتذكية لوروده في ذلك المورد فلا تحتمل المعاصرة بين الحرمتين بل يعلم إجمالا بثبوت احدى حرمتين على الحيوان المشكوك قبل الذبح اما حرمة بملاك العنوان الذاتي و اما حرمة بملاك عنوان عدم التذكية، و هذا المعلوم الإجمالي يحتمل بقاؤه لأنه على تقدير باق و على تقدير مرتفع فيجري استصحابه.

هذا مضافا الى أننا لو التزمنا بشمول دليل الحرمة الثابتة بعنوان عدم التذكية للحيوانات المحرمة ذاتا فهذا لا يقتضي ثبوت الحرمة المتيقنة و الحرمة المشكوكة في وقت واحد قبل الذبح على الحيوان المشكوك لو كان حراما ذاتا في الواقع لكي يمتنع ان يكون المشكوك بقاء للمتيقن بل يلتزم بثبوت حرمة واحدة مؤكدة بناء على التأكد عند اجتماع فردين من حكم واحد و هذا يوجب بطلان النكتة التي كانت تسبب عدم صدق عنوان البقاء على الحرمة‌


52
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الثالث ؛ ج‌3، ص : 53

..........

______________________________
المشكوكة إذ لا يكون في الحيوان المشكوك قبل الذبح الا حرمة واحدة و هي اما حرمة مؤكدة إذا كان الحيوان محرم الأكل ذاتا و اما حرمة غير مؤكدة إذا لم يكن الحيوان كذلك و تعتبر الحرمة المشكوكة بعد الذبح بقاء لها و ان لم يكن لها ذلك التأكد المحتمل في الحرمة المتيقنة فيجري الاستصحاب.

و دعوى استحالة التأكد بين الحرمتين في أمثال المقام لأن الحرمة الناشئة من الخصوصية الذاتية ليست في رتبة الحرمة الناشئة عن الجهة العرضية و هي عدم التذكية فلا يمكن تأكدهما المساوق لوحدتهما مع تعدد الرتبة. مدفوعة، بأنه لا موجب للطولية بين الحرمتين رتبة لمجرد الطولية بين الموضوعين فان كلا من الحرمتين في طول موضوعها و في طول ما يكون موضوعها متأخرا عنه رتبة و ليست في طول الحرمة الأخرى.

الثالث

ان الاستصحاب المذكور انما يجري لو سلم في مقابل أصالة الحل و لا يجري في الشبهة الحكمية في مقابل عمومات الحل و لا في الشبهة الموضوعية في مقابل الاستصحاب الموضوعي المنقح لموضوع الحلية و ذلك لان كل حيوان حكم عليه بالحلية بمقتضى العمومات الا ما خرج فيجري استصحاب العدم الأزلي للعنوان المخصص و يكون هذا الاستصحاب موضوعيا و حاكما على استصحاب الحرمة.

الرابع

ما ذكره السيد الأستاذ- دام ظله- من إنكار الحالة السابقة رأسا لعدم قيام الدليل على حرمة أكل الحيوان الحي، و انما الثابت حرمة أكل الميت الا ما ذكي فالحرمة بملاك عدم التذكية موضوعها ليس مطلق الحيوان بل موضوعها الحيوان الميت غير المذكى فلا علم بالحرمة السابقة لكي تستصحب «1». و هذا اعتراض متين، و معه يسقط الاستصحاب المذكور.

هذا كله فيما إذا كان الشك في حلية الحيوان و حرمته بعد إحراز‌

______________________________
(1) التنقيح ج 1 ص 437


53
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الرابع ؛ ج‌3، ص : 53

..........

______________________________
قابليته للتذكية، فقد اتضح ان المرجع في الشبهة الحكمية عمومات الحل، و في الشبهة الموضوعية أصالة الحل و كذلك يجري أيضا الاستصحاب الموضوعي المثبت للحلية و استصحاب عدم الحرمة، بناء على جريان الاستصحاب في الاعدام الأزلية.

و اما إذا كان أصل قابلية الحيوان للتذكية مشكوكة، فتارة تكون الشبهة موضوعية كما إذا شك في ان الحيوان غنم أو خنزير، و اخرى تكون حكمية، ففيما إذا كانت الشبهة موضوعية، ان قلنا بأن التذكية عبارة عن نفس فعل الذابح بلا قيد فهو خلف الفرض لأن معناه إحراز القابلية للتذكية و الشك في الحرمة من غير تلك الناحية فيدخل في الكلام المتقدم. و ان قلنا بأن التذكية عبارة عن فعل الذابح المقيد بخصوصية في الحيوان، أو عن اعتبار شرعي مترتب على ذلك الفعل مع تلك الخصوصية كان استصحاب عدم تلك الخصوصية- و لو بنحو العدم الأزلي- تام الأركان في نفسه و كذلك استصحاب عدم ذلك الاعتبار الشرعي المسبب، و نسبة الاستصحاب الثاني إلى الاستصحاب الأول نسبة الاستصحاب الحكمي إلى الموضوعي. و لكن الكلام في ان هذا الاستصحاب الموضوعي أو الحكمي النافي للتذكية هل تترتب عليه الحرمة أو لا أثر له فيلغو جريانه؟

و تفصيل ذلك: ان موضوع الحكم بالحرمة ان أخذ مركبا من موت الحيوان و عدم تذكيته أمكن إثبات الحرمة في المقام بإجراء الاستصحاب المذكور، إذ يحرز به الجزء الثاني و الجزء الأول محرز وجدانا، و يكون الاستصحاب الحكمي، أي استصحاب عدم المسبب، جاريا حتى عند من لا يقول بإجراء الاستصحاب في الاعدام الأزلية. نعم الاستصحاب الموضوعي و هو استصحاب عدم الخصوصية الدخلية في التذكية يكون من استصحاب العدم الأزلي إذا كانت الخصوصية المشكوكة من الخصوصيات المحتمل حدوثها‌


54
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الرابع ؛ ج‌3، ص : 53

..........

______________________________
مع الحيوان. و إذا كان موضوع الحرمة عدم تذكية الميت، اي عدم التذكية المضافة إلى الميت بما هو ميت جرى الاستصحاب أيضا و ثبت به الحرمة، غير انه يكون من استصحاب العدم الأزلي على اي حال لان عدم تذكية الميت غير محرز الا بانتفاء الموت. و إذا كان موضوع الحرمة عدم التذكية المضاف الى الميت بما هو ميت اي العدم النعتي للتذكية الملحوظ بما هو وصف للميت فلا يمكن إثبات الحرمة باستصحاب عدم التذكية، لأنه من إثبات العدم النعتي باستصحاب العدم المحمولي و هو متعذر.

و على جميع هذه المحتملات لا يمكن إثبات النجاسة بالاستصحاب المذكور، لان موضوعها في أدلتها عنوان الميتة لا مجرد عدم التذكية، و لا يثبت عنوان الميتة باستصحاب عدم التذكية.

و لا شك ان الأخير من الاحتمالات المذكورة ساقط جدا، لأن لسان (الا ما ذكيتم) لا يقتضي أخذ العدم النعتي للتذكية في موضوع الحكم بالحرمة، بل غاية ما يقتضيه الاستثناء أخذ نقيض المستثنى في موضوع حكم العام فيكون المأخوذ العدم المحمولي للتذكية، و حينئذ ان كانت التذكية المأخوذ عدمها المحمولي في الموضوع قد لوحظت مضافة الى الميت بما هو ميت تعين الاحتمال الثاني، و ان كانت قد لوحظت مضافة الى ذات الحيوان تعين الاحتمال الأول، و هناك تتمة تفصيل و تحقيق سوف تأتي الإشارة إليها في أبحاث الميتة.

و اما إذا كانت الشبهة حكمية كما إذا شك في قابلية نوع مخصوص من الحيوان للتذكية- بناء على أن التذكية ليست مجرد فعل الذابح الذي لا شك في قابلية الحيوان له- فان كانت هناك عمومات دالة على قابلية الحيوان للتذكية إلا ما خرج فهي المرجع، و الا فإن كانت التذكية اعتبارا مسببا عن فعل الذابح جرى استصحاب عدم التذكية مع أخذ الاحتمالات‌


55
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الرابع ؛ ج‌3، ص : 53

..........

______________________________
السابقة في دليل حرمة غير المذكى بعين الاعتبار، و ان كانت التذكية نفس فعل الذابح مع الخصوصية امتنع اجراء استصحاب عدم التذكية، إذ لا شك في خصوصيات الحيوان و انما الشك في تقيد التذكية شرعا بغيرها، فالمتعين حينئذ هو الرجوع الى أصالة الحل.

و اما تحقيق الحال في وجود عمومات دالة على قابلية الحيوانات للتذكية فقد استدل السيد الأستاذ- دام ظله- على وجود عموم كذلك برواية علي ابن يقطين قال: «سألت أبا الحسن (ع) عن لباس الفراء و السّمور و الفنك و الثعالب و جميع الجلود. قال: لا بأس بذلك» «1» بتقريب ان معنى نفي البأس في جميع الجلود أنه لا مانع من لبسها مطلقا و لو في حال الصلاة فتدل بالدلالة الالتزامية على تذكيتها، إذ لو لم تكن كذلك لم يجز لبسها، اما مطلقا لو قلنا بعدم جواز الانتفاع بالميتة، أو في خصوص حال الصلاة.

و كل ما ثبت من الخارج عدم قابليته للتذكية يكون خارجا بالتخصيص عن العموم المذكور «2».

و يرد على ذلك: أولا- انه إذا بنى على عدم حرمة الانتفاع بالميتة في غير حال الصلاة لا يتم هذا الاستدلال، لوضوح ان النظر في السؤال و الجواب الى لبس تلك الأشياء من حيث الجواز التكليفي و الحرمة، و لا نظر الى الجواز الوضعي لاستعمالها في الصلاة. و لهذا حكم الامام (ع) بنفي البأس مع ان جملة من العناوين المأخوذة في مورد السؤال مما لا يؤكل لحمه و هو مما لا تجوز الصلاة فيه على اي حال و لو كان قابلًا للتذكية، فحال الرواية حال ما لو سأل شخص عن شرب الحليب فأجيب بالجواز فإنه لا يستفاد من ذلك جوازه وضعا في الصلاة أيضا، و ان كانت الاستفادة‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 5 من أبواب لباس المصلى

(2) التنقيح ج 1 ص 439


56
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الرابع ؛ ج‌3، ص : 53

و كذا إذا لم يعلم ان له دما سائلا أم لا (1).

______________________________
في المقام أقل غرابة منها في هذا المثال. لأن من يلبس الشي‌ء يصلى فيه عادة فقد يقال على هذا الأساس ان النظر المطابقي و ان كان الى الحكم التكليفي و لكن يدل بالملازمة العرفية على عدم بطلان الصلاة في تلك الملابس أيضا.

و ثانيا- ان الرواية المذكورة تدل على جواز استعمال كل الجلود، و لا شك في ان دليل عدم جواز استعمال غير المذكى يكون مخصصا لذلك العموم فاذا شك في كون حيوان مذكى أو لا للشك في قابليته للتذكية كان شبهة مصداقية لذلك العموم فمن يقول بعدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية مطلقا لا يمكنه ان يتمسك في المقام بالعام لنفي عنوان المخصص عن الفرد المشكوك. نعم من يرى جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية فيما إذا كانت الشبهة المصداقية للعام شبهة حكمية في نفسها جاز له التمسك المذكور، لان الشك في قابلية الحيوان للتذكية في المقام شبهة حكمية في نفسها و ان كان شبهة مصداقية بلحاظ العام المخصص.

و الأولى اقتناص عموم دال على قابلية الحيوان للتذكية من مثل موثقة سماعة قال «سألته عن جلود السباع ينتفع بها؟ قال: إذا رميت و سميت فانتفع بجلده، و اما الميتة فلا» «1» غير ان هذا العموم مخصوص بالسباع و يتعدى منه بمقدار ما تساعد عليه القرائن المتصلة أو المنفصلة، فإن ظاهر جواب الامام (ع) بقرينة المقابلة بين الرمي و التسمية و بين الميتة ان الحكم بعدم البأس في الانتفاع بالجلد في فرض الرمي و التسمية انما هو بلحاظ حصول التذكية بذلك و هذا هو المطلوب و لا يؤثر فيه ان يكون النهي عن الانتفاع في غير فرض الرمي و التسمية إلزاميا أو تنزيهيا.

(1) لقاعدة الطهارة إذا قيل بجريانها في أمثال المقام من موارد الشك في النجاسة الذاتية للشي‌ء، أو لاستصحاب عدم النجاسة الأزلي، أو لاستصحاب موضوعي هو استصحاب عدم كون الحيوان ذا نفس سائلة نظرا الى أن موضوع النجاسة أمر وجودي و هو كونه ذا نفس سائلة كما يتحصل من ضم عموم نجاسة البول الى المخصص الذي حصر النجاسة بعنوان وجودي هو عنوان ذي النفس السائلة، فمع الشك يجرى استصحاب عدمه الأزلي و تنفى بذلك النجاسة. و كل ذلك بناء على عدم شمول أدلة النجاسة لمدفوع ما لا نفس له و الا فلا مجال لفرض المسألة.

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 49 من أبواب النجاسات


57
بحوث في شرح العروة الوثقى3

حكم الشك في شي‌ء أنه من فضلة حلال اللحم أو حرامه و أمثاله ؛ ج‌3، ص : 58

[حكم الشك في شي‌ء أنه من فضلة حلال اللحم أو حرامه و أمثاله]

كما أنه إذا شك في شي‌ء انه من فضلة حلال اللحم أو حرامه (1) أو شك في انه من الحيوان الفلاني حتى يكون نجسا أو من الفلاني حتى يكون طاهرا، كما إذا رأى شيئا لا يدري أنه بعرة فأر أو بعرة خنفساء (2) ففي جميع هذه الصور يبنى على طهارته.

______________________________
(1) كما إذا شك في انه من فضلة الغنم أو الهرة فتجري قاعدة الطهارة بناء على شمولها لأمثال المقام. كما يجرى استصحاب عدم النجاسة الأزلي الثابت قبل صيرورة الشي‌ء المشكوك فضلة.

(2) فتجري قاعدة الطهارة أو استصحاب العدم الأزلي للنجاسة و يشكل في المقام الاستصحاب الموضوعي الذي أشرنا إليه فيما إذا شك في كون الحيوان ذا نفس سائلة أم لا، إذ لا شك هنا في كون الفأر ذا نفس و الخنفساء ليست كذلك، و انما الشك في انتساب العذرة إلى أحدهما، فيكون اجراء الاستصحاب المذكور في الحيوان هنا من استصحاب الفرد المردد بخلافه في الفرض الأول من فروض المسألة الذي يتعين فيه انتساب الفضلة إلى حيوان و يشك في حاله.


58
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 4) حكم فضلة الحية و الحيوانات البحرية ؛ ج‌3، ص : 59

 

(مسألة- 4) [حكم فضلة الحية و الحيوانات البحرية]

لا يحكم بنجاسة فضلة الحية لعدم العلم بأن دمها سائل (1). نعم حكى عن بعض السادة أن دمها سائل و يمكن اختلاف الحيات في ذلك و كذا لا يحكم بنجاسة فضلة التمساح للشك المذكور و ان حكي عن الشهيد ان جميع الحيوانات البحرية ليس لها دم سائل إلا التمساح، لكنه غير معلوم و الكلية المذكورة أيضا غير معلومة.

الثالث- المنى

من كل حيوان له دم سائل حراما كان أو حلالا، بريا أو بحريا (2)

______________________________
(1) يندرج الشك المذكور في الفرض الأول من الفروض المتقدمة في ذيل المسألة السابقة.

(2) تارة يتكلم في نجاسة المني بنحو القضية المهملة و اخرى يبحث عن حدودها، فهنا مقامان.

المقام الأول: في إثبات نجاسته في الجملة

و هو ما لا اشكال فيه فتوى بين الأصحاب. و قد استدل عليه بعدة روايات. كرواية محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه (ع) قال: «ذكر المنى و شدده و جعله أشد من البول.

ثم قال: إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة، و ان نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا اعادة عليك و كذلك البول» «1».

و هي باعتبار تشبيهها للمني بالبول، بل جعله أشد منه تكون واضحة الدلالة على نجاسته.

و في قبال هذه الروايات طائفة أخرى يظهر منها عدم نجاسة المني.

ففي صحيحة زرارة انه قال: «سألته عن الرجل يجنب في ثوبه أ يتجفف‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 16 من أبواب النجاسات

 

 

 

59
بحوث في شرح العروة الوثقى3

المقام الأول: في إثبات نجاسته في الجملة ؛ ج‌3، ص : 59

..........

______________________________
فيه من غسله؟ فقال: نعم لا بأس به الا ان تكون النطفة فيه رطبة، فإن كانت جافة فلا بأس»
«1» فإنه يستفاد من نفى البأس عن التجفيف مع افتراض رطوبة البدن عدم نجاسة الثوب الملاقي مع المنى و اما استثناءه صورة رطوبة النطفة في الثوب فلعله للتنزه عن علوقها، لوضوح عدم الفرق في السراية بين فرضي رطوبة الملاقي أو الملاقي.

و حملها على ما إذا لم يكن التنشف بموضع المنى- كما فعله الشيخ قده- في غاية البعد، إذ يأباه تفصيل الامام (ع) بين صورتي جفاف النطفة و رطوبتها.

و مثلها أيضا رواية أبي أسامة قال: «قلت لأبي عبد اللّه (ع) تصيبني السماء و علىّ ثوب فتبله و أنا جنب فيصيب بعض ما أصاب جسدي من المنى، أ فأصلى فيه؟ قال: نعم» «2».

و هي أيضا واضحة الدلالة على نفي البأس عن الصلاة في ملاقي المني مع الرطوبة فتدل على عدم نجاسته.

و كذلك أيضا روايتا الشحام و ابي أسامة عن ابي عبد اللّه (ع): «عن الثوب يكون فيه الجنابة فتصيبني السماء حتى يبتّل علىّ؟ قال: لا بأس» «3» و حمل قوله- يكون فيه الجنابة على وقوع الجنابة فيه لا وجود أثر الجنابة عليه فعلا فيكون محط النظر فيها الحزازة النفسية في ذلك بعيد، لظهور قوله- يكون فيه الجنابة- في فعلية الجنابة في الثوب لا مجرد حدوثها فيه و ذلك لا يكون الا بان يراد بالجنابة الأثر الذي يتقذر به الثوب لا حدث الجنابة- و كذلك يبعد حملها على أن نفي البأس بملاك تطهير المطر للثوب،

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 27 من أبواب النجاسات.

(2) وسائل الشيعة باب 27 من أبواب النجاسات

(3) وسائل الشيعة باب 16، 27 من أبواب النجاسات


60
بحوث في شرح العروة الوثقى3

المقام الأول: في إثبات نجاسته في الجملة ؛ ج‌3، ص : 59

..........

______________________________
باعتبار ان الجنابة في الثوب من البعيد زوالها بمجرد الابتلال بالمطر من دون فرض شي‌ء من الفرك و العناية في مقام التطهير.

و التحقيق: ان في الروايات المذكورة جميعا توجد قرينة عرفية على ان النظر سؤالا و جوابا ليس الى الحكم بنجاسة أصل المني و طهارته.

و تفصيل ذلك: أن السائل قد فرض المني في ثوبه تارة، كما في الاولى و الثالثة، أو في بدنه اخرى، كما في الثانية، و بعد ذلك فرض ملاقاة الجسد للثوب الذي فيه المني، أو الثوب للجسد الذي عليه المنى، فلو كان نظر السائل إلى الاستفهام عن أصل حكم المنى لما احتاج التعبير عن هذا الاستفهام الى فرض ملاقاة الجسد للثوب أو الثوب للجسد وراء فرض ملاقاة المني لأحدهما مباشرة، بل يكفى للتعبير عن ذلك نفس الفرض الأول لوقوع المنى على أحد الأمرين، لأن المكلف بحاجة إلى طهارة بدنه و ثوبه معا، و انما تصح الاستعانة بفرض ملاقاة أخرى في مقام الاستفهام فيما إذا كانت الملاقاة الاولى مع شي‌ء لا يدخل في محل الابتلاء طهارته و نجاسته، فلو قال السائل: أصاب البول الأرض فوقع ثوبي عليها أمكن ان يكون النظر الى استعلام حال أصل البول من حيث الطهارة و النجاسة، و يفسر افتراضه للملاقاة الثانية و عدم اكتفائه بفرض ملاقاة البول للأرض بأنه يقصد إيصال الملاقاة الى ما يلزم طهارته و هو الثوب و البدن. و اما لو قال: أصاب البول بدني فأصاب بدني الثوب لم يفهم منه عرفا كون النظر الى استعلام حال أصل البول، إذ يكفي في ذلك فرض الملاقاة الاولى، بل يكون ضم فرض الملاقاة الثانية في كلام السائل قرينة على ان المقصود استعلام حيثية كانت تتوقف على فرض الملاقاة الثانية من قبيل حيثية أن المتنجس بالبول ينجس أو لا. و مقامنا من هذا القبيل، فيكون ما ذكرناه قرينة على الفراغ في تلك الروايات عن أصل نجاسة المنى و كون النظر إلى حيثية أخرى كحيثية‌


61
بحوث في شرح العروة الوثقى3

المقام الأول: في إثبات نجاسته في الجملة ؛ ج‌3، ص : 59

..........

______________________________
ان الثوب المتنجس بالمني ينجس أو لا، أو حيثية تشخيص الوظيفة عند الشك في الملاقاة مع فرض الرطوبة و نحو ذلك.

و عليه، فان تمت هذه القرينة و لو بنحو توجب الإجمال على أقل تقدير فلا اشكال، و الا وقعت المعارضة بين روايات النجاسة و روايات الطهارة، و التخلص من مأزق هذه المعارضة يكون بأحد وجوه.

الأول: حمل روايات الطهارة على التقية، باعتبار موافقتها مع فتاوى الشافعية و الحنابلة.

و فيه: أن هذين المذهبين قد نشئا في زمان متأخر عن صدور هذه الروايات، حيث انها صادرة عن الصادق (ع) بينما نشأة المذهبين متأخرة عن زمانه (ع). و اما احتمال كون الفتوى المتأخرة بالطهارة امتدادا لشيوع ذلك بين فقهاء العامة المعاصرين للإمام الصادق على نحو يصح حينئذ معه حمل روايات الطهارة على التقية فيرد عليه أو لا ان الأمر كان على العكس في أيام الامام الصادق فان الحنفي و المالكي معا كانا يفتيان بالنجاسة «1».

و ثانيا: انه لو لم يمكن التأكد من واقع الحال في أيام الامام الصادق لم يكف مجرد احتمال ذلك لإسقاط أخبار الطهارة عن الحجية لإمكان إجراء استصحاب عدم كونها موافقة للعامة و لو بنحو العدم الأزلي.

الثاني: سقوط روايات الطهارة عن الحجية في نفسها، باعتبار حصول الظن الاطمئناني و لو نوعا على خلافها من اتفاق علماء الإمامية في تمام العصور و الأزمنة على النجاسة و لم يشذ عنهم أحد في حدود المنظور من كلماتهم. و كذلك الاتفاق العملي من المتشرعة على الاحتراز من المنى و التجنب عنه حتى عد نجاسة المني من ضروريات المذهب، و قد حققنا في الأصول سقوط الخبر عن الحجية إذا ما حصل الوثوق و لو نوعا بوجود‌

______________________________
(1) راجع المحل لابن حزم


62
بحوث في شرح العروة الوثقى3

المقام الثاني: في تشخيص حدود تلك القضية. ؛ ج‌3، ص : 63

 

..........

______________________________
خلل فيه. و معه تبقى روايات النجاسة بلا معارض، فيعول عليها، و ان كان الاتفاق المذكور قولا و عملا قد يكفى بنفسه للقطع أو الاطمئنان الشخصي بنجاسته أيضا بنحو القضية المهملة.

الثالث: إيقاع المعارضة بين روايات الطهارة الصريحة في نفي النجاسة مع الصريح من روايات النجاسة، كرواية محمد بن سلم التي ورد فيها التشديد على المنى و أنه أشد من البول، فإنها لا تقبل الحمل على التنزه، و يرجع بعد التساقط إلى سائر روايات النجاسة الظاهرة فيها ظهورا قابلًا للحمل على التنزه في نفسه بقرينية روايات الطهارة لو لا ابتلاءها بالمعارض، تطبيقا للقاعدة التي استخلصناها من الرجوع الى العام الفوقاني بعد تساقط الأدلة الخاصة على ما تقدم توضيحها مرارا.

و هكذا يثبت نجاسة المني بنحو القضية المهملة التي قدرها المتيقن مني الإنسان.

المقام الثاني: في تشخيص حدود تلك القضية.

و يقع البحث عنه ضمن جهات.

الجهة الأولى: في شمولها للحيوان ذي النفس غير المأكول.

و لا إشكال في أن أكثر روايات الباب منصرفة إلى المني من الإنسان بقرينة ما ورد فيها من فرض الإصابة للثوب أو البدن أو نحو ذلك مما لا يكون عادة بغير مني الإنسان.

غير أن رواية محمد بن مسلم المتقدمة حيث لم يفرض في صدرها الملاقاة مع الثوب أو البدن و انما ذكر المنى فشدده و جعله أشد من البول، قد يدعى إطلاقها للمني من غير الإنسان أيضا و كون الحكم بالنجاسة المستفاد من قوله ذكر المنى فشدده من شئون طبيعة المنى بما هو.

و قد منع عن الإطلاق المذكور المحقق الهمداني (ره) باعتبار ما ورد‌

 

 

 

63
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الجهة الثانية - في حكم منى ما يؤكل لحمه من الحيوانات ذات النفس السائلة، ؛ ج‌3، ص : 64

 

..........

______________________________
في ذيل الرواية «ان رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة، و إن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا اعادة عليك و كذلك البول» حيث يكون قرينة على أن النظر فيها أيضا الى منى الإنسان كما هو الحال في سائر الروايات.

و يرد عليه: أنه فرق بين أن يأتي الحكم بالنجاسة على فرض اصابة المنى للثوب و بين ان يأتي على طبيعي المني ثم يفرع عليه انه ان أصاب الثوب فالصلاة فيه حكمها كذا. ففي الأول لا يكون للحكم بالنجاسة إطلاق لغير المني الذي يتعارف اصابته للثوب و هو منى الإنسان، و أما في الثاني فلا يكون فرض الإصابة بلحاظ حكم آخر مترتب على النجاسة و هو البطلان قرينة على اختصاص موضوع الحكم الأول و هو النجاسة بمني الإنسان.

و هكذا يثبت بمثل هذا الإطلاق في الأدلة اللفظية على نجاسة المني الشمول لمني الحيوان غير المأكول إذا كان ذا نفس سائلة.

الجهة الثانية- في حكم منى ما يؤكل لحمه من الحيوانات ذات النفس السائلة،

و البحث فيه تارة يقع بلحاظ المقتضى للحكم بالنجاسة إثباتا، و اخرى بلحاظ المانع عن ذلك.

اما البحث باللحاظ الأول،

فأكثر روايات الباب و ان كان من الممكن دعوى انصرافها عن منى غير الإنسان كما عرفت، الا أن إطلاق رواية محمد ابن مسلم لا بأس به للشمول لمني ما يؤكل لحمه أيضا، لأن موضوع التشديد هو طبيعي المنى الشامل بإطلاقه لذلك. و دعوى اختصاص نجاسة المني المستفادة من هذه الرواية بمنى الحيوان الذي يكون بوله نجسا لان ذلك مقتضى الأشدية. و اما حيث يكون البول طاهرا فاشدية المنى منه لا تقتضي نجاسته.

مدفوعة» بأن الرواية لم تقتصر على الحكم بأشدية المني من البول، بل شددته و جعلته أشد من البول، و النجاسة تستفاد من التشديد المذكور‌

 

 

 

64
بحوث في شرح العروة الوثقى3

و اما البحث عن وجود المانع على تقدير تمامية الإطلاق، ؛ ج‌3، ص : 65

..........

______________________________
أولا و الذي موضوعه طبيعي المنى و الأشدية من البول التي بينت ثانيا و ان كانت لا تقتضي نجاسة مني حيوان طاهر البول و لكنها لا تأبى عن نجاسته أيضا، إذ لا يستفاد منها الملازمة بين النجاستين

و اما البحث عن وجود المانع على تقدير تمامية الإطلاق،

فقد ذكر السيد الأستاذ- دام ظله- في المقام روايتين اعترف بمعارضة إحداهما مع الإطلاق و منعها في الأخرى «1».

اما التي قبل معارضتها، فهي ما تقدم في بحث نجاسة البول مما دل على ان ما يؤكل لحمه لا بأس بما يخرج منه، كرواية عمار عن ابي عبد اللّه (ع) «قال: كل ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه» و هي شاملة بإطلاقها للمني الذي يخرج منه أيضا، فيقع التعارض بينها و بين إطلاق رواية محمد ابن مسلم في نجاسة المني بنحو العموم من وجه و يرجع بعد التساقط إلى الأصول العملية.

و فيه: أن هذه الرواية حاكمة بإطلاقها على إطلاق دليل النجاسة، باعتبار ما أشرنا إليه فيما سبق من أن لسانها لسان الاستثناء عن المحذور المفروغ عن ثبوته فيما يخرج من الحيوان بنحو القضية المهملة، و دليل الاستثناء يكون ناظرا الى دليل المستثنى منه فيتقدم عليه بالحكومة.

و اما الرواية التي لم يقبل معارضتها مع دليل النجاسة فصحيحة ابن بكير المتقدمة في «أن ما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و شعره و بوله و كل شي‌ء منه جائز» حيث يشمل عمومها المنى أيضا و انما منع عن إيقاع المعارضة بينها و بين دليل النجاسة بدعوى أنها ناظرة إلى حيثية المانعية و نفيها فلا يستفاد منها نفي النجاسة.

______________________________
(1) التنقيح الجزء الأول ص 244


65
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الجهة الثالثة - في حكم منى ما لا نفس له من الحيوانات. ؛ ج‌3، ص : 66

و اما المذي و الوذي و الودي فطاهر من كل حيوان الا نجس العين (1).

______________________________
و الصحيح أن هذه الرواية أيضا معارضة مع دليل النجاسة، فإن المحذور المنظور إليه في الرواية و ان كان هو المانعية في الصلاة الا ان تجويز الصلاة في كل شي‌ء مما يؤكل لحمه يدل بالالتزام على نفي محذور النجاسة فيها أيضا، إذ لو لا ذلك لكان الحكم بالجواز جهتيا و هو خلاف ظاهر حال المولى و تصديه بنفسه بالعموم لبيان جواز الصلاة في كل شي‌ء منه. نعم لو كان الجواز معلقا على عنوان ما يخرج من المأكول من دون استعمال أدوات العموم لم يكن يستفاد منه ذلك إذ لا يقتضي أكثر من الجواز و عدم المانعية من ناحية ذلك العنوان.

و هكذا يتلخص تمامية المانع إثباتا عن الحكم بنجاسة المني مما يؤكل لحمه على تقدير تمامية المقتضي.

الجهة الثالثة- في حكم منى ما لا نفس له من الحيوانات.

و البحث فيه من ناحية المقتضي هو البحث في الجهة السابقة، إذ لا بأس بالإطلاق في رواية محمد بن مسلم، الا إذا شكك في أصل صدق عنوان المنى حقيقة على ماء الحيوانات التي ليس لها نفس سائلة، و هو تشكيك ليس بالبعيد.

و اما البحث من ناحية المانع فالمقيد للإطلاق اما الإجماع المدعى على الطهارة، و اما مثل قولهم (ع) لا يفسد الماء الا ما كانت له نفس سائلة، حيث يتمسك بإطلاق المستثنى منه للمني من الحيوان غير ذي النفس.

غير أنه قد تقدم النظر في الاستدلال به على طهارة بول ما لا نفس له فراجع:

(1) المعروف بين فقهائنا هو الحكم بطهارة المذي و الوذي و الودي الخارج من حيوان طاهر العين، بل لا يبعد دعوى حصول الاطمئنان‌


66
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الجهة الثالثة - في حكم منى ما لا نفس له من الحيوانات. ؛ ج‌3، ص : 66

..........

______________________________
الشخصي بالطهارة حيث لم نجد مخالفا عدا ما نسب الى ابن الجنيد من الحكم بنجاسة المذي إذا كان عن شهوة، و هو غير ضائر بحصول الوثوق أو الجزم من إجماع فقهاء الطائفة.

و به يحمل بعض الروايات التي قد يستظهر منه نجاسة المذي و لزوم الغسل منه على التنزه و الاستحباب و ذلك من قبيل رواية الحسين بن ابى العلاء قال: «سألت أبا عبد اللّه عن المذي يصيب الثوب؟ قال (ع):

ان عرفت مكانه فاغسله و ان خفي عليك مكانه فاغسل الثوب كله» «1» فإن الأمر بغسل الملاقي دال عرفا على نجاسته و نجاسة الملاقي، و لو قطع النظر عن الإجماع يتعين أيضا حمل الأمر بالغسل على التنزه، بقرينة الروايات الظاهرة في عدم وجوب الغسل و نفي النجاسة، كرواية محمد بن مسلم «عن المذي يصيب الثوب، فقال (ع): ينضحه بالماء ان شاء» «2» و رواية الحسين بن ابى العلاء «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن المذي يصيب الثوب؟

قال: لا بأس به، فلما رددنا عليه فقال: ينضحه بالماء» «3».

و اما دعوى حمل الرواية الآمرة بالغسل على فرض خروج المذي بشهوة و الروايات النافية على فرض خروجه بدون شهوة، فمدفوعة: بأن هذا الحمل ان كان بلحاظ تقييد كل من الإطلاقين بالمتيقن من معارضه فهو جمع تبرعي كما حقق في محله، مضافا الى ان التقييد بعدم الشهوة تقييد بالفرد النادر. و ان كان بلحاظ وجود مفصل بين الفرضين و هو يوجب تقييد مطلقات الأمر بالغسل بفرض الشهوة و مطلقات نفيه بفرض عدمها، فيرد عليه: مضافا الى عدم صحة التقييد الثاني لندرة فرض عدم الشهوة، ان ما يتوهم كونه مفصلا كذلك رواية أبي بصير «قال: قلت لأبي عبد اللّه (ع): المذي يخرج من الرجل؟ قال: أحد لك فيه حدا؟

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 17 من أبواب النجاسات

(2) وسائل الشيعة باب 17 من أبواب النجاسات

(3) وسائل الشيعة باب 17 من أبواب النجاسات


67
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الجهة الثالثة - في حكم منى ما لا نفس له من الحيوانات. ؛ ج‌3، ص : 66

و كذا رطوبات الفرج و الدبر ما عدا البول و الغائط (1)

______________________________
قال: قلت نعم جعلت فداك. فقال: ان خرج منك على شهوة فتوضأ، و ان خرج منك على غير ذلك فليس عليك فيه وضوء»
«1» بعد حمل الوضوء فيها على الغسل، و لكنه حمل بلا قرينة، و مع فرض ارادة الوضوء المقابل للغسل منها تكون الرواية أجنبية عن محل الكلام.

و اما الوذي و الودي، فلا يوجد ما يتوهم دلالته على نجاستهما فيكفي في نفي نجاستهما الأصل، مضافا الى ما دل على طهارة البلل المشتبه بالبول الكاشف عن عدم نجاسة البديل المحتمل للبول واقعا. و رواية زرارة «عن ابى عبد اللّه (ع) قال: ان سال من ذكرك شي‌ء من مذي أو ودى أو و ذي و أنت في الصلاة فلا تغسله و لا تقطع له الصلاة و لا تنقض له الوضوء و ان بلغ عقبيك فإنما ذلك بمنزلة النخامة و كل شي‌ء خرج منك بعد الوضوء فإنه من الحبائل أو من البواسير و ليس بشي‌ء فلا تغسله من ثوبك الا ان تقذره» «2».

(1) كما دلت على ذلك رواية زرارة المتقدمة، و رواية إبراهيم بن ابى محمود «سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن المرأة عليها قميصها، أو إزارها يصيبه من بلل الفرج و هي جنب أ تصلى فيه؟ قال: إذا اغتسلت صلت فيهما» «3» و قد يدعى الإطلاق في هذه الرواية لمني الرجل الذي يدخل الى فرج المرأة بالجماع ثم يخرج بالتدريج، فتكون الرواية دليلا على طهارة المنى المذكور إذا خرج من فرج المرأة، و قد يؤيد ذلك فرض المرأة جنبا الذي قد يكون إشارة إلى ترقب خروج منى الرجل من فرجها.

و لكن وجود مثل هذا الإطلاق محل اشكال، لاحتمال النظر في الرواية إلى رطوبات الفرج بما هي لا الى ما يدخل اليه من خارج، و فرض المرأة جنبا قد يكون لاحتمال الاختلاف في حكم رطوبات الفرج بين الجنب و غيرها.

و لو سلم الإطلاق فهو معارض بإطلاق ما دل على نجاسة المني لعدم حصول الاستحالة بمجرد مكثه في فرج المرأة أو خروجه منه و مع التساقط يرجع الى استصحاب النجاسة.

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 12 من أبواب نواقض الوضوء

(2) وسائل الشيعة باب 12 من أبواب نواقض الوضوء

(3) وسائل الشيعة باب 55 من أبواب النجاسات


68
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الرابع: - الميتة ؛ ج‌3، ص : 69

 

الرابع:- الميتة

من كل ما له دم سائل حلالا كان أو حراما (1).

______________________________
(1) قد اختلفت كلمات الأصحاب في مدرك الحكم بنجاسة الميتة، بين من يقول باستفاضة الأخبار الدالة عليها، و بين من ينكر وجود دليل واحد لفظي تام الدلالة على النجاسة، كصاحب المدارك و المعالم- قدهما.

حيث ادعيا: انحصار مدرك القول بالنجاسة في الإجماع، و التسالم الفقهي الذي يكون دليلا لبيا.

و نحن نذكر فيما يلي الروايات التي استدل بها على النجاسة، ثم نذكر ما قد يجعل معارضا لها.

فالكلام في مقامين:

(المقام الأول) في الروايات التي يستدل بها على النجاسة،

و هي طوائف:

الأولى:- روايات النزح من البئر إذا وقعت فيه الميتة «1»

و هي لو لاحظناها في نفسها لا ينبغي الارتياب في دلالتها عرفا على نجاسة الميتة التي لاقت الماء، كما يدل الأمر بالغسل على نجاسة ملاقي الغسول.

و لا يصغي الى ما قد يقال: من ان النزح الذي هو مجرد تقليل من الماء المتنجس لا يكون تطهيرا كالغسل، كي يرشد إلى نجاسة الملاقي. فإنا قد أوضحنا في أبحاث ماء البئر: ان نزح البئر غير تقليل الماء، بل هو‌

______________________________
(1) وردت جملة منها في باب (17) من أبواب الماء المطلق من وسائل الشيعة.

 

 

 

69
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الوجه الأول: ؛ ج‌3، ص : 70

..........

______________________________
نوع تطهير للبئر بحسب النظر العرفي، لأن البئر لا يكون مجرد مستودع للماء، و انما هو منبع له بحيث كلما نزح منه نبع فيه الماء النقي ثانيا فيكون بهذا الاعتبار تنظيفا.

غير ان الأشكال على الاستدلال بهذه الطائفة من الروايات، معارضتها بما دل على اعتصام البئر من الروايات التي استعرضناها في أبحاث ماء البئر.

و هذه المعارضة ان فرض استحكامها بدرجة تؤدى الى سقوط روايات النزح عن الحجية سندا، اما وحدها لمرجح في اخبار الاعتصام، أو معها، فلا إشكال حينئذ في عدم إمكان الاستدلال بها في المقام على نجاسة الميتة.

و ان فرض عدم سريان التعارض الى سندها، بل غاية ما يلزم سقوط ظهور الأمر بالنزح فيها و حمله على التنزه و الاستحباب. فينفتح حينذاك بحث في المقام عن إمكان الاستدلال بها على نجاسة الميتة و عدمه.

و تفصيل الكلام في ذلك: ان هناك وجوها ثلاثة لتقريب دلالتها على نجاسة الميتة، بعد سقوط دلالتها على نجاسة ماء البئر.

الوجه الأول:

دعوى كفاية الأمر بنزح ماء البئر و لو تنزها في الإرشاد إلى وجود محذور النجاسة في الملاقي، و ان النزح المذكور كان بملاكه، و ان كان الماء معتصما مما ادى الى عدم لزوم النزح.

و فيه ان الأمر التنزيهي بالنزح لا يدل الا على وجود حزازة تنزهية في الملاقي دون اللزومية، و من هنا لم يستكشف من الأمر بالنزح فيما إذا لاقاه الجنب نجاسة بدنه.

الوجه الثاني:

دعوى ان جهة السؤال في هذه الروايات لم تكن هي الشك في نجاسة الميتة و عدمها، كي يقال بأن الأمر التنزيهي بالنزح لا يستلزم الإرشاد إلى نجاستها، و انما السؤال عن ماء البئر و اعتصامه، و هذا لا يكون الا بعد فراغ السائل عن نجاسة الملاقي معه، لاستكشاف اعتصام‌


70
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الوجه الثالث: ؛ ج‌3، ص : 71

..........

______________________________
الماء و عدمه و الامام عليه السلام قد امضى ما فرغ عنه السائل ارتكازا من نجاسة الميتة الملاقية مع الماء. فيكون ذلك دليلا على النجاسة، و ان لم تكن منجسة للبئر باعتبار اعتصامه. و الحاصل: ان في روايات النزح ظهورين عرضيين: ظهور في إمضاء ما ارتكز في ذهن السائل و فرغ عنه من نجاسة الميتة، و ظهور للأمر بالنزح في انفعال ماء البئر. و الساقط من الظهورين هو الأخير بقرينة روايات الاعتصام دون الأول.

و فيه: ان استظهار كون جهة السؤال في هذه الروايات هو اعتصام البئر و عدمه مع المفروغية عن نجاسة الميتة يتوقف على ثبوت ارتكاز نجاسة الميتة في ذهن المتشرعة، على حد بعض النجاسات الأخرى المعروفة المركوزة لديهم. و مثل هذا الارتكاز المتشرعي و ان لم يكن ببعيد، الا انه لو كان فهو بنفسه كاف للكشف القطعي عن الحكم بالنجاسة، دون حاجة الى استئناف الاستدلال عليه بالروايات. و اما حيث لا يدعى الجزم بثبوته فلا يبقى ما يعين جهة السؤال لروايات النزح فيما ذكر، بل لعل السائل كان يسأل عن حكم الميتة بلسان السؤال عن ملاقياتها التي أحدها ماء البئر، فلا يستفاد من النزح التنزهي عندئذ محذور النجاسة.

الوجه الثالث:

انا نثبت نجاسة الميتة حتى لو فرض أن حيثية السؤال عن الميتة و نجاستها، و ذلك بقانون حجية الدلالة الالتزامية بعد سقوط الدلالة المطابقية. فان روايات النزح تدل بالمطابقة على لزوم النزح، و بالالتزام على نجاسة الميتة. و الذي يسقط بأدلة اعتصام البئر هو حجية المدلول المطابقي مع بقائه ذاتا فيكون المدلول الالتزامي أيضا باقيا ذاتا، فيشمله دليل الحجية بلا مانع.

و فيه: انا أوضحنا في محله من علم الأصول ان الدلالة الالتزامية كما هي تابعة للمطابقية ذاتا كذلك هي تابعة لها حجية.


71
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الطائفة الثانية: - الروايات الدالة على نجاسة البئر بالتغير بالميتة. ؛ ج‌3، ص : 72

..........

______________________________
و هكذا يتلخص ان الاستدلال بروايات نزح البئر من الميتة على نجاستها غير تام.

الطائفة الثانية:- الروايات الدالة على نجاسة البئر بالتغير بالميتة.

و تمتاز هذه الطائفة على سابقتها بعدم معارضتها مع أدلة اعتصام البئر، فتكون حجة في كلا مدلوليها المطابقي و الالتزامي، فتكون سليمة عن الاعتراض السابق.

و ربما يناقش في الاستدلال بهذه الطائفة: بان الأمر بالنزح في هذه الطائفة لم يرد منفصلا عن الطائفة السابقة، و انما الروايات تكفلت بيان حكم صورة الملاقاة من دون تغير و الملاقاة مع التغير معا، مع التفريق بينهما في مقدار النزح، فاذا فرض ان الأمر بالنزح بلحاظ فرض الملاقاة من دون تغير تنزيهي لا لزومي، بقرينة أدلة الاعتصام، لا ينعقد للأمر بالنزح في فرض التغير ظهور في الإلزام، كي يستفاد منه الإرشاد إلى نجاسة الميتة، لاتحاد سياقه مع سياق الأمر بالنزح في صورة عدم التغير.

و فيه عدم انحصار روايات هذه الطائفة فيما يكون ظاهرا في وحدة سياق الأمر بالنزح للصورتين، بل هناك عدة روايات يمكن الأخذ بظاهر الأمر فيها بالنزح لصورة التغير.

منها: ما ورد في فرض التغير فقط، كرواية محمد ابن مسلم «انه سأل أبا جعفر (ع) عن البئر يقع فيها الميتة. فقال ان كان لها ريح نزح منها عشرون دلوا» «1».

إذ هي مختصة بصورة التغير، بناء على رجوع الضمير في (لها ريح) إلى البئر لا إلى الميتة، كما هو الظاهر، و لو بقرينة قوله (نزح منها) الظاهر في عود الضمير إلى البئر لا الميتة.

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 22 من أبواب الماء المطلق


72
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الطائفة الثالثة ما دل على انفعال المائع غير المعتصم بملاقاة الميتة ؛ ج‌3، ص : 73

..........

______________________________
و منها: ما تكفل حكم الصورتين معا، و لكن مع عدم اتحاد السياق فيه، كرواية سماعة «قال: سألت أبا عبد اللّه عن الفأرة تقع في البئر أو الطير. قال: ان أدركته قبل ان ينتن نزحت منها سبع دلاء، و ان كانت سنورا أو أكبر منه نزحت منها ثلاثين دلوا أو أربعين دلوا، و ان أنتن حتى يوجد ريح النتن في الماء نزحت البئر حتى يذهب النتن من الماء»
«1» بناء على انه يستظهر من الترديد و التخيير في النزح بين الثلاثين و الأربعين دلوا ان النزح في صورة عدم التغير تنزهي، بخلاف صورة التغير فإنه لا بد من النزح حتى يذهب النتن الظاهر في اللزوم.

و منها: ما أمر فيها بالنزح فيما إذا وقعت الميتة في البئر من دون تفصيل بين ما إذا تغير الماء بها أم لم يتغير، و هي بعد تخصيصها بصورة التغير- بقرينة أدلة الاعتصام- تكون دالة على النجاسة لا محالة.

الطائفة الثالثة [ما دل على انفعال المائع غير المعتصم بملاقاة الميتة]

و هي أحسن الطوائف الثلاث في مقام الاستدلال على نجاسة الميتة- ما دل على انفعال المائع غير المعتصم بملاقاة الميتة، من قبيل ما ورد من الروايات المتفرقة الآمرة بإراقة المائعات الملاقية مع الميتة، و هي روايات عديدة تامة الدلالة على نجاسة الميتة عرفا «2». لأن الأمر بإراقة مثل السمن و الزيت و المرق لو كان ذائبا يفهم منه عرفا، بقرينة ارتكازية سراية النجاسة في فرض الذوبان، ان الأمر المذكور من جهة النجاسة السارية، لا لجهة تعبدية نفسية، كما هو واضح.

و من جملة روايات هذه الطائفة ما دل على إفساد الميتة للماء، من قبيل:

«لا يفسد الماء الا ما كانت له نفس سائلة». و دليل منجسية شي‌ء يدل‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 17 من أبواب الماء المطلق

(2) وسائل الشيعة باب 6 من أبواب ما يكتسب به و باب 43 من أبواب الأطعمة المحرمة و باب 4 من الماء المطلق


73
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الطائفة الرابعة: - ما دل على تنجيس الميتة أو المائع الملاقي للميتة لما يلاقيه من الجامدات، ؛ ج‌3، ص : 74

..........

______________________________
بالالتزام العرفي على نجاسته.

الطائفة الرابعة:- ما دل على تنجيس الميتة أو المائع الملاقي للميتة لما يلاقيه من الجامدات،

من قبيل ما دل على الأمر بغسل كل ما اصابه الماء الذي وقعت فيه الميتة، و ما دل على النهي عن الأكل في آنية أهل الكتاب إذا كانوا يأكلون فيها الميتة و الدم و لحم الخنزير، كما في رواية محمد ابن مسلم عن أحدهما (ع) «قال: سألتة عن آنية أهل الكتاب فقال:

لا تأكل في آنيتهم، إذا كانوا يأكلون فيه الميتة و الدم و لحم الخنزير» «1» بناء على ظهور النهي- سواء كان إلزاميا أو تنزيهيا- في كونه بلحاظ الصفة المشتركة، المنسبقة الى الذهن من عناوين الميتة و الدم و لحم الخنزير و هي النجاسة.

و هناك طائفة خامسة ربما يستدل بها على النجاسة،

و هي الروايات الناهية عن الصلاة في الميتة، فيؤخذ ذلك إرشادا إلى نجاستها. غير ان الاستدلال المذكور غير وجيه، بعد وضوح احتمال ان يكون النهي المذكور بملاك المانعية النفسية في الصلاة في الميتة، كما هو كذلك فيما لا يؤكل لحمه و لو كان طاهرا. و لذلك ذهب بعض الفقهاء الى المنع عن الصلاة في الميتة و لو كانت طاهرة، كميتة ما لا نفس سائلة له.

و عليه ففيما تقدم من الطوائف الدالة على النجاسة، و غيرها من الروايات المتفرقة التي لم نذكرها، علاوة على التسالم الفقهي و الارتكاز المتشرعي على نجاسة الميتة كفاية لإثبات تمامية المقتضي للنجاسة.

المقام الثاني: في الروايات التي قد يدعى معارضتها لما تقدم

و هي روايتان:

الأولى: مرسلة الصدوق

التي ذكرها الفقهاء في المقام، و هي قوله في الفقيه: «سئل الصادق (ع) عن جلود الميتة، يجعل فيها اللبن و الماء‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 54 من الأطعمة المحومة


74
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الأولى: مرسلة الصدوق ؛ ج‌3، ص : 74

..........

______________________________
و السمن ما ترى فيه؟ قال: لا بأس ان تجعل فيها ما شئت من ماء أو لبن أو سمن، و تتوضأ منه و تشرب، و لكن لا تصل فيها»
«1».

و هي واضحة الدلالة على طهارة الميتة، خصوصا و قد عطف فيها اللبن و السمن على الماء، مما يسد باب احتمال ان يكون الحكم بجواز الوضوء أو الشرب من الماء الملاقي مع الميتة باعتبار عصمة الماء مثلا و عدم انفعاله حتى بعين النجاسة، لو احتمل ذلك في نفسه.

و قد ادعى صاحب المدارك: ان نقل الصدوق لهذه الرواية ثلم للإجماع و التسالم على نجاسة الميتة، إذ قد تعهد في صدر كتابه انه لا يروى إلا ما يعتمد عليه في مقام الإفتاء، فيدل على انه كان يفتي بعدم النجاسة.

و من هنا ينفتح البحث حول هذه المرسلة، تارة: من ناحية الاستدلال بها كرواية معارضة مع الروايات الظاهرة في نجاسة الميتة. و اخرى: من ناحية ثلمها للإجماع و التسالم الفقهي.

أما الاستدلال بها فيرد عليه:- أولا ضعف السند، باعتبار الإرسال. و الصدوق (ره) و ان كان يرويها بنحو الجزم، حيث يقول سئل الصادق (ع)، الا ان ذلك لا يكفي في شمول دليل الحجية له، ما دام لا يحتمل في حق مثل الصدوق أن ينقل الرواية عن الصادق (ع) بالحس، أو ما يكون بحكمه، كأن تكون الرواية المذكورة متواترة النقل الى زمانه، و ان النقل بالنحو المذكور يكشف عن تأكد الصدوق من صدور الرواية، و هذا لا يكفى لحجيتها.

ثانيا:- لو فرض صحة سندها- لا تكون- أيضا- مشمولة لدليل الحجية، باعتبار ما لدينا من الظن القوي و الوثوق بخلاف مضمونها، على ضوء ملاحظة مجموعة الفتاوى و النصوص الدالة على النجاسة.

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 24 من النجاسات


75
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الثانية: رواية علي بن جعفر ؛ ج‌3، ص : 76

..........

______________________________
و اما ثلم نقل الصدوق لها في كتاب من لا يحضره الفقيه للإجماع، فقد أجيب عليه تارة: بعدم قدح مخالفة الواحد، و اخرى: بأن نقل الصدوق له غاية ما يدل عليه انها لم تكن من الروايات الشاذة الضعيفة، فإن المستفاد من تعهده في أول كتابه انه لا يروى إلا ما يكون صحيحا في نفسه، و هذا لا يلزم ان تكون الرواية تامة الجهات في نظره- سنداً و دلالة- مع عدم المعارض لها، و لا قرينة على خلافها، كي يستفاد من ذلك إفتاؤه بمضمونها، فيلزم انثلام الإجماع.

و الواقع: ان كلا هذين الجوابين مما لا تقنع النفس به، بل يبقى لكلام صاحب المدارك شي‌ء من الوجاهة. إذ دعوى عدم قدح مخالفة الواحد ليست صحيحة في كل مقام، بحيث يمكن فرضه قاعدة كلية، بل لا بد من ملاحظة خصوصيات ذلك المخالف و مركزه و موقعه. فمخالفة مثل الصدوق (ره) القائم على رأس حوزة يكثر فيها الفقهاء و المشايخ قد تكشف عن عدم التسالم الارتكازي على النجاسة.

كما ان دعوى: عدم إفتائه بمضمون ما يرويه في كتابه، أيضا خلاف ظاهر تعهده في أول الكتاب: بأنه ينقل فيه ما يعتمد عليه في مقام الإفتاء.

و يدل عليه: انه صنف ذلك الكتاب لمن لا يحضره الفقيه من مقلديه، اللذين يبغون الاطلاع على فتاواه.

نعم ربما يدعى: عدم الجزم باعتماده على إطلاقها، فلعله كان يحملها على فرض كون الميتة مما لا نفس سائلة له، و ان كان يوحى عدم تقييده بذلك اعتماده على إطلاقها.

و على اي حال: فلو فرض قدح مثل هذه العبارة في كتاب الصدوق في التسالم و الإجماع، يكفينا لإثبات النجاسة الأدلة اللفظية المتقدمة.

الثانية: رواية علي بن جعفر

عن أخيه موسى (ع): «قال:


76
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الثانية: رواية علي بن جعفر ؛ ج‌3، ص : 76

..........

______________________________
سألته عن الرجل يقع ثوبه على حمار ميت، هل يصلح له الصلاة فيه قبل ان يغسله؟ قال: ليس عليه غسله، و ليصل فيه و لا بأس
«1»» فان نفي الأمر بالغسل، مع ضم ارتكاز سراية النجاسة بالملاقاة، يدل عرفا على عدم نجاسة الميتة.

و يمكن ان يدفع هذا الاستدلال: بان مورد الرواية مطلق من حيث وجود الرطوبة و عدمها، و نفى الأمر بالغسل انما يدل على عدم النجاسة بإطلاقه لفرض الرطوبة، و عليه يتعين تقييد هذا الإطلاق بما دل على نجاسة الميتة و على انفعال المائعات بها، فتختص هذه الرواية بفرض عدم الرطوبة.

و دعوى: ان هذه الرواية ليست مطلقة بل هي منصرفة إلى فرض وجود الرطوبة، لأن نفس ارتكاز عدم السراية بدون رطوبة، قرينة على ان استشكال السائل في لزوم غسل الثوب الداعي إلى سؤاله انما هو منصب على فرض الرطوبة، و لا أقل من كون ذلك منظورا إليه بصورة اساسية، على نحو لا يمكن تقييد الجواب بفرض الجفاف الذي هو خارج عن معرض استشكال الإنسان العرفي في السراية.

مدفوعة: بأن هذا انما يتم لو استظهر كون نظر الراوي إلى جهة سراية النجاسة بالملاقاة حسب قواعد السراية العرفية، و اما لو افترضنا ان نفس الملاقاة مع الميتة بما هي ملاقاة معها كانت موضوع استشكال لدى المتشرعة، فلا يتجه ما تقدم من دعوى اختصاص الرواية بفرض السراية و هكذا الافتراض يوجد عليه شاهد بلحاظ شخص علي بن جعفر راوي الرواية، حيث جاء في صحيحة أخرى له: «انه سأل عن الرجل وقع ثوبه على كلب ميت. قال: ينضحه بالماء و يصلى فيه و لا بأس» «2» فإنه‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 26 من أبواب النجاسات

(2) وسائل الشيعة باب 26 من النجاسات


77
بحوث في شرح العروة الوثقى3

بقي الكلام في الميتة من الإنسان: ؛ ج‌3، ص : 78

..........

______________________________
بعد استبعاد خفاء نجاسة الكلب على مثل علي بن جعفر يتعين ان يكون السؤال ناظرا الى فرض عدم الرطوبة، لاحتمال ان يكون مجرد الملاقاة مع الميت موضوعا لأثر شرعي، بلحاظ خصوصية في الموت.

بقي الكلام في الميتة من الإنسان:

فهل يحكم بنجاستها مطلقا أيضا، أو بطهارتها كذلك، أو فيهما تفصيل؟.

الحق هو التفصيل بين ميتته قبل الغسل و ميتته بعده، فيحكم بالنجاسة في الأول و الطهارة في الثاني، للروايات الآمرة بغسل ما يلاقي ميتة الإنسان إذا كان قبل الغسل، كرواية إبراهيم بن ميمون، عن ابي عبد اللّه: «عن رجل يقع ثوبه على جسد الميت. قال: ان كان غسل الميت فلا تغسل ما أصاب ثوبك منه، و ان كان لم يغسل فاغسل ما أصاب ثوبك منه يعني إذا برد الميت» «1» و يحمل عليه أيضا ما ورد فيه الأمر بالغسل مطلقا، كرواية الحلبي، عن ابي عبد اللّه: «قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت. فقال: يغسل ما أصاب الثوب» «2».

و قد يشك في دلالة روايات الباب الآمرة بالغسل على النجاسة.

اما بلحاظ ارتكازية إن نجس العين لا يطهر مع وضوح ان الميت ليس بنجس بعد التغسيل، فيكون الارتكاز المذكور قرينة على رفع اليد عن ظهور الأمر بالغسل في نجاسة الميت، و حمله على كونه حكما تعبديا.

و اما باعتبار البناء على ثبوت الأمر بغسل الملاقي لميت الإنسان مطلقا مع الرطوبة أو الجفاف، فيكون ارتكاز عدم سراية النجاسة مع عدم الرطوبة قرينة على ان الأمر بالغسل ليس بلحاظ نجاسة الميت، و الا لاختص بحال الرطوبة.

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 34 من أبواب النجاسات.

(2) وسائل الشيعة باب 34 من أبواب النجاسات.


78
بحوث في شرح العروة الوثقى3

بقي الكلام في الميتة من الإنسان: ؛ ج‌3، ص : 78

..........

______________________________
و اما بدعوى ان المراد بغسل الثوب غسل ما لصق به من رطوبة الميت و قذارته، و لا يدل ذلك على النجاسة الحكمية.

و كل ذلك مدفوع:

اما الأول فيرد عليه: أولا: ان ارتكاز عدم زوال النجاسة عن نجس العين الا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع- من قبيل طهارة الكلب بصيرورته ملحا، أو طهارة الكافر بصيرورته مسلما- انما يتم في الموارد التي تكون النجاسة الشرعية فيها بنكتة القذارة، لا بنكات معنوية، كما في المقام و كما في نجاسة الكافر و الخمر، لان زوال تلك النكتة المعنوية بالتطهير ليس على خلاف الارتكاز، بخلاف خروج ما يكون بذاته قذرا عن القذارة.

و ثانيا: انه كما ينافي مع الارتكاز ارتفاع النجاسة عن نجس العين، كذلك ينافي مع الارتكاز حمل الأمر بالغسل على نجاسة الثوب الملاقي مع طهارة الملاقي- بالفتح- لان الارتكاز يقضى بعدم منجسية الطاهر. و كذلك يعتبر إيجاب غسل النظيف و الطاهر تعبدا على خلاف الارتكاز. فاذا كانت كل المحتملات على خلاف الارتكاز فليؤخذ بظهور الأمر بالغسل في النجاسة.

و اما الثاني فيرد عليه: أولا: ان ما تقدم من الروايات مشتمل على ما هو مختص بفرض الرطوبة، إذ قد فرض فيه ان شيئا ما قد أصاب الثوب من الميت، و هذا لا يتصور مع الجفاف. و وجود ما يدل على الأمر بالغسل مطلقا لا يكون مضرا.

و ثانيا: لو سلم الإطلاق فظهور مادة الغسل في ثبوت النجاسة في مورده، مع ارتكاز عدم سراية النجاسة بلا رطوبة، يكون كالقرينة المتصلة على تقييد الإطلاق.

و اما الثالث: فيرد عليه: ان حمل الأمر بغسل الثوب على إرادة إزالة العين التي التصقت به من الميت خلاف الظاهر، لان المفهوم عرفا‌


79
بحوث في شرح العروة الوثقى3

حكم القطعة المبانة ؛ ج‌3، ص : 80

و كذا اجزائها المبانة منها، و ان كانت صغارا (1).

______________________________
من الأمر بالغسل ملاحظة الغسل لا بوصفه مجرد مزيل، بل باعتباره منظفا للمحل. و اعتباره كذلك يساوق النجاسة عرفا.

و من جملة ما يمكن ان يستدل به على النجاسة موثقة عمار: «قال:

سئل أبو عبد اللّه (ع) عن رجل ذبح طيرا فوقع بدمه في البئر فقال:

ينزح منها دلاء، هذا إذا كان ذكيا فهو هكذا. و ما سوى ذلك مما يقع في بئر الماء فيموت فيه: فأكثره الإنسان ينزح منها سبعون دلوا، و أقله العصفور ينزح منها دلو واحد، و ما سوى ذلك فيما بين هذين» «1».

فان هذه الرواية تفرق بين جيفة المذكى و جيفة الميتة، و المنسبق الى الذهن العرفي المتشرعي من هذه التفرقة انها بلحاظ نجاسة الميتة، بعد ان كان أهم فارق مركوز بين الجيفتين نجاسة الميتة و طهارة المذكى. و حيث جعلت ميتة الإنسان معطوفة على ميتة غيره، بل أشد منها، استفيد من ذلك نجاستها سواء كان الأمر بالنزح إلزاميا أو تنزيهيا.

و مثل هذا التقريب لم يكن بالإمكان إجراؤه فيما تقدم عند محاولة الاستدلال بروايات النزح على أصل نجاسة الميتة لأن هذا التقريب يعتمد على افتراض المفروغية عن ارتكاز نجاسة ميتة الحيوان.

[حكم القطعة المبانة]

(1) قد يشك في الحكم بنجاسة الجزء المبان، بدعوى: ان العنوان المأخوذ في موضوع روايات النجاسة هو الميتة، و الجزء من الحيوان الميت لا يصدق عليه هذا العنوان، فلا يشمله دليل النجاسة.

و يمكن دفع هذا التشكيك:

تارة: بأن اتصال بعض الاجزاء ببعض لما كان دخله في النجاسة على‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 21 من أبواب الماء المطلق


80
بحوث في شرح العروة الوثقى3

حكم القطعة المبانة ؛ ج‌3، ص : 80

..........

______________________________
خلاف الارتكاز العرفي و مناسبات الحكم و الموضوع، فتلغى هذه الخصوصية، و يكون للدليل إطلاق لفرض الانفصال.

و اخرى: بالتمسك بمثل رواية قاسم الصيقل- لو تم سندها- «قال:

كتبت الى الرضا (ع): اني اعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة، فيصيب ثيابي، أ فأصلى فيها؟ فكتب إليّ: اتخذ ثوبا لصلاتك. إلخ» «1» فإن النظر في الرواية إلى سراية النجاسة الى الثوب بالملاقاة، فهي تدل على ان الجلد المنفصل نجس فكذلك سائر الأجزاء المبانة.

و ثالثة: بالتمسك بظهور ما دل على طهارة الأجزاء التي لا تحلها الحياة، كرواية حريز قال: «قال أبو عبد اللّه لزرارة و محمد بن مسلم:

اللبن، و اللباء، و البيضة، و الشعر، و الصوف، و القرن، و الناب، و الحافر، و كل شي‌ء يفصل من الشاة و الدابة. فهو ذكي و ان أخذته منه بعد ان يموت فاغسله وصل فيه» «2». فان أمره بالغسل على تقدير الأخذ بعد الموت قرينة على النظر إلى الطهارة في قوله: (فهو ذكي). و حينئذ يدل على ان الجزء المبان في الجملة محكوم بالنجاسة، و الا لم يكن هناك معنى للتنصيص. على هذه الاجزاء فقط.

و رابعة: بالاستناد الى ما دل على ان القطعة المبانة من الحيوان الحي ميتة، بدعوى: التعدي عرفا، و كون ذلك الدليل قرينة على ان الميتة عنوان لوحظ موضوعا للحكم الشرعي بنحو ينطبق على الجزء أيضا.

و خامسة: بلحاظ ما دل على نجاسة الميتة، معلقا للحكم على عنوان الجيفة، من قبيل: قوله- في رواية حريز- «كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء و اشرب، فإذا تغير الماء، و تغير الطعم فلا تتوضأ‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 34 من النجاسات

(2) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة


81
بحوث في شرح العروة الوثقى3

حكم القطعة المبانة ؛ ج‌3، ص : 80

..........

______________________________
منه و لا تشرب»
«1». بدعوى: أن الجيفة كما تصدق على الكل تصدق أيضا على القطعة المبانة من الميت، فيتمسك بإطلاقها.

و سادسة: بصحيحة محمد بن مسلم، الناهية عن الأكل من آنية أهل الكتاب، معللة ذلك بأنهم يأكلون فيها الميتة «2». مع وضوح انهم انما يأكلون فيها جزءا من الميتة بعد اقتطاعه، فلو لم يكن نجسا لما تنجس الإناء.

و سابعة: بالاستناد الى استصحاب النجاسة الثابتة قبل فصل الجزء عن الميتة.

و المهم هو التقريب الأول. و اما التقريبات الأخرى فأكثرها قابلة للمناقشة اما الثاني: فلضعف سند الرواية.

و اما الثالث: فلان قوله: (فهو ذكي) لعله في مقام بيان التذكية في مقابل الميتة و آثارها، فلو التزم بأن القطعة المبانة طاهرة مطلقا لا يلزم من ذلك إلغاء خصوصية العناوين المذكورة في الرواية، إذ يكفي في خصوصيتها جواز الصلاة فيها.

و اما الرابع: فلا مكان منع التعدي عرفا من تنزيل القطعة المبانة من الحي منزلة الميتة إلى تنزيل القطعة المبانة من الميت، لان الموت بالنحو المناسب للجزء عرض على تلك القطعة مستقلا، و عرض على هذه ضمنا، فلا غرابة- بقطع النظر عن الارتكاز الملحوظ في التقريب الأول- في ان تكون النجاسة في القطعة المبانة من الحي استقلالية، و تكون النجاسة في القطعة من الميتة منوطة باتصالها. اللهم الا ان يقال: ان مثل ما جاء عن ابي عبد اللّه (ع) في رواية أبي بصير- لو تم سندها- من انه قال «في أليات الضأن تقطع و هي أحياء: أنها ميته» قد علق فيه الحكم بالميتة‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 3 من الماء المطلق

(2) وسائل الشيعة باب 54 من الأطعمة المحرمة


82
بحوث في شرح العروة الوثقى3

حكم القطعة المبانة ؛ ج‌3، ص : 80

..........

______________________________
و ما تستتبع من نجاسة على عنوان (أليات الضأن تقطع)، و هذا العنوان كما ينطبق على الألية المقطوعة حال اتصالها كذلك ينطبق عليها بعد تقطعتها، فيثبت بالإطلاق انها ميتة و نجسة بعد التقطعة أيضا، و إذا ثبت هذا في الألية المقطوعة يثبت في أصل الميتة أيضا.

و اما الخامس: فلان تلك الروايات ليست في مقام البيان من ناحية أصل نجاسة الجيفة، يتمسك بإطلاقها، بل هي في مقام بيان انفعال الماء و عدم انفعاله.

نعم لا بأس بالتقريب السادس.

و اما السابع، و هو الاستصحاب فقد يستشكل في جريانه فيما إذا حصل الانفصال و الموت في آن واحد، الا ان يتمسك بالاستصحاب التعليقي و يقال: بان هذا لو مات قبل ساعة لكان نجسا، فتستصحب هذه القضية التعليقية إلى حين الانفصال.

و هكذا نعرف: أن أوضح التقريبات في دفع التشكيك هو الأول، أي إلغاء خصوصية الاتصال و الهيئة التركيبية بالارتكاز العرفي. بل يمكن ان يقال في دفع التشكيك: إن ميتة الحيوان إذا قسمت الى اجزاء فكل جزء، و ان كان لا يصدق عليه عنوان الميتة فلا يكون فردا مستقلا من موضوع دليل النجاسة، و لكن مجموع الاجزاء يصدق عليها انها ميتة ذلك الحيوان، لان كونها كذلك غير موقوف على اتصال بعضها ببعض، فيثبت بإطلاق الدليل نجاسة المجموع، من دون حاجة الى الاستعانة بالارتكاز العرفي لإلغاء دخل الهيئة التركيبية في موضوع النجاسة، و انما نحتاج إليه لإلغاء دخل ما يكون دخله أوضح بطلانا، و هو انحفاظ سائر الاجزاء و عدم تلفها، فإنه بعد تجزئة الميتة الى اجزاء تثبت النجاسة للمجموع على تجزئته لكونه ميتة. و لا يحتمل عرفا دخل بقاء جزء و عدم تحلله في بقاء النجاسة في الجزء‌


83
بحوث في شرح العروة الوثقى3

طهارة ما لا تحله الحياة ؛ ج‌3، ص : 84

 

عدا ما لا تحله الحياة منها (1) كالصوف، و الشعر، و الوبر، و العظم، و القرن، و المنقار، و الظفر، و المخلب، و الريش، و الظلف، و البيضة إذا اكتصت القشر الأعلى.

______________________________
الآخر المنفصل عنه، و بذلك يثبت المطلوب.

[طهارة ما لا تحله الحياة]

(1) دراسة حكم ما لا تحله الحياة من اجزاء الميتة تارة: يكون بلحاظ أدلة نجاسة الميتة الأولية. و أخرى: بلحاظ الروايات الخاصة الواردة فيما لا تحله الحياة، فهنا مقامان:

أما المقام الأول [بلحاظ أدلة نجاسة الميتة الأولية]

فقد يقال: بان المستفاد من الأدلة الأولية نجاسة الميتة، و مقتضى ذلك نجاستها بتمام اجزائها، فتثبت النجاسة بالإطلاق للصوف و الشعر و نحوهما أيضا.

و يمكن التشكيك في هذا الإطلاق بدعوى: ان نجاسة الميتة استفيدت من روايات من قبيل: ما فرض فيه وقوع الميتة في الماء، أو تفسخ الفأرة في الإناء، أو سقوط الحيوان و موته في السمن و الزيت و نحو ذلك، و أمر فيه بنزح الماء، أو اراقة المائع، أو غسل ما اصابه ذلك الماء، و نحو هذا.

و من الواضح ان ذلك لا يستكشف منه نجاسة تمام أجزاء الميتة حتى صوفها و شعرها، لأن نجاسة ما عدا ذلك من أجزائها التي تحلها الحياة تكفى لتصحيح الأمر بالنزح أو الإراقة أو الغسل، لان المفروض وقوع الميتة في الماء أو السمن لا وقوع شعرها أو صوفها خاصة.

نعم لو تم ما كان بلسان الفقه الرضوي: «ان مس ثوبك ميتا فاغسل ما أصاب، و ان مسست ميتة فاغسل يديك» «1» فقد يقال بإطلاقه لمس صوف الميتة، لأن مس صوفها مس لها، فيثبت بإطلاق الأمر بالغسل‌

______________________________
(1) مستدرك الوسائل باب 26 من النجاسات

 

 

 

84
بحوث في شرح العروة الوثقى3

المقام الثاني: فيما تقتضيه الروايات الخاصة. ؛ ج‌3، ص : 85

..........

______________________________
نجاسة الصوف أيضا. و كذلك لو قيل بالتوسعة في مفهوم جسد الميت في قوله: «سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت»
«1»، بدعوى:

ان شعر الميت من جسده.

و لكن الرضوي ساقط سندا. و التوسعة المذكورة غير واضحة عرفا.

و الروايات التي ذكرناها في المسألة السابقة لإثبات نجاسة جزء الميتة، و التي أخذ في موضوعها عنوان الجلود أو أليات الغنم المقتطعة من الحي أو الجيفة أو الميتة التي توجد في أواني أهل الكتاب، لا تشمل مثل الصوف و الشعر مما لا تحله الحياة كما هو واضح.

و لا يمكن التعدي من القدر المتيقن لدليل النجاسة و هو ما تحله الحياة الى ما لا تحله الحياة من اجزاء الميتة، بعد فرض عدم وجود الإطلاق اللفظي، لان الارتكاز العرفي و مناسبات الحكم و الموضوع توجب احتمال الفرق وجدانا، بل قد يدعى: انه لو تم دليل على نجاسة الميتة بعنوانها لما اتجه الأخذ بإطلاقه لإثبات نجاسة مثل الصوف و الشعر: إما لخروج مثل ذلك عن العنوان موضوعا بعد عدم شمول الموت له في نظر العرف، و إما لخروجه حكما لو سلم شمول لفظ الميتة اصطلاحا حتى لما لا يشمله الموت للتبعية و ذلك بمناسبات الحكم و الموضوع.

فعلى اي حال للتشكيك في وجود الإطلاق في نفسه- بقطع النظر عن الاخبار الخاصة- مجال، و معه يكون المرجع الأصول النافية للنجاسة.

المقام الثاني: فيما تقتضيه الروايات الخاصة.

و الكلام في ذلك يقع في جهتين: إحداهما: في الروايات التي يستدل بها على طهارة ما لا تحله الحياة من الميتة و الأخرى: في الروايات التي قد يستدل بها على نجاسة تلك الاجزاء، اما على نحو النجاسة العينية المطلقة، أو على نحو النجاسة‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 34 من النجاسات


85
بحوث في شرح العروة الوثقى3

اما الجهة الأولى: ؛ ج‌3، ص : 86

 

..........

______________________________
العينية التي تزول بالغسل، كنجاسة ميت الإنسان.

اما الجهة الأولى:

فروايات الطهارة طائفتان:

الأولى:

ما دلت على طهارة العناوين المذكورة و استثنائها من حكم الميتة بدون إعطاء العنوان الكلي الجامع لها، من قبيل رواية الحسين بن زرارة:

قال: «كنت عند ابي عبد اللّٰه (ع) و ابي يسأل عن اللبن من الميتة، و البيضة من الميتة، و إنفحة الميتة. فقال: كل هذا ذكي» «1» و رواية الصدوق: «قال الصادق (ع) عشرة أشياء من الميتة ذكي: القرن، و الحافر، و العظم، و الانفحة، و اللبن، و الشعر، و الصوف، و الريش، و البيض» «2»:

و هذه الطائفة- و التي فيها ما هو معتبر السند- لا إشكال في دلالتها على الطهارة.

و لكن قد يستشكل في دلالتها على الضابطة الكلية و هي طهارة كل ما لا تحله الحياة، و يقال: بلزوم الاقتصار على العناوين المذكورة فيها غير انه لا يبعد دعوى: استفادة قاعدة كلية منها بحمل ما ورد فيها من العناوين على المثالية، و اقتناص الجامع المنتزع منها بحسب فهم العرف و المناسبات التي يراها للحكم المذكور و جعله هو موضوع الحكم بالطهارة، فمن القريب ان يقال: ان العرف يفهم من العناوين المذكورة انها كلها بنكتة مشتركة قد حكم عليها بالطهارة، و هي كونها مما لا تحلها الحياة و لم تكن مصب الروح الحيوانية، و ان كانت بالنظر العقلي الدقيق فيها شي‌ء من الحياة و بذلك يستفاد من هذه الطائفة ما يستفاد من الطائفة الثانية من الحكم بطهارة كل ما لا تحله الحياة من اجزاء الحيوان.

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 68 من النجاسات

(2) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة

 

 

 

86
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الثانية: ؛ ج‌3، ص : 87

الثانية:

______________________________
ما دلت على الطهارة بعنوان كلي ينطبق على ما ليس فيه روح و لا تحله الحياة من الاجزاء، من قبيل رواية الحلبي عن ابي عبد اللّه (ع) «قال: لا بأس بالصلاة فيما كان من صوف الميتة، ان الصوف ليس فيه روح»
«1».

و دلالتها على القاعدة الكلية واضحة: كما ان المقصود من الروح فيها الحياة الحيوانية، لا مجرد النمو و نحوه كما هو واضح عرفا، فيشمل كل جزء غير لحمي من الحيوان، لأنه ليس فيه روح، إما بالإطلاق اللفظي لو قيل بان ما فيه الروح تعبير عرفي عن اللحم، أو بالإطلاق المقامي باعتبار ان العرف يفهم ان ما فيه الروح و الحياة الحيوانية هو اللحم فقط، و قد أمضى ذلك في الرواية و لم ينبه على خلافه.

و من جملة روايات هذه الطائفة أيضا صحيحة حريز قال: «قال أبو عبد اللّه (ع) لزرارة و محمد بن مسلم: اللبن، و اللباء، و البيضة، و الشعر، و الصوف، و القرن، و الناب، و الحافر، و كل ما يفصل من الشاة و الدابة فهو ذكي. و ان أخذته منه بعد ان يموت فاغسله وصل فيه» «2».

فإنها تدل على طهارة عنوان كلي هو (كل ما يفصل عن الدابة) أي ما يعتاد فصله عنه خارجا أو ما يكون من شأنه ذلك، كناية عن كل ما كان عارية في جسم الحيوان بحسب الفهم العرفي، و هو ضابط قريب عرفا مع عنوان ما لا تحله الحياة من الحيوان، و ان كان يفترقان في صدق الأخير على العظم دون الأول. و لا يقدح في الاستدلال بها اختصاص صدرها بحال الحياة، فإن ذيلها قد دل على عدم النجاسة بعد الموت أيضا، و ان أمر فيها بالغسل بلحاظ النجاسة العرضية، التي سوف يقع الكلام‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 68 من النجاسات.

(2) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة.


87
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الثانية: ؛ ج‌3، ص : 87

..........

______________________________
فيها إن شاء اللّٰه تعالى.

كما ان ورود عنوان الشاة في موردها لا يضر بالاستدلال أيضا، إذ يتعدى منها- عرفا- الى غيرها اما بقرينة عطف الدابة عليها بعد حملها على مطلق ما يدب على الأرض، أو بالفهم العرفي و ارتكازهم عدم الفرق المستوجب لحمل المورد على المثالية.

و لكن قد يستشكل في دلالة هذ الرواية: بأن صدرها وارد فيما أخذ من الحيوان و هو حي، و ما هو محل الكلام- و هو المأخوذ من الميت من الاجزاء التي لا تحلها الحياة- تعرضت له الرواية في الفقرة الأخيرة في قوله: «و ان أخذته منه بعد ان يموت فاغسله وصل فيه» و هذه الفقرة- بقرينة افتراضها للصلاة في المأخوذ- تختص بمثل الصوف و الشعر، فلا يستفاد منها طهارة جميع الأشياء المذكورة.

و هذا الاشكال يمكن دفعه بان ظاهر قوله: (و ان أخذته) كون مرجع الضمير تمام ما ذكر في الفقرة الاولى. و ارادة خصوص الصوف و الشعر مما ذكر قبله و بعده أشياء أخرى في صدر الرواية خلاف المتفاهم العرفي جدا، على نحو لا يصح قوله: (وصل فيه) قرينة عليه، بل يكون ظهور الضمير قرينة على ان المراد بالصلاة المثال للانتفاع به على نحو ما ينتفع بالطاهر، فيتم الاستدلال.

و من جملة روايات هذه الطائفة أيضا: الرواية التي ينقلها الشيخ بإسناده عن صفوان عن حسين بن زرارة عن ابي عبد اللّه (ع): «انه قال: العظم و الشعر و الصوف و الريش و كل ذلك نابت لا يكون ميتا» «1» و قد أرسلها الكليني عن صفوان، غير انه ورد فيها عنوان: «ان كل‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة ح 12


88
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الجهة الثانية: في الروايات التي قد يستدل بها على النجاسة، ؛ ج‌3، ص : 89

..........

______________________________
نابت لا يكون ميتة»
«1» و هو أظهر في الدلالة على الضابط العام و هو:

(ان كل نابت ليس بميتة) مما ورد في نقل الشيخ، إذ قد يمنع دلالته على ذلك، حيث لم ينف الميتة عن كل نابت و انما نفى عن العناوين المذكورة.

الا ان الصحيح استفادة العموم منه أيضا بحسب المتفاهم العرفي، حيث يفهم منه ان النابتية هي علة الحكم عليها بأنها ليست بميتة.

الجهة الثانية: في الروايات التي قد يستدل بها على النجاسة،

فمن تلك الروايات رواية الحلبي قال: «سألته (ع) عن الثنية تنفصم و تسقط، أ يصلح ان تجعل مكانها سن شاة؟. قال: ان شاء فليضع مكانها سنا، بعد ان تكون ذكية» «2».

فقد اشترط عدم كون السن من الميتة، فلو كان السن من الميتة طاهرا، لما وجد مبرر لهذا الاشتراط.

و يرد عليه ان الاشتراط ليس له ظهور في كونه ناظرا إلى ناحية النجاسة، فلعله بلحاظ وجود حزازة في الانتفاع بسن الميتة، أو حزازة في الصلاة معه، و لا يكفى ذلك لإثبات النجاسة. و غاية الأمر: ان ذلك يكون مقيدا لعموم التعليل في مثل رواية الحلبي، المتكفلة لتعليل جواز الصلاة في الصوف بأنه ليس فيه روح، بإخراج السن من عموم التعليل فيه، دون ان تثبت النجاسة، بعد قصور أدلة النجاسة في نفسها كما عرفت. هذا مضافا الى ان الناب صرح به في رواية حريز، و معه يتعين حمل الاشتراط في رواية الحلبي على الاستحباب.

و من تلك الروايات رواية مسعدة بن صدقة عن جعفر عن أبيه «قال:

قال: جابر بن عبد اللّه: ان دباغة الصوف و الشعر غسله بالماء، و أي‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة ح 8

(2) وسائل الشيعة باب 68 من أبواب النجاسات


89
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الجهة الثانية: في الروايات التي قد يستدل بها على النجاسة، ؛ ج‌3، ص : 89

..........

______________________________
شي‌ء يكون اطهر من الماء»
«1». فان التعبير بالدباغة انما هو انسياق مع ما اشتهر من مطهرية الدباغة للجلود. و مفاد الرواية هو ان الصوف و الشعر يطهر بالغسل بالماء، و حيث لم تفرض نجاسة عرضية للصوف و الشعر كانت الرواية دالة على النجاسة الذاتية، و لكنها سنخ نجاسة ترتفع بالغسل، كنجاسة الميت من الإنسان التي ترتفع بتغسيله.

و يرد عليه- مضافا الى ضعف سند الرواية، حيث لم تثبت وثاقة مسعدة بن صدقة، و غرابة رواية الأئمة عن جابر- ان الرواية في مقام بيان المطهر للصوف و الشعر، و ليست في مقام البيان من ناحية أصل نجاستهما ليتمسك بالإطلاق لفرض عدم الملاقاة مع الرطوبة، فلعل النجاسة الملحوظة هي النجاسة العرضية الحاصلة من الملاقاة بالرطوبة في فرض النتف. و لكن هذا لا يخلو من تأمل: لأن الظاهر من الرواية كونها في مقام دفع استغراب مطهرية الماء، و لهذا تقول: و أي شي‌ء يكون اطهر من الماء، و لا غرابة في مطهرية الماء من النجاسة العرضية، الحاصلة بالملاقاة، فنفس ذلك قد يكون قرينة على ان النظر الى ارتفاع النجاسة الذاتية بالماء، و هو أمر غريب يناسب سياق الرواية الوارد في مقام دفع الاستغراب. غير ان المتعين حينئذ الحمل على المطهرية التنزيهية جمعا بينها و بين روايات الطهارة.

و من تلك الروايات رواية حريز المتقدمة، التي ورد فيها قوله: «و ان أخذته منه بعد ان يموت فاغسله وصل فيه» بدعوى: ان الأمر بالغسل حيث لم يفرض في موضوعه الملاقاة مع الرطوبة يدل على النجاسة الذاتية للصوف و نحوه.

و يرد عليه: ان ارتكازية عدم ارتفاع النجاسة الذاتية بالغسل، تكون بنفسها قرينة على ان الأمر بالغسل انما هو في مورد الملاقاة مع ما تحله الحياة‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 68 من النجاسات


90
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الجهة الثانية: في الروايات التي قد يستدل بها على النجاسة، ؛ ج‌3، ص : 89

..........

______________________________
من اجزاء الميتة بالرطوبة، لا مطلقا. هذا مضافا: الى تعين الحمل على الاستحباب و التنزه في مقام الجمع مع مثل رواية الحلبي، لأبعدية الجمع بينهما بحمل رواية الحلبي على ما بعد الغسل. و ان فرض تساوي الجمعين في نظر العرف كفى ذلك في الحكم بعدم النجاسة، لعدم الدليل.

و هكذا نعرف ان العناوين التي ذكرها السيد الماتن (قده) من اجزاء الميتة التي لا تحلها الحياة كلها محكوم عليها بالطهارة. غير انه ينبغي البحث في خصوص البيضة منها، حيث انهم اشترطوا في الحكم بطهارتها اكتسابها القشر الأعلى، فنقول: اما وجه الحكم بالطهارة فيها.

فأولا: عدم تمامية مقتضى النجاسة، حيث ناقشنا في تمامية الإطلاق في دليل نجاسة الميتة كي يشمل البيضة.

و ثانيا: انه لو سلم الإطلاق لكل جزء من الميتة فالبيضة خارجة عن اجزائها عرفا، خصوصا بعد اكتساب القشرة.

و ثالثا: الروايات التي استثنت البيضة عن الميتة تفصيلا، أو باعتبار اندراجها في الضوابط العامة المستثناة فيها.

و المهم من البحث في البيضة يقع في جهتين:

الاولى: في حكمها قبل اكتساب القشرة.

الثانية: في شمول الحكم المذكور للبيض من الحيوان حرام اللحم.

اما الجهة الاولى: فلا إشكال في نجاسة البيضة قبل اكتساب القشر، و لو من جهة الملاقاة مع النجس من اجزاء الميتة. و اما بعد اكتسابه بنحو يمنع عن السراية فمقتضى ما ذكرناه الآن هو الحكم بطهارتها، دون فرق بين ان تكون قد اكتسبت القشر الأعلى أم لا.

و المشهور بين الفقهاء: اشتراط القشرة الصلبة، مستندين في ذلك الى رواية غياث عن ابي عبد اللّه (ع): «في بيضة خرجت من است‌


91
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الجهة الثانية: في الروايات التي قد يستدل بها على النجاسة، ؛ ج‌3، ص : 89

سواء كانت من الحيوان الحلال أو الحرام (1).

______________________________
دجاجة ميتة. قال (ع): ان كانت اكتست البيضة الجلد الغليظ فلا بأس بها»
«1».

و الاستدلال بها موقوف على تمامية سندها، و ان يكون البأس الملحوظ فيها هو النجاسة، لا حرمة الأكل قبل اكتساب القشر و لو بملاك كونها من الخبائث كالميتة نفسها. و لا قرينة على الملحوظ في البأس هو النجاسة، لأن حرمة الأكل نحو بأس و شدة أيضا. و النجاسة تستتبع حرمة الأكل، و بهذا كانت حرمة الأكل متيقنة، فتنفى النجاسة بالأصل، أو بالفحوى من أدلة طهارة ما ليس فيه روح.

(1) هذه هي الجهة الثانية في شمول الحكم بالطهارة لما إذا كانت من حرام اللحم الطاهر العين في حال الحياة، ذلك انه نسب الى بعض القول باختصاص الحكم بالبيض من حلال اللحم. و يمكن توجيهه بدعوى ان مدرك الحكم بالطهارة هو الروايات المخصصة لأدلة النجاسة الواردة في البيض، أو في مطلق ما لا تحله الحياة و هذه الروايات لا تشمل بيض حرام اللحم، لأنه قد ورد بعضها في أكل بيض الدجاج «2»، و بعضها في جواز الصلاة «3» و ورد في بعضها التعبير بان فيها منافع الخلق «4»، المنصرفة عرفا إلى منفعة الأكل، و عطف في بعضها البيض على اللبن و اللباء «5» مما قد يدعى إيجابه للانصراف الى البيض الذي يكون في معرض الاستعمال و الغذاء.

و لكن الصحيح ان هذا لا يكفى للحكم بنجاسة البيضة من حرام اللحم الطاهر العين و ذلك.

أولا: لعدم تمامية مقتضى النجاسة في نفسه، على ما مضى من عدم‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة ح 6

(2) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة

(3) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة

(4) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة

(5) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة


92
بحوث في شرح العروة الوثقى3

يمكن ان يستدل على التفصيل بين النتف و الجز بوجوه: ؛ ج‌3، ص : 93

و سواء أخذ ذلك بجز أو نتف أو غيرهما. نعم يجب غسل المنتوف من رطوبات الميتة (1).

______________________________
تمامية الإطلاق.

و ثانيا لأنه لو فرض تمامية الإطلاق في روايات النجاسة لكل جزء من الميتة، فالبيضة ليست منها عرفا.

و ثالثا:- لتمامية الإطلاق في بعض روايات الاستثناء، كرواية الحسين ابن زرارة المتقدمة، لخلوها من تلك القرائن المدعاة:

يمكن ان يستدل على التفصيل بين النتف و الجز بوجوه:

الأول: أن الأخذ بالنتف يوجب قطع أصول الشعر

(1) و هي مما تحله الحياة، فيتعين الحكم بالنجاسة.

و فيه أولا:- ان غايته الحكم بنجاسة أصول الشعر المنتوف، كما هو واضح.

و ثانيا: ان الصحيح هو الحكم بطهارة أصوله أيضا، إذ لو سلمنا انها مما تحله الحياة في نظر العرف فلا يمكن إثبات نجاستها، لعدم وجود إطلاق في دليل النجاسة على ما تقدم.

الثاني: الاستدلال برواية الجرجاني

عن ابي الحسن (ع) قال:

«كتبت إليه أسأله عن جلود الميتة التي يؤكل لحمها ذكيا. فكتب: لا ينتفع من الميتة بإهاب و لا عصب و كلما كان من السخال الصوف ان جز، و الشعر، و الوبر، و الانفحة، و القرن، و لا يتعدى الى غيرها ان شاء اللّه» «1» و هي المكاتبة التي يدعي وجود السقط فيها حيث انها بعد ان استثنت «كلما كان من السخال. إلخ» لم يصرح بحكمها، و ان كان يفهم من‌

______________________________
(1) فروع الكافي كتاب الأطعمة باب ما ينتفع به من الميتة ج 6 الحديث 6 و قد نقلت في الوسائل عن الكافي بتوسيط أبي إسحاق بين الجرجاني و ابي الحسن (ع)


93
بحوث في شرح العروة الوثقى3

طهارة الإنفحة ؛ ج‌3، ص : 94

 

و يلحق بالمذكورات الانفحة (1)

______________________________
السياق ان حكمها نقيض ما ذكر أولا، أي جواز الانتفاع بها.

و تقريب الاستدلال بها هو: التمسك بمفهوم قوله: «الصوف ان جز» لما إذا نتف الصوف عن جلد الميتة، حيث يكون دالا على المنع من الانتفاع به، فيكون ظاهرا عرفا في نجاسته، بناء على انصراف دليل عدم جواز الانتفاع إلى النجاسة.

و فيه أولا- ضعف سندها.

و ثانيا: انها معارضة برواية حريز المتقدمة التي جاء فيها قوله: «و ان أخذته منه بعد ان يموت فاغسله وصل فيه» إذا فرض ظهور تلك الرواية في النظر إلى النجاسة العرضية الحاصلة بالملاقاة بالرطوبة لما تحله الحياة من الميتة على ما تقدم، لان من الواضح حينئذ كون موردها هو النتف، إذ في حالة الجز لا توجد الملاقاة المزبورة عادة، فيكون الأمر بالغسل بنفسه دليلا على نفي النجاسة الذاتية.

[طهارة الإنفحة]

(1) و ذلك للروايات العديدة التي استثنت الانفحة ضمن ما استثنت من العناوين لو فرض تمامية المقتضي للنجاسة فيها كصحيحة زرارة عن ابي عبد اللّٰه (ع) «قال: سألته عن الانفحة تخرج من الجدي الميت قال:

لا بأس به قلت اللبن يكون في ضرع الشاة و قد ماتت. قال: لا بأس به الحديث» «1» فالحكم باستثناء الانفحة عن الميتة مما لا ينبغي الإشكال فيه.

و مهم البحث في المقام عن جهتين:

الجهة الاولى: في تشخيص الصغرى،

فإن الانفحة قد اختلف في انها اسم الظرف، أو المظروف، أو هما معا.

و قد خرجت الكلمة المذكورة عن مجال المحاورات العرفية اليوم،

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة

 

 

 

94
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الجهة الاولى: في تشخيص الصغرى، ؛ ج‌3، ص : 94

..........

______________________________
و تحديدات اللغويين لها أيضا لا تخلو من تشويش و اختلاف، كما يظهر لمن راجع كلماتهم. فالمدلول اللغوي للكلمة في عصر صدور هذه الروايات مجمل لدينا لا يمكن تحديده. و بناء على ذلك ينبغي ان يقال: انه تارة:

يبنى على إنكار وجود إطلاق في دليل النجاسة يشمل كل جزء جزء من الميتة. و اخرى: يفترض تمامية الإطلاق.

فعلى التقدير الأول: يكون الحكم هو طهارة الظرف و المظروف معا، تمسكا بالأصول المؤمنة.

و على الثاني: فاما ان يستفاد من روايات استثناء الإنفحة أن المظروف متيقن الإرادة فيها على كل حال، باعتبار نظرها الى ما فيه منافع الناس، و يستعمل في الجبن و نحو ذلك من التعبيرات الواضحة في النظر الى المظروف.

أو يقال بالإجمال فيها أيضا، و احتمال ان يكون نظرها الى الظرف فقط.

فعلى الأول: يقتصر في الحكم بالطهارة على المظروف فقط، و يبقى الظرف مشمولا لإطلاق أدلة النجاسة.

لا يقال على هذا يمكن التمسك بدليل تنجيس النجس لملاقيه، لإثبات نجاسة المظروف أيضا.

فإنه يقال: دليل استثناء الانفحة و ان كانت ناظرة إلى النجاسة الذاتية الناشئة من الميتة، الا انه لا إشكال في ظهورها بل صراحتها في الطهارة الفعلية المسوغة للانتفاع بها، فلو كانت نجاسة الظرف تسرى الى المظروف لسقط عن الانتفاع الفعلي، بمجرد موت الحيوان عادة.

لا يقال: يقع التعارض بين دليل نجاسة الميتة و دليل تنجيس المتنجس، حيث يكون دليل استثناء الانفحة تخصيصا لأحدهما، و بعد التساقط يحكم بطهارة الظرف أيضا.

فإنه يقال دليل التنجيس نعلم بسقوط إطلاقه في المقام، اما تخصيصا‌


95
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الجهة الاولى: في تشخيص الصغرى، ؛ ج‌3، ص : 94

..........

______________________________
أو تخصصا، فلا يمكن ان يعارض به الإطلاق من دليل نجاسة الميتة، إلا بناء على جواز التمسك بأصالة عدم التخصيص لإثبات التخصص، و هو باطل عندنا.

لا يقال: ارتكازية السراية بين المتلاقيين مع الرطوبة توجب ظهور روايات استثناء الإنفحة في طهارة الظرف و المظروف معا.

فإنه يقال: هذا الارتكاز و ان كان ثابتا في ذهن العرف و المتشرعة، و على أساسه نستفيد طهارة المتلاقيين في سائر الموارد، الا انه في خصوص المقام لا يمكن التعويل عليه، باعتبار أن ارتكازية السراية يقابلها ارتكاز عدم الفرق في نجاسة الميتة بين هذا الجزء و سائر الاجزاء، و كما ان الالتزام بطهارة المظروف دون الظرف يعنى تحديد الارتكاز الأول، كذلك الالتزام بنجاسة الظرف يعنى تحديد الارتكاز الثاني.

و اما على التقدير الثاني و هو إجمال روايات استثناء الانفحة و ترددها بين الظرف و المظروف، و هذا ما لا نقول به فتارة: يفرض ان كلا من الظرف و المظروف جزء من الميتة مشمول الإطلاق دليل النجاسة و اخرى:

يفرض ان الجزء هو الظرف فقط، و اما المظروف فهو كالبيض ليس من اجزاء الميتة.

اما على الفرض الأول فيمكن إثبات طهارة المظروف بدعوى: ان العرف لا يحتمل نجاسة المظروف مع طهارة الظرف، باعتبار أن جزئية الظرف و التصاقه بالميتة، و اقتضاء الموت لنجاسته بحسب المناسبات المركوزة لدى العرف آكد و أشد من المظروف، فتنعقد ببركة هذا الفهم العرفي دلالة عرفية في دليل الاستثناء لشمول المظروف، حتى لو كان النظر فيه الى الظرف خاصة.

و لو أنكرنا هذا الوجه اندرج المقام في موارد دوران أمر المخصص‌


96
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الجهة الثانية من البحث في شمول الحكم بالطهارة لانفحة ما لا يؤكل لحمه ؛ ج‌3، ص : 97

 

..........

______________________________
المنفصل بين المتباينين- و هما الظرف و المظروف- فلو قيل في مثله: بان عموم العام لكل من الفردين يعارض عمومه للآخر فيسقطان معا، حكم بطهارة الظرف و المظروف معا، رجوعا إلى الأصول العملية و ان قيل:

بسقوط أحد الإطلاقين و بقاء الآخر بإجماله على حجيته، لزم الاحتياط لا محالة، باعتبار العلم بالحجية على النجاسة في أحدهما.

و اما على افتراض عدم جزئية المظروف للميتة، فبالامكان إثبات طهارته مع الاستغناء عما سبق بأحد وجهين آخرين:

الأول: التمسك بإطلاق دليل النجاسة في الظرف لرفع إجمال دليل الطهارة و تعيينه في المظروف.

الثاني: التمسك بالأصول المؤمنة بعد عدم شمول دليل النجاسة له، فيحكم بعدم نجاسة المظروف ذاتا و عرضا، و نجاسة الظرف ذاتا. اما عدم نجاسة المظروف ذاتا فللأصل، و اما عدم نجاسته عرضا فلدليل الاستثناء، فإنه سواء كان شاملا للظرف أو المظروف يدل على عدم النجاسة العرضية للمظروف كما هو واضح، و اما نجاسة الظرف فللتمسك بإطلاق دليل النجاسة فيه.

الجهة الثانية من البحث في شمول الحكم بالطهارة لانفحة ما لا يؤكل لحمه

و يمكن تقريب الحكم بطهارتها بأحد وجوه:

الأول: أن الإنفحة بمعنى المظروف ليست جزءا من الميتة،

فلا مقتضى للحكم عليها بالنجاسة، فيرجع فيها إلى أصالة الطهارة.

و فيه: انه لو أريد بهذا الوجه نفي النجاسة الذاتية عن الانفحة من غير المأكول باعتبار قصور مقتضيها عنها فهو صحيح، غير انه لا ينتج الطهارة الفعلية. و ان أريد به نفي النجاسة العرضية أيضا- بدعوى: ان دليل انفعال ملاقي الميتة مخصوص بموارد الملاقاة الخارجية مع الميتة، فلا‌

 

 

 

97
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الثاني: دعوى قصور دليل نجاسة الميتة في نفسه عن الانفحة ؛ ج‌3، ص : 98

..........

______________________________
إطلاق له لمثل الملاقاة الداخلية في محل الكلام فهو فاسد، إذ لو سلم عدم وجود إطلاق لفظي في أدلة انفعال ملاقي الميتة فلا إشكال في ان العرف يلغى خصوصية الملاقاة مع النجس من خارج أو من داخل، و يفهم من الدليل مدلولا أوسع من مورد الملاقاة الخارجية.

الثاني: دعوى قصور دليل نجاسة الميتة في نفسه عن الانفحة

بكلا جزئيها الظرف و المظروف، اما المظروف فلعدم كونه من اجزاء الميتة، و اما الظرف فلانة و ان كان جزءا منها غير انه لا يوجد في دليل النجاسة إطلاق لكل جزء من الميتة، كي يشمل مثل هذا الجزء أيضا.

و هذا الوجه يتوقف تماميته على قصور الإطلاق في أدلة نجاسة الميتة لأجزائها، و عدم كونه من القدر المتيقن بضم ارتكاز عدم الفرق.

الثالث:

بعد افتراض تمامية المقتضي للنجاسة في نفسه يتمسك بعموم الضابط الكلي الذي استثنى من النجاسة في روايات الاستثناء، من قبيل ما ورد في رواية الحلبي المتقدمة «لا بأس بالصلاة في صوف الميتة ان الصوف ليس فيه روح» فإنها مطلقة و غير مختصة بمأكول اللحم.

و فيه: ان روايات الاستثناء لا تنفي إلا النجاسة الذاتية الناشئة من الموت، فهي تدل على ان النجاسة التي تحصل بالموت لا تكون الا فيما له روح من اجزاء الحيوان، و اما النجاسة العرضية الحاصلة بالملاقاة مع الميتة برطوبة فلا نظر الى نفيها، فلا بد في نفي النجاسة العرضية للمظروف من التشبث ببعض ما سبق.

الرابع: التمسك بالإطلاق في بعض روايات استثناء الانفحة

لما إذا كانت من غير المأكول، فإن جملة منها و ان كانت ناظرة إلى الانتفاع بها و وضعها في الجبن مما يعني اختصاصها بالمأكول، غير ان هنالك ما يمكن دعوى الإطلاق فيه، من قبيل: رواية الحسين بن زرارة المتقدمة، حيث‌


98
بحوث في شرح العروة الوثقى3

حكم لبن الميتة ؛ ج‌3، ص : 99

      

و كذا اللبن في الضرع. و لا ينجس بملاقاة الضرع النجس، لكن الأحوط الاجتناب (1).

______________________________
كان السؤال فيها عن الانفحة من الميتة بقول مطلق.

و هذا الوجه يتوقف على أمرين:

الأول: عدم استظهار انصراف عنوان الانفحة الى خصوص ما كان متعارفا وضعه في الجبن، و هو الانفحة من المأكول.

الثاني: ان يكون المراد من الانفحة الظرف أو الظرف و المظروف معا اما لو أريد منها المظروف فقط، فغاية ما يثبت بالإطلاق المذكور هو انتفاء النجاسة الذاتية التي تنشأ من الموت، و لا يثبت به الطهارة الفعلية و الوجه في ذلك هو: انه و ان كان المستظهر دلالتها على الطهارة الفعلية لا الحيثية، الا ان ذلك لم يكن باعتبار ظهور الخطاب لفظا، و انما كان بنكتة دفع اللغوية فيما لو كان الجواب حكما جهتيا حيثيا لا ينفع السائل في وظيفته العملية، و من الواضح ان هذه النكتة لا تقتضي الإطلاق إذ يكفي لدفع اللغوية المذكورة ان يكون الحكم فعليا بلحاظ ما هو المتيقن من الخطاب و محل ابتلاء المكلفين، و هو الانفحة من مأكول اللحم، و عليه فلا بأس بالتمسك بإطلاق أدلة الانفعال في إنفحة غير المأكول.

[حكم لبن الميتة]

(1) يقع البحث أولا عن طهارة اللبن في ضرع الميتة من مأكول اللحم، و بعد الفراغ عن ذلك يبحث عن لبن الميتة من غير المأكول.

و البحث عن لبن الميتة من الحيوان المأكول، تارة: على مستوى القاعدة و الروايات العامة. و أخرى: على مستوى الروايات الواردة في لبن الميتة خاصة.

اما على مقتضى القواعد العامة: فالصحيح هو عدم ثبوت النجاسة‌


99
بحوث في شرح العروة الوثقى3

حكم لبن الميتة ؛ ج‌3، ص : 99

..........

______________________________
الذاتية، اما لعدم الإطلاق في دليل نجاسة الميتة لكل جزء منها، أو لعدم كون اللبن من أجزائها، أو لشمول ضابط ما ليس له روح المستثنى من دليل النجاسة للبن أيضا. و اما النجاسة العرضية- باعتبار الملاقاة مع الضرع- فنفيها مبني على الالتزام بأحد الأمرين: من دعوى قصور دليل الانفعال للملاقاة الداخلية مع الميتة، أو دعوى عدم نجاسة الضرع لقصور دليل نجاسة الميتة عن شمول كل جزء منها. و كلاهما ممنوع.

و اما الروايات الخاصة: فهي متنافية فيما بينها. فمثل رواية الحسين ابن زرارة المتقدمة دلت على طهارة اللبن، و مثلها رواية زرارة المتقدمة و غيرها، و مفادها نفي النجاسة الذاتية و العرضية للبن معا.

و هناك من الروايات الخاصة ما قد يجعل معارضا لذلك، من قبيل رواية وهب: «ان عليا (ع) سئل عن شاة ماتت فحلب منها اللبن.

فقال (ع): ذلك الحرام محضا» «1».

و دلالتها و ان كانت على الحرمة دون النجاسة، غير ان هذا لا يرفع التعارض بينها و بين الطائفة الأولى الدالة على الطهارة، و ذلك باعتبار ان دلالتها على ذكاة اللبن في الضرع و انه لا بأس به بلحاظ الحلية و جواز الانتفاع به، لا مجرد الطهارة المستوجبة لعدم غسل ملاقيه فحسب. و رواية الجرجاني المتقدمة، حيث حصرت المستثنى من الميتة في عناوين ليس اللبن منها، ثم ذيلت بأنه لا يتعدى الى غيرها، و هو مما يأبى عن التخصيص عرفا، فيكون دليلا على عدم الانتفاع بغيرها، فيعارض أخبار الطهارة بالتقريب المتقدم.

و لكن رواية وهب ساقطة سندا بوهب. و كذلك لا اعتبار برواية الجرجاني سندا، لعدم ثبوت وثاقته. و بهذا تبقى روايات الطهارة بلا معارض‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 33 من الأطعمة المحرمة ح 11


100
بحوث في شرح العروة الوثقى3

حكم لبن الميتة ؛ ج‌3، ص : 99

خصوصا إذا كان غير مأكول اللحم (1)

______________________________
فلا تصل النوبة إلى إيقاع التعارض بين الطائفتين من الروايات، ليعالج التعارض تارة: بالالتزام باستحكامه، و ترجيح روايات النجاسة لموافقتها للسنة القطعية الدالة بالإطلاق على نجاسة اللبن باعتباره جزءا من الميتة أو ملاقيا لها بالرطوبة. و أخرى: بالالتزام بالجمع العرفي بحمل روايات المنع على التنزه، و ثالثة: بالالتزام باستحكام التعارض بين دليل الحلية و رواية وهب لصراحتها في الحرمة على نحو يأبى عن الحمل على التنزه، و يرجع بعد ذلك الى إطلاق قوله- في رواية الجرجاني- (و لا يتعدى الى غيرها) بدعوى: ان هذا الإطلاق في نفسه قابل لان يقيد بروايات الطهارة، فيكون كالمرجع الفوقاني بعد تساقط الخاصين.

(1) و الحكم بطهارته على مقتضى القاعدة مبني على نفى النجاسة الذاتية و العرضية فيه. و الأول و ان كان ممكنا باعتبار قصور في دليل النجاسة الذاتية في نفسه، الا ان نفى النجاسة العرضية بحاجة إلى ضم الضميمة المتقدمة في لبن ميتة المأكول، و قد تقدم عدم تماميته.

و اما مقتضى الروايات الواردة في لبن الميتة: فما ورد منها بعنوان جواز الشرب و الانتفاع و ان كان خاصا بميتة المأكول، الا ان مثل رواية حسين بن زرارة المتقدمة- «يسأله عن اللبن من الميتة و البيضة من الميتة و إنفحة الميتة. فقال: كل هذا ذكي»- يمكن دعوى إطلاقها للبن من ميتة غير المأكول أيضا.

غير انه مع ذلك يمكن المنع عن الإطلاق المذكور من جهتين:

الاولى: دعوى انصراف عنوان اللبن فيها الى لبن المأكول، باعتبار ان النظر إلى حيثية الانتفاع باللبن و ليس النظر إلى الطهارة من حيث هي، و من الواضح ان الانتفاع المتعارف باللبن يكون بالشرب و نحوه، و هو‌


101
بحوث في شرح العروة الوثقى3

هل يستثني من نجس العين شي‌ء؟ ؛ ج‌3، ص : 102

 

و لا بد من غسل ظاهر الانفحة الملاقي مع الميتة (1) هذا في غير نجس العين، و اما فيها فلا يستثني شي‌ء (2)

______________________________
مخصوص بالمأكول.

الثانية: ان غاية ما يستفاد من الرواية هو طهارة اللبن في نفسه، اى عدم نجاسته ذاتا، و اما نفي نجاسته العرضية من جهة ملاقاة الضرع فإنما يكون بملاك دفع اللغوية عرفا، و من الواضح ان هذا لا يقتضي العموم، إذ يكفي في دفع ذلك نفي النجاسة العرضية في ما هو القدر المتيقن و هو لبن المأكول، فيبقى دليل انفعال ملاقي النجس شاملا له.

و هكذا يكون الحكم بالطهارة الفعلية في لبن الميتة من غير المأكول محل اشكال.

(1) باعتبار وجود الرطوبة عادة.

[هل يستثني من نجس العين شي‌ء؟]

(2) على ما هو المشهور، بل المتفق عليه بين الأصحاب عدا ما ينسب الى السيد المرتضى (قده): و تفصيل البحث عن وجه عدم الاستثناء يقتضي أن يتكلم في جهتين:

الجهة الاولى:

انه لا إشكال في عدم اقتضاء أدلة النجاسة العينية في الكلب و الخنزير- التي جاءت بلسان الأمر بإراقة ما ولغ فيه الكلب و الخنزير- لنجاسة كل جزء منهما، بحيث يشمل مثل الشعر، لوضوح عدم انطباق ذلك العنوان على الملاقاة مع الشعر. و احتمال الفرق موجود عرفا.

و لكنه مع ذلك يمكن استفادة الإطلاق من مثل ما ورد بلسان الأمر بغسل ما اصابه الكلب أو الخنزير «1»، فإنه صادق أيضا فيما إذا أصابه بشعره و نحوه مع الرطوبة، فيدل على نجاسته أيضا. و يلحق به مثل العظم‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 12 و 13 من النجاسات

 

 

 

102
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الجهة الثانية: ؛ ج‌3، ص : 103

..........

______________________________
أو غيره من الاجزاء الداخلية بالفهم العرفي، و ارتكازية عدم الفرق و ان الملاك كونه من الكلب.

و كذلك يمكن الاستدلال بمثل قوله في الكلب: «رجس نجس» «1» فان مقتضى إطلاق كونه رجسا نجسا كونه كذلك بتمام اجزائه.

و هكذا يثبت نجاسة كل اجزاء الحيوان نجس العين في حال الحياة.

و اما بعد الموت فحيث ثبتت نجاسة جميع اجزائه في حال الحياة بلا استثناء تثبت نجاستها بعد الموت أيضا، لا من جهة شمول عنوان الكلب أو الخنزير له كي يقال: بأنه متقوم بالحياة، بل من جهة ان العرف لا يحتمل ان يكون الموت مطهرا للنجس، و انما العكس هو المركوز عرفا و متشرعيا، مما يجعلنا نفهم من دليل النجاسة العينية ان موضوع الحكم هو جسم الحيوان المذكور من دون دخل حياته فيه، فيكون باقيا بعد الموت أيضا.

الجهة الثانية:

ان روايات استثناء العناوين السابقة انما تنفى النجاسة الثابتة في الميتة بملاك الموت، و اما النجاسة العينية الثابتة للحيوان في نفسه فلا نظر فيها الى نفيها. و عليه فحتى لو تم الإطلاق في روايات الاستثناء للميتة من نجس العين لا يقتضي ذلك الا الحكم بارتفاع النجاسة عن المستثنيات من جهة الميتة مع بقاء نجاستها العينية على حالها.

و هكذا يتضح عدم تمامية الاستثناءات المذكورة في الميتة من نجس العين، غير انه في خصوص شعر الخنزير ربما يستدل بروايتين على الطهارة:

الأولى: صحيحة زرارة عن ابي عبد اللّه (ع) قال «سألته: عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر، هل يتوضأ من ذلك الماء؟ قال: لا بأس» «2».

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 12 و 13 من النجاسات

(2) وسائل الشيعة باب 14 من الماء المطلق.


103
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 1) حكم القطعة المبانة من الحي ؛ ج‌3، ص : 104

(مسألة- 1) [حكم القطعة المبانة من الحي]

الاجزاء المبانة من الحي مما تحله الحياة كالمبانة من الميتة (1)

______________________________
و تقريب الاستدلال بها مبني على: أن يكون نظر السائل إلى الماء القليل في الدلو بعد افتراض ان الماء يتقاطر عادة من الحبل فيه، و افتراض ارتكازية سراية النجاسة و عدم اعتصام الماء القليل. و قد تقدمت الاحتمالات المتصورة في هذه الرواية، و ما هو الظاهر منها في مباحث المياه، فراجع.

الثانية: ذيل رواية الحسين بن زرارة المتقدمة، حيث جاء فيها «قلت له: فشعر الخنزير يعمل حبلا و يستقى به من البئر التي يشرب منها أو يتوضأ منها. فقال: لا بأس به» «1».

و هي أظهر في ان حيثية السؤال فيها نجاسة الشعر، باعتبار وقوعه في سياق السؤال عن نجاسة شعر الميتة، فتكون دالة على طهارة شعر الخنزير فإذا أمكن إلغاء خصوصية الخنزير و التعدي منه الى الكلب، بل الى غير الشعر أيضا من الاجزاء غير اللحمية من الحيوان، ثبت الحكم بطهارة المستثنيات من الحيوان نجس العين أيضا.

الا ان مثل هذا التعدي مشكل، بل ممنوع في مثل الانفحة و اللبن و اللباء و نحوها، لوضوح احتمال الفرق بينها و بين الشعر الخارجي للحيوان عرفا.

هذا مضافا الى ان ذهاب الأصحاب- كلا أو جلا- الى عدم استثناء شي‌ء عن نجس العين يمنع عن الرجوع الى هذه الرواية، إذ ربما يوجب الوثوق و الاطمئنان بخلافها، فالاحتياط متعين.

(1) و ذلك لا لصدق عنوان الميتة بنحو تشمله الإطلاقات لو تمت، فان الميتة عرفا هي الحيوان الذي ذهبت عنه روحه فلا تشمل الجزء المبان‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 14 من الماء المطلق


104
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 1) حكم القطعة المبانة من الحي ؛ ج‌3، ص : 104

..........

______________________________
منه. بل للتمسك بإطلاق دليل التنزيل المتمثل في عدة روايات:

منها: رواية أبي بصير عن ابي عبد اللّه (ع): «انه قال في أليات الضأن تقطع و هي أحياء: انها ميتة» «1» و رواية محمد بن قيس عن ابي جعفر (ع): «قال: قال أمير المؤمنين (ع): ما أخذت الحبالة من صيد فقطعت منه يدا و رجلا فذروه فإنه ميت» «2».

و قد يستشكل في الاستدلال بهذه الروايات: تارة بدعوى: ان التنزيل منصرف الى كونه بلحاظ الحكم بالحرمة، فلا تثبت به نجاسة المنزل و اخرى بدعوى: ان هذا ليس تنزيلا بل تطبيقا حقيقيا لما يقصده الشارع من عنوان الميتة، و معه يكون كل اثر من آثار الميتة ثابتا له بإطلاق دليله لا بنفس تلك الروايات، و في المقام لا إطلاق في دليل نجاسة الميتة يشمل هذا المصداق من الميتة، فلا موجب لنجاسته.

أما الدعوى الاولى فتندفع: بان ظاهر التعليل في قوله: «ذروة فإنه ميت» المغايرة بين العلة و المعلول، فلو كان مفاد العلة هو التنزيل بلحاظ الحرمة خاصة لما حفظ ظهور التعليل في المغايرة عرفا، بخلاف ما إذا بنى على كلية التنزيل فان المغايرة بالجزئية و الكلية تكون محفوظة بين المعلل و العلة.

هذا مضافا الى ان مجرد كون الحرمة أظهر من النجاسة بالنسبة إلى الميتة لا ينافي إطلاق التنزيل، ما لم تكن الأظهرية بالغة إلى درجة توجب انصراف الذهن عن النجاسة إلى الحرمة رأسا.

و أما الدعوى الثانية فقد أجيب عليها: بان بيان الإفراد الحقيقة لما لم يكن من وظيفة الشارع فتعرضه لذلك انما يكون لأجل تعميم الحكم، و ليس الحال كما لو علم بفردية فرد له لا من قبل الشارع، فإنه لا يعمه‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 62 من النجاسات

(2) وسائل الشيعة باب 24 من الصيد و الذباحة


105
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 1) حكم القطعة المبانة من الحي ؛ ج‌3، ص : 104

..........

______________________________
الحكم إلا إذا كان الدليل في نفسه عاما له. فبيان الشارع للفرد الحقيقي كبيانه للفرد التنزيلي يقتضي عموم الحكم له و لو كان الدليل قاصراً عن إثبات ذلك.

و لا يخلو هذا الجواب من تأمل، لأن غاية ما يقتضيه هذا التقريب:

ان بيان الشارع للفرد الحقيقي ظاهر عرفا في كونه استطراقا إلى إثبات الحكم، بنكتة ان بيان الإفراد الحقيقية بما هو ليس من وظيفة الشارع. و لكن هذه الدلالة السياقية الحالية ليس لها إطلاق بلحاظ تمام الأحكام التي يترقب ثبوتها للعنوان الذي تصدى الشارع لبيان مصداقه، فان الظهور في الاستطراقية يكفي في حفظه في المقام ان يكون بيان الفرد الحقيقي بقصد تعميم الحكم بالحرمة، و لا قرينة على كون تعميم النجاسة ملحوظا أيضا. و هذا بخلاف ما إذا حملنا العبارة على التنزيل، لان مفادها حينئذ ان حكم الميتة يجرى عليه، فيتمسك بإطلاقه لإثبات كل ما يصدق عليه انه حكم الميتة للمنزل.

فالأحسن في دفع الدعوى الثانية: إنكار أصلها الموضوعي و استظهار كون التطبيق تنزيليا، فان نفس عدم كون القطعة المبانة مصداقا عرفا لعنوان الميتة يوجب ظهور الدليل الشرعي في التنزيل، لا في التطبيق الحقيقي لمعنى غير عرفي للكلمة على القطعة المبانة.

و مما يؤيد الحكم بالنجاسة رواية الحسن بن علي قال: «سألت أبا الحسن (ع) فقلت: ان أهل الجبل تثقل عندهم أليات الغنم فيقطعونها قال: هي حرام. قلت: فنصطبح بها. فقال: اما تعلم انه يصيب اليد و الثوب و هو حرام» «1» و هي بقرينة ما فرضه من محذور في إصابة اليد و الثوب يعلم انها تتكفل الحكم بالنجاسة.

و انما جعلناها مؤيدة لضعف سندها بالمعلى بن محمد.

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 32 من الأطعمة المحرمة


106
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 1) حكم القطعة المبانة من الحي ؛ ج‌3، ص : 104

الا الاجزاء الصغار (1) كالثالول، و البثور، و كالجلدة التي تفصل من الشفة، أو من بدن الأجرب عند الحك، و نحو ذلك

______________________________
(1) و ذلك لقصور دليل النجاسة، و هو الروايات السابقة المتكفلة لتنزيل القطعة المبانة من الحي منزلة الميتة، لورودها في اليد و الرجل و ألية الغنم و نحو ذلك.

و يؤيد ذلك رواية علي بن جعفر: «عن الرجل يكون به الثؤلول أو الجرح هل يصلح ان يقطع الثؤلول و هو في صلاته، أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح و يطرحه. قال (ع): ان لم يتخوف ان يسيل الدم فلا بأس، و ان تخوف ان يسيل الدم فلا يفعله» «1».

و تقريب الاستدلال بالرواية: إما بدعوى: انها رخصت في قطع الثؤلول مع عدم التخوف من خروج الدم، و قطع الثؤلول يساوق عادة حمله، فلو كان في نظر الشارع ميتة لكان من حمل الميتة في الصلاة، و هو غير جائز. و اما بدعوى: ان قطع الثؤلول يعرض المصلى عادة لمس الثؤلول بيده، فلو كان الثؤلول نجسا عند اقتطاعه لتنجست يده مع الملاقاة بالرطوبة، فإطلاق نفي البأس يدل على عدم النجاسة.

و لا بأس بالاستعانة بهذه الرواية كمؤيد، و اما جعلها كدليل على نحو يصلح لتقييد دليل النجاسة لو تم إطلاقه فهو محل إشكال، لإمكان المناقشة في الدعويين المذكورتين:

اما الدعوى الاولى فيرد عليها أولا: انها تتوقف على الالتزام بقيام دليل على عدم جواز حمل الميتة في الصلاة، و اما إذا قيل بان الممنوع في الدليل الصلاة في الميتة و لو في شسع منها لا ما يشمل الحمل فلا تتجه الدعوى المذكورة. و ثانيا: انه لو سلم قيام دليل لفظي على عدم جواز‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 63 من النجاسات


107
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 1) حكم القطعة المبانة من الحي ؛ ج‌3، ص : 104

..........

______________________________
حمل الميتة، فغاية ما تدل عليه الرواية جواز حمل الثؤلول، و هذا لا يعارض دليل النجاسة لو فرض أنه يقتضي بإطلاقه نجاسة هذا الثؤلول، لان الدليل المفترض للنجاسة ان كان هو نفس دليل نجاسة الميتة، بدعوى انطباق عنوان الميتة حقيقة على القطعة المبانة فلا بأس بالالتزام بإطلاقه إذا تمت هذه الدعوى، مع البناء على جواز حمل الثؤلول في الصلاة و استلزام الجمع بين النجاسة و جواز الحمل التخصيص في دليل عدم جواز حمل الميتة، مندفع بان دليل عدم جواز الحمل ان كان موضوعه طبيعي الميتة فالتخصيص معلوم على كل حال بعد فرض ان الثؤلول ميتة، و ان كان موضوعه الميتة النجسة فالأمر فيه بالنسبة إلى الثؤلول يدور بين التخصيص و التخصص، و لا معين حينئذ للتخصص المقتضي للطهارة.

و ان كان دليل النجاسة المفترض إطلاقه للثالول روايات القطعة المبانة، فمن الواضح ان الخروج عن إطلاق التنزيل فيها بلحاظ جواز الحمل في الصلاة لا يبرر رفع اليد عن اقتضائه للحكم بالنجاسة.

و اما الدعوى الثانية فيرد عليها: ان الملاقاة مع الرطوبة ليست امرا ملازما عادة لقطع الثؤلول، و انما هو أمر اتفاقي. و السؤال ليس ناظرا الى ما قد يتفق وقوعه من المحاذير المحتملة، بل الى ما هو ملازم لعملية قطع الثؤلول من إيقاع فعل أجنبي في الصلاة أو أمر غالب الاتفاق كخروج الدم، فنفي البأس لا يكون نافيا للمحذور من ناحية الأمور الاتفاقية التي قد تترتب على قطع الثؤلول، من قبيل سراية النجاسة بسبب الملاقاة مع الرطوبة رغم عدم خروج الدم.


108
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 2) حكم فارة المسك ؛ ج‌3، ص : 109

(مسألة- 2) [حكم فارة المسك]

فأرة المسك المبانة من الحي طاهرة على الأقوى (1)

______________________________
(1) المسك: اسم لمادة متجمدة من دم الغزال، يحوطها جلد يسمى بفأرة المسك. و هي تؤخذ من الحيوان- تارة- بعد تذكيته، و اخرى في حياته، و ثالثة حال كونه ميتة.

فإذا أخذت منه بعد التذكية، فلا إشكال في طهارتها و طهارة المسك داخلها أيضا، حتى لو كان دما غير مستحيل باعتباره من الدم المتخلف.

و اما إذا أخذت منه حيا، فقد سبق ان القطعة المبانة من الحي لا يشملها إطلاق أدلة نجاسة الميتة، و انما حكم بنجاستها على أساس الروايات الواردة في أليات الغنم و ما قطعته الحبالة من يد و رجل. و عليه فقد يفصل في المقام بين الفأرة التي يلقيها الغزال بطبعه، و ما ينتزع منه انتزاعا قبل أوان انفصاله، فالأول غير مشمول لمفاد تلك الروايات، لاحتمال الفرق عرفا بينه و بين مواردها التي كانت القطعة المبانة فيها غير متهيئة بطبعها للانفصال، كالفأرة، فلا يبقى فيها دليل على النجاسة. و اما الثاني فلا بأس بدعوى: ان تلك الروايات- بعد إلغاء ما يساعد العرف على إلغائه من خصوصيات المورد فيها- شاملة له. اللهم الا ان يقال: ان تلك الروايات موردها هو الاجزاء التي تحلها الحياة من الحيوان، و ليست فأرة المسك كذلك إما لأنها ليست جزء من الحيوان رأسا، بل نسبتها نسبة البيضة الى الدجاجة. و إما لأنها ليست مما تحلها الحياة من أجزائها، فإنها و ان كانت من قبيل الجلد، و لكن تهيأها بحسب طبعها للسقوط تدريجا يجعل نسبتها إلى الحياة أضعف من نسبة سائر الاجزاء. و بتعبير آخر: ان روايات الحبالة و أليات الغنم ناظرة إلى الجزء الذي لو كان متصلا بالحيوان حين موت ذلك الحيوان يحكم بنجاسته، فتدل على نجاسته بفصله عنه حال الحياة أيضا، فلا بد في المرتبة السابقة من إثبات أن فأرة المسك مما يتنجس إذا مات الغزال و هي متصلة به، فاذا منع من ذلك لعدم الإطلاق في دليل نجاسة الميتة لمثل ذلك، فلا تشملها روايات الحبالة أيضا.


109
بحوث في شرح العروة الوثقى3

و اما طهارة المسك فيها فيمكن تقريبها من وجوه: ؛ ج‌3، ص : 110

و اما طهارة المسك فيها فيمكن تقريبها من وجوه:

الأول: انه ليس بدم عرفا،

______________________________
سواء كان دما بحسب تحليله العلمي، أو مادة مغايرة للدم حقيقة- كما هو كذلك عرفا- على ما نقل عن بعض الخبراء بذلك.

الثاني: قصور مقتضى النجاسة لشمول المسك و لو فرض انه دم،

لما سوف يأتي من عدم تمامية مطلق أو عموم على نجاسة دم الحيوان، و انما الدليل قد دل على نجاسته في موارد مخصوصة لا يمكن التعدي منها الى مثل هذا الدم الذي يحتمل فيه الفرق قويا.

الثالث:

أنه لو فرض تمامية إطلاق على نجاسة كل دم من الحيوان، يقال: بعدم الشمول لهذا الدم، باعتباره متكونا من مواد في داخل الفأرة- نظير الدم المتكون في البيضة- فلا يكون دم الحيوان.

الرابع: التمسك بسيرة المتشرعة على معاملة المسك

بل و فأرته أيضا معاملة الطاهر في استعمالاتهم الكثيرة، مما يكشف عن تجويز الشارع ذلك و إمضائه.

و هذا الوجه باعتباره دليلا لبيا يقتصر فيه على القدر المتيقن، و هو المتخذ من الحي و كان منفصلا بنفسه.

و اما فأرة المسك من ميتة الغزال فقد يتمسك لإثبات نجاستها بإطلاق دليل نجاسة الميتة، باعتبارها جزءا من الميتة.

و يمكن التشكيك في ذلك: إما بتقريب: ان دليل نجاسة الميتة لا إطلاق فيه من ناحية الاجزاء على نحو يشمل فأرة المسك، كما يظهر من مراجعة ما تقدم من الروايات، إلا إذا بنى على ان الفأرة مما تحلها الحياة، و استفيد المفهوم بنحو الموجبة الكلية من اخبار استثناء ما لا تحله الحياة، بحيث كانت تدل على ان غيرها محكوم بالنجاسة مطلقا، و هو في غاية الإشكال،


110
بحوث في شرح العروة الوثقى3

و اما في ضوء الروايات الخاصة: ؛ ج‌3، ص : 111

 

..........

______________________________
لأن استثناء شي‌ء لا ينفى استثناء شي‌ء آخر. و عليه فاحتمال الفرق بين فأرة المسك و غيرها من الاجزاء موجود عرفا، و لو بعناية ان كونها متهيئة بطبعها للانفصال يجعل نسبتها إلى الحياة أضعف من نسبة سائر الأجزاء، بنحو لا يلزم عرفا من نجاسة سائر الأجزاء نجاستها، و لا إطلاق ينفي هذا الاحتمال.

و إما بتقريب: أن فأرة المسك ليست جزء من الميتة أصلا، بل نسبتها الى الحيوان نسبة البيضة الى الدجاجة، فلا تثبت نجاستها و لو تم إطلاق على نجاسة الميتة.

و ربما يستدل على طهارتها: بالمدلول الالتزامي العرفي لما دل على طهارة المسك الملاقي معها من الداخل، بعد ظهوره في إثبات الطهارة الفعلية لا الجهتية، فلو كانت نجسة لتنجس المسك في داخلها بالعرض.

و فيه أولا: ما تقدم في مسألة اللبن في الضرع و إنفحة الميتة، من عدم تمامية مثل هذه الدلالة الالتزامية.

و ثانيا: ان روايات طهارة المسك تثبت طهارته الذاتية فعلا، و اما عدم نجاسته بالسراية فليس مدلولا لها، و انما تدل عليه لو فرض ان المسك كان كاللبن في الضرع مائعا، و اما لو كان منجمدا حين الموت- ان كان مائعا قبل ذلك- فلا تنعقد الدلالة المزبورة لنفي نجاسته العرضية لو لاقى النجس مع الرطوبة.

و اما المسك المتخذ من الميتة فأيضا يحكم بطهارته بالوجوه التي تقدمت في إثبات طهارة المسك المتخذ من الحي، عدا الوجه الأخير كما أشرنا سابقا.

هذا كله على مقتضى القاعدة الأولية.

و اما في ضوء الروايات الخاصة:

فقد وردت عدة روايات أهمها ثلاث:

الأولى: رواية علي بن جعفر

سأل أخاه موسى (ع) «عن فأرة المسك تكون مع من يصلى، و هي في جيبه أو ثيابه؟ فقال: لا بأس‌

 

 

 

111
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الأولى: رواية علي بن جعفر ؛ ج‌3، ص : 111

..........

______________________________
بذلك»
«1» فإنها تدل بالمطابقة على جواز حمل فأرة المسك في الصلاة، و بالملازمة على عدم نجاستها حيث لا يجوز حمل النجس في الصلاة، و حيث أطلق فيها فأرة المسك دون تفصيل بين ما يتخذ من الحي و ما يتخذ من الميتة فيستفاد منها- لو لا دعوى كون المتعارف خارجا أخذها من الحي لا الميتة- طهارتها حتى لو كانت من الميتة.

و هذا الاستدلال في غير محله: ذلك ان الملازمة المذكورة بين جواز حمل شي‌ء في الصلاة و عدم نجاسته، ان أريد بها الملازمة العرفية فهي ممنوعة إذ لم يثبت مركوزية هذا الحكم عند العرف بدرجة ينعقد ببركتها ظهور للفظ في نفي النجاسة.

و ان أريد بها الملازمة الثبوتية شرعا، فاما ان يفترض ثبوتها بدليل قطعي، أو يفترض ثبوتها بإطلاق في دليل لفظي:

فعلى الأول تقع المعارضة بين المدلول الالتزامي المذكور مع دليل نجاسة الميتة المفترض إطلاقه لفأرة المسك. و هذه المعارضة بين الرواية و دليل نجاسة الميتة بنحو العموم من وجه، لان شمول الرواية للمتخذ من الميتة انما كان بالإطلاق و مقدمات الحكمة، و معه ربما يرجح دليل النجاسة، إما لكونه قطعي الصدور إجمالا، أو لكونه أقوى دلالة.

و على الثاني لا يثبت بهذه الرواية سوى جواز الحمل في الصلاة.

و اما إثبات طهارتها فهو موقوف على التمسك بإطلاق دليل عدم جواز حمل النجس في الصلاة للمقام أيضا، كي نثبت به انها ليست من النجس، و هذا من التمسك بالعام في مورد دورانه بين التخصيص و التخصص، حيث يعلم بانتفاء هذا الإطلاق اما تخصيصا أو تخصصا، و إثبات التخصص بأصالة عدم التخصيص غير صحيح عندنا، على ما أشرنا إليه مرارا.

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 41 من لباس المصلي


112
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الرواية الثانية: ما في مكاتبة الحميري الى ابي محمد(ع) ؛ ج‌3، ص : 113

..........

______________________________
إلا ان الصحيح عدم ثبوت الملازمة الشرعية المذكورة في نفسها على ما يأتي تحقيقه في محله.

الرواية الثانية: ما في مكاتبة الحميري الى ابي محمد (ع)

«يجوز للرجل ان يصلى و معه فأرة المسك؟ فكتب (ع): لا بأس به إذا كان ذكيا» «1» و هي تفصل بين فرض التذكية و عدمها. و من هنا وقع الاستدلال بها على نجاسة فأرة المسك من الميتة، بل من الحي أيضا تمسكا بإطلاق المفهوم.

غير ان الإنصاف ان استفادة مثل هذا الإطلاق على خلاف الفهم العرفي بحسب مناسبات الحكم و الموضوع، لأن الذكاة بحسب الفهم العرفي ليست صفة أولية للحيوان في عرض صفة الموت و الحياة، بل صفة ثانوية في طول زهاق روحه، و يقابلها في مرتبتها الميتة التي هي القسم الآخر للحيوان الذي زهقت روحه.

فالتعليق على مثل تلك الصفة الثانوية يكون ظاهرا عرفا في افتراض الصفة الأولية في أصل الموضوع، و اقتناص المفهوم في حق البديل المناسب للصفة الثانوية الواقع في مرتبتها، و هذا يعنى ان مورد مفهوم قوله: «إذا كان ذكيا» هو فرض الموت فلا يشمل الحي.

فالمهم ملاحظة دعوى دلالتها بالمفهوم على نجاسة المتخذ من الميتة بتقريب: انها تدل بالمفهوم على عدم جواز حمل فأرة المسك من الميتة في الصلاة، و لا وجه له الا كونها ميتة نجسة، فتكون الرواية دليلا على النجاسة.

غير ان هذا الاستدلال غير تام. لان المنع عن حمل فأرة المسك من الميتة في الصلاة لا يلزم ان يكون من جهة نجاستها، لاحتمال ان يكون‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 41 من لباس المصلى


113
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الرواية الثانية: ما في مكاتبة الحميري الى ابي محمد(ع) ؛ ج‌3، ص : 113

..........

______________________________
من جهة كونها من غير المذكى و لو كانت طاهرة في نفسها، لإمكان ان يكون موضوع المانعية أوسع من الميتة النجسة. و العنوان الوارد في هذه الرواية أيضا مقتضى الأخذ به اعتبار عنوان التذكية في صحة الصلاة إيجابا و سلبا، لا انه مشير إلى حيثية النجاسة و الطهارة، و بناء على هذا تكون الرواية دالة على عدم جواز حمل غير المذكى في الصلاة و لو لم يصدق عليه عنوان اللبس.

و ربما يناقش في الاستدلال بالرواية بوجه آخر حاصله: دعوى قوة احتمال ان يكون المقصود من قوله: «ان كان ذكيا» ان يكون المسك ذكيا، أي طاهرا، و بناء عليه لا تكون دليلا على نجاسة الفأرة بوجه من الوجوه، و انما تكون من أدلة عدم جواز حمل النجس في الصلاة.

و قد استقرب هذا التفسير في المستمسك، باعتباره أوفق مع التذكير في اسم كان و خبره، دون ان نحتاج إلى تأويل أو تقدير «1».

الا ان هذا الوجه للنقاش في الاستدلال بالرواية غير صحيح. و تفصيل الكلام في ذلك: ان محتملات اسم كان ثلاثة: أن يكون هو الظبي نفسه، فإنه و ان كان غير مصرح بذكر الا انه باعتبار ذكر اثر من آثاره و مستلزماته يمكن إرجاع الضمير اليه. أو فأرة المسك، و تذكير الضمير باعتبار ملاحظة عنوان مذكر ينطبق عليه، كعنوان ما يكون معه في الصلاة، أو المسك:

و محتملات معنى الذكاة ثلاثة أيضا: التذكية الشرعية المقابلة للموت حتف الأنف. و الطهارة الذاتية في قبال النجاسة ذاتا و الطهارة الفعلية:

و المستخلص من ذلك بدوا تسعة احتمالات في تفسير جملة «إذا كان ذكيا». غير ان الاحتمال الأول في اسم كان و هو ارادة الحيوان نفسه لا ينسجم الا مع المعنى الأول للتذكية دون الأخيرين، لأن الظبي طاهر ذاتا‌

______________________________
(1) المستمسك الجزء الأول ص 316 ط 4.


114
بحوث في شرح العروة الوثقى3

البحث في الاحتمالات التي جاء في تفسير جملة«إذا كان ذكيا» ؛ ج‌3، ص : 115

..........

______________________________
و ليس فيه نوعان طاهر و نجس: و النجاسة العرضية و ان كانت قد تعرض على الحيوان بالملاقاة، الا انها لا ربط لها بجواز حمل فأرته في الصلاة كي يعلق ذلك على عدمها. فلا يبقى من الاحتمالات إلا سبعة لا بد من ملاحظة النتيجة على كل منها.

[البحث في الاحتمالات التي جاء في تفسير جملة «إذا كان ذكيا»]

الأول: ان يراد باسم (كان) الظبي و بالذكاة ما يقابل الموت حتف الأنف.

و المعنى: انه لا بأس بحمل فأرة المسك في الصلاة إذا كان الظبي المتخذ منه الفأرة مذكى شرعا.

و لا يبعد ان يكون هذا الاحتمال هو المستظهر عرفا من الرواية، لأن هذا هو المعنى المتبادر من الذكاة في عرف المتشرعة- و ان كان قد يطلق على الطهارة أيضا- و هو من صفات الحيوان حقيقة بحيث يطلق عليه أولا، و ان كان قد يطلق على جزئه أيضا بالعناية، و هي عناية لا يبعد ان تكون أشد عرفا من عناية إرجاع الضمير إلى الظبي مع عدم ذكره صريحا لو سلمت العناية فيه: و بناء على هذا الاحتمال تكون دلالة مفهوم الجملة على عدم جواز حمل فأرة المسك المتخذة من الميتة في الصلاة واضحة.

و حينئذ لو اعترف بالملازمة المدعاة بين ذلك و بين النجاسة لأستفيد من الرواية نجاسة فأرة المسك من الميتة ذاتا لا محالة، فإن التعليق المذكور لا يمكن ان يصح الا بذلك. و دعوى: ان الملحوظ في التفصيل بين ذكاة الحيوان و عدم ذكاته لعله كان تنجس فأرة المسك بالملاقاة مع الميتة في فرض عدم التذكية، و لو فرض طهارتها ذاتا. مدفوعة: بأنها إلغاء لظاهر الجملة في أخذ عدم التذكية بنحو الموضوعية في المحذور، و تحويل له الى عنوان آخر مفارق و هو عنوان النجاسة الحاصلة بالملاقاة، التي قد تحصل في المتخذ من المذكى أيضا.

الثاني: ان يكون اسم (كان) فأرة المسك، و يراد بالذكاة التذكية،


115
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الثالث: ان يكون اسم(كان) فأرة المسك، و يراد بذكاتها طهارتها ذاتا، ؛ ج‌3، ص : 116

..........

______________________________
باعتبار انها و ان كانت صفة للحيوان حقيقة، الا انها تطلق عرفا على اجزائه أيضا باعتبار ما يرى من انها صفة لبدنه و لحمه، فتنحل بلحاظ كل جزء منه.

و بناء على هذا الاحتمال أيضا تكون النتيجة كما في الاحتمال السابق.

الثالث: ان يكون اسم (كان) فأرة المسك، و يراد بذكاتها طهارتها ذاتا،

فيكون معنى الجملة: انه يجوز حملها في الصلاة إذا كانت طاهرة ذاتا. و بناء على هذا الاحتمال و ان لم تكن الرواية ناظرة إلى المتخذ من الميتة الا انه مع ذلك يستفاد منها نجاسته، باعتباره المتيقن لو كان في فأرة المسك ما يكون نجسا ذاتا. بل- لو لا أن هذا الاحتمال خلاف ظاهر الرواية- كان الاستدلال بها على النجاسة سالما عما أوردناه عليه، إذ على هذا لا يكون ثبوت النجاسة من ناحية ملازمتها مع عدم جواز الحمل في الصلاة، و انما يكون بملاك ما يستبطنه تفصيل الامام (ع) من وجود فأرة المسك النجسة ذاتا، بعد وضوح ان القدر المتيقن لذلك هو المتخذ من الميتة، حيث لا يحتمل طهارتها و ان يكون غيرها نجسا.

الرابع: ان يكون الاسم فأرة المسك، و يراد بالذكاة الطهارة الفعلية،

و المعنى: انه يجوز حملها في الصلاة لو كانت طاهرة. و بناء على هذا لا يستفاد من مفهوم الرواية نجاسة المتخذ من الميتة كما هو واضح.

الخامس: ان يكون الاسم المسك نفسه، و يراد بالذكاة التذكية قبال الميتة،

باعتبار ان المسك أيضا يتصف بها لكونه جزءا من الحيوان. و هذا الاحتمال من حيث النتيجة كالاحتمال الثاني من حيث دلالة المفهوم على النجاسة الذاتية في المتخذ من الميتة، غاية الأمر ان ذلك الاحتمال لا يثبت فيه أكثر من نجاسة الفأرة نفسها، بينما الثابت على هذا الاحتمال نجاسة المسك و الفأرة معا، لعدم احتمال طهارة الفأرة مع نجاسة مسكها لكونه غير مذكى، فان عدم التذكية في الفأرة أولى منه في المسك، فالدال على الثاني يدل بالأولوية‌


116
بحوث في شرح العروة الوثقى3

السادس: ان يراد من اسم(كان) المسك، و من الذكاة الطهارة الذاتية. ؛ ج‌3، ص : 117

..........

______________________________
على الأول. الا ان هذا الاحتمال بنفسه بعيد غايته، إذا السؤال عن حمل الفأرة، فالأولى ان يعلق الحكم على ذكاتها مباشرة. مضافا الى ان الذكاة بالمعنى المقابل للميتة انسب عرفا بالفارة منها بالمسك.

السادس: ان يراد من اسم (كان) المسك، و من الذكاة الطهارة الذاتية.

و المعنى: انه يجوز حمل فأرة المسك لو كان مسكها طاهرا ذاتا.

و على هذا الاحتمال تارة: نفترض انحصار المسك في الطبيعي المتخذ مع الفأرة من الحيوان. و اخرى: نفرض اتخاذ المسك أيضا عن طرق اخرى، كغمس الفأرة في دم الظبي و حفظ شي‌ء منه فيه ثم وضعه حتى ينجمد فيصبح مسكا.

فعلى الأول: يكون هذا الاحتمال كالاحتمال الثالث من حيث دلالة التفصيل المذكور في الرواية على وجود النجس الذاتي في المسك، و قدره المتيقن ما يتخذ من الميتة. نعم هذا الاحتمال موهون في نفسه. لما قلنا في الاحتمال السابق من ان المناسب اسناد التذكية إلى الفأرة نفسها بعد ان كان السؤال عنها.

و على الثاني: يمكن ان يكون النظر الى ذلك المسك المصنوع المتخذ من دم الغزال، و يكون المقصود انه لو كان المسك الموجود في الفأرة قد اتخذ من دم الغزال النجس ذاتا فلا يجوز حمله في الصلاة. و حينئذ لا يمكن ان يستفاد من الشرطية المذكورة نجاسة المتخذ من الميتة، الا ان ارادة مثل هذا المعنى من الحديث في نفسه بعيد.

السابع: ان يراد من اسم (كان) المسك، و من الذكاة الطهارة بالفعل.

و بناء عليه لا تثبت نجاسة فأرة المسك المتخذ من الميتة، كما هو الحال مع الاحتمال الرابع المتقدم. الا ان هذا الاحتمال موهون غايته، إذ لا وجه لاعتبار طهارة المسك في حمل فأرته أثناء الصلاة، و الحال ان نفس‌


117
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الرواية الثالثة: رواية عبد الله بن سنان ؛ ج‌3، ص : 118

..........

______________________________
الفأرة قد تبتلى بالنجاسة و لو كان مسكها طاهرا.

الرواية الثالثة: رواية عبد اللّه بن سنان

عن ابي عبد اللّه (ع) «قال: كانت لرسول اللّه (ص) ممسكة، إذا هو توضأ أخذها بيده و هي رطبة، فكان إذا خرج عرفوا انه رسول اللّه (ص) برائحته» «1».

و دلالتها على الطهارة باعتبار حجية عمل النبي، و ظهور استشهاد الامام (ع) و عنايته في نقل عمل النبي (ص) مصرحا بأنه كان يمسه برطوبة في ان نظره الى الطهارة مما لا ينبغي إنكاره. الا ان الكلام في نقطتين فيها:

الاولى: في تشخيص المراد بالممسكة. فإن أريد منها محل المسك الطبيعي، اي الفأرة، كانت الرواية دليلا على طهارتها، فضلا عن طهارة المسك فيها. و ان أريد منها الوعاء الذي يجعل فيه المسك و يحفظ، فلا يكون فيها دلالة على طهارة الفأرة، و انما تدل على طهارة المسك نفسه، باعتبار ان المسك انما يراد من أجل الاستعمال و التطيب به، و هو ملازم عادة مع مساورته. فالرواية تدل على ان النبي (ص) كان يقوم بذلك بعد الوضوء مما يدل على طهارته. مضافا الى ان العناية التي جاءت في الرواية من انه كان يأخذها بيده و هي رطبة دليل على النظر إلى جهة المحذور، و من الواضح ان ما يحتمل فيه المحذور لم يكن هو الممسكة بما هي وعاء، فاذا لم يكن النظر إلى فأرة المسك فيتعين ان يكون النظر الى المسك الملوث به الوعاء.

الثانية: انه هل يستفاد من الرواية طهارة الفأرة أو المسك مطلقا، أم لا بد من الاقتصار فيها على القدر المتيقن، و هو المتخذ من المذكى، باعتبار أن القضية المروية قضية خارجية لا يمكن استظهار الإطلاق منها.

و الصحيح: ان الرواية و ان كانت تنقل عملا خارجيا للنبي (ص)،

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 58 من أبواب النجاسات


118
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الرواية الثالثة: رواية عبد الله بن سنان ؛ ج‌3، ص : 118

و ان كان الأحوط الاجتناب عنها (1) نعم لا إشكال في طهارة ما فيها من المسك. و اما المبانة من الميت ففيها اشكال، و كذا في مسكها (2).

نعم إذا أخذت من يد المسلم يحكم بطهارتها، و لو لم يعلم انها مبانة من الحي أو الميت (3).

______________________________
الا ان كون الراوي لها هو الامام (ع) الذي ظاهر حاله انه في مقام بيان الحكم الشرعي، لا مجرد نقل القصة و التأريخ، و ظهور سياق الرواية أيضا في انه كان بصدد الاستشهاد بعمل النبي (ص)، و اقتناص الحكم الشرعي منها حيث فرض فيها عناية رطوبة يده حين استعماله للممسكة، يكسب الرواية ظهورا- على أقل تقدير- في ان ما كان متعارفا في زمان صدور هذا النص لدى الناس من المسك، أو الممسكة- على تقدير إرادة الفأرة بها- كان طاهرا- فاذا استطعنا ان نثبت من الخارج ان المسك المتخذ من الحي أيضا كان متعارفا في الاستعمالات العرفية آنذاك- كما هو الظاهر- كانت الرواية دليلا على طهارته.

نعم المسك و فأرته المتخذ من الميتة إثبات طهارته بالرواية مشكل.

(1) قد ظهر خلال ما تقدم من الأبحاث ما يمكن ان يكون وجها للاحتياط‌

(2) قد اتضح مما سبق ان فأرة المسك و مسكها طاهرتان مطلقا فالاستشكال المذكور منحل.

(3) لا موضوع للبحث عن فرض الشك في كون الفأرة متخذة من الحي أو الميت، بناء على القول بطهارتها مطلقا و انما يتأتى هذا البحث إذا قيل بالتفصيل و هناك تفصيلان محتملان: أحدهما: التفصيل بين المتخذ من المذكى، و غيره حتى المتخذ من الحي.


119
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الرواية الثالثة: رواية عبد الله بن سنان ؛ ج‌3، ص : 118

..........

______________________________
الثاني: التفصيل بين المتخذ من المذكى أو الحي، و المتخذ من الميت.

فاذا اختير التفصيل الأول و ان موضوع الطهارة هو المتخذ من المذكى تمسكا بظاهر قوله في المكاتبة «إذا كان ذكيا»- فعند الشك و فقدان امارة مثبتة للتذكية من يد أو سوق يكون مقتضى الأصل هو النجاسة، تمسكا باستصحاب عدم التذكية، بناء على ان نجاسة الفأرة مترتبة على عدم تذكيتها، لا على عنوان الميتة الذي هو أمر وجودي لا يثبت باستصحاب عدم التذكية.

و تحقيق ذلك: ان نجاسة فأرة غير المذكى تارة: تثبت بلحاظ أدلة نجاسة الميتة و أدلة نجاسة القطعة المبانة من الحي. و اخرى: بلحاظ مفهوم قوله:

«إذا كان ذكيا» في رواية علي بن جعفر. فعلى الأول: تكون النجاسة مترتبة على عنوان الميتة، فلا تثبت باستصحاب عدم التذكية. و على الثاني:

يكون العنوان المأخوذ في الدليل عدم التذكية، إلا ان المفهوم في الرواية لا يدل بصورة مباشرة على النجاسة ليثبت ترتبها على عنوان عدم التذكية، و انما يدل المفهوم مباشرة على عدم جواز حمل الفأرة المأخوذة من غير المذكى في الصلاة، فإن احتمل عدم الجواز و لو مع الطهارة فلا دلالة على النجاسة، و ان علم من الخارج بانتفاء هذا الاحتمال- كما هو المفروض- دل المفهوم بالالتزام على النجاسة. و لكن الدلالة الالتزامية حينئذ لا تعين ان موضوع النجاسة هل هو نفس العنوان الواقع موضوعا لعدم جواز الصلاة، لأن غاية ما ثبت الملازمة بين ذاتي الحكمين، لا تطابقهما في العنوان، و ما لم يحرز كون النجاسة مترتبة على عدم التذكية لا يمكن إثباتها باستصحاب عدم التذكية.

نعم لو استظهر من رواية علي بن جعفر أنها ناظرة ابتداء- سؤالا و جوابا- إلى النجاسة و الطهارة، و ان الاستفهام عن الصلاة مع الفارة تعبير عرفي في مقام السؤال عن النجاسة، كان نفي البأس المعلق على التذكية‌


120
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الرواية الثالثة: رواية عبد الله بن سنان ؛ ج‌3، ص : 118

..........

______________________________
في منطوق الجواب يعني الطهارة، و يدل المفهوم حينئذ على تعليق النجاسة على عنوان عدم التذكية.

و قد يوقع حينئذ نحو من التعارض بين ظهور رواية علي بن جعفر في موضوعية عدم التذكية للنجاسة المساوق لعدم دخل عنوان الميتة الوجودي فيها، و بين ظهور أدلة نجاسة الميتة في دخل هذا العنوان بعد عدم وجود احتمال عرفي للتفكيك بين نجاسة الفأرة و نجاسة غيرها من اجزاء الميتة من حيث الموضوع، و الفراغ عن وحدة النجاسة المجعولة في سائر تلك الأدلة.

و مع التعارض المذكور يتعذر أيضا اجراء الاستصحاب لإثبات النجاسة.

و إذا اختير التفصيل الثاني- كما هو مختار السيد الماتن قده- فتارة:

يعلم بأن الفأرة متخذة من حيوان زهق روحه، و لكن يشك في كونه مذكى أو ميتة. و اخرى: يشك في كونها من الحي أو من الميتة.

و ثالثة: يشك في كونها من الحي أو المذكى أو الميتة. و على كل واحد من هذه التقادير، تارة: يفترض وجود أمارة في البين، كما لو اشتريت من السوق أو أخذت من يد مسلم. و اخرى: لا يوجد شي‌ء من ذلك.

اما على تقدير وجود يد المسلم أو سوقه فلا بد و ان ينظر الى دليل الحجية، ليرى حدود مفاده، فاذا استفيد منه- و لو بمناسبات الحكم و الموضوع العرفية- ان اليد أو السوق اعتبرت امارة على ان المشكوك مما لا محذور فيه شرعا، لان كونه مما فيه المحذور شرعا خلاف ما يقتضيه إسلام صاحب اليد أو السوق، فلا إشكال في شي‌ء من الصور الثلاث للشك، حيث يكون قيام اليد أو السوق امارة على عدم المحذور في فأرة المسك.

و اما إذا استفدنا من دليل أمارية اليد و السوق اماريتهما في إثبات التذكية في قبال الميتة فقط، فأيضا لا إشكال في صحة الاستناد إليهما لإثبات الطهارة في الصورة الأولى، حيث يدور الأمر بين كون الحيوان المتخذ‌


121
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الرواية الثالثة: رواية عبد الله بن سنان ؛ ج‌3، ص : 118

..........

______________________________
منه الفأرة مذكى أو ميتة. كما لا إشكال في عدم إمكان الاستناد إليهما في الصورة الثانية، حيث يقطع بعدم التذكية فيها، و انما يحتمل أخذها من الحي أو أخذها من الميتة.

و اما الصورة الثالثة: فالصحيح أيضا إمكان الاستناد فيها إلى الامارة لإثبات الطهارة، فإن الأمارية و ان كانت ثابتة بمقدار إثبات التذكية في قبال الميتة، مما يعنى ان موضوعها ما إذا أحرز زهاق الروح و شك في كونها بنحو التذكية أو بغيرها، إلا ان ذلك لا يقدح في المقام لإثبات الطهارة، حيث يقال: ان المشكوك لو كان متخذا من الحي فهو طاهر. و لو فرض انه كان متخذا من حيوان زهق روحه فامارية اليد أو السوق تقتضي ان يكون مذكى، و بذلك يحرز موضوع الطهارة على كل تقدير.

لا يقال: المفروض استظهار اختصاص الأمارية بما إذا كان الشك في التذكية و الموت مع إحراز زهاق روح الحيوان، فالتعدي منه الى مورد دوران الاحتمال بين ثلاثة أطراف- كما في المقام- غير صحيح، حيث لا يحرز فيه أصل زهاق الروح.

فإنه يقال: لا وجه لاستظهار الاختصاص المذكور، و انما غاية ما يثبت من الاختصاص إن الأمارية مجعولة في مورد الشك في التذكية و عدمها لإثبات التذكية، قبال احتمال الموت. و في المقام يوجد شك في التذكية فتثبت التذكية قبال احتمال الموت، و ان لم تثبت التذكية في قبال الحياة، كما هو واضح.

و اما على تقدير عدم وجود أمارة في المقام من قبيل اليد و السوق، فلا بد من الرجوع الى الأصل فنقول: تارة: يفرض ان الحكم بنجاسة المتخذ من الميتة باعتباره بنفسه ميتة، حيث يصدق عنوان الميتة و المذكى على جزء الحيوان أيضا بلحاظ الحياة الضمنية فيه. و اخرى: يفرض ان ذلك‌


122
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الرواية الثالثة: رواية عبد الله بن سنان ؛ ج‌3، ص : 118

..........

______________________________
باعتباره بنفسه غير مذكى، كما لو ارجع الضمير في قوله: إذا كان ذكيا إلى الفأرة نفسها، و ثالثة: باعتبار كون الحيوان المتخذ منه غير مذكى، كما لو ارجع الضمير الى الحيوان لا الفأرة، أو باعتبار كون ذلك الحيوان ميتة.

فعلى الأول: لا إشكال في جريان استصحاب عدم كون المشكوك ميتة، باعتبارها عنوانا وجوديا.

و على الثاني: يجري استصحاب عدم التذكية في المشكوك. بناء على جريانه لإثبات آثار عدم التذكية- و سوف يأتي تحقيق ذلك- فتثبت النجاسة حينئذ. و لا فرق في حكم هذين الفرضين بين ما إذا علم اتخاذه من حيوان و شك في كونه ميتة أم لا، و بين ما إذا شك في أخذه من الحيوان المعلوم كونه ميتة أو من غيره.

و على الثالث: لا بد من إجراء الأصل في الحيوان المتخذ منه الفأرة، لأن تذكيته أو موته موضوع للحكم بطهارة الفأرة أو نجاستها. و عليه فهناك صور:

الاولى: ان يعلم بكون الفأرة مأخوذة من حيوان معين، و يشك في حال هذا الحيوان حين أخذ الفأرة منه فلا يعلم هل كان حيا، أو مذكى، أو ميتا، و لا يزال هذا الشك قائماً بشأن ذلك الحيوان حتى الان فيجري استصحاب حياة الحيوان لنفى نجاسة الفأرة.

الثانية: الصورة السابقة نفسها، و لكن يعلم بان الحيوان ميتة فعلا.

فيجري في نفسه استصحاب بقاء الحيوان حيا الى حين أخذ الفأرة منه، لنفي موضوع النجاسة. و قد يعارض باستصحاب بقاء الفأرة على الحيوان الى حين موته لإثبات النجاسة. و هذا انما يتم إذا كان موضوع النجاسة مركبا من اتصال الفأرة بحيوان، و عدم كونه حيا، و عدم كونه مذكى في ذلك الزمان. فإنه- حينئذ- باستصحاب اتصال الفأرة بالحيوان الى زمان عدم حياته، و استصحاب عدم تذكيته الى ذلك الزمان، يثبت موضوع النجاسة. و بعد التعارض بين الاستصحابين يرجع الى قاعدة الطهارة.

الثالثة: ان يعلم بأخذ الفأرة من حيوان معين بعد موته، و يشك في كونه مذكى. فيجري استصحاب عدم التذكية إذا كانت نجاسة الفأرة مترتبة على عدم تذكية الحيوان، لا على كونه ميتة.

الرابعة: ان تتردد الفأرة بين ان تكون مأخوذة من هذا الحيوان أو من ذاك، و كل من الحيوانين لا يشك في حاله، و انما الشك في أخذ الفأرة من هذا أو ذاك. فلا يجري الاستصحاب في الحيوان الذي اتخذت الفأرة منه، لأنه من استصحاب الفرد المردد، فتجري قاعدة الطهارة.


123
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 3) ميتة ما لا نفس له طاهرة(1) ؛ ج‌3، ص : 124

(مسألة- 3) ميتة ما لا نفس له طاهرة (1)

______________________________
(1) المعروف بين الفقهاء استثناء ميتة ما لا نفس له من الحكم بالنجاسة، حتى ادعى الإجماع على ذلك في كثير من كلماتهم. و البحث في ذلك: تارة فيما تقتضيه عمومات النجاسة. و اخرى: فيما تقتضيه الروايات الخاصة.

اما البحث الأول: فروايات نجاسة الميتة،

و ان كان أكثرها واردا في موارد ما له نفس سائلة، غير انه بالإمكان دعوى الإطلاق في مثل روايات النهي عن أكل طعام أهل الكتاب و في أوانيهم، معللة ذلك بان فيه الميتة، مع وضوح انهم لا يقتصرون على أكل ميتة ما له نفس سائلة، بل يأكلون مثل السمك مما لا نفس سائلة له أيضا. و مقتضى إطلاق التعليل ثبوت النهي حتى في مورد أكلهم الميتة التي لا نفس لها، فيستفاد منه الإرشاد إلى نجاستها أيضا. اللهم الا ان يدعى الفراغ في تلك الروايات عن كبرى نجاسة الميتة، بنحو لا تكون في مقام البيان من تلك الناحية، ليتمسك بإطلاقها.

و أما البحث الثاني:

فالروايات الخاصة التي قد تصلح لتقييد الإطلاق في دليل النجاسة- على فرض ثبوته- عدة اخبار.


124
بحوث في شرح العروة الوثقى3

و أما البحث الثاني: ؛ ج‌3، ص : 124

..........

______________________________
الأول: رواية حفص بن غياث عن الصادق (ع) «عن أبيه انه قال: لا يفسد الماء الا ما كان له نفس سائلة»
«1».

و دلالتها على طهارة ميتة ما لا نفس له واضحة، فإنها- بقرينة التفصيل بين ما له نفس و ما ليس له نفس- تكون ناظرة إلى نفى النجاسة مما ليس له نفس، لا الى اعتصام مطلق الماء، و الا لم يكن فرق بين ما ليس له نفس و غيره.

و هذه النجاسة المنفية ليس المراد بها النجاسة الذاتية للحيوان، لان وضوح ان الحيوان الحي ليس نجسا و لا منجسا حتى فيما له نفس يصرف ظهور الرواية عن ذلك: و ليس المراد بها نجاسة ما قد ينضم الى الحيوان من فضلاته، لأن إضافة الإفساد المنفي إلى نفس الحيوان قرينة على كون المنظور بدن الحيوان، أو كونه على الأقل هو القدر المتيقن على نحو لا يمكن حمل الرواية على غيره، فيتعين اتجاه نظر الرواية نحو نجاسة الحيوان باعتبار موته.

و لكن في الرواية اشكالا من ناحية السند، لان الشيخ ينقلها في التهذيب:

عن المفيد، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن محمد ابن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن عيسى، عن حفص. و أحمد بن محمد الذي يروى عنه المفيد غير ثابت التوثيق.

و ينقلها الشيخ في الاستبصار: عن الحسين بن عبيد اللّه، عن أحمد ابن محمد بن يحيى، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد بن يحيى. إلخ.

و قد وقع فيه أحمد بن محمد أيضا.

و لكن التحقيق إمكان دفع هذا الإشكال السندي، باعتبار ان الشيخ له ثلاث طرق في الفهرست الى جميع كتب و روايات محمد بن أحمد بن يحيى الواقع بعد الضعف في سلسلة السند» و أحدها صحيح قد اشتمل بدلا عن‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 35 من النجاسات


125
بحوث في شرح العروة الوثقى3

و أما البحث الثاني: ؛ ج‌3، ص : 124

..........

______________________________
أحمد بن محمد على الصدوق، فتصح الرواية. فإن قيل: كيف نثبت ان الشيخ ينقل هذه الرواية بذلك الطريق الصحيح الى محمد بن أحمد بن يحيى ما دام قد صرح في كتابيه بطريق معين إليه في مقام نقل تلك الرواية.

قلنا: ان الظاهر من عبارة الفهرست وحدة المنقول بالطرق الثلاثة، و حيث ان الطريق المصرح به في الاستبصار هو أحد الطرق الثلاثة المذكورة في الفهرست، ثبت ان رواية محمد بن أحمد بن يحيى لخبر حفص واصلة إلى الشيخ بالطرق الثلاثة جميعا. و هذا هو المقدار الذي نقبله من نظرية التعويض.

و من جملة الروايات موثقة عمار: «سئل عن الخنفساء و الذباب و الجراد و النمل، يموت في البئر و الزيت و السمن و شبهه؟ فقال (ع):

كل ما ليس له دم فلا بأس» «1» و قريب من مضمونها رواية أبي بصير:

«كل شي‌ء وقع في البئر ليس له دم مثل العقرب و الخنافس و أشباه ذلك فلا بأس» «2» و دلالتها على طهارة ميتة ما لا دم له أوضح من سابقتها، لصراحة نظرها الى محذور الميتة و نجاستها.

غير انه ربما يقال: بدلالتها- بمقتضى إطلاق المفهوم- على نجاسة ميتة ما له نفس غير سائلة، كالسمك مثلا. فتقع طرفا للمعارضة مع رواية حفص المتقدمة بنحو العموم من وجه، و بعد التساقط يرجع فيما له نفس غير سائلة إلى عموم نجاسة الميتة باعتباره مرجعا فوقانيا.

و فيه: أولا: ان الجملة التي استعملها الامام (ع) غير مشتملة على أدوات المفهوم، و غاية ما يوهم كونه مقتضيا للمفهوم استظهار سياق التحديد منها. و من الواضح: انه يكفى لإشباع الحاجة الى التحديد ان يذكر ما يكون جامعا محددا للامثلة التي سأل عنها السائل، و التي كلها مما لا‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 35 من أبواب النجاسات

(2) وسائل الشيعة باب 17 من أبواب الماء المطلق


126
بحوث في شرح العروة الوثقى3

و أما البحث الثاني: ؛ ج‌3، ص : 124

كالوزغ و العقرب و الخنفساء و السمك (1)

______________________________
نفس له أصلا.

و ثانيا: لو فرض تمامية المفهوم فيها، فلا محيص عن تقديم رواية حفص على إطلاق هذا المفهوم، و ذلك لورود قيد السيلان في رواية حفص بحيث يكون الالتزام بإطلاق المفهوم- المقتضي لنجاسة دم ما له دم غير سائل- إلغاء لخصوصية القيد المذكور المأخوذ في رواية حفص، و هذا ليس تقييدا، و انما هو رفع لليد عن موضوعية قيد مأخوذ في الحكم.

و هناك روايات اخرى وردت في موارد خاصة من ميتة بعض الحيوانات التي لا نفس سائلة لها، و هي تدل على الطهارة. الا ان الاستدلال بها على القضية الكلية بحاجة إلى ضم نكات و مناسبات عرفية، تقتضي إلغاء خصوصية تلك الموارد. و سوف يأتي التعرض لجملة منها، الا ان في رواية حفص المطلقة و التامة سندا و دلالة غنى و كفاية.

(1) تمسكا بإطلاق ما دل على طهارة ميتة ما ليس له نفس سائلة، بعد فرض طهارة هذه الحيوانات في أنفسها، و عدم نجاستها الذاتية بقطع النظر عن الموت.

و قد يدعى نجاسة مثل الوزغ و العقرب، تمسكا ببعض الروايات، الا انها- لو تمت دلالتها- فهي ناظرة إلى النجاسة الذاتية لا الى حدوث النجاسة بالموت، إذ لم يفرض في موضوعها ملاقاة الماء و نحوه لميتة الوزغ و العقرب، بل لنفسها، فيكون ذلك أجنبيا عن محل الكلام، إذ لا يرجع الى تخصيص في دليل طهارة ميتة ما لا نفس له. و سوف يأتي تفصيل الكلام في احتمال النجاسة الذاتية لهذه الحيوانات في آخر بحث النجاسات.

فان قيل ان ما دل على نجاسة الوزغ أو العقرب- مثلا- أو انفعال البئر به، و ان لم يؤخذ في موضوعه فرض الموت، و لكن إذا ضم الى ذلك‌


127
بحوث في شرح العروة الوثقى3

و أما البحث الثاني: ؛ ج‌3، ص : 124

و كذا الحية و التمساح، و ان قيل بكونهما ذا نفس، لعدم معلومية ذلك، مع انه إذا كان بعض الحيات كذلك لا يلزم الاجتناب عن المشكوك كونه كذلك (1)

______________________________
ما دل على طهارته في حال حياته تعين تقييد دليل النجاسة بما بعد الموت، فيكون تخصيصا في دليل طهارة الميتة.

قلنا: ان هذا ليس تقييدا عرفيا لظهور تلك الروايات في ان ملاك الحزازة نفس سقوط الوزغ أو العقرب في الماء، و التقييد يعنى إلغاء هذا الملاك رأسا، و جعل هذا السقوط مقدمة لأمر مطوي و هو موت الحيوان في الماء، و افتراض هذا الأمر المطوي ملاكا للحزازة. و من الواضح ان الحمل على التنزه اولى من هذا التأويل عرفا.

(1) ذهب بعض إلى نجاسة ميتة الحية و التمساح، لا باعتبار ورود دليل خاص على ذلك، فإنه لم يرد ما يدل على نجاستها، بل بدعوى كونهما مما له نفس سائلة.

و الجدير بالبحث الفقهي ان نلاحظ حكم الشك في كون حيوان مما له نفس سائلة أو لا؟ فنقول: قد يشك في ان الحيوان ذو نفس سائلة بنحو الشبهة المفهومية، بأن يشك في صدق العنوان المزبور على درجة معينة من الدم في الحيوان. و قد يشك فيه بنحو الشبهة المصداقية، بان لا يعلم مقدار الدم و سيلانه.

اما الفرض الأول: فحكمه التمسك بعموم نجاسة الميتة على فرض وجوده، بناء على ما هو المقرر في محله من التمسك بالعام في الشبهة المفهومية لمخصصه المنفصل.

و اما الفرض الثاني فتارة: يفرض ان الحيوان المشكوك متعين نوعا،


128
بحوث في شرح العروة الوثقى3

و أما البحث الثاني: ؛ ج‌3، ص : 124

..........

______________________________
كميتة الحية التي يشك بنحو الشبهة الموضوعية في سيلان دمها. و اخرى:

يفرض عدم تعين نوعه، كميتة مرددة بين الحية و الفأرة. فهنا صورتان:

أما الصورة الأولى: فان بنى على عدم جريان الاستصحاب في العدم الأزلي جرت في المقام أصالة الطهارة، حتى إذا افترض وجود العموم في دليل نجاسة الميتة، لوضوح عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، و ان بنى على جريان الاستصحاب في الاعدام الأزلية، فاما ان يلتزم بوجود العموم في دليل نجاسة الميتة، و اما ان يلتزم بعدمه. فان التزم بعدمه كان المتيقن نجاسته هو عنوان ما له دم، فيجري استصحاب العدم الأزلي لهذا العنوان و أصالة الطهارة. و ان التزم بوجود العموم في دليل نجاسة الميتة، فلا بد من ملاحظة ما هو الخارج بالتخصيص. فان كان الخارج موضوعا مركبا من ميتة حيوان و عدم كونه ذا نفس سائلة، أمكن إحراز عنوان الخارج باستصحاب العدم الأزلي، لكونه ذا نفس سائلة. و ان كان الخارج موضوعا مقيدا- و هو ميتة الحيوان المتصف بعدم سيلان الدم- فهذا يعني ان عدم السيلان المأخوذ في العنوان الخارج لوحظ بنحو العدم النعتي، فلا يمكن إثباته باستصحاب العدم الأزلي، بل يمكن نفيه بهذا الاستصحاب بنحو يثبت موضوع العام، فيحكم بالنجاسة. هذه هي تقادير المسألة.

و اما تشخيص الواقع منها: فمن ناحية وجود العموم في دليل نجاسة الميتة و عدمه تقدم الحال في ذلك. و من ناحية تشخيص العنوان الخارج بالتخصيص، قد يقال: ان المخصص هو مثل قوله: «كل ما ليس له دم فلا بأس به» و ظاهره أخذ العدم بنحو العدم النعتي. و يرد عليه- مضافا الى إمكان منع هذا الظهور- ان دليل التخصيص لا ينحصر بذلك بعد ان صح سند رواية حفص، و هي تحصر النجاسة بعنوان وجودي، فتعطي هذا العنوان لنفس العمومات، و يكون المستصحب عدمه الأزلي.

و اما الصورة الثانية فتوضيح الحال فيها ان: موضوع الحكم بالنجاسة، ان كان هو ميتة الحيوان الذي له بشخصه نفس سائلة، فاستصحاب العدم الأزلي يجرى لنفي موضوع النجاسة، كما هو الحال في الصورة السابقة. و ان كان هو ميتة الحيوان الذي يكون نوعه ذا نفس سائلة، بحيث لو اتفق وجود النفس السائلة في فرد من السمك مثلا بنحو الشذوذ، لم يستوجب نجاسة ميتة ذلك الفرد، لأن العبرة بالنوع، فيشكل جريان الاستصحاب لأنه ان أريد إجراؤه في واقع النوع الذي ينتسب اليه هذا الحيوان المردد فهو من استصحاب الفرد المردد، لان واقعة أما الحية التي يعلم بعدم النفس لها أو الفأرة التي يعلم بثبوت النفس السائلة لها. و ان أريد إجراؤه في هذا الشخص الخارجي من الحيوان، فهو لا اثر له، لان المفروض أخذ صفة السيلان للنوع لا للفرد، فيرجع الى أصالة الطهارة.


129
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 4) إذا شك في شي‌ء انه من اجزاء الحيوان أم لا؟ ؛ ج‌3، ص : 130

(مسألة- 4) إذا شك في شي‌ء انه من اجزاء الحيوان أم لا؟

فهو محكوم بالطهارة (1). و كذا إذا علم انه من الحيوان لكن شك في انه مما له دم سائل أو لا؟ (2).

(مسألة- 5) المراد من الميتة:

أعم مما مات حتف أنفه، أو قتل أو ذبح على غير الوجه الشرعي (3).

______________________________
(1) لاستصحاب عدم كونه من الحيوان، و لأصالة الطهارة.

(2) لاستصحاب عدم كونه من الحيوان ذي النفس السائلة، و لأصالة الطهارة.

(3) كما هو المتفق عليه فتوى و ارتكازا فما مات بقتل أو ذبح غير شرعي يحكم عليه بالحرمة و النجاسة و يشهد لذلك ما دل من الاخبار على النهي عن أكل ما تقطعه الحبال معللا بأنه ميتة بعناية عدم وقوع التذكية عليه و قد يستشهد لذلك بروايات أخرى أيضا و هذا المقدار لا كلام فيه و انما الكلام في تحقيق ان موضوع الحكم بالحرمة أو النجاسة هل هو عنوان الميتة بهذا المفهوم العام أو ما لا يكون مذكى و قد اخترنا في موضع آخر من هذا الشرح التفصيل بين الحرمة و النجاسة فالأولى موضوعها أمر عدمي و لهذا يمكن إثباته بالاستصحاب و الثانية موضوعها عنوان وجودي فيتعذر إثباتها باستصحاب عدم التذكية فلاحظ.


130
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 6) يد المسلم أمارة على التذكية و تفصيل البحث في استصحاب عدم التذكية ؛ ج‌3، ص : 131

(مسألة- 6) [يد المسلم أمارة على التذكية و تفصيل البحث في استصحاب عدم التذكية]

ما يؤخذ من يد المسلم من اللحم أو الشحم أو الجلد محكوم بالطهارة، و ان لم يعلم تذكيته (1)

______________________________
(1) يقع الكلام أولا: في استصحاب عدم التذكية و مقدار ما يمكن ان يثبت به من آثار. و ثانيا: في الأمارات الخاصة الحاكمة عليه.

اما تحقيق حال استصحاب عدم التذكية:

فمحصل ما ينبغي إيراده في المقام، انه تارة: يراد إثبات الحرمة تكليفا أو وضعا في الصلاة بالاستصحاب المذكور. و اخرى: يراد إثبات النجاسة. فالكلام في مقامين:

المقام الأول: في إثبات الحرمة بالاستصحاب المذكور.

و هو موقوف على ملاحظة موضوع الحكم بالحرمة، و هل هو عنوان وجودي أو عدمي بنحو العدم النعتي أو المحمولي؟ فهنا صور لا بد من ذكر كل منها، و ملاحظة ان الاستصحاب فيها هل يكون من استصحاب العدم الأزلي أم لا؟

الصورة الاولى:

ان يكون موضوع الحرمة الميتة بما هي أمر وجودي، مسبب عن الأسباب غير الشرعية للموت. و بناء عليه لا يجري استصحاب عدم التذكية بوجه أصلا، لأنه لا يثبت عنوان الموت الا على القول بالأصول المثبتة، لأن هذا الموضوع الوجودي ملازم عقلا لعدم التذكية.

الصورة الثانية:

ان يكون موضوع الحرمة عنوانا عدميا هو عدم‌


131
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الصورة الثالثة: ؛ ج‌3، ص : 132

..........

______________________________
الموت بسبب شرعي بنحو العدم المحمولي، و قد أضيف إلى ذات الحيوان لا الحيوان الميت، فيكون موضوع الحرمة مركبا من زهاق روح الحيوان و عدم تذكيته.

و هذا يعنى ان القيدين عرضيان في نسبتهما الى ذات الحيوان، دون أخذ تقييد بينهما: و بناء على هذا يجرى استصحاب عدم التذكية لإثبات الحرمة، حتى لو أنكرنا الاستصحاب في الاعدام الأزلية، لأن عدم تذكية الذابح للحيوان له حالة سابقة للموضوع الذي هو ذات الحيوان بحسب الفرض، فيجري استصحابه، و يضم الى القيد الآخر للموضوع المحرز بالوجدان و هو زهاق روحه، و يلتئم به الموضوع المركب.

الصورة الثالثة:

نفس الصورة مع افتراض العدم نعتيا لا محموليا.

و الحكم فيها كما في الصورة السابقة، لأن العدم النعتي أيضا له حالة سابقة حال حياة الحيوان، فيحرز بالاستصحاب، و يضم اليه الجزء الآخر المحرز بالوجدان، فيثبت المركب.

الصورة الرابعة:

ان يكون عدم التذكية مضافا الى الحيوان الزاهق روحه، لا الى نفس الحيوان، مع كونه بنحو العدم المحمولي، و هذا معناه ان قيدي زهاق الروح و عدم التذكية طوليان لا عرضيان، و بناء عليه يجري أيضا استصحاب عدم كون هذا الحيوان الزاهق روحه مذكى.

و لكنه من الاستصحاب في العدم الأزلي، إذ لا حالة سابقة للحيوان الزاهق روحه بما هو كذلك.

الصورة الخامسة:

نفس الصورة من حيث طولية القيدين، و لكن مع افتراض عدم التذكية بنحو النعتية، أي الحيوان الزاهق روحه الموصوف بأنه غير مذكى. و بناء عليه لا يمكن اجراء الاستصحاب، حتى على القول بالأصل في الاعدام الأزلية، لأنه لا يثبت العدم النعتي الأبناء على الأصل‌


132
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الصورة الخامسة: ؛ ج‌3، ص : 132

..........

______________________________
المثبت، فالمرجع حينئذ أصالة الحل و الإباحة لا محالة. هذه هي صور المسألة ثبوتا.

و المترائى من السنة أدلة الحرمة- إثباتا- الصورة الرابعة منها.

ذلك: ان الآية الكريمة قد رتبت الحكم بالحرمة- أولا- على كل حيوان زهقت روحه، ثم استثنت المذكى بقوله تعالى «إِلّٰا مٰا ذَكَّيْتُمْ». و قد حققنا في محله ان القيد الوارد بالتخصيص يؤخذ عدمه المحمولي في موضوع العام. و هذا يعنى جريان استصحاب عدم التذكية عند الشك، بناء على ما هو الصحيح من جريان الاستصحاب في الاعدام الأزلية.

هذا ما تقتضيه القاعدة الأولية العامة عند الشك في التذكية بنحو الشبهة الموضوعية. غير ان في المقام روايات ظاهرة في خلاف ذلك:

كرواية علي بن حمزة التي ورد فيها: «ما علمت أنه ميتة فلا تصل فيه» «1» و رواية ابن مهران: «لا بأس ما لم تعلم أنه ميتة» «2»، حيث رتب فيهما الجواز على فرض عدم العلم بالميتة الذي يعنى إلغاء استصحاب عدم التذكية في مورد الشك. و قد استند صاحب المدارك- قده- الى هذه الروايات في إبطال استصحاب عدم التذكية.

و هناك محاولتان للجواب على ذلك:

الاولى: ان هذه الروايات- كأدلة أصالة الحل و البراءة- تكون محكومة للاستصحاب، باعتباره علما تعبديا بموضوع الحرمة، فتتحقق الغاية في هذه الأدلة.

و فيه: أولا- عدم تمامية كبرى حكومة الاستصحاب على الأصول العملية الأخرى- على ما حققناه في علم الأصول- و انما نقدمه عليها بنكات الجمع العرفي المقتضي لملاحظة النسبة بين دليله و أدلتها.

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 50 من أبواب النجاسات

(2) وسائل الشيعة باب 50 من أبواب النجاسات


133
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الصورة الخامسة: ؛ ج‌3، ص : 132

..........

______________________________
و ثانيا: لو سلمنا حكومة الاستصحاب على أصالة الحل في مطلق الشبهات، فلا نسلم حكومته على هذه الروايات باعتبارها واردة في مورد الشك في التذكية الذي يكون مسبوقا دائما بالحالة السابقة لعدم التذكية، فيكون تقديمه عليها بالحكومة طرحا لها، و الدليل الحاكم انما يتقدم على محكومة فيما إذا لم يستلزم منه الطرح، و الا خصص الحاكم بالمحكوم.

لا يقال: هذه الروايات أعم من دليل الاستصحاب من جهة، حيث انها تشمل موارد العلم الوجداني بالتذكية، فلا يلزم من تحكيم الاستصحاب عليها في مورد الشك إلغائها.

فإنه يقال: صريح الروايات أخذ عدم العلم بموضوع الحرمة موضوعا للحلية، و التحكيم المذكور إلغاء لهذا العنوان، فيكون بحكم الطرح و التأويل عرفا فان قيل: ان الأعمية من جهة محفوظة على اى حال بلحاظ شمول الروايات المذكورة لحالات قيام الامارة على التذكية، و عدم شمول دليل الاستصحاب لها.

قلنا: ان المغيى في تلك الروايات، ان كان مخصوصا بموارد الامارة على التذكية- فلا يعقل حكومة الاستصحاب على الغاية و تحقيقه فردا تعبديا لها، و إلا يلزم حكومته على الامارة المثبتة للتذكية، و هو خلاف المقصود و ان كان المغيى شاملا لموارد الشك المجرد من الامارة، فهذا بنفسه يعني شمول الترخيص لمورد الاستصحاب، و بالتالي عدم تحقق الغاية المجعولة للترخيص في تلك الروايات.

و ثالثا: ان الحرمة أنيطت في الروايات المذكورة بالعلم بأنه ميتة، لا بالعلم بعدم التذكية. فإن استظهر منها كونها بصدد اناطة الجواز بالعلم بما هو موضوع الحرمة و كون ذكر الميتة بما هي موضوع لها كانت بنفسها ظاهرة في موضوعية الميتة للحرمة و هذا يبطل جريان الاستصحاب في‌


134
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الصورة الخامسة: ؛ ج‌3، ص : 132

..........

______________________________
نفسه، فضلا عن حاكميته، لان عنوان الميتة لا يثبت باستصحاب عدم التذكية و ان لم يستظهر منها ذلك و احتمل كونها بصدد اناطة الجواز بالعلم بالميتة، و ان كان موضوع الحرمة أمرا عدميا، فاستصحاب عدم التذكية في نفسه و ان كان يثبت الحرمة، و لكن تمتنع حكومته على تلك الروايات، لان مفاده العلم التعبدي بعدم التذكية لا بعنوان الميتة، و ما جعل غاية، العلم بالميتة.

و المحاولة الثانية التي يفرض فيها الاعتراف بعدم الحكومة المدعاة في المحاولة الاولى ان: هذه الروايات واردة في موارد الامارة الشرعية على التذكية، كما يظهر من ورود السؤال في بعضها عن الجلد يؤخذ من السوق، و لا جريان للاستصحاب في مواردها كي يتعارض مع هذه الروايات، فتبقى موارد الشك و عدم الامارة مجرى للاستصحاب.

و هذه المحاولة، ان أريد بها ان هذه الروايات منصرفة انصرافا كليا الى موارد الامارة على التذكية من سوق أو يد، فهذا الانصراف- إذا ثبت- يصلح ان يكون جوابا، و لكنه في نفسه غير صحيح إذ لا موجب لهذا الانصراف بعد فرض الإطلاق في جواب الامام (ع) لكل ما لا يعلم أنه ميتة. و ان أريد بها ان هذه الروايات أعم من موارد اليد و غيرها، و دليل الاستصحاب انما يقتضي إجراء استصحاب عدم التذكية في غير مورد اليد، فتخصص بدليل الاستصحاب، فيخرج عنها موارد الشك و عدم السوق أو اليد، فيرد عليها:

أولا: ان خروج موارد اليد و السوق عن إطلاق دليل الاستصحاب بدليل منفصل، لا يخرجه عن كونه أعم مطلقا من الروايات المذكورة، بل يكون من قبيل العام الذي ورد في مقابله خاصان: أحدهما دليل أمارية اليد و السوق، و الآخر الروايات المذكورة، فيخصص بهما معا.


135
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الصورة الخامسة: ؛ ج‌3، ص : 132

..........

______________________________
و ثانيا: لو فرض خروج موارد اليد و السوق موضوعا عن دليل الاستصحاب، كما لو كان الخروج بنحو حكومة موجبة لرفع الموضوع حقيقة بالتعبد، فهذا لا يكفي لإنتاج أخصية دليل الاستصحاب، بل تكون النسبة بينه و بين الروايات العموم من وجه، لشموله لسائر الشبهات، و بعد التعارض و التساقط يرجع الى أصالة الحل.

فان قيل: بل يقدم دليل الاستصحاب مع ذلك، للقرينية، كما يقدم على دليل البراءة، و لو لم نقل بالحكومة.

قلنا: ان قرينية دليل الاستصحاب على دليل البراءة متقومة بكون مفاد الاستصحاب مطابقا مع مفاد الغاية، و هذا التطابق غير موجود في المقام، لان مفاد الاستصحاب التعبد بعدم التذكية، و مفاد الغاية إحراز عنوان الميتة، فلا تتم القرينية.

فالصحيح: ان هذه الروايات لو لوحظت وحدها لانتجت أصالة التذكية في موارد الشك. غير ان هناك روايات اخرى دلت على الخلاف من قبيل: موثقة ابن بكير: «فان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و ألبانه و كل شي‌ء منه، جائز إذا علمت أنه ذكي» «1» فإنها دالة على عدم الجواز في فرض عدم العلم بالتذكية. و هي مطلقة من حيث وجود امارة عليها أم لا. و حينئذ لو قلنا بانقلاب النسبة، كانت الرواية- بعد تخصيصها بإخراج موارد الامارة- أخص مطلقا من الروايات المتقدمة، الدالة على الجواز مطلقا، و الا فالتعارض و التساقط. و على كلا التقديرين تثبت أصالة عدم التذكية في موارد الشك. و مثل رواية ابن بكير، نفس ما دل على أمارية أرض الإسلام و حجيته في إثبات الجواز، فان هذا دال على ان المرجع- لو لا الحجية- سنخ أصل منجز، و الا لم يكن هناك‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 2 من لباس المصلى


136
بحوث في شرح العروة الوثقى3

المقام الثاني: في إثبات النجاسة باستصحاب عدم التذكية ؛ ج‌3، ص : 137

..........

______________________________
معنى عرفا لجعل مثل تلك الأمارية.

المقام الثاني: في إثبات النجاسة باستصحاب عدم التذكية

و قد ذكر ان إثباتها بالاستصحاب مبني على تمامية أحد أمرين: ان يكون موضوعها عدم التذكية، أو ان يكون موضوعها عنوان الميتة مع إرجاعها إلى الموت لا بالسبب الشرعي.

اما الأمر الأول فهو خلاف ظاهر روايات الباب الدالة على النجاسة، حيث أخذ في موضوعها عنوان الميتة.

الا أن المحقق الهمداني (قده) حاول إثباته بمثل رواية الصيقل قال:

«كتبت الى الرضا (ع): اني اعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة، فتصيب ثيابي فأصلي فيها؟ فكتب إليّ: اتخذ ثوبا لصلاتك. فكتبت إلى أبي جعفر الثاني (ع): إني كنت كتبت إلى أبيك (ع) بكذا و كذا.

فصعب علي ذلك، فصرت أعملها من جلود الحمر الوحشية الذكية. فكتب إليّ: كل أعمال البر بالصبر يرحمك اللّه، فإن كان ما تعمل وحشيا ذكيا فلا بأس» «1» حيث يمكن ان يستدل بالجملة الأخيرة على ان البأس- و هو النجاسة بحسب فرض السائل المستفاد من قوله: «فتصيب ثيابي فأصلي فيها»- موضوعه ان لا يكون ذكيا.

و فيه: ان الشرطية المذكورة مسوقة في قبال الشق الأول المفروض في كلام السائل، و هو اتخاذه أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة، و الذي عدل عنه الى جلود الحمر الوحشية الذكية بعد عدم تجويز الامام الرضا (ع) الصلاة في الثوب الملاقي معها. فالشرطية في المقام في قوة قوله: ان كان ما تعمله هو فرضك الثاني فلا بأس. و مفهومها حينئذ: ان الفرض الأول في كلام السائل و هو جلود الحمر الميتة فيه بأس. و الشاهد على ذلك انه‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 49 من أبواب النجاسات


137
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الكلام في الروايات الدالة على أمارية يد المسلم ؛ ج‌3، ص : 138

 

..........

______________________________
وردت في كلام الامام (ع) كلمة (وحشيا) التي كانت واردة في فرض السائل نفسه دون ان يكون له دخل في الحكم الشرعي، مما يشهد على ان نظر الامام (ع) الى فرض السائل.

فالصحيح: عدم تمامية الأمر الأول، لأن أدلة النجاسة قد رتبتها على عنوان الميتة لا عدم التذكية.

و اما الأمر الثاني، فقد قيل في عدم تماميته: ان الميتة عنوان وجودي عرفا و ليس مجرد عدم التذكية، و لو فرض الشك و الإجمال كفى ذلك في عدم جريان استصحاب عدم التذكية أيضا.

و الصحيح: انا حتى لو جزمنا بكون الميتة عبارة عن الموت لا بالسبب الشرعي الذي هو عنوان عدمي، لم يجد ذلك في جريان استصحاب عدم التذكية، لوضوح ان هذا الوصف العدمي مأخوذ في عنوان الميتة بنحو وحداني نعتي مضاف الى الموت، و هو الصورة الخامسة من الصور المتقدمة، لا بنحو التركيب، و الا لم تكن الميتة عنوانا واحدا. و استصحاب عدم التذكية انما يجدي فيما إذا كان الموضوع مركبا بأحد الأنحاء المتقدمة في الصورة الثانية و الثالثة و الرابعة من الصور الخمس السابقة. فبناء المسألة على الأمر الثاني كما فعله جماعة في غير محله.

و قد اتضح من كل ما تقدم: ان الأصل عند الشك في التذكية هو عدمها بلحاظ حرمة الأكل و عدم جواز الصلاة، و أصالة الطهارة بلحاظ النجاسة.

[الكلام في الروايات الدالة على أمارية يد المسلم]

و اما ما ادعى الخروج به عن الأصل المذكور باعتبار اماريته على التذكية فهي اليد، و السوق، و ارض الإسلام.

و المدرك في أمارية هذه العناوين روايات الباب، و يمكن تصنيفها الى طوائف:

الأولى: ما دل على الحلية حتى يعلم أنه ميتة.

و هذه الطائفة أجنبية‌

 

 

 

138
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الأولى: ما دل على الحلية حتى يعلم أنه ميتة. ؛ ج‌3، ص : 138

..........

______________________________
وردت في كلام الامام (ع) كلمة (وحشيا) التي كانت واردة في فرض السائل نفسه دون ان يكون له دخل في الحكم الشرعي، مما يشهد على ان نظر الامام (ع) الى فرض السائل.

فالصحيح: عدم تمامية الأمر الأول، لأن أدلة النجاسة قد رتبتها على عنوان الميتة لا عدم التذكية.

و اما الأمر الثاني، فقد قيل في عدم تماميته: ان الميتة عنوان وجودي عرفا و ليس مجرد عدم التذكية، و لو فرض الشك و الإجمال كفى ذلك في عدم جريان استصحاب عدم التذكية أيضا.

و الصحيح: انا حتى لو جزمنا بكون الميتة عبارة عن الموت لا بالسبب الشرعي الذي هو عنوان عدمي، لم يجد ذلك في جريان استصحاب عدم التذكية، لوضوح ان هذا الوصف العدمي مأخوذ في عنوان الميتة بنحو وحداني نعتي مضاف الى الموت، و هو الصورة الخامسة من الصور المتقدمة، لا بنحو التركيب، و الا لم تكن الميتة عنوانا واحدا. و استصحاب عدم التذكية انما يجدي فيما إذا كان الموضوع مركبا بأحد الأنحاء المتقدمة في الصورة الثانية و الثالثة و الرابعة من الصور الخمس السابقة. فبناء المسألة على الأمر الثاني كما فعله جماعة في غير محله.

و قد اتضح من كل ما تقدم: ان الأصل عند الشك في التذكية هو عدمها بلحاظ حرمة الأكل و عدم جواز الصلاة، و أصالة الطهارة بلحاظ النجاسة.

[الكلام في الروايات الدالة على أمارية يد المسلم]

و اما ما ادعى الخروج به عن الأصل المذكور باعتبار اماريته على التذكية فهي اليد، و السوق، و ارض الإسلام.

و المدرك في أمارية هذه العناوين روايات الباب، و يمكن تصنيفها الى طوائف:

الأولى: ما دل على الحلية حتى يعلم أنه ميتة.

و هذه الطائفة أجنبية‌


138
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الثانية: ما دل على ترتيب أثر التذكية، ؛ ج‌3، ص : 139

..........

______________________________
عن المقصود، لان مفادها أصالة الحل لا جعل الأمارية.

و قد تقدم انها مبتلاة بالمعارض في رتبتها، مما دل على عدم الجواز حتى يعلم بالتذكية.

الثانية: ما دل على ترتيب أثر التذكية،

و كان مختصا موردا بما يؤخذ من السوق، كرواية الحلبي «سألت أبا عبد اللّه (ع): عن الخفاف التي تباع في السوق. فقال: اشتر وصل فيها، حتى تعلم أنه ميتة بعينه» «1» فان مورد هذه الرواية هو المأخوذ من السوق، و لهذا كان الحكم بجواز ترتيب أثر التذكية عليه قابلًا للتعبير عن جعل الأمارية للسوق، كما انه قابل لان يكون تعبيرا عن أصالة التذكية في المشكوك.

الثالثة: ما كان ظاهرا في جعل الأمارية للسوق،

مثل رواية الفضيل، و زرارة، و محمد بن مسلم: «أنهم سألوا أبا جعفر (ع): عن شراء اللحوم من الأسواق و لا يدري ما صنع القصابون. فقال: كل، إذا كان ذلك في سوق المسلمين، و لا تسأل عنه» «2» فإن إناطة الحلية بالسوق ظاهرة في أنها بملاك أمارية السوق، لا لجعل أصالة التذكية في المشكوك.

الرابعة: ما كان ظاهرا في جعل الأمارية للصنع في أرض الإسلام،

كرواية إسحاق بن عمار عن العبد الصالح: «لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني، و فيما صنع في أرض الإسلام. قلت: فان كان فيها غير أهل الإسلام؟ قال: إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس» «3».

الخامسة: ما كان ظاهرا في اعتبار إسلام البائع دليلا على التذكية،

و هو خبر إسماعيل بن عيسى: «سألت أبا الحسن (ع): عن الجلود‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 50 من النجاسات

(2) وسائل الشيعة باب 29 من الذبائح

(3) وسائل الشيعة باب 50 من النجاسات


139
بحوث في شرح العروة الوثقى3

السادسة: ما دل على اناطة الجواز ؛ ج‌3، ص : 140

..........

______________________________
و الفراء، يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أ يسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟ قال: عليكم ان تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، و إذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه»
«1».

السادسة: ما دل على اناطة الجواز

بكون التذكية مضمونة و متعهدا بها من قبل البائع، كخبر محمد بن الحسين الأشعري: «كتب بعض أصحابنا الى ابي جعفر الثاني (ع): ما تقول في الفرو يشترى من السوق؟ فقال:

إذا كان مضمونا فلا بأس» «2».

و الطائفة السادسة- مضافا الى الإشكال السندي فيها، لعدم ثبوت وثاقة محمد المذكور- لا بد من حملها على الاستحباب، جمعا بينها و بين ما هو صريح عرفا في عدم وجوب السؤال. و الطائفة الخامسة ساقطة سندا، لعدم ثبوت وثاقة إسماعيل بن عيسى.

و على هذا فالمهم انما هو الطوائف الثانية و الثالثة و الرابعة. و قد تكفلت عنوانين أحدهما: ما صنع في أرض الإسلام. و الآخر: السوق.

و هو مخصوص بسوق المسلمين، و ان ورد مطلقا في بعض الروايات، إما لان ارتكاز مجرد كون المحل سوقا لا يكفي لإثبات التذكية قرينة على حمل مفاد تلك الروايات على القضية الخارجية و الإشارة الى ما هو المعهود و ما هو المعهود خارجا أسواق المسلمين، أو على القضية الحقيقية مع تقييدها بنحو يجعلها غير منافية للارتكاز و ذلك بإرادة سوق المسلمين خاصة. و إما للتقييد الوارد في بعض روايات السوق كما تقدم.

و الكاشفية المجعولة في تلك الروايات للسوق أو للصنع في أرض الإسلام عن التذكية يمكن تصويرها ثبوتا بعدة أنحاء:

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 50 من النجاسات

(2) وسائل الشيعة باب 50 من النجاسات


140
بحوث في شرح العروة الوثقى3

و هنا أمور لا بد من التنبيه إليها: ؛ ج‌3، ص : 141

 

..........

______________________________
الأول: ان يكون ذلك كاشفا عن تذكية المشكوك ابتداء، باعتبار ان المشكوك لو كان في سوق المسلمين أو صنع في بلادهم فالغالب انه يصنع حسب طريقتهم الشرعية المقتضية للتذكية.

الثاني: ان يكون ذلك كاشفا عن إسلام من بيده مشكوك التذكية، باعتبار ان الغالب في السوق أو البلد المسلمون فتكون هذه الغلبة في السوق أو البلد امارة إسلام البائع، و تكون يده هي الامارة على التذكية.

الثالث: ان يكون كاشفا عن مرور المشكوك على يد مسلم، اما صنعا أو بيعا أو غير ذلك، و لو فرض ان من بيده المشكوك في السوق لم يكن بمسلم، و تكون الامارة على التذكية تلك اليد المسلمة التي كشف إجمالا وقوع المشكوك تحت حيازتها.

و تختلف هذه الاحتمالات في نتائجها. فإنه بناء على الأول منها يحكم بتذكية المشكوك في السوق أو أرض المسلمين، و لو فرض كفر صاحب اليد بل و العلم بعدم سبق يد المسلم عليه أيضا. و لا يحكم بذلك على الأخيرين كما انه لو احتمل مرور يد المسلم و سبقها على يد الكافر حكم بالتذكية على الاحتمال الثالث، دون الثاني. و لعل المنصرف إثباتا من الروايات هو النحو الثاني، خصوصا بلحاظ ارتكازية أمارية الغلبة على إلحاق الفرد المشكوك بالأعم الأغلب، و لا أقل من احتمال هذا الانصراف الموجب للزوم الاقتصار على المتيقن.

و عليه: فتكون يد المسلم هي الامارة، و السوق أو أرض الإسلام التي يغلب فيها المسلمون هي الامارة على الامارة.

و هنا أمور لا بد من التنبيه إليها:

الأول:

انه بناء على استظهار جعل الامارة على الامارة من روايات الباب، تكون يد المسلم امارة و لو لم يكن موجودا في ضمن سوق أو في‌

 

 

 

141
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الأمر الثاني: ؛ ج‌3، ص : 142

..........

______________________________
أرض الإسلام. نعم لو بنينا على إجمال الروايات، و عدم استظهار أحد الأنحاء الثلاثة، فيشكل ذلك، لاحتمال كون سوق المسلمين هو الامارة ابتداء.

الأمر الثاني:

أن أمارية اليد على التذكية المستفادة من هذه الروايات لا إطلاق فيها يثبت: ان مجرد وقوع الشي‌ء تحت يد المسلم و في حيازته امارة على التذكية و لو كان مهملا من قبله، بل لا بد من فرض نحو اعتناء لصاحب اليد بالشي‌ء من قبيل ترتيب آثار التذكية عليه أو صنعه أو عرضه للبيع و نحو ذلك، لقصور الروايات عن شمول غير هذه الموارد.

الأمر الثالث:

ان يد المسلم إذا كانت مسبوقة بيد الكافر، فان احتمل ان يكون المسلم قد اعمل عناية في التعرف على كونه مذكى شمله إطلاق الروايات، و الا فلا، لان ظهورها في كون ترتيب الآثار على يد المسلم من باب الأمارية يكون قرينة على تقييد إطلاقها و المنع عن شمولها لهذه الحالة، لوضوح عدم الأمارية فيها ليد المسلم رأسا. و لو جاز ترتيب الآثار على يد المسلم في هذه الحالة، لأمكن لكل شخص ان يتسلم المشكوك تذكيته من الكافر ابتداء، ثم يسلمه الى المسلم، و بعد ذلك يتسلمه منه. أو يكلف المسلم بأن يأخذ المشكوك من الكافر، ثم يتسلمه منه. و من الواضح ان الارتكاز العرفي- المحكم في فهم روايات الباب- يأبى عن التفكيك بين ان يأخذه المسلم مباشرة من الكافر، أو ان يكلف مسلما آخر بأخذه و هو يأخذه منه.

الأمر الرابع:

ان أمارية يد المسلم تشمل غير المؤمن أيضا، ممن يستحل الجلود بالدبغ و يعتبره ذكاة لها أيضا.

و قد يستشكل في ذلك: تارة: بدعوى قصور الروايات عن الشمول، لان المستحل لا كاشفية ليده عن التذكية المطلوبة، و هي ظاهرة في اعتبار اليد من باب الكاشفية. و أخرى بدعوى: وجود المقيد لإطلاقها‌


142
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الأمر الرابع: ؛ ج‌3، ص : 142

..........

______________________________
أما الدعوى الاولى: فيدفعها ان كون الغالب في سوق المسلمين وقتئذ المسلم المستحل و ندرة المؤمن قرينة عرفا على شمول إطلاق الروايات له، و لكن لا بمعنى إسقاط ظهورها في الكاشفية رأسا، بل بمعنى اعمال عناية في مقام تطبيق الكاشف على هذا المورد.

و اما الدعوى الثانية فتتمثل في روايتين:

الأولى: رواية أبي بصير «قال: سألت أبا عبد اللّه عن الصلاة في الفراء فقال: كان علي بن الحسين (ع) رجلا صردا لا يدفئه فراء الحجاز لأن دباغها بالقرظ فكان يبعث الى العراق فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه فاذا حضرت الصلاة ألقاه و القى القميص الذي يليه فكان يسئل عن ذلك فقال ان أهل العراق يستحلون لباس جلود الميتة و يزعمون ان دباغه ذكاته» «1» و قد يناقش في الاستدلال بها بوجهين: أحدهما: أن عمل السجاد (ع) لا يدل على الحرمة بل يلائم مع التنزه. و يندفع بان الاستدلال ليس بعمله مباشرة، بل بنقل الامام الصادق (ع) له في مقام الجواب عن الجواز و عدمه، فيكون ظاهرا في عدم الجواز و الآخر: ان سؤال الراوي انما هو عن جواز لبس الفرو بنحو الشبهة الحكمية لا عن حكم الشبهة الموضوعية، فيتم الظهور المذكور في نقل الامام الصادق (ع) لعمل الامام السجاد (ع) و الجواب: ان حمل السؤال على ذلك خلاف ظاهر الجواب، لان ظاهر الجواب الاهتمام الخاص بنقل تفصيل عمل الامام السجاد (ع) و اجتنابه عن الفرو العراقي حال الصلاة، و المنصرف عرفا من ذلك كونه دخيلا في الجواب لا مجرد استطراد. فلو حمل السؤال على استعلام حال الشبهة الموضوعية كان بيان الإمام في مقام الجواب مطابقا للسؤال، و لو حمل على الشبهة الحكمية لزم كون الجواب مقتنصا من بيان الامام، مع اتجاه بيان‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة كتاب الصلاة باب 61 من أبواب لباس المصلي


143
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الأمر الخامس: ؛ ج‌3، ص : 144

 

..........

______________________________
الإمام إلى جهة استطرادية، و هو خلاف الظاهر عرفا. و الصحيح: بطلان الاستدلال بالرواية، لضعف سندها بغير واحد من رجالها، كمحمد ابن سليمان الديلمي و غيره. مضافا الى تعين حملها على التنزه في مقام الجمع، بعد عدم إمكان إخراج المستحل من إطلاق روايات الجواز على ما تقدم.

الرواية الثانية: ما عن عبد الرحمن بن الحجاج، «قال: قلت لأبي عبد اللّه (ع): انى ادخل سوق المسلمين، اعني هذا الخلق الذين يدعون الإسلام، فاشترى منهم الفراء للتجارة، فأقول لصاحبها أ ليس هي ذكية؟

فيقول: بلى فهل يصلح لي ان أبيعها على انها ذكية؟. فقال: لا، و لكن لا بأس ان تبيعها و تقول قد شرط لي الذي اشتريتها منه انها ذكية.

قلت: و ما أفسد ذلك. قال: استحلال أهل العراق للميتة، و زعموا ان دباغ جلد الميتة ذكاته، ثم لم يرضوا حتى ان كذبوا في ذلك على رسول اللّه (ص)» «1». و هي قد يستدل بها على عدم الاعتبار بيد البائع المستحل حتى مع شهادته بذكاته. الا انه قد يناقش فيها دلالة- بدعوى:

ان ظاهرها عدم جواز التعهد و الشهادة بأن المشكوك مذكى استنادا الى يد المستحل أو قوله، لا الحكم ظاهرا بأنه ليس بمذكى، خصوصا مع ظهور الكلام في جواز البيع، بناء على عدم جواز بيع غير المذكى. فان تمت هذه المناقشة فهو، و الا كفى في سقوط هذه الرواية ضعفها سندا بمحمد بن هلال، و هكذا يتضح تمامية المقتضى و عدم المانع عن شمول الروايات ليد المستحل‌

الأمر الخامس:

ان يد غير المسلم- بعد الفراغ عن عدم أماريتها على التذكية- هل توجب حجية اخبار صاحبها بالتذكية أو لا؟ قد يستدل على الحجية بوجوه:

الأول: خبر الأشعري

قال كتب بعض أصحابنا الى ابى جعفر‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 61 من أبواب النجاسات

 

 

 

144
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الوجه الثاني: التمسك بخبر إسماعيل بن عيسى ؛ ج‌3، ص : 145

..........

______________________________
الثاني (ع): «ما تقول في الفرو يشترى من السوق؟ فقال إذا كان مضمونا فلا بأس»
«1» بناء على ان المراد بالضمان تعهد البائع و اخباره بالتذكية. و لما كان مورد الرواية مطلقا و شاملا للبائع الكافر دلت على حجية خبر البائع الكافر أيضا. و بعد إلغاء الخصوصية عرفا يستفاد حجية خبر صاحب اليد بالتذكية مطلقا و لو لم يكن في مقام البيع، لأن النكتة المركوزة عرفا للحجية كونه صاحب يد لا كونه بائعا.

و قد يقال: ان هذه الرواية مع روايات حجية يد المسلم من قبيل الشرطيتين المتحدتين جزاء المختلفتين شرطا، فلا بد من الجمع بينهما بجعل المجموع شرطا، أو بجعل الجامع بينهما شرطا (التقييد بالواو أو بأو).

و يندفع ذلك: بان التقييد بالواو غير ممكن، لوضوح روايات يد المسلم في ان حجيتها غير منوطة بالأخبار.

و قد يقال: بناء على هذا بان المتعين تخصيص هذه الرواية بروايات حجية يد المسلم، لان هذه الرواية أعم منها.

و يندفع: بان تخصيصها بالكافر مع غلبة المسلمين و ندرة الكافر في أسواقهم ليس عرفيا.

و منه يظهر وقوع التعارض. غير ان هذه الرواية ساقطة سندا بسهل ابن زياد على ان بالإمكان حمل البأس المنوط نفيه فيها بالضمان على البأس التنزيهي، جمعا بين الرواية و روايات أمارية يد المسلم.

الوجه الثاني: التمسك بخبر إسماعيل بن عيسى

«قال: سألت أبا الحسن (ع): عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل» أ يسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟ قال: عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، و إذا رأيتم يصلون فيه‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 50 من أبواب النجاسات


145
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الوجه الثالث: التمسك بسيرة المتشرعة على الاعتبار و الاعتناء بشهادة صاحب اليد. ؛ ج‌3، ص : 146

 

..........

______________________________
فلا تسألوا عنه»
«1» و الاستدلال به مبني على ان يكون المراد بالسؤال السؤال من البائع، فيدل ذلك على حجية شهادته لا محالة.

و فيه:- مضافا الى سقوط الرواية سندا بإسماعيل بن عيسى و غيره- سقوطها دلالة، لأن الظاهر كون المقصود من السؤال هو الفحص عن كونه مذكى أم لا، و ليس مجرد تحصيل شهادة البائع و اخباره، و لا أقل من قوة احتمال ذلك الموجب للإجمال.

الوجه الثالث: التمسك بسيرة المتشرعة على الاعتبار و الاعتناء بشهادة صاحب اليد.

و هذه السيرة المدعاة و ان كانت مقبولة في الجملة، غير انه لا يمكن الجزم بها بنحو القضية المطلقة الشاملة لصاحب اليد الكافر أيضا. كيف و هناك قرائن في بعض الروايات تدل على تحرج الشيعة من المسلمين غير الشيعة فيما تحت أيديهم من الجلود، بل تقدم في رواية عبد الرحمن بن الحجاج ما قد يدل على عدم حجية اخبار صاحب اليد المسلم المستحل، فضلا عن صاحب اليد الكافر.

الأمر السادس:

قد يدعى أمارية يد الكافر على كون الشي‌ء ميتة.

و يستدل على ذلك بمفهوم قوله: «إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس»، الدال على ثبوت البأس و المحذور على تقدير كون صاحب اليد كافرا.

و فيه: ان المفهوم هو انتفاء الحكم بانتفاء الشرط، اي ثبوت نقيضه لا ثبوت ضده. و عليه فلو كان المستفاد من هذه الرواية انها بصدد جعل الأمارية لليد إذا كانت لمسلم، فمفهومها هو عدم الامارة على التذكية في فرض كون صاحب اليد كافرا، بحيث يرجع الى الأصول العملية في المورد، لا أمارية يد الكافر على كونه ميتة،

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 50 من أبواب النجاسات

 

 

 

146
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 7): ؛ ج‌3، ص : 147

و كذا ما يوجد في أرض المسلمين مطروحا إذا كان عليه أثر الاستعمال (1) و لكن الأحوط الاجتناب.

(مسألة- 7):

ما يؤخذ من يد الكافر أو يوجد في أرضهم محكوم بالنجاسة (2) إلا إذا علم سبق يد المسلم عليه (3).

(مسألة- 8) [في عدم مطهرية الدبغ لجلد الميتة]

جلد الميتة لا يظهر بالدبغ (4).

______________________________
(1) وجه التقييد هو دفع احتمال ان تكون فريسة حيوان فان مجرد الطرح في أرض المسلمين لا يكون أمارة على التذكية، و انما الامارة هي اليد المستعملة و التي يستكشف إسلام صاحبها بغلبة المسلمين على تلك الأرض.

(2) لا من جهة أمارية ذلك على العدم بل من أجل الأصول العملية، و قد عرفت أن مقتضاها الطهارة و عدم التذكية. فلا بد من التفصيل بين آثار النجاسة فلا ترتب، و آثار عدم التذكية كحرمة الأكل و الصلاة فيه فترتب‌

(3) باعتبار أماريتها على حد أمارية يد المسلم المباشر، و لا معنى لفرض الأمارية في يد الكافر اللاحق كي يدعى تعارض الأمارتين و الرجوع الى استصحاب عدم التذكية.

(4) اختلف الفريقان الإمامية و مشهور العامة في طهارة جلد الميتة بالدبغ، و قد أجمعت الإمامية على عدم طهارته بذلك، عدا ما ينسب الى ابن الجنيد من المتقدمين، و ما استنتج من الفقيه حيث نقل الصدوق رواية تدل على طهارة الميتة و باعتبار وضوح عدمها فسر بالحمل على طهارتها بالدبغ، الا أن مثل هذه النسب لعلها لا تضر بحصول مقدار معتد به من اتفاق الطائفة.

و قد يستدل على مطهرية الدبغ بروايات:

منها: رواية الفقه الرضوي: «دباغة الجلد طهارته» «1» و دلالتها على مطهرية الدبغ واضحة.

______________________________
(1) الفقه الرضوي ص 41.


147
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 8) في عدم مطهرية الدبغ لجلد الميتة ؛ ج‌3، ص : 147

..........

______________________________
و منها: خبر الحسين بن زرارة عن أبي عبد اللّٰه (ع) في جلد شاة ميتة يدبغ فيصب فيه اللبن أو الماء فأشرب منه و أتوضأ؟ قال: «نعم، و قال: يدبغ فينتفع به و لا يصلى فيه»
«1» و هي أيضا واضحة الدلالة على الطهارة إذ لو كان نجسا بعد الدبغ لتنجس الماء أو اللبن بملاقاته.

و منها: رواية الصدوق قال: سئل الصادق (ع) عن جلود الميتة يجعل فيها اللبن و الماء و السمن ما ترى فيه؟ فقال: «لا بأس بأن تجعل فيها ما شئت من ماء أو لبن أو سمن، و تتوضأ منه و تشرب و لكن لا تصلى فيها» «2» و هي و ان كانت مطلقة من حيث الدبغ الا أن الوضوح و التسالم على نجاسة الميتة في نفسها يكون قرينة على ارادة المدبوغ، خصوصا و ان الجلد من غير الدبغ لا يتخذ زقا للاستعمال و حفظ اللبن أو السمن فيه، هذه روايات الطهارة، و العمدة منها رواية الحسين بن زرارة لسقوط الباقي سندا و قد عورضت هذه الروايات بطائفة أخرى من الروايات أدعي دلالتها على النجاسة من قبيل رواية محمد بن مسلم، قال: سألته عن جلد الميتة أ يلبس في الصلاة إذا دبغ؟ قال: لا. و ان دبغ سبعين مرة» «3».

و رواية على بن أبي المغيرة قال: قلت لأبي عبد اللّه (ع) جعلت فداك الميتة ينتفع منها بشي‌ء؟ فقال: لا. قلت: بلغنا أن رسول اللّه (ص) مر بشاة ميتة فقال: ما كان على أهل هذه الشاة إذ لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها (بجلدها)؟ فقال: تلك شاة كانت لسودة بنت زمعة زوجة النبي (ص) و كانت شاة مهزولة لا ينتفع بلحمها فتركوها حتى ماتت فقال رسول اللّه (ص): ما كان على أهلها إذ لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها أي تذكى «4».

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 34 من أبواب الأطعمة المحرمة

(2) وسائل الشيعة باب 34 من أبواب النجاسات

(3) وسائل الشيعة باب 61 من أبواب النجاسات

(4) وسائل الشيعة باب 61 من أبواب النجاسات


148
بحوث في شرح العروة الوثقى3

في طهارة ميت المسلم بالغسل ؛ ج‌3، ص : 149

و لا يقبل الطهارة شي‌ء من الميتات سوى ميت المسلم فإنه يطهر بالغسل (1).

______________________________
و منها. رواية عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة، و التي جاء فيها:

«ان أهل العراق استحلوا الميتة و زعموا أن دباغه ذكاته ثم لم يرضوا حتى أن كذبوا في ذلك على رسول اللّه (ص)».

غير أن المتيقن ثبوته بمثل هذه الروايات انما هو نفى كون الجلد مذكى بالدبغ بحيث ترتب سائر آثار التذكية عليه بما فيها جواز الصلاة، لا نفى الطهارة عن الجلد المدبوغ، و رواية الحسين بن زرارة لا تثبت كون الجلد المدبوغ مذكى بل تثبت طهارته و جواز الانتفاع به في غير الصلاة فلا تقع طرفا للمعارضة إلا اللهم مع إطلاق المنع عن الانتفاع بالميتة في رواية على بن أبي المغيرة الشامل بإطلاقه للجلد المدبوغ الا أن بالإمكان حمل المنع على الكراهة جمعا ان لم يفرض التقييد، فلو لوحظت الروايات وحدها لكان إثبات نجاسة المدبوغ بها لا يخلو عن اشكال غير أن التسالم على المسألة و ارتكاز موقف الطائفة منها في مقابل موقف الآخرين يوجب تعذر المصير الى الحكم بالطهارة.

[في طهارة ميت المسلم بالغسل]

(1) تمسكا بالروايات المفصلة، كرواية إبراهيم بن ميمون قال:

«سألت أبا عبد اللّه (ع) عن رجل يقع ثوبه على جسد الميت؟ قال:

ان كان غسل الميت فلا تغسل ما أصاب ثوبك منه و ان كان لم يغسل فاغسل ما أصاب ثوبك منه، يعني إذا برد الميت» «1» فان نفى غسل الملاقي يكون إرشادا الى عدم نجاسة الملاقي كما يكون الأمر بغسله إرشادا إلى نجاسته.

و كذلك رواية محمد بن الحسن الصفار قال: «كتبت اليه: رجل‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 34 من أبواب النجاسات


149
بحوث في شرح العروة الوثقى3

في طهارة ميت المسلم بالغسل ؛ ج‌3، ص : 149

..........

______________________________
أصاب يده أو بدنه ثوب الميت الذي يلي جلده قبل أن يغسل هل يجب عليه غسل يديه أو بدنه؟ فوقع إذا أصاب يدك جسد الميت قبل أن يغسل فقد يجب عليك الغسل»
«1».

و قد تضعف الرواية الأولى سندا بإبراهيم بن ميمون الذي لم يثبت توثيقه و يندفع ذلك بثبوت وثاقته لرواية البجلي عنه.

و أما الرواية الثانية فقد يناقش في دلالتها على نفي النجاسة بأحد وجهين.

الأول- إجمال كلمة (الغسل) و ترددها بين الغسل و الغسل بالمعنى الرافع للحدث، و على التقدير الثاني يكون مفهوم الرواية عدم وجوب غسل المس لو كان الميت مغسلا، و هو أجنبي عن محل الكلام.

و هذه المناقشة يمكن دفعها، باستظهار ارادة الغسل الخبثي لا الحدثي من الكلمة، بقرينة أن السائل إنما سأل عن غسل اليدين و البدن، و لا بد من حمل الجواب على معنى يكون معه مطابقا للسؤال.

الثاني- إنكار المفهوم في الرواية، لأن الشرطية مسوقة لتحقق الموضوع و هو أصل الإصابة، فلا دلالة فيها على نفي لزوم الغسل في فرض اصابته بعد الغسل.

و يرد عليه أن الشرط هو الإصابة الخاصة الواقعة قبل تغسيل الميت، و فرض عدمها في طرف المفهوم يلائم مع الإصابة بعد الغسل، فلا يكون النفي بلحاظ ذلك من السالبة بانتفاء الموضوع بل يتم المفهوم، هذا مضافا الى إمكان التمسك بمفهوم القيد و الوصف لقوله «قبل أن يغسل» لأن أخذ القيد و لو بنحو الوصف يدل على الانتفاء عند الانتفاء و لو في الجملة، و حيث لا نحتمل فقهيا الفرق في حالات ما بعد التغسيل يثبت المطلوب.

و اضافة الى كل ذلك يمكن فهم الحكم بطهارة الميت المغسل عرفا من نفس أدلة تغسيل الميت على ما سيأتي في محله ان شاء اللّه تعالى.

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 4 من أبواب غسل المس


150
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 9) في حكم السقط و الفرخ في البيض ؛ ج‌3، ص : 151

(مسألة- 9) [في حكم السقط و الفرخ في البيض]

السقط قبل ولوج الروح نجس، و كذا الفرخ في البيض (1).

______________________________
(1) لا إشكال في نجاسة السقط بعد ولوج الروح، و كذا الفرخ في البيض، لكونه ميتة، و انما الكلام فيهما قبل ولوج الروح، و قد أفتى الماتن (قده) بالنجاسة فيهما أيضا. و يمكن أن يقرب ذلك بأحد وجوه:

الأول: التمسك بمطلقات نجاسة الميتة بدعوى صدقها عليهما عرفا و ذلك بتقريب أن الموت هو عبارة عن فقد الحياة بمعناها الأعم الشامل للحياة الشأنية القريبة من الفعل أيضا الموجودة في هذا السقط قبل سقوطه و هذا أحسن من تقريب المقصود بدعوى أن التقابل بين الموت و الحياة تقابل العدم و الملكة فالموت هو عدم الحياة فيما من شأنه الحياة، فلا يشترط في صدق عنوان الموت سبق الحياة، إذ ما لم تعمم الحياة للحياة الشأنية لا يمكن الالتزام بذلك، و الا للزم صدق عنوان الميتة على الجنين قبل أن يكون سقطا أيضا لعدم الحياة الفعلية فيه، و مع تعميم الحياة الشأنية لا يتوقف تتميم المدعى على إنكار دخل الحياة السابقة و ارتفاعها في عنوان الموت كما هو واضح.

و هذا الوجه و ان كان متينا صغرى لكنه ممنوع كبرى، إذ لا يوجد لدينا مطلقات تدل على نجاسة كل ميتة كي يرجع إليها، و انما هي روايات متفرقة في موارد مختلفة كلها من الموت بعد ولوج الروح و فعليتها، و احتمال الفرق بينها و بين المقام موجود عقلا و عرفا.

و دعوى التمسك بإطلاق كلمة الجيفة في رواية حريز عن الصادق‌


151
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 9) في حكم السقط و الفرخ في البيض ؛ ج‌3، ص : 151

..........

______________________________
عليه السلام: «كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء و اشرب فإذا تغير الماء و تغير الطعم فلا توضأ منه و لا تشرب»
«1» حيث دلت بإطلاقها على نجاسة كل جيفة و هو شامل للجنين الذي لم تلجه الروح، مدفوعة: بأن هذه الرواية ليست مسوقة لبيان نجاسة الميتة، و انما هي مسوقة لبيان حكم آخر هو اعتصام الماء و عدم انفعاله الا بالتغير فلا يكون في مقام البيان من ناحية النجاسة ليتمسك بإطلاقها، و لذا عبر بالجيفة و هو عنوان كما ينطبق على الميتة ينطبق على المذكى الطاهر أيضا.

الثاني: التسمك بروايات الحبالة الدالة على نجاسة القطعة المبانة من الحي، بدعوى أن السقط قبل الولوج قطعة مبانة من الحي عرفا فتشمله رواياتها. و فيه:

ان السقط قبل الولوج- فضلا عن الفرخ- نسبته الى أمه نسبة البيض الى الأصل لا نسبة الجزء المفصول من الحي إلى أصله، و روايات القطعة المبانة كلها واردة فيما يكون من قبيل الثاني و التعدي منه الى المقام مما لا يحتمله العقل و لا العرف، و لو سلمت جزئية السقط فلا إطلاق في روايات القطعة المبانة لمثل ذلك الجزء.

الثالث: الاستدلال بالحديث المستفيض «ذكاة الجنين ذكاة أمه» «2» بتقريب أنها تدل على أن الجنين يكتسب من أمه عنوان الذكاة و الميتة فإذا ماتت الأم حتف أنفها كان الجنين ميتة أيضا، و بما أنه لا يحتمل الفرق بين جنين ماتت أمه و بين غيره فقهيا بل و لا عرفا يحكم بنجاسته مطلقا.

و بتقريب آخر أن قوله (ع) «ذكاة الجنين ذكاة أمه» ينحل الى قضيتين إحداهما مقدرة و هي ان الجنين بحاجة إلى التذكية، و الثانية مصرح بها و هي أن تذكيته بتذكية أمة لا بذبحه مستقلا بالنحو المخصوص، فيستدل بالقضية الأولى على أن الجنين ما لم يذك و لو بذكاة أمه يعتبر ميتة.

و يرد على التقريب الأول ان غاية ما تدل عليه الرواية ان ذكاة الجنين إنما تحصل بذكاة أمه، فمع عدم تذكية الام لا يكون الجنين مذكى، لكن ذلك لا يكفي لإثبات كونه ميتة لأن كون شي‌ء ميتة يتقوم بموته و عدم تذكيته معا، و الكلام في المقام انما هو في صدق عنوان الموت و عدمه، لا في حصول التذكية له مع الفراغ عن كونه ميتا.

و يرد على التقريب الثاني ان القضية الأولى المقتنصة لما لم يكن الحديث مسوقا لبيانها فلا يمكن التمسك بإطلاقه من هذه الناحية، فلا يستفاد من الرواية عرفا سوى قضية شرطية و هي أن الجنين كلما احتاج الى تذكية، فذكاته ذكاة أمه، و ليس متعرضا مباشرة لإثبات حاجة الجنين إلى التذكية ليتمسك بإطلاقه من هذه الناحية.

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب الماء المطلق.

(2) وسائل الشيعة باب 18 من أبواب الذبائح.


152
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 10): ملاقاة الميتة بلا رطوبة مسرية لا توجب النجاسة على الأقوى ؛ ج‌3، ص : 153

(مسألة- 10): ملاقاة الميتة بلا رطوبة مسرية لا توجب النجاسة على الأقوى

و ان كان الأحوط غسل الملاقي، خصوصا في ميتة الإنسان قبل الغسل (1).

______________________________
(1) تارة: يتكلم في ملاقاة ميتة غير الإنسان بلا رطوبة مسرية.

و أخرى: في ملاقاة ميتة الإنسان.

إما ميتة غير الإنسان، فقد يدعي إطلاق روايات الغسل منها لصورة الجفاف أيضا من قبيل رواية عمار: «اغسل الإناء الذي تصيب فيه الجرذ» «1» و رواية قاسم الصيقل قال: «كتبت الى الرضا (ع):

أني أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فتصيب ثيابي، فأصلي فيها؟

فكتب (ع) إلى: اتخذ ثوبا لصلاتك» «2».

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 53 من أبواب النجاسات.

(2) وسائل الشيعة باب 49 من أبواب النجاسات.


153
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 10): ملاقاة الميتة بلا رطوبة مسرية لا توجب النجاسة على الأقوى ؛ ج‌3، ص : 153

..........

______________________________
و فيه: ان ارتكازية عدم السراية مع الجفاف عرفا و متشرعيا تصلح أن تكون كالقرينة المتصلة بالخطاب الصارفة له سؤالا و جوابا الى فرض الرطوبة، بعد افتراض أن الأمر بالغسل إرشاد إلى النجاسة و ليس أمرا تعبديا ثم أنه ربما يمنع عن الإطلاق المذكور- على فرض تماميته في نفسه- بمثل صحيحة علي بن جعفر: «عن الرجل يقع ثوبه على حمار ميت، هل يصلح له الصلاة فيه قبل أن يغسله؟. قال: ليس عليه غسله، و ليصل فيه، و لا بأس»
«1»، و موثقة ابن بكير: «كل يابس ذكي» «2».

أما الصحيحة فلو فرض إطلاقها كانت معارضة مع المطلقات السابقة، فأما أن يحكم بتساقطهما و الرجوع بعد ذلك الى ما دل على سراية النجاسة من الميتة في صورة الرطوبة، أو يقال بانقلاب النسبة بينها- بعد إخراج صورة الرطوبة منها- و بين المطلقات المتقدمة، فتقيد بها، و تكون النتيجة هو التفصيل بين صورتي الجفاف و الرطوبة أيضا، بناء على كبرى انقلاب النسبة.

الا أن في النفس من إطلاقها شيئا، فإن ما أشرنا إليه من ارتكازية عدم السراية مع الجفاف عرفا يتحكم فيها أيضا، و يصرف السؤال إلى فرض الرطوبة، بحيث لا يمكن تخصيص نظر السائل فيها بفرض الملاقاة مع الجفاف. و معه تكون الرواية من أدلة طهارة الميتة. و لا بد حينئذ من أعمال قواعد التعارض بينها و بين أدلة نجاستها.

و أما الرواية الثانية، فهي و ان كانت بحسب اللفظ أعم من وجه مع المطلقات المتقدمة، الا أنها تتقدم: إما بنكتة النظر و الحكومة، حيث أنها تفترض الفراغ عن ثبوت النجاسة و السراية بنحو القضية المهملة، و تستثنى منها صورة اليبوسة. أو باعتبارها عموما أداتيا، فيتقدم على‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 26 من أبواب النجاسات.

(2) وسائل الشيعة باب 31 من أحكام الخلوة.


154
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 10): ملاقاة الميتة بلا رطوبة مسرية لا توجب النجاسة على الأقوى ؛ ج‌3، ص : 153

..........

______________________________
الإطلاق الحكمي.

غير أن الاستناد الى هذه الرواية للمنع عن تلك المطلقات في غير محله أيضا، لأنه موقوف على أن يكون النظر فيها الى نفي المحذور في صورة الملاقاة مع الجفاف، و هو خلاف الظاهر، فإن الرواية جاءت بالنحو التالي: «قلت لأبي عبد اللّه (ع): الرجل يبول و لا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحائط؟ قال: كل شي‌ء يابس ذكي». و كما يمكن أن يكون نظر السائل إلى الاستفهام عن سراية النجاسة من اليابس، كذلك يمكن أن يكون نظره الى التعرف على مطهرية المسح بالحائط و كونه استنجاء شرعيا، خصوصا بعد معروفية الفتوى بكفاية المسح بالأحجار إلى حد الإنقاء في موضعي البول و الغائط معا بين العامة، فيكون الجواب ظاهرا في طهارة الموضع، و لا أقل من احتمال ذلك على نحو يوجب الإجمال.

فالأولى الاستناد في الحكم بعدم لزوم غسل الملاقي مع الجفاف الى ما قلناه من عدم تمامية الإطلاق في نفسه.

و أما ملاقي ميتة الإنسان مع الجفاف- فبعد الفراغ عن نجاستها قبل الغسل، و تنجيسها لملاقيها على حد سائر النجاسات- ربما يدعى أشديتها في النجاسة من غيرها، بحيث يجب غسل ملاقيها مع الجفاف أيضا، و ذلك:

إما استنادا إلى إطلاق بعض روايات النجاسة، كرواية الحلبي: «سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت؟ فقال: يغسل ما أصاب الثوب» «1».

أو استظهارا من التوقيعين الواردين فيما إذا مات الإمام أثناء الصلاة و زحزح عن محله، و انه «ليس على من مسه الا غسل اليد» «2» مع وضوح أن الغالب في مثل هذه الفروض الجفاف و عدم الرطوبة، على نحو لا تصلح رواية ابن بكير لتقييدها بصورة الرطوبة بملاك الحكومة، لو سلمت عن المناقشة في نفسها، لأن ندرة فرض الرطوبة تجعل هذا التقييد غير عرفي. كما أنه مع الندرة المذكورة لا يفيد ارتكاز عدم سراية النجاسة مع الجفاف في التقييد، بل يكون ظهور التوقيعين ردعا عن الارتكاز المذكور.

و فيه: أن كلا المستندين غير تام. إذ رواية الحلبي، لو فرض استفادة النجاسة منها لا غسل ما يعلق بالثوب من الميتة- و قد تقدم الكلام عن ذلك في بحث نجاسة ميتة الإنسان- فذلك بملاك استظهار أن الإصابة توجب سراية أثر من النجس إلى ملاقيه بحسب النظر العرفي يتخلص منه بالغسل، و من الواضح ان ذلك لا يكون الا مع فرض الرطوبة دون الجفاف و أما التوقيعان فهما ساقطان سندا، مضافا الى أنه لو تم سندهما، و سلّمنا عدم إمكان تقييدهما بفرض الرطوبة و ظهورهما عرفا في فرض الجفاف باعتباره الفرض المتعارف- يصبح ارتكاز عدم سراية النجاسة مع الجفاف قرينة على كون الأمر بالغسل تعبديا، على نحو يوجب ظهوره في ذلك أو سقوط ظهوره في النجاسة على أقل تقدير.

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 23 من أبواب النجاسات.

(2) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب غسل مس الميت.


155
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 11) المناط في الموت ؛ ج‌3، ص : 156

(مسألة- 11) [المناط في الموت]

: يشترط في نجاسة الميتة خروج الروح من جميع جسده، فلو مات بعض الجسد و لم تخرج الروح من تمامه لم ينجس (1).

______________________________
(1) إذ مطلقات نجاسة الميتة من الحيوان لا تشمل الجسم الذي مات بعضه، لأنه ليس بحيوان ميت. كما لا تشمل الجزء الفاقد للحياة منه أيضا و انما حكمنا بنجاسة الجزء المبان لروايات خاصة، و هي واردة في صورة الانفصال و لا يمكن التعدي منه الى فرض بقاء الجزء متصلا بما فيه الحياة، فيحكم بطهارته على القاعدة.


156
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 12): مجرد خروج الروح يوجب النجاسة، ؛ ج‌3، ص : 157

(مسألة- 12): مجرد خروج الروح يوجب النجاسة،

و ان كان قبل البرد، من غير فرق بين الإنسان و غيره (1).

نعم وجوب غسل المس للميت الإنسان مخصوص بما بعد برده.

______________________________
(1) لا إشكال في وجود الإطلاق في دليل نجاسة الميتة لما قبل البرد، غير أنه توهم دلالة بعض الروايات على عدم نجاسة ميتة الإنسان بالخصوص قبل برده، كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال:

«مس الميت عند موته و بعد غسله و القبلة ليس فيها بأس» «1». و الاستدلال بالفقرة الأولى منها بتقريب: أن المقصود من المس عند الموت هو المس في اللحظات الأولى بعد الموت التي هي لحظات ما قبل البرد عادة، و لا يراد منه مسه في لحظات النزع و قبل الموت، لأنه فرض أن المس مس للميت الذي لا يكون الا مع استقرار الموت. و قد نفي الامام (ع) البأس عنه مطلقا غسلا و غسلا، فيدل على عدم النجاسة، و الا كان لا بد من الأمر بالغسل في صورة الرطوبة.

و الغريب أن السيد الأستاذ- دام ظله- أجاب على الاستدلال بهذه الرواية بأنها مطلقة شاملة لصورتي الجفاف و الرطوبة، فنقيدها بصورة الجفاف، بمثل رواية الحلبي المتقدمة في غسل ما أصاب الثوب من الميت المختصة بصورة الرطوبة، انصرافا أو بعد تقييدها بما دل على أن كل يابس ذكي «2» مع أن مثل رواية الحلبي لا تكون أخص مطلقا من الصحيحة، حتى لو اختصت بفرض الرطوبة انصرافا، لأنها مطلقة من ناحية ما قبل البرد و ما بعده، و الصحيحة مخصوصة بفرض ما قبل البرد، فالنسبة عموم من وجه. فلو فرض تمامية دلالة الصحيحة كان لا بد من إيقاع التعارض بينها و بين ما دل على النجاسة، ثم التساقط و الرجوع الى قاعدة الطهارة أو تقديم الصحيحة بملاك النظر و الحكومة المستفادة من لسان الاستثناء فيها الا أن الشأن في أصل دلالتها على نفي النجاسة، لقوة احتمال أن تكون الجهة المنظور فيها هو المحذور في مس الميت بما هو مس، المستوجب لحكم الغسل، و هو الذي كثر السؤال عنه في الروايات، و لذلك لم تفرض الرطوبة فيها أيضا، مع أنها شرط في السراية لو كان الملحوظ حيثية الخبث و النجاسة.

و قد يستدل على الطهارة قبل البرد بما ورد في ذيل رواية إبراهيم ابن ميمون المتقدمة، الآمرة بالغسل من قوله «يعني إذا برد الميت» فان ذلك يدل على عدم لزوم الغسل قبل البرد، و هو دال على الطهارة، و لا يضر عدم ورود الذيل المذكور في أحد طريقي الكليني للرواية، لأن الطريق الذي تجرد فيه متن الرواية عن هذا الذيل ضعيف بسهل بن زياد، بخلاف الطريق المشتمل على الذيل.

الا أن هذا انما يتم لو سلم ان هذا الذيل جزء من الرواية، و ليس من الراوي بلحاظ كلمة: (يعني)، التي توجب على الأقل الاحتمال الموجب للإجمال على نحو يسقط الاستدلال.

فالصحيح: ما عليه المشهور- و افتى به الماتن (قده)- من عدم الفرق في النجاسة بين ما قبل البرد و بعده.

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب غسل المس.

(2) التنقيح ج 1 ص 495.


157
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 13) حكم المضغة و أشباهها ؛ ج‌3، ص : 158

(مسألة- 13) [حكم المضغة و أشباهها]

المضغة نجسة (1) و كذا المشيمة (2)

______________________________
(1) المضغة: مرحلة من مراحل تكوّن الجنين، و هي تدخل تحت مسألة السقط قبل ولوج الروح و الحكم بنجاستها مبني على الحكم بنجاسته.

(2) و هي كيس يدخل فيه الجنين، أو برقع على وجهه، و الحكم بنجاسته مبني: إما على القول بكونه جزء من الأم، فيكون من القطعة المبانة من الحي. أو على القول بكونه جزء من الجنين فينجس أيضا، بناء على القول بصدق الميتة عليه لو مات. و كلا الأمرين محل تأمل. لأن نسبتها إلى الأم كنسبة البيضة الى الدجاجة، و الى الجنين نسبة الظرف الى المظروف، لا الجزء الى الكل، فيشكل التمسك فيها بأدلة النجاسة، لا بروايات نجاسة الميتة لعدم صدقها مستقلا عليه، و لا بروايات القطعة المبانة. نعم لو انفصلت عن الأم قطعة لحم من بدنها مع الطفل، فلا إشكال في شمول روايات القطعة المبانة لها.


158
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 14) حكم العضو المعلق ؛ ج‌3، ص : 159

و قطعة اللحم التي تخرج حين الوضع مع الطفل.

(مسألة- 14) [حكم العضو المعلق]

إذا انقطع عضو من الحي و بقي معلقا متصلا به طاهر ما دام الاتصال، و ينجس بعد الانفصال.

نعم لو قطعت يده مثلا و كانت معلقة بجلدة رقيقة فالأحوط الاجتناب (1).

______________________________
(1) الحكم بالطهارة في العضو غير المنفصل إذا اعتبر جزء من الحي واضح، فإنه ليس ميتة مستقلا، و لا تشمله روايات القطعة المبانة و اما العضو المقطوع بنحو لا يعد جزء من الحي فالحكم بنجاسته مبني على القول بعدم الفرق بينه و بين مورد روايات الحبالة و القطعة المبانة، و هو مما لا جزم به في أكثر الفروض، و عليه فلا فرق بين صورتي اعتبار المنقطع جزءا من الحي و عدمه، الا من ناحية إمكان إثبات الطهارة في صورة كوفة جزءا من الحي بالدليل الاجتهادي الدال على طهارة ذلك الحيوان الشامل بإطلاقه لتمام أجزائه. اللهم الا أن يمنع ذلك أيضا بدعوى: أن نظر ذلك الدليل الاجتهادي إلى نفي النجاسة الذاتية للحيوان، لا الى نفي النجاسة المحتملة بملاك خروج الروح.


159
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 15) حكم العظم المشكوك في أنه من نجس العين ؛ ج‌3، ص : 160

(مسألة- 15) [حكم العظم المشكوك في أنه من نجس العين]

الجند المعروف كونه خصية كلب الماء، ان لم يعلم ذلك، و احتمل عدم كونه من أجزاء الحيوان فطاهر و حلال. و ان علم كونه كذلك فلا إشكال في حرمته. لكنه محكوم بالطهارة لعدم العلم بأن ذلك الحيوان مما له نفس سائلة (1).

(مسألة- 16) [حكم قطع سنة أو قص ظفره]

إذا قطع سنة أو قص ظفره فانقطع منه شي‌ء من اللحم، فان كان قليلا جدا فهو طاهر (2)، و الا فنجس.

______________________________
(1) الجند: مادة تستعمل في طبخ بعض الحلويات، و لا يعلم أنه الجند الحقيقي الذي هو خصية كلب الماء. و مع الشك يحكم بالطهارة و الحلية تمسكا بالأصول العملية.

و أما إذا علم كونه من كلب الماء فيبني على حرمته و عدم نجاسته.

أما الحرمة فلعدم حلية كلب الماء، بل الجند- باعتباره خصيته- حرام حتى لو كان من مأكول. و أما عدم النجاسة فلعدم المقتضى له، لا من ناحية الكلبية، و لا من ناحية الميتة. إذ الكلب النجس هو البري خاصة، و الميتة انما تكون نجسة لو كانت مما له نفس سائلة، و الحيوانات البحرية ادعى كونها قاطبة مما لا نفس سائلة لها، و الشك كاف في جريان الأصول العملية المؤمنة.

(2) لاختصاص دليل النجاسة بغير الأجزاء الصغار، على ما تقدم شرحه، بل و تقدم أن الجزء الصغير لا يمكن الجزم باندراجه في دليل النجاسة حتى لو كان لحميا، لأنه موقوف على إلغاء خصوصية الحجم في مورد روايات الحبالة و القطعة المبانة من الحي، و هو مما لا جزم بالغاية عرفا.


160
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة 17) حكم العظم المشكوك ؛ ج‌3، ص : 161

(مسألة 17) [حكم العظم المشكوك]

إذا وجد عظما مجردا و شك في انه من نجس العين أو من غيره يحكم عليه بالطهارة (1). حتى لو علم انه من الإنسان، و لم يعلم انه من كافر أو مسلم (2).

______________________________
(1) و ذلك تمسكا بالأصول المؤمنة، و ان كان التمسك بقاعدة الطهارة بالخصوص في المقام مبنيا على القول بجريانها في موارد كون النجاسة المحتملة ذاتية، و قد تقدم الكلام في ذلك.

(2) تمسكا بقاعدة الطهارة و نحوها من الأصول المؤمنة، غير أنه قد يقرب الحكم بالنجاسة بوجوه:

الأول: إجراء استصحاب عدم الإسلام أما بدعوى: أن موضوع النجاسة هو من لم يكن مسلما أو بدعوى: أن موضوع النجاسة هو الكافر، و الكفر أمر عدمي يقابل الإسلام بتقابل التناقض فيمكن إثباته بالاستصحاب. أو بدعوى: أن الكفر مقابل للإسلام تقابل العدم و الملكة، فهو مركب من عدم و ملكة، و الملكة محرزة وجدانا و العدم محرز بالاستصحاب، فيثبت الكفر الذي هو موضوع النجاسة.

و يرد عليه: أن الاستصحاب المذكور لا يثبت النجاسة، إذ لم ترتب النجاسة في أدلتها- على تقدير تماميتها- الا على الكافر، و الكفر عنوان ثبوتي متحصل من العدم و الملكة، فلا يثبت باستصحاب العدم الا بنحو مثبت، كما لا يثبت عنوان العمى باستصحاب عدم البصر. و ليس العدم و الملكة مأخوذين بنحو التركيب لكي يمكن إحراز أحدهما بالوجدان و الآخر بالتعبد، لأن ذلك خلف وحدة المفهوم.

الثاني: إثبات نجاسته من جهة الموت، باستصحاب حكمي أو موضوعي و ذلك: ان الميت نجس قبل غسله، و الدليل انما دل على ارتفاع النجاسة بغسل ميت المسلم، و حيث يشك في كونه من مسلم أو كافر فيجري استصحاب بقاء النجاسة المقطوعة بعد الموت، بل و يجري استصحاب عدم كونه مسلما لنفي طهارته بالغسل أيضا، و بذلك ينقح موضوع النجاسة بملاك الموت بقاء، و ان لم يمكن إثبات النجاسة بملاك الكفر.

و هذا التقريب صحيح لو لا بطلان مبناه، حيث تقدم في أبحاث الميتة طهارة ما لا تحله الحياة من الأجزاء و منها العظم.

الثالث: أن يقال: أن العظم يعلم بأنه لاقى مع الرطوبة الأجزاء التي تحلها الحياة من بدن ذي العظم، و هذا يكفي في الحكم بنجاسته و لو عرضا و لا مطهر الا الغسل الواقع على المسلم، و المفروض نفي إسلام ذي العظم بالاستصحاب، و معه لا مجال لقاعدة الطهارة.

و يرد عليه: أن النجاسة العرضية للعظم معلومة العدم فعلا، لأن ذا العظم أن كان كافرا فالعظم نجس ذاتا، و الا فهو طاهر فعلا لوقوع الغسل المطهر عليه، فلا يمكن إثبات النجاسة العرضية له بالتعبد الاستصحابي‌


161
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة 18) حكم الجلد المطروح ؛ ج‌3، ص : 162

(مسألة 18) [حكم الجلد المطروح]

الجلد المطروح ان لم يعلم انه من الحيوان الذي له نفس أو من غيره كالسمك- مثلا- محكوم بالطهارة (1).

(مسألة 19) [حكم بيع الميتة]

يحرم بيع الميتة (2)، لكن الأقوى جواز الانتفاع فيما لا يشترط فيه الطهارة.

______________________________
(1) قد تقدم البحث عن هذا الفرع في فروض الشك في كون الحيوان مما له نفس أم لا.

(2) الصحيح هو جواز بيعها، حيث تكون لها فائدة محللة عقلائية.

لأن ما يستدل به على الحرمة بين ما يكون ضعيف السند أو الدلالة، و بين ما هو مبتلى بالمعارض: و حتى رواية البزنطي الواردة في أليات الغنم المقطوعة «1»- و التي عبر عنها في بعض الكلمات بالصحيحة- ليست تامة سندا، لأنها‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب ما يكتسب به.


162
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الخامس: الدم من كل ما له نفس سائلة ؛ ج‌3، ص : 163

 

الخامس: الدم من كل ما له نفس سائلة

، إنسانا كان أو غيره، كبيرا أو صغيرا (1).

______________________________
مروية بطريقين أحدهما: ابن إدريس في مستطرفات سرائره عن جامع البزنطي و الآخر: الحميري في قرب الاسناد عن عبد اللّٰه بن الحسن عن علي ابن جعفر عن أخيه. و الأول ضعيف بعدم معلومية طريق ابن إدريس الى كتاب الجامع، و الثاني ضعيف بعبد اللّه بن الحسن. و تفصيل الكلام في ذلك موكول الى محله من المكاسب المحرمة.

(1) يقع البحث عن نجاسة الدم في جهتين:

الجهة الأولى: في إثبات نجاسته بنحو القضية المهملة.

و هي رغم كونها من الوضوح الفقهي على مستوى الضروريات قد استدل عليها بالكتاب و السنة و الإجماع.

فمن الكتاب قوله تعالى: «قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ، إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً، أَوْ دَماً مَسْفُوحاً، أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ، أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّٰهِ بِهِ «1».

بناء على رجوع التعليل بالرجس الى كل ما سبقه من العناوين لا خصوص لحم الخنزير، و كونه بمعنى النجاسة أو ما يساوقها.

و كلا الأمرين محل منع.

أما الأول: فلأنه لا يمكن الجزم برجوع التعليل الى غير لحم الخنزير من العناوين، لو لم يستقرب من موضعه في السياق ظهوره في ذلك باعتبار إيراده قبل إكمال تمام العناوين، خصوصا و قد كان لحم الخنزير موضع الخلاف بين أصحاب الديانات.

و أما الثاني: فقد يمنع عنه بدعوى: أن الرجس معنى يطلق على‌

______________________________
(1) الانعام 145

 

 

 

163
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الجهة الثانية: في نجاسة الدم بنحو القضية المطلقة ؛ ج‌3، ص : 164

..........

______________________________
الفعل أيضا، كما في قوله تعالى
«إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ»، و النجاسة لا يوصف بها إلا الأعيان.

غير أن هذا الوجه للمنع غير سديد، إذ مضافا الى أن مجرد استعمال الكلمة في معنى لا يمكن اتخاذه دليلا على معناها الحقيقي، لا شاهد في الآية على إطلاق الرجس على الفعل، لقوة احتمال أن يكون المراد من الميسر و الأنصاب و الأزلام آلاتها و أدواتها، كالأصنام و الكعاب المستعملة في الرهان، و قد فسرت بذلك أيضا في بعض الروايات.

مع أنه لو فرض إطلاق الكلمة بمعنى يصح انطباقه على الفعل فغايته أنها ذات معنى قابل لاتصاف الفعل و العين معا به، و هو الأمر المستقبح و المستنكر، كما فسر به في اللغة. و يكون استفادة الاستقذار منه حينما يطلق على العين، باعتباره المساوق مع ذلك المعنى في العين بحسب المناسبات.

و الصحيح في المنع أن يقال: أن كلمة الرجس لم يثبت لها وقتئذ حقيقة شرعية في النجاسة الشرعية الحكمية، كي تحمل عليه الآية، و إنما غاية ما يمكن افتراضه أنه اخبار عن القذارة التكوينية الثابتة عرفا أيضا في هذه العناوين، فلا يمكن أن يستدل بالآية على النجاسة الشرعية الحكمية و هذا تشكيك قد أبرزناه حتى في كلمة النجس المستعملة في صدر الإسلام كما في قوله تعالى «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ.».

و اما السنة، فقد ادعى تواترها و استفاضتها على نجاسة الدم. و هي و إن كانت- جلا أو كلا- ليست في مقام بيان أصل النجاسة، و إنما تبين أحكاما طولية متفرعة على النجاسة، إلا أنها تكفي لإثبات القضية المهملة على كل تقدير.

و أما الإجماع فتوى و عملا، فلا إشكال في ثبوته على القضية المهملة أيضا.

الجهة الثانية: في نجاسة الدم بنحو القضية المطلقة

في عموم أو إطلاق‌


164
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الجهة الثانية: في نجاسة الدم بنحو القضية المطلقة ؛ ج‌3، ص : 164

..........

______________________________
يصلح للرجوع إليه في موارد الشك.

و الصحيح في هذه الجهة: هو عدم إمكان إثبات النجاسة للدم بنحو القضية المطلقة، لأن المعتبر من روايات الباب على قسمين:

الأول: ما ورد في موارد خاصة، كدم الرعاف، و الحكة، و القروح و الجروح، و نحوها. و من الواضح عدم الإطلاق فيها الا بمقدار ما يلغى العرف من خصوصيات المورد و يساعد على التعدي.

الثاني: ما ورد الحكم فيه على عنوان الدم بقول مطلق، و لكنه في في سياق بيان ما يتفرع على نجاسته من الآثار، كروايات بطلان الصلاة نسيانا أو جهلا في الدم، أو مع العلم إذا كان أكثر من درهم. و كذلك روايات نزح البئر لو وقع فيه الدم. و كل تلك الروايات لا إطلاق فيها لعدم كونها في مقام البيان من ناحية أصل النجاسة، و انما هي- بعد الفراغ عن أصل النجاسة- في مقام بيان حدود المانعية في الصلاة أو الاعتصام في البئر، أو غيرهما من الأحكام المتفرعة.

و قد حاول السيد الأستاذ (دام ظله): استفادة القضية المطلقة من رواية عمار الساباطي، قال: «سئل عما تشرب منه الحمامة؟ فقال:

كل ما أكل لحمه فتوضأ من سؤره و أشرب. و عن ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب؟ فقال: كل شي‌ء من الطير يتوضأ مما يشرب منه إلا أن ترى في منقاره دما، فإن رأيت في منقاره دما فلا توضأ منه و لا تشرب» «1»، لو رودها في الدم بقول مطلق، فتصلح أن تكون مرجعا في مورد الشك.

و التحقيق: أن السؤال ليس فيه أي ظهور في كون الحيثية المسؤل عنها هي حكم الدم نجاسة و طهارة، إذ لم يذكر الدم في السؤال أصلا‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 4 من أبواب الأسئار


165
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الجهة الثانية: في نجاسة الدم بنحو القضية المطلقة ؛ ج‌3، ص : 164

..........

______________________________
بل الحيثية الملحوظة إما: كون الباز و الصقر في معرض التنجس بالدم و الميتة و نحوهما، بعد الفراغ عن نجاسة هذه الأشياء في نفسها، فاقتضت هذه المعرضية السؤال عن سؤرها، و إما: الشك في جواز استعمال سؤرها في نفسه، لاحتمال وجود حزازة في سؤر هذه الحيوانات، كما يناسب صدر الرواية المتكفل للسؤال و الجواب بشأن سؤر الحمامة. فعلى الأول: يكون أصل نجاسة الدم مفروغا عنها في السؤال، و يكون الجواب متجها الى علاج حكم المعرضية، فلا يصح التمسك بالإطلاق فيه من ناحية نجاسة الدم في نفسه. و على الثاني: يكون الإمام في مقام نفي الحزازة عن سؤر هذه الحيوانات، غير أنه التفت أيضا الى محذور الدم فبين عدم جواز استعمال الماء مع رؤية الدم على منقار الطائر. و الرؤية المذكورة إذا حملناها على الطريقية الصرفة كان موضوع عدم الجواز هو وجود الدم على منقار الطائر و كان عدم الجواز حكما واقعيا. فقد يدعى حينئذ إطلاقه المقتضي لنجاسة كل دم الا ما خرج بالتخصيص. و أما إذا حملناها على الموضوعية، كان موضوع عدم الجواز العلم بالدم، و موضوع الجواز عدم العلم بالدم، لا عدم الدم واقعا، و هذا يناسب مع حمل الجواز- إثباتا و نفيا- على الوظيفة الفعلية، لا الحكم الواقعي. و حيث أن من الواضح أن مجرد إحراز الدم لا يكفي لترتب الوظيفة الفعلية بعدم الجواز، لأن الدم بعضه طاهر كما علمنا من الأدلة الخارجية، فلا بد من الالتزام بتقييد العلم بالدم بالعلم بكونه من القسم النجس أو بأن المولى جعل وجوده على منقار الطائر المفترس أمارة شرعية على كونه من النجس. و الأول يستلزم التقييد بفرد نادر، لأن كون الدم من القسم النجس و إن لم يكن نادرا، و لكن العلم بذلك في مثل مورد الرواية نادر عادة، فيتعين الثاني. و معه يتعذر الاستدلال بإطلاق الرواية على النجاسة الواقعية لكل دم، لأنه يفترض وجود دم طاهر و دم نجس و يكون الكلام‌


166
بحوث في شرح العروة الوثقى3

ما قد يتوهم دلالته من الروايات على طهارة الدم ؛ ج‌3، ص : 167

..........

______________________________
مسوقا لبيان الأمارة على أحدهما، لا لبيان نجاسة الدم واقعا. و يلاحظ بهذا الصدد: ان السيد الأستاذ (دام ظله)- رغم حمله للرواية على النظر إلى أمارية وجود الدم في المنقار على كونه من النجس- استفاد منها الدلالة على نجاسة الدم مطلقا، مع أن النظرين متهافتان.

و قد يدعى: أن مجي‌ء الدم مطلقا في كلام السائلين و الرواة، قرينة على ارتكازية نجاسة الدم بنحو القضية المطلقة في أذهانهم. و يندفع ذلك:

بأن جل الروايات- كما عرفت- متجهة إلى أحكام ثانوية، بعد الفراغ عن أصل نجاسة الدم، و في مثل ذلك لا يريد الراوي بكلمة الدم الا مجرد الإشارة الى ما يعهد نجاسته، فلا يكشف ذكر الكلمة بلا قيد عن الارتكاز المذكور، خصوصا أن طهارة بعض أقسام الدم- كالدم المختلف- من الواضحات، عملا و سيرة، فمن البعيد افتراض ارتكاز خلافه.

و عليه فلا بد من الاقتصار على القدر المتيقن و هو ما دلت عليه الروايات، و ما يمكن التعدي عرفا و إسراء حكم الروايات اليه. و في غير ذلك يكون مقتضى الأصل هو الطهارة.

[ما قد يتوهم دلالته من الروايات على طهارة الدم]

ثم انه ربما يتوهم دلالة بعض الروايات على طهارة الدم، بحيث يخيل معارضتها مع روايات النجاسة. من قبيل رواية جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: «سمعته يقول: لو رعفت دورقا، ما زدت على أن أمسح مني الدم و أصلي» «1» و الدورق: اسم مقدار. حيث أنها بإطلاقها الشامل لما إذا كان الدم أكثر من درهم بحيث يجب التطهير منه، دلت على كفاية مسح الدم، مع العلم بعدم كفاية زوال العين في التطهير، فيكون ذلك دليلا عرفا على طهارة الدم، إذ عدم نجاسة الملاقي دليل على طهارة الملاقي بعد ارتكازية السراية.

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 7 من أبواب نواقض الوضوء


167
بحوث في شرح العروة الوثقى3

ما قد يتوهم دلالته من الروايات على طهارة الدم ؛ ج‌3، ص : 167

..........

______________________________
إلا أن الظاهر- أو المحتمل بنحو يوجب الإجمال على أقل تقدير- أن النظر في هذا الحديث إلى مسألة ناقضية الرعاف للوضوء التي كانت مسألة معنونة في الفقه العام، و كانت هناك فتوى عامية فيها بالناقضية و قد ردع عنها الأئمة (ع) بهذه الرواية و أمثالها. و عليه فلا يكون قيد المسح مذكورا فيها قبال الغسل، بل قبال لزوم الوضوء و الإعادة.

أضف الى ذلك: أن الرواية لو كانت غير ناظرة إلى تلك المسألة فغايته الإطلاق لما إذا كان الدم أكثر من درهم، و هذا لا ينافيه عنوان الدورق، فان دم الرعاف يأتي تدريجا لا دفعة، بحيث يمكن فيه التحفظ عن الإصابة بأكثر من درهم. و معه يمكن التصرف فيها بقرينة الأدلة الصريحة في النجاسة، إما بحمل عنوان المسح فيها على أنه في مقابل الوضوء لا الغسل، أو بتقييدها بما إذا كان الدم أقل من الدرهم و يكون ذكر المسح من أجل التحرز عن التلوث بالدم. الا أن التصرف الأخير مبني على القول بالعفو عن التنجس بالدم الأقل من الدرهم مع زوال العين.

و من هذه الروايات ما نقله علي بن الوشاء قال: «سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: كان أبو عبد اللّه (ع) يقول: في الرجل يدخل يده في أنفه فيصيب خمس أصابعه الدم قال: ينقيه و لا يعيد الوضوء» «1».

حيث لم يؤمر فيها بالغسل من الدم، فيكشف عن عدم نجاسته.

الا أن هذه أوضح من سابقتها في ورود المناقشة الأولى فيها، حيث صرح فيها بعدم إعادة الوضوء، كما أن التنقية بمعنى التنظيف الصادق على الغسل أيضا، فلا يمكن أن يكون في قباله حتى يستفاد منها عدم لزوم الغسل، بل عنوان التنقية و التنظيف بنفسه دال على قذارة ما ينقى عنه كما هو واضح، فهي على النجاسة أدل.

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 7 من أبواب نواقض الوضوء.


168
بحوث في شرح العروة الوثقى3

ما قد يتوهم دلالته من الروايات على طهارة الدم ؛ ج‌3، ص : 167

..........

______________________________
و من هذه الروايات أيضا رواية عبد الأعلى عن أبي عبد اللّه (ع) قال: «سألته: عن الحجامة أ فيها الوضوء؟ قال: لا، و لا يغسل مكانها، لأن الحجام مؤتمن إذا كان ينظفه و لم يكن صبيا صغيرا»
«1» حيث اكتفى فيها بالتنظيف، و لم يلزم بالغسل خاصة.

الا أن هذه الرواية أوضح من السابقة في كونها من روايات النجاسة لا الطهارة، لأن المراد من التنظيف فيها الغسل و المنفي لزومه انما هو غسل نفس الإنسان لموضع حجامته في مقابل غسل الحجام، لا أصل الغسل في مقابل غيره.

و لو فرض أن التنظيف أريد منه ما يعم غير الغسل أيضا، فغايته دلالتها على كفاية غير الغسل في التطهير، مع الدلالة على أصل نجاسة الدم و لزوم التطهير منها.

و من الروايات رواية أبي حمزة قال: «قال أبو جعفر (ع): ان أدخلت يدك في أنفك و أنت تصلي فوجدت دما سائلا ليس برعاف ففته بيدك» «2» فإنها دلت على كفاية ألفت و عدم لزوم الغسل.

الا أن الرواية لا يخلو متنها من تشويش، لأن ألفت الذي أمر به فيها لا يكون إلا في الدم الجامد، مع أنه قيد الدم بأنه وجد سائلا فالمظنون أن الأصل وجدته غير سائل، و معه لا تكون هناك سراية كي يجب الغسل.

مضافا الى أنها واردة بلحاظ حال الصلاة، فتكون من أدلة عدم ناقضيته في الصلاة، فتحمل على الأقل من درهم.

و من جملة الروايات أيضا رواية عمار الساباطي: «سألته عن الدمل‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 56 من أبواب النجاسات

(2) وسائل الشيعة باب 2 من أبواب قواطع الصلاة ح 13 و فيه محمد بن سنان و أبو خالد.


169
بحوث في شرح العروة الوثقى3

ما قد يتوهم دلالته من الروايات على طهارة الدم ؛ ج‌3، ص : 167

..........

______________________________
يكون بالرجل فينفجر و هو في الصلاة؟ قال: يمسحه و يمسح يده بالحائط أو بالأرض، و لا يقطع الصلاة»
«1».

و تقريب دلالتها أنها تشمل بإطلاقها أو ظهورها ما إذا كان في الدمل دم، و قد حكم بكفاية مسح اليد الملاقية معها بالحائط، فيكون كاشفا عن عدم نجاسته.

و الجواب: أن الرواية ناظرة الى حال الصلاة و ناقضية خروج الدم فيها، و معه فلعل إطلاق الحكم المذكور فيها من جهة العفو عن دم الجروح و القروح، و لو مع السراية إلى الأطراف كاليد، كما أفتى به بعض.

و لو فرض عدم ذلك، فيحمل إطلاق الرواية على ما إذا كان الدم أقل من درهم كما تقدم في غيرها.

و من الروايات رواية الحلبي: «سألت أبا عبد اللّه (ع): عن دم البراغيث يكون في الثوب، هل يمنع ذلك من الصلاة؟ فقال: لا و ان كثر، فلا بأس أيضا بشبهه من الرعاف، ينضحه و لا يغسله» «2» حيث نفى لزوم الغسل في دم الرعاف أيضا، فيكون دليلا على طهارة الدم المسفوح.

و فيه: أنه يحتمل رجوع جملة ينضحه و لا يغسله الى دم الرعاف خاصة و بذلك يكون دليلا على نجاسته، و لكن يكتفي في التطهير منه إذا كان ضئيلا بالنضح، كما يحتمل رجوع ذلك الى دم البراغيث.

ثم ان هذه الروايات جميعا واردة في موارد يقطع فيها بالنجاسة لأنها من القدر المتيقن من نجاسة الدم، فيكشف عن خلل فيها، اما سندا أو دلالة، أو جهة، فلا يمكن الاعتماد عليها حتى لو تم ظهورها في نفسها.

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 22 من أبواب النجاسات ح 8.

(2) وسائل الشيعة باب 20 من أبواب النجاسات


170
بحوث في شرح العروة الوثقى3

عدم الفرق في الدم بين القليل و الكثير ؛ ج‌3، ص : 171

[عدم الفرق في الدم بين القليل و الكثير]

قليلا كان أو كثيرا (1)

______________________________
و قد انضح من مجموع ما ذكرناه عدم ثبوت إطلاق يمكن أن يرجع اليه عند الشك في نجاسة الدم في كل مورد.

(1) اما تمسكا بإطلاق رواية عمار لو قيل بالإطلاق فيها لكل دم.

و اما باعتبار عدم الفرق عرفا بين القليل و الكثير من حيث النجاسة و ان كان يحتمل الفرق في الآثار، فالقلة في الكم قلة في النجس لا في النجاسة، و بضم هذا الارتكاز الى ما دل على نجاسة الدم من الروايات التي لا إطلاق لفظي لها، يستفاد إطلاق النجاسة عرفا للقليل أيضا.

و إما باعتبار كون الدم القليل موردا لبعض روايات النجاسة، كما فيما دل على نجاسة الدم على منقار الطير فإنه من القليل عادة أو ما ورد من النزح فيما لو وقع قطرات من الدم في البئر، أو ما أمر فيه بالغسل من الدم أقل من الدرهم مع العفو عنه في الصلاة.

نعم لو فرض الدم قليلا إلى درجة بحيث لا يكاد يرى بالعين المجردة لخرج بذلك عن صدق مفهوم الدم عليه عرفا، فلا يكون نجسا باعتبار عدم انطباق عنوان الدم عليه، فان للكم و المقدار دخلا في صدق المفهوم عرفا.

فالصحيح وفاقا للسيد الماتن (قده) عدم التفصيل فيما يطلق عليه اسم الدم بين قليله و كثيره. غير أن هنا أقوالا تتجه الى التفصيل بين الدم القليل و الدم الكثير لا بد من استعراضها:

القول الأول: ما نسب الى الشيخ (قده) من التفصيل بين ما يدركه الطرف و ما لا يدركه. و عنوان ما لا يدركه الطرف لو أريد به الدم الذي لا يدرك بالطرف لقلته و ضئالته جدا فالحكم بطهارته صحيح، و لكنه ليس تفصيلا في نجاسة الدم، و انما هو من جهة عدم صدق الدم عليه كما عرفت و لذلك يجري في سائر النجاسات أيضا لاطراد النكتة فيها.


171
بحوث في شرح العروة الوثقى3

عدم الفرق في الدم بين القليل و الكثير ؛ ج‌3، ص : 171

..........

______________________________
و أما إذا أريد به ما يدركه الطرف في نفسه الا أنه باعتبار قلته و عروض حالة عليه كوقوعه في الماء و استهلاكه فيه- على ما هو مورد الرواية- عبر عنه بما لا يدركه الطرف، فهو محكوم عليه بالنجاسة بمقتضى الإطلاق اللفظي أو اللبي الذي نقحناه في مستهل البحث، و لا بد في الحكم بطهارته من الماس دليل مقيد. و من هنا وقع الاستدلال على الطهارة برواية على بن جعفر المتقدمة في مسألة انفعال الماء القليل: «سألته: عن رجل رعف فامتخط فصار بعض ذلك الدم قطعا صغارا فأصاب إنائه، هل يصلح له الوضوء منه؟ فقال (ع): ان لم يكن شيئا يستبين في الماء فلا بأس، و ان كان شيئا بينا فلا تتوضأ منه»
«1».

و قد اعترض جملة من الفقهاء على الاستدلال بالرواية، بإبداء احتمال أن يكون السؤال فيها عن الشبهة الموضوعية لملاقاة الدم مع الماء، حيث لم يفرض في سؤال السائل أكثر من اصابة الدم للإناء لا للماء، و عليه فيحمل جواب الامام (ع) على بيان الحكم الظاهري في الشبهة الموضوعية، و تكون الرواية على ذلك أجنبية عن محل الكلام.

و لكن الظاهر عدم وجاهة هذا الجواب، لظهور كلام الامام عليه السلام و كلام السائل معا في الشبهة الحكمية: أما كلام الإمام فلانة أناط الحكم بكون الشي‌ء مما يستبين أو لا يستبين، و هذا ظاهر في ملاحظة الاستنابة بما هي صفة و تقدير للشي‌ء نفسه، لا بما هي صفة للمكلف من حيث أنه قد يعلم أو يشك، فهو من قبيل قوله تعالى «حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ». و أما كلام السائل فهو و ان لم يفرض الا اصابة الدم للإناء، غير أن قوله عقيب ذلك: «هل يصلح الوضوء منه»، مع ظهور السياق في أن مرجع الضمير المجرور هو نفس‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 8 من أبواب الماء المطلق.


172
بحوث في شرح العروة الوثقى3

عدم الفرق في الدم بين القليل و الكثير ؛ ج‌3، ص : 171

..........

______________________________
ما أصاب الدم، يوجب ظهور الإناء في ماء الإناء فيكون السؤال عن اصابة الدم لماء الإناء.

و الصحيح في المناقشة: أن غاية ما يثبت بجواب الامام (ع) هو نفي البأس عن الماء القليل الملاقي مع قدر ضئيل من الدم لا يستبين في الماء.

و النتيجة كما يمكن أن تكون بسبب طهارة الدم القليل، كذلك يمكن أن تكون من جهة عدم تأثيره في انفعال الماء، و لا معين لإحدى الحيثيتين قبال الأخرى، ان لم ندع تعين الثانية، باعتبار ما تقدم من أن الكمية لا دخل لها عرفا في قذارة القذر، و انما يتعقل العرف دخلها في آثاره و أحكامه و قد يقال: بأن احتمال كون الملاك في الرواية عدم انفعال الماء القليل منفي بأدلة انفعال الماء القليل و لكن الصحيح: أن الرواية إذا بنى على حجيتها فهي توجب العلم بسقوط تلك الأدلة في موردها، إما تخصيصا و اما تخصصا، فلا يمكن التمسك بها، و تبقى أدلة نجاسة الدم بلا معارض.

نعم لو كان مدركنا في نجاسة الدم القليل مثل إطلاق موثقة عمار الآمرة بالاجتناب عن الماء الملاقي مع الدم على المنقار، صح أن يقال:

بأن الكاشف عن نجاسة الدم القليل انما هو إطلاق دليل انفعال الماء الملاقي للدم، و رواية علي بن جعفر تدل على كل التقادير على عدم انفعال الماء الملاقي لدم لا يستبين، و بعد سقوط إطلاق الموثقة لا يبقى كاشف عن نجاسة الدم القليل.

الا أن أدلة نجاسة الدم القليل لم تكن منحصرة في الإطلاق اللفظي لهذه الموثقة، بل يكفي في الحكم بالنجاسة الرجوع الى الإطلاقات الحاصلة بقرينة إلغاء خصوصية الكثرة و القلة عرفا في سائر الروايات.

القول الثاني: هو القول بطهارة الدم إذا كان أقل من درهم و ذلك استنادا الى روايات العفو في الصلاة عن الدم الذي يكون أقل من درهم‌


173
بحوث في شرح العروة الوثقى3

عدم الفرق في الدم بين القليل و الكثير ؛ ج‌3، ص : 171

..........

______________________________
إذ كما يكون ترتيب آثار النجاسة على شي‌ء إرشادا إلى نجاسته، كذلك يكون نفيها عنه إرشادا الى عدم نجاسته.

و فيه: ان روايات العفو تتضمن بنفسها قرائن متصلة تدل على أن العفو يعني نفي المانعية لا النجاسة، فقد ورد في بعضها التصريح بالأمر بالغسل الى جانب الحكم بالعفو [1].

هذا مضافا الى نفي أثر النجاسة و الحكم بالعفو في المقام ان لم ندع الظهور في كونه بملاك رفع المانعية لا النجاسة- باعتبار ما قلناه من الارتكاز القاضي بعدم تأثير القلة في قذارة القذر، و انما تؤثر عرفا في التهاون بآثاره- فلا أقل من أنه لا يكون نفي هذا الأثر في خصوص المقام كاشفا عن عدم النجاسة، بل مجملا من هذه الناحية. فان كاشفية نفي أثر النجاسة عن عدمها إنما يصح في المورد الذي لا يتعقل العرف وجها له الا عدم النجاسة، كما هو واضح.

القول الثالث: التفصيل بين ما يكون أقل من الحمصة فيحكم بطهارته و ما يكون بقدرها أو أكثر فيحكم بنجاسته. و ذلك استنادا الى خبر المثنى ابن عبد السلام عن أبي عبد اللّه (ع) قال: «قلت له: اني حككت جلدي فخرج منه دم» قال إذا اجتمع قدر الحمصة فاغسله، و الا فلا» «1» و الاستدلال بها أحسن حالا من الاستدلال بأخبار العفو في التفصيل المتقدم لعدم ورودها في الصلاة كي تحمل على العفو عن المانعية. و لكنه مع ذلك لا يمكن التعويل عليها و ذلك:

______________________________
[1] كرواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (ع) في حديث «قلت: فالرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به ثم يعلم فينسى أن يغسله فيصلي، ثم يذكر بعد ما صلى أ يعيد صلاته؟ قال: يغسله و لا يعيد صلاته، الا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعا فيغسله و بعيد الصلاة» وسائل الشيعة باب 20 من أبواب النجاسات.

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 20 من أبواب النجاسات.


174
بحوث في شرح العروة الوثقى3

طهارة دم ما لا نفس له ؛ ج‌3، ص : 175

[طهارة دم ما لا نفس له]

و أما دم ما لا نفس له فطاهر (1)، كبيرا كان أو صغيرا كالسمك و البق و البرغوث.

______________________________
أولا: باعتبار ضعفها سندا.

و ثانيا: ان الارتكاز العرفي القاضي: بأن قلة القذر لا تؤثر في ارتفاع قذارته و انما يمكن أن تؤثر في تخفيف أحكامه، بنفسه يشكل قرينة لبية متصلة، ان لم تستوجب ظهور الرواية في كون الحيثية الملحوظة فيها هي المانعية لا النجاسة، فلا أقل من أنها تستوجب إبطال ظهور نفي الغسل في عدم النجاسة.

و مما يؤيد عدم الفرق بين قليل الدم و كثيره في النجاسة: ورود جملة من روايات النجاسة في الدم القليل، كموثقة عمار الواردة في الدم على منقار الطير الذي هو أقل من قدر الحمصة عادة، و روايات العفو عن الدم أقل من الدرهم مع التأكيد على لزوم الغسل منه.

و هكذا اتضح أن الصحيح ما هو المشهور و أفتى به الماتن (قده):

من عدم التفصيل في الحكم بنجاسة الدم بين كثيره و قليله.

(1) لا إشكال في طهارة دم ما لا نفس له بناء على ما حققناه في البحث السابق من عدم وجود مطلق في أدلة نجاسة الدم، و انما هي روايات خاصة وردت كلها في موارد الدم المسفوح مما له نفس سائله و احتمال الفرق بينها و بين المقام موجود، كيف و قد ادعى بعضهم أنه ليس بدم و انما هو رجيع. فيكون الحكم بطهارته على القاعدة الأولية.

و انما الكلام فيما يدل على استثنائه لو فرض الفراغ عن ثبوت الإطلاق و هو أحد وجوه:

الأول: الإجماع المستفيض نقله على الطهارة، و لا يقدح فيه ما ورد‌


175
بحوث في شرح العروة الوثقى3

طهارة دم ما لا نفس له ؛ ج‌3، ص : 175

..........

______________________________
في تعبير الشيخ (قده) في المبسوط من: التمثيل للدم المعفو عنه في الصلاة بدم البق و الجراد، و هما مما لا نفس له. المشعر بأنه كدم الرعاف معفو عنه و ليس بطاهر. و ما ورد في تعبير سلار (ره) من: تقسيم النجاسة إلى ثلاثة أقسام: ما تجوز الصلاة في قليله و كثيره، و ما لا تجوز الصلاة في قليله و كثيره و ما تجوز في قليله و لا تجوز في كثيره و مثل للقسم الأول بدم البق مما يدل على انطباق المقسم و هو النجس عليه أيضا و ما ورد في التعبير المنسوب الى ابن الجنيد (ره) من: أن كل دم نجس، و اما دم السمك فليس بدم و انما هو رجيع. الدال أيضا على عدم استثناء شي‌ء من أقسام الدم من الحكم بالنجاسة.

فإن مثل هذه العبائر لا ينبغي جعلها نقضا على الإجماع- لو تم في نفسه- لقوة احتمال أن تكون من المسامحة في التعبير، و كون تمام النظر إلى النتيجة العملية المؤثرة في حال المكلف. و لذلك نرى الشيخ (قده) بنفسه يصرح في الخلاف- في قبال فتوى العامة بالنجاسة- بإجماع الطائفة على الطهارة- مع أن مثل التعبير الذي ذكره في المبسوط يورده في الخلاف أيضا.

فالمهم إذن: ملاحظة نفس الإجماع ليرى أنه هل يمكن أن يستكشف به حجة على الطهارة أم لا؟ فنقول:

ان الاستدلال بالإجماع على الطهارة، إما أن يكون بلحاظ كاشفيته عن وجود رواية لدى المجمعين واضحة السند و الدلالة على طهارة دم ما لا نفس له، باعتبار عدم كون المسألة عقلية كي يحتمل استنادهم فيها الى وجوه صناعية عقلية. و إما أن يكون بلحاظ كشف الاتفاق عن مركوزية الحكم المذكور في عصر المعصومين (ع).

و كلا التقريبين قابل للمنع. إذ يرد على الأول:

انه يستبعد وجود رواية واردة بعنوان استثناء دم ما لا نفس له اطلع عليها أولئك المجمعون، ثم لم تنقل في شي‌ء من مجاميع الحديث و كتبهم‌


176
بحوث في شرح العروة الوثقى3

طهارة دم ما لا نفس له ؛ ج‌3، ص : 175

..........

______________________________
التي ألفها نفس هؤلاء المجمعين.

أضف الى ذلك عدم انحصار المدرك في أن يكون هناك رواية على الطهارة، بل يكفي أن يكون مدرك بعضهم هو عدم الدليل على نجاسة كل دم، و مدرك بعض آخرين قوله تعالى (أو دما مسفوحا) الذي وقع الاستدلال به على طهارة غير المسفوح، أو الاستفادة من الروايات الخاصة الواردة في بعض الموارد.

و بهذا البيان أيضا يناقش في التقريب الثاني لكاشفية الإجماع، فإنه مع وجود مثل هذه المدارك المحتملة لا ينحصر وجه الاتفاق في ارتكاز موروث من الأئمة (ع) على الطهارة. و عليه فقد لا يحصل من الإجماع المذكور اطمئنان بأن الحكم الواقعي هو طهارة دم ما لا نفس له، كي يرفع اليد به عن إطلاق النجاسة على القول به.

الثاني: الآية المباركة «قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً» «1» حيث يستدل بمفهوم الوصف فيها على حلية الدم غير المسفوح، و هي تلازم طهارته لا محالة. و دم ما لا نفس له ليس من المسفوح، إذ المسفوح ما ينصب من العرق انصبابا.

و هذه الآية يستدل بها أيضا على طهارة الدم المتخلف و سوف تأني لدى التعرض لتلك المسألة، المناقشات المشتركة على الاستدلال بها في المسألتين، فنقتصر هنا على الإشارة إلى أمر يختص بالمقام، و هو: أن الاستدلال بالآية موقوف على القول بحلية دم ما لا نفس له. و أما لو أريد الحكم بطهارته فقط مع كونه حراما كما هو المعروف فالاستدلال بالآية غير متجه، لأن المدلول المطابقي لها هو حلية الدم غير المسفوح، فلو سقط عن الاعتبار لم يثبت مدلوله الالتزامي أيضا. نعم لو كان فتواهم بحرمته‌

______________________________
(1) الأنعام 147.


177
بحوث في شرح العروة الوثقى3

طهارة دم ما لا نفس له ؛ ج‌3، ص : 175

..........

______________________________
لا بما هو دم، بل باعتباره من الخبائث صح الاستدلال بالآية، لأنها تنفي الحرمة بحيثية كونه دما، فلا ينافي ثبوت الحرمة بملاك آخر.

لا يقال: حمل الآية على الحكم الحيثي دون الفعلي خلاف الظاهر إذ لا فائدة عرفية فيه.

فإنه يقال: يكفي صيرورتها فعلية في بعض الموارد، كما في الدم المتخلف، ما دام الحكم ثابتا على العنوان، و لم يتصد المولى بنفسه لتطبيقه على هذا الفرد.

الثالث: الروايات المتفرقة التي ادعى استفادة ضابط كلي منها و هو طهارة دم الحيوان الذي ليس له نفس سائلة.

منها رواية عبد اللّه بن أبي يعفور: قال: قلت لأبي عبد اللّه (ع) ما تقول في دم البراغيث؟ قال: ليس به بأس. قلت: انه يكثر و يتفاحش قال: و ان كثر» «1».

و فيه: أن التعدي من موردها و هو البرغوث الى كل الحيوانات التي لا نفس لها مما لا يساعد عليه العرف، بل غاية ما يساعد عليه هو التعدي الى ما يكون كالبرغوث من الحشرات و الحيوانات الصغيرة غير ذات اللحم، لا مثل السمك و التمساح.

و منها: رواية السكوني عن أبي عبد اللّه (ع) قال: «ان عليا (ع) كان لا يرى بأسا بدم ما لم يذك، يكون في الثوب فيصلي فيه الرجل، يعني دم السمك» «2».

و فيه:- مضافا الى ضعف الرواية سندا- أنها تدل على العفو عنه في الصلاة. و هو لا يكشف عن الطهارة في مثل الدم الذي ثبت فيه إجمالا التفكيك بين النجاسة و المانعية. و لو سلم دلالتها على الطهارة فهي‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 23 من أبواب النجاسات.

(2) وسائل الشيعة باب 23 من أبواب النجاسات.


178
بحوث في شرح العروة الوثقى3

طهارة دم ما لا نفس له ؛ ج‌3، ص : 175

..........

______________________________
مخصوصة بما لم يذك من الحيوان، أي دم ما لا يحتاج إلى التذكية كالسمك، فلا يمكن التعدي منه الى دم محرم الأكل.

و منها: رواية محمد بن ريان قال: «كتبت الى الرجل (ع):

هل يجري دم البق مجرى دم البراغيث؟، و هل يجوز لأحد أن يقيس بدم البق على دم البراغيث فيصلي فيه؟، و أن يقيس على نحو هذا فيعمل به؟ فوقع (ع): يجوز الصلاة، و الطهر منه أفضل» «1».

و فيه:- مضافا الى ضعف الرواية سندا- أن مدلولها المطابقي نفي المانعية، و هو لا يكشف عن الطهارة في المقام كما تقدم. و لو سلم فهي كرواية ابن أبي يعفور من حيث عدم إمكان التعدي من موردها الى كل ما لا نفس له.

و منها: رواية الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن دم البراغيث يكون في الثوب هل يمنعه ذلك من الصلاة فيه؟. قال: لا و ان كثر فلا بأس أيضا بشبهه من الرعاف ينضحه و لا يغسله» «2».

و فيه: وضوح كون النظر فيها إلى المانعية بقرينة عطف دم الرعاف عليه. مضافا الى ورودها في مثل البرغوث فلا يمكن التعدي منه الى كل ما لا نفس له.

و منها رواية غياث عن جعفر عن أبيه (ع) قال: «لا بأس بدم البراغيث و البق و بول الخشاشيف» «3».

و فيه: أنها كرواية ابن أبى يعفور من حيث اختصاصها بالبراغيث و البق و نحوهما.

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 23 من أبواب النجاسات.

(2) وسائل الشيعة باب 20 من أبواب النجاسات.

(3) وسائل الشيعة باب 10 من أبواب النجاسات


179
بحوث في شرح العروة الوثقى3

طهارة دم ما لا نفس له ؛ ج‌3، ص : 175

..........

______________________________
و هكذا يتضح أن هذه الروايات لا يمكن الاستدلال بشي‌ء منها على حكم كلي هو: طهارة دم كل ما لا نفس له من الحيوانات.

بيد أن السيد الأستاذ- دام ظله- حاول الاستناد في إثبات القضية الكلية إلى رواية حفص المتقدمة في أبحاث الميتة عن الصادق عن أبيه (ع) «أنه قال: لا يفسد الماء الا ما كانت له نفس سائلة» «1». و هي- لو صح الاستدلال بها- عامة لكل حيوان لا نفس له، كما هو واضح.

و قد تقدم الكلام عن ضعف سندها و إمكان تصحيحه في أبحاث الميتة فالمهم الآن ملاحظة دلالتها في المقام. و لا ينبغي الريب في أن المتيقن من مدلولها، النظر إلى ميتة الحيوان و إفسادها للماء و عدمه و لكن جملة من الفقهاء حاول استفادة أكثر من ذلك من مدلولها، و لهذا وقع الاستدلال بها على طهارة ما يرتبط بالحيوان غير ذي النفس في عدة مقامات، حيث استدل بها على طهارة بوله و خرئه و دمه. و لا يبعد أن يكون الاستدلال بها على طهارة دمه أحسن حالا من غيره باعتبار أنه يعد جزءا من الميتة فيشمله إطلاق: لا يفسد الماء ميتة ما لا نفس له، و باعتبارها ناظرة إلى أدلة النجاسة يكون إطلاقها مقدما على إطلاق دليل النجاسة.

و لكن الصحيح- مع ذلك- عدم تمامية الاستدلال المذكور: لأن غاية ما يستفاد منها أن ما لا نفس له لا ينفعل الماء بملاقاة ميتته، و هو لا يدل على أكثر من نفي النجاسة الناشئة بملاك الموت عنها، فلو فرض إطلاق الميتة لمثل الدم من الأجزاء كان مقتضاه عدم انفعال الماء بملاقاته من حيث كونه ميتة، و اما من حيثية أخرى ككونه دما فلا دلالة للحديث على نفيه.

و لم يتصد الحديث لتطبيق هذا الحكم على ملاقاة الدم بالخصوص، كي يدعى لغوية كون الحكم فيه حيثيا. كما أنه ليست فريضية وقوع الميتة في الماء‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 35 من أبواب النجاسات


180
بحوث في شرح العروة الوثقى3

طهارة دم ما لا نفس له ؛ ج‌3، ص : 175

..........

______________________________
ملازمة غالبا لملاقاة شي‌ء من دمها كي ينعقد فيها ظهور- بدلالة الاقتضاء و صونا للكلام عن اللغوية العرفية- في الحكم الفعلي.

و دعوى: أن المركوز أشدية قذارة الميتة من الدم فما لا يحكم بنجاسة ميتته أولى بالحكم بطهارة دمه. مدفوعة: بأن ثبوت ارتكاز من هذا القبيل بدرجة تشكل دلالة التزامية في الدليل محل منع، و حصول القطع بأولوية المناط عهدته على مدعيه.

و هكذا يتضح: أن العمدة في المصير إلى طهارة دم ما لا نفس سائلة له قصور المقتضى من أول الأمر، لعدم تمامية الإطلاق في دليل نجاسة الدم غير ان هنا نكتة لا بد من التنبيه عليها و هي: أن عدم تمامية الإطلاق في دليل نجاسة الدم إنما يكفي وحده لعدم البناء على النجاسة في دم حيوان غير ذي نفس كالسمك و نحوه، و أما ما لا نفس له و كان دمه مكتسبا كالبق و البرغوث فقد يقال: انه إذا امتص دم الإنسان أمكن الحكم بنجاسته تمسكا باستصحاب النجاسة حتى لو لم يتم الإطلاق، فلا بد من دليل اجتهادي محكم عليه لإثبات الطهارة. و من هنا يقع الكلام تارة: في جريان هذا الاستصحاب في نفسه، و أخرى: في وجود الدليل الحاكم على الطهارة و اما الكلام في الأول: فقد يشكل تارة: بدعوى تغير الموضوع.

و أخرى: بدعوى نفي الحالة السابقة فيما إذا امتص البق الدم من الإنسان رأسا، بناء على طهارة الدم في الباطن، فإنه لا علم حينئذ بنجاسته لتستصحب و قد يدفع الإشكال الأول بأن اللازم في الاستصحاب انحفاظ ما هو المعروض عرفا و المعروض عرفا للنجاسة، الجسم لا عنوان دم الإنسان و دم البق و قد يتخلص من الإشكال الثاني بتحويل الاستصحاب الى استصحاب تعليقي و ذلك للعلم حدوثا بأن هذا الدم حدوثا كان على نحو لو سفح لكان نجسا لأن ذلك هو المتيقن من دليل نجاسة الدم، فيستصحب ذلك بشأنه. و هذا انما‌


181
بحوث في شرح العروة الوثقى3

طهارة دم ما لا نفس له ؛ ج‌3، ص : 175

..........

______________________________
يتم- بعد البناء على جريان الاستصحاب التعليقي- فيما إذا كان المعلق عليه في القضية المتيقنة المستصحبة ذات السفح، فإنه المتيقن فعلا، لا سفح دم ما له نفس سائلة، و الا فلا يجري الاستصحاب المذكور، لأن المعلق عليه حينئذ غير محرز فعلا.

و أما الكلام في الثاني فقد تقدم ذكر عدة روايات قد تدل على طهارة دم البق و البرغوث، كرواية محمد بن ريان، و رواية الحلبي، و رواية غياث و رواية ابن أبي يعفور و أهمها الرواية الأخيرة، لأن الأولى ضعيفة بسهل بن زياد، و الثانية محل الاشكال سندا بابن سنان لاحتمال ارادة محمد بن سنان منه خصوصا بلحاظ رواية مثل أحمد بن محمد عنه، و دلالة باحتمال أنها في مقام نفي المانعية مستقلا لا نفيها بنفي النجاسة، و يؤيد ذلك عطف الرعاف المعلوم نجاسته عليه و الثالثة قد يستشكل فيها باعتبار ورود محمد يحيى في سندها ناقلا عن غياث، و هو محتمل الانطباق: على محمد بن يحيى الخزاز الثقة الذي ينقل عن أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، و على محمد بن يحيى الفارسي الذي يناسب أن ينقل عن الامام الصادق عليه السلام بواسطة و مع التردد تسقط الرواية عن الحجية إذا لم يدع الانصراف إلى الأول.

و اما الرواية الأخيرة فلا إشكال في دلالتها على المطلوب، و اما سندها فقد رواها الشيخ بإسناده إلى الصفار عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن زياد بن أبي الحلال عن عبد اللّه بن أبي يعفور و لا إشكال في هذا السند الا من ناحية علي بن الحكم المردد بين أربعة أشخاص بعضهم ثبتت وثاقته دون البعض الآخر فان عين هذا في الثقة أو ثبتت وحدة الكل فهو و الا سقطت الرواية عن الحجية.

و أما أولئك الأربعة فهم كما يلي:

1- علي بن الحكم، بقول مطلق. ذكره الشيخ في رجاله من أصحاب‌


182
بحوث في شرح العروة الوثقى3

طهارة دم ما لا نفس له ؛ ج‌3، ص : 175

..........

______________________________
الجواد، و لم يضف إليه أدنى تعبير، و لم يذكره الشيخ في الفهرست و لا النجاشي و لا الكشي بهذا العنوان المطلق.

2- علي بن الحكم بن زبير النخعي. عده الشيخ في رجاله من أصحاب الرضا (ع) قائلًا «علي بن الحكم بن زبير مولى النخع كوفي». و ذكر هذا الشخص أيضا النجاشي بعنوان: علي بن الحكم بن زبير» بإسقاط كلمة مولى النخع، و ذكر له كتابا كما سوف يأتي ان شاء اللّه تعالى.

3- علي بن الحكم الكوفي لم يترجمه بهذا العنوان الكشي و لا النجاشي و لا الشيخ في رجاله، و ترجمه الشيخ في فهرسته قائلًا: «ثقة جليل القدر له كتاب، أخبرنا جماعة عن محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، عن أبيه، عن محمد بن هشام، عن محمد بن سندي، عن علي بن الحكم. و رواه محمد ابن علي، عن أبيه و محمد بن الحسن، عن سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم و أخبرنا ابن ابي جيد، عن ابن الوليد، عن الصفار و أحمد بن إدريس و الحميري و محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم و عليه فهذا الشخص بهذا العنوان ثقة بشهادة الشيخ.

4- علي بن الحكم الأنباري، لم يذكره بهذا العنوان النجاشي و لا الشيخ في فهرسته و لا في رجاله، و انما ذكره الكشي و نقل عن حمدويه عن محمد بن عيسى: ان علي بن الحكم هو ابن أخت داود بن النعمان بياع الأنماط، و هو نسيب (ينسب إلى) بني الزبير الصيارفة. و علي بن الحكم تلميذ ابن ابي عمير، و لفي من أصحاب ابي عبد اللّه (ع) الكثير، و هو مثل ابن فضال و ابن بكير» و قوله «علي بن الحكم تلميذ ابن ابي عمير إلخ»- سواء كان من كلام الكشي كما هو الأقرب، أو من كلام محمد بن عيسى- معتبر، لوثاقة كليهما، فلا بد من ملاحظة انه هل يستفاد منه توثيق لعلي ابن الحكم أولا؟. قد يقال: بالاستفادة، باعتبار جعله مثل ابن فضال‌


183
بحوث في شرح العروة الوثقى3

طهارة دم ما لا نفس له ؛ ج‌3، ص : 175

..........

______________________________
و ابن بكير المفروغ عن وثاقتهما. و قد يخدش ذلك بإبداء احتمال كون ذلك تمثيلا للكثير، اى لقي كثيرا مثل ابن فضال. و لكن هذا كما ترى لا ينسجم مع ظاهر كلمة (و هو). نعم نقل ابن داود ما مضى من عبارة الكشي مع حذف كلمة (و هو)، فقد يؤدى ذلك الى احتمال تهافت في نسخ كتاب الكشي. الا انه حتى مع حذفها لا يمكن ان يجعل ذلك تمثيلا للكثير، لان ابن فضال ليس من أصحاب الصادق عليه السلام، بل يطلق هذا على شخصين: أحدهما من أصحاب الكاظم (ع)، و الآخر ابنه و هو من أصحاب الهادي. و عليه فيتعين كون التمثيل لعلي بن الحكم و هو يحمل على التشبيه في أهم الصفات الملحوظة رجاليا التي منها الوثاقة.

و دعوى: ان التشبيه كما قد يكون بلحاظ الوثاقة قد يكون باعتبار الاشتراك في ملاقاة الكثير من أصحاب ابي عبد اللّه، فلا تثبت وثاقة المشبه قد تدفع بدعوى: انصراف ابن فضال الى ابن فضال الابن، الذي هو من أصحاب الإمام الهادي عليه السلام و لم يلق أصحاب ابي عبد اللّه عليه السلام، دون ابن فضال الأب الذي هو من أصحاب الكاظم و لقي أصحاب الصادق فينتفى احتمال كون المقصود التشبيه في ملاقاة الكثير من أصحاب ابي عبد اللّه.

هذا مضافا الى ان ظاهر كلمة (و هو) لا يناسب كون المقصود التشبيه في ذلك. و اطباق نسخ الكشي و النقل عن الكشي على حفظ كلمة (و هو) يوجب استبعاد زيادتها و الاطمئنان بوقوع اختصار أو سهو في كتاب ابن داود، خصوصا انه أسقط جملة من العبارات في مقام النقل و نقل المعنى فيرجح انه أسقط كلمة (و هو) أيضا، إذ لم ير أهمية في ذكرها، و عليه فتثبت وثاقة على بن الحكم المذكور.

و على هذا الأساس يقع الكلام في إمكان إثبات وحدة هذه العناوين‌


184
بحوث في شرح العروة الوثقى3

طهارة دم ما لا نفس له ؛ ج‌3، ص : 175

..........

______________________________
المتعددة لعلي بن الحكم، أو على الأقل إرجاع الأوليين إلى الأخيرين أو أحدهما لتكون الرواية حجة.

و قبل الشروع في ذكر أمارات الوحدة لا بد من الإشارة إلى انه لا توجد امارة تمنع عن الحمل على الاتحاد في المقام، لا من ناحية تعدد الطبقات، و لا من ناحية تعدد التوصيفات، و لا من ناحية ذكر الشيخ له مرتين في رجاله.

اما الأول: فلان هذه العناوين الأربعة يمكن افتراضها في طبقة واحدة، لأن الأول ذكره الشيخ في رجاله من أصحاب الجواد (ع) و الرابع قد مضى انه تلميذ ابن ابي عمير، و من يكون تلميذا لابن ابي عمير الذي هو من أصحاب الكاظم الى الجواد يمكن ان يكون من أصحاب الجواد (ع).

و الثاني من أصحاب الرضا (ع) و هو يناسب الصحبة للجواد أيضا و النجاشي نقل كتابه بواسطة أحمد بن محمد بن خالد البرقي، و هو ممن يروى عن أصحاب الجواد. و الثالث روى الشيخ كتابه بواسطة أحمد بن محمد كما مضى و هو البرقي، أو أحمد بن محمد بن عيسى، و كلاهما في طبقة واحدة و قد عرفت حال البرقي. و إذا لاحظنا الرواة عن عناوين علي بن الحكم وجدنا انهم في طبقة واحدة أو متقاربون على نحو يناسب وحدته، و اما الثاني فتوصيف الكشي له بالانبارى و توصيف الشيخ له في رجاله بالنخعي و في فهرسته بالكوفي، ليس قرينة على التعدد. فإن النخعية و الكوفية ليستا متنافيين لان النخعية نسبة الى عشيرة فلا تنافي كون بعضهم كوفيا، بل الشيخ في رجاله جمع بين النخعية و الكوفية. و اما الانبارية فهي أيضا لا تنافي الكوفية إذ يقال: ان الأنبار قرية على شاطئ الفرات فيعتبر الأنباري كوفيا، اما لقرب الأنبار من الكوفة و اندكاكها في جنبها و اما لهجرة الأنباري إلى الكوفة، كما يناسبه كونه تلميذا لابن ابي عمير.


185
بحوث في شرح العروة الوثقى3

طهارة دم ما لا نفس له ؛ ج‌3، ص : 175

..........

______________________________
و اما الثالث: فذكر الشيخ الطوسي له في رجاله تارة من أصحاب الرضا و اخرى من أصحاب الجواد ليس قرينة على التعدد، لان طريقة الشيخ في رجاله هي انه إذا كان شخص من أصحاب إمامين أو ثلاثة ذكره عدة مرات- بترتيب الأئمة (ع)- في أصحاب كل امام هو من أصحابه و يلاحظ ان الشيخ عادة يذكر الشخص لأول مرة بعنوان تفصيلي، و عند التكرار في إمام بعده يذكره إجمالا و هكذا صنع في المقام إذ ذكره في أصحاب الرضا بعنوان علي بن الحكم بن زبير مولى النخع كوفي، و في أصحاب الجواد بعنوان علي بن الحكم.

و نبدأ الآن بذكر قرائن تتجه إلى إبطال تكثر علي بن الحكم على النحو المضر بالاستدلال. و لا يلزم بهذا الصدد إثبات وحدة الجميع، بل من جملة الأساليب النافعة إثبات رجوع الأولين الى أحد الأخيرين الذين ثبتت وثاقتهما.

القرينة الأولى: مجي‌ء علي بن الحكم مطلقا و بلا تقييد في الكثرة من الروايات و الطرق التي وقع فيها، فلو كان متعددا لكان من البعيد ان يلتزم كل أولئك الرواة بالإطلاق في مقام التعبير عنه، فيستقرب فرض الوحدة أو فرض الانصراف غير المحوج الى التقييد مع التعدد أيضا. و من الواضح بعد افتراض الانصراف عن علي بن الحكم الكوفي الثقة الذي له كتاب و رواه جماعة عنه و للشيخ طريق إليه.

القرينة الثانية: ان الثالث و هو علي بن الحكم الكوفي الثقة الذي ذكره الشيخ في فهرسته لو كان غير علي بن الحكم الذي ذكره النجاشي في فهرسته للزم إهمال النجاشي لشخص من المؤلفين المستحقين للدخول في فهرسته و هذا بعيد، خصوصا مع نظر النجاشي إلى فهرست الشيخ و نقله عنه و تبحره في هذا الفن و كونه كوفيا يجعله اولى بمعرفة الكوفيين. و إذا اتحد الثالث مع الثاني بقي الرابع و هو ثقة على اي حال. و الأول و هو و ان لم يكن‌


186
بحوث في شرح العروة الوثقى3

طهارة دم ما لا نفس له ؛ ج‌3، ص : 175

..........

______________________________
راجعا الى غيره فاللفظ منصرف عنه، لأنه لم يذكره النجاشي و لا الكشي و لا الشيخ في فهرسته و لم يذكر له كتاب و لا علاقات، بخلاف الثالث الذي ذكر انه ثقة جليل القدر و له كتاب ينقله جماعة و للشيخ طرق عديدة اليه، و ذكره النجاشي أيضا لما عرفت من اتحاده مع الثاني، و إذا وحدنا الثاني مع الرابع فقد ذكره النجاشي أيضا، و ذكر الكشي انه مثل ابن فضال و ابن بكير و انه لقي من أصحاب ابي عبد اللّه الكثير.

القرينة الثالثة: تتلخص في عدة مراحل: الاولى: في إثبات وحدة الثاني و الرابع. و الثانية: في إثبات وحدة الثاني و الثالث. و الثالثة: في نفى احتمال إرادة الأول بنحو يغاير مع غيره.

اما المرحلة الأولى: فإن النجاشي قد ترجم في كتابه- كما مر بنا- علي بن الحكم بن زبير من دون توصيفه بالانباري أو الكوفي. و ترجم صالح ابن خالد المحاملي تارة في باب الأسماء و اخرى في باب الكنى ففي باب الأسماء قال: «صالح بن خالد المحاملي أبو شعيب مولى علي بن الحكم بن زبير» و في باب الكنى قال: «أبو شعيب المحاملي كوفي ثقة من رجال ابن الحسن موسى (ع)، مولى علي بن الحكم بن الزبير الأنباري». و نلاحظ في هذا المجال: أولا: استبعاد المغايرة بين علي بن الحكم بن الزبير الأنباري الذي ذكره النجاشي في ترجمة أبي شعيب، و علي بن الحكم الأنباري الرابع الذي ذكره الكشي، إذ يلزم من ذلك كون الاتحاد في الاسم و اسم الأب و الانبارية صدفة، و هو بعيد. و ثانيا: استبعاد المغايرة بين علي بن الحكم ابن الزبير الأنباري الذي ذكره النجاشي في ترجمة أبي شعيب، مع علي ابن الحكم بن الزبير الذي ترجمه النجاشي، و ذلك للاشتراك في الاسم و الأب و الزبيرية، و لان نفس علي بن الحكم بن الزبير الأنباري الذي ذكره النجاشي في باب الكنى ان أبا شعيب مولاه، قد ذكره في باب الأسماء‌


187
بحوث في شرح العروة الوثقى3

طهارة دم ما لا نفس له ؛ ج‌3، ص : 175

..........

______________________________
مع حذف كلمة (الأنباري) حيث قال: صالح بن خالد المحاملي أبو شعيب مولى علي بن الحكم بن الزبير و هذا ينصرف لا محالة الى من ترجمة في نفس الكتاب بنفس ذلك العنوان و هو علي بن الحكم بن الزبير و لو قصد شخصا آخر غير من ترجمه لكان عليه التنبيه و بهذا يثبت اتحاد الأنباري الذي ترجمه الكشي مع ابن الزبير الذي ترجمه النجاشي، اي الرابع مع الثاني.

و أما المرحلة الثانية: فحاصل الكلام فيها أن الثالث لو كان غير من تصادق عليه العنوان الثاني و الرابع للزم من ذلك، أن يكون الشيخ قد أغفل ذكر شخص من الرواة في فهرسته- و هو من تصادق عليه العنوانان الثاني و الرابع، مع أنه من البعيد عدم اطلاعه على وجوده مع إثباته في تلخيص رجال الكشي الذي تم على يد الشيخ نفسه. كما أن من البعيد عدم اطلاعه على كتابه الذي شهد النجاشي في الفهرست به مع وجود طريق للنجاشي اليه، و قد وقع فيه من كان للشيخ طريق الى جميع كتبه و رواياته كسعد مثلا.

و اما المرحلة الثالثة: فتتميمها يتم بدعوى أن الأول إن رجع الى أحد الثلاثة فهو المطلوب، و الا فمن تصادقت عليه العناوين الثلاثة أشهر بلا إشكال بمرتبة يصح دعوى انصراف اللفظ إليه.

القرينة الرابعة: ان من لم يوثق من هؤلاء الأربعة شخصان كما تقدم و هما الأول و الثاني، و قد ذكرهما الشيخ في رجاله كما مضى.

فنلاحظ: أولا: أن الظاهر ان هذين الشخصين الذين لم يرد توثيقهما بعنوانهما أحدهما متحد مع من ذكره الشيخ في فهرسته و وثقه و هو علي بن الحكم الكوفي إذ يلزم من فرض التعدد أن يكون الشيخ مهملا في رجاله من ذكره في فهرسته و وثقه و نسب له كتابا، مع أن رجال الشيخ بطبيعته أعم من فهرسته، لأنه موضوع لمطلق الرواة، و الفهرست موضوع لخصوص‌


188
بحوث في شرح العروة الوثقى3

طهارة دم ما لا نفس له ؛ ج‌3، ص : 175

..........

______________________________
المصنفين، و رجاله متأخر عن فهرسته، فمن المستبعد أن يكون قد عدل في الرجال عن ذلك الشخص المعروف الى ذكر شخص آخر مجهول غير معنون و ليس له كتاب.

و نلاحظ ثانيا: ان الظاهر ان أحد هذين الشخصين الذين لم يرد توثيقهما بعنوانهما متحد مع الأنباري الثقة الذي ذكره الكشي، و إلا لزم أن يكون الشيخ قد أهمل في رجاله الأنباري الذي ذكره الكشي، و من المستبعد عدم ذكره في الرجال مع وصف الكشي له بأنه لقي من أصحاب الصادق (ع) الكثير، و هو مثل ابن فضال و ابن بكير، مع أن رجال الشيخ مبناه على الاستقصاء و هو مطلع على هذا الشخص بحكم إحاطته برجال الكشي، و تلخيصه له و اشتمال التلخيص عليه.

و في هذا الضوء ينتج أن الشخصين غير الموثقين بعنوانهما أحدهما متحد ظاهرا مع الكوفي الثقة، و أحدهما متحد ظاهرا مع الأنباري الثقة فإن فرض أن المتحد مع الكوفي مغاير للمتحد مع الأنباري ثبتت وثاقة الكل و ان فرض أن أحدهما متحد مع الكوفي الثقة و الأنباري الثقة و بقي الآخر مغايرا للثقتين، فهنا نحتاج إلى الاستعانة بجزء مما مضى في القرينة الثانية، فإن فرضنا أن المغاير هو علي بن الحكم المطلق ضممنا ما مضى من دعوى الانصراف، و ان فرضناه النخعي ضممنا ما مضى من القرينة على اتحاد النخعي مع الكوفي الثقة، أو على اتحاده مع الأنباري الثقة.

القرينة الخامسة: ان علي بن الحكم الأنباري نفس علي بن الحكم ابن الزبير، لأن الكشي ذكر عن الأول أنه نسيب (أو ينسب إلى) بني الزبير الصيارفة، و الثاني ذكره النجاشي و الشيخ في رجاله بعنوان علي بن الحكم بن الزبير. و هذه القرينة لا تكفي وحدها لإثبات المطلوب بل لا بد من ضم شي‌ء مما سبق كالقرينة على اتحاد من ذكره النجاشي مع‌


189
بحوث في شرح العروة الوثقى3

طهارة دم ما لا نفس له ؛ ج‌3، ص : 175

..........

______________________________
من ترجمه الشيخ في فهرسته، و دعوى الانصراف حينئذ عن علي بن الحكم المطلق على فرض مغايرته لمن تصادقت عليه العناوين الثلاثة.

و قد يستشهد لوحدة علي بن الحكم بن الزبير الذي ذكره النجاشي مع الكوفي الثقة الذي ذكره الشيخ بما ذكره الوحيد في التعليقة: من أن الراوي عمن ذكره الشيخ- رحمه اللّه تعالى- و الراوي عمن ذكره النجاشي شخص واحد، و هو أحمد بن محمد. و يندفع: بأن الراوي عنه في طريق النجاشي هو أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي و الراوي عنه في طريق الشيخ أحمد بن محمد، على نحو الإطلاق، و لعله أحمد بن محمد عيسى، بقرينة وقوع الصدوق في طريق الشيخ هذا، و تصريح الصدوق في مشيخته بأحمد ابن محمد بن عيسى في طريقه الى على بن الحكم.

و على أي حال ففيما تقدم كفاية لإثبات حجية روايات علي بن الحكم باعتبار إثبات الوحدة و لو بضم الانصراف.

فان قيل: ان الانصراف لا يكفي، فإنه إذا لم تثبت وحدة الجميع و فرضنا مغايرة الأول لغيره، فهذا يعني كون الأول راويا في الجملة و له روايات، و العمل بظهور اللفظ الموجب للانصراف الى غيره في تمام الموارد يوجب طرح العلم الإجمالي بوجود روايات له في الجملة، فيقع التعارض بين الظهورات الانصرافية.

قلنا: لا تعارض. أما أولا: فلعدم العلم بالتغاير و غاية ما في الأمر احتماله. و اما ثانيا: فلأنه على فرض التغاير لا علم بوجود روايات له في الكتب الأربعة و ما بحكمها بالذات. و اما ثالثا: فلاحتمال أن يكون ما نقل عنه داخلا في ما نقل عن علي بن الحكم بطرق ضعيفة.

و هكذا يتلخص: ان رواية ابن أبي يعفور الدالة على طهارة دم البق معتبرة و تامة سندا و دلالة، فلا إشكال في المسألة.


190
بحوث في شرح العروة الوثقى3

طهارة الدم المتخلف و فروع ذلك ؛ ج‌3، ص : 191

و كذا ما كان من غير الحيوان، كالموجود تحت الأحجار عند قتل سيد الشهداء (ع). (1) و يستثني من دم الحيوان، المتخلف في الذبيحة بعد خروج المتعارف، سواء كان في العروق، أو في اللحم، أو في القلب، أو في الكبد، فإنه طاهر (2).

______________________________
(1) سوف نتكلم في هذا الفرع عند تعرض السيد الماتن (قده) لدم البيضة.

[طهارة الدم المتخلف و فروع ذلك]

(2) و يمكن أن يستدل عليه بعدة وجوه:

الأول: قصور مقتضى النجاسة إثباتا، بناء على ما هو الصحيح من عدم ثبوت دليل على نجاسة الدم بنحو القضية المطلقة، كي يكون مرجعا في حالة الشك.

الثاني: الإجماع، حيث لم ينقل عن أحد الإشكال في هذا الحكم و انما استفاض دعوى الإجماع عليه في كلماتهم.

و هذا الإجماع بصيغته الفتوائية حاله حال الإجماع المتقدم في دم ما لا نفس له، من حيث ورود تلك المناقشات عليه غير أنه بالإمكان صياغته في المقام بإرجاعه إلى الارتكاز و عمل أصحاب الأئمة (ع)، و من بعدهم من المسلمين الى زماننا هذا. فان هذا البناء العملي و القولي الموروث على معاملة الدم المتخلف معاملة الطاهر، مع عدم ورود أسئلة عنه في الروايات، رغم كثرة ابتلاء الناس و الرواة بالمسألة، و كونهم قد سألوا الأئمة (ع) عن أشياء أقل أهمية في حياتهم اليومية فأقول: إن مثل هذا الإجماع القولي و العملي كاشف عن وضوح الطهارة في أذهان المتشرعة من أصحاب الأئمة (ع)، إذ احتمال غفلتهم عنه موضوعا أو حكما ينفيه كون الدم المتخلف محل ابتلائهم في حياتهم اليومية كثيرا، و كون حكم نجاسة الدم‌


191
بحوث في شرح العروة الوثقى3

طهارة الدم المتخلف و فروع ذلك ؛ ج‌3، ص : 191

..........

______________________________
مركوزة في الجملة في أذهانهم. و افتراض أنهم سألوا عنها و أفتاهم المعصوم عليه السلام بالنجاسة، و مع ذلك لم يصل إلينا كلامه، ينفيه أن شيوع الابتلاء بها يستلزم تظافر نقل الحكم بالنجاسة لو كان، و تأكيد الأئمة عليهم السلام و الرواة على ترسيخه في ذهن المتشرعة من أصحابهم. فلا يبقى إلا أن يكون ذلك باعتبار موافقة المعصومين (ع) مع ما هو مقتضى الطبع العقلائي و الأولى من عدم استقذار ما يتخلف في الذبائح بعد خروج المتعارف الكاشف عن طهارته شرعا. و كون الطهارة على وفق الطبع الأولى مع عدم وجود ردع عنها هو الذي يفسر لنا عدم وقوع السؤال من الرواة عن طهارته كثيرا، و عدم توافر الدواعي على نقلها كذلك.

ثم ان المدرك على الطهارة لو كان هذا الوجه فلا بد من الاقتصار فيه على القدر المتيقن، باعتباره دليلا لبيا، فلا يمكن الرجوع اليه كلما شك في طهارة دم متخلف، خلافا للحال على الوجه الأول. و هذا من الفوارق بين الوجهين، و ان كان يغلب على الظن دخول تمام مراتب التخلف في الإجماع، فلا يبقى فرق بين الوجهين على مستوى التطبيق.

الثالث: التمسك بما دل على حلية الحيوان بعد التذكية، أما بتقريب:

أنه شامل بإطلاقه لكل جزء من أجزاء الحيوان بعد التذكية و منها الدم المتخلف، و لازم حليته طهارته. و اما بتقريب: أن اللحوم المذكاة لا تنفك عند استعمالها عادة عن دماء متخلفة فيها، إذ تفكيك اللحم و غسله إلى درجة تخرج منه كل الدماء المتخلفة أمر على خلاف العادة العرفية، فبدلالة الاقتضاء هذه تثبت حلية الدم في اللحم أيضا.

و يرد على التقريب الأول: أن دليل الحلية ينفي الحرمة بملاك الميتة بعد حصول التذكية، فلا يمكن التمسك به لنفي الحرمة الثابتة بملاك الدمية أو البولية أو غيرهما كما هو المطلوب في المقام.


192
بحوث في شرح العروة الوثقى3

طهارة الدم المتخلف و فروع ذلك ؛ ج‌3، ص : 191

..........

______________________________
و أما التقريب الثاني، فيمكن أن يناقش فيه بأحد وجهين:

الأول: ما ذكره المحقق الخوانساري (ره) من أن غاية ما تستدعيه الملازمة الخارجية أن يكون الدم المندك مع اللحم و المغموز بين طياته حلالا و اما الدم المتخلف بعد خروجه فلا، فيرجع فيه الى إطلاق النجاسة.

و هذه المناقشة غير تامة، كما أفاده المحقق الهمداني (ره)، إذ الغالب خروج شي‌ء من الدماء المتخلفة و لو قليلا بعد الطبخ، فلو التزم بنجاسته بعد الخروج لنجس الأطعمة، و لا يمكن أن يقصد من تجويز الأكل تجويزه بشرط عدم الطبخ.

الثاني أن مثل هذه الدلالة لا تشمل أكثر مما يعتاد وجوده من الدم المتخلف مع اللحم، فلا يعم مثل الدم الكثير المتخلف في باطن الذبيحة.

و هذا النقاش لا دافع له الا دعوى: عدم الفرق عرفا في الدماء المتخلفة بين ما يتخلف في الباطن و ما يندك في جوف اللحم الذي يمكن إخراجه عنه بالعصر و نحوه، فلو تم ارتكاز عدم الفرق تم هذا الوجه لإثبات طهارة الدم المتخلف بإطلاقه.

الرابع: قوله تعالى: «قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً.».

حيث يستدل به على اختصاص الحرمة بالدم المسفوح، فان فسر ذلك بالدم الخارج حال الذبح فالدم غير المسفوح يشمل المتخلف حتى بعد خروجه و ان فسر بالدم المنصب من العرق فيختص غير المسفوح بالمتخلف غير الخارج من العرق، و على كلا التقديرين تثبت الطهارة بالملازمة.

و هناك اعتراضان على هذا الاستدلال:

الاعتراض الأول- تقديم إطلاق آية التحريم في قوله تعالى «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ» عليها، حيث لا يعلم بورودها قبل تلك‌


193
بحوث في شرح العروة الوثقى3

طهارة الدم المتخلف و فروع ذلك ؛ ج‌3، ص : 191

..........

______________________________
الآية كي تخصص بالمسفوح، ان لم يدع الاطمئنان بتأخر آية التحريم لورودها في سورة المائدة التي هي آخر سورة نزلت، و تلك الآية في سورة الانعام المكية، و مع العلم بتأخر آية التحريم أو احتمال ذلك يكون المتبع إطلاقها فإن المورد و ان كان من موارد الدوران بين النسخ و رفع اليد عن الإطلاق الأزماني في آية الأنعام، أو التخصيص و رفع اليد عن الإطلاق الأفرادي في آية التحريم، الا انه في خصوص المقام لا يوجد إطلاق أزماني لآية الانعام المتقدمة جزما أو احتمالا، لأنها لا تنفى وجود حرام في الواقع غير ما ذكر من العناوين، و انما تنفى وجدانه فيما اوحى الى النبي (ص) الى ذلك الحين، فلا ينافي أن يوحى إليه بعد ذلك محرم آخر فلا معارض لإطلاق آية التحريم. هذا على تقدير إحراز تأخرها و اما مع الشك في التقدم و التأخر فيكون من موارد الشك في وجود المخصص لإطلاقه التي يكون الأصل فيها عدم المخصص و حجية العموم.

و بهذا ظهر ان إطلاق الروايات الدالة على نجاسة الدم- لو تم- أيضا يكون مقدما على آية الانعام لأنها لا إطلاق أزماني لها و انما كنا نحكم بمضمون الآية لو لا الدليل بمقتضى الاستصحاب.

غير ان هذا البيان موقوف على ان لا نعمل بصحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع) إذ قال «ليس الحرام إلا ما حرم اللّه في كتابه.

ثم قرأ هذه الآية قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ «1». و هي صريحة في إمضاء نفي الآية لمحرم أخر غير ما ذكر فيها إلى الأبد، فتكون دالة على نفوذ مدلول الآية و بقائه، الذي يستدعي تخصيص آية التحريم بالدم المسفوح بمقتضى الحصر.

و لكن العمل بهذه الصحيحة مشكل إذ لا يوجد فقيه يفتي بانحصار‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 5 من أبواب الأطعمة المحرمة


194
بحوث في شرح العروة الوثقى3

طهارة الدم المتخلف و فروع ذلك ؛ ج‌3، ص : 191

نعم إذا رجع دم المذبح الى الجوف لرد النفس أو لكون رأس

______________________________
المحرمات فيما ذكرته الآية الشريفة، فلا بد و ان تحمل الرواية على محامل التقية و موافقة العامة بعد إباء سياقها عن التخصيص.

الاعتراض الثاني: دعوى عدم دلالة الآية في نفسها على حلية الدم المتخلف إذ لا موجب له الا توصيف الدم بالمسفوح، و الوصف خال عن المفهوم على ما قرر في محله.

و هذا الاعتراض يمكن ان يجاب عليه: تارة: بأن الوصف يدل على المفهوم الجزئي، و ان الحكم غير ثابت في بعض موارد فقدان الوصف على الأقل، كما حققناه في محله. و عندئذ يمكن دعوى: تعيين ذلك في الدم المتخلف بالارتكاز العرفي، أو لأنه القدر المتيقن.

و اخرى: بانا نتمسك بسياق الحصر في الآية حيث نفى وجود محرم غير ما ذكر.

لا يقال: من المحتمل قويا ان يكون الحصر في الآية إضافي بالنسبة الى ما كان يتخيل في ذلك العصر حرمته و ليس حصرا حقيقيا، إذ ما أكثر المحرمات الثابتة جملة منها بالقطع و اليقين.

فإنه يقال:- هذا لو سلم و لم يعمل برواية محمد بن مسلم المتقدمة- يرد عليه ان الدم غير المسفوح داخل فيما يضاف اليه الحصر بقرينة ذكره الدم مقيدا بالمسفوحية.

و هكذا يتلخص: ان الاستدلال بالآية الكريمة على طهارة المختلف غير مفيد، لأنه لو تم إطلاق يدل على النجاسة قدم عليها بقاء، و الا كفانا عدم تمامية المقتضي للنجاسة.


195
بحوث في شرح العروة الوثقى3

طهارة الدم المتخلف و فروع ذلك ؛ ج‌3، ص : 191

الذبيحة في علو كان نجسا (1).

______________________________
(1) الدم المتخلف بالعناية تارة: يكون برجوعه الى الداخل بعد خروجه، كما لو رد الحيوان نفسه فرجع قسم من الدم الى الجوف. و اخرى بالمنع عن خروجه من أول الأمر، كما لو سد المذبح، أو كان رأس الحيوان عاليا فتخلف مقدار من الدم كان مقتضى الطبع خروجه. و في كلا القسمين تارة: نفترض تمامية المقتضي للنجاسة بحسب مقام الإثبات في نفسه، و انما خرجنا في المتخلف لمقيد. و اخرى: نفترض قصور المقتضى لدليل النجاسة في نفسه.

اما على التقدير الأول: فلا بد و ان ننظر الى المقيد ليرى هل يشمل المتخلف بالعناية أم لا؟. و لا إشكال في عدم شموله للمقام لو كان هو الإجماع، أو دلالة الاقتضاء في روايات جواز أكل الذبيحة، لعدم الإجماع في المقام ان لم يدع الإجماع على العدم، و عدم تمامية دلالة الاقتضاء لغير المتعارف نخلفه و هو المتخلف بالطبع.

و لو كان المدرك هو الآية الكريمة فشمول مفهومها للقسم الأول من التخلف، اعنى الرجوع بعد الخروج واضح العدم، لصدق الدم المسفوح عليه بعد خروجه من الذبيحة و لو رجع بعد ذلك، إذ لا يراد بالمسفوح ما يبقى مسفوحا و خارجا عن الذبيحة إلى الأبد.

و اما شمولها للقسم الثاني و عدمه فمبنى على ان يراد بالمسفوح ما خرج فعلا، و اما لو أريد به ما من شأنه الخروج فأيضا يكون المتخلف بالعناية داخلا في منطوقها لا المفهوم.

و اما على تقدير القول بعدم تمامية الإطلاق في دليل النجاسة في نفسه كما تقدم اختياره، فقد يقال به أيضا في المتخلف بعد الرجوع، فضلا عما لم يخرج أصلا.


196
بحوث في شرح العروة الوثقى3

طهارة الدم المتخلف و فروع ذلك ؛ ج‌3، ص : 191

و يشترط في طهارة المتخلف ان يكون مما يؤكل لحمه على الأحوط فالمتخلف من غير المأكول نجس على الأحوط (1).

______________________________
و فيه: أولا: تمامية المقتضي بالارتكاز القاضي بعدم الفرق بينه و بين الدم الخارج غير الراجع، حيث لا يرى العرف بينهما فرقا الا من ناحية موضع التجمع و مكانه، و هو ليس بمفرق.

و ثانيا: لو أنكرنا الارتكاز المذكور و فرضنا احتمال العرف دخل الرجوع في الطهارة فلا أقل من ارتكاز أن دخالته ليست بنحو الشرط المتأخر لطهارة الراجع من أول الأمر، فإنه لا فرق عرفا في الدم الخارج بالفعل حين خروجه بين ما سوف يرجع و ما لا يرجع جزما، فاحتمال دخالة الرجوع في طهارة المتخلف لو كان فهو من باب كون تخلفه بعد رجوعه موجبا لارتفاع نجاسته و من الواضح أنه على هذا التقدير يكون المرجع هو استصحاب النجاسة الثابتة قبل الرجوع.

نعم هذا البيان مخصوص بالمتخلف بعد الخروج، و لا يجري على المتخلف بالعناية من دون خروج، غير أن الارتكاز الأول كاف للحكم بالنجاسة فيه أيضا.

(1) اختصاص الطهارة بالمتخلف في الذبيحة المأكولة أو شمولها للمتخلف في الذبيحة من غير المأكول فضلا عن المتخلف في العضو غير المأكول كالطحال مبتن على مدارك الحكم بطهارة الدم المتخلف.

فاذا كان المدرك قصور إطلاق دليل النجاسة في نفسه فهو جار في الموردين أيضا. و لو كان المدرك هو الإجماع القولي على الطهارة فمن الواضح اختصاصه بالمتخلف من ذبيحة مأكولة و في عضوها المأكول، لأنه مورد الإجماع. و لو كان المدرك هو الإجماع بصيغته العملية الارتكازية، فلا يبعد دعوى: التفصيل بين المتخلف في عضو غير مأكول من ذبيحة مأكولة فتشمله السيرة، و بين المتخلف في ذبيحة غير مأكولة فلا علم بشمولها.

و لو كان المدرك دلالة الاقتضاء في أدلة تجويز أكل الذبيحة فمن الواضح اختصاصها بما يتخلف في العضو المأكول، لأنه الذي جوز اكله.

و لو كان المدرك هو الآية الكريمة، فلو التزمنا بحرمة شرب الدم من غير المأكول كحرمة نفسه فالحلية الثابتة في الآية مخصصة لا محالة و معه لا يمكن التمسك بلازمها و هي الطهارة، و الا فتشمله الآية و تثبت فيه الطهارة أيضا.

و حيث ان الصحيح عندنا هو المدرك الأول، فالمتجه هو الحكم بالطهارة في الموردين معا، لو لا شبهة الإجماع المدعى من قبل غير واحد من الأصحاب على النجاسة المقتضي للاحتياط.


197
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 1): العلقة المستحيلة من المني نجسة ؛ ج‌3، ص : 198

(مسألة- 1): العلقة المستحيلة من المني نجسة

، من إنسان كان أو من غيره، حتى العلقة في البيض، و الأحوط الاجتناب عن النقطة من الدم الذي يوجد في البيض (1).

لكن إذا كانت في الصفار و عليه جلده لا ينجس معه البياض إلا إذا تمزقت الجلدة.

______________________________
(1) الدم تارة: لا يكون منسوبا الى الحيوان بوجه كالدم المصنوع كيمياويا، أو بالاعجاز. و اخرى: ينتسب الى الحيوان بمجرد كونه مظروفا بالواسطة له، كنقطة الدم الموجودة في البيض. و ثالثة: ينتسب اليه مضافا الى هذه الظرفية بكونه مبدأ لنشوء الحيوان، كالعلقة في البيض، و رابعة:

ينتسب اليه مضافا الى المبدئية بكونه مظروفا للحيوان مباشرة، كالعلقة المستحيلة من المني في الإنسان أو الحيوان. و لا شك في ان هذه الأقسام‌


198
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 1): العلقة المستحيلة من المني نجسة ؛ ج‌3، ص : 198

..........

______________________________
مترتبة في خفاء الحكم بالنجاسة فيها.

فالقسم الأول أخفى الأقسام، لوضوح ان الحكم بنجاسته يتوقف أولا: على ثبوت مطلق يدل على نجاسة الدم بعنوانه، و قد عرفت عدمه.

و ثانيا: على عدم احتمال تقوم مفهوم الدم عرفا بالإضافة إلى الحيوان، و الا لم ينفع الإطلاق. و ثالثا:- بعد افتراض سعة المفهوم- على عدم الانصراف عن هذا النحو من الدم، لا لمجرد ندرته حتى ينتقض بدم حيوان يخلق بالمعجزة فإنه في الندرة كالدم المخلوق بالاعجاز، بل بضم مناسبات الحكم و الموضوع التي تقتضي ارتكازا تساوي نسبة النجاسة إلى دم الحيوان الطبيعي و دم الحيوان الاعجازي، و لا تقضى مثل ذلك في دم الحيوان مع الدم المخلوق اعجازا.

و اما القسم الثاني: فهو يتوقف على الأمر الأول فقط لوضوح صدق الدم عرفا و انصرافا عليه، فلو تم مطلق يقتضي نجاسة الدم يشمله. و اما لو لم يتم دليل الا على نجاسة دم الحيوان بهذا العنوان، فقد يستظهر من الإضافة الجزئية الفعلية، و قد يستظهر ما يعم الجزئية الشأنية المنطبقة على العلقة، و قد يستظهر عدم اختصاص الإضافة بالجزئية و شمولها لعلاقة الظرفية أيضا، و يتوقف شمول الدليل حينئذ للقسم الثاني على الاستظهار الثالث، مع عناية شمول الظرفية للظرفية بالواسطة.

و اما القسم الثالث: فلا شك في شمول المطلق له لو كان. و اما مع اختصاص دليل النجاسة بدم الحيوان فيتوقف الشمول على نكتة الشمول للقسم الثاني، أو على استظهار ما يعم الجزئية الشأنية.

و اما القسم الرابع: فهو مشمول للمطلق لو كان، و الدليل نجاسة دم الحيوان على غير الاستظهار الأول من الاستظهارات الثلاثة المتقدمة.

و من مجموع ما ذكرناه ظهر ان للمنع عن نجاسة تمام الأقسام الأربعة‌


199
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 2): المتخلف في الذبيحة و ان كان طاهرا و لكنه حرام ؛ ج‌3، ص : 200

(مسألة- 2): المتخلف في الذبيحة و ان كان طاهرا و لكنه حرام

، الا ما كان في اللحم مما يعد جزء منه (1).

______________________________
مجالا، خصوصا القسم الأول فإنا لا نسلم بوجود مطلق يدل على نجاسة كل دم أو على نجاسة دم كل حيوان، و لو سلم فلا يشمل تمام الأقسام المذكورة على التفصيل الذي أوضحناه.

(1) لا شك في حلية ما يعتبر من الدم تابعا للحم، و ان لم يكن مستهلكا فيه حقيقة بالنظر العرفي، و ذلك للسيرة القطعية التي يستكشف بها تخصيص أدلة حرمة الدم، و الدلالة الالتزامية العرفية لدليل حلية الذبيحة بالتذكية، مضافا الى مفهوم الوصف في قوله تعالى «دَماً مَسْفُوحاً» بناء على دلالة مفهوم الوصف على انتفاء الحكم بانتفاء الوصف و لو في الجملة، و كون الانتفاء في مثل المقام هو القدر المتيقن من تلك القضية المهملة، و عدم تقديم إطلاق تحريم الدم في الآية الأخرى، على تفصيل تقدم عند البحث عن طهارة الدم المتخلف.

و اما ما لا يعد تابعا كذلك فهو حرام، لشمول إطلاقات الحرمة له، و عدم وجود المخصص، لعدم انعقاد السيرة على حليته، و عدم إمكان إثبات حليته بمفهوم الوصف المشار اليه آنفا، لأنه لو تم فهو قضية مهملة لا إطلاق فيها و المتيقن منها الدم التابع. مضافا الى إمكان دعوى: كونه مسفوحا و عدم اختصاص المسفوح بالمنصب حين الذبح خاصة، كما ان دليل حلية الحيوان بالتذكية لا يقتضي بالالتزام حلية الدم غير التابع كما هو واضح.

و اما دعوى: الاستدلال على حلية الدم المتخلف مطلقا بحصر محرمات الذبيحة في الروايات بأمور ليس الدم منها، كما عن صاحب الحدائق (قدس سره) فغريبة، لاشتمال روايات محرمات الذبيحة على الدم أيضا، كرواية إبراهيم‌


200
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 3): الدم الأبيض إذا فرض العلم بكونه دما نجس ؛ ج‌3، ص : 201

(مسألة- 3): الدم الأبيض إذا فرض العلم بكونه دما نجس

، كما في خبر فصد العسكري صلوات اللّه عليه، و كذا إذا صب عليه دواء غير لونه الى البياض (1).

______________________________
ابن عبد الحميد عن ابى الحسن (ع) و غيرها كما يظهر بالمراجعة. و عليه فما في المتن هو الصحيح.

(1) الدم تارة: يصبح أبيض بسبب خارجي عارض كالصبغ، و اخرى يكون أبيض بحسب تكونه. اما الأول فلا إشكال في نجاسته، اما لاستصحاب نجاسته، و اما للتمسك بالإطلاق اللفظي في دليل نجاسة الدم لو كان لوضوح عدم خروجه عن كونه دما بذلك. و اما للتمسك بغير المطلق من أدلة نجاسة الدم بعد مساعدة العرف على التعدي لاقتضاء الارتكاز العرفي إلغاء مثل هذه الخصوصية.

و اما الثاني فإن كان على نحو لا يصدق عليه الدم عرفا، فلا إشكال في عدم شمول دليل النجاسة له. و ان كان مصداقا للدم عرفا، فشمول الدليل له مبني، اما على وجود الإطلاق اللفظي في دليل نجاسة الدم أو على إلغاء الخصوصية بالارتكاز العرفي، و كلاهما غير ثابت. و ان شك في مصداقيته للدم عرفا بنحو الشبهة المفهومية، فلا مجال لإجراء استصحاب الدمية فيه و لو فرضت له حالة سابقة كذلك، اما بناء على إنكار إطلاق في الدليل الاجتهادي للنجاسة فواضح، و اما بناء على ثبوت الإطلاق في مثل رواية عمار فلعدم جريان الاستصحاب في الشبهة المفهومية كما لا يجري حينئذ استصحاب النجاسة لعدم العلم بالنجاسة السابقة لكي تستصحب فان دليل نجاسة الدم لا يشمل الدم في داخل جسم الإنسان فلا بأس بالحكم بطهارته ما لم يقم إجماع تعبدي على النجاسة في مثله.


201
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 4) الدم في اللبن و دم الجنين ؛ ج‌3، ص : 202

(مسألة- 4) [الدم في اللبن و دم الجنين]

الدم الذي قد يوجد في اللبن عند الحلب نجس و منجس للبن (1).

(مسألة- 5): الجنين الذي يخرج من بطن المذبوح

و يكون ذكاته بذكاة أمه تمام دمه طاهر و لكنه لا يخلو من اشكال (2).

______________________________
(1) سواء نشأ عن ضغط في الحلب مع ضعف الحيوان، أو عن جرح في الباطن أو غير ذلك، فإنه نجس باعتباره دما مسفوحا عرفا و داخلا في القضية المتيقنة من دليل النجاسة، و لو لم نقل بوجود إطلاق شامل فيه، لوضوح عدم الفرق بحسب الارتكاز العرفي بين الأسباب المؤدية إلى ظهور الدم.

(2) و تحقيق الكلام في ذلك يقع تارة: بعد البناء على وجود إطلاق في دليل نجاسة الدم. و اخرى: مع إنكار ذلك.

فعلى الأول يكون الإطلاق شاملا لمحل الكلام و مقتضيا لنجاسة المسفوح من دم الجنين، فنحتاج للحكم بطهارته الى مقيد. و المقيدات السابقة التي أخرجت الدم المتخلف في الذبيحة عن الإطلاق قاصرة عن إخراج مطلق دم الجنين بما فيه المسفوح منه، اما الإجماع الفتوائي فدليل لبى يقتصر فيه على القدر المتيقن. و اما السيرة من المتشرعة فغير معلومة هنا، إذ يحتمل كون العادة جارية في مقام الاستفادة من الجنين على ذبحه و خروج مقدار من دمه. و اما قوله تعالى «أَوْ دَماً مَسْفُوحاً» بناء على تمامية الاستدلال به فلا يمكن الاستدلال به في المقام، إذ مع ذبح الجنين يصدق عنوان المسفوح على المقدار الذي يخرج فكيف نحكم بطهارة الكل. و اما ما دل على جواز أكل الذبيحة بالتذكية الدال التزاما على طهارة الدم المتخلف فلا يدل‌


202
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 6) الدم المتخلف في الصيد ؛ ج‌3، ص : 203

(مسألة- 6) [الدم المتخلف في الصيد]

الصيد الذي ذكاته بآلة الصيد في طهارة، ما تخلف فيه بعد خروج روحه اشكال، و إن كان لا يخلو عن وجه. و اما ما خرج منه فلا إشكال في نجاسته (1).

______________________________
بالالتزام على طهارة تمام دم الجنين في المقام، إذ لا يلزم من نجاسة ما يخرج منه عادة بالذبح تعذر الاستفادة منه الا بعناية غير عرفية، كما كان يلزم ذلك من نجاسة المتخلف.

و قد يقرب الحكم بطهارة مطلق دم الجنين بوجه مختص بالمقام، و بيانه:

ان قوله تعالى: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» دل على أن الجنين كأنه ذبح و ذكي فيضم الى دليل أن ما بقي في المذبوح طاهر، فيكون الأول موسعا لموضوع الثاني و حاكما عليه.

و فيه: أولا: ان ذلك يتوقف على أن يكون التنزيل في الدليل الأول الحاكم بلحاظ تمام الآثار، لا منصرفا إلى الحلية فقط. و ثانيا: أن موضوع الدليل المحكوم مركب من الذبح و كون الدم متخلفا، و مجرد تنزيل ذبح الجنين لا يكفي، بل لا بد أن ينزل أيضا دم أمه منزلة دمه على نحو يصدق على دم الجنين أنه دم متخلف بلحاظ ما خرج من دم الأم.

و على الثاني لا بد في التعدي من القدر المتيقن للدليل على النجاسة من الجزم بعدم الفرق فقهيا أو ارتكاز عدمه عرفا، و قد قلنا فيما سبق. ان الدم المتخلف بالقسر حاله حال الدم المسفوح ارتكازا، لكن المقام يختلف الى حد ما عن ذلك، لأن القسر هنا طبيعي لا عنائي فالجزم بالتعدي لا يخلو من اشكال.

(1) لا إشكال في أن المقدار الخارج بآلة الصيد دم مسفوح و داخل في المتيقن من دليل النجاسة. و أما الباقي فهل يحكم بطهارته، أو يقال‌


203
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 7) فروع من الشك في الدم ؛ ج‌3، ص : 204

 

(مسألة- 7) [فروع من الشك في الدم]

الدم المشكوك في كونه من الحيوان أولا محكوم بالطهارة. كما ان الشي‌ء الأحمر الذي يشك في انه دم أم لا كذلك. و كذا إذا علم انه من الحيوان الفلاني و لكن لا يعلم انه مما له نفس أولا، كدم الحية و التمساح. و كذا إذا لم يعلم انه دم شاة أو سمك (1).

______________________________
بأن طهارته منوطة بالتخلف عند فتح المجرى الطبيعي بالذبح و لا يكفي التخلف عن الخروج من الفتحة التي توجدها آلة الصيد؟. الظاهر هو الطهارة، أما بناء على عدم الالتزام بوجود إطلاق في دليل النجاسة فواضح و اما بناء على تمامية الإطلاق فللزوم الخروج عنه، لأن لازمه تعين ذبح الصيد في مقام الاستفادة منه، إذ بدون ذلك لا يحكم بطهارة المتخلف فيتعذر أكله إلا بعنايات غير عرفية، و من الواضح قيام السيرة على عدم الذبح، فالمتعين الحكم بطهارة المتخلف.

تتلخص هذه المسألة في فروع أربعة:

الفرع الأول: انه إذا شك في كون شي‌ء دما أم لا، فهو محكوم بالطهارة.

(1) و لا إشكال في عدم ترتيب آثار النجاسة عليه. الا أن الكلام في تخريج ذلك على ضوء الأصول المؤمنة، إذ قد يقرب ذلك بعدة وجوه:

أحدهما: التمسك بأصالة الطهارة. و هو موقوف على تمامية عموم في دليلها يشمل موارد الشك في النجاسة الذاتية. و قد تقدم تفصيل الكلام عن ذلك في موضع سابق من هذا الشرح.

ثانيها: التمسك بالاستصحاب الحكمي، و ذلك: اما بإجراء استصحاب عدم جعل النجاسة له، فيما إذا كانت الشبهة مفهومية، لرجوعها الى الشك في الجعل الزائد. و اما بإجراء استصحاب الطهارة المتيقنة في زمان ما‌

 

 

 

204
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الفرع الأول: انه إذا شك في كون شي‌ء دما أم لا، فهو محكوم بالطهارة. ؛ ج‌3، ص : 204

..........

______________________________
لهذا المائع المشكوك حتى على تقدير كونه دما، لان الدم ما دام في الباطن طاهر، فنستصحب تلك الطهارة. و اما بإجراء استصحاب العدم الأزلي للنجاسة المجعولة الجاري في موارد الشبهة الموضوعية، فيما إذا سلم بان الدم منذ يوجد في الباطن نجس، فان فعلية هذه النجاسة مسبوقة بالعدم الأزلي الثابت قبل وجود الموضوع، فيستصحب.

اما الاستصحاب الأول فلا يتم في الشبهات الموضوعية، لأن الشك فيها انما هو في مرحلة الانحلال و تطبيق الكبرى على صغرياتها، و ليس شكا في سعة الكبرى و حدود جعلها.

و اما الاستصحاب الثاني فلا يتم حتى لو قيل بطهارة الدم في الباطن لان طهارته انما يقال بها لقصور دليل نجاسة الدم لشمول الباطن، فيرجع في الدم الباطن إلى قاعدة الطهارة. فإن أريد بالاستصحاب استصحاب الطهارة الواقعية فهي غير محرزة ثبوتا، و ان أريد استصحاب الطهارة الثابتة و لو بالأصل فلا معنى لذلك مع إمكان الرجوع الى دليل الأصل ابتداء لإثبات الطهارة الظاهرية.

و اما الاستصحاب الثالث، فقد يلاحظ عليه انه مبني على مقايسة نجاسة الدم بالأحكام التكليفية كوجوب الحج على المستطيع، فكما ان فعلية وجوب الحج تابعة لوجود المستطيع خارجا كذلك فعلية النجاسة تابعة لوجود الدم خارجا، فيكون لها عدم أزلي بعدم الدم. مع ان وصف القذارة لشي‌ء في نظر العرف يختلف عن وصف الوجوب على المستطيع، حيث انه لا يتعقل الوجوب على المستطيع الا بعد وجوده، فينحل الجعل إلى قضية شرطية مؤداها: لو وجد مستطيع لوجب عليه الحج، و بذلك تكون فعلية الوجوب تابعة لفعلية وجود الشرط. و لكنه يتعقل كون الشي‌ء قذرا في نفسه بحيث يكون وجوده وجودا للقذر، لا انه بعد الوجود يوصف بالقذارة. فجعل‌


205
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الفرع الأول: انه إذا شك في كون شي‌ء دما أم لا، فهو محكوم بالطهارة. ؛ ج‌3، ص : 204

..........

______________________________
النجاسة للدم لا ينحل إلى قضية شرطية موازية، بمعنى انه إذا وجد الدم كان قذرا، بل إلى قضية مفادها إذا كان الشي‌ء دما فهو قذر، و كون الدم دما لا يتوقف على وجوده، و هذا يعني ان المجعول فعلي بنفس الجعل دون توقف على وجود الموضوع. و يترتب على ذلك: ان المستصحب هو عدم المجعول الثابت بعدم الجعل، لا عدمه الأزلي الثابت بعدم وجود الموضوع.

ثالثها: التمسك بالاستصحاب الموضوعي فيما إذا كانت الشبهة موضوعية لا مفهومية، لعدم جريان الاستصحاب في المفهوم المجمل. و ذلك بإجراء استصحاب العدم الأزلي لدمية المائع المشكوك الثابت قبل وجوده. و قد يقال بإجراء استصحاب عدم كونه دما و لو بني على عدم جريان الاستصحاب في الاعدام الأزلية، لان مادة هذا المائع لم تكن دما في زمان يقينا فيستصحب ذلك. و فيه: ان هذا مبني على جريان الاستصحاب في موارد الشك في الاستعالة، لان المقام منه، حيث ان تحول الغذاء الى دم، يعتبر استحالة عرفا، و هو لا يجرى على ما يأتي ان شاء اللّه تعالى في بحث المطهرات.

و قد يقال: بعدم جريان الاستصحاب لنفي دمية المائع و لو قيل بإجراء الاستصحاب في الاعدام الأزلية، لان الدمية من الخصائص الذاتية لا العرضية و الخصوصيات الذاتية لا يقين بعدمها أصلا، لأن ثبوت الشي‌ء لذاته ضروري بقطع النظر عن وجوده.

و تفصيل الحال في ذلك: ان الحكم بالنجاسة ان كان بحسب الفهم العرفي حكما مترتبا على الوجود الخارجي للدم، فمن الواضح ان هذا الوجود لم يكن قبل تحققه وجودا للدم، فيستصحب العدم الأزلي لذلك.

و ان كانت النجاسة بحسب الفهم العرفي حكما لذات الدم في نفسه بقطع النظر عن وجوده و عدمه، بنحو يرى العرف ان الوجود يطرء على ما هو موصوف بالقذارة، فلا يمكن اجراء استصحاب عدم دمية ذات المائع المشكوك،


206
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الفرع الثاني: انه إذا علم بكونه دما و شك في كونه من الحيوان أو غيره، فهو محكوم بعدم النجاسة، ؛ ج‌3، ص : 207

..........

______________________________
لان المائع إذا كان دما فلا انفكاك بين فرض ذاته و فرض الدمية، كما هو واضح.

الفرع الثاني: انه إذا علم بكونه دما و شك في كونه من الحيوان أو غيره، فهو محكوم بعدم النجاسة،

اما لأصالة الطهارة، أو للاستصحاب الحكمي، أو للاستصحاب الموضوعي. اما الأول: فالكلام فيه كما تقدم في الفرع السابق. و اما الثاني: فهو تام بالبيان المتقدم. و لا يرد عليه:

ان الشبهة إذا كانت مفهومية- كما إذا شك في ان دم البيضة هل يصدق عليها عنوان دم الحيوان- كان المقام من موارد التمسك بعموم دليل نجاسة الدم، إذ يدور أمر المخصص له المخرج لدم غير الحيوان بين الأقل و الأكثر فلا تصل النوبة إلى الاستصحاب. و وجه عدم الورود: ان اختصاص النجاسة بدم الحيوان ليس من باب التخصيص، ليتمسك بالعام في موارد الشك، بل لقصور دليل النجاسة من أول الأمر.

و اما الثالث: اي استصحاب عدم كون الدم من حيوان، فيرد عليه: ان الدم الذي لا يكون من حيوان لم تثبت طهارته بدليل اجتهادي ليتنقح موضوعه بالاستصحاب، و انما ثبتت طهارته بقاعدة الطهارة بعد قصور دليل النجاسة، فلا بد من الرجوع إليها ابتداء، كما أشرنا إلى نظير ذلك في الفرع السابق.

الفرع الثالث: انه إذا علم بكونه دم حيوان معين و شك في ان هذا الحيوان ذو نفس سائلة فهو محكوم بالطهارة.

و تفصيل ذلك: ان الشبهة تارة: مفهومية، و اخرى: مصداقية. فعلى الأول: ان بنى على وجود إطلاق في دليل نجاسة الدم و ان طهارة دم ما لا نفس له مستندة الى التخصيص المنفصل، تعين التمسك بالمطلق لإثبات النجاسة، و لا تصل النوبة إلى الأصول. و ان بنى على عدم وجود إطلاق و ان طهارة ما لا نفس‌


207
بحوث في شرح العروة الوثقى3

الفرع الرابع: انه إذا علم بكونه دم حيوان مردد بين السمك الذي لا نفس له و الدجاج الذي له نفس. ؛ ج‌3، ص : 208

..........

______________________________
له مستندة الى قصور المقتضى، فلا بأس بإجراء أصالة الطهارة و الاستصحاب الحكمي على ما تقدم، دون الاستصحاب الموضوعي لعدم جريان الاستصحاب في المفهوم المجمل.

و على الثاني: يرجع الى القاعدة و الى الاستصحاب الحكمي. و قد يتمسك بالاستصحاب الموضوعي، اي استصحاب عدم كون الحيوان ذا نفس سائلة بنحو العدم الأزلي و لكنه مشكل، لان دم ما له نفس سائلة ان كان موردا للدليل الاجتهادي على الطهارة فلا بأس بالاستصحاب الموضوعي لتنقيح موضوع هذه الطهارة أو نفي موضوع النجاسة، و اما إذا كان نفي النجاسة عن دم ما له نفس على إطلاقه ناشئا من قصور دليل النجاسة و الرجوع الى الأصل، فلا يفيد الاستصحاب المذكور لنفي الموضوع الواقعي للنجاسة، بل لا بد من الانتهاء مع ذلك الى القاعدة، و معه يلغو اجراء الاستصحاب.

الفرع الرابع: انه إذا علم بكونه دم حيوان مردد بين السمك الذي لا نفس له و الدجاج الذي له نفس.

و الحال فيه: من حيث الرجوع الى القاعدة أو الاستصحاب الحكمي كما تقدم. و اما من حيث الاستصحاب الموضوعي فلا يمكن اجراء استصحاب عدم كون الحيوان المنسوب اليه هذا الدم ذا نفس سائلة، لأنه من استصحاب الفرد المردد، لان ذات ذاك الحيوان اما مقطوع الاتصاف بهذا الوصف أو مقطوع الاتصاف بعدمه.

و قد يتمسك- كما عن السيد الأستاذ- باستصحاب عدم كون الدم دم حيوان ذي نفس سائلة. و لكن يرد عليه: ان الموضوع للحكم بالنجاسة هو دم الحيوان ذي النفس السائلة، فإذا أخذ هذا الموضوع بنحو التقييد أمكن إجراء الاستصحاب المذكور، و إذا أخذ الموضوع بنحو التركيب- كما هو المستظهر في سائر الموارد- كان الموضوع مركبا من دم حيوان و كون الحيوان‌


208
بحوث في شرح العروة الوثقى3

إذا شك في كون الدم المتخلف ؛ ج‌3، ص : 209

فإذا رأى في ثوبه دما لا يدري انه منه أو من البق أو البرغوث يحكم بالطهارة (1).

و اما الدم المتخلف في الذبيحة إذا شك في انه من القسم الطاهر أو النجس، فالظاهر الحكم بنجاسته عملا بالاستصحاب، و ان كان لا يخلو عن اشكال. و يحتمل التفصيل: بين ما إذا كان الشك من جهة احتمال رد النفس فيحكم بالطهارة لأصالة عدم الرد، و بين ما إذا كان لأجل احتمال كون رأسه على علو فيحكم بالنجاسة عملا بأصالة عدم خروج المقدار المتعارف (2).

______________________________
ذا نفس سائلة، و الأصل حينئذ لا بد من إجرائه في ذات الجزء الذي تتم فيه أركانه، لا في المجموع بما هو مجموع، لأنه خلف التركيب، و من الواضح أن الجزء الأول مقطوع الثبوت، و الجزء الثاني لا يمكن استصحاب عدمه لأنه من استصحاب الفرد المردد كما تقدم.

(1) التحقيق هو الفرق بين تردد الدم بين كونه دم إنسان أو دم سمك، و تردده بين كونه دم إنسان أو دم برغوث أو نحوه من الحيوانات التي ليس لها دم بالأصالة. ففي الأول: تجري الأصول المؤمنة كما سبق و اما في الثاني: فيجري الاستصحاب الموضوعي المقتضي للنجاسة، لأن هذا الدم يعلم بأنه دم إنسان و نحوه حدوثا- إذا علم بأنه على تقدير كونه من برغوث فقد انتقل اليه من إنسان أو نحوه مما له نفس سائلة- و يشك في تبدل عنوانه، فيستصحب العنوان المتيقن، و يحكم بنجاسته.

[إذا شك في كون الدم المتخلف]

(2) مفروض المصنف- قدس سره- هو الكلام في الشبهة المصداقية للمتخلف و المسفوح، و قد قسم ذلك الى فرعين:

أحدهما: فيما إذا شك في خروج المقدار المتعارف. و الكلام فيه:


209
بحوث في شرح العروة الوثقى3

إذا شك في كون الدم المتخلف ؛ ج‌3، ص : 209

..........

______________________________
تارة: يقع في الأصل الحكمي. و أخرى: في الأصل الموضوعي. أما الأصل الحكمي: فقد يتمسك باستصحاب النجاسة الثابتة حال الحياة. و لكنه مدفوع بعدم وجود دليل على نجاسة الدم في باطن الحيوان- حتى لو تم إطلاق في مثل موثقة عمار السابقة- لعدم شموله للدم الباطن. و قد يتمسك- بناء على ذلك- باستصحاب الطهارة و لكنه موقوف على قيام دليل اجتهادي على طهارة الباطن، كما لو تم مفهوم قوله تعالى
«دَماً مَسْفُوحاً».

و اما إذا كانت طهارة الباطن بالأصل، فهو المرجع، و لا محصل حينئذ لتوسيط الاستصحاب.

و اما الأصل الموضوعي: فيمكن أن يقرب لإثبات النجاسة بأحد وجهين:

الأول: التمسك باستصحاب عدم خروج المقدار المتعارف. و تحقيق الحال في ذلك: انه تارة: نفرض أن الدليل دل على نجاسة كل دم و خرج بالتخصيص الدم المتخلف. و يترتب على ذلك أنه لو لم يخرج المقدار المتعارف كان الكل نجسا ذاتا. و أخرى: نفرض- كما هو الأقرب- أن الدليل لم يدل على نجاسة كل دم ثم ورد عليه تخصيص، بل دل ابتداء على نجاسة الدم المسفوح و لو بتعميم المسفوح لما سفح بالفعل و للمسفوح شأنا أي ما كان من شأنه الخروج و لم يخرج لمانع. و يترتب على ذلك: انه لو لم يخرج المقدار المتعارف لا يكون الكل نجسا ذاتا، بل بعضه نجس ذاتا و بعضه نجس بالملاقاة. و عليه: فان أخذنا بالفرضية الأولى جرى استصحاب عدم العنوان المحكوم عليه بالطهارة، سواء فرضناه عنوانا بسيطا- كما إذا فرض استثناء المتخلف مثلا فيستصحب عدم التخلف- أو فرضناه مركبا، كما إذا فرض استثناء دم ذبيحة خرج منه المقدار المتعارف بأن يكون الموضوع مركبا من دم ذبيحة و خروج المقدار المتعارف منها فيستصحب عدم الجزء الثاني فتثبت النجاسة.


210
بحوث في شرح العروة الوثقى3

إذا شك في كون الدم المتخلف ؛ ج‌3، ص : 209

..........

______________________________
و أما إذا أخذنا بالفرضية الثانية و كانت النجاسة حكما لدم معين و عنوان وجودي كالمسفوح و لو شأنا، فاستصحاب عدم الخروج أو عدم التخلف لا يثبت هذا العنوان الا بنحو الأصل المثبت، فلا تثبت النجاسة.

الثاني: التمسك بالاستصحاب بوجه آخر. توضيحه: اننا إذا فرضنا مثلا أن المقدار المتعارف خروجه هو أوقية مثلا، و شككنا في خروجها بتمامها و عدمه، فهذا يعني أن تلك الأوقية قد أصبحت نجسة بالسفح و لو سفحا شأنيا، سواء كانت قد خرجت أولا. و يشار حينئذ إلى الدم الموجود في الذبيحة فعلا و يقال: ان لم يكن هذا نجسا ذاتا فقد كان ملاقيا حتما لذاك الدم الذي صار نجسا، فإن الملاقاة معلومة و لو بلحاظ حال الحياة، و نشك في انقطاع الملاقاة و عدمه، إذ لو خرج مجموع الأوقية فقد انقطعت الملاقاة و الا فلا، فتستصحب و تثبت النجاسة. من قبيل ما لو لاقى الثوب مع الخشبة و علمنا بأنها تنجست، و شك في بقاء الملاقاة إلى حين نجاسة الخشبة فتستصحب الملاقاة إلى حين النجاسة.

لا يقال: العبرة بملاقاة النجس بعنوان كونه نجسا، و هذا لا يثبت إلا بالملازمة. فإنه يقال: انه لو تم هذا الاشكال لبطل أيضا استصحاب نجاسة الملاقي- بالفتح- لإثبات نجاسة الملاقي. و الجواب: يكون بالالتفات الى أن هذه الموضوعات ترجع الى التركيب، فموضوع النجاسة هو الملاقاة مع جسم، و ان يكون ذلك الجسم نجسا. فلو علم بالجزء الأول و شك في الثاني جرى استصحابه، كما في استصحاب نجاسة الملاقي- بالفتح- و ان علم بالثاني و شك في الأول جرى أيضا استصحابه، كما في المقام و فيما ذكرناه من مثال الخشبة. و عليه فهذا الاستصحاب فيما نحن فيه يحكم بالنجاسة الا أن هذا الاستصحاب انما يجري فيما إذا شك في خروج المقدار المعلوم تعارف خروجه، لا فيما علم بالمقدار الخارج و شك في مقدار المتعارف‌


211
بحوث في شرح العروة الوثقى3

إذا شك في كون الدم المتخلف ؛ ج‌3، ص : 209

..........

______________________________
لأجل الشك في قدر الدم الذي يشتمل عليه الحيوان، فإنه في مثل ذلك لا يمكن استصحاب الملاقاة مع الدم المتعارف ظهوره، لأنه من استصحاب الفرد المردد، لأننا نعلم بانقطاع الملاقاة مع واقع الدم المتعارف خروجه على تقدير أن يكون المقدار المعلوم خروجه هو المتعارف.

على أن هذا الاستصحاب في المورد الذي يجري لا يثبت النجاسة لابتلائه بالمعارض، إذ لو لوحظ ما هو الموجود في الذبيحة من الدم فيشك في كونه مسفوحا، و النجاسة متعلقة بالمسفوح، فيستصحب عدم كونه دما مسفوحا. و بناء عليه يقال: إنه ليس دما نجسا على أساس كونه مسفوحا لنفي ذلك بالاستصحاب، و ليس نجسا من باب الملاقاة للعلم بعدم ملاقاته لشي‌ء آخر. و بعد تعارض الاستصحابين يرجع الى أصالة الطهارة الفرع الثاني: فيما إذا علم بخروج المقدار المتعارف و شك في الرجوع فالدم المحتمل كونه هو الراجع يحتمل فيه النجاسة الذاتية، و الباقي الملاقي له تحتمل فيه النجاسة العرضية. و قد يتمسك فيه لنفي النجاسة باستصحاب عدم الرجوع أو عدم رد النفس، و هو لا يثبت عدم كون هذا الدم راجعا إلا بالملازمة كما هو واضح. و قد يستبدل- نظرا لذلك- باستصحاب بقاء هذا الدم في الذبيحة.

و التحقيق: ان النجاسة إذا قيل بأنها لم تثبت في دليلها الا على عنوان الدم المفسوح و لو شأنا لم يكن هناك اثر لاستصحاب بقاء الدم، بل يجرى استصحاب عدم كونه مسفوحا. و إذا قيل: بان الدليل دل على نجاسة دم الذبيحة مطلقا و خرج منه بالتخصيص الدم المتخلف، فان كان الخارج خارجا بعنوان ثبوتي بسيط كعنوان المتخلف، جرى استصحاب عدم هذا العنوان لإثبات النجاسة، و لا يفيد استصحاب بقاء الدم في الذبيحة. و ان كان الخارج من إطلاق دليل النجاسة الدم الباقي في الذبيحة، فهنا افتراضان:


212
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 8) حكم المردد بين الدم و غيره ؛ ج‌3، ص : 213

(مسألة- 8) [حكم المردد بين الدم و غيره]

إذا خرج من الجرح أو الدمل شي‌ء اصفر يشك في انه دم أم لا، محكوم بالطهارة. و كذا إذا شك من جهة الظلمة انه دم أم قيح، و لا يجب عليه الاستعلام (1).

______________________________
أحدهما: ان يكون موضوع الحكم بالطهارة الدم الباقي مع خروج المقدار المتعارف. و الآخر: ان يكون الموضوع الدم الباقي بعد خروج غيره بالمقدار المتعارف، فعلى الأول يفيد استصحاب بقاء هذا الدم لإثبات الطهارة لأن الموضوع للطهارة يكون مركبا من جزئين: أحدهما يحرز بهذا الاستصحاب و الآخر محرز بالوجدان و هو خروج المقدار المتعارف. و على الثاني لا يفيد الاستصحاب المذكور، لان الجزء الآخر في الموضوع- و هو خروج غيره بالمقدار المتعارف- غير محرز وجدانا، و لا يمكن إثباته بالاستصحاب، كما هو واضح.

(1) إذا شك في النجاسة بنى على الأصول المؤمنة الحكمية و الموضوعية و لم يجب الفحص، إما لعدم وجوب الفحص و لو بمعنى يقابل غمض العين في مطلق الشبهات الموضوعية، و اما لعدم وجوب ذلك في خصوص الشبهات الموضوعية للنجاسة، بقرينة لسان مثل قوله: «ما أبالي أ بول أصابني أو ماء إذا لم أعلم» «1» و نحوه من الألسنة.

و انما الجدير بالبحث هنا احتمال الحكم بنجاسة الشي‌ء الأصفر الخارج و لو لم يكن دما لاشتماله على صفرة الدم. و ما يقرب به الحكم بالنجاسة أحد أمور: إما كونه ملاقيا للدم في الباطن. و إما اشتماله على الدم فعلا بقرينة الصفرة و لا يضر استهلاكه بتنجيسه، كالدم الذي ينجس القدر مع انه يستهلك فيه. و إما كون المائع متغيرا بلون النجس و لو فرض عدم‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة باب 37 من أبواب النجاسات


213
بحوث في شرح العروة الوثقى3

(مسألة - 9): إذا حك جسده فخرجت رطوبة ؛ ج‌3، ص : 214